← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 31348

عقوق الوالدين: أسبابه - مظاهره - سبل العلاج

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (62 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] عقوق الوالدين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن حق الوالدين عظيم، ومنزلتهما عالية في الدين؛ فبرهما قرين التوحيد، وشكرهما مقرون بشكر الله والإحسان إليهما من أجل الأعمال، وأحبها إلى الكبير المتعال. قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وقال الله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال الله ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]

стр. 3

وقال الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ثم إن الأحاديث في هذا السياق كثيرة جدا، منها ما رواه ابن مسعود ﵁ قال «سألت رسول الله ﷺ : " أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة في وقتها قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (١) . ثم إن بر الوالدين مما أقرته الفطر السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية، وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين. كما أنه دليل على صدق الإيمان، وكرم النفس، وحسن الوفاء. وبر الوالدين من محاسن الشريعة الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل، وعنوان على كمال الشريعة، وإحاطتها بكافة الحقوق.

стр. 4

بخلاف الشرائع الأرضية التي لا تعرف للوالدين فضلا، ولا ترعى لهما حقا، بل إنها تتنكر لهما، وتزري بهما. وها هو العالم الغربي بتقدمه التكنولوجي شاهد على ذلك؛ فكأن الأم في تلك الأنظمة آلة إذا انتهت مدة صلاحيتها ضرب بها وجه الثرى. وقصارى ما تفتقت عنه أذهانهم من صور البر أن ابتدعوا عيدا سنويا سموه: (عيد الأم) . حيث يقدم الأبناء والبنات في ذلك اليوم إلى أمهاتهم طاقات الورد معبرين لهن عن الحب والبر. هذا منتهى ما توصلوا إليه من البر، يوم في السنة لا غير! أين الرعاية؟ أو أين الترحم؟ أو أين الوفاء؟ ! لا علم لهم بتلك المعاني الشريفة الفاضلة، ولا حظ لها عندهم. أما حق الوالدين في الإسلام فقد مر بك شيء منه، وليس ذلك فحسب، بل إن الإسلام نهى عن العقوق، وحذر منه أشد التحذير، فهو كبيرة من الكبائر، وهو قرين للشرك.

стр. 5

ويكفي في ذلك قوله - تعالى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فما بالك بما فوق كلمة " أف ". والأحاديث في هذا السياق كثيرة جدا، ومنها ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» (١) . ومع تلك المكانة للوالدين، وبرغم ما جاء من الأمر الأكيد في برهما، والزجر الشديد في النهي عن عقوقهما إلا أن فئاما من الناس قد نسيت حظا مما ذكرت به، فلم ترع حق الوالدين، ولم تبال بالعقوق. والحديث في الصفحات التالية سيدور حول الأمور الآتية: - تعريف العقوق. - من مظاهر عقوق الوالدين.

стр. 6

- نماذج من قصص العقوق. - أسباب العقوق. - سبل العلاج. - تعريف البر بالوالدين. - الآداب التي تراعى مع الوالدين. - الأمور المعينة على البر. - بين الزوجة والوالدين. - نماذج من قصص البر. وأخيرا أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى - أن يجعلنا من الأتقياء الأبرار، والأصفياء الأخيار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 7

[تعريف العقوق] تعريف العقوق العقوق ضد البر، قال ابن منظور ﵀: " وعق والده يعقه عقا وعقوقا ومعقة: شق عصا طاعته، وعق والديه: قطعهما ولم يصل رحمه منهما " (١) . وقال: " وفي الحديث «أنه ﷺ نهى عن عقوق الأمهات» وهو ضد البر، وأصله من العق: الشق والقطع " (٢) .

стр. 8

[من مظاهر عقوق الوالدين] من مظاهر عقوق الوالدين عقوق الوالدين يأخذ مظاهر عديدة، وصورا شتى، منها ما يلي (١) . ١ - إبكاء الوالدين وتحزينهما سواء بالقول أو الفعل، أو بالتسبب في ذلك. ٢ - نهرهما وزجرهما وذلك برفع الصوت؛ والإغلاظ عليهما بالقول. قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]

стр. 9

[الإسراء: ٢٣] . ٣ - التأفف والتضجر من أوامرهما وهذا مما أدبنا الله بتركه؛ فكم من الناس من إذا أمر عليه والداه - صدر كلامه بكلمة " أف " ولو كان سيطيعهما، قال - تعالى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ٤ - العبوس وتقطيب الجبين أمامهما فبعض الناس تجده في المجالس بشوشا مبتسما، حسن الخلق، ينتقي من الكلام أطايبه، ومن الحديث أعذبه؛ فإذا ما دخل المنزل وجلس بحضرة الوالدين انقلب ليثا هصورا لا يلوي على شيء، فتبدلت حاله وذهبت وداعته وتولت سماحته، وحلت غلظته وفظاظته وبذاءته، يصدق على هذا قول القائل: من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقربُ ٥ - النظر إلى الوالدين شزرا وذلك برمقهما بحنق والنظر إليهما بازدراء واحتقار. قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير قال: " ما

стр. 10

بر والده من شد الطرف إليه " (١) . ٦ - الأمر عليهما كمن يأمر والدته بكنس المنزل، أو غسل الثياب، أو إعداد الطعام؛ فهذا العمل لا يليق خصوصا إذا كانت الأم عاجزة أو كبيرة أو مريضة. أما إذا قامت الأم بذلك بطوعها وبرغبة منها وهي نشطة غير عاجزة - فلا بأس في ذلك، مع مراعاة شكرها والدعاء لها. ٧ - انتقاد الطعام الذي تعده الوالدة وهذا العمل فيه محذوران، أحدهما: عيب الطعام، وهذا لا يجوز؛ «فرسول الله ﷺ ما عاب طعاما قط، إن أعجبه أكل، وإلا تركه.» والثاني: أن فيه قلة أدب مع الأم وتكديرا عليها. ٨ - ترك مساعدتهما في عمل المنزل: سواء في الترتيب والتنظيم، أو في إعداد الطعام، أو غير ذلك. بل إن بعض الأبناء - هداهم الله - يعد ذلك نقصا في

стр. 11

حقه وهضما لرجولته. وبعض البنات - هداهن الله - ترى أمها تعاني وتكابد العمل داخل المنزل فلا تعينها. بل إن بعضهن تقضي الأوقات الطويلة في محادثة زميلاتها عبر الهاتف، تاركة أمها تعاني الأمرين. ٩ - الإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدثا: وذلك بترك الإصغاء إليهما، أو المبادرة إلى مقاطعتهما أو تكذيبهما، أو مجادلتهما، والاشتداد في الخصومة والملاحاة معهما. فكم في هذا العمل من تحقير لشأن الوالدين، وكم فيه من إشعار لهما بقلة قدرهما. ١٠ - قلة الاعتداد برأيهما: فبعض الناس لا يستشير والديه ولا يستأذنهما في أي أمر من أموره، سواء في زواجه أو طلاقه، أو خروجه من المنزل والسكنى خارجه، أو ذهابه مع زملائه لمكان معين، أو نحو ذلك. ١١ - ترك الاستئذان حال الدخول عليهما: هذا مما ينافي الأدب معهما، فربما كانا أو أحدهما في حالة لا يرضى أن يراه أحد عليها.

стр. 12

١٢ - إثارة المشكلات أمامهما: سواء مع الإخوان أو الزوجة، أو الأولاد أو غيرهم. فبعض الناس لا يطيب له معاتبة أحد من أهل البيت على خطأ ما إلا أمام والديه، ولا شك أن هذا الصنيع مما يقلقهما ويقض مضجعهما. ١٣ - ذم الوالدين عند الناس والقدح فيهما، وذكر معايبهما: فبعض الناس إذا أخفق في عمل ما - كأن يخفق في دراسته مثلا - ألقى باللائمة والتبعة على والديه، ويبدأ يسوغ إخفاقه ويلتمس المعاذير لنفسه بأن والديه أهملاه ولم يربياه كما ينبغي، فأفسدا عليه حياته وحطما مستقبله، إلى غير ذلك من ألوان القدح والعيب. ١٤ - شتمهما ولعنهما: إما مباشرة أو بالتسبب في ذلك؛ كأن يشتم الابن أبا أحد من الناس أو أمه، فيرد عليه بشتم أبيه وأمه. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه. قيل: وهل يشتم الرجل والديه؟ ! قال: نعم! يسب أبا الرجل فيسب

стр. 13

أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (١) . ١٥ - إدخال المنكرات للمنزل: كإدخال آلات اللهو والفساد للبيت، مما يتسبب في فساد الشخص نفسه، وربما تعدى ذلك إلى فساد إخوته وأهل بيته عموما، فيشقى الوالدان بفساد الأولاد، وانحراف الأسرة. ١٦ - مزاولة المنكرات أمام الوالدين: كشرب الدخان أمامهما، أو استماع آلات اللهو بحضرتهما، أو النوم عن الصلاة المكتوبة، ورفض الاستيقاظ لها إذا أوقظاه، وكذلك إدخال رفقة السوء للمنزل؛ فهذا كله دليل على التمادي في قلة الحياء مع الوالدين. ١٧ - تشويه سمعة الوالدين: وذلك باقتراف الأعمال السيئة والأفعال الدنيئة التي تخل بالشرف وتخرم المروءة، وربما قادت إلى السجن والفضيحة، فلا شك أن هذا من عقوق الوالدين؛ لأنه يجلب لهما الهم والغم والخزي والعار.

стр. 14

١٨ - إيقاعهما في الحرج: كحال من يستدين أموالا ثم لا يسددها، أو يقوم بالتفحيط، أو يسيء الأدب في المدرسة؛ فتضطر الجهات المسئولة إلى إحضار الوالد في حالة فقدان الولد أو إساءته للأدب. وربما أوقف الوالد ريثما يسدد الولد دينه، أو يحضر ويسلم نفسه. ١٩ - المكث طويلا خارج المنزل: وهذا مما يقلق الوالدين ويزعجهما على الولد، ثم إنهما قد يحتاجان للخدمة، فإذا كان الولد خارج المنزل لم يجدا من يقوم على خدمتهما. ٢٠ - الإثقال عليهما بكثرة الطلبات: فمن الناس من يثقل على والديه بكثرة طلباته، مع أن الوالدين قد يكونان قليلي ذات اليد، ومع ذلك ترى الولد يلح عليهما بشراء سيارة له، وبأن يزوجاه، ويوفرا له مسكنا جديدا، أو بأن يطلب منهما مالا كثيرا؛ كي يساير زملاءه وأترابه. ٢١ - إيثار الزوجة على الوالدين: فبعض الناس يقدم طاعة زوجته على طاعة والديه، ويؤثرها عليهما، فلو طلبت منه أن يطرد والديه لطردهما ولو كانا بلا مأوى.

стр. 15

وترى بعض الأبناء يبالغ في إظهار المودة للزوجة أمام والديه، وتراه في الوقت نفسه يغلظ على والديه، ولا يرعى حقهما. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الصفحات التالية. ٢٢ - التخلي عنهما وقت الحاجة أو الكبر: فبعض الأولاد إذا كبر وصار له عمل يتقاضى مقابله مالا تخلى عن والديه، واشتغل بخاصة نفسه. ٢٣ - التبرؤ منهما، والحياء من ذكرهما ونسبته إليهما: وهذا من أقبح مظاهر العقوق، فبعض الأولاد ما إن يرتفع مستواه الاجتماعي، أو يترقى في الوظائف الكبيرة إلا ويتنكر لوالديه، ويتبرأ منهما، ويخجل من وجودهما في بيته بأزيائهما القديمة. وربما لو سئل عنهما لقال: هؤلاء خدم عندنا! . وبعضهم يرفض أن يذكر اسم والده في الولائم والمناسبات العامة؛ خجلا من ذلك! وهذا العمل - بلا ريب - دليل على ضعة النفس، وصغر العقل، وحقارة الشأن، وضيق العطن.

стр. 16

وإلا فالنفس الكريمة الأبية تعتز بمنبتها وأرومتها وأصلها، والكرام لا ينسون الجميل. إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن ٢٤ - التعدي عليهما بالضرب: وهذا العمل لا يصدر إلا من غلاظ الأكباد وقساة القلوب الذين خلت قلوبهم من الرحمة والحياء، وخوت نفوسهم من أدنى مراتب المروءة والنخوة والشهامة. ٢٥ - إيداعهم دور العجزة والملاحظة: وهذا الفعل غاية في البشاعة، ونهاية في القبح والشناعة، يقشعر لهوله البدن، ويقف لخطبه شعر الرأس، والذي يفعله لا خير فيه البتة. ٢٦ - هجرهما، وترك برهما ونصحهما إذا كانا متلبسين ببعض المعاصي: وهذا خلل وخطل؛ فبر الوالدين واجب ولو كانا كافرين، فكيف إذا كانا مسلمين، وعندهما بعض التقصير؟ ! ٢٧ - البخل والتقتير عليهما: فمن الناس من يبخل على

стр. 17

والديه، ويقتر عليهما في النفقة. وربما اشتدت حاجتهما إلى المال، ومع ذلك لا يعبأ ولا يبالي بهما. ٢٨ - المنة وتعداد الأيادي على الوالدين: فمن الناس من قد يبر والديه، ولكنه يفسد ذلك بالمن والأذى، وتعداد الأيادي، وذكر ذلك البر بمناسبة وبدون مناسبة. ٢٩ - السرقة من الوالدين: وهذا الأمر جمع بين محذروين، السرقة والعقوق؛ فتجد من الناس من يحتاج للمال، فيقوده ذلك إلى السرقة من والديه إما لكبرهما، أو لغفلتهما. ومن صور السرقة أن يخدع أحد والديه، فيطلب منه أن يوقع على إعطائه كذا وكذا من المال أو الأرض أو نحو ذلك. وقد يستدين منهما، وهو مبيت النية على ألا يسدد. ٣٠ - الأنين وإظهار التوجع أمامهما: وهذا الأمر من أدس صور العقوق؛ ذلك أن الوالدين - وخصوصا الأم - يقلقان لمصاب الولد، ويتألمان لألمه؛ بل ربما يتألمان أكثر منه. ٣١ - التغرب عن الوالدين دون إذنهما، ودون الحاجة إلى

стр. 18

ذلك: فبعض الأبناء لا يدرك أثر بعده عن والديه؛ فتراه يسعى للغربة والبعد عن الوالدين دون أن يستأذنهما ودون أن يحتاج إلى الغربة؛ فربما ترك البلد الذي يقطن فيه والداه دون سبب، وربما تغرب للدراسة في بلد آخر مع أن تلك الدراسة ممكنة في البلد الذي يسكن فيه والداه إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تسوغ غربته. وما علم أن اغترابه عن والديه يسبب حسرتهما، وقلقهما عليه، وما علم أنه ربما مات والداه أو أحدهما وهو بعيد عنهما باختياره؛ فيخسر بذلك برهما، والقيام عليهما. أما إذا احتاج الابن إلى الغربة، واستأذن والديه فيها - فلا حرج عليه. ٣٢ - تمني زوالهما: فبعض الأولاد يتمنى زوال والديه؛ ليرثهما إن كانا غنيين، أو يتخلص منهما إن كانا مريضين أو فقيرين، أو لينجو من مراقبتهما ووقوفهما في وجهه كي يتمادى في غيه وجهله. ٣٣ - قتلهما والتخلص منهما: فقد يحصل أن يشقى الولد، فيقدم على قتل أحد والديه؛ إما لسورة جهل أو ثورة

стр. 19

غضب، أو أن يكون في حال سكر، أو طمعا في الميراث، أو غير ذلك. فيا لشؤم هذا، ويا لسواد وجهه، ويا لسوء مصيره وعاقبته، إن لم يتداركه الله برحمته. هذه بعض المظاهر والصور لعقوق الوالدين، ذلك العمل القبيح، والمسلك الشائن، الذي لا يليق بأولي الألباب، ولا يصدر من أهل التقى والصلاح والرشاد. فما أبعد الخير عن عاق والديه، وما أقرب العقوبة منه، وما أسرع الشر إليه. وهذا أمر مشاهد محسوس، يعرفه كثير من الناس، ويرون بأم أعينهم، ويسمعون قصصا متواترة لأناس خذلوا وعوقبوا؛ بسبب عقوقهم لوالديهم.

стр. 20

[نماذج من قصص العقوق] نماذج من قصص العقوق ١ - قال الأصمعي: " أخبرني بعض العرب أن رجلا كان في زمن عبد الملك بن مروان، وكان له أب كبير، وكان الشاب عاقا بأبيه، وكان يقال للشاب " منازل " فقال الشيخ: جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنجز الدين طالبه تربت (١) حتى صار جعدا (٢) شمردلا (٣) ... إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه تظلمني مالي كذا ولوى يدي ... لوى يده الله الذي لا يغالبه وإني لداع دعوة لو دعوتها ... على جبل الريان لانهد جانبه فبلغ ذلك أميرا كان عليهم، فأرسل إلى الفتى ليأخذه،

стр. 21

فقال له الشيخ: اخرج من خلف البيت، فسبق رسل الأمير، ثم ابتلي الفتى بابن عقه في آخر حياته، فقال: تظلمني مالي خليج (١) وعقني ... على حين كانت كالحني عظامي تخيرته وازددته ليزيدني ... وما بعض ما يزداد غير عرام (٢) لعمري لقد ربيته فرحا به ... فلا يفرحن بعدي امرؤ بغلام فأراد الوالي ضربه، فقال الابن للوالي: لا تعجل علي، هذا منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه: جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاءا كما يستنجز الدين طالبه فقال الوالي: يا هذا عققت وعققت " (٣) .

стр. 22

٢ - وقال آخر يشكو بثه وحزنه، ويعاتب ولده الذي عقه: غذوتك مولودا ومنتك يافعا ... تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة نالتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إن لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل فأوليتني حق الجوار ولم تكن ... علي بمالي دون مالك تبخل تراه معدا للخلاف كأنه ... برد على أهل الصواب موكل (١) ٣ - ويقول الدكتور محمد الصباغ: " سمعت أن واحدا

стр. 23

من الساقطين من الأبناء حمل أباه إلى مأوى العجزة، لكيلا يضايقه أو يزعج زوجته " (١) . ٤ - ويقول الأستاذ عبد الرءوف الحناوي ﵀: " كان لي قريب ترك له والده أموالا نقدية ذهبية طائلة، وعقارات متعددة، وكان من عيون التجار، غضبت عليه أمه يوما ودعت عليه دعوة مرة قاسية، وإذا بالسوء يحيق به من جرائها؛ لقد مات فقيرا؛ مع أنه لم يسلك سبل الفواحش والمحرمات أبدا. وكان أبي ﵀ يتصدق عليه ويرسلني بالطعام من دارنا إليه وإلى زوجته وأولاده " (٢) .

стр. 24

[أسباب العقوق] أسباب العقوق لعقوق الوالدين أسباب كثيرة منها: ١ - الجهل فالجهل داء قاتل، والجاهل عدو لنفسه، فإذا جهل المرء عواقب العقوق العاجلة والآجلة، وجهل ثمرات البر العاجلة والآجلة - قاده ذلك إلى العقوق، وصرفه عن البر. ٢ - سوء التربية: فالوالدان إذا لم يربيا أولادهما على التقوى، والبر والصلة، وتطلاب المعالي - فإن ذلك سيقودهم إلى التمرد والعقوق. ٣ - التناقض: وذلك إذا كان الوالدان يعلمان الأولاد، وهما لا يعملان بما يعلمان، بل ربما يعملان نقيض ذلك، فهذا الأمر مدعاة للتمرد والعقوق. ٤ - الصحبة السيئة للأولاد: فهي مما يفسد الأولاد، ومما يجرئهم على العقوق. كما أنها ترهق الوالدين، وتضعف أثرهم في تربية الأولاد.

стр. 25

٥ - عقوق الوالدين لوالديهم: فهذا من جملة الأسباب الموجبة للعقوق؛ فإذا كان الوالدان عاقين لوالديهم عوقبا بعقوق أولادهما - في الغالب - وذلك من جهتين: أولاهما: أن الأولاد يقتدون بآبائهم في العقوق. وآخرهما: أن الجزاء من جنس العمل. ٦ - قلة تقوى الله في حالة الطلاق: فبعض الوالدين إذا حصل بينهما طلاق لا يتقيان الله في ذلك، ولا يحصل الطلاق بينهما بإحسان. بل تجد كل واحد منهما يغري الأولاد بالآخر، فإذا ذهبوا للأم قامت بذكر مثالب والدهم، وبدأت توصيهم بصرمه وهجره، وهكذا إذا ذهبوا إلى الوالد فعل كفعل الوالدة. والنتيجة أن الأولاد سيعقون الوالدين جميعا، والوالدان هما السبب كما قال أبو ذؤيب الهذلي: فلا تغضبن في سيرة أنت سرتها ... وأول راض سنة من يسيرها ٧ - التفرقة بين الأولاد: فهذا العمل يورث لدى الأولاد

стр. 26

الشحناء والبغضاء، فتسود بينهم روح الكراهية، ويقودهم ذلك إلى بغض الوالدين وقطيعتهما. ٨ - إيثار الراحة والدعة: فبعض الناس إذا كان لديه والدان كبيران أو مريضان، رغب في التخلص منهما، إما بإيداعهما دور العجزة، أو بترك المنزل والسكنى خارجه، أو غير ذلك؛ إيثارا للراحة - كما يزعم - وما علم أن راحته إنما هي بلزوم والديه وبرهما. ٩ - ضيق العطن: فبعض الأبناء ضيق العطن، فلا يريد لأحد في المنزل أن يخطئ أبدا، فإذا كسرت زجاجة أو أفسد أثاث المنزل، غضب لذلك أشد الغضب وقلب المنزل رأسا على عقب. فهذا مما يزعج الوالدين، ويكدر صفوهما. كذلك قد تجد بعض الأبناء يأنف من أوامر والديه، خصوصا إذا كان الوالدان أو أحدهما فظا غليظا، فتجد الولد يضيق بهما ذرعا ولا يتسع صدره لهما. ١٠ - قلة إعانة الوالدين لأولادهما على البر: فبعض الوالدين لا يعين أولاده على البر، ولا يشجعهم على الإحسان إذا أحسنوا.

стр. 27

فحق الوالدين عظيم، وهو واجب بكل حال. لكن الأولاد إذا لم يجدوا التشجيع والدعاء والإعانة من الوالدين، ربما ملوا وتركوا بر الوالدين، أو قصروا في ذلك. ١١ - سوء خلق الزوجة: فقد يبتلى الإنسان بزوجة سيئة الخلق، لا تخاف الله، ولا ترعى الحقوق، فتكون شجى في حلقه، فتجدها تغري الزوج بأن يتمرد على والديه أو يخرجهما من المنزل، أو يقطع إحسانه عنهما؛ ليخلو لها الجو بزوجها وتستأثر به دون غيره. ١٢ - قلة الإحساس بمصاب الوالدين: فبعض الأبناء لم يجرب الأبوة، وبعض البنات لم تجرب الأمومة، فتجد من هذه حاله لا يأبه بوالديه؛ سواء إذا تأخر بالليل، أو إذا ابتعد عنهما، أو أساء إليهما. هذه بعض الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الوالدين.

стр. 28

[سبل العلاج] سبل العلاج قد مر بنا عظم حق الوالدين، والترغيب في برهما والترهيب من عقوقهما، ومر شيء من مظاهر العقوق وصوره وقصصه وأسبابه. وإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يحرص كل الحرص على بر والديه، وأن يتجنب عقوقهما؛ رغبة بما عند الله من جزيل الثواب، ورهبة مما لديه من شديد العقاب، العاجل والآجل. فما بر الوالدين؟ وما الآداب التي ينبغي مراعاتها معهما؟ وما الأمور المعينة على البر؟ [تعريف البر بالوالدين] تعريف البر بالوالدين بر الوالدين ضد العقوق، قال ابن منظور ﵀: والبر ضد العقوق، والمبرة مثله، وبررت والدي: بالكسر أبره برا، وقد بر والده يبره ويبره برا، فيبر على بررت، ويبر على بررت ". وقال: " ورجل بر من قوم أبرار، وبار من قوم بررة،

стр. 29

وروي عن ابن عمر أنه قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء. وقال: كما أن لك على ولدك حقا كذلك لولدك عليك حق " (١) . [الآداب التي تراعى مع الوالدين] الآداب التي تراعى مع الوالدين هناك آداب ينبغي لنا مراعاتها، ويجدر بنا سلوكها مع الوالدين، لعلنا نرد لهما بعض الدين، ونقوم ببعض ما أوجب الله علينا نحوهما، كي نرضي ربنا، وتنشرح صدورنا، وتطيب حياتنا، وتيسر أمورنا، ويبارك الله في أعمارنا، وينسأ لنا في آثارنا (٢) . فمن تلك الآداب ما يلي (٣) .

стр. 30

١ - طاعتهما واجتناب معصيتهما: فيجب على المسلم طاعة والديه واجتناب معصيتهما، وأن يقدم طاعتهما على طاعة كل أحد من البشر ما لم يأمرا بمعصية الله ورسوله، ﷺ ، إلا الزوجة؛ فإنها تقدم طاعة زوجها على طاعة والديها. ٢ - الإحسان إليهما: بالقول والفعل، وفي وجوه الإحسان كافة. ٣ - خفض الجناح: وذلك بالتذلل لهما والتواضع والتطامن. ٤ - البعد عن زجرهما: وذلك بلين الخطاب والتلطف بالكلام، والحذر كل الحذر من نهرهما ورفع الصوت عليهما. ٥ - الإصغاء إليهما: وذلك بالإقبال عليهما بالوجه إذا تحدثا، وترك مقاطعتهما أو منازعتهما الحديث، والحذر كل الحذر من تكذيبهما أو رد حديثهما. ٦ - الفرح بأوامرهما وترك التضجر والتأفف منهما: كما قال : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]

стр. 31

٧ - التطلق لهما: وذلك بمقابلتهما بالبشر والترحاب، بعيدا عن العبوس وتقطيب الجبين. ٨ - التودد لهما والتحبب إليهما: ومن ذلك مبادأتهما بالسلام، وتقبيل أيديهما ورءوسهما، والتوسيع لهما في المجلس، وألا يمد يده إلى الطعام قبلهما، وأن يمشي خلفهما في النهار وأمامها في الليل، خصوصا إذا كان الطريق مظلما أو وعرا، أما إذا كان الطريق واضحا سالكا فلا بأس أن يمشي خلفهما. ٩ - الجلوس أمامهما بأدب واحترام: وذلك بتعديل الجلسة، والبعد عما يشعرهما بإهانتهما من قريب أو بعيد، كمد الرجل أو القهقهة بحضرتهما، أو الاضطجاع أو التعري، أو مزاولة المنكرات أمامهما، أو غير ذلك مما ينافي كمال الأدب معهما. ١٠ - تجنب المنة في الخدمة أو العطية: فالمنة تهدم الصنيعة، وهي من مساوئ الأخلاق، ويزداد قبحها إذا كانت في حق الوالدين. فعلى الولد أن يقدم لوالديه ما يستطيع، وأن يعترف

стр. 32

بالتقصير، ويعتذر عن عدم استطاعته أن يوفي والديه حقهما. ١١ - تقديم حق الأم: فمما ينبغي مراعاته - أيضا - تقديم بر الأم والعطف عليها والإحسان لها على بر الأب والعطف عليه والإحسان إليه، وذلك لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أولى الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» (١) . قال ابن بطال ﵀ عند شرحه لهذا الحديث: " مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذا تنفرد به الأم وتشقى به، ثم تشارك الأب في التربية " (٢) . قد يقال: الأم تقدم وتفضل بالبر والإحسان والعطف، والأب يقدم في الطاعة؛ لأن الأب رب المنزل وقائد السفينة.

стр. 33

١٢ - مساعدتهما في الأعمال: فلا يليق بالولد أن يرى والديه يعملان وهو ينظر إليهما دون مساعدة لهما. ١٣ - البعد عن إزعاجهما: سواء إذا كانا نائمين، أو إزعاجهما بالجلبة ورفع الصوت، أو بالأخبار المحزنة أو غير ذلك من ألوان الإزعاج. ١٤ - تجنب الشجار وإثارة الجدل أمامهما: وذلك بالحرص على حل المشكلات مع الإخوة وأهل البيت عموما بعيدا عن أعينهما. ١٥ - تلبية ندائهما بسرعة: سواء كان الإنسان مشغولا أم غير مشغول؛ فبعض الناس إذا ناداه أحد والديه وكان مشغولا تظاهر بأنه لم يسمع الصوت، وإن كان فارغا أجابهما. أصم عن الأمر الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد فاللائق بالولد أن يجيب والديه حال سماعه النداء. ١٦ - تعويد الأولاد على البر: وذلك بأن يكون المرء قدوة

стр. 34

لهما، وأن يسعى قدر المستطاع لتوطيد العلاقة بين أولاده وبين والديه. ١٧ - إصلاح ذات البين إذا فسدت بين الوالدين: فمما يجدر بالأولاد أن يقوموا به أن يصلحوا ذات البين إذا فسدت بين الوالدين، وأن يحرصوا على تقريب وجهات النظر بينهما إذا اختلفا. ١٨ - الاستئذان حال الدخول عليهما: فربما كانا أو أحدهما على حالة لا يرضى أن يراه أحد وهو عليها. ١٩ - تذكيرهما بالله دائما: وذلك بتعليمهما ما يجهلانه من أمور الدين، وأمرهما بالمعروف، ونهيهما عن المنكر إذا كان عليهما بعض مظاهر الفسق والمعصية، مع مراعاة أن يكون ذلك بمنتهى اللطف والإشفاق والشفافية، والصبر عليهما إذا لم يقبلا. ٢٠ - الاستئذان منهما، والاستنارة برأيهما: سواء في الذهاب مع الأصحاب للبرية، أو في السفر خارج البلد للدراسة ونحوها، أو الذهاب للجهاد، أو الخروج من المنزل والسكنى خارجه، فإن أذنا وإلا أقصر وترك ما يريد، خصوصا إذا كان

стр. 35

رأيهما له وجه، أو كان صادرا عن علم وإدراك. ٢١ - المحافظة على سمعتهما: وذلك بمخالطة الأخيار، والبعد عن الأشرار، وبمجانبة أماكن الشبه، ومواطن الريب. ٢٢ - البعد عن لومهما وتقريعهما: وذلك إذا صدر منهما عمل لا يرضي الولد، كتقصيرهما في التربية، وكتذكيرهما بأمور لا يحبان سماعها، مما قد بدر منهما فيما مضى. ٢٣ - العمل على ما يسرهما وإن لم يأمرا به: من رعاية للإخوة، أو صلة للأرحام، أو إصلاحات في المنزل أو المزرعة، أو مبادرة بالهدية، أو نحو ذلك مما يسرهما ويدخل الفرح على قلبيهما. ٢٤ - فهم طبيعتهما ومعاملتهما بمقتضى ذلك: فإذا كانا أو أحدهما غضوبا أو فظا غليظا، أو كان متصفا بأي صفة لا ترتضى - كان جديرا بالولد أن يتفهم تلك الطبيعة في والديه، وأن يعاملهما كما ينبغي. ٢٥ - كثرة الدعاء والاستغفار لهما في حياتهما: قال الله - تعالى -: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]

стр. 36

وقال - تعالى -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] ٢٦ - برهما بعد موتهما: فمما يدل على عظم حق الوالدين، وسعة رحمة رب العالمين - أن كان بر الوالدين لا ينقطع حتى بعد الممات؛ فقد يقصر أحد من الناس في حق والديه وهما أحياء، فإذا ماتا عض يده، وقرع سنه؛ ندما على تفريطه وتضييعه لحق الوالدين، وتمنى أن يرجعا للدنيا؛ ليعمل معهما صالحا غير الذي عمل. ومن هنا يستطيع المسلم أن يستدرك ما قد فات، فيبر والديه وهما أموات، وذلك بأمور منها: أ - أن يكون الولد صالحا في نفسه. ب - كثرة الدعاء والاستغفار لهما. ج - صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما. د - إنفاذ عهدهما. هـ - التصدق عنهما. هذه بعض الأمور التي يجدر بنا سلوكها في معاملة الوالدين.

стр. 37

[الأمور المعينة على البر] الأمور المعينة على البر بر الوالدين نعمة من الله يمن بها على من يشاء من عباده، وهناك أمور تعين الإنسان على بر والديه، إذا أخذ بها، وسعى إليها، فمن ذلك ما يلي (١) . ١ - الاستعانة بالله : وذلك بإحسان الصلة به؛ عبادة ودعاء والتزاما بما شرع، عسى أن يوفقك ويعينك على برهما. ٢ - استحضار فضائل البر وعواقب العقوق: فإن معرفة ثمرات البر واستحضار حسن عواقبه من أكبر الدواعي إلى فعله وتمثله والسعي إليه. كذلك النظر في عواقب العقوق، وما يجلبه من هم وغم وحسرة وندامة، كل ذلك مما يعين على البر ويقصر عن العقوق. ٣ - استحضار فضل الوالدين على الإنسان: فهما سبب

стр. 38

وجوده في هذه الدنيا، وهما اللذان تعبا من أجله، وأولياه خالص الحنان والمودة، وربياه حتى كبر؛ فمهما فعل الولد معهما فلن يستطيع أن يوفيهما حقهما، فاستحضار هذا الأمر مدعاة للبر. ٤ - توطين النفس على البر: فينبغي للمرء أن يوطن نفسه على بر والديه، وأن يتكلف ذلك ويجاهد نفسه عليه؛ حتى يصبح سجية له وطبعا. ٥ - تقوى الله في حال الطلاق: فعلى الوالدين إن لم يقدر بينهما وفاق وحصل بينهما الطلاق أن يوصي كل واحد منهما الأولاد ببر الآخر، وألا يقوم كل واحد منهما بتأليب الأولاد على الآخر؛ لأن الأولاد إذا ألفوا العقوق صار الوالدان ضحية لذلك، فشقوا وأشقوا الأولاد. ٦ - صلاح الآباء: فصلاحهم سبب لصلاح أبنائهم وبرهم بهم. ٧ - التواصي بالبر: وذلك بتشجيع البررة وتذكيرهم بفضائل البر، ونصح العاقين وتذكيرهم بعواقب العقوق.

стр. 39

٨ - إعانة الأولاد على البر: وذلك بأن ينبعث الآباء إلى إعانة أولادهم على البر، وذلك بتشجيعهم وشكرهم والدعاء لهم. أعرف بعض الآباء لا يطيق أولاده وأحفاده أن يفارقوه طرفة عين؛ حتى بعد أن تعدى المائة؛ فهم يبرونه أعظم البر، ويتنافسون في خدمته، بل ويتلذذون بذلك. ومن أعظم الأسباب الحاملة لهم على بر والدهم - بعد توفيق الله - أن ذلك الوالد كان نعم المعين لهم على بره، حيث كان محبا لأولاده، كثير الدعاء لهم، حريصا على شكرهم والثناء عليهم وإدخال السرور على نفوسهم، ومناداتهم بأحب الأسماء إليهم. ٩ - أن يضع الولد نفسه موضع الوالدين: فهل يسرك أيها الولد غدا إذا أصابك الكبر ووهن العظم منك واشتعل الرأس شيبا وعجزت عن الحراك - أن تلقى من أولادك المعاملة السيئة والإهمال القاسي والتنكر المحض؟ ! ١٠ - قراءة سير البارين والعاقين: فسير البارين مما يشحذ الهمة، ويذكي العزيمة، ويبعث على البر.

стр. 40

وقراءة سير العاقين وما نالهم من سوء المصير، تنفر عن العقوق، وتبغض فيه، وتدعو إلى البر وترغب فيه. ١١ - استشعار فرح الوالدين بالبر وحزنهما من العقوق: فلو استشعر الإنسان ذلك الأمر لانبعث إلى البر، ولانزجر عن العقوق، وصدق من قال: لو كان يدري الابن أية غصة ... قد جرعت أبويه بعد فراقه أم تهيم بوجده حيرانة ... وأب يسح الدمع من آماقه يتجرعان لبينه غصص الردى ... ويبوح ما كتماه من أشواقه لرثا لأم سل من أحشائها ... وبكى لشيخ هام في آفاقه ولبدل الخلق الأبي بعطفه ... وجزاهما بالعذب من أخلاقه (١)
следующие страницы →