← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 31304

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (200 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما الوصية للأجنبي، أو للجهات الدينية، فتجوز بالثلث فأقل. وما زاد على الثلث، يتوقف على إجازة الورثة. [حديث ثلاثة حق على الله عونهم المكاتب يريد الأداء . . .] الحديث الثامن والأربعون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله عَوْنُهُمُ: الْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ إلا النسائي. وذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة. وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله ; لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا يكون إلا على ما يحبه الله. وأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما في الإسراف في المباحات، فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرما. وهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها الله. فالجهاد في سبيل الله هو سنام الدين وذروته وأعلاه. وسواء كان جهادا بالسلاح، أو جهادا بالعلم والحجة، فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة وسالك هذا السبيل معان من الله، ميسر له أمره. وأما المكاتب، فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أي: صلاحا في تقويم دينهم ودنياهم. فالسيد مأمور بذلك. والعبد المكاتب الذي يريد الأداء ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

стр. 107

وعلى السيد: أن يرفق بمكاتبه في تقدير الآجال التي تحل فيها نجوم الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أداها ربعها. وفي قوله تعالى في حق المكاتبين: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] أمر للسيد ولغيره من المسلمين. ولذلك جعل الله له نصيبا من الزكاة في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهذا من عونه تعالى. وقد ثبت عن النبي ﷺ ما هو أعم من هذا، فقال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . رواه البخاري. وأما النكاح: فقد أمر الله به ورسوله. ورتب عليه من الفوائد شيئا كثيرا: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين. وفيه: تحصين الفرج. وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد ; فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجرا، وحسنات عند الله، سواء كانت مأكولا أو مشروبا أو ملبوسا أو مستعملا في الحوائج كلها. كله خير للعبد، وحسنات جارية. وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة. وفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرغ لعبادته، وتعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما، وقد قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقال ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يمينك» لما فيها من صلاح الأحوال والبيت والأولاد، وسكون قلب الزوج وطمأنينته، فإن حصل مع الدين غيره، فذاك،

стр. 108

وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وعلى الزوجة: القيام بحق الله، وحق بعلها، وتقديم حق البعل على حقوق الخلق كلهم. وعلى الزوج: السعي في إصلاح زوجته، وفعل جميع الأسباب التي تتم بها الملاءمة بينهما، فإن الملاءمة هي المقصود الأعظم. ولهذا ندب النبي ﷺ إلى النظر إلى المرأة التي يريد خطبتها، ليكون على بصيرة من أمره، والله أعلم. [حديث يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ] الحديث التاسع والأربعون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» مُتَّفَقٌ عليه. وذلك: أن المحرمات من النسب بنص القرآن والإجماع: الأمهات وإن علون من كل جهة، والبنات وإن نزلن من كل جهة، والأخوات مطلقا، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وإن نزلن، والعمات، والخالات. فجميع القرابات حرام، إلا بنات الأعمام، وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات. وهذه السبع محرمات في الرضاع من جهة المرضعة، وصاحب اللبن، إذا كان الرضاع خمس رضعات فأكثر، في الحولين. وأما من جهة أقارب الراضع، فإن التحريم يختص بذرية الراضع. وأما أبوه من النسب وأمه وأصولهم وفروعهم، فلا تعلق لهم بالتحريم.

стр. 109

وكذلك يحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، أو خالتها في النسب. ومثل ذلك في الرضاع. وكذلك تحرم أمهات الزوجة وإن علون، وبناتها وإن نزلن، إذا كان قد دخل بزوجته، وزوجات الآباء وإن علوا، وزوجات الأبناء وإن نزلوا من كل جهة، ومثل ذلك في الرضاع. ومسائل تحريم الجمع والصهر في الرضاع فيه خلاف. ولكن مذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة، تحريم ذلك للعمومات. [حديث لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤِمْنِةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خلقا رضي منها آخر] الحديث الخمسون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤِمْنِةً: إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خلقا رضي منها آخر» . رواه مسلم. هذا الإرشاد من النبي ﷺ ، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته. والنهي عن الشيء أمر بضده. وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئا واحدا أو اثنين مثلا، وما فيها مما يحب أكثر. فإذا كان منصفا غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها. وبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدى الحقوق الواجبة المستحبة. وربما أن ما

стр. 110

كره منها تسعى بتعديله أو تبديله. وأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف. ولا يكاد يصفو مع زوجته. والناس في هذا ثلاثة أقسام. أعلاهم: من لحظ الأخلاق الجميلة والمحاسن، وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها. وأقلهم توفيقا وإيمانا وأخلاقا جميلة، من عكس القضية، فأهدر المحاسن مهما كانت، وجعل المساوئ نصب عينيه. وربما مددها وبسطها وفسرها بظنون وتأويلات تجعل القليل كثيرا، كما هو الواقع. والقسم الثالث: من لحظ الأمرين، ووازن بينهما، وعامل الزوجة بمقتضى كل واحد منها. وهذا منصف. ولكنه قد حرم الكمال. وهذا الأدب الذي أرشد إليه ﷺ ، ينبغي سلوكه واستعماله مع جميع المعاشرين والمعاملين ; فإن نفعه الديني والدنيوي كثير، وصاحبه قد سعى في راحة قلبه، وفي السبب الذي يدرك به القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة؛ لأن الكمال في الناس متعذر. وحسب الفاضل أن تعد معايبه. وتوطين النفس على ما يجيء من المعاشرين مما يخالف رغبة الإنسان، يسهل عليه حسن الخلق، وفعل المعروف والإحسان مع الناس. . والله الموفق. [حديث لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها . . .] الحديث الحادي والخمسون عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عن مسألة وكلت

стр. 111

إليها، وإن أوتيتها عن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهِا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هو خير، وكفر عن يمينك» . متفق عليه. هذا الحديث احتوى على جملتين عظيمتين: إحداهما: أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق، لا ينبغي للعبد أن يسألها، ويتعرض لها. بل يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري، هل تكون الولاية خيرا له أو شرا؟ ولا يدري، هل يستطيع القيام بها، أم لا؟ فإذا سألها وحرص عليها، وكل إلى نفسه. ومتى وكل العبد إلى نفسه، لم يوفق، ولم يسدد في أموره، ولم يعن عليها، لأن سؤالها ينبئ عن محذورين: الأول: الحرص على الدنيا والرئاسة، والحرص يحمل على الريبة في التخوض في مال الله، والعلو على عباد الله. الثاني: فيه نوع اتكال على النفس، وانقطاع عن الاستعانة بالله. ولهذا قال: «وكلت إليها» . وأما من لم يحرص عليها ولم يتشوف لها، بل أتته من غير مسألة ورأى من نفسه عدم قدرته عليها، فإن الله يعينه عليها، ولا يكله إلى نفسه لأنه لم يتعرض للبلاء، ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه، ووفق للقيام بوظيفته. وفي هذه الحال يقوى توكله على الله تعالى، ومتى قام العبد بالسبب متوكلا على الله نجح. وفي قوله ﷺ : «أعنت عليها» دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة للأمرين: للدين، وللدنيا، فإن المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم.

стр. 112

ولهذا: يتعلق بها الأمر والنهي، والإلزام بالواجبات، والردع عن المحرمات، والإلزام بأداء الحقوق. وكذلك أمور السياسة والجهاد، فهي لمن أخلص فيها لله وقام بالواجب من أفضل العبادات، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار. ولهذا كانت من فروض الكفايات؛ لتوقف كثير من الواجبات عليها. فإن قيل: كيف طلب يوسف ولاية الخزائن المالية في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] قيل: الجواب عنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فهو إنما طلبها لهذه المصلحة التي لا يقوم بها غيره: من الحفظ الكامل، والعلم بجميع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن. من حسن الاستخراج، وحسن التصريف، وإقامة العدل الكامل. فهو لما رأى الملك استخلصه لنفسه وجعله مقدما عليه، وفي المحل العالي، وجب عليه أيضا النصيحة التامة، للملك والرعية. وهي متعينة في ولايته. ولهذا: لما تولى خزائن الأرض سعى في تقوية الزراعة جدا. فلم يبق موضع في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها يصلح للزراعة إلا زرع في مدة سبع سنين. ثم حصنه وحفظه ذلك الحفظ العجيب. ثم لما جاءت السنون الجدب، واضطر الناس إلى الأرزاق، سعى في الكيل للناس بالعدل، فمنع التجار من شراء الطعام خوف التضييق على المحتاجين، وحصل بذلك من المصالح والمنافع شيء لا يعد ولا يحصى، كما هو معروف. الجملة الثانية: قوله ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا منها

стр. 113

فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . يشمل من حلف على ترك واجب، أو ترك مسنون؛ فإنه يكفر عن يمينه، ويفعل ذلك الواجب والمسنون الذي حلف على تركه. ويشمل من حلف على فعل محرم، أو فعل مكروه، فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه، ويكفر عن يمينه. فالأقسام الأربعة داخلة في قوله ﷺ : «فائت الذي هو خير» لأن فعل المأمور مطلقا، وترك المنهي مطلقا: من الخير. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي: لا تجعلوا اليمين عذرا لكم وعرضة ومانعا لكم من فعل البر والتقوى، والصلح بين الناس إذا حلفتم على ترك هذه الأمور، بل كفروا أيمانكم، وافعلوا البر والتقوى، والصلح بين الناس. ويؤخذ من هذا الحديث: أن حفظ اليمين في غير هذه الأمور أولى، لكن إن كانت اليمين على فعل مأمور، أو ترك منهي، لم يكن له أن يحنث. وإن كانت في المباح، خير بين الأمرين. وحفظها أولى. واعلم أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة على مستقبل إذا حلف وحنث. وهي على التخيير بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وأما اليمين على الأمور الماضية أو لغو اليمين، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه، فلا كفارة فيها. والله أعلم.

стр. 114

[حديث من نذر أن يطيع الله فليطعه . . .] الحديث الثاني والخمسون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ : «من نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: النذر إلزام العبد نفسه طاعة لله: إما بدون سبب، كقوله: لله علي أو نذرت عتق رقبة، أو صيام كذا وكذا، أو الصدقة بكذا وكذا. وإما بسبب، كأن يعلق ذلك على قدوم غائبه، أو برء مريض، أو حصول محبوب، أو زوال مكروه، فمتى تم له مطلوبه وجب عليه الوفاء. وهذا الحديث شامل للطاعات كلها. فمن نذر طاعة واجبة ومستحبة، وجب عليه الوفاء بالنذر، وليس عنه كفارة بل يتعين الوفاء، كما أمره النبي ﷺ في هذا الحديث. وكما أثنى الله على الموفين بنذرهم في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] مع أن عقد النذر مكروه، كما نهى فيه عن النذر. وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» . وأما نذر المعصية، فيتعين على العبد أن يترك معصية الله ولو نذرها. وبقية أقسام النذر، كنذر المعصية، والنذر المباح، ونذر اللجاج، والغضب، حكمها حكم اليمين في الحنث، فيها كفارة يمين لمشاركتها في المعنى لليمين. والله أعلم. [حديث المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم . . .] الحديث الثالث والخمسون عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَرَوَاهُ ابن

стр. 115

ماجه عن ابن عباس. هذا الحديث كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقوله ﷺ : «وكونوا عباد الله إخوانا» . فعلى المؤمنين: أن يكونوا متحابين، متصافين غير متباغضين ولا متعادين، يسعون جميعا لمصالحهم الكلية التي بها قوام دينهم ودنياهم، لا يتكبر شريف على وضيع، ولا يحتقر أحد منهم أحدا. فدماؤهم تتكافأ، فإنه لا يشترط في القصاص إلا المكافأة في الدين، فلا يقتل المسلم بالكافر، كما في هذا الحديث، والمكافأة في الحرية، فلا يقتل الحر بالعبد. وأما بقية الأوصاف، فالمسلمون كلهم على حد سواء. فمن قتل أو قطع طرفا متعمدا عدوانا، فلهم أن يقتصوا منه بشرط المماثلة في العضو، لا فرق بين الصغير بالكبير، وبالعكس، والذكر بالأنثى وبالعكس، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والكامل بالناقص كالعكس في هذه الأمور. قوله ﷺ : «ويسعى بذمتهم أدناهم» يعني: أن ذمة المسلمين واحدة. فمتى استجار الكافر بأحد من المسلمين وجب على بقيتهم تأمينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] فلا فرق في هذا بين إجارة الشريف الرئيس، وبين آحاد الناس. وقوله ﷺ : «ويرد عليهم أقصاهم» أي: في التأمين وكذلك اشتراك الجيوش مع سراياه التي تذهب فتغير أو تحرس، فمتى غنم الجيش، أو غنم أحد السرايا التابعة للجيش، اشترك الجميع في المغنم. ولا يختص بها المباشر؛ لأنهم كلهم متعاونون على مهمتهم. وقوله ﷺ : «وهم يد على من سواهم» أي: يجب على جميع المسلمين في جميع أنحاء الأرض أن يكونوا يدا على أعدائهم من الكفار، بالقول والفعل، والمساعدات والمعاونة في الأمور الحربية، والأمور الاقتصادية، والمدافعة بكل وسيلة. فعلى المسلمين: أن يقوموا بهذه الواجبات بحسب استطاعتهم، لينصرهم الله ويعزهم، ويدفع عنهم بالقيام بواجبات الإيمان عدوان الأعداء، فنسأله تعالى أن يوفقهم لذلك. وقوله ﷺ : «ولا ذو عهد في عهده» أي: لا يحل قتل من له عهد من الكفار بذمة أو أمان أو هدنة، فإنه لما قال: «لا يقتل مسلم بكافر» لما احترز بذلك البيان عن تحريم قتل المعاهد، لئلا يظن الظان جوازه. والله أعلم. [حديث مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضامن] الحديث الرابع والخمسون عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على: أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها، سواء كان طبا أو غيره، وأن من تجرأ على ذلك، فهو آثم. وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما، فهو ضامن له، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها، فهو مردود على باذله ; لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن، وهو لا يحسن، فيدخل في الغش، و «من غشنا فليس منا» .

стр. 116

ومثل هذا البناء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك، موهما أنه يحسن الصنعة، وهو كاذب. ومفهوم الحديث: أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده، وترتب على ذلك تلف، فليس بضامن؛ لأنه مأذون فيه من المكلف أو وليه. فكل ما ترتب على المأذون فيه، فهو غير مضمون، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه، فإنه مضمون. ويستدل بهذا على: أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعا وعقلا. . والله أعلم. [حديث ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم] الحديث الخامس والخمسون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ في العقوبة» . رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا. هذا الحديث: يدل على أن الحدود تدرأ بالشبهات. فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله، ووقعت الاحتمالات: هل فعل موجب الحد أم لا؟ وهل هو عالم أو جاهل؟ وهل هو متأول معتقد حله أم لا؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد؟ . درئت عنه العقوبة، لأننا لم نتحقق موجبها يقينا. ولو تردد الأمر بين الأمرين، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها، فإن رحمة الله سبقت غضبه، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة.

стр. 117

والأصل في دماء المعصومين وأبدانهم وأموالهم التحريم، حتى نتحقق ما يبيح لنا شيئا من هذا. وقد ذكر العلماء على هذا الأصل في أبواب الحدود أمثلة كثيرة، وأكثرها موافق لهذا الحديث. ومنها: أمثلة فيها نظر، فإن الاحتمال الذي يشبه الوهم والخيال، لا عبرة به. والميزان لفظ هذا الحديث. فإن وجدتم له، أو فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله. وفي هذا الحديث: دليل على أصل. وهو: أنه إذا تعارض مفسدتان تحقيقا أو احتمالا، راعينا المفسدة الكبرى، فدفعناها تخفيفا للشر. والله أعلم. [حديث لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المعروف] الحديث السادس والخمسون عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . متفق عليه. هذا الحديث: قيد في كل من تجب طاعته من الولاة، والوالدين والزوج، وغيرهم. فإن الشارع أمر بطاعة هؤلاء. وكل منهم طاعته فيما يناسب حاله، وكلها بالمعروف. فإن الشارع رد الناس في كثير مما أمرهم به إلى العرف والعادة، كالبر والصلة، والعدل والإحسان العام. فكذلك طاعة من تجب طاعته. وكلها تقيد بهذا القيد، وأن من أمر منهم بمعصية الله بفعل محرم، أو ترك واجب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، فإذا أمر أحدهم بقتل معصوم، أو

стр. 118

ضربه، أو أخذ ماله، أو بترك حج واجب، أو عبادة واجبة، أو بقطيعة من تجب صلته، فلا طاعة لهم، وتقدم طاعة الله على طاعة الخلق. ويفهم من هذا الحديث: أنه إذا تعارضت طاعة هؤلاء الواجبة، ونافلة من النوافل، فإن طاعتهم تقدم: لأن ترك النفل ليس بمعصية، فإذا نهى زوجته عن صيام النفل، أو حج النفل، أو أمر الوالي بأمر من أمور السياسة يستلزم ترك مستحب، وجب تقديم الواجب. وقوله ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» كما أنه يتناول ما ذكرنا، فإنه يتناول أيضا تعليق ذلك بالقدرة والاستطاعة، كما تعلق الواجبات بأصل الشرع. وفي الحديث «عليكم السمع والطاعة فيما استطعتم» . والله أعلم. [حديث إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ . . .] الحديث السابع والخمسون عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ فأخطأ، فله أجر واحد» . متفق عليه. المراد بالحاكم: هو الذي عنده من العلم ما يؤهله للقضاء. وقد ذكر أهل العلم شروط القاضي. فبعضهم بالغ فيها، وبعضهم اقتصر على العلم الذي يصلح به للفتوى. وهو الأولى. ففي هذا الحديث: أن الجاهل لو حكم وأصاب الحكم، فإنه ظالم آثم، لأنه لا يحل له الإقدام على الحكم وهو جاهل. ودل على: أنه لا بد للحاكم من الاجتهاد. وهو نوعان:

стр. 119

اجتهاد في إدخال القضية التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية. واجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما، بحيث يكون الناس عنده في هذا الباب واحدا، لا يفضل أحدا على أحد، ولا يميله الهوى، فمتى كان كذلك فهو مأجور على كل حال: إن أصاب فله أجران. وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه معفو عنه، لأنه بغير استطاعته. والعدل كغيره معلق بالاستطاعة. والفرق بين الحاكم المجتهد، وبين صاحب الهوى: أن صاحب الحق قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده عليه دليله، بخلاف صاحب الهوى، فإنه يتكلم بغير علم، وبغير قصد للحق. قاله شيخ الإسلام. وفي هذا: فضيلة الحاكم الذي على هذا الوصف، وأنه يغنم الأجر والثواب في كل قضية يحكم بها. ولهذا: كان القضاء من أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة للقاضي عند التنازع أو الاشتباه. وعليه: أن يجاهد نفسه على تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته، وينال به الخير، والأجر العظيم. . والله أعلم. [حديث لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قوم وأموالهم] الحديث الثامن والخمسون عن ابن عباس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ اليمين على المدعى عليه» . رواه مسلم. وفي لفظ عند البيهقي: «البينة على المدعي، واليمين

стр. 120

من أنكر» . هذا الحديث عظيم القدر. وهو أصل كبير من أصول القضايا والأحكام؛ فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع: هذا يدعي على هذا حقا من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتا عليه. فبين ﷺ أصلا يفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل. فمن ادعى عينا من الأعيان، أو دينا، أو حقا من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر. فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق، ثبت له، وحكم له به وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين. وكذلك من ادعى براءته من الحق الذي عليه، وأنكر صاحب الحق ذلك، وقال: إنه باق في ذمته، فإن لم يأت مدعي الوفاء والبراءة ببينة، وإلا حكم ببقاء الحق في ذمته، لأنه الأصل. ولكن على صاحب الحق اليمين ببقائه. وكذلك دعوى العيوب، والشروط، والآجال، والوثائق: كلها من هذا الباب. فعلم أن هذا الحديث تضطر إليه القضاة في مسائل القضاء كلها؛ لأن البينة اسم للمبين الحق. وهي تتفاوت بتفاوت الحقوق، وقد فصلها أهل العلم. وقد بين ﷺ في هذا الحديث الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولادّعى رجال دماء قوم وأموالهم.

стр. 121

فعلم أن شريعة الإسلام بها صلاح البشر. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فقابل بين كل شريعة من شرائعه الكلية وبين ضدها، تجد الفرق العظيم، وتشهد أن الذي شرعها حكيم عليم، رحيم بالعباد؛ لاشتمالها على الحكمة والعدل، والرحمة، ونصر المظلوم، وردع الظالم. وقد قال بعض المحققين: إن الشريعة جعلت اليمين في أقوى جنبتي. المدعين. ومن تتبع ذلك عرفه. . والله أعلم. [حديث لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مجلود حدا . . .] الحديث التاسع والخمسون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا - «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ من أهل البيت» . رواه الترمذي. هذا حديث مشتمل على الأمور القادحة في الشهادة. وذلك: أن الله أمر بإشهاد العدول المرضيين. وأهل العلم اشترطوا في الشاهد في الحقوق بين الناس: أن يكون عدلا ظاهرا، وذكروا صفات العدالة. وحدها بعضهم بحد مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقال: كل مرضي عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته، فهو مقبول. وهذا أحسن الحدود. ولا يسع الناس العمل بغيره. والأشياء التي تقدح في الشهادة ترجع إلى التهمة أو إلى مظنتها. فمن الناس من لا تقبل شهادته مطلقا على جميع الأمور التي تعتبر فيها الشهادة، كالخائن والخائنة، والذي أتى حدا - أي: معصية كبيرة لم يتب منها - فإنه

стр. 122

لخيانته وفسقه مفقود العدالة، فلا تقبل شهادته. ومن الناس من هو موصوف بالعدالة، لكن فيه وصف يخشى أن يميل معه، فيشهد بخلاف الحق، وذلك كالأصول والفروع، والمولى والقانع لأهل البيت، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم للمذكورين؛ لأنه محل التهمة. وتقبل عليهم. ومثل ذلك الزوجان، والسيد مع مكاتبه أو عتيقه. ومن الناس من هو بعكس هؤلاء، كالعدو الذي في قلبه غمر - أي: غل - على أخيه. فهذا إن شهد له، قبلت شهادته. وإن شهد على عدوه: لم تقبل؛ لأن العداوة تحمل غالبا على الإضرار بالعدو. . والله أعلم. [حديث مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكل] الحديث الستون عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله. إنا لاقو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى. أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ. وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ. وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا به هكذا» . متفق عليه. قوله ﷺ : «ما أنهر الدم» . . . إلى آخره، كلام جامع يدخل فيه جميع ما ينهر الدم - أي: يسفكه - من حديد، أو نحاس، أو صفر، أو قصب، أو خشب، أو حطب، أو حصى؟ محدد أو غيرها، وما له نفوذ كالرصاص في البارود؛ لأنه ينهر بنفوذه، لا بثقله.

стр. 123

ودخل في ذلك: ما صيد بالسهام، والكلاب المعلمة، والطيور إذا ذكر اسم الله على جميع ذلك. وأما محل الذبح، فإنه الحلقوم والمريء، إذا قطعهما كفى. فإن حصل معهما قطع الودجين - وهما العرقان المكتنفان الحلقوم - كان أولى. وأما الصيد، فيكفي جرحه في أي موضع كان من بدنه ; للحاجة إلى ذلك. ومثل ذلك إذا ند البعير أو البقرة أو الشاة، وعجز عن إدراكه، فإنه يكون بمنزلة الصيد، كما في الحديث. ففي أي محل من بدنه جرح كفى، كما أن الصيد إذا قدر عليه - وهو حي - فلا بد من ذكاته. فالحكم يدور مع علته، المعجوز عنه بمنزلة الصيد، ولو من الحيوانات الإنسية. والمقدور عليه لا بد من ذبحه، ولو من الحيوانات الوحشية. واستثنى النبي ﷺ من ذلك السن، وعلله بأنه عظم. فدل على أن جميع العظام - وإن أنهرت الدم - لا يحل الذبح بها. وقيل: إن العلة مجموع الأمرين: كونه سنا، وكونه عظما، فيختص بالسن. والصحيح الأول. وكذلك الظفر لا يحل الذبح به، لا طير ولا غيره. فالحاصل: أن شروط الذبح: إنهار الدم في محل الذبح، مع كون الذابح مسلما، أو كتابيا، وأن يذكر اسم الله عليها. وأما الصيد، فهو أوسع من الذبح. كما تقدم أنه في أي موضع يكون من بدن الصيد، وأنه يباح صيد الجوارح من الطيور والكلاب إذا كانت معلمة، وذكر اسم الله عليها عند إرسالها على الصيد. . والله أعلم.

стр. 124

[حديث إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة . . .] الحديث الحادي والستون عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ. وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» . رَوَاهُ مسلم. الإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها. وإحسان في حقوق الخلق. وأصل الإحسان الواجب: أن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك من الحقوق، كما أنك تأخذ مالك وافيا. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر بالإحسان إلى جميع هؤلاء. ويدخل في ذلك الإحسان إلى جميع نوع الإنسان، والإحسان إلى البهائم، حتى في الحالة التي تزهق فيها نفوسها، ولهذا قال ﷺ : «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . فمن استحق القتل لموجب قتل، يضرب عنقه بالسيف، من دون تعزير ولا تمثيل. وقوله ﷺ : «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» أي: هيئة الذبح وصفته. ولهذا قال: «وليحد أحدكم شفرته» أي: سكينه: «وليرح ذبيحته» فإذا

стр. 125

كان العبد مأمورا بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟ واعلم أن الإحسان المأمور به نوعان: أحدهما: واجب، وهو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه عليك من الحقوق. والثاني: إحسان مستحب. وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان. وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان. ولما ذكر النبي ﷺ قصة البغي التي سقت الكلب الشديد العطش بخفيها من البئر، وأن الله شكر لها وغفر لها. قالوا لرسول الله ﷺ : «إن لنا في البهائم أجرا؟» قال: «في كل كبد حرى أجر» . فالإحسان: هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون، ولكنه يتفاوت بتفاوت المحسن إليهم، وحقهم ومقامهم، وبحسب الإحسان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحسن وإخلاصه، والسبب الداعي له إلى ذلك. ومن أجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] ومن كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]

стр. 126

[الرحمن: ٦٠] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أي المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله. والله تعالى يوجب على عباده العدل من الإحسان، ويندبهم إلى زيادة الفضل منه، وقال تعالى في المعاملة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي اجعلوا للفضل والإحسان موضعا من معاملاتكم. ولا تستقصوا في جميع الحقوق، بل يسروا ولا تعسروا، وتسامحوا في البيع والشراء، والقضاء والاقتضاء. ومن ألزم نفسه هذا المعروف، نال خيرا كثيرا، وإحسانا كبيرا. . والله أعلم. [حديث حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم خيبر الحمر الإنسية ولحوم البغال . . .] الحديث الثاني والستون عن جابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مخلب من الطير» رواه الترمذي. الأصل في جميع الأطعمة الحل، فإن الله أحل لعباده ما أخرجته الأرض من حبوب وثمار ونبات متنوع، وأحل لهم حيوانات البحر كلها حيها وميتها. وأما حيوانات البر، فأباح منها جميع الطيبات، كالأنعام الثماني وغيرها، والصيود الوحشية من طيور وغيرها. وإنما حرم من هذا النوع الخبائث وجعل لذلك حدا وفاصلا. وربما

стр. 127

عين بعض المحرمات، كما عين في هذا الحديث الحمر الأهلية، والبغال وحرمها. وقال: «إنها رجس» . وأما الحمر الوحشية: فإنها حلال، وكذلك حرم ذوات الأنياب من السباع، كالذئب والأسد والنمر والثعلب والكلب ونحوها، وكل ذي مخلب من الطير يصيد بمخلبه، كالصقر والباشق ونحوهما. وما نهي عن قتله كالصرد، أو أمر بقتله كالغراب ونحوها، فإنها محرمة. وما كان خبيثا، كالحيات والعقارب والفئران وأنواع الحشرات، وكذلك ما مات حتف أنفه من الحيوانات المباحة، أو ذكي ذكاة غير شرعية، فإنه محرم. والله أعلم. [حديث لعن رسول الله ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرجال] الحديث الثالث والستون عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لعن رسول الله ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرجال» . رواه البخاري. الأصل في جميع الأمور العادية الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، إما لذاته كالمغصوب، وما خبث مكسبه في حق الرجال والنساء، وإما لتخصيص الحل بأحد الصنفين، كما أباح الشارع لباس الذهب والفضة والحرير للنساء، وحرمه على الرجال. وأما تحريم الشارع تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، فهو عام في اللباس، والكلام، وجميع الأحوال. فالأمور ثلاثة أقسام:

стр. 128

قسم مشترك بين الرجال والنساء من أصناف اللباس وغيره، فهذا جائز للنوعين؛ لأن الأصل الإباحة، ولا تشبه فيه. وقسم مختص بالرجال، فلا يحل للنساء، وقسم مختص بالنساء، فلا يحل للرجال. ومن الحكمة في النهي عن التشبه: أن الله تعالى جعل للرجال على النساء درجة، وجعلهم قوامين على النساء، وميزهم بأمور قدرية، وأمور شرعية، فقيام هذا التمييز وثبوت فضيلة الرجال على النساء، مقصود شرعا وعقلا. فتشبه الرجال بالنساء يهبط بهم عن هذه الدرجة الرفيعة. وتشبه النساء بالرجال يبطل التمييز. وأيضا، فتشبه الرجال بالنساء بالكلام واللباس ونحو ذلك: من أسباب التخنث، وسقوط الأخلاق، ورغبة المتشبه بالنساء في الاختلاط بهن، الذي يخشى منه المحذور، وكذلك بالعكس. وهذه المعاني الشرعية، وحفظ مراتب الرجال ومراتب النساء، وتنزيل كل منهم منزلته التي أنزله الله بها، مستحسن عقلا، كما أنه مستحسن شرعا. وإذا أردت أن تعرف ضرر التشبه التام، وعدم اعتبار المنازل، فانظر في هذا العصر إلى الاختلاط الساقط الذي ذهبت معه الغيرة الدينية، والمروءة الإنسانية، والأخلاق الحميدة، وحل محله ضد ذلك من كل خلق رذيل. ويشبه هذا - أو هو أشد منه - تشبه المسلمين بالكفار في أمورهم المختصة بهم، فإنه ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» فإن التشبه الظاهر يدعو إلى التشبه الباطن، والوسائل والذرائع إلى الشرور قصد الشارع حسمها من كل وجه.

стр. 129

[حديث مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شفاء] الحديث الرابع والستون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شفاء» رواه البخاري. الإنزال هنا بمعنى: التقدير. ففي هذا الحديث: إثبات القضاء والقدر، وإثبات الأسباب. وقد تقدم أن هذا الأصل العظيم ثابت بالكتاب والسنة. ويؤيده العقل والفطرة. فالمنافع الدينية والدنيوية والمضار كلها بقضاء الله وتقديره، قد أحاط بها علما، وجرى بها قلمه، ونفذت بها مشيئته، ويسر العباد لفعل الأسباب التي توصلهم إلى المنافع والمضار، فكل ميسر لما خلق له: من مصالح الدين والدنيا، ومضارهما. والسعيد من يسره الله لأيسر الأمور وأقربها إلى رضوان الله، وأصلحها لدينه ودنياه، والشقي من انعكس عليه الأمر. وعموم هذا الحديث يقتضي: أن جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية، أو تخففه. وفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب، وأن ذلك من جملة الأسباب النافعة. وجميع أصول الطب وتفاصيله، شرح لهذا الحديث؛ لأن الشارع أخبرنا أن جميع الأدواء لها أدوية. فينبغي لنا أن نسعى إلى تعلمها، وبعد ذلك إلى العمل بها وتنفيذها. وقد كان يظن كثير من الناس أن بعض الأمراض ليس له دواء، كالسل ونحوه، وعندما ارتقى علم الطب، ووصل الناس إلى ما وصلوا إليه من علمه، عرف الناس مصداق هذا الحديث، وأنه على عمومه.

стр. 130

وأصول الطب: تدبير الغذاء، بأن لا يأكل حتى تصدق الشهوة وينهضم الطعام السابق انهضاما تاما، ويتحرى الأنفع من الأغذية، وذلك بحسب حالة الأقطار والأشخاص والأحوال، ولا يمتلئ من الطعام امتلاء يضره مزاولته، والسعي في تهضيمه، بل الميزان قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] ويستعمل الحمية عن جميع المؤذيات في مقدارها، أو في ذاتها، أو في وقتها. ثم إن أمكن الاستفراغ، وحصل به المقصود، من دون مباشرة الأدوية، فهو الأولى والأنفع. فإن اضطر إلى الدواء، استعمله بمقدار. وينبغي أن لا يتولى ذلك إلا عارف وطبيب حاذق. واعلم أن طيب الهواء، ونظافة البدن والثياب، والبعد عن الروائح الخبيثة، خير عون على الصحة. وكذلك الرياضة المتوسطة. فإنها تقوي الأعضاء والأعصاب والأوتار، وتزيل الفضلات، وتهضم الأغذية الثقيلة، وتفاصيل الطب معروفة عند الأطباء. ولكن هذه الأصول التي ذكرناها يحتاج إليها كل أحد. وصح عنه ﷺ «الشفاء في ثلاث: شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وفي الحبة السوداء شفاء من كل داء» . «العود الهندي فيه سبعة أشفية، يسعط من العذرة، ويلد من ذات الجنب» ، «الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء» ، «رخص في الرقية من العين والحمة والنملة» ، «وإذا استغسلتم من العين فاغسلوا» . «ونهى عن الدواء الخبيث» ، «وأمر بخضاب الرجلين لوجعهما» .

стр. 131

[حديث الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ] الحديث الخامس والستون عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فإنها لن تضره» متفق عليه. أخبر ﷺ في هذا الحديث: أن الرؤيا الصالحة من الله، أي: السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه، وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه، وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف. وتلطفت مع ما يلهمها الله، ويلقيه إليها الملك في منامها. فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة، أو ذكرت أمورا قد غفلت عنها، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها، أو العمل بها، أو حذرت مضارا دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها، أو هي بصدد ذلك، أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية. فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. وما كان من النبوة فهو لا يكذب. فانظر إلى رؤيا النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] كم حصل بها من منافع واندفع من مضار. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]

стр. 132

[الفتح: ٢٧] ، كم حصل بها من زيادة إيمان، وتم بها من كمال إيقان، وكانت من آيات الله العظيمة. وانظر إلى رؤيا ملك مصر، وتأويل يوسف الصديق لها، وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير، فحصل بذلك خيرات كثيرة، ونعم غزيرة، واندفع بها ضرورات وحاجات، ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات. وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب ﵄ الأذان والإقامة، وكيف صارت سببا لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية. ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم - معروفة مشهورة، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة، والثمرات الطيبة. وهي من جملة نعم الله على عباده، ومن بشارات المؤمنين، وتنبيهات الغافلين، وتذكيره للمعرضين، وإقامة الحجة على المعاندين. وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان، وتشويشه عليها وإفزاعها، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار. فأمر النبي ﷺ عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره، بأن لا يحدث بها أحدا، فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله، وأن يتفل عن شماله

стр. 133

ثلاث مرات. وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره، مصداقا لقول رسوله، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له. وأما الرؤيا الصالحة، فينبغي أن يحمد الله عليها، ويسأله تحقيقها، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة، ليسر لسروره، ويدعو له في ذلك. ولا يحدث بها من لا يحب، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه، أو يسعى - حسدا منه - في إزالة النعمة عنه. ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له، وحدث بها أباه قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى، إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة. واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية، كما في رؤيا الأذان وغيرها، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة، ليعتبر بها الأمور المعقولة، أو المحسوسة التي تشبهها، كرؤيا ملك مصر ونحوها، وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة، وتنوع الأحوال. [حديث مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يعنيه] الحديث السادس والستون عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵀ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،

стр. 134

ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَنْ أبي هريرة. الإسلام - عند الإطلاق - يدخل فيه الإيمان، والإحسان. وهو شرائع الدين الظاهرة والباطنة. والمسلمون منقسمون في الإسلام إلى قسمين، كما دل عليه فحوى هذا الحديث. فمنهم: المحسن في إسلامه، ومنهم: المسيء. فمن قام بالإسلام ظاهرا وباطنا فهو المحسن: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فيشتغل هذا المحسن بما يعنيه، مما يجب عليه تركه من المعاصي والسيئات، ومما ينبغي له تركه كالمكروهات وفضول المباحات التي لا مصلحة له فيها، بل تفوت عليه الخير. فقوله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المرء تركه ما لا يعنيه» يعم ما ذكرنا. ومفهوم الحديث: أن من لم يترك ما لا يعنيه، فإنه مسيء في إسلامه وذلك شامل للأقوال والأفعال المنهي عنها نهي تحريم أو نهي كراهة. فهذا الحديث يعد من الكلمات العامة الجامعة، لأنها قسمت هذا التقسيم الحاصر، وبينت الأسباب التي يتم بها حسن الإسلام، وهو الاشتغال بما يعني، وترك ما لا يعني من قول وفعل، والأسباب التي يكون بها العبد مسيئا، وهي ضد هذه الحال. . والله أعلم.

стр. 135

[حديث مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ من أدب حسن] الحديث السابع والستون عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أفضل من أدب حسن» رواه الترمذي. أولى الناس ببرك، وأحقهم بمعروفك: أولادك، فإنهم أمانات جعلهم الله عندك، ووصاك بتربيتهم تربية صالحة لأبدانهم وقلوبهم، وكل ما فعلته معهم من هذه الأمور، دقيقها وجليلها، فإنه من أداء الواجب عليك، ومن أفضل ما يقربك إلى الله، فاجتهد في ذلك، واحتسبه عند الله، فكما أنك إذا أطعمتهم وكسوتهم وقمت بتربية أبدانهم، فأنت قائم بالحق مأجور، فكذلك - بل وأعظم من ذلك - إذا قمت بتربية قلوبهم وأرواحهم بالعلوم النافعة، والمعارف الصادقة، والتوجيه للأخلاق الحميدة، والتحذير من ضدها. و" النحل ": هي العطايا والإحسان، فالآداب الحسنة خير للأولاد حالا ومآلا من إعطائهم الذهب والفضة، وأنواع المتاع الدنيوي، لأن بالآداب الحسنة، والأخلاق الجميلة يرتفعون، وبها يسعدون وبها يؤدون ما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وبها يجتنبون أنواع المضار، وبها يتم برهم لوالديهم. أما إهمال الأولاد، فضرره كبير، وخطره خطير. أرأيت لو كان لك بستان فنميته، حتى استتمت أشجاره، وأينعت ثماره، وتزخرفت زروعه وأزهاره. ثم أهملته فلم تحفظه، ولم تسقه ولم تنقه من الآفات، وتعده للنمو في كل الأوقات، أليس هذا من أعظم الجهل والحمق؟ فكيف تهمل أولادك الذين

стр. 136

هم فلذة كبدك، وثمرة فؤادك، ونسخة روحك، والقائمون مقامك حيا وميتا، الذين بسعادتهم تتم سعادتك. وبفلاحهم ونجاحهم تدرك به خيرا كثيرا ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] [حديث مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ ونافخ الكير . . .] الحديث الثامن والستون عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ. فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة» متفق عليه. اشتمل هذا الحديث على الحث على اختيار الأصحاب الصالحين، والتحذير من ضدهم. ومثل النبي ﷺ بهذين المثالين، مبينا أن الجليس الصالح: جميع أحوالك معه وأنت في مغنم وخير، كحامل المسك الذي تنتفع بما معه من المسك: إما بهبة، أو بعوض. وأقل ذلك: مدة جلوسك معه، وأنت قرير النفس برائحة المسك. فالخير الذي يصيبه العبد من جليسه الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأذفر، فإنه إما أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يهدي لك نصيحة، أو يحذرك من الإقامة على ما يضرك. فيحثك على طاعة الله وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ويبصرك بعيوب نفسك، ويدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها بقوله وفعله وحاله. فإن الإنسان مجبول على الاقتداء

стр. 137

بصاحبه وجليسه، والطباع والأرواح جنود مجندة، يقود بعضها بعضا إلى الخير، أو إلى ضده. وأقل ما تستفيده من الجليس الصالح - وهي فائدة لا يستهان بها - أن تنكف بسببه عن السيئات والمعاصي، رعاية للصحبة، ومنافسة في الخير، وترفعا عن الشر، وأن يحفظك في حضرتك ومغيبك، وأن تنفعك محبته ودعاؤه في حال حياتك وبعد مماتك، وأن يدافع عنك بسبب اتصاله بك، ومحبته لك. وتلك أمور لا تباشر أنت مدافعتها، كما أنه قد يصلك بأشخاص وأعمال ينفعك اتصالك بهم. وفوائد الأصحاب الصالحين لا تعد ولا تحصى. وحسب المرء أن يعتبر بقرينه، وأن يكون على دين خليله. وأما مصاحبة الأشرار: فإنها بضد جميع ما ذكرنا، وهم مضرة من جميع الوجوه على من صَاحَبَهُمْ، وشر على من خالطهم. فكم هلك بسببهم أقوام. وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث يشعرون، ومن حيث لا يشعرون. ولهذا كان من أعظم نعم الله على العبد المؤمن: أن يوفقه لصحبة الأخيار. ومن عقوبته لعبده: أن يبتليه بصحبة الأشرار. صحبة الأخيار توصل العبد إلى أعلى عليين، وصحبة الأشرار توصله إلى أسفل سافلين. صحبة الأخيار توجب له العلوم النافعة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال

стр. 138

الصالحة، وصحبة الأشرار: تحرمه ذلك أجمع: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] [حديث لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين] الحديث التاسع والستون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» . متفق عليه. هذا مثل ضربه النبي ﷺ : لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها، وأنه متى وقع في شيء منها، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة. ومن تمام توبته: أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر، لما أصابه فيه أول مرة. وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات، ويرغبه فيها، ويحزنه لفواتها، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه. وفي هذا الحديث: الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور. ومن لوازم ذلك: تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها، والأسباب الضارة ليتجنبها. ويدل على الحث على تجنب أسباب الريب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر. وعلى أن الذرائع معتبرة.

стр. 139

وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي، فقال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم، وتحذيره وحذره عنه أبلغ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة. وفي الحديث: «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان، ولا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» والله أعلم. [حديث لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلَا حَسَبَ كحسن الخلق] الحديث السبعون عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ» . رواه البيهقي في " شعب الإيمان ". هذا الحديث اشتمل على ثلاث جمل، كل واحدة منها تحتها علم عظيم: أما الجملة الأولى: فهي في بيان العقل وآثاره وعلاماته، وأن العقل الممدوح في الكتاب والسنة: هو قوة ونعمة أنعم الله بها على العبد، يعقل بها الأشياء النافعة، والعلوم والمعارف، ويتعقل بها، ويمتنع من الأمور الضارة والقبيحة، فهو ضروري للإنسان، لا يستغني عنه في كل أحواله الدينية والدنيوية، إذ به يعرف النافع والطريق إليه، ويعرف الضار وكيفية السلامة منه. والعقل يعرف بآثاره. فبين ﷺ في هذا الحديث آثاره الطيبة، فقال: «لا عقل كالتدبير» أي: تدبير العبد لأمور دينه، ولأمور دنياه.

стр. 140

فتدبيره لأمور دينه: أن يسعى في تعرف الصراط المستقيم، وما كان عليه النبي الكريم من الأخلاق والهدي والسمت، ثم يسعى في سلوكه بحالة منتظمة. كما قال ﷺ : «استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» . وقد تقدم شرح هذا الحديث وبيان الطريق الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ ، وأنها طريق سهلة توصل إلى الله وإلى دار كرامته بسهولة وراحة، وأنها لا تفوت على العبد من راحاته وأموره الدنيوية شيئا، بل يتمكن العبد معها من تحصيل المصلحتين والفوز بالسعادتين والحياة الطيبة. فمتى دبر أحواله الدينية بهذا الميزان الشرعي، فقد كمل دينه وعقله، لأن المطلوب من العقل: أن يوصل صاحبه إلى العواقب الحميدة من أقرب طريق وأيسره. وأما تدبير المعاش، فإن العاقل يسعى في طلب الرزق بما يتضح له أنه أنفع له وأجدى عليه في حصول مقصوده. ولا يتخبط في الأسباب خبط عشواء، لا يقر له قرار، بل إذا رأى سببا فتح له باب رزق فليلزمه، وليثابر عليه، وليجمل في الطلب، ففي هذا بركة مجربة. ثم يدبر تدبيرا آخر، وهو التدبير في التصريف والإنفاق، فلا ينفق في طرق محرمة، أو طرق غير نافعة، أو يسرف في النفقات المباحة أو يقتر. وميزان ذلك قوله تعالى في مدح الأخيار: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فحسن التدبير في كسب الأرزاق، وحسن التدبير في الإنفاق، والتصريف،

стр. 141

والحفظ، وتوابع ذلك: دليل على كمال عقل الإنسان ورزانته ورشده. وضد ذلك: دليل على نقصان عقله، وفساد لُبه. الجملة الثانية: قوله ﷺ : «لا ورع كالكف» . فهذا حد جامع للورع، بين به رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الورع الحقيقي هو الذي يكف نفسه، وقلبه ولسانه، وجميع جوارحه عن الأمور المحرمة الضارة. فكل ما قاله أهل العلم في تفسير الورع، فإنه يرجع إلى هذا التفسير الواضح الجامع. فمن حفظ قلبه عن الشكوك والشبهات، وعن الشهوات المحرمة والغل والحقد، وعن سائر مساوئ الأخلاق، وحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب والشتم، وعن كل إثم وأذى، وكلام محرم، وحفظ فرجه وبصره عن الحرام، وحفظ بطنه عن أكل الحرام، وجوارحه عن كسب الآثام، فهذا هو الورع حقيقة. ومن ضيع شيئا من ذلك نقص من ورعه بقدر ذلك، ولهذا قال شيخ الإسلام: " الورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة ". الجملة الثالثة: قوله ﷺ : «ولا حسب كحسن الخلق» . وذلك أن الحسب مرتبة عالية عند الخلق. وصاحب الحسب له اعتبار وشرف بحسب ذلك. وهو نوعان: النوع الأول: حسب يتعلق بنسب الإنسان وشرف بيته. وهذا النوع إنما هو مدح؛ لأنه مظنة أن يكون صاحبه عاملا بمقتضى حسبه، مترفعا عن الدنايا، متحليا بالمكارم. فهو مقصود لغيره.

стр. 142

وأما النوع الثاني، فهو الحسب الحقيقي الذي هو وصف للعبد، وجمال له وزينة، وخير في الدنيا والدين، وهو حسن الخلق المحتوي على الحلم الواسع، والصبر والعفو، وبذل المعروف والإحسان، واحتمال الإساءة والأذى، ومخالقة طبقات الناس بخلق حسن. وإن شئت فقل: حسن الخلق نوعان: الأول: حسن الخلق مع الله، وهو أن تتلقى أحكامه الشرعية والقدرية بالرضى والتسليم لحكمه، والانقياد لشرعه، بطمأنينة ورضى، وشكر لله على ما أنعم به: من الأمر والتوفيق، والصبر على أقداره المؤلمة والرضى بها. الثاني: حسن الخلق مع الخلق، وهو بذل الندى، واحتمال الأذى، وكف الأذى، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] فمن قام بحسن الخلق مع الله ومع الخلق، فقد نال الخير والفلاح. والله أعلم. [حديث جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فقال لا تغضب . . .] الحديث الحادي والسبعون عن أبي هريرة ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ. ثُمَّ رَدَّدَ مِرَارًا فَقَالَ: لا تغضب» . رواه البخاري. هذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي، وهو يريد أن يوصيه النبي ﷺ بكلام كلي، ولهذا ردد. فلما أعاد عليه النبي ﷺ ، عرف أن هذا كلام جامع

стр. 143

، وهو كذلك؛ فإن قوله: «لا تغضب» يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما: الأمر بفعل الأسباب، والتمرن على حسن الخلق، والحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخَلق، من الأذى القولي والفعلي. فإذا وفق لها العبد، وورد عليه وارد الغضب، احتمله بحسن خلقه، وتلقاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه، فإن الأمر بالشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه، وهذا منه. الثاني: الأمر - بعد الغضب - أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالبا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب. فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة، فكأنه في الحقيقة لم يغضب. وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية، والقوة القلبية، كما قال ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . فكمال قوة العبد: أن يمتنع من أن تؤثر فيه قوة الشهوة وقوة الغضب الآثار السيئة، بل يصرف هاتين القوتين إلى تناول ما ينفع في الدين والدنيا، وإلى دفع ما يضر فيهما. فخير الناس من كانت شهوته وهواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ وغضبه ومدافعته في نصر الحق على الباطل. وشر الناس: من كان صريع شهوته وغضبه. ولا حول ولا قوة إلا بالله. .

стр. 144

[حديث لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كبر] الحديث الثاني والسبعون عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حسنا، ونعله حسنا؟ فقال: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ: بَطَرُ الحق، وغمط الناس» . رواه مسلم. قد أخبر الله تعالى: أن النار مثوى المتكبرين، وفي هذا الحديث أنه: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كبر» فدل على أن الكبر موجب لدخول النار، ومانع من دخول الجنة. وبهذا التفسير الجامع الذي ذكره النبي ﷺ يتضح هذا المعنى غاية الاتضاح، فإنه جعل الكبر نوعين: كبر النوع الأول: على الحق، وهو رده وعدم قبوله، فكل من رد الحق فإنه مستكبر عنه بحسب ما رد من الحق. وذلك أنه فرض على العباد أن يخضعوا للحق الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه. فالمتكبرون عن الانقياد للرسل بالكلية كفار مخلدون في النار؛ فإنه جاءهم الحق على أيدي الرسل مؤيدا بالآيات والبراهين. فقام الكبر في قلوبهم مانعا، فردوه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وأما المتكبرون عن الانقياد لبعض الحق الذي يخالف رأيهم وهواهم، فهم - وإن لم يكونوا كفارا - فإن معهم من موجبات العقاب بحسب ما معهم من الكبر. وما تأثروا به من الامتناع عن قبول الحق الذي تبين لهم بعد مجيء

стр. 145

الشرع به. ولهذا أجمع العلماء أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، لم يحل له أن يعدل عنها لقول أحد، كائنا من كان. فيجب على طالب العلم أن يعزم عزما جازما على تقديم قول الله وقول رسوله ﷺ على قول كل أحد، وأن يكون أصله الذي يرجع إليه، وأساسه الذي يبني عليه، الاهتداء بهدي النبي ﷺ ، والاجتهاد في معرفة مراده، واتباعه في ذلك، ظاهرا وباطنا. فمتى وفق لهذا الأمر الجليل فقد وفق للخير، وصار خطؤه معفوا عنه ; لأن قصده العام اتباع الشرع. فالخطأ معذور فيه إذا فعل مستطاعه من الاستدلال والاجتهاد في معرفة الحق، وهذا هو المتواضع للحق. وأما الكبر على الخلق - وهو النوع الثاني -: فهو غمطهم واحتقارهم وذلك ناشئ عن عجب الإنسان بنفسه، وتعاظمه عليهم. فالعجب بالنفس يحمل على التكبر على الخلق، واحتقارهم والاستهزاء بهم، وتنقيصهم بقوله وفعله. وقال رسول الله ﷺ : «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» . ولما قال هذا الرجل: «إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونعله حسنا» وخشي أن يكون هذا من الكبر الذي جاء فيه الوعيد: بين له النبي ﷺ : أن هذا ليس من الكبر، إذا كان صاحبه منقادا للحق، متواضعا للخلق، وأنه من الجمال الذي يحبه الله ; فإنه تعالى جميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يحب الجمال الظاهري والجمال الباطني. فالجمال الظاهر: كالنظافة في الجسد، والملبس، والمسكن، وتوابع ذلك. والجمال الباطن: التجمل بمعاني الأخلاق ومحاسنها.
следующие страницы →