المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) أما بعد فإنه بالنظر إلى خطورة الإعلام وتعدد ظاهراته، وتنوعها، وتسارعها،
стр. 3
ومبلغ تأثيرها على الناس مع تفاوت بين تلك الظاهرات، فقد بات من الضروري الوقوف عندما يرى أنه أبرزها، وأكثرها خطورة في دنيا الناس وهو ظاهرة الإعلام الفضائي بقنواته التي اشتدت وطأتها على الناس مما جعلها مثار اهتمام الباحثين والدارسين والمفكرين رغبة في تخفيف معاناة الناس حيث يصعب في ظل اختلاف وجهات النظر حولها تحديد الموقف المناسب بالنسبة للمسلمين، ذلك أن الاختلاف حولها قد كثر ما بين مادح، وقادح وداع إلى استخدامها، ومحذر منها، ومظهر لمزاياها، وكاشف لعيوبها إلى ما هناك من أراء حولها.
من هنا نشأت الرغبة في الكشف بصورة علمية عن حقيقتها ومدى ما فيها من نفع أو ضر، وتعززت هذه الرغبة بدعوة كريمة من وزارة الشؤون الإسلامية للمشاركة ببحث حولها في الندوة التي تعقدها تحت عنوان (الدعوة الإسلامية في عهد الملك عبد العزيز ﵀ .
والحق أن موضوعا كهذا (القنوات الفضائية- المآخذ
стр. 4
والإيجابيات) تكتنف معالجته بالنسبة لي صعوبات كثيرة، ليس أقلها ضيق الوقت، ومع ذلك فقد حزمت أمري واستعنت بالله للاستجابة للدعوة الكريمة في نطاق المستطاع.
فالقنوات الفضائية اليوم هي وسيلة العصر الأساسية فقد تبين من متابعة لمدى انتشارها أن بعض الدول تلتقط ٧٠ قناة بهوائيات ترفع على السطح تستقبل من خلالها ما يبث مباشرة عبر الأقمار الصناعية، ومالكوها يبثون عمدا وإصرارا رسائل معينة يتوفر لها من أسباب الجذب والإغراء ما يجعلها محط أنظار المشاهدين الذين يستطيعون استيعاب جوانب كثيرة من الرسالة المبثوثة بحكم المزج بين الصوت والصورة، وذلك ما جعل هذه الوسيلة الجديدة أداة طيعة في أيدي الصالحين الذين يحسنون الانتفاع بها، وكذلك أداة طيعة في أيدي العصاة الذين يفسدون بها (١) .
وإدراك حقيقة إمكان استخدام القنوات الفضائية في
стр. 5
الخير والشر هو بداية المواجهة القائمة على أسس علمية صحيحة تؤدي إلى تجاوز مشكلة التعامل معها إلى موقع حضاري متقدم ينقل الأمة من الدفاع إلى الهجوم، ومن استيراد متطلبات الاستخدام الأمثل للقنوات الفضائية إلى تصدير البرامج ذات المضمون السوي، ومن التأثر بما فيها إلى التأثير عالميا (١) .
وربما كان ذلك أبرز أهداف كتابة هذا البحث الذي اتبع في إعداده المنهج الوصفي باعتباره أنسب المناهج للوصول إلى تشخيص كامل لظاهرة القنوات الفضائية وتبصر كامل بها، مما استدعى تتبع ما كتب حولها باللغة العربية، للخروج بنتائج علمية يوثق بها ويمكن تعميمها (٢) .
стр. 6
ولما كان الجهد في هذا البحث منصبا على الكشف عن حقيقة القنوات الفضائية، ومدى ما يترتب على استخدامها من خير أو شر، فإنه كان لا بد من إثارة جملة من الأسئلة تكون الإجابة الصحيحة عنها هي الحصيلة العلمية التي يخرج بها من هذا البحث، وأهمها في نظري:
ما القنوات الفضائية؟ وما طبيعة استخداماتها في الوقت الحاضر؟ هل على واقع استخدامات القنوات الفضائية مآخذ؟ وما هي؟ وكيف يمكن اجتنابها؟ وهل في استخدامها واقعا ومستقبلا منافع؟ أو إيجابيات؟ وما هي؟ وكيف يمكن تكثيرها أو تغليبها على السلبيات؟ وما الموقف الصحيح منها؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تساعد على استجلاء معالم هذه الظاهرة الخطيرة في حياة الناس، والتي لا يتسع الوقت والحيز المخصص لهذا البحث لمزيد منها؟
وحرصا على إجابة محددة عن تلك التساؤلات فقد رأيت أن من الأوفق تبويب البحث على النحو التالي:
مقدمة وهي ما مر، وتمهيد يعرض للظاهرة في أبعادها
стр. 7
المختلفة، ومبحث عن المآخذ وآخر عن الإيجابيات، وخاتمة تضم إلى جانب خلاصة البحث نتائجه وتوصياته.
والله المسؤول أن يسدد ويوفق، ويجعل العمل خالصا لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله أولا وآخرًا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * * * *
стр. 8
[التمهيد]
التمهيد تحول الإعلام اليوم من مجرد نقل المعلومات والأفكار إلى الإسهام الفعلي في تكوين الحياة في أبعادها السياسية والثقافية، والاجتماعية والاقتصادية لما له من قدرة على دعم الاتجاهات لدى الأفراد والجماعات أو تعديلها أو تغييرها (١) .
وفي ظل هذا التحول يمكن تقرير حقيقة غاية في الأهمية هي أن التلفزيون- والقنوات الفضائية أحد أشكاله- قد أثار من المناقشات والجدل العلمي أضعاف ما أثارته وسائل الإعلام الأخرى، ومن خلال تلك المناقشات يتحدد موقع التلفزيون في عملية التأثير وتبادلا المعاني في المجتمع، فقد كشفت الدراسات والأبحاث والمناقشات عن توجهات بحثية
стр. 9
تمثلت في ثلاثة نماذج، نموذج الآثار القوية، ونموذج الآثار المحدودة، ونموذج الآثار المعتدلة، وضمن كل نموذج جملة من الافتراضات والنظريات العلمية (١) ومن كل ذلك نلحظ ضرورة وجود تأثير بغض النظر عن مستواه، وطبيعته، وآثاره وخاصة أن الإعلام اليوم لم يعد قاصرا على إشباع الاهتمامات وغرس المعلومات، وإنما تحول إلى صناعة الاهتمامات وإعادة التشكيل الثقافي للإنسان من خلال الأوعية الإعلامية المختلفة والتقنيات المتطورة، والتي عجز الإنسان أمام سطوتها عن متابعة ما تقدم والإحاطة به ولو في حدود حاجته واهتمامه (٢) .
واستنادا إلى ما تقدم وفي ظل النظر إلى الاتصال على أنه طريقة للتفكير لا تقتصر فقط على الخطابة في الجماهير،
стр. 10
بل تشمل السلوك الإنساني كله، (١) فإنه يمكن إدراك خطورة نمط الإعلام الفضائي، ذلك أن العالم اليوم يشهد ميلاد بيئة إعلامية جديدة أبرز خصائصها التواصل الآني، وتجاوز الحدود، والانعتاق من الرقابة، وتعددية في قنوات الاتصال مع تفاعل بين المادة الإعلامية والمستقبل، ولا يعزب عن البال خطورة هذه البيئة التي لم نكن صناعها على نسيجنا الثقافي والسياسي والاقتصادي، فديننا كان ولا يزال هدفا للاختراق والغزو. (٢) .
وقد برز في الآونة الأخيرة اهتمام كبير بالتواصل الفضائي في مجالات عديدة، خاصة من الدول الصناعية التي سخرت الفضاء لخدمة أغراضها وفي مقدمتها الأغراض الإعلامية بحكم أن الإعلام هو الأقدر على الكشف عن
стр. 11
طموحات المستقبل في ظل تطور الاتصالات الفضائية، وانتشار القنوات الفضائية تبعا لذلك رغبة في توسيع نطاق التعامل بين المرسل والمتلقي أينما كان. (١) .
ومن ثم كان استخدام الأقمار الصناعية في الاتصال والإعلام استجابة لضرورة عصرية ملحة نابعة من أهمية الإعلام والاتصال في عالم اليوم على النطاقين المحلي والعالمي (٢) فقد برز الاتصال والإعلام وأصبح إحدى أهم قنوات التواصل والتفاعل بين شعوب العالم ودوله دون أدنى اعتبار للنطاقات الجغرافية أو الحدود السياسية أو السيادة الوطنية، أو حقوق الدول في السيطرة على ما يقدم لشعوبها من معلومات عبر قنوات الاتصال المختلفة، (٣) مما أدى إلى
стр. 12
ظهور ظاهرة عالمية الاتصال، وانتشار القنوات الفضائية الحكومية والتجارية، واحتدام المنافسة بينها في مجالي التسويق السياسي والتجاري. (١) .
كما أدى إلى تجدد الدعوات لإقامة نظام إعلامي جديد على المستويين الوطني والدولي بعد أن أصبح تحت تصرف الإنسان أنماط جديدة وقوية للاتصال ينبغي أن تكرس لإثراء حياة الإنسان لا السيطرة عليه (٢) .
فعن طريق استخدام الأقمار الصناعية ذات القوة العالية أمكن إرسال كم هائل من المعلومات، مما يؤثر على فهم الإنسان وقناعته تجاه المواقف المختلفة إبلاغا، وإقناعا،
стр. 13
وتوجيها، وحوارا، (١) وبأشكالها المختلفة، صوتا، وصورة، ونصا من مصدرها على الأرض إلى جهاز المستقبل مباشرة من غير اعتبار للزمان والمكان (٢) وعلى ذلك فكل مجتمع من مجتمعات اليوم عرضة لاختراق الفضائيات لأجوائه حاملة مضامين إعلامية شرقية أن غربية دون إذن مسبق بتجاوز الحدود مما مثل انفتاحا على العالم لم يسبق له مثيل، وما ذلك إلا ثمرة للرقي المتتابع في العلوم والتقنيات وبخاصة علوم الفضاء وتقنيات الاتصال، مما ستكون له آثار لا يعلم مداها إلا الله سواء في الجوانب الإيجابية أو السلبية (٣) .
ذلك أن النتائج الأولية لثورة الاتصالات ممثلة في الأقمار الصناعية وشبكات المعلومات، والنظام الإعلامي الشامل
стр. 14
من شأنها إحداث تأثيرات بعيدة في جوانب عديدة من حياة الإنسان الذي يتعرض لكم هائل من المعلومات هو نتاج هذه الظاهرة الإعلامية الكونية التي ليس بالإمكان قياس نتائجها المتوقعة بأدوات سابقة ليست ملائمة لها، ولا متفقة مع حقيقتها على المستويات التقنية والمعرفية والأبنية الاجتماعية والثقافية (١) .
ولا نبالغ إذا قلنا إن المجتمع الإنساني بالهيمنة الاتصالية الحديثة، والتكنولوجية المتطورة قد يتعرض للإرباك والفوضى، حيث أدت تلك التطورات في أجهزة الحاسوب ووسائل الاتصال إلى تدعيم دور الاتصال وتأثيره (٢) .
وما يهمنا في الحقيقة هو القنوات الفضائية حيث قفز عدد ما يتضمنه منها قمر انتلسات ٦ إلى ٠٠٠ / ٨٠ قناة صوتية
стр. 15
محققة ضعف عددها في أقمار الستينات ب ١٦٥ مرة مع زيادة في عمرها الافتراضي من عدة أشهر إلى عشر سنوات وأكثر (١) .
وتنقسم مدارات الأقمار الصناعية حاملة القنوات الفضائية إلى أربعة مدارات (الثابت، والأرضي المنخفض، والأرضي المتوسط، والواقع بين الأرض والقمر) (٢) .
والأقمار الصناعية في الحقيقة أنواع منها ما هو خاص بالاتصالات ومنها ما هو خاص بالتلفزة المباشرة، وهذا هو ما يعنينا، وقد بلغ عددها (٢٠) قمرا صناعيا (٣) وربما كان من الضروري أمام تزايد الأقمار الصناعية، وتزايد القنوات الفضائية العربية إيراد تساؤلات عن أهداف التسابق العربي لإقامة المزيد من القنوات الفضائية، أهو خدمة للإسلام
стр. 16
أم نشر للثقافة العربية، أو سعي وراء مكاسب مالية أو سمعة عالمية.
ونترك الإجابة عن تلك التساؤلات للدكتور أحمد موسى الضبيبان حيث يقول: " ومن خلال استعراض الباحث لواقع القنوات الفضائية العام المتاح استقبالها في المملكة تبين عدم وجود أهداف واضحة من خلال طبيعتها البرامجية، فمن الناحية التجارية لا تزال غير مربحة، ومن الناحية الثقافية، فهي لا تمثل في الغالب ثقافة بلد المصدر أو الثقافة التي ينتمي إليها مالك هذه القنوات لارتفاع نسبة البرامج المستوردة في كثير منها، وهي في الغالب ليست ذات بعد دولي للطبيعة المحلية لمعظمها، وهذا ما يعضد القول بأن الهدف من هذه القنوات الحكومية هو الرغبة في التواجد فضائيا لتبقى ضمن الخيارات المتاحة أمام المشاهد المحلي فضائيا " (١) .
стр. 17
وربما كان هذا الحكم على القنوات الفضائية العربية المستقبلة في المملكة ممهدا للحديث في المبحث الأول عن المآخذ عليها.
* * * * *
стр. 18
[المبحث الأول المآخذ على القنوات الفضائية]
المبحث الأول
المآخذ على القنوات الفضائية ربما كان من العدل والإنصاف قبل الخوض في مسألة المآخذ على القنوات الفضائية بيان أنه لا ينبغي إطلاق الأحكام على القنوات الفضائية التي تعود في ملكيتها إلى دولة إسلامية أو أفراد مسلمين ضمن الأحكام التي تطلق على القنوات الفضائية التي تملكها دول كافرة أو أفراد كفار، بل لا بد من الحكم على كل طائفة بما يناسب حالها قربا أو بعدا من الصواب، ولا بد أيضا عند الحديث عن المآخذ من التفريق بين القنوات الفضائية كوسيلة اتصال عصرية متاحة للاستخدام، وبين واقع استخدامات هذه الوسيلة. . على أنه لا ينبغي أن يفهم من الكلام السابق أنه لا توجد مآخذ أو ملحوظات تشترك فيها القنوات الفضائية العربية أو تلك التي يملكها مسلمون مع القنوات الفضائية التي يملكها كفار، سواء كان ذلك بسبب كثرة المادة المستوردة أو ضعف المادة المنتجة
стр. 19
محليا أو لغير ذلك من الأسباب التي يعود كثير منها إلى فساد في التصور أو انحراف في السلوك. (١) .
وكائنا ما كان الأمر فهناك رؤى مختلفة فيما يتعلق بطبيعة الأخطار التي قد تصيب العالم الإسلامي من جراء البث المباشر حيث قلل البعض من مخاطره، وبالغ آخرون فيها تبعا لسعة إمكانات الاستقبال سواء كان البث عبر القناة غزيرة الإشعاع أو القناة الجماعية من غير حاجة إلى وسيط، (٢) مما جعل الجمهور "موضع استحواذ من فضائيات عدة مسخرة لخدمة أغراض وأهداف هي موضع شك وملاحظة ممن يشاهدون ما تبث من مضامين (٣) أضف إلى ذلك أن التطورات الحديثة في تكنولوجيا الاتصال وما نجم
стр. 20
عنها من تطور سريع في تجارة المعلومات قد أثارت مخاوف عدد كبير من الدول من انتهاك حق الخصوصية لمواطنيها، ومؤسساتها، وشرعت في سن قوانين حماية حق الخصوصية مثل (أمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وكندا، واستراليا، وبلجيكا، والسويد، والدانمارك، ولكسمبرج، وسويسرا، وإسبانيا، والنرويج، وإيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وهولندا، وبريطانيا) (١) .
ومهما يكن من أمر فإن قنوات الفضاء باعتبارها وسيلة العصر هي سلاح ذو حدين، ذخيرته الأساسية في الحقيقة هي المعلومات، وما صنيع شبكة السي إن إن، في حرب الخليج عنا ببعيد فقد أثبتت مقولة أن الإعلام هو الذي يتولى مقاليد الأمور في العالم حاليا، وأن من يملك وسيلة إعلام مؤثرة يشارك في الحكم محليا وعالميا بقدر تأثير وسيلته (٢) .
стр. 21
ومع ما في هذا الحكم من مبالغة فإنه لا شك أن للقنوات الفضائية قدرة كبيرة على التأثير على الأفراد والجماعات، غير أن نجاحها مرتبط بعوامل أخرى، لكن ذلك لا يقلل من التأثير السلبي لها، ولعل أبلغ شاهد على ذلك القرار الذي اتخذه مجلس وزراء الإعلام بدول الخليج في اجتماعهم الرابع بدولة البحرين الذي جاء فيه " اتفق الوزراء على التمسك بالقيود التي تحد من اتساع استعمال أجهزة الاستقبال الفضائية الصغرى (أطباق الالتقاط) نظرا لحساسية وأهمية هذا الجانب، وعلاقته بالتراث والأصالة وحماية المواطنين من مخاطر البث المباشر الذي لا يتفق وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف " (١) .
والحق أن هذا التخوف في محله، إذ إنه أصبح من شبه المؤكد وصول البث المباشر إلى كل منزل في ظل التطور المتسارع لتقنيات الاتصال مما يثير إشكالات ثقافية،
стр. 22
واجتماعية، وأخلاقية تتمثل في حقيقة الفوارق الكبيرة بين المجتمعات البشرية فيما يتعلق بحدود المباح وغير المباح (١) ومن ثم فإن كثيرين يرون احتمال تجسد الشر فيها تحت مسميات عديدة (الشك، والفوضى، وعدم النظام، والتشويش) (٢) وربما كانت مقاومة الحكومات وعجز الأفراد عن استيعاب تدفق المعلومات الهائل عبر البث المباشر سواء من الأقمار الصناعية أو شبكات الكيبل من أسباب الحد من تفاقم المخاوف (٣) .
ومع ذلك فهناك تأثيرات سلبية عديدة للبيئة الاتصالية الحديثة تمثلت في التأثيرات الإنسانية، والاختراقات الثقافية، والتأثيرات المادية، وأخرى أخلاقية، وسياسية مما سيجري
стр. 23
الحديث عنه تفصيلا فيما بعد (١) .
وقد أجريت دراسات عدة على المستويين الدولي والمحلي حذرت من المخاطر الجسيمة التي قد تنجم عن الوضع الاتصالي الكوني الجديد، الذي تمثل خصوصا في تسطيح الحضارة الكونية والقضاء تدريجيا على مكونات التنوع فيها بطمس الخصوصيات المميزة للثقافات الوطنية، وتذويب معالم الذاتية الحضارية التي يختص بها كل شعب (٢) كما أنه من ناحية أخرى ينطوي على مخاطر أخرى دعائية، وتسليط ثقافة على أخرى، وانحراف في الأفكار، وتهديد اقتصادي، وأمني (٣) .
ولو لم يكن إلا هذا من حيث الأخطار المتوقعة من جراء البث المباشر جملة لكان في حد ذاته كافيا لاتخاذ أسباب الحيطة والحذر، كيف وقد أفاضت الدراسات التي تناولت
стр. 24
ظاهرة الإعلام الفضائي اليوم في الحديث عن الأضرار التي ثبت أنه يحدثها في الحياة البشرية عموما، والحياة الإسلامية خصوصا، فكثير من الناس يرى أن البث المباشر له سلبيات كثيرة تمثلت في المآخذ العقدية والثقافية، والأخلاقية، والسياسية الملاحظة على مضامين كثير من قنواته التي تسعى لجذب المشاهدين بتقديم الممنوع في ملتهم وبلدانهم من المضامين التي تبثها، ومن ثم اعتبر مثل هذا البث ضربا من الاختراق للمقاييس الأخلاقية والثقافية للمجتمعات (١) إلى جانب أن البث الفضائي قد أسهم في إبراز قضايا اقتصادية وسياسية على حساب قضايا أخرى قد تكون أهم منها عند من يوجه لهم وهم في غفلة مع مقتضيات ذلك من توجيه للرأي العام سياسيا، واستهلاكيا، حسب رؤية المسيطرين على قنوات الفضاء (٢) "إن تأثير التلفزيون (والقنوات الفضائية نمط متطور منه) كما يتفق الباحثون ينصب أصلا
стр. 25
على الثقافة بمفهومها الشامل الذي يتصل بالقيم والمواقف والاتجاهات وأنماط السلوك " (١) لذا وجدنا كثيرا من تلك الفضائيات تقدم عروضا وبرامج ونصوصا غير ملائمة لفطرة البشر السوية كالأفلام الرياضية وغيرها مما أسهم في تهديد الدول، وفرض سياسات كونية لم يكن لها أن تقبل لولا ترويج القنوات الفضائية تعميما وتسويقا. (٢) .
وكل ذلك إنما يعود للآثار التي تحدثها المواد اللاأخلاقية المبثوثة من القنوات الفضائية، سواء من حيث الشكل بالصورة والمشاهد الخليعة، أو المضمون المخالف للقيم والأخلاق عموما، وعلى هذا تكون أهم المآخذ هي كونها (القنوات الفضائية) أصبحت وسيلة لانتشار الرذيلة، والدعوة لممارستها بإشاعة صور ارتكابها وإثارة الرغبة فيها بشتى سبل الفتنة مع ما يصاحب ذلك من نشر لصور الفساد
стр. 26
الأخرى كالمخدرات والخمور حتى غدت كأنها غير محرمة، وتحريض على الجرائم عموما بإظهار مرتكبيها في صورة أبطال يقتدى بهم، وقبل ذلك زعزعة العقيدة في نفوس المشاهدين بالتشكيك فيها، وتقديم العواطف بمعناها الشهواني، وابتذال النساء والأطفال من خلال الإعلان والترويج للموضة، وإضعاف البصر، وإهدار الوقت وعدم الاستفادة منه في العبادة أو الدراسة أو المنافع الأخرى مع ما يصاحب ذلك من كسل، وانشغال عن القراءة المفيدة، وتعطيل للقدرات العقلية والتأملية حتى غدت القنوات الفضائية كأنها أداة كبيرة للانحراف (١) .
هذا في الجملة ما يمكن أن يكون مآخذ العقلاء من البشر على القنوات الفضائية، وتأثيرات هذه المآخذ السلبية في عمومها. أما بالنسبة للعالم الإسلامي فإن كثيرا من الباحثين والدارسين يرون أن البث المباشر بحكم تحكم أصحاب النفوذ فيه من غير المسلمين يمثل غزوا حقيقيا للعالم الإسلامي لم
стр. 27
يعد العدة لمواجهته مما جعله محل رفض ومعارضة لما يحمله هذا النمط الإعلامي الدولي من تأثير في الأفكار، وغرس لمشاعر الاغتراب، الناجمين عن الاستعمال التجاري للقنوات الفضائية أو استغلالها لأغراض سياسية واجتماعية خارجية مما يمثل غزوا وسيطرة ثقافية لما يحويه من أفكار، وأنماط حياة، وقيم، وأشكال للتعامل والسلوك في المجتمع الغريب المتحكم في التقنيات (١) .
ولما كانت صناعة الأطباق في تطور مستمر والبرامج التي تبث من القنوات الفضائية وتستقبل بواسطتها من شأنها دعم هيمنة الدول الصانعة، والمالكة للأقمار الصناعية، ونشرا وتعذرا لثقافاتها، وعاداتها فإن ذلك في الحقيقة يعد غزوا للبلدان التي لا تملك مقومات المواجهة الحقيقية، وتهديدا للقيم والمفاهيم السائدة فيها، ومعلوم أن الدول والشعوب الإسلامية هي المستهدفة بالدرجة الأولى، كما ينطق به لسان
стр. 28
حال من يوجهون البث المباشر ومقالهم. (١) .
وهذا " الغزو الثقافي يرمي إلى غزو الإنسان في عقيدته وفي لغته، وفي سلوكه، وأخلاقياته، ونمط معيشته من خلال إحلال نماذج معينة من التفكير والنظر إلى الحياة والسلوك محل النظر السائر النابع من روح الشعب المستهدف من قيمه، وعاداته وأخلاقه " (٢) وبه يغير الإنسان من الداخل حيث يتسلل الشك إلى قناعاته ومن ثم تضعف المقاومة عنده ويتمكن العدو من إخضاعه. وفقا لسنة الله في التغيير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] (٣) ومن ثم كان الخطر الحقيقي في أنفسنا، وعلينا
стр. 29
تحريرها من كل أسباب الضعف والهوان بإيقاد جذوة الإيمان فيها، وزيادة صلتنا بخالقنا وعندها تزول شكوانا من الغزو الخارجي المتمثل فيما تبثه القنوات الفضائية من فكر سقيم، وسلوك غير سوي حف بأنواع البهرجة، والزينة (١) سعيا وراء فك الارتباط بين الثقافة المعرضة للغزو، وأصحاب هذه الثقافة، وذلك ما ليس سهلا ولا ميسورا بحمد الله طالما تمسك أهل الثقافة المغزوة بثقافتهم ومبادئهم وقيمهم وأخلاقهم (٢) وذلك ما أمر به ربنا ﷻ في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] (٣) ومن هنا وجدنا من يعتبر البث المباشر عبر الأقمار الصناعية ومن خلال القنوات الفضائية غزوا فكريا، واجتماعيا يأتينا من الفضاء بطريقة تتيح للثقافات الأجنبية
стр. 30
اقتحام أجهزة المشاهدين في منازلهم من غير استئذان ولا رقيب (١) وأخطر ما فيه الآثار العقدية والثقافية والعلمية، والسياسية، والأخلاقية والأمنية، والاجتماعية إلى غير ذلك من الآثار التي أشارت إليها دراسة أجريت على الأطفال العرب ومن بينها تمرد الأطفال على أسرهم واتساع الفجوة الفكرية بين الفئات والطوائف المختلفة، وارتفاع نسبة التقليد الأعمى لما يشاهدون، وشيوع السلوك العدواني، وضعف التحصيل الدراسي، والإصابة بالكسل، والإحساس بالنقص مع التأخر العقلي والعلمي (٢) .
وما أشير إليه من سلبيات للبث المباشر على المستويات العقدية والأخلاقية والسياسية والثقافية من أسبابه أن هناك قنوات فضائية تنصيرية وأخرى يهودية لا ترقب في المؤمنين إلا ولا ذمة، وكثيرا مما يقدم من خلالها هو أداة تفتيت للمجتمعات، وإلغاء لدور وسائل الإعلام المحلية إلى جانب إضراره بالأمن من حيث ارتباطه بدوائر المخابرات المعادية،
стр. 31
وإثارته للاضطرابات، وتزيينه للجريمة وانتشار أنماط السلوك العدواني إضافة إلى آثاره الأخلاقية والاجتماعية المدمرة مثل المساعدة في شيوع الرذيلة وبيان سهولة ارتكابها، وبث الاغتراب والانبهار مع ما يصاحب ذلك من آثار اجتماعية أخرى مثل إثارة التطلعات الاستهلاكية، وتقديم الأنماط الإجرامية الشاذة، وتمزيق النمط الاجتماعي السائد بعرض مفاهيم وتصورات اجتماعية غير مرغوبة (١) .
ولقد كان من أول المآخذ على القنوات الفضائية ما لوحظ من تأثير لها في المجتمعات الإسلامية التي تستقبل فيها بكثافة تمثلت في هز ثقة الشباب في حاضره هزا عنيفا، ودك أسس إيمانه بأمجاده الماضية، واكتنف المستقبل في نظره ضباب كثيف إضافة إلى انفصام عرى التضامن بين الأجيال (٢) أما التحصيل العلمي وأثر القنوات الفضائية
стр. 32
عليه بين الطلاب فخير ما ينبئ عنه من كابده وهم الطلاب كما جاء في قصيدة لأحدهم:
يا أستاذ أما بالعلم ما عاد لي شف ... من يوم شفت الدش ضاعت علومي
أسهر عليه الليل كله ولا أكف ... دايم أقضى في حلاته لزومي
ما غير أقلب بالقنوات وألف ... وليا لقيت الفلم غاية نعومي
فلم مدبلج بالإثارة مزخرف ... وجلسة طرب وأشكال تجلي همومي
مالي ومال العلم. . أف. . على أف ... لا حل طاري العلم كبدي تزومي
يا أستاذ بالحصة عن مطالبي خف ... النصح من كثره باشقق هدومي! (١)
стр. 33
والقصيدة في الحقيقة تصوير لما يحدثه التلفزيون والبث المباشر نمط منه من تقليص لدور المؤسسات التربوية والاجتماعية (١) وقبل أن أطوي الحديث عن الآثار السلبية للقنوات الفضائية من خلال بيان ملحوظات الباحثين والدارسين على المضامين التي تبثها فإنه يطيب لي التذكير بأبرز النظريات التي تفسر الآثار الاجتماعية التي يحدثها البث التلفزيوني عموما والفضائي خصوصا على المشاهدين وخاصة صغار السن وهي نظرية التطهير، ونظرية التعلم بالملاحظة، ونظرية التحريض، ونظرية التعزيز، ونظرية الغرس إضافة إلى ما كتب حول مدخل الاستخدامات والإشباعات (ماذا يفضل الناس لأنفسهم بوسائل الإعلام) (٢) .
ومعلوم أن الرسالة الإعلامية تكون فعالة بقدر تعزيزها للمواقف والآراء الموجودة فعلا إضافة إلى أهمية المرسل
стр. 34
وحسن تقييم المتلقي الذاتي. حيث ينتقي المتلقون المضمون الذين يحبون، ويفسرونه بالطريقة التي يرونها ووفقا لاهتماماتهم وميولهم، مع أن احتكار وسيلة الاتصال وجدة الموضوع وعدم التعود عليه من الجمهور المتلقي وشبكة العلاقات الشخصية مما يزيد في فاعلية الاتصال، وهي أمور معظمها متوفر في مضمون الإعلام الفضائي (١) ونحن إذا ما أدركنا أن تكنولوجيا الاتصال هي أهم مجالات التقدم في القرن العشرين، وأنها استخدمت ولا تزال تستخدم من الدول المالكة لها ضد الإسلام والمسلمين من خلال بث السموم في أكثر أنواعها تطورا وهو القنوات الفضائية عبر الأقمار الصناعية، يكون ذلك باعثا على الاهتمام بإقامة قمر صناعي إسلامي باعتباره أحد المطالب الأساسية للمسلمين في عالم اليوم (٢) خاصة وأنه غير متاح الآن لغير القوة الرئيسة السيطرة على ثورة الاتصال
стр. 35
وتكنولوجيا صناعة المعلومات، وتشكيل العقول، وأنماط السلوك (١) .
ولعلنا بهذه الدعوة نكون قد مهدنا السبيل للحديث عن المبحث الثاني.
* * * * *
стр. 36
[المبحث الثاني إيجابيات القنوات الفضائية]
المبحث الثاني
إيجابيات القنوات الفضائية لا بد من التقرير بادئ ذي بدء أن القنوات الفضائية ما هي إلا وسيلة، وأن الحكم عليها مرتبط بطبيعة الاستخدام. وأن مكانتها فيما يتعلق بالإيجابيات إنما هي في إمكاناتها الواسعة في الانتشار والجذب باعتبار أنها اليوم أداة الاتصال الكونية الأولى فبعد مضي أكثر من ثلث قرن على انطلاقة أول قمر صناعي في الفضاء عام ١٩٥٧ م تكون القنوات الفضائية بما حازته من اهتمام متزايد على مستوى العالم قد تبوأت مركز الصدارة من وسائل الإعلام المعاصرة (١) .
ونحن عندما نتناول القنوات الفضائية بالدراسة بحثا عن أفضل السبل للانتفاع بمزاياها الاتصالية إنما نفعل ذلك إدراكا منا باختلاف واقعنا عن واقع أجدادنا فيما يتعلق بعالم الاتصال الذي مر بمراحل مختلفة "فمن طريق الاتصال
стр. 37
الشفاهي والشخصي إلى الطريق الاتصالي الألكتروني السريع، ومن طريق أنظمة الاتصال الموجهة إلى طريق أنظمة الاتصال المتشاركة، وعن طريق الرسائل العامة الموجهة إلى طريق الرسائل الفئوية المتخصصة، ومن طريق الاتصال الهاتفي الشخصي إلى طريق الاتصال الحاسوبي، المتشارك والمصحوب بالصوت والصورة، وأخيرا من طريق الاستقبال السلبي للرسائل الاتصالية إلى طريق الاستقبال المتفاعل والتراسل بين المرسلين والمتلقين. . فالتقنية المتقدمة أو العالية، قد مهدت الطريق أمام الإنسان ليسبر غور الفضاء البعيد ويسيطر على الوقت، وليحصل على المعلومات ويتبادلها مع الآخرين أينما كانوا " (١) .
ومن ثم فالقنوات الفضائية بما وصلت إليه هي وسيلة الاتصال الأكثر انتشار، والأوسع مدى، والأكثر جذبا وإغراء لجمعها بين الصوت والصورة، والضوء، واللون والحركة، واستخدامها مما يحقق الظهور لدين الله وهذه أبرز
стр. 38
إيجابياتها (١) ذلك أن سطوة الإعلام الفاجر، وطوفان المعلومات غير السوية، وأثره على بصائر البشر وبصيرتهم، قد أججا نار الحيرة والقلق في النفوس ووجها نحو التطلع إلى طريق الهداية والنور كل ذلك مما يعمق الإحساس بأهمية استثمار طاقات القنوات الفضائية في الدعوة إلى الله، حيث إن الناس كل الناس في أمس الحاجة إلى جهد إعلامي يجعل التدين ثقافة للناس، والقنوات الفضائية وسيلة العصر المناسبة بحكم تطورها، وشدة جذبها للناس، على مختلف طبقاتهم، واستخدامها في بث معان تحارب الرذيلة، وتزكي جذوة الإيمان في النفوس وتؤكد الترابط الاجتماعي، وتسهم في بناء المجتمع الفاضل، والأمة الملتزمة، وهذا يجعل تلك القنوات من ضرورات العصر (٢) .
وما دام أنه مطلوب من المسلمين إحسان البلاغ، " فلن
стр. 39
يكون ذلك. ممكنا ما لم يحسن المسلمون كيفية البلاغ العصرية المرتبطة في حقيقة الأمر بطبيعة تطور وسيلة الاتصال التي تحمل معاني الإيمان والحق والصدق، والعفاف والطهر والنقاء في كفاية واقتدار، وهي في عالم اليوم متربع على عرشها القنوات الفضائية التي تبث برامجها عبر الأقمار الصناعية " (١) .
فإشارة التلفزيون المبثوثة عبر الأقمار الصناعية تستقبل في منازل المشاهدين دون حاجة إلى وسيط، بسبب ما حققته تقنيات الاتصال من تقدم بلغت به وسيلة الاتصال قمة التطور إذ أمكن أن يقال بحق إن هذا الإنجاز هو ميزة العصر الاتصالية التي أتاحت إمكان الوصول إلى أي مشاهد على مستوى العالم من خلالها، وخاصة أن عددها الآن يفوق الخيال، وأن الإرسال عبرها يجري بلغات عديدة، وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، وإلى جميع القارات دون استثناء حيث يتم البث إلى المستقبل في أي مكان من العالم في أجزاء
стр. 40
من الثانية سواء كان ذلك عبر الأقمار الصناعية الدولية أو الإقليمية أو المحلية (١) .
وبغض النظر عن الآراء العديدة حول ظاهرة البث المباشر والأحكام الصادرة حولها، فإنه لا مناص لمن يتصدون للدعوة إلى الله من تطويع قدرات القنوات الفضائية في الانتشار، والذيوع، والإبهار لغزو قلوب الكافرين والمبطلين في كل مكان إخراجا لهم من الظلمات إلى النور وحدا من الآثار السلبية التي أحدثتها في الجوانب الفكرية والخلقية والسلوكية (٢) .
ولعل نسبة الإقبال على البرامج الدينية المبثوثة خلالها تؤكد الحاجة إليها، وفقا لما جاء في دراسة أجراها الدكتور عاطف عدلي العبد وزميلته على دراسة أنماط مشاهدة تسع عشرة قناة من قبل طلبة وطالبات قسم الإعلام بجامعة الإمارات العربية المتحدة فقد حصلت البرامج الدينية على نسبة ٩٤. ٢% من النوعية الأولى من برامج تلك القنوات مما