والسنة
[مقدمة]
التحقيق والإيضاح
لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة
على ضوء الكتاب والسنة
стр. 2
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فهذا منسك مختصر يشتمل على إيضاح وتحقيق كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، جمعته لنفسي ولمن شاء الله من المسلمين، واجتهدت في تحرير مسائله على ضوء الدليل.
وقد طُبِعَ للمرة الأولى في عام ١٣٦٣ هـ على نفقة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، قدس الله روحه وأكرم مثواه.
ثم إني بسطت مسائله بعض البسط وزدت فيه من التحقيقات ما تدعو له الحاجة ورأيت إعادة طبعه؛ لينتفع به من شاء الله من العباد،
стр. 3
وسميته " التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة ".
ثم أدخلت فيه زيادات أخرى مهمة وتنبيهات مفيدة تكميلا للفائدة، وقد طبع غير مرة.
وأسأل الله أن يعمم النفع به وأن يجعل السعي خالصا لوجهه الكريم، وسببا للفوز لديه في جنات النعيم، فإنه حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المؤلف
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 4
[خطبة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في الحج وبيان فضله وآدابه، وما ينبغي لمن أراد السفر لأدائه وبيان مسائل كثيرة مهمة من مسائل الحج والعمرة والزيارة على سبيل الاختصار والإيضاح قد تحريت فيها ما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ جمعتها نصيحة للمسلمين وعملا بقول الله تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية [آل عمران: ١٨٧] وقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]
стр. 5
وكما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «الدين النصيحة ثلاثا قيل لمن يا رسول الله؟ قال " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . وروى الطبراني عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فليس منهم»
والله المسئول أن ينفعني بها والمسلمين وأن يجعل السعي فيها خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز لديه في جنات النعيم إنه سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[فصل في أدلة وجوب الحج والعمرة والمبادرة إلى أدائهما]
فصل
في أدلة وجوب الحج والعمرة
والمبادرة إلى أدائهما إذا عرف هذا فاعلموا وفقني الله وإياكم
стр. 6
لمعرفة الحق واتباعه، أن الله قد أوجب على عباده حج بيته الحرام وجعله أحد أركان الإسلام الخمسة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام»
وروى سعيد في سننه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة (١) ولم يحج ليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين وروي عن علي أنه قال:
стр. 7
من قدر على الحج فتركه فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا.
ويجب على من لم يحج وهو يستطيع الحج أن يبادر إليه، لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد.
ولأن أداء الحج واجب على الفور في حق من استطاع السبيل إليه لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
وقول النبي ﷺ في خطبته: «أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا» أخرجه مسلم.
وقد وردت أحاديث تدل على وجوب العمرة منها قوله ﷺ في جوابه لجبرائيل لما سأله عن الإسلام قال ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة
стр. 8
وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان» أخرجه ابن خزيمة والدارقطني من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح.
ومنها حديث عائشة أنها قالت: «يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» أخرجه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح.
ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح «الحج مرة فمن زاد فهو تطوع»
ويسن الإكثار من الحج والعمرة تطوعا لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»
стр. 9
[فصل في وجوب التوبة من المعاصي والخروج من المظالم]
فصل
في وجوب التوبة من المعاصي
والخروج من المظالم إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج، أو العمرة: استحب له أن يوصي أهله، وأصحابه بتقوى الله وهي فعل أوامره، واجتناب نواهيه.
وينبغي أن يكتب ما له، وما عليه من الدين، ويشهد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]
وحقيقة التوبة: الإقلاع من الذنوب، وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العود فيها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفس، أو مال أو عرض ردها إليهم، أو تحلل منها قبل
стр. 10
سفره لما صح عنه ﷺ أنه قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»
وينبغي أن ينتخب لحجه وعمرته نفقة طيبة من مال حلال لما صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا» وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور»
стр. 11
وينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم لقوله ﷺ : «ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» وقوله ﷺ : «لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم» ويجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة، والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال في تلك المواضع الشريفة ويحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة بذلك، فإن ذلك من أقبح المقاصد وسبب لحبوط العمل وعدم قبوله كما قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] وقال تعالى
стр. 12
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]
وصح عنه ﷺ أنه قال: قال الله تعالى «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»
وينبغي له أيضا أن يصحب في سفره الأخيار من أهل الطاعة، والتقوى، والفقه في الدين ويحذر من صحبة السفهاء والفساق.
وينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته، ويتفقه في ذلك ويسأل عما أشكل عليه ليكون على بصيرة، فإذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو غيرها من المركوبات استحب له أن يسمي الله سبحانه ويحمده، ثم يكبر ثلاثا ويقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ - وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] «اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى
стр. 13
ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» . لصحة ذلك عن النبي ﷺ . أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄.
ويكثر في سفره من الذكر والاستغفار ودعاء الله سبحانه والتضرع إليه وتلاوة القرآن وتدبر معانيه، ويحافظ على الصلوات في الجماعة ويحفظ لسانه من كثرة القيل والقال، والخوض فيما لا يعنيه، والإفراط في المزاح ويصون لسانه أيضا من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية بأصحابه وغيرهم من إخوانه المسلمين.
وينبغي له بذل البر في أصحابه وكف أذاه عنهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة على حسب الطاقة.
стр. 14
[فصل فيما يفعله الحاج عند وصوله إلى الميقات]
فصل
فيما يفعله الحاج
عند وصوله إلى الميقات فإذا وصل إلى الميقات استحب له أن يغتسل ويتطيب، لما روي أن النبي ﷺ تجرد من المخيط عند الإحرام، واغتسل، ولما ثبت في الصحيحين «عن عائشة ﵂ قالت كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت»
وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بالعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج. «وأمر ﷺ أسماء بنت عميس لما ولدت بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم» ، فدل ذلك على أن المرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض أو نفساء تغتسل وتحرم مع الناس، وتفعل ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت كما أمر النبي ﷺ عائشة وأسماء بذلك.
стр. 15
ويستحب لمن أراد الإحرام أن يتعاهد شاربه وأظفاره وعانته وإبطيه، فيأخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه لئلا يحتاج إلى أخذ ذلك بعد الإحرام وهو محرم عليه؛ ولأن النبي ﷺ شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء كل وقت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وقلم الأظفار ونتف الآباط» وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: «وقت لنا في قص الشارب وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك ذلك أكثر من أربعين ليلة» وأخرجه النسائي بلفظ: «وقت لنا رسول الله ﷺ » . وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ النسائي، وأما الرأس فلا يشرع أخذ شيء منه عند الإحرام لا في حق الرجال ولا في حق النساء.
стр. 16
وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شيء منها في جميع الأوقات بل يجب إعفاؤها وتوفيرها لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب» وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»
وقد عظمت المصيبة في هذا العصر بمخالفة كثير من الناس هذه السنة ومحاربتهم للحى ورضاهم بمشابهة الكفار والنساء ولا سيما من ينتسب إلى العلم والتعليم فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين لموافقة السنة والتمسك بها، والدعوة إليها، وإن رغب عنها الأكثرون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم يلبس الذكر إزارا ورداء ويستحب أن
стр. 17
يكونا أبيضين نظيفين، ويستحب أن يحرم في نعلين لقول النبي ﷺ : «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» أخرجه الإمام أحمد ﵀.
وأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من أسود أو أخضر أو غيرهما مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، لكن ليس لها أن تلبس النقاب والقفازين حال إحرامها، ولكن تغطي وجهها وكفيها بغير النقاب والقفازين؛ لأن النبي ﷺ نهى المرأة المحرمة عن لبس النقاب والقفازين.
وأما تخصيص بعض العامة إحرام المرأة في الأخضر أو الأسود دون غيرهما فلا أصل له. ثم بعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
стр. 18
ويشرع له التلفظ بما نوى فإن كانت نيته العمرة قال: " لبيك عمرة " أو " اللهم لبيك عمرة ". وإن كانت نيته الحج قال: " لبيك حجا " أو " اللهم لبيك حجا ". لأن النبي ﷺ فعل ذلك والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة أو غيرهما، لأن النبي ﷺ إنما أهل بعد ما استوى على راحلته وانبعثت به من الميقات للسير، هذا هو الأصح من أقوال أهل العلم.
ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي ﷺ .
وأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي له ألا يتلفظ في شيء منها بالنية، فلا يقول: نويت أن أصلي كذا وكذا، ولا نويت أن أطوف كذا، بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة والجهر بذلك أقبح وأشد إثما، ولو كان التلفظ بالنية
стр. 19
مشروعا لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح.
فلما لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ علم أنه بدعة. وقد قال النبي ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» أخرجه مسلم في صحيحه. وقال ﵊ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته، وفي لفظ لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»
[فصل في المواقيت المكانية وتحديدها]
فصل
في المواقيت المكانية وتحديدها المواقيت خمسة: (الأول) : ذو الحليفة وهو ميقات أهل المدينة وهو المسمى عند الناس اليوم أبيار علي.
(الثاني) : الجحفة وهي ميقات أهل الشام وهي قرية خراب تلي رابغ، والناس اليوم يحرمون
стр. 20
من رابغ، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات، لأن رابغ قبلها بيسير.
(الثالث) : قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد وهو المسمى اليوم السيل.
(الرابع) : يلملم وهو ميقات أهل اليمن.
(الخامس) : ذات عرق وهي ميقات أهل العراق.
وهذه المواقيت قد وقتها النبي ﷺ لمن ذكرنا ومن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة. والواجب على من مر عليها أن يحرم منها. ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصدا مكة يريد حجا أو عمرة سواء كان مروره عليها من طريق الأرض أو من طريق الجو لعموم قول النبي ﷺ لما وقت هذه المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة»
والمشروع لمن توجه إلى مكة من طريق الجو بقصد الحج أو العمرة أن يتأهب لذلك
стр. 21
بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه ثم لبى بالعمرة إن كان الوقت متسعا، وإن كان الوقت ضيقا لبى بالحج وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات، فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في النسك ولا يلبي بذلك إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه لأن النبي ﷺ لم يحرم إلا من الميقات، والواجب على الأمة التأسي به ﷺ في ذلك كغيره من شئون الدين لقول الله سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ولقول النبي ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم»
وأما من توجه إلى مكة ولم يرد حجا ولا عمرة كالتاجر والحطاب والبريد ونحو ذلك فليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك لقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم لما ذكر المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن
стр. 22
أراد الحج والعمرة» فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجا ولا عمرة فلا إحرام عليه. وهذا من رحمة الله بعباده وتسهيله عليهم فله الحمد والشكر على ذلك، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لما أتى مكة عام الفتح لم يحرم بل دخلها وعلى رأسه المغفر لكونه لم يرد حينذاك حجا ولا عمرة وإنما أراد افتتاحها وإزالة ما فيها من الشرك.
وأما من كان مسكنه دون المواقيت كسكان جدة وأم السلم وبحرة والشرائع وبدر ومستورة وأشباهها فليس عليه أن يذهب إلى شيء من المواقيت الخمسة المتقدمة بل مسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، وإذا كان له مسكن آخر خارج الميقات فهو بالخيار إن شاء أحرم من الميقات وإن شاء أحرم من مسكنه الذي هو أقرب من الميقات إلى مكة لعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس لما
стр. 23
ذكر المواقيت قال: «ومن كان دون ذلك فمهله (١) من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» أخرجه البخاري ومسلم.
لكن من أراد العمرة وهو في الحرم فعليه أنه يخرج إلى الحل ويحرم بالعمرة منه لأن النبي ﷺ لما طلبت منه عائشة العمرة أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى الحل فتحرم منه فدل ذلك على أن المعتمر لا يحرم بالعمرة من الحرم وإنما يحرم بها من الحل وهذا الحديث يخص حديث ابن عباس المتقدم ويدل على أن مراد النبي ﷺ بقوله: «حتى أهل مكة يهلون من مكة» هو الإهلال بالحج لا العمرة إذ لو كان الإهلال بالعمرة جائزا من الحرم لأذن لعائشة ﵂ في ذلك ولم يكلفها بالخروج إلى الحل وهذا أمر واضح وهو قول جمهور
стр. 24
العلماء رحمة الله عليهم وهو أحوط للمؤمن لأن فيه العمل بالحديثين جميعا والله الموفق.
وأما ما يفعله بعض الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما وقد سبق أن اعتمر قبل الحج فلا دليل على شرعيته بل الأدلة تدل على أن الأفضل تركه لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يعتمروا بعد فراغهم من الحج وإنما اعتمرت عائشة من التنعيم لكونها لم تعتمر مع الناس حين دخول مكة بسبب الحيض فطلبت من النبي ﷺ أن تعتمر بدلا من عمرتها التي أحرمت بها من الميقات فأجابها النبي ﷺ إلى ذلك وقد حصلت لها العمرتان، العمرة التي مع حجها وهذه العمرة المفردة، فمن كان مثل عائشة فلا بأس أن يعتمر بعد فراغه من الحج عملا بالأدلة كلها وتوسيعا على المسلمين ولا شك أن اشتغال الحجاج بعمرة أخرى بعد
стр. 25
فراغهم من الحج سوى العمرة التي دخلوا بها مكة يشق على الجميع ويسبب كثرة الزحام والحوادث مع ما فيه من المخالفة لهدي النبي ﷺ وسنته والله الموفق.
[فصل في حكم من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج]
فصل
في حكم من وصل إلى
الميقات في غير أشهر الحج اعلم أن الواصل إلى الميقات له حالان: إحداهما: أن يصل إليه في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فالسنة في حق هذا أن يحرم بالعمرة فينويها بقلبه ويتلفظ بلسانه قائلا: " لبيك عمرة " أو " اللهم لبيك عمرة " ثم يلبي بتلبية النبي ﷺ وهي: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» ويكثر من هذه التلبية ومن ذكر الله سبحانه حتى يصل
стр. 26
إلى البيت فإذا وصل إلى البيت قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة أشواط وصلى خلف المقام ركعتين ثم خرج إلى الصفا وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم حلق شعر رأسه أو قصره وبذلك تمت عمرته وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام.
الثانية: أن يصل إلى الميقات في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة.
فمثل هذا يخير بين ثلاثة أشياء، وهي: الحج وحده والعمرة وحدها والجمع بينهما لأن النبي ﷺ لما وصل إلى الميقات في ذي القعدة في حجة الوداع خير أصحابه بين هذه الأنساك الثلاثة، لكن السنة في حق هذا أيضا إذا لم يكن معه هدي أن يحرم بالعمرة ويفعل ما ذكرناه في حق من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه لما قربوا
стр. 27
من مكة أن يجعلوا إحرامهم عمرة، وأكد عليهم في ذلك بمكة فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا امتثالا لأمره ﷺ إلا من كان معه الهدي، فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى على إحرامه حتى يحل يوم النحر والسنة في حق من ساق الهدي أن يحرم بالحج والعمرة جميعا، لأن النبي ﷺ قد فعل ذلك، وكان قد ساق الهدي وأمر من ساق الهدي من أصحابه وقد أهل بعمرة أن يلبي بحج مع عمرته وألا يحل حتى يحل منهما جميعا يوم النحر وإن كان الذي ساق الهدي قد أحرم بالحج وحده بقي على إحرامه أيضا حتى يحل يوم النحر كالقارن بينهما.
وعلم بهذا: أن من أحرم بالحج وحده أو بالحج والعمرة وليس معه هدي لا ينبغي له أن يبقى على إحرامه بل السنة في حقه أن يجعل إحرامه عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل كما أمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي من أصحابه
стр. 28
بذلك، إلا أن يخشى هذا فوات الحج لكونه قدم متأخرا فلا بأس أن يبقى على إحرامه والله أعلم.
وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه " فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني " لحديث ضباعة بنت الزبير أنها قالت: «يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال لها النبي ﷺ حجي واشترطي إن محلي حيث حبستني» متفق عليه.
وفائدة هذا الشرط أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه من مرض أو صد عدو جاز له التحلل ولا شيء عليه.
[فصل في حكم حج الصبي الصغير هل يجزئه عن حجة الإسلام]
فصل
في حكم حج الصبي الصغير
هل يجزئه عن حجة الإسلام؟ يصح حج الصبي الصغير والجارية الصغيرة لما في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله
стр. 29
عنهما «أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا فقالت يا رسول الله ألهذا حج؟ فقال نعم ولك أجر» .
وفي صحيح البخاري «عن السائب بن يزيد قال حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين»
لكن لا يجزئهما هذا الحج عن حجة الإسلام.
وهكذا العبد المملوك والجارية المملوكة يصح منهما الحج ولا يجزئهما عن حجة الإسلام لما ثبت من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإسناد حسن.
ثم إن كان الصبي دون التمييز نوى عنه الإحرام وليه فيجرده من المخيط ويلبي عنه، ويصير الصبي محرما بذلك فيمنع ما يمنع عنه المحرم الكبير، وهكذا الجارية التي دون التمييز ينوي عنها الإحرام وليها ويلبي عنها
стр. 30
وتصير محرمة بذلك، وتمنع مما تمنع منه المحرمة الكبيرة، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف لأن الطواف يشبه الصلاة، والطهارة شرط لصحتها.
وإن كان الصبي والجارية مميزين أحرما بإذن وليهما وفعلا عند الإحرام ما يفعله الكبير من الغسل والطيب ونحوهما ووليهما هو المتولي لشئونهما القائم بمصالحهما، سواء كان أباهما أو أمهما أو غيرهما، ويفعل الولي عنهما ما عجزا عنه كالرمي ونحوه، ويلزمهما فعل ما سوى ذلك من المناسك كالوقوف بعرفة والمبيت بمنى ومزدلفة والطواف والسعي، فإن عجزا عن الطواف والسعي طِيفَ بهما وسعي بهما محمولين والأفضل لحاملهما ألا يجعل الطواف والسعي مشتركين بينه وبينهما، بل ينوي الطواف والسعي لهما ويطوف لنفسه طوافا مستقلا ويسعى لنفسه سعيا مستقلا احتياطا للعبادة وعملا بالحديث الشريف «دع
стр. 31
ما يريبك إلى ما لا يريبك» فإن نوى الحامل الطواف عنه وعن المحمول أجزأه ذلك في أصح القولين لأن النبي ﷺ لم يأمر التي سألته عن حج الصبي أن تطوف له وحده ولو كان ذلك واجبا لبينه ﷺ والله الموفق.
ويؤمر الصبي المميز والجارية المميزة بالطهارة من الحدث والنجس قبل الشروع في الطواف كالمحرم الكبير، وليس الإحرام عن الصبي الصغير والجارية الصغيرة بواجب على وليهما بل هو نفل، فإن فعل ذلك فله أجر وإن ترك ذلك فلا حرج عليه والله أعلم.
[فصل في بيان محظورات الإحرام وما يباح فعله للمحرم]
فصل
في بيان محظورات الإحرام
وما يباح فعله للمحرم لا يجوز للمحرم بعد نية الإحرام سواء
стр. 32
كان ذكرا أو أنثى أن يأخذ شيئا من شعره أو أظفاره أو يتطيب.
ولا يجوز للذكر خاصة أن يلبس مخيطا على جملته يعني على هيئته التي فصل وخيط عليها كالقميص أو على بعضه كالفانلة والسراويل والخفين والجوربين إلا إذا لم يجد إزارا جاز له لبس السراويل، وكذا من لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين من غير قطع لحديث ابن عباس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل»
وأما ما ورد في حديث ابن عمر من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في المدينة لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب ثم لما خطب الناس
стр. 33
بعرفات أذن في لبس الخفين عند فقد النعلين ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز كما قد علم في علمي أصول الحديث والفقه فثبت بذلك نسخ الأمر بالقطع ولو كان ذلك واجبا لبينه ﷺ والله أعلم.
ويجوز للمحرم لبس الخفاف التي ساقها دون الكعبين لكونها من جنس النعلين.
ويجوز له عقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل المقتضي للمنع.
ويجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه ويحكه إذا احتاج إلى ذلك برفق وسهولة فإن سقط من رأسه شيء بسبب ذلك فلا حرج عليه.
ويحرم على المرأة المحرمة أن تلبس مخيطا لوجهها كالبرقع والنقاب أو ليديها
стр. 34
كالقفازين لقول النبي ﷺ «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري. والقفازان: ما يخاط أو ينسج من الصوف أو القطن أو غيرهما على قدر اليدين.
ويباح لها من المخيط ما سوى ذلك كالقميص والسراويل والخفين والجوارب ونحو ذلك،
وكذلك يباح لها سدل خمارها على وجهها إذا احتاجت إلى ذلك بلا عصابة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» أخرجه أبو داود وابن ماجة. وأخرج الدارقطني من حديث أم سلمة مثله. كذلك لا بأس أن تغطي يديها بثوبها أو غيره ويجب عليها تغطية وجهها وكفيها إذا كانت بحضرة الرجال
стр. 35
الأجانب لأنها عورة لقول الله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية ولا ريب أن الوجه والكفين من أعظم الزينة. والوجه في ذلك أشد وأعظم وقد قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية.
وأما ما اعتادته الكثيرات من النساء من جعل العصابة تحت الخمار لترفعه عن وجهها فلا أصل له في الشرع فيما نعلم، ولو كان ذلك مشروعا لبينه الرسول ﷺ لأمته ولم يجز له السكوت عنه.
ويجوز للمحرم من الرجال والنساء غسل ثيابه التي أحرم فيها من وسخ أو نحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها ولا يجوز له لبس شيء من الثياب مسه الزعفران أو الورس لأن النبي ﷺ نهى عن
стр. 36
ذلك في حديث ابن عمر.
ويجب على المحرم أن يترك الرفث والفسوق والجدال لقول الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» والرفث: يطلق على الجماع وعلى الفحش من القول والفعل. والفسوق: المعاصي. والجدال: المخاصمة في الباطل أو فيما لا فائدة فيه. فأما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق ورد الباطل فلا بأس به بل هو مأمور به؛ لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]
ويحرم على المحرم الذكر تغطية رأسه بملاصق كالطاقية والغترة والعمامة أو نحو ذلك
стр. 37
وهكذا وجهه لقول النبي ﷺ في الذي سقط عن راحلته يوم عرفة ومات «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.
وأما استظلاله بسقف السيارة أو الشمسية أو نحوهما فلا بأس به كالاستظلال بالخيمة والشجرة لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ظلل عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة، وصح عنه ﷺ أنه ضربت له قبة بنمرة فنزل تحتها حتى زالت الشمس يوم عرفة.
ويحرم على المحرم من الرجال والنساء قتل الصيد البري والمعاونة في ذلك وتنفيره من مكانه، وعقد النكاح والجماع وخطبة النساء ومباشرتهن بشهوة لحديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» رواه مسلم.
стр. 38
وإن لبس المحرم مخيطا أو غطى رأسه أو تطيب ناسيا أو جاهلا فلا فدية عليه، ويزيل ذلك متى ذكر أو علم، وهكذا من حلق رأسه أو أخذ من شعره شيئا أو قلم أظافره ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه على الصحيح.
ويحرم على المسلم محرما كان أو غير محرم ذكرا كان أو أنثى قتل صيد الحرم والمعاونة في قتله بآلة أو إشارة أو نحو ذلك.
ويحرم تنفيره من مكانه ويحرم قطع شجر الحرم ونباته الأخضر ولقطته إلا لمن يعرفها لقول النبي ﷺ : «إن هذا البلد - يعني مكة - حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» متفق عليه. والمنشد هو الْمُعَرِّف، والخلا هو الحشيش الرطب، ومنى ومزدلفة من الحرم وأما عرفة فمن الحل.
[فصل فيما يفعله الحاج عند دخول مكة وبيان ما يفعله بعد دخول المسجد] الحرام
стр. 39
فصل
فيما يفعله الحاج عند دخول مكة
وبيان ما يفعله بعد دخول المسجد
الحرام من الطواف وصفته فإذا وصل المحرم إلى مكة استحب له أن يغتسل قبل دخولها لأن النبي ﷺ فعل ذلك؛ فإذا وصل إلى المسجد الحرام سن له تقديم رجله اليمنى ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك
ويقول ذلك عند دخول سائر المساجد وليس لدخول المسجد الحرام ذكر يخصه ثابت عن النبي ﷺ فيما أعلم.
فإذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعا أو معتمرا، ثم قصد
стр. 40
الحجر الأسود واستقبله، نم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك ولا يؤذي الناس بالمزاحمة، ويقول عند استلامه: " بسم الله والله أكبر ". فإن شق التقبيل استلمه بيده أو عصا، وَقَبَّلَ ما استلمه به فإن شق استلامه أشار إليه وقال: " الله أكبر ".
ولا يقبل ما يشير به، ويجعل البيت عن يساره حال الطواف، وإن قال في ابتداء طوافه اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ فهو حسن لأن ذلك قد روي عن النبي ﷺ ويطوف سبعة أشواط ويرمل في جميع الثلاثة الأول من الطواف الأول وهو الطواف الذي يأتي به أول ما يقدم مكة سواء