يكتفون بالمصافحة بل يرقص الرجل مع المرأة بطنا لبطن، فمن تشبه بهم فهو منهم كما قال النبي ﷺ . فالواجب على المرأة المسلمة أن لا تسمح لرجل أجنبي أن يلمس شيئا من جسمها، لا اليدين ولا غيرهما، إلا إذا كانت مريضة، ولم تجد امرأة تداويها، فحينئذ يجوز للطبيب (. . . .) (١) أن يداويها ولو لمس جسمها ولا يستثنى من ذلك زوج الأخت، ولا حمو المرأة وهو أخ زوجها، ولا ابن عمها، ولا ابن خالها، لأنهم أجانب شرعا.
والله يوفقنا جميعا للعمل بما أمرنا به وترك ما نهانا عنه أو نهى عنه رسول الله ﷺ . والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ منه بعد العصر يوم الخميس سابع ذي الحجة سنة ١٤٠٠هـ للهجرة.
стр. 72
[رسالة الحجاب]
[أدلة القرآن على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب وتغطية وجهها]
رسالة الحجاب تأليف فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
стр. 73
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فلقد بعث اللَه تعالى محمدا ﷺ ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، بعثه الله لتحقيق عبادة الله تعالى وذلك بتمام الذل والخضوع له ﵎ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتقديم ذلك على هوى النفس وشهواتها.
وبعثه الله متمما لمكارم الأخلاق، داعيا إليها بكل وسيلة وهادما لمساوئ الأخلاق محذرا عنها بكل وسيلة، فجاءت شريعته ﷺ كاملة من جميع الوجوه لا تحتاج إلى مخلوق في تكميلها أو
стр. 74
تنظيمها فإنها من لدن حكيم خبير عليم بما يصلح عباده رحيم بهم.
وإن من مكارم الأخلاق التي بعث بها محمد ﷺ ذلك الخلق الكريم خلق الحياء الذي جعله النبي ﷺ من الإيمان وشعبة من شعبه، ولا ينكر أحد أن من الحياء المأمور به شرعا وعرفا احتشام المرأة وتخلقها بالأخلاق التي تبعدها عن مواقع الفتن ومواضع الريب، وإن مما لا شك فيه أن احتجابها بتغطية وجهها ومواضع الفتنة منها لهو من أكبر احتشام تفعله وتتحلى به لما فيه من صونها وإبعادها عن الفتنة.
ولقد كان الناس في هذه البلاد المباركة بلاد الوحي والرسالة والحياء والحشمة كانوا على طريق الاستقامة في ذلك، فكان النساء يخرجن متحجبات متجلببات بالعباءة أو نحوها بعيدات عن مخالطة الرجال الأجانب، ولا تزال الحال كذلك في كثير من بلدان المملكة ولله الحمد، لكن لما حصل ما حصل من الكلام حول الحجاب ورؤية من لا
стр. 75
يفعلونه ولا يرون بأسا بالسفور صار عند بعض الناس شك في الحجاب وتغطية الوجه هل هو واجب أو مستحب أو شيء يتبع العادات والتقاليد ولا يحكم عليه بوجوب ولا استحباب في حد ذاته، ولإزالة هذا الشك وجلاء حقيقة الأمر أحببت أن أكتب ما تيسر لبيان حكمه راجيا من الله تعالى أن يتضح به الحق وأن يجعلنا من الهداة المهتدين الذين رأوا الحق واتبعوه ورأوا الباطل باطلا فاجتنبوه فأقول وبالله التوفيق.
اعلم أيها المسلم أن احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب وتغطية وجهها أمر واجب دل على وجوبه كتاب ربك تعالى وسنة نبيك محمد ﷺ والاعتبار الصحيح والقياس المطرد.
فمن أدلة القرآن:
الدليل الأول: قوله تعالى:
стр. 76
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (١) .
وبيان دلالة هذه الآية على وجوب الحجاب على المرأة عن الرجال الأجانب من وجوه:
١ - أن الله تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن والأمر بحفظ الفرج أمر به وبما يكون وسيلة إليه ولا يرتاب عاقل أن من وسائله تغطية الوجه لأن كشفه سبب للنظر إليها وتأمل محاسنها والتلذذ بذلك
стр. 77
وبالتالي إلى الوصول والاتصال، وفي الحديث: «العينان تزنيان وزناهما النظر» إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» فإذا كان تغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأمورا به لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فإن الخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به كالغدفة فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها أما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة فإن الناس الذين يتطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه فإذا كان جميلا لم ينظروا إلى ما سواه نظرا ذا أهمية ولذلك إذا قالوا فلانة جميلة لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه فتبين أن الوجه هو موضع الجمال طلبا وخبرا فإذا كان كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر
стр. 78
الصدر والنحر ثم ترخص في كشف الوجه.
٣ - إن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقا إلا ما ظهر منها وهى التي لا بد من أن تظهر كظاهر الثياب؛ ولذلك قال إلا ما ظهر منها لم يقل إلا ما أظهرن منها ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم، فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى؛ فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي لا يجوز إبداؤها إلا لأناس مخصوصين سواء كانت من صنع الله تعالى كالوجه أم من صنع الآدميين كثياب الجمال الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة.
٤ - إن الله تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولى الإربة من الرجال وهم الخدم الذين لا شهوة لهم وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة ولم
стр. 79
يطلع على عورات النساء فدل هذا على أمرين.
أحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين.
الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة فيكون ستره واجبا لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
يعنى لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفا من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه فكيف بكشف الوجه.
فأيهما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالا بقدم
стр. 80
امرأة لا يدري ما هي وما جمالها لا يدرى أشابة هي أم عجوز ولا يدري أشوهاء هي أم حسناء أيهما أعظم فتنة هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلئ شبابا ونضارة وحسنا وجمالا وتجميلا بما يجلب الفتنة ويدعو إلى النظر إليها إن كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإخفاء.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]
وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى نفى الجناح وهو الإثم عن القواعد وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا لعدم رغبة الرجال بهن لكبر سنهن نفى الله الجناح عن هذه العجائز في وضع ثيابهن بشرط أن لا يكون الغرض من ذلك التبرج بالزينة ومن المعلوم بالبداهة أنه ليس المراد بوضع الثياب أن يبقين عاريات، وإنما المراد وضع الثياب التي تكون فوق الدرع ونحوه مما لا يستر ما يظهر غالبا
стр. 81
كالوجه والكفين فالثياب المذكورة المرخص لهذه العجائز في وضعها هي الثياب السابغة التي تستر جميع البدن وتخصيص الحكم بهؤلاء العجائز دليل على أن الشواب اللاتي يرجون النكاح يخالفنهن في الحكم، ولو كان الحكم شاملا للجميع في جواز وضع الثياب ولبس درع ونحره لم يكن لتخصيص القواعد فائدة، ومن قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] دليل آخر على وجوب الحجاب على الشابة التي ترجو النكاح لأن الغالب عليها إذا كشفت وجهها أنها تريد التبرج بالزينة وإظهار جمالها وتطلع الرجال لها ومدحهم إياها ونحو ذلك ومن سوى هذه نادرة والنادر لا حكم له.
الدليل الثالث: قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] (١) .
стр. 82
قال ابن عباس رضى الله عنهما: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة.
وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ صلى الله عليه وقوله رضى الله عنه ويبدين عينا واحدة إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين.
والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة قالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها.
وقد ذكر أبو عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق.
الدليل الرابع: قوله تعالى
стр. 83
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] (١) .
قال ابن كثير ﵀: لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية فهذه أربعة أدلة من القرآن الكريم تفيد وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب والآية الأولى تضمنت الدلالة على- ذلك من خمسة أوجه.
[أدلة السنة على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب وتغطية وجهها]
وأما أدلة السنة فمنها.
الدليل الأول: قوله ﷺ : «إذا خطب أحاكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم» رواه أحمد.
قال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ نفى الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة إذا نظر من مخطوبته بشرط أن يكون نظره للخطبة فدل هذا على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى
стр. 84
الأجنبية بكل حال وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة مثل أن يكون غرضه لغير الخطبة مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع به ونحو ذلك فإن قيل ليس في الحديث بيان ما ينظر إليه فقد يكون المراد بذلك نظر الصدر والنحر فالجواب: إن كل أحد يعلم أن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه وما سواه تبع لا يقصد غالبا فالخاطب إنما ينظر إلى الوجه لأنه المقصود بالذات لمريد الجمال بلا ريب.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب فقال النبي ﷺ : «لتلبسها أختها من جلبابها» رواه البخاري، ومسلم وغيرهما.
فهذا الحديث يدل على أنْ المعتاد عند نساء الصحابة أن لا تخرج امرأة إلا بجلباب وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج ولذلك ذكرن رضى الله عنهن هذا المانع لرسول الله ﷺ حينما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد فبين النبي ﷺ لهن حل هذا الإشكال بأن
стр. 85
تلبسها أختها من جلبابها ولم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب مع أن الخروج إلى مصلى العيد مشروع مأمور به للرجال والنساء فإذا كان رسول الله ﷺ لم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب فيما هو مأمور به فكيف يرخص لهن في ترك الجلباب لخروج غير مأمور به ولا محتاج إليه بل هو للتجول في الأسواق والاختلاط بالرجال والتفرج الذي لا فائدة منه وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر والله أعلم.
الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيحين، عن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس وقالت: لو رأى رسول الله ﷺ من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منع بنوا إسرائيل نساءها» وقد روي نحو هذا عن ابن مسعود ﵁.
стр. 86
والدلالة في هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون وأكرمها على الله وأعلاها أخلاقا وآدابا وأكملها إيمانا وأصلحها عملا فهم القدوة الذين رضى الله عنهم وعمن اتبعوهم بإحسان كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
فإذا كانت تلك طريقة نساء الصحابة فكيف يليق بنا أن نحيد عن تلك الطريقة التي في اتباعها بإحسان رضي الله تعالى عمن سلكها واتبعها وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]
الثاني: أن عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن مسعود
стр. 87
رضي الله عنهما وناهيك بهما علما وفقها وبصيرة في دين الله ونصحا لعباد الله أخبرا بأن رسول الله ﷺ لو رأى من النساء ما رأياه لمنعهن من المساجد وهذا في زمان القرون المفضلة تغيرت الحال عما كان عليه النبي ﷺ إلى حد يقتضي منعهن من المساجد فكيف بزماننا هذا بعد نحو ثلاثة عشر قرنا وقد اتسع الأمر وقل الحياء وضعف الدين في قلوب كثير من الناس.
وعائشة، وابن مسعود ﵄ فهما ما شهدت به نصوص الشريعة الكاملة من أن كل أمر يترتب عليه محذور فهو محظور.
الدليل الرابع: أن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن قال: يرخينه شبرا قالت إذن تنكشف أقدامهن قال: يرخين ذراعا لا يزدن عليه»
ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم
стр. 88
المرأة وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة رضى الله عنهم والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه.
الدليل الخامس: قوله ﷺ : «إذا كان لِإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. .
وجه الدلالة من هذا الحديث أنه يقتضي أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها فإذا خرج منه وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيا فدل على وجوب احتجاب المرأة من الرجل الأجنبي.
الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول ﷺ فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها
стр. 89
من رأسها فإذا جاوزونا كشفناه» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
ففي قولها فإذا حاذونا تعني الركبان سدلت إحدانا جلبابها على وجهها دليل على وجوب ستر الوجه لأن المشروع في الإحرام كشفه فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفاً حتى عند الركبان وبيان ذلك أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عند الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفازين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن فهذه ستة أدلة من السنة على وجوب احتجاب المرأة وتغطية وجهها عن الرجال الأجانب أضف إليها أدلة القرآن الأربعة
стр. 90
تكن عشرة أدلة في الكتاب والسنة.
الدليل الحادي عشر: الاعتبار الصحيح والقياس المطرد الذي جاءت به هذه الشريعة الكاملة وهو: إقرار المصالح ووسائلها والحث عليها وإنكار المفاسد ووسائلها والزجر عنها فكل ما كانت مصلحته خالصة أو راجحة على مفسدته فهو مأمور به أمر إيجاب أو أمر استحباب، وكل ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة على مصلحته فهو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها للرجال الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة، وإن قدر فيه مصلحة فهي يسيرة منغمرة في جانب المفاسد فمن مفاسده:
١ - الفتنة فإن المرأة تفتن نفسها بفعل ما يجمل وجهها ويبهيه ويظهره بالمظهر الفاتن وهذا أكبر دواعي الشر والفساد.
٢ - زوال الحياء عن المرأة الذي هو من الإيمان
стр. 91
ومن مقتضيات فطرتها فقد كانت المرأة مضرب المثل في الحياء فيقال أحيي من العذراء في خدرها وزوال الحياء من المرأة نقص في إيمانها وخروج عن الفطرة التي خلقت عليها.
٣ - افتتان الرجال بها لا سيما إذا كانت جميلة وحصل منها تملق وضحك ومداعبة كما في كثير من السافرات وقد قيل:
نظرة فسلام كلام فموعد فلقاء
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فكم من كلام وضحك وفرح أوجب تعلق قلب الرجل بالمرأة وقلب المرأة بالرجل فحصل بذلك من الشر ما لا يمكن دفعه نسأل الله السلامة.
٤ - اختلاط النساء بالرجال؛ فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه والتجول سافرة لم يحصل منها حياء ولا خجل من مزاحمته وفى ذلك فتنة كبيرة وفساد عريض، وقد خرج النبي ﷺ ذات
стр. 92
يوم من المسجد وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق فقال النبي ﷺ : «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق به من لصوقها ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب فقال في الفتاوى والمطبوعة أخيرا ص ١١٠ ج ٢ من الفقه و ٢٢ من المجموع وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة ويجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]
стр. 93
حجب النساء عن الرجال ثم قال: والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطى رأسها وسائر بدنها ثم قال: فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب فما بقى يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين إلى أن قال: وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب وفي ص ١١٧، ١١٨ من الجزء المذكور وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ولم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم وفي ص ١٥٢ من هذا الجزء قال: وأصل هذا أن تعلم أن الشارع له مقصودان: أحدهما الفرق بين الرجال والنساء، الثاني احتجاب
стр. 94
النساء.
هذا كلام شيخ الإسلام وأما كلام غيره من فقهاء أصحاب الإمام أحمد فأذكر المذهب عند المتأخرين.
قال في المنتهى: ويحرم نظر خصي ومجبوب وممسوح إلى أجنبية.
وقال في الإقناع: ويحرم نظر خصي ومجبوب إلى أجنبية نصا كفحل.
وفي موضع آخر من- الإقناع: ولا يجوز النظر إلى الحرة الأجنبية قصدا ويحرم نظر شعرها.
وقال في متن الدليل: والنظر ثمانية أقسام:
الأول- نظر الرجل البالغ ولو مجبوبا للحرة البالغة الأجنبية لغير حاجة فلا يجوز له نظر شيء منها حتى شعرها المتصل اهـ.
وأما كلام الشافعية فقالوا: إن كان النظر لشهوة أو خيفت الفتنة به فحرام قطعا بلا خلاف وإن كان النظر بلا شهوة ولا خوف فتنة ففيه قولان حكاهما في شرح الإقناع لهم. وقال: الصحيح يحرم كما في المنهاج كأصله ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على
стр. 95
منع النساء من الخروج سافرات الوجوه وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] واللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والِإعراض عن تفاصيل الأحوال اهـ كلامه.
(وفى نيل الأوطار شرح المنتقى ذكر اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق) .
[أدلة من أجاز نظر الوجه والكفين من الأجنبية ومناقشتها]
ولا أعلم لمن أجاز نظر الوجه والكفين من الأجنبية دليلا من الكتاب والسنة سوى ما يأتي:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] حيث قال ابن عباس ﵄ هي وجهها وكفاها والخاتم قاله الأعمش عن سعيد بن جبير عنه وتفسير الصحابي حجة كما تقدم.
الثاني- ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال:
стр. 96
«أسماء إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» .
الثالث- ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما «أن أخاه الفضل كان رديفا للنبي ﷺ في حجة الوداع فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» ففي هذا دليل على أن هذه المرأة كاشفة وجهها.
الرابع- ما أخرجه البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه في صلاة النبي ﷺ بالناس صلاة العيد ثم وعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: «يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين» الحديث ولولا أن وجهها مكشوف ما عرف أنها سعفاء الخدين هذا ما أعرفه من الأدلة التي يمكن أن يستدل بها على جواز كشف الوجه للأجانب من المرأة ولكن هذه الأدلة لا تعارض
стр. 97
ما سبق من أدلة وجوب ستره وذلك لوجهين.
أحدهما: أن أدلة وجوب ستره ناقلة عن الأصل وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل والناقل عن الأصل مقدم كما هو معروف عند الأصوليين؛ وذلك لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل وتغييره له ولذلك نقول إن مع الناقل زيادة علم وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي والمثبت مقدم على النافي.
وهذا الوجه إجمالي ثابت حتى على تقدير تكافؤ الأدلة ثبوتا ودلالة.
الثاني: أننا إذا تأملنا أدلة جواز كشفه وجدناها لا نكافئ أدلة المنع ويتضح ذلك بالجواب عن كل واحد منها بما يلي:
١ - عن تفسير ابن عباس من ثلاثة أوجه:
أحدهما: محتمل أن مراده أول الأمرين قبل نزول آية لحجاب كما ذكره شيخ الإسلام ونقلنا كلامه آنفا. .
стр. 98
الثاني: يحتمل أن مراده الزينة التي نهى عن إبدائها كما ذكره ابن كثير في تفسيره ويؤيد هذين الاحتمالين تفسيره رضى الله عنه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] كما سبق في الدليل الثالث من أدلة القرآن.
الثالث: إذا لم نسلم أن مراده أحد هذين الاحتمالين فإن تفسيره لا يكون حجة يجب قبولها إلا إذا لم يعارضه صحابي آخر فإن عارضه صحابي آخر أخذ بما ترجحه الأدلة الأخرى وابن عباس رضى الله عنهما قد عارض تفسيره ابن مسعود ﵁ حيث فسر قوله إلا ما ظهر منها بالرداء والثياب وما لابد من ظهوره فوجب طلب الترجيح والعمل بما كان راجحا من تفسيريهما.
٢ - وعن حديِث عائشة بأنه ضعيف من وجهين:
أحدهما: الانقطاع بين عائشة، وخالد بن دريك
стр. 99
الذي رواه عنه كما أعله بذلك أبو داود نفسه حيث قال: خالد بن دريك لم يسمع من عائشة وكذلك أعله أبو حاتم الرازي.
الثاني: أن في إسناده سعيد بن بشير النصري نزيل دمشق تركه ابن مهدي وضعفه أحمد، وابن معين، وابن المديني، والنسائي وعلى هذا فالحديث ضعيف لا يقاوم ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب الحجاب.
وأيضا فإن أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنها كان لها حين هجرة النبي ﷺ سبع وعشرون سنة فهي كبيرة السن، فيبعد أن تدخل على النبي ﷺ بثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين والله أعلم ثم على تقدير الصحة يحمل على ما قبل الحجاب؛ لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه.
٣ - وعن حديث ابن عباس بأنه لا دليل فيه على جواز النظر إلى الأجنبية لأن النبي ﷺ لم يقر الفضل
стр. 100
على ذلك بل حرف وجهه إلى الشق الآخر ولذلك ذكر النووي في شرح صحيح مسلم بأن من فوائد هذا الحديث تحريم نظر الأجنبية وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في فوائد هذا الحديث: وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر.
قال عياض وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة. قال: وعندي أن فعله ﷺ إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول اهـ.
وقوله: غطى وجه الفضل لعله حرف وجه الفضل كما في الرواية، فإن قيل: فلماذا لم يأمر النبي ﷺ المرأة بتغطية وجهها فالجواب أن الظاهر أنها كانت محرمة والمشروع في حقها أن لا تغطى وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إلى وجهها من الأجانب أو يقال: إن النبي ﷺ أمرها بعد ذلك فإن عدم نقل أمره بذلك لا يدل على عدم الأمر إذ عدم النقل ليس نقلا للعدم.
وروى مسلم، وأبي داود عن جرير بن عبد الله البجلى ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجاءة فقال: «اصرف بصرك أو قال فأمرني أن أصرف بصري» .
стр. 101
٤ - وعن حديث جابر بأن لم يذكر متى كان ذلك فإما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها أو يكون قبل نزول آية الحجاب فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة، واعلم أننا إنما بسطنا الكلام في ذلك لحاجة الناس إلى معرفة الحكم في هذه المسألة الاجتماعية الكبيرة التي تناولها كثير ممن يريدون السفور فلم يعطوها حقها من البحث والنظر مع أن الواجب على كل باحث أن يتحرى العدل والإنصاف وأن لا يتكلم قبل أن يتعلم وأن يقف بين أدلة الخلاف موقف الحاكم من الخصمين فينظر بعين العدل ويحكم بطريق العلم فلا يرجح أحد الطرفين بلا مرجح بل ينظر في الأدلة من جميع النواحي ولا يحمله اعتقاد أحد القولين على المبالغة والغلو في إثبات حججه والتقصير والإهمال لأدلة خصمه ولذلك قال العلماء:
стр. 102
ينبغي أن يستدل قبل أن يعتقد ليكون اعتقاده تابعا للدليل لا متبوعا لأن من اعتقد قبل أن يستدل قد يحمله اعتقاده على رد النصوص المخالفة لاعتقاده أو تحريفها إذا لم يمكنه ردها، ولقد رأينا ورآى غيرنا ضرر استتباع الاستدلال للاعتقاد حيث حمل صاحبه على تصحيح أحاديث ضعيفة أو تحميل نصوص صحيحة ما لا تتحمله من الدلالة تثبيتا لقوله واحتجاجا له، فلقد قرأت مقالا لكاتب حول عدم وجوب الحجاب احتج بحديث عائشة الذي رواه أبو داود في قصة دخول أسماء بنت أبي بكر على النبي ﷺ وقوله لها: «إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه»
وذكر هذا الكاتب أنه حديث صحيح متفق عليه.
فانظر كيف حكم له بالصحة وهو ضعيف أعله أبو داود نفسه بالإرسال والانقطاع وفيه الراوي سعيد بن بشير النصري تقدم الكلام عليه وانظر كيف قال متفق عليه وليس كذلك لأنه إن أراد بمتفق عليه
стр. 103
الاصطلاح المشهور وهو ما رواه البخاري، ومسلم. فالبخاري، ومسلم لم يروياه وإن أراد بمتفق عليه أن العلماء متفقون على صحته فليس كذلك أيضا وكيف يتفقون على صحته وأبو داود راويه أعله بالإرسال وأحد رواته ضعفه الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث ولكن التعصب والجهل يحمل صاحبه على البلاء والهلاك.
قال ابن القيم:
وتعر من ثوبين من يلبسهما ... يلقى الردى بمذلة وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحل بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان
وليحذر الكاتب والمؤلف من التقصير في طلب الأدلة وتمحيصها والتسرع إلى القول بلا علم فيكون ممن قال الله فيهم:
стр. 104
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] أو يجمع بين التقصير في طلب الدليل والتكذيب بما قام عليه الدليل فيكون منه شر على شر ويدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه ويرينا الباطل باطلا ويوفقنا لاجتنابه ويهدينا صراطه المستقيم إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. .