← Фикх общий

Фикх общий · id 31235

التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب

ابن باز

Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.

стр. 71

الدعاء والتضرع. ثم يرمي الجمرة الثانية كالأولى، ويسن أن يتقدم قليلا بعد رميها ويجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرفع يديه فيدعو كثيرا. ثم يرمي الجمرة الثالثة ولا يقف عندها. ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول اقتداء بالنبي ﷺ . والرمي في اليومين الأولين من أيام التشريق واجب من واجبات الحج وكذا المبيت بمنى في الليلة الأولى والثانية واجب إلا على السقاة والرعاة ونحوهم فلا يجب. ثم بعد الرمي في اليومين المذكورين من أحب أن يتعجل من منى جاز له ذلك ويخرج قبل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل

стр. 72

وأعظم أجرا كما قال الله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] ؛ ولأن النبي ﷺ رخص للناس في التعجل ولم يتعجل هو بل أقام بمنى حتى رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال ثم ارتحل قبل أن يصلي الظهر. ويجوز لولي الصبي العاجز عن مباشرة الرمي أن يرمي عنه جمرة العقبة وسائر الجمار بعد أن يرمي عن نفسه، وهكذا البنت الصغيرة العاجزة عن الرمي يرمي عنها وليها لحديث جابر قال «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم» أخرجه ابن ماجة. ويجوز للعاجز عن الرمي لمرض أو كبر سن أو حمل أن يوكل من يرمي عنه لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وهؤلاء

стр. 73

لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات وزمن الرمي يفوت ولا يشرع قضاؤه لهم فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك فلا ينبغي للمحرم أن يستنيب من يؤديه عنه ولو كان حجه نافلة لأن من أحرم بالحج أو العمرة ولو كانا نفلين لزمه إتمامهما لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وزمن الطواف والسعي لا يفوت بخلاف زمن الرمي. وأما الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى فلا شك أن زمنها يفوت ولكن حصول العاجز في هذه المواضع ممكن ولو مع المشقة بخلاف مباشرته للرمي ولأن الرمي قد وردت الاستنابة فيه عن السلف الصالح في حق المعذور بخلاف غيره. والعبادات توقيفية ليس لأحد أن يشرع منها شيئا إلا بحجة ويجوز للنائب أن يرمي عن نفسه ثم عن مستنيبه كل جمرة من الجمار

стр. 74

الثلاث وهو في موقف واحد، ولا يجب عليه أن يكمل رمي الجمار الثلاث عن نفسه ثم يرجع فيرمي عن مستنيبه في أصح قولي العلماء لعدم الدليل الموجب لذلك ولما في ذلك من المشقة والحرج والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال النبي ﷺ : «يسروا ولا تعسروا» ولأن ذلك لم ينقل عن أصحاب رسول الله ﷺ حين رموا عن صبيانهم والعاجز منهم ولو فعلوا ذلك لنقل لأنه مما تتوافر الهمم على نقله والله أعلم. [فصل في وجوب الدم على المتمتع والقارن] فصل في وجوب الدم على المتمتع والقارن ويجب على الحاج إذا كان متمتعا أو قارنا ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، دم وهو شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. ويجب

стр. 75

أن يكون ذلك من مال حلال وكسب طيب؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا. وينبغي للمسلم التعفف عن سؤال الناس هديا أو غيره سواء كانوا ملوكا أو غيرهم إذا يسر الله له من ماله ما يهديه عن نفسه ويغنيه عما في أيدي الناس لما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في ذم السؤال وعيبه، ومدح من تركه. فإن عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية [البقرة: ١٩٦] . وفي صحيح البخاري عن عائشة وابن عمر قالا «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ

стр. 76

إلا لمن لم يجد الهدي» وهذا في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ . والأفضل أن يقدم صوم الأيام الثلاثة على يوم عرفة ليكون في يوم عرفة مفطرا لأن النبي ﷺ وقف يوم عرفة مفطرا ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، ولأن الفطر في هذا اليوم أنشط له على الذكر والدعاء ويجوز صوم الثلاثة الأيام المذكورة متتابعة ومتفرقة، وكذا صوم السبعة لا يجب عليه التتابع فيها بل يجوز صومها مجتمعة ومتفرقة لأن الله سبحانه لم يشرط التتابع فيها وكذا رسوله ﵊، والأفضل تأخير صوم السبعة إلى أن يرجع إلى أهله، لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] والصوم للعاجز عن الهدي أفضل من سؤال الملوك وغيرهم هديا يذبحه عن نفسه، ومن أعطي هديا أو غيره من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به ولو كان حاجا عن غيره أي إذا لم يشترط عليه أهل النيابة شراء الهدي من

стр. 77

المال المدفوع له، وأما ما يفعله بعض الناس من سؤال الحكومة أو غيرها شيئا من الهدي باسم أشخاص يذكرهم وهو كاذب فهذا لا شك في تحريمه لأنه من التأكل بالكذب، عافانا الله والمسلمين من ذلك. [فصل في وجوب الأمر بالمعروف على الحجاج وغيرهم] فصل في وجوب الأمر بالمعروف على الحجاج وغيرهم ومن أعظم ما يجب على الحجاج وغيرهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة كما أمر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . وأما ما يفعله الكثير من الناس من سكان مكة وغيرها من الصلاة في البيوت وتعطيل المساجد فهو خطأ مخالف للشرع فيجب النهي عنه، وأمر الناس بالمحافظة على الصلاة في المساجد؛ لما

стр. 78

قد ثبت عنه ﷺ أنه «قال لابن أم مكتوم لما استأذنه أن يصلي في بيته لكونه أعمى بعيد الدار عن المسجد: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم قال فأجب» وفي رواية «لا أجد لك رخصة» وقال ﷺ : «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أنطلق إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» وفي سنن ابن ماجه وغيره بإسناد حسن عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدي ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن

стр. 79

الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه الله بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» . ويجب على الحجاج وغيرهم اجتناب محارم الله تعالى. والحذر من ارتكابها كالزنا واللواط والسرقة وأكل الربا وأكل مال اليتيم والغش في المعاملات، والخيانة في الأمانات وشرب المسكرات والدخان، وإسبال الثياب والكبر والحسد والرياء والغيبة والنميمة والسخرية بالمسلمين واستعمال آلات الملاهي، كالاسطوانات والعود والرباب والمزامير وأشباهها واستماع الأغاني وآلات الطرب من الراديو وغيره، واللعب بالنرد والشطرنج والمعاملة بالميسر وهو القمار وتصوير ذات الأرواح من

стр. 80

الآدميين وغيرهم، والرضا بذلك، فإن هذه كلها من المنكرات التي حرمها الله على عباده في كل زمان ومكان، فيجب أن يحذرها الحجاج وسكان بيت الله الحرام أكثر من غيرهم لأن المعاصي في هذا البلد الأمين إثمها أشد وعقوبتها أعظم. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فإذا كان الله قد توعد من أراد أن يلحد في الحرم بظلم فكيف تكون عقوبة من فعل؟ لا شك أنها أعظم وأشد فيجب الحذر من ذلك ومن سائر المعاصي. ولا يحصل للحجاج بر الحج وغفران الذنوب إلا بالحذر من هذه المعاصي وغيرها مما حرم الله عليهم كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وأشد من هذه المنكرات وأعظم منها دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح

стр. 81

لهم رجاء أن يشفعوا لداعيهم عند الله أو يشفوا مريضه أو يردوا غائبه ونحو ذلك. وهذا من الشرك الأكبر الذي حرمه الله وهو دين مشركي الجاهلية وقد بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والنهي عنه. فيجب على كل فرد من الحجاج وغيرهم أن يحذره وأن يتوب إلى الله مما سلف من ذلك إن كان قد سلف منه شيء، وأن يستأنف حجة جديدة بعد التوبة منه، لأن الشرك الأكبر يحبط الأعمال كلها كما قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ومن أنواع الشرك الأصغر الحلف بغير الله، كالحلف بالنبي والكعبة والأمانة ونحو ذلك. ومن ذلك الرياء والسمعة وقول ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت، وهذا من الله ومنك وأشباه ذلك. فيجب الحذر من هذه المنكرات الشركية

стр. 82

والتواصي بتركها لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال. «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وفي الصحيح عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وقال أيضا: «من حلف بالأمانة فليس منا» أخرجه أبو داود وقال ﷺ أيضا: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء» وقال ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» وأخرج النسائي عن ابن عباس «أن رجلا قال يا رسول الله ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده» وهذه الأحاديث تدل على حماية النبي ﷺ جناب التوحيد، وتحذيره لأمته من الشرك الأكبر والأصغر، وحرصه على سلامة إيمانهم ونجاتهم

стр. 83

من عذاب الله وأسباب غضبه فجزاه الله عن ذلك أفضل الجزاء فقد أبلغ وأنذر ونصح لله ولعباده ﷺ صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. والواجب على أهل العلم من الحجاج والمقيمين في بلد الله الأمين ومدينة رسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم أن يعلموا الناس ما شرع الله لهم ويحذروهم ما حرم الله عليهم من أنواع الشرك والمعاصي وأن يبسطوا ذلك بأدلته ويبينوه بيانا شافيا ليخرجوا الناس بذلك من الظلمات إلى النور وليؤدوا بذلك ما أوجب الله عليهم من البلاغ والبيان قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمقصود من ذلك تحذير علماء هذه الأمة من سلوك مسلك الظالمين من أهل الكتاب في كتمان الحق إيثارا للعاجلة على الآجلة.

стр. 84

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى ما خلقوا له من أفضل القربات وأهم الواجبات وأنها هي سبيل الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة كما قال الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم في صحيحه. وقال لعلي ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» متفق على

стр. 85

صحته والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فحقيق بأهل العلم والإيمان أن يضاعفوا جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وإرشاد العباد إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ولا سيما في هذا العصر الذي غلبت فيه الأهواء وانتشرت فيه المبادئ الهدامة والشعارات المضللة وقل فيه دعاة الهدى وكثر فيه دعاة الإلحاد والإباحية فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [فصل في استحباب التزود من الطاعات] فصل في استحباب التزود من الطاعات ويستحب للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته والعمل لصالح مدة إقامتهم بمكة ويكثروا من الصلاة والطواف بالبيت، لأن الحسنات في الحرم مضاعفة والسيئات فيه عظيمة شديدة، كما

стр. 86

يستحب لهم الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . فإذا أراد الحجاج الخروج من مكة وجب عليهم أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع ليكون آخر عهدهم بالبيت إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، لحديث ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق على صحته. فإذا فرغ من توديع البيت وأراد الخروج من المسجد مضى على وجهه حتى يخرج ولا ينبغي له أن يمشي القهقرى لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه بل هو من البدع المحدثة. وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.» نسأل الله الثبات على دينه والسلامة مما خالفه إنه جواد كريم.

стр. 87

[فصل في أحكام الزيارة وآدابها] فصل في أحكام الزيارة وآدابها وتسن زيارة مسجد النبي ﷺ قبل الحج أو بعده لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم. وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا» أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال. «صلاة في مسجدي

стр. 88

هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» . أخرجه أحمد وابن ماجة. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فإذا وصل الزائر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك. كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد، وليس لدخول مسجده ﷺ ذكر مخصوص ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة وإن صلاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل لقوله ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ثم بعد الصلاة يزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ فيقف تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 89

بأدب وخفض صوت ثم يسلم عليه، ﵊ قائلا: " السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته " لما في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» وإن قال الزائر في سلامه: " السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده ". فلا بأس بذلك لأن هذا كله من أوصافه ﷺ ويصلي عليه، ﵊ ويدعو له لما قد تقرر في الشريعة من شرعية الجمع بين الصلاة والسلام عليه عملا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ثم يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

стр. 90

ويدعو لهما ويرضى عنهما. وكان ابن عمر ﵄ إذا سلم على الرسول ﷺ وصاحبيه لا يزيد غالبا على قوله: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه " ثم ينصرف وهذه الزيارة إنما تشرع في حق الرجال خاصة، أما النساء فليس لهن زيارة شيء من القبور كما ثبت عن النبي ﷺ : «أنه لعن زوارات القبور من النساء والمتخذين عليها المساجد والسرج.» وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول ﷺ والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع لما تقدم من الأحاديث في ذلك. ويسن للزائر أن يصلي الصلوات الخمس في مسجد الرسول ﷺ ، وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء وصلاة النافلة اغتناما لما في ذلك من الأجر الجزيل.

стр. 91

ويستحب أن يكثر من صلاة النافلة في الروضة الشريفة لما سبق من الحديث الصحيح في فضلها وهو قول النبي ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول بما استطاع، وإن كان في الزيادة القبلية لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من الحث والترغيب في الصف الأول مثل قوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه ومثل قوله ﷺ لأصحابه: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله» أخرجه مسلم وأخرج أبو داود عن عائشة ﵂ بسند حسن أن النبي ﷺ قال. «لا يزال الرجل يتأخر عن الصف المقدم حتى يؤخره الله في النار»

стр. 92

وثبت عنه ﷺ «أنه قال لأصحابه: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف» رواه مسلم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تعم مسجده ﷺ وغيره قبل الزيادة وبعدها وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يحث أصحابه على ميامن الصفوف ومعلوم أن يمين الصف في مسجده الأول خارج عن الروضة فعلم بذلك أن العناية بالصفوف الأول وميامن الصفوف مقدمة على العناية بالروضة الشريفة، وأن المحافظة عليهما أولى من المحافظة على الصلاة في الروضة وهذا بين واضح لمن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب والله الموفق. ولا يجوز لأحد أن يتمسح بالحجرة أو يقبلها أو يطوف بها؛ لأن ذلك لم ينقل عن

стр. 93

السلف الصالح بل هو بدعة منكرة. ولا يجوز لأحد أن يسأل الرسول ﷺ قضاء حاجة أو تفريج كربة أو شفاء مريض أو نحو ذلك، لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله سبحانه. وطلبه من الأموات شرك بالله وعبادة لغيره. ودين الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: ألا يعبد إلا الله وحده. والثاني: ألا يعبد إلا بما شرعه الرسول ﷺ . وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهكذا لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول ﷺ الشفاعة لأنها ملك الله سبحانه، فلا تطلب إلا منه كما قال تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] فتقول: " اللهم شفع في نبيك. اللهم شفع في ملائكتك وعبادك المؤمنين. اللهم شفع في أفراطي " ونحو ذلك. وأما الأموات فلا يطلب

стр. 94

منهم شيء لا الشفاعة ولا غيرها سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء لأن ذلك لم يشرع ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وإنما جاز طلب الشفاعة من النبي ﷺ في حياته ويوم القيامة لقدرته على ذلك، فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب، أما في الدنيا فمعلوم وليس ذلك خاصا به بل هو عام له ولغيره، فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه. اشفع لي إلى ربي في كذا وكذا بمعنى ادع الله لي، ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه. وأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد

стр. 95

إذن الله سبحانه، كما قال الله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال الإنسان قبل الموت ولا بحاله بعد البعث والنشور لانقطاع عمل الميت وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع، وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع فلا يجوز إلحاقه بذلك، لا شك أن النبي ﷺ بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت ولا من جنس حياته يوم القيامة، بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه، ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله ﵇: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» فدل ذلك على أنه ميت وعلى أن روحه قد فارقت جسده لكنها ترد عليها عند السلام.

стр. 96

والنصوص الدالة على موته ﷺ من القرآن والسنة معلومة، وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة لدعاء الحاجة إليه بسبب كثرة من يشبه في هذا الباب ويدعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله. فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه. والله أعلم. وأما ما يفعله بعض الزوار من رفع الصوت عند قبره ﷺ وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع لأن الله سبحانه نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ وعن الجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحثهم على غض الصوت عنده في قوله تعالى:

стр. 97

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣] ولأن طول القيام عند قبره ﷺ والإكثار من تكرار السلام يفضي إلى الزحام وكثرة الضجيج وارتفاع الأصوات عند قبره ﷺ وذلك يخالف ما شرعه الله للمسلمين في هذه الآيات المحكمات وهو ﷺ محترم حيا وميتا فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي وهكذا ما يفعله بعض الزوار وغيرهم من تحري الدعاء عند قبره مستقبلا للقبر رافعا يديه يدعو فهذا كله خلاف ما عليه السلف الصالح من أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان بل هو من البدع المحدثات، وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا

стр. 98

بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد حسن. وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ورأى علي بن الحسين (زين العابدين) ﵄ رجلا يدعو عند قبر النبي ﷺ فنهاه عن ذلك وقال ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» أخرجه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه الأحاديث المختارة. وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه ﷺ من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي فهذه الهيئة لا تجوز عند

стр. 99

السلام عليه ﷺ ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح. وأما من غلب عليه التعصب والهوى والتقليد الأعمى وسوء الظن بالدعاة إلى هدي السلف الصالح فأمره إلى الله ونسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق لإيثار الحق على ما سواه إنه سبحانه خير مسئول. وكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء وقد أنكر الإمام مالك

стр. 100

رحمه الله هذا العمل وأشباهه وقال: " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ". ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعهم بإحسان ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا تمسكهم بذلك وسيرهم عليه. وفق الله المسلمين لما فيه نجاتهم وسعادتهم وعزهم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم. تنبيه [حكم زيارة قبر النبي ﵊] ليست زيارة قبر النبي ﷺ واجبة ولا شرطا في الحج كما يظنه بعض العامة وأشباههم بل هي مستحبة في حق من زار مسجد الرسول ﷺ أو كان قريبا منه. أما البعيد عن المدينة فليس له شد الرحل لقصد زيارة القبر، ولكن يسن له شد الرحل

стр. 101

لقصد المسجد الشريف، فإذا وصله زار القبر الشريف وقبر الصاحبين، ودخلت الزيارة لقبره ﵇ وقبر صاحبيه تبعا لزيارة مسجده ﷺ وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» ولو كان شد الرحال لقصد قبره ﵊ أو قبر غيره مشروعا لدل الأمة عليه وأرشدهم إلى فضله، لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية. وقد بلغ البلاغ المبين، ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر كيف وقد حذر من شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . والقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره ﷺ يفضي إلى اتخاذه عيدا، ووقوع المحذور الذي خافه النبي ﷺ من الغلو والإطراء كما قد وقع

стр. 102

الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره ﵊. وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يحتج بها من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره ﵊ فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد بل موضوعة كما قد نبه على ضعفها الحفاظ كالدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة. وإليك أيها القارئ شيئا من الأحاديث الموضوعة في هذا الباب لتعرفها وتحذر الاغترار بها: الأول: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) . والثاني: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) . والثالث: (من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) . والرابع: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) .

стр. 103

فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: - بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات - طرق هذا الحديث كلها ضعيفة. وقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن هذه الأحاديث كلها موضوعة. وحسبك به علما وحفظا واطلاعا. ولو كان شيء منها ثابتا لكان الصحابة ﵃ أسبق الناس إلى العمل به وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه لأنهم خير الناس بعد الأنبياء وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده وأنصحهم لله ولخلقه، فلما لم ينقل عنهم شيء من ذلك دل ذلك على أنه غير مشروع ولو صح منها شيء لوجب حمل ذلك على الزيارة الشرعية

стр. 104

التي ليس فيها شد الرحال لقصد القبر وحده؛ جمعا بين الأحاديث والله أعلم. [فصل في استحباب زيارة مسجد قباء والبقيع] فصل في استحباب زيارة مسجد قباء والبقيع ويستحب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يزور مسجد قباء راكبا وماشيا ويصلي فيه ركعتين» وعن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» . ويسن له زيارة قبور البقيع وقبور الشهداء وقبر حمزة ﵁. لأن النبي ﷺ كان يزورهم، ويدعو لهم. ولقوله ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» أخرجه مسلم.

стр. 105

«وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه. وأخرج الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «مر النبي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر» ومن هذه الأحاديث يعلم أن الزيارة الشرعية للقبور يقصد منها تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى والدعاء لهم والترحم عليهم. فأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم أو العكوف عندها أو سؤالهم قضاء الحاجات أو شفاء المرضى أو سؤال الله بهم أو بجاههم ونحو ذلك، فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله ولا فعلها السلف الصالح رضي الله

стр. 106

عنهم، بل هي من الهجر الذي نهى عنه الرسول ﷺ حيث قال: «زوروا القبور ولا تقولوا هجرا.» وهذه الأمور المذكورة تجتمع في كونها بدعة ولكنها مختلفة المراتب فبعضها بدعة وليس بشرك كدعاء الله سبحانه عند القبور وسؤاله بحق الميت وجاهه ونحو ذلك، وبعضها من الشرك الأكبر كدعاء الموتى والاستعانة بهم ونحو ذلك. وقد سبق بيان هذا مفصلا فيما؛ تقدم، فتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق والهادي لا إله غيره، ولا رب سواه. هذا آخر ما أردنا إملاءه والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.