← Тафсир

Тафсир · id 31364

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] [كلمة الناشر] مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة الناشر الحمد لله الذي أنزل الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نذيرًا، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا اختصار تفسيري اختصره فضيلة الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد، حفظه الله، من تفسير الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ، البغوي المسمى بـ " معالم التنزيل ". وتفسيره الكامل الذي منه هذا الاختصار من أجل كتب التفسير بالمأثور، يسرد فيه التفسير بالقرآن - أي يجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى الكلمة التي تضمنتها - ويأتي بالأحاديث مع أسانيدها كما يذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم من أئمة التفسير وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أو غير هؤلاء؟ فأجاب قائلًا: " وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي " وعنه قال: " تفسيره مختصر من تفسير الثعلبي لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ". فلما كان تفسيره بهذه المكانة العظمى وأثنى على اختصاره غير واحد من أهل العلم، أعدنا طبعه من جديد بعد التنسيق مع المختصر. عملنا في هذا الكتاب: ١ - طبع الكتاب في مجلد واحد لأول مرة بلونين. ٢ - وضع المصحف كاملًا، وكذلك أخذ الآيات القرآنية المفسرة برسم المصحف من الحاسب الآلي تجنبًا للأخطاء المطبعية. ٣ - تصحيح الأخطاء التي نبه عليها فضيلة الدكتور عبد الله الزيد، فضلًا عن الأخطاء التي استدركها أعضاء لجنة البحث العلمي بدار السلام. ٤ - تم طباعة الكتاب على ورق شمواه. ونحن عندما نقدم هذا السفر الجليل بين يدي القارئ الكريم، نتضرع إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم. هذا. . . ونشكر كل من سعى لإخراج هذا العمل في ثوبه الجديد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. خادم الكتاب والسنة عبد المالك مجاهد

стр. 2

[تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عبده الكتاب وجعله هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى والفرقان، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، وعلى آله وأصحابه أولي العلم والعرفان. وبعد: فإن تفسير الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي تفسير جيد، شهد العلماء بجودته وإتقانه وتمشيه على مذهب السلف في المنهج والاعتقاد، إلا أنه طويل بالنسبة لحاجة غالب الناس اليوم، فالناس اليوم بحاجة إلى تفسير مختصر موثوق. فلذلك اتجهت همة أخينا الشيخ الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد إلى اختصار هذا التفسير وتقريبه للناس. وقد اطلعت على نموذج من عمله فوجدته عملًا جيدًا ومنهجًا سديدًا، حيث إنه يختار من هذا التفسير ما يوضح الآيات بأقرب عبارة وأسهلها، فهو مختصر جيد مفيد. جزى الله أخانا الشيخ / عبد الله على عمله هذا خيرًا وغفر الله للإمام البغوي ورحمه، جزاء ما ترك للمسلمين من علم نافع ومنهج قويم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في (١٣ / ١٠ / ١٤١٣ هـ)

стр. 3

[مقدمة د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ليكون للعالمين نذيرًا، ولمن استمسك به هدى ونورًا. . . والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والبينات سراجًا منيرًا، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا كتاب ربهم وعملوا على جمعه وضبطه وتدوينه ليصل إلى من بعدهم بصورته التي بها نزل. وبعد: فإن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق رسالة مُحَمَّدٍ ﷺ والدعوة العظمى من الله تعالى إلى التوحيد الخالص والطريق المستقيم، وقد تولى الله حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والمعارضة كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وها هو قد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان ولا يزال كما وعد الله محفوظًا كما أنزل لم يتغير فيه عما نزل حرف ولا كلمة، ولا ترتيب، وسيبقى كذلك إلى آخر الدهر. وقد ظهر لي من خلال عملي حاجة الناس إلى تفسير مختصر يجمع بين علمي الرواية والدراية، يكون في متناول الكل، يتميز بخلوه من المخالفات الشرعية والعقدية، وذلك لأن الوقت في هذا العصر أصبح قليلًا جدًّا بسبب تزاحم المعلومات في كل العلوم، فرأيت من المناسب اختيار تفسير مختصر يلبي حاجة من أراد الاطلاع على معاني كلام الله . وقد اطلعت على كثير من المختصرات فوجدت بعضها يهتم بجانب واحد من جوانب إعجاز القرآن كمباحث الإعراب ونكت البلاغة، والبعض الآخر لا يخلو مما يستوجب النظر، ومنها ما يستطرد لعلوم أخرى لا يُحتاج إليها في فهم القرآن. ولما كان تفسير الإمام البغوي ﵀ المسمى (معالم التنزيل) يجمع بين علمي الرواية والدراية مع وضوح العبارة، وجمعه لكثير من المعاني التي يذكرها المفسرون بأسلوب سهل مقتضب بعيدًا عن الألغاز والتعمية مع ما يتميز به من الالتزام بمذهب السلف الصالح في المجال العقدي وما خص به من ثناء العلماء والأئمة، وما حظي به من القبول لدى الأمة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري؟ أم القرطبي؟ أم البغوي؟ فأجاب في فتواه (ج ٢ - ص ١٩٣) ما نصه: " أسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي ". وقال محمد رشيد رضا في مقدمة طبعته له عام ١٣٤٣ هجرية: " هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما رُوي عن مفسري السلف وبيان معاني الآيات وأحكامها ". وهو من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها أيضًا، إلا أنه يشتمل على روايات كثيرة وبعض القصص الإسرائيلية والأمور التي يغني بعضها عن بعض، ولم يسبق حسب علمي أن قام أحد باختصاره، لذا قمت بهذا العمل لنفسي أولًا، وحرصًا مني على تقريبه وتسهيله لمن يرغب في تفسير موثق لإمام من أئمة أهل السنة والجماعة، أسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد والقبول.

стр. 4

منهج البغوي في تفسيره: ١ - من المعلوم أن أحسن طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم، وهذا ما اتخذه البغوي منهجًا له في تفسيره. ٢ - سلك البغوي ﵀ مسلكًا متوسطًا بلفظ موجز وسهل بعيدًا عن الاستطراد والحشو، جاء في مقدمة تفسيره: (جمعت بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ فيما سألوا كتابًا متوسطًا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ) اهـ. ٣ - ما ذكره من الأحاديث النبوية الشريفة فغالبها يسوقها بأسانيدها التي اشترط فيها الصحة أو الحسن، وقد وضح ذلك بقوله: (ما ذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أثناء الكتاب على وفق آيَةٍ أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بَيَانُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وعليها مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ، فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَاكِيرِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ التَّفْسِيرِ) . ٤ - ما ذكره عن الصحابة والتابعين فغالبًا يذكره بلا إسناد وذلك لأنه ذكر في مقدمته إسناده إلى كل من يروي عنهم. ٥ - يذكر أقوال السلف في تفسير الآية ولا يرجح بعضها على بعض في كثير من الأحيان إشارة منه ﵀ إلى أن معنى الآية قد يحتمل جميع المعاني أو أكثرها، وهذه ميزة تميز بها تفسير البغوي قلما توجد في غيره. ٦ - يتحاشى ذكر المسائل الكلامية ويكتفي بإيراد منهج السلف فيها. ٧ - يذكر البغوي بعض الأخبار الإسرائيلية عند تفسير بعض الآيات التي تحكي قصص أهل الكتاب وهو مقل منها بالنسبة لغيره من المفسرين. ٨ - يذكر بعضر الأحكام الفقهية والقراءات المشهورة، وأسباب النزول في تفسيره. عملي في التفسير: ما يجده القارئ في هذا المختصر هو كله من كلام البغوي فقد التزمت بنصه التزامًا تامًّا ولم أتصرف فيه بالزيادة إلا ما استدعى السياق إضافته لربط كلام البغوي بعضه ببعض كواو العطف ونحوها، ليبقى التفسير بأسلوبه السهل الميسر وجماله الناصع مع تمام الترابط والانسجام، وقد جعلت ما أضفته بين قوسين تمييرًا له عن كلام البغوي. . . ومن هذا يعلم أن جميع ما في هذا المختصر هو من كلام البغوي، فإذا ورد فيه قوله: (قد روينا أو حدثنا) أو نحو ذلك فالقائل هو: البغوي، وقد حرصت على هذا المنهج لما لكلام الإمام البغوي ﵀ من ميزة لدى العلماء تجعل الاطمئنان إليه أكثر والوثوق به أحرى، وما عملته في الاختصار لا يخرج في الغالب عن أحد الأمور التالية: ١ - استبعاد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها والاقتصار من سند الحديث عند ذكره على اسم الصحابي الذي روى الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتركت لمن أراد الاستزادة الرجوع إلى الأصل المختصر. ٢ - إذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصرت على ذكر حديث واحد منها وقد أقتصر على

стр. 5

موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود. ٣ - جرى تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت في المختصر. ٤ - الإبقاء ما أمكن على الآيات التي استشهد بها المؤلف على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن مع جعلها بين قوسين مختلفين عن أقواس الآيات المفسرة. ٥ - تجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روى منها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أو أقره. ٦ - عند تعدد ذكر الآثار أكتفي منها بما يكشف معنى الآية. ٧ - جرى حذف بعض القراءات وخاصة إذا لم يترتب على المحذوف منها تغير المعنى. الطبعة التي اعتمدت عليها: اعتمدت في عملي هذا على الطبعة المستقلة الكاملة لتفسير الإمام البغوي في طبعتها الثانية عام (١٤٠٧) هجرية التي حققها الأستاذان خالد عبد الرحمن العك، ومروان سوار، وقد قابلت ما أشكل فيها على طبعة عام (١٣٤٣) هجرية التي طبعت على حاشية تفسير الإمام ابن كثير. وبعد فراغي من العمل خرجت الطبعة الجديدة التي حققها الإخوة محمد عبد الله النمر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش فاستفدت منها في مقابلة بعض العبارات المشكلة وفي بعض التخريجات للأحاديث النبوية الشريفة واكتفيت بذلك عن المقابلة على مخطوطة الكتاب وذلك لأن هذه الأخيرة طبعة مقابلة على مخطوطة الكتاب كما جاء في مقدمتها (١) . أسأل الله الكريم أن ينفع بعملي هذا وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وجزى الله خيرًا من ينبهني على خطأ يجده فليراسلني على ص. ب (٣٤٠٦٥٥) الرياض (١١٣٣٣) ، ومن ينتفع بما فيه فيدعو لي من وراء الغيب دعوة خير صادقة، والله الموفق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. الرياض في (٢٢ / ٩ / ١٤٢٢ هجرية) د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد

стр. 6

[ترجمة الإمام البغوي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة الإمام البغوي هو الإمام العلامة الحافظ المفسر المحدث الفقيه محيي السنة أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفراء البغوي من أئمة السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة. ولد في بلدة (بغشور أو: بغ) وإليها نسبته وهي من بلاد خراسان، وذلك في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري. ونشأ البغوي شافعي المذهب غير متعصب لإمامه ولا مندد بغيره من العلماء، بل سلك مسلك أهل الاختيار والترجيح والتصحيح. ومنهجه في العقيدة منهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم فلم يشغل نفسه بنظريات المتفلسفة وخلافات المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وإنما التزم بمنهج أهل السنة والجماعة ناشرًا له ومدافعًا عنه. وقد تنقل البغوي في كثير من البلاد طلبا للعلم إلى أن استقر في (مروالروذ) الوطن الثاني للبغوي، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عن نيف وثمانين سنة فيما بين عام (٥١٠ هـ) إلى (٥١٦ هـ) على خلاف في ذلك. وقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدر الإمام البغوي ورسوخ علمه بالكتاب والسنة وعلومهما، وصفه من ترجم له: بشيخ الإسلام ومحيي السنة وعلامة زمانه وأنه دينًا ورعًا عابدًا حافظًا ثبتًا ثقة حجة صحيح العقيدة. وهو من أئمة الحديث الشريف، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله. كما أنه إمام في الفقه والأحكام. وإمام في التفسير وعلوم القرآن الكريم. وقد خلف مؤلفات كثيرة منها شرح السنة، ومصابيح السنة، ومعالم التنزيل وهو أصل هذا المختصر والتهذيب في فقه الإمام الشافعي. وغير ذلك كثير. وأخذ الإمام البغوي العلم عن أئمة عصره وكبار الحفاظ والمحدثين في زمانه منهم: الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد بن أحمد المروزي المتوفى سنة (٤٦٢ هـ) ، ومحدث مرو عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ الهروي المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) ، والإمام علي بن يوسف الجويني شيخ الحجاز المتوفى (٤٦٣ هـ) وغيرهم. وقد روى عنه تلاميذ عدة منهم مجد الدين العطاردي الأصولي والمحدث الطائي الهمذاني وآخرون. رحم الله البغوي رحمة واسعة ورحمنا معه بمنه وكرمه إنه على ذلك قدير.

стр. 7

[سورة الفاتحة] [أسماء سورة الفاتحة] (١) سورة الفاتحة وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى منَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧] وَالْمُرَادُ مِنْهَا: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. [قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] [١] قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] الباء زائدة يخفض مَا بَعْدَهَا، مِثْلَ مِنْ وَعَنْ، والمتعلق به مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الاسم طلبًا للخفة لكثرة استعمالها، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ: هُوَ تعليم للعباد كيف يستفتحون القراءة. قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ علم خاص بالله لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ، مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مُشْتَقٌّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. معناه أنه المستحق لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ إِلَهٍ، قَالَ اللَّهُ . ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، يقال: أَلَهْتُ إِلَيْهِ أَيْ: فَزِعْتُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْإِلَهِ وِلَاهٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ، أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ في الشدائد ويلجؤون إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أرق من الآخر، وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فقهاء الحجاز إلى أنها ليست مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السور، فإنما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سورة إلا سورة التوبة، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيات والآية الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ومن لا يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ: ابْتِدَاؤُهَا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] [قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرحيم] [٢، ٣] قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] لفظه خبر كأنه يخبر عن الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ ، وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، يُقَالُ: حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ من نعمة، وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، والحمد أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ: شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ، فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شاكر حامدا. قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ: الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣] فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ، وَيُقَالُ: رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ يُقَالُ: رَبَّ

стр. 8

فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وأصلحها، فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا، إِنَّمَا يُقَالُ: ربِّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. وَالْعَالَمِينَ: جمع عالم والعالم جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، لأنهم مكلفون بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١] وَقَالَ قَتَادَةُ ومجاهد والحسن: جميع المخلوقين، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ - قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] [قوله تعالى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] [٤] قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ [الفاتحة: ٤] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " مَلِكِ " قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ، وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ، يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا، وَقِيلَ: الْمَالِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ، وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ والشر جميعًا، كما يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: الدِّينُ الْقَهْرُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ، أَيْ: قَهَرَتْهُ فَذَلَّ، وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ، أَيْ: يَوْمَ الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] [قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين] [٥] قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥] إِيَّا كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إلى المضمر. قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أَيْ: نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وعلى جميع أمورنا. [قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] [٦] قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] اهْدِنَا: أَرْشِدْنَا، وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، أَيْ: دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ، بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أهل السنة. ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] وصراط قرئ بالسين وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ الصَّادُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: قال ابن عباس وجابر: هُوَ

стр. 9

الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَقَالَ ابن مسعود: هُوَ الْقُرْآنُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ " (١) . وقال سعيد بن جبير: طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الواضح. [قوله تعالى صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ] عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [٧] ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ من النبيين والمؤمنين. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ قَبْلَ أن يغيروا دينهم، وقال عبد الرحمن: هم النبي وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هم الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وقال عبد الرحمن بن زيدان: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بيته. قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يعني: غير صراط الذين غضبت عليهم. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أَيْ: وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هلك وغاب، و " غير " ههنا بِمَعْنَى لَا، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ، وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٠] وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٧] وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِالْبِدْعَةِ وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ " آمِين "، مفصولاً عن الفاتحة بسكتة، وهو مخفف ويجوز مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ واستجب. [فصل في فضل فاتحة الكتاب] فصل في فضل فاتحة الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي آتَانِي اللَّهُ » ، هَذَا حديث حسن صحيح (٢) . وعن ابن عباس قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعنده جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فوقه، فرفع جبريل بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لن تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» ، صحيح (٣) . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غير تمام» . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اقرؤوا يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ العبد:

стр. 10

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] يقول اللَّهُ : هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] يَقُولُ اللَّهُ: (فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سأل) » ، صحيح (١) . [سورة البقرة] [قوله تعالى الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] (٢) سورة البقرة [١] ﴿الم﴾ [البقرة: ١] قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فِي كُلِّ كِتَابٍ سر وسر الله فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ علي: إن لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الكتاب حروف التهجي. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي، فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابن عباس في ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] الْكَافُ مِنْ كَافِي وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ، وقيل في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال: معنى ﴿الم﴾ [البقرة: ١] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى المص أنا الله أعلم وأفصل، ومعنى ﴿الر﴾ [يونس: ١] أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى ﴿المر﴾ [الرعد: ١] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كقولهم: قلت لها قفي فقالت لي قَافْ (٢) أَيْ: وَقَفْتُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هِيَ أَسْمَاءُ الله تعالى مقطعة لو أحسن النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: ﴿المر﴾ [الرعد: ١] و: ﴿حم﴾ [غافر: ١] و: ﴿ن﴾ [القلم: ١] فيكون الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَائِلَ إذا قال قرأت ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص، وَرُوِيَ عَنِ ابن عباس: أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى. [٢] قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وأصل الكتاب الضم والجمع، وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جَمْعُ حرف إلى أحرف. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ من عند الله وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ: لَا ترتابوا فيه. قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: هُوَ هُدًى، أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: هَادِيًا، تقديره، لا ريب فيه فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ، وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ. لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ: للمؤمنين، قال ابن عباس: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ، وأصله الحجز بين شيئين، وَمِنْهُ يُقَالُ: اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ: جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ ما يقصده. فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ حَاجِزًا بينه وبين العذاب وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أو لأنهم هم المنتفعون بِالْهُدَى. [٣] : قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٣] موضع (الذين)

стр. 11

خَفْضٌ؛ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ، يُؤْمِنُونَ يُصَدِّقُونَ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يُوسُفَ: ١٧] أَيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَسُمِّيَ الْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ إِيمَانًا لِوَجْهٍ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ فَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْدِيقٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ في الباطن ويكون مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ في الظاهر، والإيمان مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمَانِ فَسُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْعِبَادَ مِنْ عَذَابِهِ. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ما كان مغيبًا من الْعُيُونِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ ههنا كُلُّ مَا أُمِرْتَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فيما غاب عن بصرك من الْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ والميزان، وقيل: الغيب ههنا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ وقال الحسن: الآخرة، وقال ابن جريج: الوحي. قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] أَيْ: يُدِيمُونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا بِحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا، يُقَالُ: قَامَ بِالْأَمْرِ وَأَقَامَ الْأَمْرَ إِذَا أتى به معطيًا حقوقه، أو المراد بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الواحد. وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ، وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقُعُودٍ وَدُعَاءٍ وَثَنَاءٍ. قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٣] أَيْ: أَعْطَيْنَاهُمْ، وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الْحَظُّ والنصيب. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] يَتَصَدَّقُونَ، قَالَ قَتَادَةُ: يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ: الإخراج عن اليد والملك، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مشركي العرب. [٤] قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] يَعْنِي: الْقُرْآنَ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] من التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أهل الكتب. قوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٤] أي: بالدار الآخرة، سميت الدنيا: دنيا لدنوها من الآخرة، وسميت الآخرة: آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] أي: يستيقنون أنها كائنة، مِنَ الْإِيقَانِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَقِيلَ: الْإِيقَانُ وَالْيَقِينُ عِلْمٌ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ مُوقِنًا وَلَا عِلْمُهُ يَقِينًا إِذْ لَيْسَ عِلْمُهُ عن استدلال. [٥] قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥] أي: أهل هذه الصفة ﴿عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] أَيْ: رُشْدٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] النَّاجُونَ وَالْفَائِزُونَ فَازُوا

стр. 12

بِالْجَنَّةِ وَنَجَوْا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ الْفَلَاحُ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ، أَيْ بَاقُونَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَأَصْلُ الْفَلَاحِ: القطع والشق، ومنه سمي الزارع: فلاحًا لأنه يشق الأرض، فهم المقطوع لَهُمْ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ] أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [٦] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْيَهُودَ، وَالْكُفْرُ هُوَ الْجُحُودُ، وأصله: من السَّتْرُ وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ بِظُلْمَتِهِ، وَسُمِّي الزارع كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْحَبَّ بِالتُّرَابِ، فالكافر يَسْتُرُ الْحَقَّ بِجُحُودِهِ، وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جَحُودٍ، وَكُفْرُ عِنَادٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ، فكفر الإنكار هو أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا ولا يعترف به، وكفر بِهِ، وَكُفْرُ الْجَحُودِ هُوَ أَنْ يعرف الله بقلبه ولا يعترف بِلِسَانِهِ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ الْيَهُودِ، وَكُفْرُ الْعِنَادِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنَّ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْتَقِدَ بِالْقَلْبِ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُغْفَرُ لَهُ. قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] متساو لديهم ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] خَوَّفْتَهُمْ وَحَذَّرْتَهُمْ، وَالْإِنْذَارُ: إِعْلَامٌ مَعَ تخويف وتحذير، فكل مُنْذِرٍ مُعَلِّمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُعَلِّمٍ منذرًا. ﴿أَمْ﴾ [البقرة: ٦] حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، ﴿لَمْ﴾ [البقرة: ٦] حرف جزم لا يلي إِلَّا الْفِعْلَ، لِأَنَّ الْجَزْمَ يَخْتَصُّ بالأفعال. ﴿تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي أَقْوَامٍ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشَّقَاوَةِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ فَقَالَ: [٧] ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧] أي: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَلَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْهَمُهُ، وَحَقِيقَةُ الْخَتْمِ: الِاسْتِيثَاقُ مِنَ الشَّيْءِ كَيْلَا يَدْخُلَهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجَ عَنْهُ مَا فِيهِ، وَمِنْهُ الْخَتْمُ عَلَى الْبَابِ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: أَيْ حَكَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ لِمَا سَبَقَ مِنْ علمه الأول فِيهِمْ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ عَلَامَةً تَعْرِفُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا، ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] أَيْ: عَلَى مَوْضِعِ سَمْعِهِمْ فَلَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَأَرَادَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ كَمَا قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَإِنَّمَا وَحَّدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يجمع. ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ، غِشَاوَةٌ أَيْ: غطاء فلا يرون الحق. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ الدَّائِمُ فِي الْعُقْبَى، وَالْعَذَابُ: كُلُّ مَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَذَابُ مَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ مُرَادِهِ، وَمِنْهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ. [٨] قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] نزلت في المنافقين وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّاسُ:

стр. 13

جمع إنسان، وسمي بِهِ لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وَقِيلَ: لِظُهُورِهِ مِنْ قولهم أَيْ أَبْصَرْتُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ به. ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] أَيْ: بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] [٩] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] أي: يخالفون الله، وأصل الخداع فِي اللُّغَةِ الْإِخْفَاءُ، وَمِنْهُ الْمَخْدَعُ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُخْفَى فِيهِ الْمَتَاعُ، فَالْمُخَادِعُ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ. وقيل: أصل الخداع: الْفَسَادُ، مَعْنَاهُ: يُفْسِدُونَ مَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا أَضْمَرُوا مِنَ الكفر ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] أَيْ وَيُخَادِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ إِذَا رَأَوْهُمْ آمَنَّا وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] لِأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ لأن الله يُطْلِعُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُفْتَضَحُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَوْجِبُونَ الْعِقَابَ فِي الْعُقْبَى، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ يَعُودُ عليهم. [١٠] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] شَكٌّ وَنِفَاقٌ، وَأَصْلُ الْمَرَضِ الضَّعْفُ، سمي الشك في الدنيا مَرَضًا لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الدِّينَ كَالْمَرَضِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] لِأَنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ تَنْزِلُ تَتْرَى آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كُلَّمَا كَفَرُوا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] مُؤْلِمٌ يَخْلُصُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] مَا لِلْمَصْدَرِ، أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ اللَّهَ ورسوله في السر. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا] إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [١١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ١١] يَعْنِي: لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ، أَيْ: قَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١] بِالْكُفْرِ وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْفُرُوا، وَالْكُفْرُ أَشَدُّ فَسَادًا فِي الدِّينِ، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] يقول هَذَا الْقَوْلَ كَذِبًا كَقَوْلِهِمْ آمَنَّا وهم كاذبون. [١٢] ﴿أَلَا﴾ [البقرة: ١٢] كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ يُنَبَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبُ، ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَالنَّاسَ بِالتَّعْوِيقِ عَنِ الإيمان، ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ، لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِبِطَانِ الْكُفْرِ صَلَاحٌ، وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [١٣] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ١٣] أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: كَمَا آمَنَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] أَيِ: الْجُهَّالُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ النِّفَاقُ مَعَ الْمُجَاهَرَةِ. بِقَوْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ؟ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] أنهم كذلك، والسفيه خَفِيفُ الْعَقْلِ رَقِيقُ الْحِلْمِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ: رَقِيقٌ، وَقِيلَ: السَّفِيهُ: الْكَذَّابُ الَّذِي يَتَعَمَّدُ بخلاف ما يعلم. [١٤] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ إِذَا لَقُوا المهاجرين والأنصار: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] كإيمانكم ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ [البقرة: ١٤] رَجَعُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الخلوة، و ﴿إِلَى﴾ [البقرة: ١٤] بِمَعْنَى: الْبَاءِ أَيْ: بِشَيَاطِينِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢] أَيْ: مَعَ أموالكم ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] أي: رؤسائهم وكهنتهم، وَلَا يَكُونُ كَاهِنٌ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ تَابِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ: الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ الْبُعْدُ، يُقَالُ: بِئْرٌ شُطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةُ الْعُمْقِ، سُمِّيَ الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا لِامْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ وَبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ والمشركين، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِمَا نُظهر مِنَ الْإِسْلَامِ.

стр. 14

[١٥] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥] يَتْرُكُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ، وَالْمَدُّ وَالْإِمْدَادُ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ كثيرًا مَا يَأْتِي فِي الشَّرِّ، وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدِّ ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٩] وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦] ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ [الطُّورِ: ٢٢] ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] أي: في ضلالتهم، وأصل الطغيان: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ: طَغَى الْمَاءُ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرِينَ. [قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى] فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] بالإيمان ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] أي: استبدلوا الكفر، أَيْ: مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] مِنَ الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: مُصِيبِينَ فِي تجارتهم. [١٧] ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] شَبَهُهُمْ، وَقِيلَ: صِفَتُهُمْ، وَالْمَثَلُ قَوْلٌ سَائِرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُعْرَفُ به منه الشَّيْءِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ السبعة، ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾ [البقرة: ١٧] يَعْنِي الَّذِينَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] أوقد نارًا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ [البقرة: ١٧] النار ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] أي: حول المستوقد ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: مَثَلُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي مَفَازَةٍ فَاسْتَدْفَأَ وَرَأَى مَا حَوْلَهُ فَاتَّقَى مِمَّا يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ أمِنُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنَاكَحُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَوَارَثُوهُمْ وَقَاسَمُوهُمُ الْغَنَائِمَ، فَذَلِكَ نُورُهُمْ، فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ وَالْخَوْفِ، وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ فِي الْقَبْرِ، وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ بِإِظْهَارِ عَقِيدَتِهِمْ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبَ النَّارَ مَثَلًا، ثُمَّ لم يقل: أطفأ الله نورهم لَكِنْ عَبَّرَ بِإِذْهَابِ النُّورِ عَنْهُ، لأن النار نُورٌ وَحَرَارَةٌ فَيَذْهَبُ نُورُهُمْ وَتَبْقَى الْحَرَارَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِضَاءَةُ النَّارِ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْهُدَى، وَذَهَابُ نُورِهِمْ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ والضلالة، وقال عطاء: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَانْتِظَارِهِمْ خُرُوجَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ. ثُمَّ وصفهم الله فقال: [١٨] ﴿صُمٌّ﴾ [البقرة: ١٨] أَيْ: هُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقْبَلُونَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلُوا فكأنهم لم يسمعوا، ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] خُرْسٌ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقُولُونَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَبْطَنُوا خِلَافَ مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بالحق، ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أَيْ: لَا بَصَائِرَ لَهُمْ، وَمَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ كَمَنْ لَا بَصَرَ لَهُ، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] عَنِ الضَّلَالَةِ إِلَى الْحَقِّ. [١٩] ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] أَيْ: كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ، وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ، بمعنى: إِنْ شِئْتَ مَثِّلْهُمْ بِالْمُسْتَوْقَدِ، وَإِنْ شئت بأهل الصيب، وَالصَّيِّبُ: الْمَطَرُ وَكُلُّ مَا نَزَلْ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ فَهُوَ صَيِّبٌ، فَعِيلٌ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، أي: نزل ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] أي: من السحاب، وقيل: هِيَ السَّمَاءُ بِعَيْنِهَا، وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. ﴿فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩] أَيْ: فِي الصَّيِّبِ، وَقِيلَ: فِي السماء، أي: في السحاب ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩] جمع ظلمة ﴿وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: ١٩] وهو الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحَابِ، ﴿وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] وهو النار التي تخرج منه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي يَمُوتُ مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيُقَالُ لِكُلِّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ: صاعقة. قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] أَيْ: مَخَافَةَ الْهَلَاكِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] أَيْ: عَالِمٌ بِهِمْ، وَقِيلَ: جَامِعُهُمْ، قال مُجَاهِدٌ: يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ، وَقَيْلَ: مُهْلِكُهُمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى. ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يُوسُفَ: ٦٦] أَيْ تُهْلَكُوا جميعًا.

стр. 15

[٢٠] ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠] أَيْ: يَقْرُبُ، يُقَالُ: كَادَ يَفْعَلُ إِذَا قَرُبَ وَلَمْ يَفْعَلْ، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] يَخْتَلِسُهَا، وَالْخَطْفُ اسْتِلَابٌ بِسُرْعَةٍ ﴿كُلَّمَا﴾ [البقرة: ٢٠] مَتَى مَا، ﴿أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] أَيْ: وَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَاللَّهُ تَعَالَى شَبَّهَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِقَوْمٍ كانوا في مفازة وسواد فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ ظُلُمَاتٌ، مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ السَّارِيَ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهَا، وَرَعْدٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَضُمَّ السَّامِعُونَ أَصَابِعَهُمْ إِلَى آذَانِهِمْ مِنْ هَوْلِهِ، وَبَرْقٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ أَنْ يَخْطِفَ أَبْصَارَهُمْ وَيُعْمِيَهَا مِنْ شِدَّةِ تَوَقُّدِهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ، وَصَنِيعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَهُ، فَالْمَطَرُ: الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ حَيَاةُ الْجِنَانِ كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالرَّعْدُ مَا خُوِّفُوا بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَذِكْرِ النَّارِ، وَالْبَرْقُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ والوعد، وذكر الجنة، فالكافرون يَسُدُّونَ آذَانَهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ مَيْلِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَالْكُفْرُ مَوْتٌ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ أَيِ: الْقُرْآنُ يَبْهَرُ قُلُوبَهُمْ. وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَالْمَطَرُ: الْإِسْلَامُ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ، وَالرَّعْدُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَرْقُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ، ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْإِسْلَامِ بَلَاءً وَشِدَّةً هَرَبُوا حَذَرًا مِنَ الْهَلَاكِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: جَامِعُهُمْ، يَعْنِي: لَا يَنْفَعُهُمْ هَرَبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠] يَعْنِي: دَلَائِلَ الْإِسْلَامِ تُزْعِجُهُمْ إِلَى النَّظَرِ لَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ آمَنُوا فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلَّمَا نَالُوا غَنِيمَةً وَرَاحَةً فِي الْإِسْلَامِ ثَبَتُوا وَقَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي: رَأَوْا شِدَّةً وَبَلَاءً تَأَخَّرُوا وَقَامُوا، أَيْ: وقفوا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أي: بأسماعهم ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] الظَّاهِرَةِ، كَمَا ذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمُ الْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ: لَذَهَبَ بِمَا اسْتَفَادُوا مِنَ الْعِزِّ وَالْأَمَانِ الَّذِي لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] قادر. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ] وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [٢١] قَوْلُهُ تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] قال ابن عباس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: خِطَابُ أَهَّلِ مَكَّةَ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب أهل المدينة، وهو ههنا عَامٌّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الصِّغَارُ وَالْمَجَانِينُ ﴿اعْبُدُوا﴾ [البقرة: ٢١] وحدوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ، ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] وَالْخَلْقُ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أَيْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] لِكَيْ تَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ،

стр. 16

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُونُوا عَلَى رَجَاءِ التَّقْوَى بِأَنْ تَصِيرُوا فِي سَتْرٍ وَوِقَايَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِكُمْ يَفْعَلُ مَا يشاء. [٢٢] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢] أَيْ بِسَاطًا، وَقِيلَ: مَنَامًا، وَقِيلَ: وِطَاءً، أَيْ: ذَلَّلَهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَزْنَةً لَا يُمْكِنُ الْقَرَارُ عَلَيْهَا، والجعل ههنا بمعنى: الخلق، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] سقفًا مرفوعًا، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٢] أي: من السحاب، ﴿مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] وهو الْمَطَرَ، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢] من أَلْوَانَ الثَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ، ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] طَعَامًا لَكُمْ وَعَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] أَيْ: أَمْثَالًا تَعْبُدُونَهُمْ كَعِبَادَةِ اللَّهِ، وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: النِّدُّ الضِّدُّ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنَ الْمِثْلِ وَالضِّدِّ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أَنَّهُ وَاحِدٌ خَالِقُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. [٢٣] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ شاكون ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: القرآن، ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] محمد، ﴿فَأْتُوا﴾ [البقرة: ٢٣] أمر تعجيز، ﴿بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] وَالسُّورَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَعْلُومَةُ الأول والآخر. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: مِثْلِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ: صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النُّورِ: ٣٠] وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي مَثَلِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَعْنِي: مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُمِّيٌّ لَا يُحْسِنُ الخط والكتابة، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَاسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تقوَّلَه مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا تَحَدَّاهُمْ عَجَزُوا، فَقَالَ: [٢٤] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فيما مضى ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] أَبَدًا فِيمَا بَقِيَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْإِعْجَازِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كان معجزة النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] أَيْ: فَآمِنُوا وَاتَّقُوا بِالْإِيمَانِ النَّارَ، ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ التهابًا، وقيل: جمع الحجارة، وهو دليل على عظم تِلْكَ النَّارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَصْنَامَ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْنَامِهِمْ كَانَتْ مَنْحُوتَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] ﴿أُعِدَّتْ﴾ [البقرة: ٢٤] هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] [٢٥] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] أَيْ: أَخْبِرْ، وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي الخير أغلب، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] أَيِ: الْفِعْلَاتِ الصَّالِحَاتِ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ قَالَ مُعَاذٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعِلْمُ وَالنِّيَّةُ وَالصَّبْرُ وَالْإِخْلَاصُ، ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥] جَمْعُ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ، سُمِّيَتْ بِهَا لِاجْتِنَانِهَا وَتَسَتُّرِهَا بِالْأَشْجَارِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنَّةُ مَا فِيهِ النَّخِيلُ، وَالْفِرْدَوْسُ مَا فِيهِ الْكَرْمُ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥] أَيْ: مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا ﴿الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] أَيِ: الْمِيَاهُ فِي الْأَنْهَارِ، لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي، وَقِيلَ: مِنْ تحتها أي: بأمرهم، وَالْأَنْهَارُ جَمْعُ نَهْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لسعته وضيائه، ومنه النهار ﴿كُلَّمَا﴾ [البقرة: ٢٥] متى ما، ﴿رُزِقُوا﴾ [البقرة: ٢٥] أطعموا ﴿مِنْهَا﴾ [البقرة: ٢٥] أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: ثمرة، ومن: صلة. ﴿رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥] طَعَامًا، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] قِيلَ: مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الثِّمَارُ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهَةٌ فِي اللَّوْنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ، فَإِذَا رُزِقُوا ثَمَرَةً بَعْدَ أُخْرَى ظَنُّوا أَنَّهَا الْأُولَى، ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٥] رزقًا ﴿مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: مُتَشَابِهًا فِي الْأَلْوَانِ مُخْتَلِفًا فِي الطُّعُومِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُتَشَابِهًا أَيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْجَوْدَةِ، أَيْ: كُلُّهَا خِيَارٌ لَا رَذَالَةَ فِيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّهَا أَطْيَبُ، وَقِيلَ: مُتَشَابِهًا فِي

стр. 17

الِاسْمِ مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنه: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الجنة إلا الأسامي. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٥] في الجنان ﴿أَزْوَاجٌ﴾ [البقرة: ٢٥] نساء وجوار، يَعْنِي: مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَكُلُّ قذر، وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] دَائِمُونَ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يخرجون منها. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا] بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [٢٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] يذكر شبها، ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] مَا: صِلَةٌ، أَيْ: مَثَلًا بِالْبَعُوضَةِ، وبعوضة: نَصْبُ بَدَلٍ عَنِ الْمَثَلِ، وَالْبَعُوضُ صغار البق، سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] يَعْنِي: الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: فَمَا دُونَهَا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦] بمحمد والقرآن، ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ [البقرة: ٢٦] يعني: المثل هو ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٦] الصِّدْقُ ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] أَيْ: بِهَذَا الْمَثَلِ، فَلَمَّا حَذَفَ الألف واللام نصب عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] من الكفار، وذلك أنهم يكذبون فيزدادون ضلالاً، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ [البقرة: ٢٦] أي بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] من الْمُؤْمِنِينَ فَيُصَدِّقُونَهُ، وَالْإِضْلَالُ هُوَ الصَّرْفُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦] الْكَافِرِينَ، وَأَصْلُ الْفِسْقَ: الْخُرُوجُ، يُقَالُ: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: [٢٧] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] يُخَالِفُونَ وَيَتْرُكُونَ، وَأَصْلُ النَّقْضِ: الْكَسْرُ، ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨١] الْآيَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيُبَيِّنُوا نَعْتَهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] تَوْكِيدِهِ، وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] يَعْنِي: الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ ﵈ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْأَرْحَامَ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧] بِالْمَعَاصِي وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقرآن، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] الْمَغْبُونُونَ. ثُمَّ قَالَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ: [٢٨] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] ؟ بعد نصب الدلائل ووضوح البرهان. ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ فَقَالَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] نُطَفًا

стр. 18

في أصلاب آبائكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] للبعث، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] أَيْ: تُرَدُّونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بأعمالكم. [٢٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] لِكَيْ تَعْتَبِرُوا وَتَسْتَدِلُّوا، وَقِيلَ: لِكَيْ تَنْتَفِعُوا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيِ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] خَلَقَهُنَّ مُسْتَوَيَاتٍ لَا فُطُورَ فِيهَا ولا صدوع، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] [٣٠] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَيْ: وَقَالَ رَبُّكَ وَإِذْ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فهذا سبيله، إذ وَإِذَا: حَرْفَا تَوْقِيتٍ إِلَّا أَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ يوضع أحدهما موضع الآخر. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] جمع ملك، وأراد به الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] أي: بدلا منكم، والمراد بالخليفة ههنا آدم ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] بالمعاصي، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] بغير حق ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] قَالَ الْحَسَنُ: نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده هو صَلَاةُ الْخَلْقِ وَصَلَاةُ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمَا سوى الآدميين ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَيْ: نُثْنِي عَلَيْكَ بِالْقُدْسِ وَالطَّهَارَةِ عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وَقِيلَ: وَنُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لِطَاعَتِكَ، وَقِيلَ: وَنُنَزِّهُكَ، وَاللَّامُ: صِلَةٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ وَالْعُجْبِ بِالْعَمَلِ بَلْ على سبيل التعجب وطلب الْحِكْمَةِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] من الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُطِيعُنِي ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَعْصِينِي وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُذْنِبُونَ وَأَنَا أغفر لهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ] عَلَى الْمَلَائِكَةِ [٣١] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ آدم اللون، فلما خلقه الله عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا وإن كان غيرنا أكرم عليه فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ لِأَنَّا خُلِقْنَا قَبْلَهُ وَرَأَيْنَا مَا لَمْ يَرَهُ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بالعلم، قال ابن عباس: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقَصْعَةِ وَالْقُصَيْعَةِ، وَقِيلَ: اسْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ، وقيل: صنعة كل شيء ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] إنما قال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١] وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا لِأَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ إذا جمعت مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ يُكَنَّى عَنْهَا بِلَفْظِ مَنْ يَعْقِلُ، كَمَا يُكَنَّى عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِلَفْظِ الذُّكُورِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ الْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الشُّخُوصَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، فَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الشُّخُوصِ، فَلِذَلِكَ قَالَ عَرَضَهُمْ ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة: ٣١] أَخْبَرُونِي ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا إِلَّا وَكُنْتُمْ أَفْضَلَ وَأَعْلَمَ مِنْهُ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِقْرَارًا بِالْعَجْزِ: [٣٢] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢] تَنْزِيهًا لَكَ، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] معناه: إنك أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] بخلقك ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فِي أَمْرِكَ، وَالْحَكِيمُ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي الْعَدْلُ، وَالثَّانِي الْمُحْكِمُ لِلْأَمْرِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَأَصْلُ الْحِكْمَةِ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ فَهِيَ تَمْنَعُ صاحبها من الباطل. فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ. [٣٣] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أَخْبِرْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَسَمَّى آدَمُ كُلَّ شيء وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَ، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ﴾ [البقرة: ٣٣]

стр. 19

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] يَا مَلَائِكَتِي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] مَا كَانَ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي قَوْلَهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قَوْلَكُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عباس هُوَ: أَنَّ إِبْلِيسَ مَرَّ عَلَى جسد آدم لَا رُوحَ فِيهِ، فَقَالَ: لِأَمْرٍ مَا خُلِقَ هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ فِي فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَاسَكُ لِأَنَّهُ أَجْوَفُ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ فُضِّلَ هَذَا عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَاذَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: نُطِيعُ أَمْرَ رَبِّنَا، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ وَلَئِنْ سُلِّطَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يَعْنِي مَا تُبْدِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الطاعة، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يعني إبليس من المعصية. [٣٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] اختلفوا في هذا الخطاب مع الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٣٠] وقوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَصَحُّ أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وامتثال أَمْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وَتَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، كَسُجُودِ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ إِنَّمَا كَانَ انحناء فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] أَيْ: إِلَى آدَمَ فَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً وَالسُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جُعِلَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ لله ، ﴿فَسَجَدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] يعني: الملائكة، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِثُ، فَلَمَّا عَصَى غُيِّرَ اسْمُهُ وَصُورَتُهُ، فَقِيلَ: إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ أَبْلَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: يَئِسَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عباس وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] فَهُوَ أَصْلُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَلِأَنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ خِطَابَ السُّجُودِ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ: إِنَّ فِرْقَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ سُمُّوا جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْأَعْيُنِ، وَإِبْلِيسُ كان منهم. قوله: ﴿أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] أَيِ: امْتَنَعَ فَلَمْ يَسْجُدْ، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] أَيْ: تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، ﴿وَكَانَ﴾ [البقرة: ٣٤] أي: وصار ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ:

стр. 20

وَكَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ وَجَبَتْ لَهُمُ الشقاوة. قَوْلُهُ تَعَالَى: [٣٥] ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] واسعًا كثيرًا، ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] كَيْفَ شِئْتُمَا وَمَتَى شِئْتُمَا وَأَيْنَ شِئْتُمَا، ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] يعني: بالأكل، قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَعَ النَّهْيُ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الشَّجَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: على شجرة مخصوصة ﴿فَتَكُونَا﴾ [البقرة: ٣٥] فتصيرا ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي: الضارين أنفسكما بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ في غير موضعه. [قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا] كَانَا فِيهِ [٣٦] ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [البقرة: ٣٦] استزل ﴿الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] آدَمَ وَحَوَّاءَ، أَيْ: دَعَاهُمَا إِلَى الزلة ﴿عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] عَنِ الْجَنَّةِ ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] من النعيم ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، يَعْنِي: آدَمَ وحواء وإبليس والحية ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَالْحَيَّةِ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذرية آدم وبين إبليس، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] موضع قرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦] بلغة ومستمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] إلى انقضاء آجالكم. [٣٧] ﴿فَتَلَقَّى﴾ [البقرة: ٣٧] التلقي: هُوَ قَبُولٌ عَنْ فِطْنَةٍ وَفَهْمٍ، وَقِيلَ: هُوَ التَّعَلُّمُ، ﴿آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] اختلفوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هِيَ قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: هو قَوْلُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أنت الغفور الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هِيَ أَنَّ آدَمَ قَالَ: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ مَا أَتَيْتُ، أَشَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أَمْ شَيْءٌ قدرتَه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لا بل شيء قدرته عليكم قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَكَمَا قَدَّرْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي فَاغْفِرْ لِي، وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْحَيَاءُ وَالدُّعَاءُ وَالْبُكَاءُ. قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ [البقرة: ٣٧] يقبل توبة عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] بخلقه. [٣٨] قوله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ وَقِيلَ الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدنيا، والهبوط الثاني مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] أَيْ فَإِنْ يَأْتِكُمْ يَا ذُرِّيَّةَ آدم ﴿مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانُ شَرِيعَةٍ، وَقِيلَ: كِتَابٌ وَرَسُولٌ، ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] فيما يستقبلهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] عَلَى مَا خَلَّفُوا، وَقِيلَ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي الْآخِرَةِ. [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٣٩] جحدوا ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩] بالقرآن ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٣٩] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا. [٤٠] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] يَا أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، وَمَعْنَى إِسْرَائِيلَ: عبد الله ﴿اذْكُرُوا﴾ [البقرة: ٤٠] احْفَظُوا، وَالذِّكْرُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشُّكْرَ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الذِّكْرِ، لِأَنَّ فِي الشُّكْرِ ذِكْرًا وَفِي الْكُفْرَانِ نِسْيَانًا، قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا، ﴿نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] أَيْ: نِعَمِي، لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جمع ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أَيْ: عَلَى أَجْدَادِكُمْ وَأَسْلَافِكُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النِّعَمُ الَّتِي خُصَّتْ بها بنو إسرائيل: فلق البحر، وإنجاؤهم مِنْ فِرْعَوْنَ بِإِغْرَاقِهِ، وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ، وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنْزَالِ التَّوْرَاةِ، فِي نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ النِّعَمِ الَّتِي لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] بامتثال أمري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] بالقبول والثواب ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] فخافوني في نقض العهد. [قوله تعالى وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ] وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [٤١] ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] أي: موافقًا لما معكم من التَّوْرَاةَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْأَخْبَارِ وَنَعْتِ النَّبِيِّ

стр. 21

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] أَيْ: بِالْقُرْآنِ، يُرِيدُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَفَرَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ بِمَكَّةَ، مَعْنَاهُ وَلَا تَكُونُوا أول من كفر بالقرآن فتتابعكم الْيَهُودُ عَلَى ذَلِكَ فَتَبُوءُوا بِآثَامِكُمْ وآثامهم، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [البقرة: ٤١] أي ولا تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ [البقرة: ٤١] بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] أي: عوضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ وَعُلَمَاءَهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مأكلة يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ يَأْخُذُونَ كل عام منهم شيئًا معروفًا مِنْ زُرُوعِهِمْ وَضُرُوعِهِمْ وَنُقُودِهِمْ، فَخَافُوا أنهم إن بَيَّنُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَابَعُوهُ أَنْ تَفُوتَهُمْ تلك المأكلة، فَغَيَّرُوا نَعْتَهُ وَكَتَمُوا اسْمَهُ، فَاخْتَارُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] فَاخْشَوْنِي. [٤٢] ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] أي لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْبَاطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيكُمْ مِنْ تَغْيِيرِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَا تَلْبِسُوا الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْيَهُودَ أَقَرُّوا بِبَعْضِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَتَمُوا بَعْضًا لِيُصَدَّقُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الذي تغيرون بِالْبَاطِلِ، يَعْنِي: بِمَا تَكْتُمُونَهُ، فَالْحَقُّ بَيَانُهُمْ وَالْبَاطِلُ كِتْمَانُهُمْ، ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] أَيْ: لَا تَكْتُمُوهُ، يَعْنِي: نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. [٤٣] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أدوا زكاة أموالكم المفروضة، فهي مأخوذة من زكاة الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَكَثُرَ، وَقِيلَ: مِنْ تَزَكَّى، أَيْ تَطَهَّرَ، وَكِلَا المعنيين موجودان في الزكاة لأن فيها تطهير أو تنمية للمال، ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أَيْ صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وذكر بلفظ الركوع لأن الركوع رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ركوع، وكأنه قَالَ صَلُّوا صَلَاةً ذَاتَ رُكُوعٍ، قيل: وإعادته بعد قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لِهَذَا، أَيْ: صَلُّوا مَعَ الَّذِينَ في صلواتهم رُكُوعٌ، فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ، وَقِيلَ: هَذَا حَثٌّ عَلَى إقام الصَّلَاةِ جَمَاعَةً كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: صلوا مع المصلين الذين سبقوهم بالإيمان. [٤٤] ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] أَيْ: بِالطَّاعَةِ، نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ وَحَلِيفِهِ مِنَ المؤمنين إِذَا سَأَلَهُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ : اثْبُتْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِأَحْبَارِهِمْ حَيْثُ أَمَرُوا أَتْبَاعَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَالَفُوا وَغَيَّرُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] أَيْ: تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ فَلَا تَتَّبِعُونَهُ، ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤] تَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ فِيهَا نَعْتُهُ وَصَفْتُهُ، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] أنه

стр. 22

حَقٌّ فتتبعون، وَالْعَقْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِقَالِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ رُكْبَةُ البعير فيمنعه عن الشُّرُودِ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ من الكفر والجحود. [٤٥] ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ [البقرة: ٤٥] عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُكُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَقِيلَ: عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ، ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أَرَادَ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وقيل: أراد بالصبر: الصَّبْرَ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةَ تُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى " عَلَى " أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: ٤٥] ولم يقل وإنهما، رد الكناية إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَيْ وإن كل خصلة مِنْهُمَا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَإِنَّهُ لِكَبِيرٌ، وَبِالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لِكَبِيرَةٌ، فحذف أحدهما اختصارًا، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] أَيْ: لِثَقِيلَةٌ ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخَائِفِينَ، وَقِيلَ: الْمُطِيعِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُتَوَاضِعِينَ، وَأَصْلُ الْخُشُوعِ: السُّكُونُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] فَالْخَاشِعُ سَاكِنٌ إِلَى طاعة الله تعالى. [قوله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ] إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [٤٦] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٤٦] يستيقنون، فالظن مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ شَكًّا وَيَقِينًا، كالرجاء يكون أمنًا وخوفًا. ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو﴾ [البقرة: ٤٦] معاينوا ﴿رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ اللِّقَاءِ الصَّيْرُورَةُ إِلَيْهِ، ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. [٤٧] ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] أَيْ: عَالَمِي زَمَانِكُمْ، وَذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْآبَاءِ ولكن يحصل به الشرف في حق الأبناء. [٤٨] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨] وَاخْشَوْا عِقَابَ يَوْمٍ، ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] لَا تَقْضِي نَفْسٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أَيْ: حَقًّا لَزِمَهَا، وَقِيلَ لَا تُغْنِي، وَقِيلَ لَا تَكْفِي شَيْئًا مِنَ الشَّدَائِدِ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أي فداء، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. [٤٩] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] أي أَسْلَافَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ فَاعْتَدَّهَا مِنَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِنَجَاتِهِمْ، ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] أَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ، وكان من القبط ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] يكلفونكم ويذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩] أَشَدَّ الْعَذَابِ وَأَسْوَأَهُ، وَقِيلَ: يَصْرِفُونَكُمْ في العذاب مرة هَكَذَا كَالْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا، وَصَنَّفَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ، وَصِنْفٌ يَخْدِمُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَلٍ وَضَعَ عليه الجزية، وقيل: تفسير قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩] ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] فهو مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] يَتْرُكُونَهُنَّ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَتْ بِمِصْرَ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ قِبْطِيٍّ فِيهَا، ولم يتعرض لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَالَهُ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْكَهَنَةَ عَنْ رُؤْيَاهُ فَقَالُوا: يُولَدُ ولد فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ غُلَامٌ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ كُلِّ غُلَامٍ يولد في بني إسرائيل ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] قِيلَ: الْبَلَاءُ: الْمِحْنَةُ، أَيْ: فِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقِيلَ: الْبَلَاءُ: النِّعْمَةُ، أَيْ فِي إِنْجَائِي إِيَّاكُمْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْبَلَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَبِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَخْتَبِرُ عَلَى النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، وَعَلَى الشدة بالصبر، قال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٥] [٥٠] ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] قِيلَ: مَعْنَاهُ فَرَقْنَا

стр. 23

لَكُمْ، وَقِيلَ: فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ، وَسُمِّيَ الْبَحْرُ بَحْرًا لِاتِّسَاعِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: بَحْرٌ إِذَا اتَّسَعَ فِي جَرْيِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَنَا هَلَاكُ فِرْعَوْنَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى ﵇ أن يسير بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لَيْلًا وَخَرَجَ مُوسَى ﵇ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ لَا يَعُدُّونَ ابْنَ الْعِشْرِينَ لِصِغَرِهِ وَلَا ابْنَ السِّتِّينَ لِكِبَرِهِ، وَكَانُوا يَوْمَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رجل وامرأة، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ بَنِي إسرائيل، وعلى مقدمة عسكره هامان في أَلْفِ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ سوى سائر الشيات فَسَارَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى وَصَلُوا إلى البحر ونظروا فَإِذَا هُمْ بِفِرْعَوْنَ حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَصْنَعُ وَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا؟ هَذَا فِرْعَوْنُ خَلْفَنَا إِنْ أَدْرَكَنَا قَتَلَنَا وَالْبَحْرُ أَمَامَنَا إِنْ دَخَلْنَاهُ غَرِقْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٦١ - ٦٢] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فضربه وَظَهَرَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا لكل سبط طريق حَتَّى عَبَرُوا الْبَحْرَ سَالِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٠] مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالْغَرَقِ ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠] وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَا وَصَلَ إلى البحر فرآه منفلقًا خاض البحر فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَحْرَ أَنْ يأخذهم فالتطم وأغرقهم أجمعين، وَذَلِكَ بِمَرْأًى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] إِلَى مَصَارِعِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى إِهْلَاكِهِمْ. [قوله تعالى وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ] الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ [٥١] : ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥١] اسم عبري عُرّب وهو بالعبرانية الماء والشجر، وسمي بِهِ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ بَيْنِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الشِّينُ الْمُعْجَمَةُ سِينًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] أي: انقضاءها، ثلاثون من ذي الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا أَمِنُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ وَدَخَلُوا مِصْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شَرِيعَةٌ يَنْتَهُونَ إِلَيْهِمَا فَوَعَدَ اللَّهُ موسى ينزل عليهم التَّوْرَاةَ، فَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ لِمِيقَاتِ رَبِّكُمْ آتِيكُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا تَأْتُونَ وَمَا تَذْرُوَنَ، وَوَاعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثَلَاثِينَ من ذي الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ هَارُونَ، فَلَمَّا أَتَى الْوَعْدُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فرس لِيَذْهَبَ بِمُوسَى إِلَى رَبِّهِ، فَلَمَّا رَآهُ السَّامِرِيُّ وَكَانَ رَجُلًا صَائِغًا ورأى موضع قدم الفرس تَخْضر من ذلك، وَكَانَ مُنَافِقًا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ من قوم يعبدون البقر فصاغ لهم عجلًا في ثلاثة أيام فَقَالَ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ موسى، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ أَخْلَفُوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين، فلما مضى عِشْرُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ زِيدَتِ الْعَشَرَةَ فَكَانَتْ

стр. 24

فِتْنَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُونَ وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَرَأَوُا العجل وسمعوا قول السامري، فعكف ثَمَانِيَةُ آلَافِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ، وَقِيلَ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَهَذَا أَصَحُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ وَحْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١] أي: إلهًا ﴿مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] ضَارُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ بِالْمَعْصِيَةِ وَاضِعُونَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. [٥٢] ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢] مَحَوْنَا ذُنُوبَكُمْ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] من بَعْدِ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] لِكَيْ تَشْكُرُوا عَفْوِي عَنْكُمْ وَصَنِيعِي إِلَيْكُمْ، قِيلَ: الشُّكْرُ هُوَ الطَّاعَةُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها. قَوْلُهُ تَعَالَى: [٥٣] ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٥٣] يعني التوراة، ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التَّوْرَاةُ أَيْضًا ذكرها باسمين، قال الْكِسَائِيُّ: الْفُرْقَانُ نَعْتُ الْكِتَابِ، وَالْوَاوُ زائدة، يعني الكتاب الفرقان، أي: الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَالَ يمان بن ريان: أَرَادَ بِالْفُرْقَانِ انْفِرَاقَ الْبَحْرِ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٠] ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] بِالتَّوْرَاةِ. [٥٤] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٥٤] الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ضررتم بأنفسكم: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] إِلَهًا قَالُوا: فَأَيُّ شَيْءٍ نَصْنَعُ؟ قال: ﴿فَتُوبُوا﴾ [البقرة: ٥٤] فارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] خَالِقِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَتُوبُ؟ قَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] يَعْنِي: لِيَقْتُلِ الْبَرِيءُ مِنْكُمُ الْمُجْرِمَ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أَيِ: الْقَتْلُ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْقَتْلِ، قَالُوا: نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ محتبين، وقيل لهم: من حل حَبَوْتَهُ أَوْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَى قَاتِلِهِ أَوِ اتَّقَاهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَلْعُونٌ مَرْدُودَةٌ تَوْبَتُهُ، وأصلت القوم عليهم الخناجر، وكان الرَّجُلُ يَرَى ابْنَهُ وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ وَقَرِيبَهُ وَصَدِيقَهُ وَجَارَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُضِيُّ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَفْعَلُ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً وَسَحَابَةً سَوْدَاءَ لَا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَانُوا يَقْتُلُونَهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلُ دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ ﵉ وَبَكَيَا وَتَضَرَّعَا وَقَالَا: يَا رَبُّ هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى السَّحَابَةَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ القتل، فكشف عن ألوف من القتلى فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهِيدًا ومن بقي مكفر عَنْهُ ذُنُوبُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أَيْ: فَفَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ [البقرة: ٥٤] القابل للتوبة، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] بهم. [٥٥] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى ﵇ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قومه من خيارهم فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، وَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَأَسْمَعَهُمُ اللَّهُ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، فلما فرغ موسى أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً مُعَايَنَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ رُؤْيَةً، فَقَالَ: جَهْرَةً لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ العيان، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] أَيِ: الْمَوْتُ، وَقِيلَ: نَارٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] أي: ينظر بعضكم لبعض حِينِ أَخَذَكُمُ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: تَعْلَمُونَ، وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَلَمَّا هَلَكُوا جَعَلَ مُوسَى يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ وَيَقُولُ: مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إذا أتيتهم وقد هلك خِيَارَهُمْ؟ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء منا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُ رَبَّهُ حَتَّى أحياهم الله تعالى رجلًا رجلًا، بعدما مَاتُوا يَوْمًا

стр. 25

وَلَيْلَةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يُحْيَوْنَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [٥٦] ، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] أَحْيَيْنَاكُمْ, وَالْبَعْثُ: إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ مَحَلِّهِ، يُقَالُ: بَعَثْتُ الْبَعِيرَ وَبَعَثْتُ النَّائِمَ فَانْبَعَثَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَلَوْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ لَمْ يُبعثوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] [قوله تعالى وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [٥٧] ، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] في التيه تقيكم حرَّ الشَّمْسِ والغمامُ مِنَ الْغَمِّ، وَأَصْلُهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، سُمي السَّحَابُ غَمَامًا لِأَنَّهُ يُغطي وَجْهَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي التِّيهِ كُنٌّ يَسْتُرُهُمْ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى غَمَامًا أَبْيَضَ رَقِيقًا أَطْيَبَ مِنْ غَمَامِ الْمَطَرِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ يُضيء لَهُمُ اللَّيْلَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَمَرٌ، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] أي: في التيه، والأكثرون: عن أَنَّ الْمَنَّ هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَيْءٌ كَالصَّمْغِ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ طَعْمُهُ كَالشَّهْدِ، وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ، قال الزجاج: جملة المنّ من يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تعب ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ٥٧] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة: ٥٧] حلالات، ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وَلَا تَدَّخِرُوا لغدٍ، فَفَعَلُوا فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، ودوَّد وَفَسَدَ مَا ادَّخَرُوا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] أَيْ: وَمَا بَخَسُوا بِحَقِّنَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِاسْتِيجَابِهِمْ عَذَابِي، وَقَطْعِ مَادَّةِ الرِّزْقِ الَّذِي كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِلَا مُؤْنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا حِسَابٍ فِي الْعُقْبَى. [٥٨] ، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَهْلَهَا، وَمِنْهُ الْمِقْرَاةُ لِلْحَوْضِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هِيَ أَرِيحَاءُ وَقِيلَ: بَلْقَاءُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرَّمْلَةُ وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِيلِيَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الشَّامُ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] موسعًا عليكم ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [البقرة: ٥٨] يَعْنِي: بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] أَيْ: رُكّعًا خُضَّعًا مُنْحَنِينَ، وَقَالَ وَهْبٌ: فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا شُكْرًا لله تعالى، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] قَالَ قَتَادَةُ: حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، أمروا بالاستغفار، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لأنها تحط الذنوب ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] مِنَ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ، فَالْمَغْفِرَةُ: تستر الذنوب ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨] ثوابًا من فضلنا. [٥٩] ﴿فَبَدَّلَ﴾ [البقرة: ٥٩] فغير ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] أَنْفُسَهُمْ، وَقَالُوا: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا قَوْلَ الْحِطَّةِ بالحنطة استخفافًا بأمر الله تعالى ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَاعُونًا فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] يَعْصُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تعالى. [قوله تَعَالَى وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب] بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [٦٠] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ [البقرة: ٦٠] طلب السقيا ﴿لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَطِشُوا فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَفَعَلَ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ [البقرة: ٦٠] وكانت مِنْ آسِ الْجَنَّةِ حَمَلَهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ ﵇، فأعطاها موسى ﵇، قوله تعالى: ﴿الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أنه عرّفه بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ، كَانَ يَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الماء وضعه وضربه بعصاه، قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ:

стр. 26

فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ، ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ، لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا مِنْ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] والعثي، أَشَدُّ الْفَسَادِ، يُقَالُ: عَثَى يَعْثِي عثيًا، وعثا يعثوا عثوًا، وعاث يعيث عيثًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: [٦١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الواحد بلفظ الاثنين وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فكانا كطعام واحد ﴿فَادْعُ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١] فسل لِأَجْلِنَا ﴿رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١] قال ابن عباس: الفوم الْخُبْزُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحِنْطَةُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤكل كُلُّهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الثوم، ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ [البقرة: ٦١] لَهُمْ مُوسَى ﵇: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١] أخس وأردأ ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] أشرف وأفضل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] يَعْنِي: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَانْزِلُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] من نبات الأرض، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ [البقرة: ٦١] جُعلت عليهم، وألزموا: ﴿الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] والذل والهوان، قيل: بالجزية ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] الْفَقْرُ، سُمي الْفَقِيرُ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُ وَأَقْعَدَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَرَى الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا مَيَاسِيرَ كَأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ، وَقِيلَ: الذِّلَّةُ هِيَ فَقْرُ الْقَلْبِ فَلَا تَرَى فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَذَلَّ وَأَحْرَصَ عَلَى الْمَالِ مِنَ الْيَهُودِ، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] رجعوا، ولا يقال: باءَ إلّا بالشر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: احْتَمَلُوا وَأَقَرُّوا بِهِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ أبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبوءُ بِذَنْبِي، أَيْ: أقر، ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١] أَيِ: الْغَضَبُ، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَآيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ، وَيَكْفُرُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٦١] تَفَرَّدَ نَافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُخْبِرُ، مِنْ أَنْبَأَ يُنبئ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَيْضًا مِنَ الْإِنْبَاءِ تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي: هُوَ بِمَعْنَى الرَّفِيعِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ (النَّبِيِّينَ) عَلَى الْأَصْلِ، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] أي بلا جرم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] يَتَجَاوَزُونَ أَمْرِي وَيَرْتَكِبُونَ مَحَارِمِي.

стр. 27

[٦٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] يَعْنِي: الْيَهُودَ، سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّا هُدنا إِلَيْكَ، أَيْ: مِلْنَا إِلَيْكَ، وَقِيلَ. لِأَنَّهُمْ هَادُوا، أَيْ: تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ دِينِ مُوسَى ﵇ ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] سُموا بِهِ لِقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَقِيلَ: لِاعْتِزَائِهِمْ إِلَى نَصِرَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَ يَنْزِلُهَا عِيسَى ﵇ ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصَّابِينَ وَالصَّابُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ الْخُرُوجُ، يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخر، قال عمر بن الخطاب وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أهل الكتاب، قال عمر: تحل ذبائحهم مثل ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ, وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مناكحتهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قِيلَ: اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى التَّحْقِيقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُمْ طُلَّابُ الدِّينِ، مِثْلَ حَبِيبٍ النَّجَّارِ، وَقُسِّ بْنِ ساعدة، وسلمان الفارسي، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وتابعه، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هَادُوا الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى ﵇ وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ﵇ وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ وَالصَّابِئُونَ زَمَنَ اسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ، مَنْ آمَنَ أَيْ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ بالوفاة، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مُضْمَرًا، أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَذْكُورِينَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَالصَّابِئُونَ بَعْضُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر من هَذِهِ الْأَصْنَافُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢] وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ (مَن) يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢] فِي الدُّنْيَا ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فِي الْآخِرَةِ. [٦٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] عَهْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] وهو الجبل بالسريانية قال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى رؤوسهم، وذلك أن اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ

стр. 28

عَلَى مُوسَى ﵇، فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهَا، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا لِلْآصَارِ والأنفال الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَكَانَتْ شَرِيعَةً ثَقِيلَةً، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ ﵇ فَقَلَعَ جَبَلًا عَلَى قدر عسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مثل قَامَةِ الرَّجُلِ كَالظُّلَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ أَرْسَلْتُ هذا الجبل عليكم ﴿خُذُوا﴾ [البقرة: ٦٣] أَيْ: قُلْنَا لَهُمْ خُذُوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣] أعطيناكم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] بجدّ واجتهاد ومواظبة، ﴿وَاذْكُرُوا﴾ [البقرة: ٦٣] وادرسوا ﴿مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقيل: احفظوا واعملوا ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] لِكَيْ تَنْجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي العُقبى، فَإِنَّ قَبِلْتُمْ وَإِلَّا رَضَخْتُكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ فَلَمَّا رَأَوْا أنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ عَنْهَا قَبِلُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ فَصَارَ سنة في اليهود لا يَسْجُدُونَ إِلَّا عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ وَيَقُولُونَ بِهَذَا السُّجُودِ رُفِعَ الْعَذَابُ عنا. [٦٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] أعرضتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] من بعدما قَبِلْتُمُ التَّوْرَاةَ، ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] يَعْنِي بِالْإِمْهَالِ وَالْإِدْرَاجِ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عنكم، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] لصرتم ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] مِنَ الْمَغْبُونِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَذَهَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الحال كأنه رحمهم بالإمهال. [٦٥] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] أَيْ: جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، قِيلَ: سُمي يَوْمُ السَّبْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ فِيهِ الْخَلْقَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَهُودَ أُمروا فِيهِ بِقَطْعِ الْأَعْمَالِ وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ دَاوُدَ ﵇ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ السَّبْتُ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ فِي البحر إلا اجتمع، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن قعر الْبَحْرِ فَلَا يُرى شَيْءٌ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّمَا نُهيتم عَنْ أَخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَمَدَ رِجَالٌ فَحَفَرُوا الْحِيَاضَ حَوْلَ الْبَحْرِ، وَشَرَّعُوا مِنْهُ إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، فإِذا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْجُمْعَةِ فَتَحُوا تِلْكَ الْأَنْهَارَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ إِلَى الْحِيَاضِ فَلَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْخُرُوجِ لِبُعْدِ عُمْقِهَا وَقِلَّةِ مَائِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَخَذُوهَا، وَقِيلَ: كَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَى الْحِيَاضِ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَأْخُذُونَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ كَانُوا يَنْصِبُونَ الْحَبَائِلَ وَالشُّخُوصَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ويُخرجونها يَوْمَ الْأَحَدِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا وَلَمْ تنزل عليهم عقوبة، فتجرؤوا على الذنب وقالوا: وَقَدْ أحِلّ لَنَا، فَأَخَذُوا وَأَكَلُوا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا وَكَثُرَ مَالُهُمْ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ - وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا - ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ أَمْسَكَ وَنَهَى، وَصِنْفٌ أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ، وَصِنْفٌ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَكَانَ النَّاهُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَبَى الْمُجْرِمُونَ قَبُولَ نُصْحِهِمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُساكِنكم فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ وَعَبَرُوا بِذَلِكَ سَنَتَيْنِ، فَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ ﵇ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَخَرَجَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُجْرِمِينَ أَحَدٌ وَلَمْ يَفْتَحُوا بَابَهُمْ، فلما أبطؤوا تَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ فَإِذَا هُمْ جميع قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ، قَالَ قَتَادَةُ: صَارَ الشُّبَّانُ قِرَدَةً وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هلكوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] أمر تحويل وتكوين، ﴿خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] مُبعدين مطرودين والخسأ: الطرد والإبعاد. [قوله تعالى فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا] خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [٦٦] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] أَيْ: جَعْلِنَا عُقُوبَتَهُمْ بِالْمَسْخِ ﴿نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦] أَيْ: عُقُوبَةً وَعِبْرَةً، وَالنَّكَالُ: اسْمٌ لِكُلِّ عُقُوبَةٍ يُنَكَّلُ النَّاظِرُ مِنْ فِعْلِ مَا جُعلت الْعُقُوبَةُ جَزَاءً عَلَيْهِ، وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ، وَأَصْلُهُ مِنَ النِّكْلِ وهو القيد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: ٦٦] قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَ يديها يعني: ما سبق مِنَ الذُّنُوبِ، أَيْ: جَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً لِما تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ نَهْيِهِمْ عَنْ أَخْذِ الصيد، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]

стр. 29

: مَا حَضَرَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُخِذُوا بِهَا، وَهِيَ الْعِصْيَانُ بِأَخْذِ الْحِيتَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: عُقُوبَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ وعِبرة لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ، وَ (مَا) الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى: مَنْ، وَقِيلَ: جَعَلْنَاهَا أَيْ: جَعَلْنَا قَرْيَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ عِبرة لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، أَيِ: الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الْحَالِ، وَمَا خَلْفَهَا وَمَا يَحْدُثُ مِنَ الْقُرَى بعدُ ليتعظوا ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَلَا يَفْعَلُونَ مثل فعلهم. [٦٧] قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] الْبَقَرَةُ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَقَرِ، يُقَالُ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَقْرِ وهي الشق، سُميت به لأنها تبقر الأرض، أي: تشقها لِلْحِرَاثَةِ، وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى وَأَلْقَاهُ بِفِنَائِهِمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَطْلُبُ ثَأْرَهُ وَجَاءَ بِنَاسٍ إِلَى مُوسَى يَدَّعِي عَلَيْهِمُ القتل، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أَمْرُ الْقَتِيلِ عَلَى مُوسَى، قَالَ الكلبي: وذلك قبل نزول قسامة فِي التَّوْرَاةِ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ بِدُعَائِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] أَيْ: تَسْتَهْزِئُ بِنَا نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ وَتَأْمُرُنَا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ ﴿قَالَ﴾ [البقرة: ٦٧] موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٧] أَمْتَنِعُ بِاللَّهِ ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] أَيْ: مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِالْجَوَابِ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ جَهْلٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ اسْتَوْصَفُوهَا، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لأجزأتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عليهم. [٦٨] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: ما سنّها ﴿قَالَ﴾ [البقرة: ٦٨] موسى ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٦٨] يَعْنِي فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ إِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] أَيْ لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ، وَالْفَارِضُ: الْمُسِنَّةُ الَّتِي لَا تَلِدُ، والبكر: الفتية الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ، ﴿عَوَانٌ﴾ [البقرة: ٦٨] وسط نصف ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أَيْ: بَيْنِ السِّنِينَ، يُقَالُ: عَوَّنَتِ الْمَرْأَةُ تَعْوِينًا إِذَا زَادَتْ عَلَى الثلاثين ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] من ذَبْحُ الْبَقَرَةِ وَلَا تُكْثِرُوا السُّؤَالَ. [٦٩] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: صَافٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الصَّفْرَاءُ السَّوْدَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، إِنَّمَا يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ، وَأَسْوَدُ حَالِكٌ وَأَحْمَرُ قَانِئٌ وَأَخْضَرُ نَاضِرٌ وَأَبْيَضُ بقق للمبالغة، ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] إِلَيْهَا يُعْجِبُهُمْ حُسنها وَصَفَاءُ لَوْنِهَا. [٧٠] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠] أَسَائِمَةٌ أَمْ عَامِلَةٌ؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وَلَمْ يَقُلْ تَشَابَهَتْ لِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْبَقَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٠] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ جِنْسُ الْبَقَرِ تَشَابَهَ، أَيِ: الْتَبَسَ وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَيْنَا فَلَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] إِلَى وَصْفِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وايْم الله لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيّنتْ لهم إلى آخر الأبد» (١) . [قوله تعالى قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ] تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ [٧١] ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] مُذَلَّلَةٌ بِالْعَمَلِ، يُقَالُ: رَجُلٌ ذَلُولٌ بيِّن الذل ودابة ذلولة بيّنة الذل، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] تَقْلِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] أي: ليست بسانية، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١] بَرِيئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ، ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] لَا لَوْنَ لَهَا سِوَى لَوْنِ

стр. 30

جَمِيعِ جِلْدِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: لَا عيب فيها، قال مُجَاهِدٌ: لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ، ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] أَيْ: بِالْبَيَانِ التَّامِّ الشَّافِي الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا بِكَمَالِ وَصْفِهَا إِلَّا مَعَ الْفَتَى فَاشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مَسْكها ذَهَبًا ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَمَا كَادُوا يَجِدُونَهَا باجتماع أوصافها، وقيل: ما كَادُوا يفعلُونَ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهَا. [٧٢] قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] هذا أول القصة، وإن كان مؤخرًا فِي التِّلَاوَةِ، وَاسْمُ الْقَتِيلِ عَامِيلُ، ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَاخْتَلَفْتُمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تَدَافَعْتُمْ، أَيْ: يُحِيلُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنَ الدَّرْءِ: وَهُوَ الدَّفْعُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نفسه، ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ [البقرة: ٧٢] أَيْ: مُظْهِرٌ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] فَإِنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَكْتُمُ الْقَتْلَ. [٧٣] قوله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ [البقرة: ٧٣] يعني: القتيل، ﴿بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] أي: ببعض البقرة فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَامَ الْقَتِيلُ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْدَاجُهُ، أَيْ: عُرُوقُ الْعُنُقِ تَشْخُبُ دَمًا، وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ سَقَطَ وَمَاتَ مكانه فحرم قاتله الميراث ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] كَمَّا أَحْيَا عَامِيلَ، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] قِيلَ: تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي. [٧٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤] أي يَبِسَتْ وَجَفَّتْ، جَفَافُ الْقَلْبِ: خُرُوجُ الرَّحْمَةِ وَاللِّينُ عَنْهُ، وَقِيلَ: غَلُظَتْ، وَقِيلَ: اسْوَدَّتْ، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] من بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلالات، قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْنُ لَمْ نَقْتُلْهُ، فَلَمْ يَكُونُوا قَطُّ أَعْمَى قَلْبًا وَلَا أَشَدَّ تَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ منهم عند ذلك، أي ﴿فَهِيَ﴾ [البقرة: ٧٤] فِي الغِلْظَة وَالشِّدَّةِ: ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] قيل: أو بمعنى الواو، كقوله: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٧] أي: بل يزيدون. وَإِنَّمَا لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ أَصْلَبُ مِنَ الْحِجَارَةِ لِأَنَّ الْحَدِيدَ قَابِلٌ لِلِّينِ، فَإِنَّهُ يَلِينُ بِالنَّارِ، وَقَدْ لَان لِدَاوُدَ ﵇، وَالْحِجَارَةُ لَا تَلِينَ قَطُّ، ثُمَّ فَضَّلَ الْحِجَارَةَ عَلَى الْقَلْبِ الْقَاسِي فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ مُوسَى لِلْأَسْبَاطِ، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤] أَرَادَ بِهِ عُيُونًا دُونَ الْأَنْهَارِ، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ [البقرة: ٧٤] يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى أسفله ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَقُلُوبُكُمْ لَا تَلِينُ وَلَا تَخْشَعُ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، فَإِنْ قِيلَ: الْحَجَرُ جَمَادٌ لَا يَفْهَمُ فَكَيْفَ يَخْشَى؟ قِيلَ: اللَّهُ يُفْهِمُهُ وَيُلْهِمُهُ فَيَخْشَى بِإِلْهَامِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، سِوَى العقلاء لا يقف عليه غير

стр. 31

الله، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] وَقَالَ: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الْحَجِّ: ١٨] الآية، فيجب على المرء الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ . قَوْلُهُ : ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ [البقرة: ٧٤] بساهٍ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَقِيلَ: بِتَارِكِ عُقُوبَةِ مَا تَعْمَلُونَ، بَلْ يُجَازِيكُمْ بِهِ. [٧٥] قوله : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] أَفَتَرْجُونَ، يُرِيدُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] تُصَدِّقُكُمُ الْيَهُودُ بِمَا تُخْبِرُونَهُمْ بِهِ؟ ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] يعني: التوراة، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥] يُغَيِّرُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] علموه، غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَآيَةَ الرَّجْمِ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] أنهم كاذبون. [قوله تعالى وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا] [٧٦ٍ] قوله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٧٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي: مُنَافِقِي الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ٧٦] كإيمانكم، ﴿وَإِذَا خَلَا﴾ [البقرة: ٧٦] رجع ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦] كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَوَهْبُ بْنُ يَهُودَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، لِأَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] بِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا حَقٌّ وَقَوْلَهُ صدق، والفتاح: القاص، وقال الكسائي: بما بينه لكم من العلم بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَعْتِهِ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بِمَا أنزل اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَأَعْطَاكُمْ ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٧٦] ليخاصموكم به، ويعني: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَحْتَجُّوا بِقَوْلِكُمْ عَلَيْكُمْ، فَيَقُولُوا: قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ فِي كِتَابِكُمْ، ثُمَّ لَا تَتَّبِعُونَهُ؟ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ شَاوَرُوهُمْ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ : آمِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ليحاجوكم به؟ . ويعني: لِتَكُونَ لَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْجِنَايَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِيَرَوُا الْكَرَامَةَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ يَهُودَ قُرَيْظَةَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، فَقَالُوا: مَنْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِهَذَا؟ مَا خَرَجَ هَذَا إِلَّا مِنْكُمْ» (١) ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] [٧٧] قوله : ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [البقرة: ٧٧] يخفون، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] يُبْدُونَ، يَعْنِي الْيَهُودَ. [٧٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ أُمِّيُّونَ لَا يُحْسِنُونَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ جَمْعُ: أُمّي، ومنسوب إِلَى الْأُمِّ كَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا انْفَصَلَ مِنَ الْأُمِّ لَمْ يعلم كِتَابَةً وَلَا قِرَاءَةً، وَرُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» (٢) أَيْ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ. (أَماني) ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، حَذَفَ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهو جمع: أمنية وهي التلاوة، وقال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الْحَجِّ: ٥٢] أَيْ: فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: إلا تلاوة وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه مِنْ كِتَابٍ، وَقِيلَ: يَعْلَمُونَهُ حِفْظًا وقراءة لا يعرفون معناه، قال

стр. 32

ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي غَيْرَ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: إِلَّا كَذِبًا وَبَاطِلًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: إلا أماني: الأحاديث المفتعلة وَأَرَادَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أضافوها إلى الله مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ مِنَ التَّمَنِّي وَهِيَ أَمَانِيُّهِمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي يتمنونها عَلَى اللَّهِ ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] وَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَعَلَى هَذَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) ، أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أَشْيَاءَ لَا تَحْصُلُ لهم، ﴿وَإِنْ هُمْ﴾ [البقرة: ٧٨] وما هم ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] يعني: وما يظنون إلا ظَنًّا وَتَوَهُّمًا لَا يَقِينًا قَالَهُ قتادة والربيع، وقال مجاهد: يكذبون. [٧٩] ، قوله : ﴿فَوَيْلٌ﴾ [البقرة: ٧٩] قال الزجاج: ويل، كلمة تقولها العرب لكل وَاقِعٍ فِي هَلَكَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لانْمَاعتَ ولَذابتْ من شدة حرّها ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] وَذَلِكَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ خَافُوا ذهاب مآكلهم وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَاحْتَالُوا فِي تَعْوِيقِ الْيَهُودِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ فَعَمَدُوا إِلَى صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ صِفَتُهُ فِيهَا: حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشَّعْرِ أَكْحَلُ العينين ربعة القامة فَغَيَّرُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا: طِوَالٌ أَزْرَقُ سَبْطُ الشَّعْرِ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ سَفِلَتُهُمْ عن صفته قرؤوا ما كتبوه فيجدونه مخالفًا لصفته ويُكذّبونه، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] يعني: كتبوه بأنفسهم اختراعًا من تغيير نعته ﷺ ، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] من الْمَآكِلِ، وَيُقَالُ: مِنَ الْمَعَاصِي. [٨٠] ﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة: ٨٠] يَعْنِي الْيَهُودَ ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ، ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قَدْرًا مُقَدَّرًا ثُمَّ يَزُولُ عَنَّا العذاب، واختلفوا في هذه الأيام، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْيَهُودُ يقولون: مدة الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: يَعْنُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي عَبَدَ فِيهَا آبَاؤُهُمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنْ رَبَّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا فأقسم الله لَيُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقِسْمِ، فَقَالَ اللَّهُ تكذيبًا لهم، ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ٨٠] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٠] أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الوصل، ﴿عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠] مُوَثَّقًا أَنْ لَا يُعَذِّبَكُمْ إِلَّا هَذِهِ الْمُدَّةَ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠]

стр. 33

وعده ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] ثم قال: [قوله تعالى بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ] فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [٨١] ﴿بَلَى﴾ [البقرة: ٨١] وبلى وبل: حَرْفَا اسْتِدْرَاكٍ، وَمَعْنَاهُمَا نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْخَبَرِ الْمُسْتَقْبَلِ، ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] وَالْإِحَاطَةُ: الْإِحْدَاقُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ الشِّرْكُ يَمُوتُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: السَّيِّئَةُ الْكَبِيرَةُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَيَمُوتُ غَيْرَ تَائِبٍ قاله عكرمة والربيع بن خيثم، قال الواحدي ﵀ في تفسيره الوسيط: المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة وهي الشرك والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الذُّنُوبُ تُحِيطُ بالقلب كلما عمل ذنبًا ارتفعت حتى يغشى القلب، وهي الرين ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] [٨٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] [٨٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] فِي التَّوْرَاةِ وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ الشَّدِيدُ، ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٨٣] أي: وصيناهم بالوالدين، ﴿إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا وَنُزُولًا عِنْدَ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] أَيْ: وَبِذِي الْقَرَابَةِ، وَالْقُرْبَى مَصْدَرٌ كالحسنى، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٨٣] جَمْعُ يَتِيمٍ وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي لا أب له ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣] يَعْنِي الْفُقَرَاءَ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] صِدْقًا وَحَقًّا فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَنْ سَأَلَكُمْ عَنْهُ فَاصْدُقُوهُ وَبَيِّنُوا صِفَتَهُ لا تكتموا أمره، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ: هُوَ اللِّينُ فِي الْقَوْلِ وَالْمُعَاشَرَةُ بِحُسْنِ الخلق، قرأ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (حَسنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ، أَيْ: قَوْلًا حَسَنًا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ آمَنُوا، ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] كإعراض آبائكم. [٨٤] قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] أي: لا تريقون ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَ غيركم فيسفك دِمَاءَكُمْ فَكَأَنَّكُمْ سَفَكْتُمْ دِمَاءَ أَنْفُسِكُمْ، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] لَا يُخرج بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ، وَقِيلَ: لَا تُسِيئُوا جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكُمْ فَتُلْجِئُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ بسوء جواركم، ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] بِهَذَا الْعَهْدِ أَنَّهُ حَقٌّ وَقَبِلْتُمْ، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ يَا مَعْشَرَ اليهود وتعترفون بِالْقَبُولِ. [٨٥] قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٨٥] يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِلتَّنْبِيهِ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] أَيْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] تتظاهرون والظهير: العون ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥] بالمعصية والظلم، ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ [البقرة: ٨٥] قرأ حَمْزَةُ (أَسْرَى) ، وَهُمَا جَمْعُ أَسِيرٍ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، (تَفْدُوهُمْ) : بِالْمَالِ وَتُنْقِذُوهُمْ، وقرأ أهل المدينة وعاصم ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] أَيْ: تُبَادِلُوهُمْ، أَرَادَ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُخرج بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ من ثمنه وأعتقوه، وكانت قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبٍ سنين، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خرّبوا دِيَارَهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ

стр. 34

مِنْهَا، وَإِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فتعيرهم العرب ويقولون: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ، فَيَقُولُونَ فَلِمَ تقاتلوهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تذل حُلَفَاؤُنَا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكَ الْقِتَالِ وَتَرْكَ الْإِخْرَاجِ وَتَرْكَ الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ وَفِدَاءَ أَسْرَاهُمْ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْكُلِّ إِلَّا الْفِدَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] قَالَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ، ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ٨٥] عَذَابٌ وَهَوَانٌ، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥] فكان خزي بني قريظة القتل والسبي، وخزي بني النَّضِيرِ الْجَلَاءَ وَالنَّفْيَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَذَرِعَاتٍ وَأَرِيحَاءَ مِنَ الشَّامِ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] وهو عَذَابِ النَّارِ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] [قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا] بِالْآخِرَةِ [٨٦] قَوْلُهُ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ [البقرة: ٨٦] اسْتَبْدَلُوا ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ﴾ [البقرة: ٨٦] يُهَوَّنُ ﴿عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] لَا يُمنعون مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . [٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ [البقرة: ٨٧] أعطينا ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧] التوراة جملة واحدة، ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [البقرة: ٨٧] وأتبعنا، ﴿مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧] الدَّلالات الْوَاضِحَاتِ، وَهِيَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْإِنْجِيلَ، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ [البقرة: ٨٧] قويناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] اختلفوا فِي رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ الرَّبِيعُ وغيره: أراد الروح الذي لا نُفِخَ فِيهِ، وَالْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ نَحْوَ بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقُدُسِ: الطِّهَارَةَ، يَعْنِي. الروح الطاهرة، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: رُوحُ القدس جبريل ﵇، وقيل: وُصِفَ جِبْرِيلُ بِالْقُدُسِ أَيْ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ وَرُوحُهُ جِبْرِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ اسْمُ الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى، ويري الناس الْعَجَائِبَ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِنْجِيلُ جَعَلَ لَهُ رُوحًا كَمَا جَعْلَ الْقُرْآنَ رُوحًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ. فلما سمعت الْيَهُودُ ذِكْرَ عِيسَى ﵇، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَا مثلَ عِيسَى كَمَا تزعُم عملتَ، وَلَا كما يُقص عَلَيْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَلْتَ، فَأْتِنَا بِمَا أَتَى بِهِ عِيسَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] تَكَبَّرْتُمْ وَتَعَظَّمْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿فَفَرِيقًا﴾ [البقرة: ٨٧] طائفة ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] مِثْلَ عِيسَى

стр. 35

وَمُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] مثل زكريا ويحيى وشعيب، وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. [٨٨] ﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة: ٨٨] يعني اليهود، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] جمع أغلف وهو الذي عليه غشاوة، معناه: عليها غشاوة فلا تسمع ولا تفقه ما يَقُولُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٨٨] طَرَدَهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ ﴿بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] قال قتادة: معناه لا يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ، أَيْ: فقليلاً يؤمنون، وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَكْفُرُونَ بأكثره، أي: فقليل يُؤْمِنُونَ. [٨٩] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ [البقرة: ٨٩] موافق ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني: التوراة، ﴿وَكَانُوا﴾ [البقرة: ٨٩] يعني: اليهود، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٨٩] من قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩] يستنصرون، ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كانوا يقولون إذا أحزنهم أَمْرٌ وَدَهَمَهُمْ عَدُوٌّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي نَجِدُ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَانُوا يُنْصَرُونَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لأعدائهم من المشركين: قد أطل زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ مَا قُلْنَا فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَإِرَمَ. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَرَفُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] بَغْيًا وَحَسَدًا، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] [٩٠] ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] بِئْسَ وَنِعْمَ فِعْلَانِ مَاضِيَانِ وُضعا لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لَا يَتَصَرَّفَانِ تَصَرُّفَ الْأَفْعَالِ، مَعْنَاهُ: بِئْسَ الَّذِي اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ حِينَ اسْتَبْدَلُوا الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠] يعني: القرآن، ﴿بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] أَيْ: حَسَدًا، وَأَصْلُ الْبَغْيِ: الْفَسَادُ، يقال: بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، وَالْبَاغِي طَالِبُ الظُّلْمِ وَالْحَاسِدُ يَظْلِمُ الْمَحْسُودَ جَهْدَهُ طَلَبًا لِإِزَالَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] أَيِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَبَاءُوا﴾ [البقرة: ٩٠] رجعوا ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] أي مع غَضَبٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَضْيِيعِهِمُ التَّوْرَاةَ وَتَبْدِيلِهِمْ، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَوَّلُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَالثَّانِي بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٠] الْجَاحِدِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] مخزٍ يُهانون فيه. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا] نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ [٩١] قَوْلُهُ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، يَكْفِينَا ذَلِكَ ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]

стр. 36

، أَيْ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ، وقال أبو عبيدة: بما بعده، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١] يعني القرآن، ﴿مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] نُصب عَلَى الْحَالِ، ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] من التوراة، ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ٩١] لهم يا محمد ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٩١] ٠ أَيْ قَتَلْتُمْ، ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] بِالتَّوْرَاةِ، وَقَدْ نُهِيتُمْ فِيهَا عَنْ قتل الأنبياء ﵈. [٩٢] قَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢] بالدَّلَالات الْوَاضِحَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢] أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل، ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] [٩٣] قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣] أَيِ اسْتَجِيبُوا وَأَطِيعُوا، سُمِّيَتِ الطَّاعَةُ والإجابة: سمعًا على المجاز، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلطَّاعَةِ وَالْإِجَابَةِ، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] قولك، ﴿وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] أمْرَكَ، وَقِيلَ: سَمِعْنَا بِالْأُذُنِ، وَعَصَيْنَا بالقلوب ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] أَيْ: حُبَّ الْعِجْلِ، أَيْ مَعْنَاهُ: أُدخل فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعَجَلِ وَخَالَطَهَا، كَإِشْرَابِ اللَّوْنِ لِشِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ، قَوْلُهُ : ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] أَنْ تَعْبُدُوا الْعِجْلَ مِنْ دُونِ الله، أي: بئس إيمان يأمر بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] بِزَعْمِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزل عَلَيْنَا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ . [٩٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٤] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا دَعَاوَى بَاطِلَةً مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] و ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ وَأَلْزَمَهُمُ الحُجة فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي: الجنة، ﴿خَالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤] أَيْ خَاصَّةً ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤] أي: فأريدوه أو اسألوه، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ حَنَّ إِلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دُخُولِهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاسْتَعْجَلُوهُ بِالتَّمَنِّي، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] فِي قَوْلِكُمْ، وَقِيلَ: فَتُمَنُّوا الْمَوْتَ، أي: ادعو بالموت على الفرقة الكاذبة. [٩٥] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ كَاذِبُونَ، وأراد بما قدمت أيديهم ما قدموه من الأعمال، وأضاف العمل إلى اليد لِأَنَّ أَكْثَرَ جِنَايَاتِ الْإِنْسَانِ تَكُونُ بِالْيَدِ، فَأُضِيفَ إِلَى الْيَدِ أَعْمَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَدِ فِيهَا عمل، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] [قوله تعالى وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ] الَّذِينَ أَشْرَكُوا. . . . [٩٦] ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالنُّونُ تَأْكِيدٌ لِلْقِسْمِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَتَجِدَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي: الْيَهُودَ ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦] قيل: هو متصل بالأول، أي: وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ثم ابتدأ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: ٩٦] وأراد بالذين أشركوا المجوس ﴿يَوَدُّ﴾ [البقرة: ٩٦] يُرِيدُ وَيَتَمَنَّى، ﴿أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي: تَعْمِيرَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَهِي تحية المجوس فيما بينهم يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْيَهُودُ أَحْرَصُ على الحياة من المجوس الذين يَقُولُونَ ذَلِكَ، ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] مُباعده ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٩٦] من النار ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: طول عمره لا يبعده من العذاب ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] [٩٧] قَوْلُهُ : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «إِنَّ حِبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّ مَلَكٍ يأتيك مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُّونَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِكَ، إِنَّ جبريل ينزل العذاب وَالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ وَإِنَّهُ عَادَانَا مِرَارًا» ﴿فَإِنَّهُ﴾ [البقرة: ٩٧] يعني: جبريل ﴿نَزَّلَهُ﴾ [البقرة: ٩٧] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مذكور، ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] يا محمد ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] بأمر الله ﴿مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩٧] موافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] لِمَا قَبْلَهُ مِنَ

стр. 37

الْكُتُبِ، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] قَوْلُهُ : [٩٨] ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ مع دخولها في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] تفضيلًا وتخصيصًا وَالْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى " أَوْ " يَعْنِي: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكُلِّ، لِأَنَّ الْكَافِرَ بِالْوَاحِدِ كَافِرٌ بِالْكُلِّ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] قال ابْنُ صُورِيَا: مَا جِئْتِنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: [٩٩] ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٩] وَاضِحَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ . [١٠٠] ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠] واو العطف عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠] يَعْنِي: الْيَهُودَ عَاهَدُوا: لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَتؤمنن به، فلما خرج إليهم مُحَمَّدٍ ﷺ كفروا به، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْيَهُودِ: أَنْ لَا يُعَاوِنُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِهِ، فَنَقَضُوهَا كَفِعْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٦] ﴿نَبَذَهُ﴾ [البقرة: ١٠٠] طرحه ونقضه ﴿فَرِيقٌ﴾ [البقرة: ١٠٠] طوائف ﴿مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] ؛ من الْيَهُودُ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] [١٠١] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١] يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَقِيلَ: الْقُرْآنَ، ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] قال الشعبي: كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها. [قوله تعالى وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ] . . . . [١٠٢] ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] يَعْنِي: الْيَهُودَ ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: مَا تَلَتْ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الْمَاضِي، وَالْمَاضِي مَوْضِعَ المستقبل، وقيل: ما كانت تَتْلُو، أَيْ: تَقْرَأُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: تَتَّبِعُ وَتَعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحَدَّثُ وتتكلم به, ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] أَيْ: في ملكه وعهده ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] بِالسِّحْرِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ سُلَيْمَانُ كافرًا يسحر وَيَعْمَلُ بِهِ ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] معنى لَكِنْ نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ المستقبل، ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] قِيلَ مَعْنَى السِّحْرِ: الْعِلْمُ وَالْحِذْقُ بِالشَّيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٩] أَيِ: الْعَالِمُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السِّحْرَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَالسِّحْرُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَمِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ به كفر. وقوله عر وَجَلَّ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أَيْ: إِلْهَامًا وَعِلْمًا، فَالْإِنْزَالُ: بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ وَالتَّعْلِيمِ، وَقِيلَ: وَاتَّبَعُوا ما أنزل على الملكين

стр. 38

﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] هما اسمان سريانيان ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: أَحَدًا وَ (مِنْ) صِلَةٌ ﴿حَتَّى﴾ [البقرة: ١٠٢] ينصحاه أولًا، ﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] ابتلاءٌ ومحنة ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ فَتَعْمَلَ بِهِ فَتَكْفُرَ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ والامتحان ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهو أَنْ يُؤْخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ صَاحِبِهِ وَيُبَغَّضُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] قِيلَ: أَيِ السَّحَرَةُ. وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ، ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ أَحَدًا ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: بِعِلْمِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَالسَّاحِرُ يَسْحَرُ وَاللَّهُ يُكَوِّنُ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: السِّحْرَ يَضُرُّهُمْ، ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني اليهود، ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيِ اخْتَارَ السِّحْرَ، ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في الجنة، ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] مِنْ نَصِيبٍ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] باعوا به ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] حظ أنفسهم حيث اختاروا السحر وَالْكُفْرَ عَلَى الدِّينِ وَالْحَقِّ، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] [١٠٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآن، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] الْيَهُودِيَّةَ وَالسِّحْرَ، ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] لَكَانَ ثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ خَيْرًا لهم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] [١٠٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَ الْمُرَاعَاةِ، أَيْ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ، أَيْ: فرّغ سمعك لكل منا وكانت هذه اللفظة سبًّا قَبِيحًا بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: كَانَ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمُ: اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ، وقيل: هي من الرعونة كانوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قالوا: رَاعِنَا، بِمَعْنَى: يَا أَحْمَقُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَأَعْلِنُوا بِهِ الْآنَ، فَكَانُوا يَأْتُونَهُ وَيَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا مُحَمَّدُ وَيَضْحَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] لكيلا يَجِدَ الْيَهُودُ بِذَلِكَ سبيَلًا إِلَى شَتْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] أَيِ انْظُرْ إِلَيْنَا، وَقِيلَ: انْتَظِرْنَا وتأنّ بنا ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَأَطِيعُوا، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٠٤] يعني: اليهود، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] [١٠٥] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] أي: ما يحب وما يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني: اليهود، ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] أي: خير ونبوة، و (مِنْ) ، صلة، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ [البقرة: ١٠٥] بِنُبُوَّتِهِ، ﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] وَالْفَضْلُ ابْتِدَاءُ إِحْسَانٍ بِلَا عِلَّةٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْإِسْلَامُ وَالْهِدَايَةُ.

стр. 39

[قَوْلِهِ تَعَالَى مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ] مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. . . . [١٠٦] قَوْلُهُ : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا إِنَّ محمدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ إِلَّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، يَقُولُ الْيَوْمَ قَوْلًا وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] قالوا إنما أنت مفتر فأنزل: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فبين وجه الحكمة في النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّحْوِيلِ وَالنَّقْلِ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ يُحَوَّلَ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ الْقُرْآنِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ نُسِخَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالثَّانِي: يَكُونُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ، يُقَالُ: نسَخت الشمسُ الظِّلَّ، أَيْ: ذَهَبَتْ بِهِ وَأَبْطَلَتْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْقُرْآنِ نَاسِخًا وَبَعْضُهُ مَنْسُوخًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الآية ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: ننسها عن قلبك وَقِيلَ: نُنْسِهَا أَيْ نَأْمُرُ بِتَرْكِهَا، يُقَالُ: أَنْسَيْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَمَرْتُ بتركه ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أَيْ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ وَأَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَأَكْثَرُ لِأَجْرِكُمْ، لَا أَنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَكُلُّهُ خير، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فِي الْمَنْفَعَةِ وَالثَّوَابِ، فَكُلُّ مَا نُسِخَ إِلَى الْأَيْسَرِ فَهُوَ أَسْهَلُ فِي الْعَمَلِ، وَمَا نُسِخَ إِلَى الْأَشَقِّ فَهُوَ فِي الثَّوَابِ أَكْثَرُ. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] مِنَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ، أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ. [١٠٧] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٧] يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ عِنْدَ نُزُولِ العذاب، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧] مِمَّا سِوَى اللَّهِ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ [البقرة: ١٠٧] قريب وصديق، وقيل: والٍ، وَهُوَ الْقَيِّمُ بِالْأُمُورِ ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] نَاصِرٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [١٠٨] قَوْلُهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ جُمْلَةً كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ [البقرة: ١٠٨] يَعْنِي: أَتُرِيدُونَ، فَالْمِيمُ صِلَةٌ، وَقِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] سَأَلَهُ قَوْمُهُ ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، كَمَا أَنَّ مُوسَى سَأَلَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: أرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، فَفِيهِ مَنْعُهُمْ عَنِ السؤالات المقترحة بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] يَسْتَبْدِلُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] أَخَطْأَ وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: قَصْدَ السبيل. [١٠٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] أَيْ تَمَنَّى وَأَرَادَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ [البقرة: ١٠٩] نُصب عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: يَحْسُدُونَكُمْ حسدًا، ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]

стр. 40

أَيْ: مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ : صِدْقٌ ودينه حق، ﴿فَاعْفُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] فاتركوا ﴿وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] وَتَجَاوَزُوا، فَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ، وَالصَّفْحُ: الْإِعْرَاضُ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الْقِتَالِ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] بِعَذَابِهِ الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ لِبَنِي قُرَيْظَةَ والجلاء والنفي لبني النضير، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] [١١٠] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا﴾ [البقرة: ١١٠] تسلفوا ﴿لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١١٠] طَاعَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وقيل: أراد بالخير المال مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى الثَّمَرَةَ وَاللُّقْمَةَ مِثْلَ أُحُدٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] [قوله تعالى وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا] أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ. . . [١١١] ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] أي يهوديًّا ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هودًا وَلَا دِينَ إِلَّا دِينُ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَا دين إلا دين النصرانية قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أَيْ: شَهَوَاتُهُمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ١١١] يا محمد ﴿هَاتُوا﴾ [البقرة: ١١١] أصله آتوا ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] حُجَّتَكُمْ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: [١١٢] ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة: ١١٢] أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ الْحُكْمُ لِلْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أسلم وجهه ﴿لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] أَيْ: أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ لِلَّهِ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالْخُضُوعُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ إِذَا جَادَ بِوَجْهِهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَبْخَلْ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] فِي عَمَلِهِ، وَقِيلَ: مُؤْمِنٌ، وَقِيلَ: مُخْلِصٌ، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] [١١٣] قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ لِمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَتَاهُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَتَنَاظَرُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَتْ لَهُمُ النَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣] وكلا الفريقين يقرؤون الكتاب، وقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ، فَدَلَّ تِلَاوَتُهُمُ الْكِتَابَ وَمُخَالَفَتُهُمْ مَا فِيهِ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] يَعْنِي: آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا، ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوَامُّ النَّصَارَى، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، كَذَلِكَ قَالُوا فِي نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ ﵈، قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١١٣] يَقْضِي بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] من الدين. [١١٤] قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] الآية نزلت في الذين غَزَوْا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوا مُقَاتَلِتَهُمْ وَسَبَوْا ذَرَّارِيهِمْ وَحَرَّقُوا التَّوْرَاةَ وَخَرَّبُوا بيت المقدس فَكَانَ خَرَابًا إِلَى أَنْ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الخطاب ﵁ (ومن أظلم) أي: أكفر (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) يَعْنِي: بيت المقدس ومحاريبه ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] وَذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَوْضِعُ حَجِّ النَّصَارَى وَمَحَلُّ
следующие страницы →