وفيه الاعتراف بنعمته آخرا، كما اعترف بها أولا، في قوله: «لربنا حامدون» .
فكما أن على العبد أن يحمد الله على التوفيق لفعل العبادة والشروع في الحاجة، فعليه أن يحمد الله على تكميلها وتمامها، والفراغ منها، فإن الفضل فضله، والخير خيره، والأسباب أسبابه. والله ذو الفضل العظيم.
[حديث خذوا عني مناسككم]
الحديث السادس والثمانون عن جابر بن عبد الله ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنسائي.
هذا كلام جامع استدل به أهل العلم على مشروعية جميع ما فعله النبي ﷺ ، وما قاله في حجه وجوبا في الواجبات، ومستحبا في المستحبات، وهو نظير قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فكما أن ذلك يشمل جزئيات الصلاة كلها، فهذا يشمل جزئيات المناسك كلها.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن جدا في خلاصة حج النبي ﷺ ، ذكره في " القواعد النورانية "، فقال قدس الله روحه ورضي عنه:
وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما: أنه ﷺ لما حج حجة الوداع أحرم هو والمسلمون من ذي الحليفة. فقال: «من شاء أن يهل (١) بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل» فلما قدموا وطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يحلوا من
стр. 177
إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله (١) فراجعه بعضه في ذلك. فغضب، وقال: «انظروا ما أمرتكم به فافعلوه» . وكان هو ﷺ قد ساق الهدي، فلم يحل من إحرامه، ولما رأى كراهة بعضهم للإحلال قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت» . وقال أيضا: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» . فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ساقوا الهدي ; منهم: رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله.
فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج، وهم ذاهبون إلى منى، فبات بهم تلك الليلة بمنى وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم سار بهم إلى نمرة، على طريق ضب، ونمرة خارجة عن عرفة، من يمانيها وغربيها، ليست من الحرم، ولا من عرفة. فنصبت له القبة بنمرة. وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون بعده، وبها الأسواق، وقضاء الحاجة، والأكل، ونحو ذلك.
فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه، وسار المسلمون إلى المصلى ببطن عرنة، حيث قد بني المسجد وليس هو من الحرم، ولا من عرفة. وإنما هو برزخ بين المشعرين: الحلال والحرام هناك، بينه وبين الموقف نحو ميل، فخطب فيهم خطبة الحج على راحلته، وكان يوم الجمعة، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين. ثم سار - والمسلمون معه - إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل الرحمة. واسمه " إلال " على وزن هلال، وهو
стр. 178
الذي تسميه العامة عرفة، فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس، فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال، حين نزلوا بمزدلفة، وبات بها حتى طلع الفجر، فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها، مغلسا بها زيادة على كل يوم، ثم وقف عند قزح، وهو جبل مزدلفة الذي يسمى المشعر الحرام، فلم يزل واقفا بالمسلمين إلى أن أسفر جدا، ثم دفع بهم حتى قدم منى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى منزله بمنى، ثم أتى المنحر ونحر ثلاثا وستين بدنة من الهدي الذي ساقه، وأمر عليا فنحر الباقي وكان مائة بدنة، ثم حلق رأسه.
ثم أفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وكان قد عجل ضعفة أهله من مزدلفة قبل طلوع الفجر، فرموا الجمرة بليل. ثم أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث، يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة، يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس، يستفتح بالجمرة الأولى - وهي الصغرى، وهي الدنيا إلى منى - والقصوى من مكة. ويختتم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين: الأولى والثانية، وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة، يذكر الله ويدعو ; فإن المواقف ثلاث: عرفة، ومزدلفة، ومنى. ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون، فنزل بالمحصب، عند خيف بني كنانة، فبات هو والمسلمون ليلة الأربعاء، وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن؛ لتعتمر من التنعيم، وهو أقرب أطراف الحرم إلى مكة، من طريق أهل المدينة. وقد بني بعده هناك
стр. 179
مسجد سماه الناس مسجد عائشة ; لأنه لم يعتمر بعد الحج مع النبي ﷺ من أصحابه أحد قط إلا عائشة، لأجل أنها كانت قد حاضت لما قدمت وكانت معتمرة. فلم تطف قبل الوقوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال لها النبي ﷺ : «اقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة» ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة. ولم يقم بعد أيام التشريق، ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل إلا عائشة ﵂ وحدها فأخذ فقهاء الحديث - كأحمد وغيره - بسنته في ذلك كله، إلى آخر ما قال ﵀ ورضي عنه. والله أعلم.
[حديث قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ]
الحديث السابع والثمانون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . رواه مسلم.
«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» تكلم أهل العلم على معنى هذه المعادلة وتوجيهها.
وأحسن ما قيل فيها: أن معادلتها لثلث القرآن، لما تضمنته من المعاني العظيمة: معاني التوحيد، وأصول الإيمان. فإن المواضيع الجليلة التي اشتمل القرآن عليها:
١ - إما أحكام شرعية: ظاهرة أو باطنة، عبادات أو معاملات.
٢ - وإما قصص وأخبار عن المخلوقات السابقة واللاحقة، وأحوال المكلفين في الجزاء على الأعمال.
٣ - وإما توحيد ومعارف، تتعلق بأسماء الله وصفاته، وتفرده بالوحدانية
стр. 180
والكمال، وتنزهه عن كل عيب، ومماثلة أحد من المخلوقات.
فسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مشتملة على هذا، وشاملة لكل ما يجب اعتقاده من هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها.
ولهذا أمرنا الله أن نقولها بألسنتنا، ونعرفها بقلوبنا، ونعترف بها وندين لله باعتقادها، والتعبد لله بها. فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
فالله: هو المألوه المستحق لمعاني الألوهية كلها، التي توجب أن يكون هو المعبود وحده، المحمود وحده، المشكور وحده، المعظم المقدس، ذو الجلال والإكرام.
و" الأحد " يعني: الذي تفرد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة ورحمة، وغيرها من صفات الكمال.
فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه. فهو الأحد في حياته وقيوميته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات.
ومن تحقيق أحديته وتفرده بها أنه ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبق صفة كمال إلا اتصف بها. ووصف بغايتها وكمالها، بحيث لا تحيط الخلائق ببعض تلك الصفات بقلوبهم، ولا تعبر عنها ألسنتهم. وهو المصمود إليه، المقصود في جميع الحوائج والنوائب: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]
فهو الغني بذاته، وجميع الكائنات فقيرة إليه بذاتهم، في إيجادهم
стр. 181
وإعدادهم، وإمدادهم بكل ما هم محتاجون إليه من جميع الوجوه، ليس لأحد منها غنى عنه مثقال ذرة، في كل حالة من أحوالها.
فالصمد: هو المصمود إليه، المقصود في كل شيء، لكماله وكرمه وجوده وإحسانه. ولذلك ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فإن المخلوقات كلها متولد بعضها من بعض، وبعضها والد بعض، وبعضها مولود. وكل مخلوق فإنه مخلوق من مادة. وأما الرب ﷻ ، فإنه منزه عن مماثلتها في هذا الوصف، كما هو منزه عن مماثلتها في كل صفة نقص.
ولهذا حقق ذلك التنزيه، وتمم ذلك الكمال بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أي: ليس له نظير ولا مكافئ ولا مثيل، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في جميع حقوقه التي اختص بها.
فحقه الخاص أمران: التفرد بالكمال كله من جميع الوجوه، والعبودية الخالصة من جميع الخلق.
فحق لسورة تتضمن هذه الجمل العظيمة: أن تعادل ثلث القرآن، فإن جميع ما في القرآن من الأسماء الحسنى، ومن الصفات العظيمة العليا، ومن أفعال الله وأحكام صفاته، تفاصيل لهذه الأسماء التي ذكرت في هذه السورة، بل كل ما في القرآن من العبوديات الظاهرة والباطنة، وأصنافها وتفاصيلها، تفصيل لمضمون هذه السورة. والله أعلم.
[حديث لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ]
الحديث الثامن والثمانون عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا
стр. 182
فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الحسد نوعان: نوع محرم مذموم على كل حال، وهو أن يتمنى زوال نعمة الله عن العبد - دينية أو دنيوية - وسواء أحب ذلك محبة استقرت في قلبه، ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها، وهذا أقبح، فإنه ظلم متكرر.
وهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
والنوع الثاني أن لا يتمنى زوال نعمة الله عن الغير، ولكن يتمنى حصول مثلها له، أو فوقها أو دونها.
وهذا نوعان محمود، وغير محمود.
فالمحمود من ذلك: أن يرى نعمة الله الدينية على عبده، فيتمنى أن يكون له مثلها، فهذا من باب تمني الخير، فإن قارن ذلك سعي وعمل لتحصيل ذلك، فهو نور على نور.
وأعظم من يغبط: من كان عنده مال قد حصل له من حلة، ثم سلط ووفق على إنفاقه في الحق، في الحقوق الواجبة والمستحبة، فإن هذا من أعظم البرهان على الإيمان، ومن أعظم أنواع الإحسان.
ومن كان عنده علم وحكمة علمه الله إياها، فوفق لبذلها في التعليم والحكم بين الناس، فهذان النوعان من الإحسان لا يعادلهما شيء.
الأول: ينفع الخلق بماله، ويدفع حاجاتهم، وينفق في المشاريع الخيرية، فتقوم ويتسلسل نفعها، ويعظم وقعها.
والثاني: ينفع الناس بعلمه، وينشر بينهم الدين والعلم الذي يهتدي به
стр. 183
العباد في جميع أمورهم، من عبادات ومعاملات وغيرها.
ثم بعد هذين الاثنين: تكون الغبطة على الخير، بحسب حاله ودرجاته عند الله. ولهذا أمر الله تعالى بالفرح والاستبشار بحصول هذا الخير، وإنه لا يوفق لذلك إلا أهل الحظوظ العظيمة العالية. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]
وقد يكون من تمنى شيئا من هذه الخيرات، له مثل أجر الفاعل إذا صدقت نيته، وصمم من عزيمته أن لو قدر على ذلك العمل، لعمل مثله، كما ثبت بذلك الحديث. وخصوصا إذا شرع وسعى بعض السعي.
وأما الغبطة التي هي غير محمودة، فهي تمني حصول مطالب الدنيا لأجل اللذات، وتناول الشهوات، كما قال الله تعالى حكاية عن قوم قارون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] فإن تمني مثل حالة من يعمل السيئات فهو بنيته، ووزرهما سواء.
فبهذا التفصيل يتضح الحسد المذموم في كل حال. والحسد الذي هو الغبطة، الذي يحمد في حال، ويذم في حال. والله أعلم.
[حديث اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى]
الحديث التاسع والثمانون عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو، فَيَقُولُ: اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى والتقى، والعفاف والغنى» رواه مسلم.
стр. 184
هذا الدعاء «اللهم إني أسألك الهدى والتقى» من أجمع الأدعية وأنفعها. وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا، فإن " الهدى " هو العلم النافع. " والتقى " العمل الصالح، وترك ما نهى الله ورسوله عنه. وبذلك يصلح الدين، فإن الدين علوم نافعة، ومعارف صادقة، فهي الهدى، وقيام بطاعة الله ورسوله، فهو التقى.
و «العفاف والغنى» يتضمن العفاف عن الخلق، وعدم تعليق القلب بهم. والغنى بالله وبرزقه، والقناعة بما فيه، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية. وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا، والراحة القلبية، وهي الحياة الطيبة.
فمن رزق الهدى والتقى، والعفاف والغنى، نال السعادتين، وحصل له كل مطلوب، ونجا من كل مرهوب. والله أعلم.
[حديث مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر]
الحديث التسعون عن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يحب أن يؤتى إليه» . رواه مسلم.
لا شك أن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأن هذه غاية يسعى إليها جميع المؤمنين، فذكر النبي ﷺ في هذا الحديث لها سببين، ترجع إليهما جميع الشعب والفروع، الإيمان بالله واليوم الآخر، المتضمن للإيمان بالأصول التي ذكرها الله بقوله:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ومتضمن للعمل للآخرة والاستعداد لها؛ لأن الإيمان الصحيح يقتضي ذلك ويستلزمه، والإحسان إلى الناس، وأن يصل إليهم من القول والفعل والمال والمعاملة ما يحب أن يعاملوه به.
стр. 185
فهذا هو الميزان الصحيح للإحسان وللنصح، فكل أمر أشكل عليك مما تعامل به الناس، فانظر، هل تحب أن يعاملوك بتلك المعاملة أم لا؟ فإن كنت تحب ذلك، كنت محبا لهم ما تحب لنفسك، وإن كنت لا تحب أن يعاملوك بتلك المعاملة، فقد ضيعت هذا الواجب العظيم (١) .
[حديث إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا به شيئا . . .]
الحديث الحادي والتسعون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ، قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السؤال، وإضاعة المال» رواه مسلم.
فيه إثبات الرضى لله، وذكر متعلقاته، وإثبات الكراهة منه، وذكر متعلقاتها ; فإن الله ﷻ من كرمه على عباده، يرضى لهم ما فيه مصلحتهم، وسعادتهم في العاجل والآجل.
وذلك بالقيام بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له بأن يقوم الناس بعقائد الإيمان وأصوله، وشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وبالأعمال الصالحة، والأخلاق الزاكية، كل ذلك خالصا لله موافقا لمرضاته، على سنة نبيه، ويعتصموا بحبل الله، وهو دينه الذي هو الوصلة بينه وبين عباده، فيقوموا به مجتمعين متعاونين على البر والتقوى «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره» ، بل يكون محبا له مصافيا، وأخا معاونا.
стр. 186
وبهذا الأصل والذي قبله يكمل الدين، وتتم النعمة على المسلمين، ويعزهم الله بذلك وينصرهم، لقيامهم بجميع الوسائل التي أمرهم الله بها والتي تكفل لمن أقام بها بالنصر والتمكين، وبالفلاح والنجاح العاجل والآجل.
ثم ذكر ما كره الله لعباده، (القيل والقال) مما ينافي هذه الأمور التي يحبها وينقضها فمنها: كثرة القيل والقال، فإن ذلك من دواعي الكذب، وعدم التثبت، واعتقاد غير الحق. ومن أسباب وقوع الفتن، وتنافر القلوب، ومن الاشتغال بالأمور الضارة عن الأمور النافعة. وقل أن يسلم أحد من شيء من ذلك، إذا كانت رغبته في القيل والقال.
وأما قوله: «وكثرة السؤال» فهذا هو السؤال المذموم، كسؤال الدنيا من غير حاجة وضرورة، والسؤال على وجه التعنت والإعنات، وعن الأمور التي يخشى من ضررها، أو عن الأمور التي لا نفع فيها، الداخلة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]
وأما السؤال عن العلوم النافعة على وجه الاسترشاد أو الإرشاد، فهذا محمود مأمور به.
وقوله: «وإضاعة المال» وذلك إما بترك حفظه حتى يضيع، أو يكون عرضة للسراق والضياع، وإما بإهمال عمارة عقاره، أو الإنفاق على حيوانه، وإما بإنفاق المال في الأمور الضارة، أو غير النافعة. فكل هذا داخل في إضاعة المال. وإما بتولي ناقصي العقول لها، كالصغار والسفهاء والمجانين ونحوهم؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قياما للناس، بها تقوم مصالحهم الدينية والدنيوية، فتمام النعمة فيها أن تصرف فيما خلقت له: من المنافع والأمور الشرعية،
стр. 187
والمنافع الدنيوية.
وما كرهه الله لعباده، فهو يحب منهم ضدها، يحب منهم أن يكونوا متثبتين في جميع ما يقولونه، وأن لا ينقلوا كل ما سمعوه، وأن يكونوا متحرين للصدق، وأن لا يسألوا إلا عما ينفع، وأن يحفظوا أموالهم ويدبروها، ويتصرفوا فيها التصرفات النافعة، ويصرفوها في المصارف النافعة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] والحمد لله أولا وآخرا. والله أعلم.
[حديث. . . خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بنيك]
الحديث الثاني والتسعون عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ ويكفي بنيك» . متفق عليه.
أخذ العلماء من هذا الحديث فقها كثيرا، سأشير إلى ما يحضرني منه.
أن المستفتي والمتظلم حكم الغيبة يجوز أن يتكلم بالصدق فيمن تعلق به الاستفتاء والتظلم، وليس من الغيبة المحرمة، وهو أحد المواضع المستثنيات من الغيبة، ويجمع الجميع الحاجة إلى التكلم في الغير، فإن الغيبة المحرمة في ذكرك أخاك بما يكره، فإن احتيج إلى ذلك - كما ذكرنا وكما في النصيحة الخاصة، أو العامة، أو لا يعرف إلا بلقبه - جاز ذلك بمقدار ما يحصل به المقصود.
ومنه: أن نفقة الأولاد واجبة على الأب، وأنه يختص بها، لا تشاركه الأم فيها ولا غيره.
стр. 188
وكذلك فيه: وجوب نفقة الزوجة، وأن مقدار ذلك الكفاية، لقوله ﷺ : «خُذِي مِنْ مَالِهِ بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» وأن الكفاية معتبرة بالعرف، بحسب أحوال الناس: في زمانهم ومكانهم، ويسرهم وعسرهم، وأن المنفق إذا امتنع أو شح عن النفقة أصلا أو تكميلا، فلمن له النفقة أو يباشر الإنفاق أن يأخذ من ماله، ولو بغير علمه، وذلك لأن السبب ظاهر، ولا ينسب في هذه الحالة إلى خيانة، فلا يدخل في قوله ﷺ : «لا تخن من خانك» .
وهذا هو القول الوسط الصحيح في مسألة الأخذ من مال من له حق عليه بغير علمه بمقدار حقه، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز ذلك، إلا إذا كان السبب ظاهرا، كالنفقة على الزوجة والأولاد والمماليك ونحوهم، وكحق الضيف.
ومنه أن المتولي أمرا من الأمور يحتاج فيه إلى تقدير مالي يقبل قوله في التقدير؛ لأنه مؤتمن، له الولاية على ذلك الشيء.
ومنه أن المستفتي فتوى لها تعلق بالغير، إذا غلب على ظن المسؤول صدقه لا يحتاج إلى إحضار ذلك الغير، وخصوصا إذا كان في ذلك مفسدة، كما في هذه القضية، فإنه لو أحضر أبا سفيان لهذه الشكاية، لم يؤمن أن يقع بينه وبين زوجه ما لا ينبغي.
وليس في هذا دلالة على الغائب، فإن هذا ليس بحكم، وإنما هو استفتاء. والله أعلم.
стр. 189
[حديث لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ]
الحديث الثالث والتسعون عن أبي بكرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» هذا الحديث يدل على أمور:
أحدها: نهي الحاكم بين الناس أن يحكم في كل قضية معينة بين اثنين وهو غضبان، سواء كان ذلك في القضايا الدينية أو الدنيوية. وذلك لما في الغضب من تغير الفكر وانحرافه. وهذا الانحراف للفكر يضر في استحضاره للحق، ويضر أيضا في قصد الحق، والفرض الأصلي للحاكم وغيره: قصد الحق علما وعملا.
الثاني: يدل على أنه ينبغي أن يجتهد في الأخذ بالأسباب التي تصرف الغضب، أو تخففه: من التخلق بالحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيبه، وما يسمعه من الخصوم: فإن هذا عون كبير على دفع الغضب، أو تخفيفه.
الثالث: يؤخذ من هذا التعليل: أن كل ما منع الإنسان من معرفة الحق أو قصده، فحكمه حكم الغضب. وذلك كالهم الشديد، والجوع والعطش، وكونه حاقنا أو حاقبا أو نحوها، مما يشغل الفكر مثل أو أكثر من الغضب.
الرابع: أن النهي عن الحكم في حال الغضب ونحوه مقصود لغيره. وهو أنه ينبغي للحاكم أن لا يحكم حتى يحيط علما بالحكم الشرعي الكلي، وبالقضية الجزئية من جميع أطرافها، ويحسن كيف يطبقها على الحكم الشرعي، فإن الحاكم محتاج إلى هذه الأمور الثلاثة:
الأول: العلم بالطرق الشرعية، التي وضعها الشارع لفصل الخصومات
стр. 190
والحكم بين الناس.
الثاني: أن يفهم ما بين الخصمين من الخصومة، ويتصورها تصورا تاما، ويدع كل واحد منهما يدلي بحجته، ويشرح قضيته شرحا تاما. ثم إذا تحقق ذلك وأحاط به علما، احتاج إلى الأمر الثالث:
وهو صفة تطبيقها وإدخالها في الأحكام الشرعية، فمتى وفق لهذه الأمور الثلاثة، وقصد العدل، وفق له، وهدي إليه. ومتى فاته واحد منها، حصل الغلط، واختل الحكم. والله أعلم.
[حديث كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة]
الحديث الرابع والتسعون عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كل واشرب، والبس وتصدق، من غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود، وعلقه البخاري.
هذا الحديث مشتمل على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا، وتجنب الأمور الضارة. وذلك أن الله تعالى جعل المال قواما للعباد، به تقوم أحوالهم الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية. وقد أرشد الله ورسوله فيه - استخراجا واستعمالا، وتدبيرا وتصريفا - إلى أحسن الطرق وأنفعها، وأحسنها عاقبة: حالا ومآلا.
أرشد فيه إلى السعي في تحصيله بالأسباب المباحة والنافعة، وأن يكون الطلب جميلا، ولا كسل معه ولا فتور، ولا انهماك في تحصيله انهماكا يخل بحالة الإنسان، وأن يتجنب من المكاسب المحرمة والرديئة، ثم إذا تحصل سعى الإنسان في حفظه واستعماله بالمعروف، بالأكل والشرب واللباس،
стр. 191
والأمور المحتاج إليها، هو ومن يتصل به من زوجة وأولاد وغيرهم، من غير تقتير ولا تبذير.
وكذلك إذا أخرجه للغير فيخرجه في الطرق التي تنفعه، ويبقى له ثوابها وخيرها، كالصدقة على المحتاج من الأقارب والجيران ونحوهم، وكالإهداء والدعوات التي جرى العرف بها.
وكل ذلك معلق بعدم الإسراف، وقصد الفخر والخيلاء، كما قيده في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]
فهذا هو العدل في تدبير المال: أن يكون قواما (١) بين رتبتي البخل والتبذير، وبذلك تقوم الأمور وتتم. وما سوى هذا، فإثم وضرر، ونقص في العقل والحال. والله أعلم.
[حديث. . . أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ أو يحبه الناس عليه . . .]
الحديث الخامس والتسعون عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ - أَوْ يُحِبُّهُ - النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» . رَوَاهُ مسلم
. أخبر ﷺ في هذا الحديث: أن آثار الأعمال المحمودة المعجلة أنها من البشرى ; فإن الله وعد أولياءه - وهم المؤمنون المتقون - بالبشرى في هذه الحياة وفي الآخرة.
و" البشارة " الخبر أو الأمر السار الذي يعرف به العبد حسن عاقبته، وأنه
стр. 192
من أهل السعادة، وأن عمله مقبول.
أما في الآخرة فهي البشارة برضى الله وثوابه، والنجاة من غضبه وعقابه، عند الموت، وفي القبر، وعند القيام إلى البعث، يبعث الله لعبده المؤمن في تلك المواضع بالبشرى على يدي الملائكة، كما تكاثرت بذلك نصوص الكتاب والسنة، وهى معروفة.
وأما البشارة في الدنيا التي يجعلها الله للمؤمنين ; نموذجا وتعجيلا لفضله، وتعرفا لهم بذلك، وتنشيطا لهم على الأعمال فأعمها توفيقه لهم للخير، وعصمته لهم من الشر، كما قال ﷺ : « (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة) .»
فإذا كان العبد يجد أعمال الخير ميسرة له، مسهلة عليه، ويجد نفسه محفوظا بحفظ الله عن الأعمال التي تضره، كان هذا من البشرى التي يستدل بها المؤمن على عاقبة أمره، فإن الله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين. وإذا ابتدأ عبده بالإحسان أتمه.
فأعظم منة وإحسان يمن به عليه إحسانه الديني، فيسر المؤمن بذلك أكمل سرور: سرور بمنة الله عليه بأعمال الخير، وتيسيرها ; لأن أعظم علامات الإيمان محبة الخير، والرغبة فيه، والسرور بفعله. وسرور ثان بطمعه الشديد في إتمام الله نعمته عليه، ودوام فضله.
ومن ذلك ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث: إذا عمل العبد عملا من أعمال الخير - وخصوصا الآثار الصالحة والمشاريع الخيرية العامة النفع، وترتب على ذلك محبة الناس له، وثناؤهم عليه، ودعاؤهم له - كان هذا من
стр. 193
البشرى أن هذا العمل من الأعمال المقبولة، التي جعل الله فيها خيرا وبركة.
ومن البشرى في الحياة الدنيا، محبة المؤمنين للعبد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أي محبة منه لهم، وتحبيبا لهم في قلوب العباد.
ومن ذلك الثناء الحسن، فإن كثرة ثناء المؤمنين على العبد شهادة منهم له. والمؤمنون شهداء الله في أرضه.
ومن ذلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له، فإن الرؤيا الصالحة من المبشرات.
ومن البشرى أن يقدر الله على العبد تقديرا يحبه أو يكرهه. ويجعل ذلك التقدير وسيلة إلى إصلاح دينه، وسلامته من الشر.
وأنواع ألطاف الباري سبحانه لا تعد ولا تحصى، ولا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال. والله أعلم.
[حديث رِضَى اللَّهِ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُ اللَّهِ في سخط الوالدين]
الحديث السادس والتسعون عن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رِضَى اللَّهِ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وصححه ابن حبان والحاكم.
هذا الحديث دليل على فضل بر الوالدين ووجوبه، وأنه سبب لرضى الله تعالى. وعلى التحذير عن عقوق الوالدين وتحريمه، وأنه سبب لسخط الله.
ولا شك أن هذا من رحمة الله بالوالدين والأولاد ; إذ بين الوالدين وأولادهم من الاتصال ما لا يشبهه شيء من الصلات والارتباط الوثيق والإحسان من
стр. 194
الوالدين الذي لا يساويه إحسان أحد من الخلق. والتربية المتنوعة وحاجة الأولاد الدينية والدنيوية إلى القيام بهذا الحق المتأكد، وفاء بالحق، واكتسابا للثواب، وتعليما لذريتهم أن يعاملوهم بما عاملوا به والديهم.
هذه الأسباب وما يتفرع عنها موجب لجعل رضاهما مقرونا برضى الله. وضده بضده.
وإذا قيل: فما هو البر الذي أمر الله به ورسوله؟
قيل: قد حده الله ورسوله بحد معروف، وتفسير يفهمه كل أحد. فالله تعالى أطلق الأمر بالإحسان إليهما. وذكر بعض الأمثلة التي هي أنموذج من الإحسان. فكل إحسان قولي أو فعلي أو بدني، بحسب أحوال الوالدين والأولاد والوقت والمكان، فإن هذا هو البر.
وفي هذا الحديث: ذكر غاية البر ونهايته التي هي رضى الوالدين: فالإحسان موجب وسبب، والرضى أثر ومسبب. فكل ما أرضى الوالدين من جميع أنواع المعاملات العرفية، وسلوك كل طريق ووسيلة ترضيهما، فإنه داخل في البر، كما أن العقوق: كل ما يسخطهما من قول أو فعل. ولكن ذلك مقيد بالطاعة لا بالمعصية. فمتى تعذر على الولد إرضاء والديه إلا بإسخاط الله، وجب تقديم محبة الله على محبة الوالدين، وكان اللوم والجناية من الوالدين، فلا يلومان إلا أنفسهما.
وفي هذا الحديث: إثبات صفة الرضى والسخط لله، وأن ذلك متعلق بمحابه ومراضيه. فالله تعالى يحب أوليائه وأصفياءه ويحب من قام بطاعته وطاعة رسوله، وهذا من كماله وحكمته وحمده، ورحمته. ورضاه وسخطه،
стр. 195
من صفاته المتعلقة بمشيئته وقدرته.
والعصمة في ذلك: أنه يجب على المؤمن أن يثبت ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من صفات الكمال الذاتية والفعلية، على وجه يليق بعظمة الله وكبريائه ومجده ويعلم أن الله ليس له ند، ولا كفو، ولا مثيل في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله. والله أعلم.
[حديث ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المسلمين . . .]
الحديث السابع والتسعون عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» . رواه الترمذي والشافعي وغيرهما.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: أي لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه منه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل. وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلال. فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا. ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه، بتجريد الإخلاص والنصح، ومتابعة السنة. انتهى.
أي فمن أخلص أعماله كلها لله، ونصح في أموره كلها لعباد الله، ولزم الجماعة بالائتلاف، وعدم الاختلاف، وصار قلبه صافيا نقيا، صار لله وليا، ومن كان بخلاف ذلك، امتلأ قلبه من كل آفة وشر، والله أعلم.
стр. 196
[حديث إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فيها راحلة]
الحديث الثامن والتسعون عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ، لَا تكاد تجد فيها راحلة» . متفق عليه.
هذا الحديث مشتمل على خبر صادق، وإرشاد نافع.
أما الخبر، فإنه ﷺ أخبر أن النص شامل لأكثر الناس، وأن الكامل - أو مقارب الكمال - فيهم قليل، كالإبل المائة، تستكثرها، فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب، والذهاب والإياب، لم تكد تجدها، وهكذا الناس كثير، فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة، أو الولايات الكبار أو الصغار، أو الوظائف المهمة، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياما صالحا، وهذا هو الواقع، فإن الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل سبب للنقائص، وهي مانعة من الكمال والتكميل.
وأما الإرشاد، فإن مضمون هذا الخبر إرشاد منه ﷺ إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا، ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات، والأمور الكلية العامة النفع.
وقد أرشد الله إلى هذا المعنى في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأمر بالجهاد، وأن يقوم به طائفة كافية، وأن يتصدى للعلم طائفة أخرى، ليعين هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، وأمره تعالى بالولايات والتولية أمر بها، وبما لا تتم إلا به من الشروط والمكملات.
فالوظائف الدينية والدنيوية، والأعمال الكلية، لا بد للناس منها ولا
стр. 197
تتم مصلحتهم إلا بها، وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء، وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف بحسب الاستطاعة. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] والله أعلم.
[حديث يِأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كالقابض على الجمر]
الحديث التاسع والتسعون عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يِأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر» رواه الترمذي.
وهذا الحديث أيضا يقتضي خبرا وإرشادا.
أما الخبر، فإنه ﷺ أخبر أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة، كحالة القابض على الجمر، من قوة المعارضين، وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها، ظاهرا وباطنا، وضعف الإيمان، وشدة التفرد لقلة المعين والمساعد.
ولكن المتمسك بدينه، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين، وأهل الإيمان المتين، من أفضل الخلق، وأرفعهم عند الله درجة، وأعظمهم عنده قدرا.
وأما الإرشاد، فإنه إرشاد لأمته، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات، وصبر على دينه وإيمانه - مع هذه المعارضات - فإن له عند الله أعلى الدرجات، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه، فإن المعونة على قدر المؤونة.
стр. 198
وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف الذي ذكره ﷺ ، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات متشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون، يعملون سرا وعلنا للقضاء على الدين، وإلحاد وماديات، جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشبان، ودعايات إلى فساد الأخلاق، والقضاء على بقية الرمق.
ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا، بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم، وأكبر همهم، ولها يرضون ويغضبون، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا، وتدمير الدين واحتقاره والاستهزاء بأهله، وبكل ما ينسب إليه، وفخر وفخفخة، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشررها وشرورها قد شاهده العباد.
فمع هذه الشرور المتراكمة، والأمواج المتلاطمة، والمزعجات الملمة، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة - مع هذه الأمور وغيرها - تجد مصداق هذا الحديث.
ولكن مع ذلك، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصورا على الأسباب الظاهرة، بل يكون متلفتا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب، الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه، ووعده الذي لا يخلفه، بأنه سيجعل له بعد عسر يسرا، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات وحلول المفظعات.
فالمؤمن من يقول في هذه الأحوال: " لا حول ولا قوة إلا بالله " و" حسبنا
стр. 199
الله ونعم الوكيل. على الله توكلنا. اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى. وأنت المستعان. وبك المستغاث. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة. ويقنع باليسير، إذا لم يمكن الكثير. وبزوال بعض الشر وتخفيفه، إذا تعذر غير ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤]
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
стр. 200
[الخاتمة]
الخاتمة (١) تمت هذه الرسالة المشتملة على شرح تسع وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْجَوَامِعِ، فِي أَصْنَافِ الْعُلُومِ، وَالْمَوَاضِيعِ النَّافِعَةِ، وَالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، وَالْفِقْهِ وَالْآدَابِ، وَالْإِصْلَاحَاتِ الشَّامِلَةِ، وِالْفَوَائِدِ الْعَامَّةِ.
قال ذلك معلقها: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي. غفر الله له ولوالديه ووالديهم، وجميع المسلمين.
وفرغ منه في العاشر من شعبان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة.
وقد وقع الفراغ من نقلها بعون الله تعالى وتيسيره من خط المؤلف في ٢٧ رمضان سنة ١٣٧١ هـ بقلم الفقير إلى ربه المنان، عبد الله بن سليمان آلعبد الله السلمان. غفر الله له ولوالديه ووالديهم وجميع المسلمين.
هذه جوهرة نفيسة، وروضة ممرعة، هي بغية الراغبين، ونزهة المستفيدين، وبهجة الناظرين، لما ظهرت به من مظهر أنيق، وتحلت به من زهور المعارف والتحقيق، ولما أودعته من فوائد جليلة، سهل اجتناؤها، وثمرات دانية طاب مذاقها، ومناهل عذبة، راق مشربها حيث اشتملت على بيان العقائد النافعة، والأصول الجامعة، والأحكام المتنوعة، والآداب السامية، وغيرها من المواضيع المهمة، والعلوم الجمة، التي تكسب الإنسان هدى ورشدا، وتزيده بصيرة ويقينا.
وحسبك منها أنها شرح لكلام هو أشرف الكلام، بعد كلام الله وأجمعه للخير وأنفعه، كلام أعلم الخلق، وأفصحهم محمد ﷺ .
وتبيين لمقاصده الشريفة، وكنوزه النفيسة، يقدمها الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن ناصر السعدي، جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا، ولا زالت شموس تحقيقه مشرقة، وبذور علومه نيرة.