← Тафсир

Тафсир · id 31364

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إِنْسَانًا بِالذِّلَّةِ، فَتَقُولُ: نَاصِيَةُ فُلَانٍ بِيَدِ فُلَانٍ، وَكَانُوا إِذَا أَسَرُوا إِنْسَانًا وَأَرَادُوا إِطْلَاقَهُ وَالْمَنَّ عَلَيْهِ جزوا ناصته لِيَعْتَدُّوا بِذَلِكَ فَخْرًا عَلَيْهِ، فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَعْرِفُونَ. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَعْنِي: إِنَّ ربِّيَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَظْلِمُهُمْ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ، فَيُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِعِصْيَانِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ دِينَ رَبِّي صراط مستقيم، وقيل: شبه إِضْمَارٌ، أَيْ: إِنَّ رَبِّي يُحِثُّكُمْ وَيَحْمِلُكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [٥٧] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [هود: ٥٧] أَيْ: تَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: تُعْرِضُوا عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ، ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧] أَيْ: إِنْ أَعْرَضْتُمْ يُهْلِكْكُمُ اللَّهُ ، ويستبدل قَوْمًا غَيْرَكُمْ أَطْوَعَ مِنْكُمْ يُوَحِّدُونَهُ ويعبدونه، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧] بِتَوَلِّيكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ إِنَّمَا تَضُرُّونَ أَنْفُسَكُمْ، وَقِيلَ: لَا تُنْقِصُونَهُ شَيْئًا إِذَا أَهْلَكَكُمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَكُمْ وَعَدَمَكُمْ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] أَيْ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَافِظٌ، يَحْفَظُنِي مِنْ أَنْ تَنَالُونِي بِسُوءٍ. [٥٨] قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٥٨] عَذَابُنَا، ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٥٨] وكانوا أربعة آلاف. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ [هود: ٥٨] بِنِعْمَةٍ ﴿مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] وَهُوَ الرِّيحُ الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا عَادًا، وَقِيلَ: الْعَذَابُ الْغَلِيظُ: عَذَابُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيْ: كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ كَذَلِكَ نَجَّيْنَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ. [٥٩] ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ [هود: ٥٩] رَدَّهُ إِلَى الْقَبِيلَةِ، ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] يَعْنِي: هُودًا وَحَدَهُ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ رَسُولًا واحدًا كَانَ كَمَنْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] وَاتَّبَعَ السَّفَلَةُ وَالسُّقَّاطُ أَهْلَ التَّكَبُّرِ وَالْعِنَادِ، وَالْجَبَّارُ: الْمُتَكَبِّرُ، وَالْعَنِيدُ: الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ، يُقَالُ: عَنَدَ الرَّجُلُ يَعْنِدُ عُنُودًا إِذَا أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الشَّيْءَ وَإِنْ عَرَفَهُ، وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ وَالْعَنُودُ وَالْمُعَانِدُ: الْمُعَارِضُ لَكَ بِالْخِلَافِ. [٦٠] ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [هود: ٦٠] أَيْ أُرْدِفُوا لَعْنَةً تَلْحَقُهُمْ وَتَنْصَرِفُ مَعَهُمْ، وَاللَّعْنَةُ: هِيَ الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ عن الرحمة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٦٠] أَيْ وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا لُعِنُوا كَمَا لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠] أَيْ بِرَبِّهِمْ، يُقَالُ كَفَرْتُهُ، وَكَفَرْتُ به كما يقال: شكره وَشَكَرْتُ لَهُ، وَنَصَحْتُهُ، وَنَصَحْتُ لَهُ. ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هُودٍ: ٦٠] قِيلَ بُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ الله، وقيل: هلاكًا: مِنْهُ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا، وَالْآخَرُ: بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، يُقَالُ: مِنْهُ بَعِدَ يبعد بعدًا. [٦١] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: ٦١] أي: وأرسلنا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، ﴿قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [هود: ٦١] وَحِّدُوا اللَّهَ ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ [هود: ٦١] ابتدأ

стр. 422

خلقكم، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦١] وذلك أنهم مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ الأرض، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] أَيْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطَالَ عُمْرَكُمْ فِيهَا حَتَّى كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَعِيشُ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَلْفِ سَنَةٍ، وَكَذَلِكَ قوم عاد، وقال مجاهد: أعمركم من العمر، أَيْ: جَعَلَهَا لَكُمْ مَا عِشْتُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَسْكَنَكُمْ فِيهَا. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦١] من المؤمنين، ﴿مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] لدعائهم. [٦٢] ﴿قَالُوا﴾ [هود: ٦٢] يعني ثمودًا، ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] الْقَوْلُ أَيْ: كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا فِينَا. وَقِيلَ: كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَعُودَ إِلَى دِينِنَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِ عَشِيرَتِهِ، فَلَمَّا أَظْهَرَ دُعَاءَهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَتَرَكَ الْأَصْنَامَ زَعَمُوا أَنَّ رَجَاءَهُمُ انْقَطَعَ عَنْهُ، فَقَالُوا: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢] مِنَ الْآلِهَةِ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] مُوْقِعٌ لِلرِّيبَةِ وَالتُّهْمَةِ، يُقَالُ: أَرَبْتُهُ إِرَابَةً إِذَا فَعَلْتَ بِهِ فِعْلًا يوجب له الريبة. [قوله تعالى قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ] مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً. . . . [٦٣] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: ٦٣] نُبُوَّةً وَحِكْمَةً، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] أَيْ: مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] قال ابن عباس: معناه ما تزيدونني غَيْرُ بِصَارَةٍ فِي خَسَارَتِكُمْ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَمْ يَكُنْ صَالِحٌ ﵇ فِي خَسَارَةٍ حَتَّى قَالَ: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بما تقولون من الفحش إِلَّا نِسْبَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى الْخَسَارَةِ، وَالتَّفْسِيقُ وَالتَّفْجِيرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: النِّسْبَةُ إِلَى الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ، وَكَذَلِكَ التَّخْسِيرُ هُوَ: النِّسْبَةُ إِلَى الْخُسْرَانِ. [٦٤] ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطَعِ، وَذَلِكَ أن قومًا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَ نَاقَةً عُشَرَاءَ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ فَدَعَا صَالِحٌ ﵇ فَخَرَجَتْ مِنْهَا نَاقَةٌ وَوَلَدَتْ في الحال ولدا مثلها، وقد بيناه في سورة الأعراف، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤] مِنَ الْعُشْبِ وَالنَّبَاتِ فَلَيْسَتْ عَلَيْكُمْ مؤنتها، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٦٤] ولا تصيبوها بعقر، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ [هود: ٦٤] إن قتلتموها، ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] [٦٥] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ [هود: ٦٥] لهم صالح، ﴿تَمَتَّعُوا﴾ [هود: ٦٥] عيشوا، ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥] أَيْ: فِي دِيَارِكُمْ، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] ثُمَّ تُهْلَكُونَ، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] أَيْ: غَيْرُ كَذِبٍ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ بَعْدَ ثلاثة أيام فتصبحون الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَوُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُحْمَرَّةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مُسْوَدَّةٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. [٦٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٦٦] بِنِعْمَةٍ مِنَّا، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] أي: من عذابه، وهو أنه قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ خزي يومئذ، وعذاب يَوْمَئِذٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] [٦٧] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ صَاحَ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَقِيلَ: أَتَتْهُمُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَإِنَّمَا قال: أخذ والصيحة مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ بِمَعْنَى الصِّيَاحِ. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] صَرْعَى هَلْكَى. [٦٨] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٨] يقيموا ويكونوا، ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨] قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ: (ثَمُودَ) غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالنَّجْمِ، وَافَقَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّجْمِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: لِثَمُودٍ بِخَفْضِ الدَّالِ وَالتَّنْوِينِ،

стр. 423

وَالْبَاقُونَ بِنَصْبِ الدَّالِ، فَمَنْ جَرَّهُ فَلِأَنَّهُ اسْمٌ مُذَكَّرٌ، وَمَنْ لَمْ يَجُرَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ. [٦٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] أراد بالرسل الملائكة ﵈ بِالْبُشْرَى بِالْبِشَارَةِ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩] أي: سلموا سلامًا، ﴿قَالَ﴾ [هود: ٦٩] إبراهيم ﴿سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] أَيْ: عَلَيْكُمْ سَلَامٌ: وَقِيلَ: هُوَ رَفْعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقرأ حمزة والكسائي سلم ههنا وَفِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ بِكَسْرِ السِّينِ بِلَا أَلْفٍ، قِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى السَّلَامِ، كَمَا يُقَالُ: حِلٌّ وَحَلَالٌ وَحِرْمٌ وَحَرَامٌ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ، أَيْ: نَحْنُ سِلْمٌ أَيْ صُلْحٌ لَكُمْ غَيْرُ حَرْبٍ. ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] والحنيذ المحنوذ وهو الْمَشْوِيُّ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي خَدٍّ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَ سَمِينًا يَسِيلُ دَسَمًا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٦] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ عَامَّةُ مَالِ إِبْرَاهِيمَ الْبَقَرُ. [٧٠] ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٠] أي: إلى العجل، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] أنكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ﴾ [هود: ٧٠] أضمر، ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] خَوْفًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَقَعَ فِي قَلْبِهِ، وَأَصْلُ الْوُجُوسِ: الدُّخُولُ، كَانَ الْخَوْفُ دَخَلَ قَلْبَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِمْ ظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَشَرٍّ. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠] يا إبراهيم، ﴿إِنَّا﴾ [هود: ٧٠] مَلَائِكَةُ اللَّهِ ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] [٧١] ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ [هود: ٧١] سارة بنت هارون بِنِ أَحْوَرَ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ إبراهيم. ﴿قَائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] مِنْ وَرَاءِ السَّتْرِ تَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَقِيلَ: كَانَتْ قَائِمَةً تَخْدِمُ الرُّسُلَ وإبراهيم جالس معهم. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: ضَحِكَتْ أَيْ: حَاضَتْ فِي الْوَقْتِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ، أَيْ: حَاضَتْ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ضَحِكِهَا، فقيل: ضَحِكَتْ لِزَوَالِ الْخَوْفِ عَنْهَا وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالُوا لَا تَخَفْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ الطَّعَامَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَأْكُلُوا خَافَ إِبْرَاهِيمُ، وَظَنَّهُمْ لُصُوصًا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَأْكُلُونَ؟ قَالُوا: إِنَّا لَا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال إِبْرَاهِيمُ: فَإِنَّ لَهُ ثَمَنًا، قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ، فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ عليهم الصلاة والسلام، وَقَالَ: حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا، فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ وَسَارَّةُ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ضَحِكَتْ سَارَّةُ، وَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا إِنَّا نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا تَكْرِمَةً لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ مِنْ غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وَقُرْبِ الْعَذَابِ مِنْهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ خَدَمِهِ وحشمه، وقيل: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْبِشَارَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: ضَحِكَتْ

стр. 424

تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: يا ويلتي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] أَيْ: مِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ، ﴿يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أراد به والدًا لولد فَبُشِّرَتْ أَنَّهَا تَعِيشُ حَتَّى تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِنَصْبِ الْبَاءِ، أَيْ: مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: وَوَهَبْنَا له يَعْقُوبَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: وَمِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا بُشِّرَتْ بِالْوَلَدِ ضَحِكَتْ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا، أي: ضربت وجهها تعجبًا. [قوله تعالى قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا] بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. . . . . [٧٢] ﴿قَالَتْ يا وَيْلَتَى﴾ [هود: ٧٢] نِدَاءُ نُدْبَةٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، أَيْ: يَا عَجَبًا، وَالْأَصْلُ يَا وَيْلَتَاهُ. ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] وَكَانَتِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ [هود: ٧٢] أي: زَوْجِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَيِّمُ أمرها، ﴿شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَكَانَ سِنُّ إِبْرَاهِيمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ بَيْنَ الْبِشَارَةِ وَالْوِلَادَةِ سَنَةٌ، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ [هود: ٧٣] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] مَعْنَاهُ: لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إذا أراد شيئًا كان. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أَيْ: بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، قِيلَ: هَذَا عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ مَعْنَى الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَالْبَرَكَاتُ جَمْعُ الْبَرَكَةِ، وَهِيَ ثُبُوتُ الْخَيْرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَالْحَمِيدُ: الْمَحْمُودُ فِي أَفْعَالِهِ، وَالْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ، وَأَصْلُ الْمَجْدِ الرِّفْعَةُ. [٧٤] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤] الخوف، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ [هود: ٧٤] بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: أَخَذَ وَظَلَّ يُجَادِلُنَا، قِيلَ: مَعْنَاهُ يُكَلِّمُنَا؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَا يُجَادِلُ رَبَّهُ ، إِنَّمَا يَسْأَلُهُ وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ، وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: مَعْنَاهُ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَكَانَتْ مُجَادَلَتُهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ فِي مَدَائِنِ لُوطٍ خَمْسُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَوْ أَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَوْ ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا، حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً، قَالُوا: لَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قالوا: لا، قال لهم إبراهيم عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ فِيهَا لُوطًا، قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، لَنُنْجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ من الغابرين، فذلك قول إخبار عن إبراهيم ﵇: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] [٧٥] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ فَقَالَتِ الرُّسُلُ عِنْدَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ [٧٦] ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦] أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا الْمَقَالِ وَدَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ، ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أَيْ: عَذَابُ رَبِّكَ وَحُكْمُ رَبِّكَ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ [هود: ٧٦] نَازِلٌ بِهِمْ، ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] أَيْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ عَنْهُمْ. [٧٧] قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [هود: ٧٧] يعني: هؤلاء الملائكة، ﴿لُوطًا﴾ [هود: ٧٧] عَلَى صُورَةِ غِلْمَانٍ مُرْدٍ حِسَانِ الوجوه، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧] أَيْ: حَزِنَ لُوطٌ بِمَجِيئِهِمْ، يُقَالُ: سُؤْتُهُ فَسِيءَ، كَمَا يُقَالُ: سَرَرْتُهُ فسر. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] أَيْ: قَلْبًا، يُقَالُ: ضَاقَ ذَرْعُ فُلَانٍ بِكَذَا إِذَا وَقَعَ فِي مَكْرُوهٍ لَا يُطِيقُ الْخُرُوجَ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ لُوطًا ﵇ لَمَّا نَظَرَ إِلَى حُسْنِ وُجُوهِهِمْ وَطَيِبِ رَوَائِحِهِمْ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَقْصِدُوهُمْ بِالْفَاحِشَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] أَيْ:

стр. 425

شَدِيدٌ كَأَنَّهُ عُصِبَ بِهِ الشَّرُّ وَالْبَلَاءُ، أَيْ: شُدَّ، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ نَحْوَ قَرْيَةِ قوم لُوطٍ فَأَتَوْا لُوطًا نِصْفَ النَّهَارِ، وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْتَطِبُ، وقد قال الله تعالى للملائكة: لَا تُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَاسْتَضَافُوهُ فَانْطَلَقَ بهم، فلما مشى بهم ساعة قال لهم: بَلَغَكُمْ أَمْرُ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ: قَالُوا: وَمَا أَمْرُهُمْ قَالَ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهَا لِشَرُّ قَرْيَةٍ فِي الأرض عما يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنْزِلَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ حَمَلَ الْحَطَبَ وَتَبِعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَمَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ فَغَمَزُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لُوطٌ: إِنَّ قَوْمِي شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ: فَغَمَزُوا فَقَالَ لوط مثله، ثم مر بقوم فَقَالَ مِثْلَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، فَقَالَ مَثَلَهُ، فَكَانَ كُلَّمَا قال لوط هذا القوال قَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، وَرُوِيَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ جاؤوا إِلَى بَيْتِ لُوطٍ فَوَجَدُوهُ فِي دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِ لُوطٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، وَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ. [٧٨] ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُهَرْوِلُونَ وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مِشْيَتَيْنِ، قَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ والجمز. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ [هود: ٧٨] أَيْ: مِنْ قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إِلَى لوط، ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي أَدْبَارِهِمْ. ﴿قَالَ﴾ [هود: ٧٨] لَهُمْ لُوطٌ حِينَ قَصَدُوا أَضْيَافَهُ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ غِلْمَانٌ، ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] يَعْنِي: بِالتَّزْوِيجِ، وَفِي أَضْيَافِهِ بِبَنَاتِهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْكَافِرِ جَائِزًا كَمَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَتَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَأَبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: عَرَضَ بَنَاتَهُ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أَرَادَ نِسَاءَهُمْ وَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَبُو أُمَّتِهِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم هو أَبٌ لَهُمْ) ، وَقِيلَ: ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ لَا عَلَى التحقيق، فلم يرضوا هذا القول. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أَيْ: خَافُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ في ضيفي، أي: لا تسوؤني وَلَا تَفْضَحُونِي فِي أَضْيَافِي. ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] صالح سديد، وقال عِكْرِمَةُ: رَجُلٌ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ المنكر. [٧٩] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [هود: ٧٩] يَا لُوطُ، ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩] أَيْ: لَسْنَ أَزْوَاجًا لَنَا فَنَسْتَحِقُّهُنَّ بِالنِّكَاحِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا لَنَا فِيهِنَّ مِنْ حَاجَةٍ وَشَهْوَةٍ. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] من إتيان الرجال.

стр. 426

[٨٠] ﴿قَالَ﴾ [هود: ٨٠] لَهُمْ لُوطٌ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠] أراد قوة البدن والقوة بِالْأَتْبَاعِ، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أَيْ: أَنْضَمُّ إِلَى عَشِيرَةٍ مَانِعَةٍ، وجواب "لو" مضمر أي: لقتلناكم وَحُلْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي مَنَعَةٍ مِنْ عشيرته، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُهُمْ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا يَلْقَى لُوطٌ بِسَبَبِهِمْ. [٨١] ﴿قَالُوا يا لُوطُ﴾ [هود: ٨١] إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ فَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلُوا فَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ فِي عُقُوبَتِهِمْ، فَأَذِنَ له، فقام، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ وُجُوهَهُمْ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وأعمى أبصارهم، فَصَارُوا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَانْصَرَفُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ سَحَرُونَا، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى تُصْبِحَ فَسَتَرَى مَا تَلْقَى مِنَّا غَدًا؛ يوعدونه، فقالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا لإهلاكهم، فَقَالَ لُوطٌ لِلْمَلَائِكَةِ: مَتَى مَوْعِدُ إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، قال: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ أَهْلَكْتُمُوهُمُ الْآنَ، فَقَالُوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ثم قالوا، ﴿فَأَسْرِ﴾ [هود: ٨١] يا لوط، ﴿بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ (فَاسْرِ) وَ (أَنِ اسْرِ) بِوَصْلِ الْأَلِفِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ سَرَى يَسْرِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِقَطْعِ الْأَلْفِ مِنْ أَسْرَى يُسْرِي، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَسِيرُ بِاللَّيْلِ. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ السَّحَرُ الْأَوَّلُ. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (امْرَأَتُكَ) ، بِرَفْعِ التَّاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الِالْتِفَاتِ، أَيْ: لَا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ فَتَهْلِكُ، وَكَانَ لُوطٌ قَدْ أخرجها معه، ونهى من معه مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَنْ يَلْتَفِتَ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ هَدَّةَ الْعَذَابِ الْتَفَتَتْ، وَقَالَتْ: يَا قَوْمَاهُ، فَأَدْرَكَهَا حَجَرٌ فَقَتَلَهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْإِسْرَاءِ أَيْ: فَأَسَرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَلَا تَسْرِ بِهَا، وَخَلِّفْهَا مَعَ قَوْمِهَا، فَإِنَّ هَوَاهَا إِلَيْهِمْ، وَتَصْدِيقُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرَأَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١] مِنَ الْعَذَابِ، ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] أَيْ: مَوْعِدُ هَلَاكِهِمْ وَقْتُ الصُّبْحِ، فَقَالَ لُوطٌ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا] وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. . . . . [٨٢] قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢] عذابنا، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود: ٨٢] أَيْ عَلَى شُذَّاذِهَا وَمُسَافِرِيهَا. وَقِيلَ: بَعْدَمَا قَلَبَهَا أَمْطَرَ عَلَيْهَا، ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (سنك وكل) (١) . فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ: الطِّينُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ : ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذَّارِيَاتُ: ٣٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوَّلُهَا حَجَرٌ وَآخِرُهَا طِينٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ، وَقِيلَ: السِّجِّيلُ اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: هُوَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مُتَتَابِعٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَفْعُولٌ مِنَ النَّضْدِ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ بَعْضِهُ فَوْقَ بَعْضٍ. [٨٣] ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [هود: ٨٣] مِنْ نَعْتِ الْحِجَارَةِ وَهِيَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَمَعْنَاهَا مُعَلَّمَةٌ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَلَيْهَا سِيَمَا لَا تشاكل كل حجارة الأرض، وقال

стр. 427

قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: عَلَيْهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْجَزْعِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: كَانَتْ مَخْتُومَةً عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ، وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ﴾ [هود: ٨٣] يَعْنِي: تِلْكَ الْحِجَارَةَ، ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٨٣] أَيْ: مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهِ مَا أَجَارَ الله منهما ظَالِمًا بَعْدُ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: "مَا مِنْ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ بِعُرْضِ حَجَرٍ يُسْقَطُ عَلَيْهِ مِنْ ساعة إلى ساعة". [٨٤] قَوْلُهُ : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ [هود: ٨٤] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ، ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] أَيْ لَا تَبْخَسُوا، وَهُمْ كَانُوا يُطَفِّفُونَ مَعَ شِرْكِهِمْ، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُوسِرِينَ فِي نِعْمَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي خِصْبٍ وَسَعَةٍ، فَحَذَّرَهُمْ زَوَالَ النِّعْمَةِ وَغَلَاءَ السِّعْرِ وَحُلُولَ النِّقْمَةِ، إِنْ لَمْ يتوبوا. ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] يُحِيطُ بِكُمْ فَيُهْلِكُكُمْ. [٨٥] ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٥] أتموهما، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥] بِالْعَدْلِ، وَقِيلَ: بِتَقْوِيمِ لِسَانِ الْمِيزَانِ، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾ [هود: ٨٥] لَا تَنْقُصُوا؛ ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] [٨٦] ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَعْنِي مَا أَبْقَى اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ بَعْدَ إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ خَيْرٌ مِمَّا تَأْخُذُونَهُ بالتطفيف، وقال مجاهد: بقيت اللَّهِ أَيْ: طَاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لكم إن كنتم مؤمنين أن مَا عِنْدَكُمْ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَعَطَائِهِ. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] بِوَكِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ. [٨٧] ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧] مِنَ الْأَوْثَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ شُعَيْبٌ ﵇ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، لِذَلِكَ قَالُوا هَذَا، وَقَالَ الْأَعْمَشُ: يَعْنِي أَقِرَاءَتُكَ. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] أو أن نترك أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نشاء من الزيادة والنقصان. ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَرَادُوا السَّفِيهَ الْغَاوِيَ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ فَتَقُولُ: لِلَّدِيغِ سليم وللفلاة مفازة، وقيل: قالوه عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ بِزَعْمِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الصِّحَّةِ أَيْ: إِنَّكَ يَا شُعَيْبُ فِيْنَا حَلِيمٌ رَشِيدٌ لَا يَجْمُلُ بِكَ شَقُّ عَصَا قَوْمِكَ ومخالفة دينهم، وهذا كَمَا قَالَ قَوْمُ صَالِحٍ ﵇: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هُودٍ: ٦٢] [٨٨] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٨٨] بَصِيرَةٍ وَبَيَانٍ، ﴿مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] حَلَالًا، وَقِيلَ: كَثِيرًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ ﵇ كَثِيرَ الْمَالِ، وَقِيلَ: الرِّزْقُ الْحَسَنُ: الْعِلْمُ

стр. 428

وَالْمَعْرِفَةُ. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] أَيْ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَرْتَكِبُهُ. ﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ [هود: ٨٨] مَا أُرِيدُ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] وَالتَّوْفِيقُ: تَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨] اعتمدت، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] أرجع في ما ينزل بي من النوائب. [قوله تعالى وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ] مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ. . . . [٨٩] ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [هود: ٨٩] لا يحملنكم، ﴿شِقَاقِي﴾ [هود: ٨٩] خلافي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ [هود: ٨٩] أَيْ: عَلَى فِعْلِ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ [هود: ٨٩] مِنَ الْغَرَقِ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ [هُودٍ: ٨٩] مِنَ الرِّيحِ، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود: ٨٩] مِنَ الصَّيْحَةِ، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا دَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَ قَوْمِ لُوطٍ. [٩٠] ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠] والودود له معنيان، أحدهما: أَنَّهُ مُحِبٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ بمعنى الودود أي محبوب للمؤمنين، وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ: إِنَّ شُعَيْبًا ﵇ كَانَ خَطِيبَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. [٩١] ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ [هود: ٩١] مَا نَفْهَمُ، ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ [هود: ٩١] عَشِيرَتُكَ وَكَانَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قومه، ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] لَقَتَلْنَاكَ، وَالرَّجْمُ: أَقْبَحُ الْقَتْلِ. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا﴾ [هود: ٩١] عندنا، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] [٩٢] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] أم كان رَهْطِي أَهْيَبُ عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: إِنْ تَرَكْتُمْ قَتْلِي لِمَكَانِ رَهْطِي فَالْأَوْلَى أَنْ تَحْفَظُونِي فِي الله. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أَيْ: نَبَذْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَتَرَكْتُمُوهُ، ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] [٩٣] ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣] أَيْ: عَلَى تُؤَدَتِكُمْ وَتَمَكُّنِكُمْ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَعْمَلُ عَلَى مَكَانَتِهِ إِذَا عَمِلَ عَلَى تُؤَدَةٍ وَتَمَكُّنٍ. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [هود: ٩٣] على تمكني، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٩٣] أَيَّنَا الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُخْطِئُ فِي فِعْلِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ [هود: ٩٣] قِيلَ: (مَنْ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، أَيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الْكَاذِبَ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ يَعْلَمُ كَذِبَهُ وَيَذُوقُ وَبَالَ أمره، ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ [هود: ٩٣] وَانْتَظِرُوا الْعَذَابَ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] مُنْتَظِرٌ. [٩٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] قِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَقِيلَ: أَتَتْهُمُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ميتين. [٩٥] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ [هود: ٩٥] أَيْ: كَأَنْ لَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يكونوا ﴿فِيهَا أَلَا بُعْدًا﴾ [هود: ٩٥] هلاكا، ﴿لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ﴾ [هود: ٩٥] هلكت ﴿ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥]

стр. 429

[٩٦] قَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ. [٩٧] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] بسديد. [٩٨] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨] يتقدمهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ [هود: ٩٨] فَأَدْخَلَهُمْ ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] آي: بئس المدخل، والمدخول فيه. [٩٩] ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾ [هود: ٩٩] أَيْ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] أَيِ: الْعَوْنُ الْمُعَانُ، وَقِيلَ: الْعَطَاءُ الْمُعْطَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَتَانِ، لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَعْنَةٌ في الآخرة. [قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا] قَائِمٌ وَحَصِيدٌ. . . . [١٠٠] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: ١٠٠] عامر، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] خَرَابٌ، وَقِيلَ: مِنْهَا قَائِمٌ بَقِيَتِ الحيطان وسقطت السقوف، وحصيد انْمَحَى أَثَرُهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَائِمٌ يُرَى لَهُ أَثَرٌ، وَحَصِيدٌ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ، وَحَصِيدٌ بِمَعْنَى محصود. [١٠١] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [هود: ١٠١] بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] بِالْكَفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١] عَذَابُ رَبِّكَ، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] أَيْ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَقِيلَ: تَدْمِيرٌ. [١٠٢] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [هود: ١٠٢] وَهَكَذَا، ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] » الْآيَةَ (١) . [١٠٣] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [هود: ١٠٣] لِعِبْرَةً، ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أَيْ: يَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. [١٠٤] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ [هود: ١٠٤] أَيْ: وَمَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا نُقِيمُ عَلَيْكُمُ الْقِيَامَةَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ، وَمَا يُؤَخِّرُهُ بِالْيَاءِ، ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ. [١٠٥] ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ [هود: ١٠٥] بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ: لَا تَتَكَلَّمُ ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ: فَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السعادة. [١٠٦] قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ أَوَّلُ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ: آخِرُهُ إِذَا رَدَّدَهُ فِي جَوْفِهِ، وقال

стр. 430

أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ، وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ. [١٠٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٧] لَابِثِينَ مُقِيمِينَ فِيهَا، ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا دَامَتْ سَمَوَاتُ الجنة والنار وأرضها، وَكُلُّ مَا عَلَاكَ وَأَظَلَّكَ فَهُوَ سَمَاءٌ، وَكُلُّ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَدَمُكَ فَهُوَ أَرْضٌ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّأْبِيدِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: لَا آتيك ما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَلَا يَكُونُ كَذَا مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، يَعْنُونَ أَبَدًا قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٧] اختلفوا في هذين الاستثنائين، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النَّارَ بِذُنُوبٍ اقْتَرَفُوهَا، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ سُعَدَاءَ، اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الأشقياء، وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِي النَّارِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ تَعْمِيرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَاحْتِبَاسِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، قَبْلَ مَصِيرِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ يَعْنِي هُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ: سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ، مَعْنَاهُ: خَالِدِينَ فيها ما دامت السموات والأرض سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مُدَّةِ بَقَاءِ السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُلُودُ فِيهَا، كَمَا تَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلِيَّ أَلْفٌ إِلَّا الْأَلْفَيْنِ، أَيْ: سِوَى الْأَلْفَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتَا، وَقِيلَ: إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ. وَقَدْ شَاءَ رَبُّكَ خُلُودَ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ، وَهَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، كَقَوْلِهِ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظلموا، أَيْ: وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأَخْرَجَهُمْ منها، ولكنه لا يشاء؛ لأنه حكم لهم بالخلود، وقال الفراء: هذا استثناء اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ وَلَا يَفْعَلُهُ، كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ وَعَزِيمَتُكَ أَنْ تَضْرِبَهُ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] [١٠٨] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (سُعِدُوا) بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: رزقوا السعادة، وسعدوا: أسعد بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السين قياسا على ﴿شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦] ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] قَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا مَا مَكَثُوا فِي النَّارِ حَتَّى أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ قَتَادَةُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِثُنْيَاهُ. ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] لم يُخْبِرْنَا بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ النَّارِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ . .] . . . [١٠٩] ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ [هود: ١٠٩] فِي شَكٍّ، ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ؛ أَنَّهُمْ ضُلَّالٌ، ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ﴾ [هود: ١٠٩] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: كَمَا كَانَ يَعْبُدُ، ﴿آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [هود: ١٠٩] هو حَظَّهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] [١١٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [هود: ١١٠] التوراة، ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] فَمِنْ مُصَدِّقٍ بِهِ وَمُكَذِّبٍ كَمَا فَعَلَ قَوْمُكَ بِالْقُرْآنِ، يُعَزِّي نَبِيَهُ ﷺ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٠] فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [هود: ١١٠] أَيْ: لَعُذِّبُوا فِي الْحَالِ وَفُرِغَ مِنْ عَذَابِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ وَالتُّهْمَةِ. [١١١] ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ [هود: ١١١] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ: (وَإِنْ كُلًّا) ، سَاكِنَةَ النُّونِ عَلَى تَخْفِيفِ إِنَّ الثَّقِيلَةِ، وَالْبَاقُونَ بتشديدها، ﴿لَمَّا﴾ [هود: ١١١] شَدَّدَهَا هُنَا وَفِي يس وَالطَّارِقِ، ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَافَقَ أبو جعفر ههنا، وَفِي الطَّارِقِ وَفِي الزُّخْرُفِ، بِالتَّشْدِيدِ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَنْ شَدَّدَ قَالَ: الْأَصْلُ فِيهِ (وَإِنَّ كُلًّا) لَمِنْ مَا، فَوُصِّلَتْ مِنَ الْجَارَّةُ بِمَا، فَانْقَلَبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإِدْغَامِ، فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُنَّ، فَبَقِيَتْ

стр. 431

لما بالتشديد، و (ما) ههنا بِمَعْنَى مَنْ هُوَ اسْمٌ لِجَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٣] أَيْ: مَنْ طَابَ لَكُمْ، وَالْمَعْنَى: وَإِنَّ كُلًّا لَمِنْ جَمَاعَةٍ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: (مَا) صِلَةٌ زِيدَتْ بَيْنَ اللَّامَيْنِ لِيُفْصَلَ بَيْنَهُمَا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَالْمَعْنَى: وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَقِيلَ (مَا) بِمَعْنَى من، تقدير: لَمِنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَاللَّامُ فِي (لَمَّا) لَامُ التَّأْكِيدِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى خَبَرِ إِنَّ، وَفِي لَيُوَفِّيَنَّهُمْ لَامُ الْقَسَمِ، وَالْقَسَمُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهِ، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] أَيْ: جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١] [١١٢] قَوْلُهُ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] أَيِ: اسْتَقِمْ عَلَى دِينِ رَبِّكَ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ كَمَا أمرت، ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] أي: من آمَنَ مَعَكَ فَلْيَسْتَقِيمُوا، قَالَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: الِاسْتِقَامَةُ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَا تَرُوغَ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ، وعن سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ استقم» (١) . ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] لَا تُجَاوِزُوا أَمْرِي وَلَا تَعْصُونِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَا تَغْلُوا فَتَزِيدُوا عَلَى مَا أَمَرْتُ وَنَهَيْتُ. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْءٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «شيبتني هود وأخواتها» (٢) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يسر ولن يشاد هذا الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدَّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (٣) . [١١٣] قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَلَا تَمِيلُوا، وَالرُّكُونُ: هُوَ الْمَحَبَّةُ وَالْمَيْلُ بِالْقَلْبِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا تَرْضَوْا بِأَعْمَالِهِمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: لَا تُدَاهِنُوا الظَّلَمَةَ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَا تُطِيعُوهُمْ، وَقِيلَ: لَا تَسْكُنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ [هود: ١١٣] فَتُصِيبَكُمُ، ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ١١٣] أَيْ: أَعْوَانٍ يَمْنَعُونَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] [١١٤] قَوْلُهُ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] أي: الغداة والعشي، قَالَ مُجَاهِدٌ: طَرَفَا النَّهَارِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالظَّهْرِ وَالْعَصْرِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالظَّهْرِ طَرَفٌ، وَصَلَاةُ العصر

стр. 432

وَالْمَغْرِبِ طَرَفٌ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: طَرَفَا النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: طَرَفَا النَّهَارِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، قَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] أي ساعته، وَاحِدَتُهَا: زُلْفَةٌ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ زُلُفًا بِضَمِّ اللَّامِ. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] يَعْنِي إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يُذْهِبْنَ الخطيئات، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] » قال أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» (١) . ﴿ذَلِكَ﴾ [هود: ١١٤] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ، ﴿ذِكْرَى﴾ [هود: ١١٤] عظة ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] أي لمن ذكره. [١١٥] ﴿وَاصْبِرْ﴾ [هود: ١١٥] يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَلْقَى مِنَ الْأَذَى، وَقِيلَ: عَلَى الصَّلَاةِ، نظيره ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] في أعمالهم، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يعني: المصلين. [١١٦] قوله : ﴿فَلَوْلَا﴾ [هود: ١١٦] فهلا، ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [هود: ١١٦] التي أهلكناهم، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [هود: ١١٦] الآية للتوبيخ ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦] أي أولوا تمييز، وقيل أولوا طاعة، وقيل أولوا خَيْرٍ، يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو بَقِيَّةٍ إِذَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ، مَعْنَاهُ فَهَلَّا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ مَنْ فِيهِ خَيْرٌ يَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؟ وَقِيلَ: معناه أولوا بَقِيَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا كَانَ عَلَى خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ، ومعناه جحدا، أي: لم يكن فيهم أولوا بقية. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [هود: ١١٦] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ قليلا، ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] وَهُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا﴾ [هود: ١١٦] نعموا، ﴿فِيهِ﴾ [هود: ١١٦] وَالْمُتْرَفُ: الْمُنَعَّمُ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: خُوِّلُوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا أَيْ: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] كَافِرِينَ. [١١٧] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] أَيْ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِشِرْكِهِمْ، ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَعَاطَوْنَ الْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ إِذَا تَظَالَمُوا، وَقِيلَ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمٍ مِنْهُ وَهُمْ مُصْلِحُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنْ يُهْلِكُهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَرُكُوبِهِمُ السيئات. [قوله تعالى فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ] فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ. . . . [١١٨] قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ﴾ [هود: ١١٨] كلهم. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى مِنْ بَيْنِ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُشْرِكٍ. [١١٩] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] مَعْنَاهُ: لَكِنَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فَهَدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ، فَهُمْ لَا يختلفون، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلْقَهُمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أختاره فقول مَنْ قَالَ: خَلَقَ فَرِيقًا لِرَحْمَتِهِ وَفَرِيقًا لِعَذَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ رَحِمَهُمْ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ، وَأَهْلَ الاختلاف للاختلاف، ومحصول الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ مُخْتَلِفُونَ وَأَهْلَ الْحَقِّ مُتَّفِقُونَ فَخَلَقَ اللَّهُ أهل

стр. 433

الْحَقِّ لِلِاتِّفَاقِ، وَأَهْلَ الْبَاطِلِ لِلِاخْتِلَافِ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] وَتَمَّ حُكْمُ رَبِّكَ، ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: ١١٩] [١٢٠] ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] مَعْنَاهُ: وَكُلُّ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ، أَيْ: مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ أُمَمِهِمْ نَقُصُّهَا عَلَيْكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، لِنَزِيدَكَ يَقِينًا وَنُقَوِّيَ قَلْبَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَمِعَهَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لقلبه على الصبر لأذى قَوْمِهِ. ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَشْرِيفًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَهُ الْحَقُّ فِي جَمِيعِ السور. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ [هود: ١٢٠] أَيْ: وَجَاءَتْكَ مَوْعِظَةٌ، ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] [١٢١] ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ١٢١] أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ، ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١] [١٢٢] ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ [هود: ١٢٢] مَا يَحِلُّ بِنَا مِنْ رَحْمَةِ الله، ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢٢] مَا يَحِلُّ بِكُمْ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ. [١٢٣] ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] أي: مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ فِيهِمَا، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فِي الْمَعَادِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ يُرْجَعُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ: أَيْ: يُرَدُّ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ يَعُودُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْخَلْقِ أَمْرٌ. ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وَثِقْ بِهِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ ويعقوب: (تعملون) بالتاء ههنا وَفِي آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، قَالَ كَعْبٌ: خَاتِمَةُ التَّوْرَاةِ خَاتِمَةُ سُورَةِ هُودٍ. [سورة يُوسُفُ] [قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . . . .] (١٢) سُورَةِ يُوسُف سُورَةُ يُوسُفَ ﵇ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ آية. [١] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١] أَيِ: الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَحُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ، قَالَ قَتَادَةُ: مُبِينٌ وَاللَّهِ بَرَكَتُهُ وَهُدَاهُ وَرُشْدُهُ، فَهَذَا مِنْ بَانَ أَيْ: ظَهَرَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبَيِّنٌ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْحَلَّالَ مِنَ الْحَرَامِ، فَهَذَا مِنْ أَبَانَ بمعنى أظهر. [٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [يوسف: ٢] يَعْنِي الْكِتَابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ. [٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] أي نقرأ، ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وَالْقَاصُّ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ الْآثَارَ، وَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ، مَعْنَاهُ: نُبَيِّنُ لَكَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ أَحْسَنَ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ قِصَّةُ يُوسُفَ ﵇ خَاصَّةً، سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ

стр. 434

وَالْمَمَالِيكِ وَالْعُلَمَاءِ وَمَكْرِ النِّسَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ، وَحُسْنِ التَّجَاوُزِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ من الفوائد. ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] (مَا) الْمَصْدَرُ، أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ، ﴿هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ﴾ [يوسف: ٣] وقد كنت، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يوسف: ٣] أي: من قبل وحينا، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] لَمِنَ السَّاهِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ لا تعلمها. [٤] قَوْلُهُ : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ [يوسف: ٤] أي: اذكر إذا قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ، وَيُوسُفُ: اسْمٌ عبري، ولذلك لا يجري عليه الصرف، وَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ، سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْطَعُ عَنْ يُوسُفَ؟ فَقَالَ: الْأَسَفُ فِي اللُّغَةِ: الْحُزْنُ، وَالْأَسِيفُ: الْعَبْدُ، وَاجْتَمَعَا فِي يُوسُفَ ﵇ فسمي به. ﴿يا أَبَتِ﴾ [يوسف: ٤] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ (يَا أَبَتَ) ، بِفَتْحِ التَّاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ: يَا أبتاه، والوجه أن أصله يا أبتا بالألف، وهي بدل عن ياء الإضافة، فحذفت الألف كما تحذف التاء فبقيت الفتحة تدل على الألف كما تبقى الكسرة تدل على الياء عند حذف الياء، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَا أَبَتِ) بِكَسْرِ التاء في كل القرآن، والوجه أن أصله (١) يا أبتي، فحذفت الياء تخفيفا واكتفاء بالكسرة؛ لأن باب النداء حذف يدل على ذلك قوله: ﴿يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] أَيْ: نَجْمًا مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ وَنَصْبُ الْكَوَاكِبِ عَلَى التَّفْسِيرِ، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ولم يقل رأيتها إلي ساجدات، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ مِنْ كِنَايَاتِ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْهَا بِكِنَايَةِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] وَكَانَ النُّجُومُ في التأويل أخواته، كانوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا يُسْتَضَاءُ بِهِمْ كَمَا يُسْتَضَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالشَّمْسُ أَبُوهُ والقمر أمه، وَكَانَ يُوسُفُ ﵇ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: رَآهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَمَّا قَصَّهَا على أبيه: [قوله تعالى قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ] فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا. . . . . [٥] ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] وَذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَحْيٌ فَعَلِمَ يَعْقُوبُ أَنَّ إخوته إِذَا سَمِعُوهَا حَسَدُوهُ فَأَمَرَهُ بِالْكِتْمَانِ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] فيحتالوا في إهلاكك؛ لأنهم لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا فَيَحْسُدُونَكَ وَاللَّامُ فِي قوله ﴿لَكَ﴾ [يوسف: ٥] صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٤] وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ نَصَحْتُكَ وَنَصَحْتُ لَكَ وَشَكَرْتُكَ وَشَكَرْتُ لَكَ. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] أَيْ: يُزَيِّنُّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَيَحْمِلُهُمْ على الكيد لعداوته القديمة. [٦] قَوْلُهُ : ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦] يصطفيك بقوله يعقوب ليوسف ﵉، أَيْ: كَمَا رَفَعَ مَنْزِلَتَكَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا، فَكَذَلِكَ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] يُرِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، سُمِّيَ تَأْوِيلًا؛ لأنه يؤول أَمْرُهُ إِلَى مَا رَأَى فِي منامه، والتأويل ما يؤول إليه عَاقِبَةِ الْأَمْرِ، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦] يَعْنِي: بِالنُّبُوَّةِ، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] أَيْ: عَلَى أَوْلَادِهِ، فَإِنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف: ٦] فَجَعَلَهُمَا نَبِيَّيْنَ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلَّةُ، وَقِيلَ: إِنْجَاؤُهُ مِنَ الذَّبْحِ، وَقِيلَ: بِإِخْرَاجِ يَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ مِنْ صُلْبِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ هَذِهِ وَبَيْنَ تَحْقِيقِهَا بِمَصِيرِ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ سَنَةً، فَلَمَّا بَلَغَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِخْوَةَ يُوسُفَ حَسَدُوهُ وَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ تسجد لَهُ إِخْوَتُهُ حَتَّى يَسْجُدَ لَهُ أبواه فبغوه وحسدوه. [٧] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧] أَيْ: فِي خَبَرِهِ وَخَبَرِ إِخْوَتِهِ ﴿آيَاتٌ﴾ [يوسف: ٧]

стр. 435

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (آيَةٌ) عَلَى التَّوْحِيدِ أَيْ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَقِيلَ: عَجَبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (آيَاتٌ) عَلَى الجمع. ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ ﵇، وَقِيلَ: سَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ انْتِقَالِ وَلَدِ يَعْقُوبَ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ، فَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ يُوسُفَ جميعها، فَوَجَدُوهَا مُوَافِقَةً لِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَتَعَجَّبُوا مِنْهَا، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] أَيْ: دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ: آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ وَلِمَنْ لَمْ يَسْأَلْ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٠] [فُصِّلَتْ: ١٠] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى حَسَدِ إِخْوَةِ يُوسُفَ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي الْحَسَدِ وَتَشْتَمِلُ عَلَى رُؤْيَاهُ، وَمَا حَقَّقَ اللَّهُ مِنْهَا، وَتَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ يُوسُفَ ﵇ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَعَلَى الرِّقِّ وعلى اللبث في السِّجْنِ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى حُزْنِ يعقوب وصبره على فراق يوسف، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمُرَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [٨] ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ [يوسف: ٨] اللَّامُ فِيهِ جَوَابُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: والله ليوسف، ﴿وَأَخُوهُ﴾ [يوسف: ٨] بِنْيَامِينُ، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] كَانَ يُوسُفُ وَأَخُوهُ بِنْيَامِينُ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ يَعْقُوبُ ﵇ شَدِيدَ الْحُبِّ لِيُوسُفَ ﵇، وكان إخوته يرون منه مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ مَا لَا يَرَوْنَهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا هَذِهِ المقالة، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] أي: جماعة وكانوا عشرة، وقال الْفَرَّاءُ: الْعُصْبَةُ هِيَ الْعَشَرَةُ فَمَا زَادَ، وَقِيلَ: الْعُصْبَةُ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: جَمَاعَةٌ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّفَرِ وَالرَّهْطِ. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] أي خطأ بين أمر إِيثَارِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ المراد من هذا الضلال، الضَّلَالِ عَنِ الدِّينِ وَلَوْ أَرَادُوهُ لَكَفَرُوا بِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْخَطَأُ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِ الدُّنْيَا يقولون نحن أنفع فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَإِصْلَاحِ أَمْرِ معاشه ورعي مواشيه من يوسف، فَنَحْنُ أَوْلَى بِالْمَحَبَّةِ مِنْهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي صَرْفِ مَحَبَّتِهِ إِلَيْهِ. [٩] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩] أي: إلى أرض تبعد عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: فِي أَرْضٍ تأكله السباع، ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩] يَخْلُصْ لَكُمْ، وَيَصْفُ لَكُمْ ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] عَنْ شَغْلِهِ بِيُوسُفَ، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [يوسف: ٩] مِنْ بَعْدِ قَتْلِ يُوسُفَ، ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] تَائِبِينَ أَيْ: تُوبُوا بَعْدَمَا فَعَلْتُمْ هَذَا يَعْفُ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَقَالَ مقاتل: صالحين يَصْلُحْ أَمْرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِيكُمْ. [١٠] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ وَقَالَ: الْقَتْلُ كبيرة عظيمة. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]

стр. 436

أَيْ: فِي أَسْفَلِ الْجُبِّ وَظُلْمَتِهِ، وَالْغَيَابَةُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سَتَرَ عَنْكَ الشَّيْءَ وَغَيَّبَهُ، وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ جُبَّ، أَيْ: قُطِعَ ولم يطو ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ [يوسف: ١٠] يَأْخُذْهُ، وَالِالْتِقَاطُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ حيث لا يحتسبه الإنسان، ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] أَيْ: بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] أَيْ: إِنْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ، قال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اشْتَمَلَ فِعْلُهُمْ على جرائم من قطيعة الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَقِلَّةِ الرَّأْفَةِ بِالصَّغِيرِ الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْغَدْرِ بِالْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْعَهْدِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَبِيهِمْ، وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذلك كله حتى لا ييأس أَحَدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَالَ بعض أهل العلم: إنهما عَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَعَصَمَهُمُ اللَّهُ رحمة لهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعون، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَسُئِلَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَيْفَ قَالُوا (نلعب) وَهُمْ أَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَبَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبين والده بضروب من الحيل: [١١] ﴿قَالُوا﴾ [البقرة: ١١] لِيَعْقُوبَ، ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] قال جعفر: (تأمنا) بإشمام، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ نَافِعٍ؟ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: (تَأْمَنَّا) بِإِشْمَامِ الضَّمَّةِ فِي النُّونِ الْأُولَى الْمُدْغَمَةِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إلى الضمة غَيْرِ إِمْحَاضٍ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَصْلَهُ لَا تَأْمَنُنَا بِنُونَيْنِ عَلَى تَفْعَلُنَا، فَأُدْغِمَتِ النُّونُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، بدؤوا بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ لَا تُرْسِلُهُ مَعَنَا أَتَخَافُنَا عَلَيْهِ؟ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] قَالَ مُقَاتِلٌ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَبِيهِمْ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ [يوسف: ١٢] فَقَالَ أَبُوهُمْ: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تذهبوا به، فحينئذ قَالُوا: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] النصح ههنا هُوَ الْقِيَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ والعطف، إِنَّا عَاطِفُونَ عَلَيْهِ قَائِمُونَ بِمَصْلَحَتِهِ نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ إِلَيْكَ. [١٢] ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ [يوسف: ١٢] إلى الصحراء، ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ بالنون فيهما وجزم العين في (نرتع) ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ، (وَيَلْعَبْ) بالياء، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وجزم العين في (يرتع) يعني يوسف، وقرأ الآخرون (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ (وَيَلْعَبْ) بِالْيَاءِ، وَالرَّتْعُ هُوَ الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ؛ يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: (يَرْتَعْ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنَ الرَّعْيِ، ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] [١٣] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ١٣] لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] أَيْ. يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ ههنا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذلك، فمن ثم قال: أخاف أن يأكله الذئب، قرأ ابن كثير إسماعيل وقالون عن نافع وعاصم وابن عامر: (الذئب) بالهمزة، وكذلك أبو عمرو إذا لم يدرج، وحمزة إذا لم يقف، وقرأ الكسائي وورش عن نافع، وأبو عمرو وفي الدرج، وحمزة في الوقف، (الذيب) بترك الهمزة في الهمز، أنه هو الأصل؛ لأنه من قولهم: تذابت الريح إذا جاءت من كل وجه، ويجمع الذئب أذؤبا وذئابا بالهمزة، والوجه في ترك الهمز أن الهمزة خففت فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. [١٤] ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤] عشرة، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ. [١٥] ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ [يوسف: ١٥] أي: عزموا، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ [يوسف: ١٥] يلقوه، ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥]

стр. 437

هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ - وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٠٣ - ١٠٤] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] أي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ ﵇: لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، بِوَحْيِ الله وإعلامه إياه ذلك، قال مُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وهم منكرون، والأكثرون عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ ﵇ يُؤْنِسُهُ، وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ثم إنهم ذبحوا أسخلة، وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ علية السلام. [قوله تعالى وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . . . .] [١٦] ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] قال أهل المعاني: جاؤوا فِي ظُلْمَةِ الْعِشَاءِ لِيَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِالْكَذِبِ، وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ سَمِعَ صِيَاحَهُمْ وَعَوِيلَهُمْ فَخَرَجَ وَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا بَنِيَّ هَلْ أَصَابَكُمْ فِي غَنَمِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَمَا أَصَابَكُمْ وَأَيْنَ يُوسُفُ؟؟ [١٧] ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] أي: نترامى وننتضل، قال السُّدِّيُّ: نَشْتَدُّ عَلَى أَقْدَامِنَا. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧] أَيْ: عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] بمصدق لنا ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ [يوسف: ١٧] وإن كنا ﴿صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لِيَعْقُوبَ أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ الصَّادِقَ؟ قِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الأمر؛ لأنك خفتنا عليه فِي الِابْتِدَاءِ، وَاتَّهَمْتَنَا فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا؛ لِأَنَّهُ لا دليل عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللَّهِ. [١٨] ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] أي: بدم كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ، وَقِيلَ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْقَمِيصَ بِالدَّمِ وَلَمْ يَشُقُّوهُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇: كَيْفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ فَاتَّهَمَهُمْ، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨] زَيَّنَتْ، ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] مَعْنَاهُ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أَوْ فِعْلِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وَقِيلَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَخْتَارُهُ، وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لا شكوى فيه ولا جرع. ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] أَيْ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى الصَّبْرِ، على ما تكذبون. [١٩] ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ [يوسف: ١٩] وَهُمُ الْقَوْمُ الْمُسَافِرُونَ سُمُّوا سَيَّارَةً؛ لِأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ كَانَتْ رُفْقَةً مِنْ مَدْيَنَ تُرِيدُ مِصْرَ، فأخطأوا الطَّرِيقَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْجُبِّ، وَكَانَ الْجُبُّ فِي قَفْرٍ بَعِيدٍ مِنَ الْعُمْرَانِ لِلرُّعَاةِ وَالْمَارَّةِ، وَكَانَ مَاؤُهُ مَالِحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ يُوسُفُ ﵇ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا أَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ، لِطَلَبِ الْمَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ . ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩] وَالْوَارِدُ: الَّذِي يَتَقَدَّمُ الرُّفْقَةَ إِلَى الْمَاءِ فَيُهَيِّئُ الْأَرْشِيَةَ وَالدِّلَاءَ ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩] أَيْ: أَرْسَلَهَا فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْبِئْرِ، وَدَلَوْتُهَا إِذَا أَخْرَجْتَهَا، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالْحَبْلِ فَلَمَّا خَرَجَ إِذَا هُوَ بِغُلَامٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ ﴿قَالَ يا بُشْرَى﴾ [يوسف: ١٩] قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ هَكَذَا بِالْأَلْفِ وَفَتْحِ الياء، والوجه: أن بشراي مضافة إلى ياء المتكلم وهو منادى مضاف فموضعه نصب، وقرأ الكوفيون: (يا بشرى) بغير ياء الإضافة على فعل، وأمال الراء حمزة والكسائي وفتحها عاصم وقيل: بَشَّرَ الْمُسْتَقِي أَصْحَابَهُ يَقُولُ. أَبْشِرُوا، ﴿هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ﴾ [يوسف: ١٩] أي أخفوه، ﴿بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسَرَّهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وَأَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ الَّذِينَ معهم، وقالوا هذا بِضَاعَةٌ اسْتَبْضَعَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَاءِ إِلَى مِصْرَ خِيفَةَ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ فِيهِ الْمُشَارَكَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ أَسَرُّوا شَأْنَ يُوسُفَ، وَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ لَنَا أبق منا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩]

стр. 438

فَأَتَى يَهُوذَا يُوسُفَ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْبِئْرِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ إِخْوَتَهُ فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُمْ بِمَالِكٍ وأصحابه نزول فَأَتَوْهُمْ فَإِذَا هُمْ بِيُوسُفَ، فَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنَّا، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هَدَّدُوا يُوسُفَ حَتَّى لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : [٢٠] ﴿وَشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه، ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: حَرَامٌ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْحُرِّ حَرَامٌ، وَسُمِّيَ الْحَرَامُ بَخْسًا؛ لِأَنَّهُ مَبْخُوسُ الْبَرَكَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: بَخْسٍ أَيْ زُيُوفٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ والشعبي: بثمن قليل. ﴿دَرَاهِمَ﴾ [يوسف: ٢٠] بدل من الثمن، ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ذَكَّرَ الْعَدَدَ عِبَارَةٌ عَنْ قِلَّتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مَعْدُودَةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَزِنُونَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَهَا عَدًّا فَإِذَا بَلَغَتْ أُوقِيَّةً وَزَنُوهَا، ﴿وَكَانُوا﴾ [يوسف: ٢٠] يعني: إخوة يوسف، ﴿فِيهِ﴾ [يوسف: ٢٠] أَيْ: فِي يُوسُفَ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: كَانُوا فِي الثَّمَنِ مِنَ الزَّاهِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ إِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمْ تَبْعِيدَ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وأصحابه بيوسف فَذَهَبُوا بِهِ حَتَّى قَدِمُوا مِصْرَ، وَعَرَضَهُ مَالِكٌ عَلَى الْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ صَاحِبُ أَمْرِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى خزائن مصر يسمى العزيز فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ [يوسف: ٢١] وَاسْمُهَا رَاعِيلُ، وَقِيلَ: زُلَيْخَا ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] أَيْ: مَنْزِلَهُ وَمُقَامَهُ، وَالْمَثْوَى: مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ، وَقِيلَ: أَكْرِمِيهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمُقَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَنْزِلَتَهُ. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١] أَيْ: نَبِيعَهُ بِالرِّبْحِ إِنْ أَرَدْنَا الْبَيْعَ أَوْ يَكْفِيَنَا إِذَا بَلَغَ بَعْضَ أُمُورِنَا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١] أي: نتبناه. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] أَيْ: فِي أَرْضِ مِصْرَ، أَيْ. كَمَا أَنْقَذْنَا يُوسُفُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْرَجْنَاهُ مِنَ الْجُبِّ، كَذَلِكَ مَكَّنَا لَهُ فِي الْأَرْضِ فَجَعَلْنَاهُ عَلَى خَزَائِنِهَا. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١] أَيْ: مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ كي نُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَا. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَغْلِبُهُ شيء ولا يرد عليه حكم رَادٌّ، وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى يُوسُفَ ﵇ مَعْنَاهُ: إِنَّ الله مسئول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لَا يَكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ حَتَّى يبلغه مُنْتَهَى عِلْمِهِ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] [٢٢] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] منتهى شبابه وشدته وقوته ومعرفته ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] فَالْحُكْمُ: النُّبُوَّةُ، وَالْعِلْمُ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: حَكَمًا يَعْنِي إِصَابَةً فِي الْقَوْلِ، وَعِلْمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَكِيمِ وَالْعَالِمِ: أَنَّ الْعَالِمَ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ

стр. 439

وَالْحَكِيمَ الَّذِي يَعْمَلُ بِمَا يُوجِبُهُ العلم. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنْهُ أَيْضًا: الْمُهْتَدِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الصَّابِرِينَ عَلَى النَّوَائِبِ كَمَا صَبَرَ يُوسُفُ ﵇. [قوله تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ] وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ. . . . . [٢٣] ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] يَعْنِي: امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، وَالْمُرَاوَدَةُ: طَلَبُ الفعل، والمراد ههنا أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا لِيُوَاقِعَهَا، ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] أَيْ: أَطْبَقَتْهَا، وَكَانَتْ سَبْعَةً، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: هلم وأقبل، قرأ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (هَيْتَ لَكَ) بفتح الهاء والتاء جميعا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: (هِيتَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (هَيْتُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ، وضم التاء، والوجه أن في هذه الكلمة ثلاث لغات هيت وهيت وهيت، والكل بمعنى هلم، وقرأ السلمي وقتادة: (هيت لَكَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَضَمِّ التَّاءِ مهموزا على مثال جئت، يَعْنِي تَهَيَّأْتُ لَكَ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَا: لَمْ يُحْكَ هَذَا عَنِ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ ﷺ : ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] (١) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هِيَ لُغَةٌ لِأَهْلِ حَوْرَانَ، وقعت إلى الحجاز معناها تَعَالَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ أَيْضًا بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وَهِيَ كَلِمَةُ حَثٍّ وَإِقْبَالٍ عَلَى الشَّيْءِ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تثني (هيت) ولا تجمع، وتؤنث، وإنها صورة وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ حَالٍ. ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٢٣] يُوسُفَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣] أَيْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَعْتَصِمُ بِاللَّهِ مِمَّا دَعَوْتِنِي إِلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] يُرِيدُ أَنَّ زَوْجَكِ قِطْفِيرَ سَيِّدِي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أَيْ: أَكْرَمَ مَنْزِلِي، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ، أَيْ: آوَانِي، وَمِنْ بَلَاءِ الْجُبِّ عَافَانِي. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] يعني: إن فعل هَذَا فَخُنْتُهُ فِي أَهْلِهِ بَعْدَ مَا أَكْرَمَ مَثْوَايَ فَأَنَا ظَالِمٌ، وَلَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقِيلَ: لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أَيْ لَا يَسْعَدُ الزُّنَاةُ. [٢٤] ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] وَالْهَمُّ هُوَ الْمُقَارَبَةُ مِنَ الْفِعْلِ من غير دخول فيه، وَزَعْمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَقَالَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ يُوسُفَ ﵇ فَقَالَ: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ رَأَى الْبُرْهَانَ فَلَمْ يهم، وأنكره النحاة، وقال: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤَخِّرُ (لَوْلَا) عَنِ الْفِعْلِ، فَلَا تَقُولُ: لَقَدْ قُمْتُ لَوْلَا زَيْدٌ، وَهُوَ يُرِيدُ لولا زيد

стр. 440

لَقُمْتُ، وَقِيلَ: هَمَّتْ بِيُوسُفَ أَنْ يَفْتَرِشَهَا، وَهَمَّ بِهَا يُوسُفُ أَيْ: تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةً، وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَأَمْثَالُهُ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ؛ لِمُخَالَفَتِهَا أَقَاوِيلَ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الذين أخذ عَنْهُمُ الدِّينُ وَالْعِلْمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ ﵇ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَالصَّغَائِرُ تَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ: الْهَمُّ هَمَّانِ: هَمُّ ثَابِتٌ، وَهُوَ إِذَا كان معه عزم وعقد ورضى، مِثْلُ هَمِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبْدُ مَأْخُوذٌ بِهِ، وَهَمٌّ عَارِضٌ، وَهُوَ الْخَطْرَةُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَلَا عَزْمٍ، مِثْلُ هَمِّ يوسف ﵇، والعبد غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ مَا لَمْ يتكلم أو يعمل. ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبُرْهَانِ، قَالَ قَتَادَةُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ يَا يُوسُفُ تَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ، وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ: يَا يُوسُفُ تُوَاقِعُهَا إِنَّمَا مَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الطَّيْرِ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِنْ تُوَاقِعْهَا مثله إذا مات ووقع في الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ نفسه، وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ رَأَى مِثَالَ الْمَلِكِ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ ﵄: الْبُرْهَانُ النُّبُوَّةُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي صَدْرِهِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: كَانَ فِي الْبَيْتِ صَنَمٌ فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ: لِمَ فَعَلْتِ هَذَا؟ فَقَالَتِ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ أَنْ يَرَانِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ يُوسُفُ: أَتَسْتَحِينَ مِمَّا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَفْقَهُ؟ فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي وَهَرَبَ، قَوْلُهُ : ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَوَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ. ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَالسُّوءُ الْإِثْمُ، وَقِيلَ: السُّوءُ الْقَبِيحُ، وَالْفَحْشَاءُ: الزِّنَا. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: (الْمُخْلَصِينَ) بِفَتْحِ اللَّامِ حَيْثُ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ ذِكْرُ الدِّينِ، زَادَ الْكُوفِيُّونَ (مُخْلَصًا) فِي سُورَةِ مريم ﵍ فَفَتَحُوا، وَمَعْنَى (الْمُخْلَصِينَ) الْمُخْتَارِينَ لِلنُّبُوَّةِ، دليله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيِ: الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. [٢٥] ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥] وَذَلِكَ أَنْ يُوسُفَ لَمَّا رَأَى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِرًا إِلَى بَابِ الْبَيْتِ هَارِبًا، وَتَبِعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِتَمْسِكَ الْبَابَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ يُوسُفُ، فَسَبَقَ يُوسُفُ وَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ فَتَعَلَّقَتْ بقميصه خَلْفِهِ فَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا حَتَّى لَا يخرج. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: فشقته ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥] أَيْ: مِنْ خَلْفٍ، فَلَمَّا خَرَجَا لَقِيَا الْعَزِيزَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أَيْ: وَجَدَا زَوْجَ الْمَرْأَةِ قِطْفِيرَ عِنْدَ الْبَابِ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لِرَاعِيلَ فَلَمَّا رَأَتْهُ هَابَتْهُ و ﴿قَالَتْ﴾ [يوسف: ٢٥] سَابِقَةً بِالْقَوْلِ لِزَوْجِهَا ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] يَعْنِي: الزِّنَا، ثُمَّ خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَتْ ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] أَيْ: يُحْبَسَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] أَيْ: ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، فَلَمَّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقَالَتَهَا. [٢٦] ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] يَعْنِي: طَلَبَتْ مِنِّي الْفَاحِشَةَ فَأَبَيْتُ وفررت منها، وَقِيلَ: مَا كَانَ يُرِيدُ يُوسُفُ أن يذكرها، فَلَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ذَكَرَهُ، فَقَالَ: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ [يوسف: ٢٦] وحكم حاكم، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ أَنْطَقَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَكَلَّمَ في المهد أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇،» وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ابن خال (١) .

стр. 441

الْمَرْأَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا حَكِيمًا ذَا رَأْيٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ ابْنُ عَمِّ رَاعِيلَ فَحَكَمَ فَقَالَ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] أَيْ: مِنْ قُدَّامٍ، ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] [٢٧] , ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] [٢٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ [يوسف: ٢٨] قِطْفِيرُ، ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٨] عَرَفَ خِيَانَةَ امْرَأَتِهِ وَبَرَاءَةَ يُوسُفَ ﵇، ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٢٨] لها ﴿إِنَّهُ﴾ [يوسف: ٢٨] أَيْ: إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ، ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يُوسُفُ: ٢٨] وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ، ثُمَّ أَقْبَلُ قِطْفِيرُ عَلَى يوسف فقال: [٢٩] ﴿يُوسُفُ﴾ [يُوسُفُ: ٢٩] أَيْ: يَا يُوسُفُ، ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] أَيْ: عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ حَتَّى لَا يَشِيعَ. وقيل: معناه لا تكترث به فَقَدْ بَانَ عُذْرُكَ وَبَرَاءَتُكَ، ثُمَّ قال لامرأته، ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] أَيْ: تُوبِي إِلَى اللَّهِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] من المذنبين. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ لِيُوسُفَ وَلِرَاعِيلَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أَيْ: سَلِي زَوْجَكِ أَنْ لَا يُعَاقِبَكِ وَيَصْفَحَ عَنْكِ، إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ، مِنَ الْمُذْنِبِينَ حَتَّى رَاوَدْتِ شَابًّا عَنْ نَفْسِهِ وَخُنْتِ زَوْجَكِ، فَلَمَّا اسْتَعْصَمَ كَذَبْتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنَ الْخَاطِئِينَ وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْخَاطِئَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ بَلْ قَصْدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] [٣٠] قوله : ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠] الْآيَةَ، يَقُولُ شَاعَ أَمْرُ يُوسُفَ وَالْمَرْأَةِ فِي الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ. وقيل: مدينة عين الشمس، وتحدثت النساء بذلك وقلن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ [يوسف: ٣٠] أَيْ: عَبْدَهَا الْكَنْعَانِيَّ، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] أَيْ: تَطْلُبُ مِنْ عَبْدِهَا الْفَاحِشَةَ، ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] أَيْ: عَلِقَهَا حُبًّا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: حَجَبَ حبُّه قَلْبَهَا حَتَّى لَا تَعْقِلَ سِوَاهُ. وَقِيلَ: أَحَبَّتْهُ حَتَّى دخلها حُبُّهُ شَغَافَ قَلْبِهَا، أَيْ: دَاخِلَ قَلْبِهَا. قَالَ السُّدِّيُّ: الشَّغَافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، يَقُولُ دَخَلَ الْحُبُّ الْجِلْدَ حَتَّى أَصَابَ الْقَلْبَ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَالْأَعْرَجُ: (شَعَفَهَا) بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، مَعْنَاهُ: ذَهَبَ الْحُبُّ بِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ. وَمِنْهُ شَعَفُ الْجِبَالِ وَهُوَ رُءُوسُهَا. ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠] أي: خطأ ظاهر. وقيل: إنها تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر. [قوله تعالى فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ] وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا. . . . [٣١] ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ [يوسف: ٣١] راعيل ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي. وقال ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّمَا قُلْنَ ذَلِكَ مَكْرًا بِهَا لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ، وَكَانَ وصف لَهُنَّ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا أفشت إليهن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مَكْرًا ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] قَالَ وَهْبٌ: اتَّخَذَتْ مَأْدُبَةً وَدَعَتْ أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْهُنَّ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي عيّرنها. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ [يوسف: ٣١] أي أعدت ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أَيْ: مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: مُتَّكَأً أَيْ: طَعَامًا سَمَّاهُ مُتَّكَأً؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطَّعَامِ إِذَا جَلَسُوا يَتَّكِئُونَ عَلَى الْوَسَائِدِ، فَسَمَّى الطَّعَامَ مُتَّكَأً عَلَى الِاسْتِعَارَةِ. يُقَالُ: اتَّكَأْنَا عِنْدَ فُلَانٍ أَيْ: طَعِمْنَا. وَيُقَالُ: الْمُتَّكَأُ: مَا اتكأت عليه للشراب أو الحديث أو الطعام، ﴿وَآتَتْ﴾ [يوسف: ٣١] أعطت، ﴿كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١] فَكُنَّ يَأْكُلْنَ اللَّحْمَ حَزَّا بِالسِّكِّينِ. ﴿وَقَالَتِ﴾ [يوسف: ٣١] ليوسف، ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَجْلَسَتْهُ فِي مكان آخَرَ؛ فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى سائر النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ

стр. 442

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ يُوسُفَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ البدر» (١) . ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أَعْظَمْنَهُ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هَالَهُنَّ أَمْرُهُ وَبُهِتْنَ. وَقِيلَ: أَكْبَرْنَهُ أَيْ: حِضْنَ لِأَجْلِهِ مِنْ جَمَالِهِ. وَلَا يصح. ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ [يوسف: ٣١] أَيْ: حَزَّزْنَ بِالسَّكَاكِينِ الَّتِي مَعَهُنَّ، ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] وَهُنَّ يَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الْأُتْرُجَّ، وَلَمْ يَجِدْنَ الْأَلَمَ لِشُغْلِ قُلُوبِهِنَّ بِيُوسُفَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَا أَحْسَسْنَ إلا بالدم. وقال قتادة: إنهن ابَنَّ أَيْدِيَهُنَّ حَتَّى أَلْقَيْنَهَا. وَالْأَصَحُّ كان قطعًا بلا إبانة, ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] أَيْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هذا بشرًا، ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: ببشر، ﴿إِنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٣١] أَيْ: مَا هَذَا، ﴿إِلَّا مَلَكٌ﴾ [يوسف: ٣١] من الملائكة، ﴿كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] على الله. [٣٢] ﴿قَالَتْ﴾ [يوسف: ٣٢] يَعْنِي رَاعِيلَ، ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] أَيْ: فِي حُبِّهِ، ثُمَّ صَرَّحَتْ بِمَا فَعَلَتْ، فَقَالَتْ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: امتنع، وَإِنَّمَا صَرَّحَتْ بِهِ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ أن لَا مَلَامَةَ عَلَيْهَا مِنْهُنَّ وَقَدْ أَصَابَهُنَّ مَا أَصَابَهَا مِنْ رُؤْيَتِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: أَطِعْ مَوْلَاتَكَ. فَقَالَتْ رَاعِيلُ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ [يوسف: ٣٢] وَلَئِنْ لَمْ يُطَاوِعْنِي فِيمَا دَعَوْتُهُ إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: ليعاقبن بالحبس، ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] مِنَ الْأَذِلَّاءِ. وَنُونُ التَّوْكِيدِ تُثَقَّلُ وَتُخَفَّفُ، وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] بِالنُّونِ لِأَنَّهَا مُشَدَّدَةٌ، وَعَلَى قَوْلِهِ (لِيَكُونَا) بِالْأَلْفِ لِأَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ، وَهِيَ شَبِيهَةٌ نون الْإِعْرَابِ فِي الْأَسْمَاءِ، كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ رجلًا، وإذا وقفت: رَأَيْتُ رَجُلَا بِالْأَلْفِ، وَمِثْلُهُ: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [الْعَلَقِ: ١٥] فَاخْتَارَ يُوسُفُ ﵇ السِّجْنَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِينَ تَوَعَّدَتْهُ المرأة. [٣٣] ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [يوسف: ٣٣] أَيْ: يَا رَبِّ، ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] قِيلَ: كَانَ الدُّعَاءُ مِنْهَا خَاصَّةً، وَلَكِنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهِنَّ خُرُوجًا مِنَ التَّصْرِيحِ إِلَى التَّعْرِيضِ. وَقِيلَ: إِنَّهُنَّ جميعًا دعونه إلى أنفسهن. قرأ يعقوب وحده: بفتح السين. وقرأ الآخرون بكسرها. واتفقوا على كسر السين في قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ﴾ [يوسف: ٣٦] وَقِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلِ السِّجْنُ أحبُّ إليَّ لَمْ يُبْتَلَ بِالسِّجْنِ، وَالْأَوْلَى بِالْمَرْءِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أَمِلْ إِلَيْهِنَّ وَأُتَابِعْهُنَّ، يُقَالُ: صَبَا فلان إلى كذا يصبوا صَبْوًا وَصُبُوًّا وَصُبُوَّةً إِذَا مَالَ وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ارْتَكَبَ ذَنْبًا يَرْتَكِبُهُ عَنْ جهالة.

стр. 443

[٣٤] ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] السميع لِدُعَائِهِ الْعَلِيمُ بِمَكْرِهِنَّ. [٣٥] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٣٥] يعني لِلْعَزِيزِ وَأَصْحَابِهِ فِي الرَّأْيِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتَصِرُوا مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِعْرَاضِ، ثم بدا له بأن يَحْبِسُوهُ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ [يوسف: ٣٥] الدَّالَّةِ عَلَى بَرَاءَةِ يُوسُفَ مِنْ قدِّ الْقَمِيصِ وَكَلَامِ الطِّفْلِ وَقَطْعِ النِّسَاءِ أَيْدِيَهُنَّ وَذَهَابِ عُقُولِهِنَّ. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] إِلَى مُدَّةٍ يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَهُمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مَقَالَةُ النَّاسِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: سَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَمْسُ سِنِينَ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يُخْبِرُهُمْ أَنِّي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فإما أن تأذن لي أن أخرج فَأَعْتَذِرَ إِلَى النَّاسِ، وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ، فَحَبَسَهُ، وذُكر أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ الْحَبْسَ تَطْهِيرًا لِيُوسُفَ ﵇ مِنْ هَمِّهِ بالمرأة. [٣٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦] وَهُمَا غُلَامَانِ كَانَا لِلرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ شِرْوَانَ الْعِمْلِيقِ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ، أَحَدُهُمَا خَبَّازُهُ وَصَاحِبُ طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقِيهِ وَصَاحِبُ شَرَابِهِ، غَضِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمَا فَحَبَسَهُمَا. وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَرَادُوا الْمَكْرَ بِالْمَلِكِ وَاغْتِيَالَهُ فَضَمَّنُوا لِهَذَيْنَ مَالًا لِيَسُمَّا الْمَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَأَجَابَاهُمْ، ثُمَّ إِنَّ السَّاقِيَ نَكَلَ عَنْهُ، وَقَبِلَ الْخَبَّازُ الرِّشْوَةَ فَسَمَّ الطَّعَامَ، فَلَمَّا أَحْضَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ السَّاقِي: لَا تَأْكُلْ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ، وَقَالَ الْخَبَّازُ لَا تَشْرَبْ فَإِنَّ الشَّرَابَ مَسْمُومٌ، فَقَالَ الْمَلِكُ لِلسَّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وَقَالَ لِلْخَبَّازِ: كُلْ من طعام، فَأَبَى فَجَرَّبَ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى دَابَّةٍ فَأَكَلَتْهُ فَهَلَكَتْ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِهِمَا, وَكَانَ يُوسُفُ حِينَ دَخَلَ السِّجْنَ جَعَلَ يَنْشُرُ عِلْمَهُ وَيَقُولُ: إِنِّي أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ، فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِصَاحِبِهِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْ هَذَا الْعِبْرَانِيَّ، فَتَرَاءَيَا لَهُ فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا تَحَالَمَا لِيُجَرِّبَا يُوسُفَ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَا رَأَيَا حَقِيقَةً، فَرَآهُمَا يُوسُفُ وَهُمَا مَهْمُومَانِ فسألهما عن شأنهما، فذكر أنهما غلامان للملك وقد حبسهما، وقد رأيا رؤيا قد غَمَّتْهُمَا، فَقَالَ يُوسُفُ: قُصَّا عَلَيَّ مَا رَأَيْتُمَا، فَقَصَّا عَلَيْهِ ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ [يوسف: ٣٦] وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أَيْ: عِنَبًا سَمَّى الْعِنَبَ خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْبُخُ الْآجُرَّ أَيْ: يَطْبُخُ اللَّبِنَ لِلْآجُرِّ. وَقِيلَ: الْخَمْرُ الْعِنَبُ بِلُغَةِ عَمَّانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي بستان، فإذا أنا بِأَصْلِ حَبَلَةٍ عَلَيْهَا ثَلَاثُ عَنَاقِيدَ مِنْ عِنَبٍ فَجَنَيْتُهَا وَكَانَ كَأْسَ الْمَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُهَا فِيهِ وَسَقَيْتُ الملك فشربه. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ [يوسف: ٣٦] وَهُوَ الْخَبَّازُ ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: ٣٦] وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلَاثَ سِلَالٍ فيها الخبز والألوان من الأطعمة وسباع الطير ينهشن وينهبن منه. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أَخْبِرْنَا بِتَفْسِيرِهِ وَتَعْبِيرِهِ وَمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] أَيِ: الْعَالِمِينِ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَالْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَرُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، مَا كَانَ إِحْسَانُهُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا مَرِضَ إِنْسَانٌ فِي السِّجْنِ عَادَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ وَسَّعَ لَهُ وَإِذَا احْتَاجَ إلى شيء جَمَعَ لَهُ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِلصَّلَاةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ وَجَدَ فِيهِ قومًا قد اشْتَدَّ بَلَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَطَالَ حزنهم، فجعل يسليهم وجعل يقول: أَبْشِرُوا وَاصْبِرُوا تُؤْجَرُوا، فَيَقُولُونَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا فَتَى مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَخُلُقَكَ وَحَدِيثَكَ، لَقَدْ بورك لنا في جوارك فَلَمَّا قَصَّا عَلَيْهِ الرُّؤْيَا كَرِهَ يُوسُفُ أَنْ يُعَبِّرَ

стр. 444

لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ لِمَا عَلِمَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَعْرَضَ عَنْ سُؤَالِهِمَا وَأَخَذَ فِي غَيْرِهِ فِي إِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ. [٣٧] ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ فِي النَّوْمِ يَقُولُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ فِي نَوْمِكُمَا ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] فِي الْيَقَظَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ فِي الْيَقَظَةِ يَقُولُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ مِنْ مَنَازِلِكُمَا تُرْزَقَانِهِ، تُطْعَمَانِهِ وَتَأْكُلَانِهِ إِلَّا نَبَّأَتْكُمَا بِتَأْوِيلِهِ بِقَدْرِهِ وَلَوْنِهِ وَالْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إليكما، ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكُمَا، وَأَيَّ طَعَامٍ أَكَلْتُمْ وَكَمْ أَكَلْتُمْ وَمَتَى أَكَلْتُمْ، فَهَذَا مِثْلُ مُعْجِزَةِ عِيسَى ﵇ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٤٩] فَقَالَا: هَذَا من فِعْلُ الْعَرَّافِينَ وَالْكَهَنَةِ, فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْعِلْمُ؟ فَقَالَ: مَا أنا بكاهن وإنَّما ﴿ذَلِكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] الْعِلْمُ, ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] وتكرار (هم) على التأكيد. [قوله تعالى وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ] وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. . . . [٣٨] ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] أظهر أنه من أولاد الأنبياء ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ [يوسف: ٣٨] مَا يَنْبَغِي لَنَا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنَا من الشرك ﴿ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٣٨] التَّوْحِيدُ وَالْعِلْمُ، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨] مَا بَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] ثُمَّ دَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: [٣٩] ﴿يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] جَعَلَهُمَا صَاحِبَيِ السَّجْنِ لِكَوْنِهِمَا فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لِسُكَّانِ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَلِسُكَّانِ النَّارِ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] أَيْ: آلِهَةٌ شَتَّى هَذَا مِنْ ذَهَبٍ وَهَذَا مِنْ فِضَّةٍ، وَهَذَا مِنْ حَدِيدٍ وَهَذَا أَعْلَى وَهَذَا أوسط وهدأ أَدْنَى، مُتَبَايِنُونَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ، الْقَهَّارُ: الْغَالِبُ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَ الْأَصْنَامِ فَقَالَ: [٤٠] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [يوسف: ٤٠] أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخِطَابَ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَهْلِ السِّجْنِ، وَكُلَّ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنْ أَهْلِ الشرك، ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] آلِهَةً وَأَرْبَابًا خَالِيَةً عَنِ الْمَعْنَى لَا حَقِيقَةَ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] حجة وبرهان، ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ [يوسف: ٤٠] مَا الْقَضَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، ﴿إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠] أي: الْمُسْتَقِيمُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ثُمَّ فسَّر رُؤْيَاهُمَا فَقَالَ: [٤١] ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ [يوسف: ٤١] وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ [يوسف: ٤١] يعني الملك ﴿خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] والعناقيد الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ ثُمَّ يَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أيام، ويرد إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ [يوسف: ٤١] يَعْنِي: صَاحِبَ الطَّعَامِ

стр. 445

فَيَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالسِّلَالُ الثَّلَاثُ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى في السجن، ثم يخرجه فيأمر به، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ [يوسف: ٤١] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا سَمِعَا قَوْلَ يُوسُفَ قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ يُوسُفُ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي عَنْهُ تَسْأَلَانِ، وَوَجَبَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمَا بِهِ، رَأَيْتُمَا أو لم تريا. [٤٢] ﴿وَقَالَ﴾ [يوسف: ٤٢] يَعْنِي: يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ [يوسف: ٤٢] علم ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ [يوسف: ٤٢] وَهُوَ السَّاقِي، ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ فِي السِّجْنِ غُلَامًا مَحْبُوسًا ظُلْمًا طَالَ حَبْسُهُ ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] قِيلَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ السَّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ تَقْدِيرُهُ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذكره لربه. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ حِينَ ابْتَغَى الْفَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ، وَتِلْكَ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ من الشيطان (١) . ﴿فَلَبِثَ﴾ [يوسف: ٤٢] فَمَكَثَ, ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبِضْعِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى السَّبْعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ سِنِينَ، وَكَانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَهُ خَمْسَ سِنِينَ فجملته اثنتا عشر سنة. [٤٣] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] فَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] [قوله تعالى قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ] الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ. . . . . [٤٤] ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ مُشْتَبِهَةٍ أَهَاوِيلُ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ, وَأَصْلُهُ الْحُزْمَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشِيشِ، وَالْأَحْلَامُ جَمْعُ الْحُلْمِ، وَهُوَ الرُّؤْيَا، وَالْفِعْلُ مِنْهُ حَلَمْتُ أَحْلُمُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْغَابِرِ حُلُمًا وحُلْمًا، مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤] [٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾ [يوسف: ٤٥] من القتل، ﴿مِنْهُمَا﴾ [يوسف: ٤٥] مِنَ الْفَتَيَيْنِ وَهُوَ السَّاقِي، ﴿وَادَّكَرَ﴾ [يوسف: ٤٥] أَيْ: تَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ اذْكُرْنِي عند ربك، ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ سَبْعُ سِنِينَ. ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] وَذَلِكَ أَنَّ الْغُلَامَ جَثَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، وَقَالَ: إِنَّ فِي السِّجْنِ رَجُلًا يَعْبُرُ الرُّؤْيَا، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَرْسِلْنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَهُ فَأَتَى السِّجْنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنِ السِّجْنُ فِي الْمَدِينَةِ. [٤٦] فَقَالَ: ﴿يُوسُفُ﴾ [يُوسُفُ: ٤٦] يَعْنِي: يَا يُوسُفُ، ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] وَالصَّدِيقُ الْكَثِيرُ الصِّدْقِ، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] فَإِنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٤٦] أهل مصر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا. وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَنْزِلَتَكَ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ مُعَبِّرًا وَمُعَلِّمًا، أَمَّا الْبَقَرَاتُ السِّمَانُ وَالسُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ فَسَبْعُ سِنِينَ مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات، فَالسُّنُونَ الْمُجْدِبَةُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ: [٤٧] ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧] هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، يَعْنِي: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ عَلَى عَادَتِكُمْ فِي الزِّرَاعَةِ، وَالدَّأَبُ: الْعَادَةُ. وَقِيلَ: بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ: (دَأَبًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهُمَا لغتان، يقال: دأبت شي الأمر أدأب وَدَأْبًا إِذَا اجْتَهَدْتُ فِيهِ. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] أَمْرَهُمْ بِتَرْكِ الْحِنْطَةِ فِي السُّنْبُلَةِ لتكون

стр. 446

أَبْقَى عَلَى الزَّمَانِ وَلَا تَفْسُدَ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] أي: تَدْرُسُونَ قَلِيلًا لِلْأَكْلِ، أَمَرَهُمْ بِحِفْظِ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْلِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. [٤٨] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] سَمَّى السِّنِينَ الْمُجْدِبَةَ شِدَادًا لِشِدَّتِهَا على الناس، ﴿يَأْكُلْنَ﴾ [يوسف: ٤٨] أَيْ: يَفْنِينَ وَيُهْلِكْنَ، ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أَيْ: يُؤْكَلُ فِيهِنَّ مَا أَعْدَدْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الطَّعَامِ، أَضَافَ الْأَكْلَ إِلَى السِّنِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] تُحْرِزُونَ وَتَدَّخِرُونَ لِلْبَذْرِ. [٤٩] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] أي: يمطرون من الغث، وَهُوَ الْمَطَرُ. وَقِيلَ: يُنْقَذُونَ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: اسْتَغَثْتُ فُلَانًا فَأَغَاثَنِي، ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تَعْصِرُونَ) ، بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا إِلَى النَّاسِ، وَمَعْنَاهُ: يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ خَمْرًا وَالزَّيْتُونَ زَيْتًا وَالسِّمْسِمَ دُهْنًا وَأَرَادَ بِهِ كَثْرَةَ النَّعِيمِ وَالْخَيْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْصِرُونَ أَيْ يَنْجُونَ مِنَ الْكُرُوبِ وَالْجَدَبِ وَالْعَصَرُ وَالْعَصَرَةُ النجا وَالْمَلْجَأُ. [٥٠] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] وَذَلِكَ أَنَّ السَّاقِيَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَفْتَاهُ به يُوسُفُ مِنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَاهُ، وَعَرَفَ الْمَلِكُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ كَائِنٌ، قَالَ ائْتُونِي بِهِ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ [يوسف: ٥٠] وَقَالَ لَهُ: أَجِبِ الْمَلِكَ، أَبَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الرَّسُولِ حَتَّى تظهر براءته ثم، ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٥٠] للرسول، ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أدبًا واحترامًا ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] أَيْ: إِنَّ اللَّهَ بِصَنِيعِهِنَّ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ يُوسُفُ بِذِكْرِهِنَّ، بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ حَتَّى لَا يَنْظُرَ إليه الملك بعين التهمة والخيانة، وَيَصِيرَ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّكِّ عَنْ أَمْرِهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى الْمَلِكِ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ بِرِسَالَتِهِ، فَدَعَا الْمَلِكُ النِّسْوَةَ وَامْرَأَةَ الْعَزِيزِ. [٥١] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٥١] لهن، ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ [يوسف: ٥١] مَا شَأْنُكُنَّ وَأَمْرُكُنَّ، ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] خَاطَبَهُنَّ وَالْمُرَادُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: إِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ رَاوَدَتْهُ عَنْ نفسه وسائر النسوة أمرته بطاعتها فلذلك خاطبهن جميعًا ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٥١] مَعَاذَ اللَّهِ، ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] خيانة، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ. وَقِيلَ: إِنَّ النِّسْوَةَ أَقْبَلْنَ عَلَى امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَقَرَّرْنَهَا فَأَقَرَّتْ، وَقِيلَ: خَافَتْ أَنْ يَشْهَدْنَ عليها فأقرت وقالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] فِي قَوْلِهِ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ يُوسُفُ قال: [٥٢] ﴿ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٥٢] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ رَدِّي رَسُولَ الْمَلِكِ إِلَيْهِ، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢] العزيز، ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ [يوسف: ٥٢] في زوجته، ﴿بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] أَيْ: فِي حَالِ

стр. 447

غَيْبَتِهِ, ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] (١) . [قوله تعالى وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ] بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. . . . [٥٣] ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] مِنَ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ فَأُزَكِّيهَا، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] بِالْمَعْصِيَةِ ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] أَيْ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي فعصمه، و (مَا) بِمَعْنَى مِنْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٣] أَيْ: مَنْ طَابَ لَكُمْ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يُرَكِّبْ فِيهِمُ الشَّهْوَةَ. وَقِيلَ: إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِشَارَةٌ إِلَى حَالَةِ الْعِصْمَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ. ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلْمَلِكِ عُذْرُ يُوسُفَ ﵇ وَعَرَفَ أَمَانَتَهُ وَعِلْمَهُ اشتاق لرؤيته وكلامه، وذلك معنى قوله تعالى إخبارًا عنه: [٥٤] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤] أَيْ: أَجْعَلُهُ خَالِصًا لِنَفْسِي، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ [يوسف: ٥٤] فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَجَاءَ الرَّسُولُ يُوسُفَ فَقَالَ لَهُ: أَجِبِ الْمَلِكَ الآن، أعجب الْمَلِكُ مَا رَأَى مِنْهُ مَعَ حداثة سَنَةً فَأَجْلَسَهُ وَ ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] المكانة في الجاه، ﴿أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] أي: صادق. [٥٥] فـ ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٥٥] يُوسُفُ، ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] الْخَزَائِنُ جَمْعُ خِزَانَةٍ وَأَرَادَ خَزَائِنَ الطَّعَامِ وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَرْضُ أَرْضُ مِصْرَ، أي: خزائن أرضك. عَلَى خَرَاجِ مِصْرَ وَدَخْلِهِ، ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] أَيْ: حَفِيظٌ لِلْخَزَائِنِ عَلِيمٌ بِوُجُوهِ مصالحها. وقيل: حفيظ عليم، أي: كَاتِبٌ حَاسِبٌ. وَقِيلَ: حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِمَا وَلَّيْتَنِي. وَقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسَابِ عَلِيمٌ بِالْأَلْسُنِ أَعْلَمُ لغة مَنْ يَأْتِينِي. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَفِيظٌ بتقديره في السنين المجدبة عَلِيمٌ بِوَقْتِ الْجُوعِ حِينَ يَقَعُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ؟! فَوَلَّاهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ، ذُو مَكَانَةٍ وَمَنْزِلَةٍ، أَمِينٌ عَلَى الخزائن. [٥٦] ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٦] يَعْنِي: أَرْضَ مِصْرَ مَلَّكْنَاهُ، ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ [يوسف: ٥٦] أي: ينزل، ﴿مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦] وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا يَشَاءُ. قَرَأَ ابن كثير وحده: (نَشَاءُ) بِالنُّونِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (مَكَّنَّا) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ (يَتَبَوَّأُ) . ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ [يوسف: ٥٦] أي: بنعمتنا, ﴿مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: يَعْنِي الصَّابِرِينَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: فَلَمْ يَزَلْ يُوسُفُ ﵇ يَدْعُو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حَتَّى أَسْلَمَ الْمَلِكُ وَكَثِيرٌ مِنَ الناس, فهذا في أمر الدنيا. [٥٧] ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ٥٧] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] فلما اطمأن يوسف في

стр. 448

مُلْكِهِ دَبَّرَ فِي جَمْعِ الطَّعَامِ بِأَحْسَنِ التَّدْبِيرِ، وَبَنَى الْحُصُونَ وَالْبُيُوتَ الْكَثِيرَةَ، وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ لِلسِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ، وَأَنْفَقَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى خَلَتِ السِّنُونَ الْمُخْصِبَةُ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ بِهَوْلٍ لَمْ يَعْهَدِ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، وَقَصَدَ النَّاسُ مِصْرَ مِنْ كُلِّ النواحي يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ فَجَعَلَ يُوسُفُ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ عظيمًا أَكْثَرَ مِنْ حِمْلِ بِعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النَّاسِ، وَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ فأصاب أَرْضَ كَنْعَانَ وَبِلَادَ الشَّامِ مَا أَصَابَ النَّاسُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ، وَنَزَلَ بِيَعْقُوبَ مَا نَزَلْ بِالنَّاسِ فَأَرْسَلَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ. [٥٨] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٥٨] وَكَانُوا عَشَرَةً، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بالقرب مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، بِغَوْرِ الشَّامِ، وَكَانُوا أَهْلَ بَادِيَةٍ وَإِبِلٍ وَشَاةٍ، فَدَعَاهُمْ يَعْقُوبُ ﵇ وَقَالَ: يَا بَنِيَّ بَلَغَنِي أَنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صَالِحًا يَبِيعُ الطَّعَامَ، فَتَجَهَّزُوا له فاذهبوا لِتَشْتَرُوا مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَرْسَلَهُمْ فَقَدِمُوا مصر، ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٥٨] على يوسف، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ [يوسف: ٥٨] يُوسُفُ ﵇. قَالَ ابْنُ عباس ومجاهد: وعرفهم بِأَوَّلِ مَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَعْرِفْهُمْ حَتَّى تَعَرَّفُوا إليه، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] أي: لم يعرفوه. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ يُوسُفُ وَكَلَّمُوهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، قَالَ لَهُمْ: أَخْبَرُونِي مَنْ أَنْتُمْ وَمَا أَمْرُكُمْ فَإِنِّي أَنْكَرْتُ شَأْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أهل الشَّامِ رُعَاةٌ أَصَابَنَا الْجَهْدُ فَجِئْنَا نَمْتَارُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ جِئْتُمْ تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلَادِي، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِجَوَاسِيسَ إِنَّمَا نَحْنُ إِخْوَةٌ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَيْخٌ صِدِّيقٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ نبي من أنبياء الله، فقال: وَكَمْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أَخٌ لَنَا مَعَنَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَهَلَكَ فِيهَا وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِينَا، قَالَ: فَكَمْ أنتم هاهنا؟ قَالُوا: عَشَرَةٌ، قَالَ: وَأَيْنَ الْآخَرُ؟ قَالُوا: عِنْدَ أَبِينَا لِأَنَّهُ أَخُو الذي هلك من أمه، فأبونا يتسلى به، فقال: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حق وصدق؟ قَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا بِبِلَادٍ لا يعرفنا فيها أحد من أهلها، فقال لهم يُوسُفُ: فَأَتَوْنِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي مِنْ أَبِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَأَنَا أَرْضَى بِذَلِكَ، قَالُوا: فَإِنَّ أَبَانَا يَحْزَنُ عَلَى فِرَاقِهِ وَسَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ، قَالَ: فَدَعُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ فَأَصَابَتِ الْقَرْعَةُ شَمْعُونَ وَكَانَ أَحْسَنَهُمْ رَأْيًا فِي يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ : [٥٩] ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٩] أَيْ: حَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعِيرًا بِعُدَّتِهِمْ، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩] يَعْنِي بِنْيَامِينَ، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٥٩] أَيْ: أُتِمُّهُ وَلَا أَبْخَسُ النَّاسَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ حِمْلَ بِعِيرٍ لِأَجْلِ أَخِيكُمْ وَأُكْرِمُ مَنْزِلَتَكُمْ وَأُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ: خَيْرُ الْمُضِيفِينَ. وَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ. [٦٠] ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠] أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي طَعَامٌ أكيله، ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] أَيْ: لَا تَقْرَبُوا دَارِي وَبِلَادِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ. [٦١] ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١] أَيْ: نَطْلُبُهُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَهُ معنا، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] مَا أَمَرْتَنَا بِهِ. [٦٢] ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] يريد لغلمانه ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢] ثَمَنَ طَعَامِهِمْ وَكَانَتْ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ النِّعَالَ وَالْأُدْمَ. وَقِيلَ: كَانَتْ ثَمَانِيَةَ جُرْبٍ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ. وَالْأَوَّلُ أصح ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢] أَوْعِيَتِهِمْ، وَهِيَ جَمْعُ رَحْلٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا﴾ [يوسف: ٦٢] انْصَرَفُوا، ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنْ أَجْلِهِ، قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَرَمَهُ فِي رَدِّ الْبِضَاعَةِ وَتَقْدِيمِ الضَّمَانِ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْدِ لَعَلَّهُمْ

стр. 449

يَعْرِفُونَهَا أَيْ كَرَامَتَهُمْ عَلَيْنَا. وَقِيلَ: رأى لؤمًا أخذ الطَّعَامِ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ تَكَرُّمًا. وَقَالَ الكلبي: تخوف ألا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مِنَ الْوَرِقِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى. وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ نَفْيًا لِلْغَلَطِ وَلَا يَسْتَحِلُّونَ إِمْسَاكَهَا. [٦٣] ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يا أَبَانَا﴾ [يوسف: ٦٣] إِنَّا قَدِمْنَا عَلَى خَيْرِ رَجُلٍ أَنْزَلَنَا وَأَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا أَكْرَمَنَا كَرَامَتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: إِذَا أَتَيْتُمْ مَلِكَ مِصْرَ فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أَبَانَا يُصَلِّي عَلَيْكَ وَيَدْعُو لَكَ بِمَا أَوْلَيْتَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ شَمْعُونُ؟ قَالُوا: ارْتَهَنَهُ مَلِكُ مِصْرَ وَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: وَلِمَ أَخْبَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ أَخَذَنَا وَقَالَ أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ حَيْثُ كَلَّمْنَاهُ بِلِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَقَالُوا: يَا أَبَانَا ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُمْنَعُ مِنَّا الْكَيْلُ إِنْ لَمْ تَحْمِلْ أَخَانَا مَعَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطَى بِاسْمِ كل واحد منا حملًا ويمنع مِنَّا الْكَيْلَ لِبِنْيَامِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْلِ الطعام لأنه كان يكال، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٣] بنيامين، ﴿نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ. (يَكْتَلْ) بِالْيَاءِ، يعني: يكيل لِنَفْسِهِ كَمَا نَحْنُ نَكْتَالُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (نَكْتَلْ) بِالنُّونِ: يَعْنِي: نَكْتَلْ نَحْنُ وَهُوَ الطَّعَامُ. وَقِيلَ: نَكْتَلْ له، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] [قوله تعالى قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ] عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا. . . . [٦٤] ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ [يُوسُفَ: ٦٤] يوسف ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] أَيْ: كَيْفَ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مَا فَعَلْتُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: (حَافِظًا) بِالْأَلْفِ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ رَجُلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ أَلْفٍ عَلَى الْمَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكُمْ حِفْظًا، يَقُولُ: حِفْظُهُ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِكُمْ. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] [٦٥] ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥] الَّذِي حَمَلُوهُ مِنْ مِصْرَ، ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥] ثم الطَّعَامِ، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ [يوسف: ٦٥] أَيْ: مَاذَا نَبْغِي وَأَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لِيَعْقُوبَ ﵇ إِحْسَانَ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ وَحَثُّوهُ عَلَى إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا الْمَتَاعَ وَوَجَدُوا الْبِضَاعَةَ، قَالُوا: يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥] أَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ بِالْكَلَامِ فَهَذَا هُوَ الْعِيَانُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ، أَوْفَى لَنَا الْكَيْلَ وردَّ عَلَيْنَا الثَّمَنَ، أَرَادُوا تَطْيِيبَ نَفْسِ أَبِيهِمْ، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ [يوسف: ٦٥] أَيْ: نَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ فَنَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ. يُقَالُ: مَارَ أَهْلَهُ يَمِيرُ مَيْرًا إِذَا حَمَلَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ من بَلَدٍ آخَرَ. وَمِثْلُهُ امْتَارَ يَمْتَارُ امتيارًا. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥] بِنْيَامِينَ، أَيْ: مِمَّا تَخَافُ عَلَيْهِ. ﴿وَنَزْدَادُ﴾ [يوسف: ٦٥] على أحمالنا، ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] أَيْ: حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَنَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطِي بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] أَيْ: مَا حَمَلْنَاهُ قَلِيلٌ لَا يفينا وَأَهْلَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ لَا مؤنة فيه ولا مشقة. [٦٦] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٦٦] لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ [يوسف: ٦٦] تعطون ﴿مَوْثِقًا﴾ [يوسف: ٦٦] أي: ميثاقًا وعهدًا، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٦٦] وَالْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ: الْمُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ. وَقِيلَ: الْمُؤَكَّدُ بِإِشْهَادِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٦] وَأَدْخَلَ اللَّامَ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْيَمِينُ، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] قَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا أَنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا أَنْ تَغْلِبُوا حَتَّى لَا تُطِيقُوا ذَلِكَ. وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِخْوَةَ ضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَجَهِدُوا أَشَدَّ الْجُهْدِ، فَلَمْ يَجِدْ يَعْقُوبُ بُدًّا مِنْ إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ. ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أعطوه عهودهم، ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٦٦] يَعْنِي: يَعْقُوبَ، ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] شَاهِدٌ. وَقِيلَ: حَافَظٌ. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] قَالَ اللَّهُ : «وَعِزَّتِي لِأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلَيْهِمَا بَعْدَمَا تَوَكَّلْتَ عليَّ. »

стр. 450

[٦٧] ﴿وَقَالَ﴾ [يوسف: ٦٧] لَهُمْ يَعْقُوبُ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ، ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُعْطُوا جَمَالًا وَقُوَّةً وَامْتِدَادَ قَامَةٍ، وَكَانُوا وَلَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي دُخُولِهِمْ لِئَلَّا يُصَابُوا بِالْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ: «إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ» (١) . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَوْا يُوسُفَ فِي التَّفَرُّقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ قَضَى فِيكُمْ قَضَاءً فَيُصِيبُكُمْ مُجْتَمِعِينَ كُنْتُمْ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ والحذر لا ينفع عن القدر, ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ [يوسف: ٦٧] ما الحكم، ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] هَذَا تَفْوِيضُ يَعْقُوبَ أُمُورَهُ إِلَى الله، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧] اعتمدت، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] [٦٨] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٦٨] أَيْ: مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْمَدِينَةُ مَدِينَةَ الْفَرْمَاءِ وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، فَدَخَلُوهَا مِنْ أَبْوَابِهَا، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ [يوسف: ٦٨] يَدْفَعُ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٨] صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْقُوبَ فِيمَا قال، ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ [يوسف: ٦٨] مُرَادًا، ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ إِشْفَاقَ الْآبَاءِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ [يوسف: ٦٨] يَعْنِي: يَعْقُوبَ ﵇، ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٦٨] يَعْنِي: كَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ عَنْ عِلْمٍ لَا عَنْ جَهْلٍ، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨] أَيْ: لِتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لِعَامِلٍ بِمَا عَلِمَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَعْلَمُ لا يكون عالمًا. وقيل: إنه لَذُو حِفْظٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨] مَا يَعْلَمُ يَعْقُوبُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ إِصَابَةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ مَا أَلْهَمَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ. [٦٩] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٦٩] قَالُوا: هَذَا أَخُونَا الَّذِي أَمَرْتَنَا أَنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ، فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ، وَسَتَجِدُونَ جَزَاءَ ذَلِكَ عِنْدِي، ثُمَّ أنزلهم فأكرم منزلتهم، ثُمَّ أَضَافَهُمُ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى مَائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحِيدًا فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ، فقال يوسف: لقد بقي أحدكم هَذَا وَحِيدًا فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ فَجَعَلَ يُواكله فَلَمَّا كَانَ الليل أمر لهم بمثل، وَقَالَ لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى مِثَالٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحَدَهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: هَذَا يَنَامُ مَعِي عَلَى فِرَاشِي، فَنَامَ مَعَهُ فَجَعَلَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيَشُمُّ رِيحَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، وَجَعَلَ رُوبِينُ يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَرَى هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ مَعَهُ ثَانٍ فَسَأَضُمُّهُ إِلَيَّ فَيَكُونُ مَنْزِلُهُ مَعِي، ثُمَّ أَنْزَلَهُمْ مُنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الطعام، وأنزل أخاه لأمه، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩]

стр. 451

أَيْ: ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ فَلَمَّا خلا به قال: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ [يوسف: ٦٩] أَيْ: لَا تَحْزَنْ، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] بِشَيْءٍ فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَلَا تُعْلِمْهُمْ شَيْئًا مِمَّا أَعْلَمْتُكُ، ثُمَّ أَوْفَى يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ الْكَيْلَ وَحَمَّلَ لَهُمْ بَعِيرًا بَعِيرًا وَلِبِنْيَامِينَ بَعِيرًا بِاسْمِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَايَةِ الْمَلِكِ فَجُعِلَتْ فِي رَحْلِ بنيامين. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ] فِي رَحْلِ أَخِيهِ. . . . [٧٠] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] وَهِيَ الْمَشْرَبَةُ الَّتِي كَانَ الْمَلِكُ يَشْرَبُ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ مَشْرَبَةً مِنْ فِضَّةٍ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ، جَعَلَهَا يُوسُفُ مِكْيَالًا لِئَلَّا يُكَالَ بِغَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا. وَالسِّقَايَةُ والصواع واحد، جعلت فِي وِعَاءِ طَعَامِ بِنْيَامِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا وَأَمْهَلَهُمْ يُوسُفُ حَتَّى انْطَلَقُوا وذهبوا منزلًا. وقيل: خَرَجُوا مِنَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ بَعَثَ من خَلْفَهُمْ مَنِ اسْتَوْقَفَهُمْ وَحَبَسَهُمْ. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ [يوسف: ٧٠] نادى منادٍ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٧٠] وَهِيَ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَحْمَالُ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] قِفُوا. قِيلَ: قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ هَفْوَةً مِنْهُ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ نُكْرِمْ ضِيَافَتَكُمْ وَنَحْسُنْ مَنْزِلَتَكُمْ وَنُوَفِّكُمْ كَيْلَكُمْ وَنَفْعَلْ بِكُمْ مَا لَمْ نَفْعَلْ بغيركم؟ قالوا: بلى، قالوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: سِقَايَةُ الْمَلِكِ فَقَدْنَاهَا، وَلَا نَتَّهِمُ عَلَيْهَا غَيْرَكُمْ. [٧١] فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٧١] عَطَفُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَأَصْحَابِهِ، ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف: ٧١] مَا الَّذِي ضَلَّ عَنْكُمْ. وَالْفُقْدَانُ: ضد الوجدان. [٧٢] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] مِنَ الطَّعَامِ، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] كفيل، يقوله المؤذن. [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٧٣] يعني: إخوة يوسف، ﴿تَاللَّهِ﴾ [يوسف: ٧٣] أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟ قِيلَ: قالوا قد عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عنَّا مَن مَرَرْنَا بِهِ، هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ، قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ ما رددناها. وقيل: قالوا بذلك لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]

стр. 452

[٧٤] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٧٤] يَعْنِي: الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤] يعني: ما جَزَاءُ السَّارِقِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] فِي قَوْلِكُمْ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ. [٧٥] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٧٥] يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنة، وَكَانَ ذَلِكَ سُنّة آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُضْرَبَ السَّارِقُ وَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حكمهم. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ، فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ، فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يديه. [٧٦] ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٦] لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] إنما أنّث الكناية في قوله اسْتَخْرَجَهَا، وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] لأنه رد الكناية هاهنا إِلَى السِّقَايَةِ. وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نَكَّسَ إِخْوَتُهُ رُءُوسَهُمْ مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ، فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بأخي فأهلكتموه في البرية، والله قد وَضع هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بنيامين رقيقًا، ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] والكيد هاهنا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ ﵇ لِيُوسُفَ: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ. وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ: التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وقيل: دبرنا. وقل: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٧٦] فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (يَرْفَعُ) وَ (يَشَاءُ) بِالْيَاءِ فِيهِمَا، وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى (مَنْ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَرَءُوا: (دَرَجَاتٍ) بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نحن، والواقع أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ العلم إلى الله تعالى، فإن الله تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ. [٧٧] ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] يُرِيدُونَ أخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ يعنون به يُوسُفَ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِقَةِ الَّتِي وصفوا بها يوسف، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ صَنَمٌ يَعْبُدُهُ فَأَخَذَهُ سِرًّا أَوْ كَسَرَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ لِئَلَّا يُعْبَدَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ يُوسُفَ جَاءَهُ سَائِلٌ يَوْمًا فَأَخَذَ بَيْضَةً مِنَ البيت فناولها السائل. وقال سفيان ابن عُيَيْنَةَ: أَخَذَ دَجَاجَةً مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي كَانَتْ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ فَأَعْطَاهَا سَائِلًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يخبأ الطعام من المائدة للفقراء، ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ [يوسف: ٧٧] أَضْمَرَهَا ﴿يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧] وإنما

стр. 453

أنث الكناية لأنه عين بِهَا الْكَلِمَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧] ذَكَرَهَا سِرًّا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا، يُرِيدُ أَنْتُمْ شَرٌّ مكانًا أي: منزلًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ رَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ فِي صَنِيعِكُمْ بِيُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ سَرِقَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَخِيَانَتُكُمْ حَقِيقَةٌ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] تَقُولُونَ. [٧٨] ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨] يحبه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨] بَدَلًا مِنْهُ، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] فِي أَفْعَالِكِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا فِي تَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَحُسْنِ الضِّيَافَةِ وَرَدِّ الْبِضَاعَةِ. وَقِيلَ: يَعْنُونَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ المحسنين. [قوله تعالى قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا] مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُون. . . [٧٩] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٧٩] يوسف، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٧٩] أَعُوذُ بِاللَّهِ، ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا مَنْ سَرَقَ تَحْرُّزًا مِنَ الْكَذِبِ، ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] إِنْ أَخَذْنَا بَرِيئًا بِمُجْرِمٍ. [٨٠] ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠] أَيْ: أَيِسُوا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ. وَقَالَ أبو عبيدة: استيأسوا اسْتَيْقَنُوا أَنَّ الْأَخَ لَا يُرد إليهم. ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] أَيْ: خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ. وَالنَّجِيُّ يصلح للجماعة كما قال هاهنا, وَيَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٢] وَإِنَّمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ نَعْتًا كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ, وَمِثْلُهُ النَّجْوَى يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا,، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الْإِسَرَاءِ: ٤٧] أَيْ: مُتَنَاجُونَ. وَقَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٧] وَقَالَ فِي الْمَصْدَرِ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٠] ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: ٨٠] يَعْنِي: فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ لَا فِي السِّنِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ يَهُوذَا وَهُوَ أَعْقَلُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، وَكَانَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ رُوبِيلُ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ، وَهُوَ الذي نهى عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ [يوسف: ٨٠] عَهْدًا. ﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٠] قصرتم ﴿فِي يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٠] وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ (مَا) قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِيقَاعِ الْعَلَمِ عليه، يعني: أنتم تَعْلَمُوا مِنْ قَبْلِ تَفْرِيطِكُمْ فِي يُوسُفَ. وَقِيلَ: وَهُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (مِنَ اللَّهِ) ثُمَّ قَالَ (وَمِنْ قَبْلُ) هَذَا تَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ. وَقِيلَ: (مَا) صِلَةٌ أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] التي أنا بها وهي مِصْرَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] بالخروج منها يدعوني، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] بِرَدِّ أَخِي إِلَيَّ أَوْ بِخُرُوجِي وَتَرْكِ أَخِي. وَقِيلَ: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ فَأُقَاتِلُهُمْ وَأَسْتَرِدُّ أخي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] أَعْدَلُ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ النَّاسِ. [٨١] ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٨١] يَقُولُ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ لِإِخْوَتِهِ: ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ، ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ [يوسف: ٨١] بنيامين، ﴿سَرَقَ﴾ [يوسف: ٨١] وقرأ ابن عباس والضحاك بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، يعني: نُسب إلى السرق، كَمَا يُقَالُ خَوَّنْتُهُ أَيْ نَسَبْتُهُ إِلَى الْخِيَانَةِ، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] يَعْنِي: مَا قُلْنَا هَذَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا فَإِنَّا رَأَيْنَا إِخْرَاجَ الصواع مِنْ مَتَاعِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا شهدنا إلا بما علمنا أي ما كانت منها شَهَادَةٌ فِي عُمْرِنَا عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنَّا إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ ﵇: مَا يَدْرِي هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ السَّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا بِقَوْلِكُمْ، فَقَالُوا: مَا شَهِدْنَا عِنْدَ يُوسُفَ بِأَنَّ السَّارِقَ يُسْتَرَقُّ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَكَانَ الْحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ. ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. مَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ سَيَسْرِقُ وَيَصِيرُ أمرنا إلى هذا، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا مِمَّا لنا حِفْظِهِ مِنْهُ سَبِيلٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا كُنَّا لِلَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَمَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ حَافِظِينَ.

стр. 454

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ فَلَعَلَّهَا دُسَّتْ بِاللَّيْلِ فِي رَحْلِهِ. [٦٢] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مِصْرُ ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أَيِ: الْقَافِلَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. وَكَانَ صَحِبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ كَنْعَانَ مِنْ جِيرَانِ يَعْقُوبَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَرَفَ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ أَنَّ إِخْوَتَهُ أَهْلَ تُهْمَةٍ عِنْدَ أَبِيهِمْ لِمَا كَانُوا صَنَعُوا فِي أَمْرِ يُوسُفَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هذه المقالة لأبيهم. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا بِأَبِيهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَكَانِهِ وَحَبَسَ أَخَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِشِدَّةِ وَجْدِ أَبِيهِ عليه؟ وقيل معنى العقوق: قطيعة الرَّحِمِ وَقِلَّةِ الشَّفَقَةِ؟ قِيلَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ ، أمره به لِيَزِيدَ فِي بَلَاءِ يَعْقُوبَ فَيُضَاعِفَ لَهُ الْأَجْرَ وَيُلْحِقَهُ فِي الدَّرَجَةِ بِآبَائِهِ الْمَاضِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ لِإِخْوَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُدَبِّرُوا فِي أَمْرِهِ تَدْبِيرًا فَيَكْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [٨٣] ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٨٣] زينت، ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: فَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ وَذَكَرُوا لِأَبِيهِمْ مَا قَالَ كَبِيرُهُمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا، أَيْ: حُمِلَ أَخِيكُمْ إِلَى مِصْرَ لِطَلَبِ نَفْعٍ عَاجِلٍ، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] يَعْنِي: يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ وَأَخَاهُمُ الْمُقِيمَ بمصر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَى فَقْدِهِمْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ. [٨٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: ٨٤] وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ لما بلغه خبر بنيامين تناهى حزنه وبلغ جهده، وهيج حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، ﴿وَقَالَ يا أَسَفَى﴾ [يوسف: ٨٤] يا حزنا، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٤] وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] يعني: عَمِيَ بَصَرُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ بصر بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] أَيْ: مَكْظُومٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ لَا يَبُثُّهُ. وَقَالَ قتادة: تردد حُزْنَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ. [٨٥] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٨٥] يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٥] أَيْ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، لَا تَفْتُرُ مِنْ حُبِّهِ، يقال: ما فتىء يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ يفعل، وَ (لَا) مَحْذُوفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ (تفتؤا) يقال: ما فتىء يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دفنا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَرَضُ مَا دُونَ الْمَوْتِ، يَعْنِي: قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاسِدًا لَا عَقْلَ لَكَ، وَالْحَرَضُ: الَّذِي فَسَدَ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ. وَقِيلَ: ذَائِبًا مِنَ الْهَمِّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى تَكُونَ دَنِفَ الْجِسْمِ

стр. 455

مَخْبُولَ الْعَقْلِ. وَأَصْلُ الْحَرَضِ: الْفَسَادُ فِي الْجِسْمِ، وَالْعَقْلِ مِنَ الْحُزْنِ والهرم، أو العشق أو الهم، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ حَرَضٌ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: من الميتين. [٨٦] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٨٦] يَعْقُوبُ ﵇ عِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى غِلْظَتَهُمْ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يُوسُفَ: ٨٦] وَالْبَثُّ أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حتى يبثه أَيْ: يُظْهِرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: بَثِّي أي: حاجتي. وروى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ له وقال: يا يعقوب ما الذي غير حالك مالي أَرَاكَ قَدْ تَهَشَّمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُهَا فَاغْفِرْهَا لِي، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحزني إلى الله. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] يَعْنِي أَعْلَمُ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ مَا لَا تَعْلَمُونَ. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ] وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. . . . . [٨٧] ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ [يوسف: ٨٧] تخبروا واطلبوا الخير، ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وَالتَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ لَا يَبْعُدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَسُّسَ بِالْحَاءِ فِي الْخَيْرِ وَبِالْجِيمِ فِي الشَّرِّ، والتحسس هُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالْحَاسَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: معناه التمسوا ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾ [يوسف: ٨٧] وَلَا تَقْنَطُوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] أي: من الرحمة: وَقِيلَ: مِنْ فَرَجِ اللَّهِ. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] [٨٨] ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٨٨] وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى مِصْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهَا فدخلوا عَلَيْهِ، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] أَيِ: الشِّدَّةُ وَالْجُوعُ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] أَيْ: قَلِيلَةٍ رَدِيئَةٍ كَاسِدَةٍ لَا تُنْفَقُ فِي ثَمَنِ الطَّعَامِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ مِنَ الْبَائِعِ فِيهَا وَأَصْلُ الْإِزْجَاءِ السَّوْقُ وَالدَّفْعُ وَقِيلَ: لِلْبِضَاعَةِ مزجاة لأنها غير نافعة، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَفْعٍ مَنْ أخذها، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] أَيْ: أَعْطِنَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قبل الثمن الجيد الوافي ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] أَيْ تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَلَا تَنْقُصْنَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي﴾ [يوسف: ٨٨] يثيب, ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ. وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى نَبِيِّنَا ﵊؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] يُرِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.

стр. 456

وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عليَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَصَدَّقُ وَإِنَّمَا يَتَصَدَّقُ مَنْ يَبْغِي الثَّوَابَ، قُلِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي أَوْ تَفَضَّلْ عليَّ. [٨٩] ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ يُوسُفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ فَبَاحَ بِالَّذِي كان يكتمه، وَقِيلَ: قَالَهُ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ أبيه الذي كتب إِلَيْهِ فَلَمْ يَتَمَالَكِ الْبُكَاءَ, فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخيه إذا فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ؟ وَقِيلَ: مُذْنِبُونَ وَعَاصُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذْ أَنْتُمْ شبان وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشَّبَابِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى أخيه شيء وَهُمْ لَمْ يَسْعَوْا فِي حَبْسِهِ؟ قِيلَ: قَدْ قَالُوا لَهُ فِي الصاع: مَا رَأَيْنَا مِنْكُمْ يَا بَنِي رَاحِيلَ خَيْرًا وَقِيلَ: لَمَّا كَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ كَانُوا يُؤْذُونَهُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِ يُوسُفَ. [٩٠] ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يُوسُفُ: ٩٠] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: (إِنَّكَ) عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الآخرون على الاستفهام، ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٩٠] بِنْيَامِينُ، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩٠] أنعم الله عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ [يوسف: ٩٠] بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَّقِي الزنا وَيَصْبِرُ عَنِ الْعُزُوبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّقِي الْمَعْصِيَةَ وَيَصْبِرُ عَلَى السِّجْنِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] [٩١] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٩١] مُعْتَذِرِينَ، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] أَيِ: اخْتَارَكَ اللَّهُ وَفَضَّلَكَ عَلَيْنَا، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] أَيْ: وَمَا كُنَّا فِي صَنِيعِنَا بِكَ إِلَّا مُخْطِئِينَ مُذْنِبِينَ. يُقَالُ: خطئ خطأ إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ إِذَا كَانَ غير متعمد. [٩٢] ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٩٢] يُوسُفُ وَكَانَ حَلِيمًا، ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] لا تعيير وَلَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ بَعْدَ الْيَوْمَ، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] فَلَمَّا عَرَّفَهُمْ يُوسُفُ نَفْسَهُ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَبِي بَعْدِي؟ قَالُوا: ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ من البكاء فأعطاهم قميصه، ثم قال: [٩٣] ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣] أَيْ: يَعُدْ مُبْصِرًا. وَقِيلَ: يَأْتِينِي بَصِيرًا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ دَعَاهُ. قَالَ الْحَسَنُ. لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَعُودُ بَصِيرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نسج الجنة. عن مُجَاهِدٍ قَالَ: أَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يرسل إليه قميصه، فَدَفَعَ يُوسُفُ ذَلِكَ الْقَمِيصَ إِلَى إِخْوَتِهِ وَقَالَ: أَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] [٩٤] ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] أَيْ خَرَجَتْ مِنْ عَرِيشِ مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إِلَى كَنْعَانَ ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٩٤] أَيْ: قَالَ يَعْقُوبُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] تُسَفِّهُونِي، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُجَهِّلُونِي. وقال الضحاك: تهرموني فَتَقُولُونَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ خَرَّفَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ. وَقِيلَ: تُضَعِّفُونِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِي. وَأَصِلُ الْفَنَدِ الفساد. [٩٥] ﴿قَالُوا﴾ [يوسف: ٩٥] يَعْنِي: أَوْلَادَ أَوْلَادِهِ، ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] لفي خطئك السابق مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ، والضلال هو الذهاب عن الطريق الصَّوَابِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوسُفَ قَدْ مَاتَ وَيَرَوْنَ يَعْقُوبَ قَدْ لهج بذكره. [قوله تعالى فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ] فَارْتَدَّ بَصِيرًا. . . . . [٩٦] ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] وَهُوَ الْمُبَشِّرُ عَنْ يُوسُفَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَاءَ الْبَشِيرُ بَيْنَ يَدَيِ الْعِيرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هو يهوذا قال: أَنَا ذَهَبْتُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ فَأَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ بِالْقَمِيصِ فَأُخْبِرُهُ أَنَّ وَلَدَهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَمَلَهُ يَهُوذَا وَخَرَجَ حَافِيًا حَاسِرًا يَعْدُو وَمَعَهُ

стр. 457

سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَكْلَهَا حَتَّى أَتَى أَبَاهُ، وَكَانَتِ الْمَسَافَةُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَقِيلَ: الْبَشِيرُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ. ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف: ٩٦] يَعْنِي: أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ، ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] فعاد بصيرًا بعد ما كان أعمى وَعَادَتْ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ وَشَبَابُهُ بَعْدَ الْهَرَمِ وَسُرُورُهُ بَعْدَ الحزن. ﴿قَالَ﴾ [يوسف: ٩٦] يعني: يعقوب ﵇، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] من حياة يوسف أن اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلْبَشِيرِ: كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ؟ عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. [٩٧] ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] مُذْنِبِينَ. [٩٨] ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (هَلْ مِنْ داع فأستجيب له) (١) . وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي يَعْنِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، قَالَ: أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمْ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] [٩٩] ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٩٩] أي: ضم إليه، ﴿أَبَوَيْهِ﴾ [يوسف: ٩٩] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ أَبُوهُ وَخَالَتُهُ لِيَا؟ وَكَانَتْ أُمُّهُ رَاحِيلُ قَدْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِ بِنْيَامِينَ. وقيل: هُوَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَكَانَتْ حَيَّةً ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ قَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ بعد ما أَخْبَرَ أَنَّهُمْ دَخَلُوهَا؟ وَمَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ حَصَلَ الدُّخُولُ؟ قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ حِينَ تَلَقَّاهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْنِ مِنَ الْجَوَازِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ مِصْرَ قَبْلَهُ إِلَّا بِجَوَازٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ, يَقُولُ: آمِنِينَ مِنَ الْجَوَازِ إِنْ شاء الله, كَمَا قَالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٧] وَقِيلَ: (إِنْ) هَا هُنَا بِمَعْنَى إِذْ, يُرِيدُ إِذْ شَاءَ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٩] أَيْ: إِذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. [١٠٠] ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: على السرير, أجلسمها. وَالرَّفْعُ هُوَ النَّقْلُ إِلَى الْعُلُوِّ. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] يعني: يعقوب وخالته وإخوانه وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ السُّجُودَ, ولم يرد

стр. 458

بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجِبَاهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالتَّوَاضُعُ. وَقِيلَ: وَضَعُوا الْجِبَاهَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّحِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَنُسِخَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا بَيْنَ يَدَيْ يُوسُفَ. وَالْأَوَّلُ أصح. ﴿وَقَالَ﴾ [يوسف: ١٠٠] يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ،؟ ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] رَبِّي، أَيْ: أَنْعَمَ عليَّ، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْجُبِّ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ بَلَاءً مِنَ السِّجْنِ اسْتِعْمَالًا لِلْكَرَمِ لِكَيْلَا يَخْجَلَ إِخْوَتُهُ بعد ما قَالَ لَهُمْ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] وَلِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجُبِّ صَارَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ وَالرِّقِّ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ صَارَ إِلَى الْمُلْكِ، وَلِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْبِئْرِ كَانَ لحسد إخوته وفي السجن كان مُكَافَأَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِزَلَّةٍ كَانَتْ مِنْهُ. ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَالْبَدْوُ بَسِيطٌ مِنَ الْأَرْضِ يَسْكُنُهُ أَهْلُ الْمَوَاشِي بِمَاشِيَتِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ بادية ومواشي، يُقَالُ بَدَا يَبْدُو إِذَا صَارَ إِلَى الْبَادِيَةِ. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ [يوسف: ١٠٠] أَفْسَدَ، ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] بالحسد والبغض، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ [يوسف: ١٠٠] أَيْ: ذُو لُطْفٍ، ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقيل: معناه لمن يَشَاءُ. وَحَقِيقَةُ اللَّطِيفِ الَّذِي يُوصِلُ الْإِحْسَانَ إِلَى غَيْرِهِ بِالرِّفْقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] فَلَمَّا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِيُوسُفَ شَمْلَهُ عَلَى أَنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حُسْنَ الْعَاقِبَةِ فَقَالَ: [١٠١] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] يَعْنِي مُلْكَ مِصْرَ، وَالْمُلْكُ: اتِّسَاعُ الْمَقْدُورِ لِمَنْ لَهُ السِّيَاسَةُ وَالتَّدْبِيرُ. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] يعني: تعبير الرؤيا. ﴿فَاطِرَ﴾ [يوسف: ١٠١] أي: يا فاطر، ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] أي: خالقهما ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ [يوسف: ١٠١] أَيْ: مُعِينِي وَمُتَوَلِّي أَمْرِي، ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] يَقُولُ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ مُسْلِمًا، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] يريد بآبائي النبيين. [١٠٢] ﴿ذَلِكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] الَّذِي ذَكَرْتُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] أَيْ: مَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ، ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] أَيْ: عَزَمُوا عَلَى إِلْقَاءِ يُوسُفَ في الجب، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] [١٠٣] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] يَا مُحَمَّدُ، ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] عَلَى إِيمَانِهِمْ. وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ وَقُرَيْشًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَلَى مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُسْلِمُوا، فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وإن حرصت على إيمانهم. [قوله تعالى وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا] ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. . . . [١٠٤] ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٠٤] أَيْ: عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] جعل وجزاء، ﴿إِنْ هُوَ﴾ [يوسف: ١٠٤] مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٤] عظة وتذكير ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] [١٠٥] ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [يوسف: ١٠٥] وكم، ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٥] عِبْرَةٍ وَدَلَالَةٍ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا. [١٠٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] فَكَانَ مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ يُنْزِلُ الْقَطْرَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيُشْرِكُونَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ نَسُوا رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]

стр. 459

الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٥] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [١٠٧] ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] أَيْ: عُقُوبَةٌ مُجَلَّلَةٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] الآية. قَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ. ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [يوسف: ١٠٧] فجأة، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧] بِقِيَامِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَهِيجُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ. [١٠٨] ﴿قُلْ﴾ [يوسف: ١٠٨] يا محمد، ﴿هَذِهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] الدَّعْوَةُ الَّتِي أَدْعُو إِلَيْهَا وَالطَّرِيقَةُ التي أنا عليها، ﴿سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] سُنَّتِي وَمِنْهَاجِي. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: دِينِي، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] أَيْ: إِلَى دِينِهِ. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] عَلَى يَقِينٍ. وَالْبَصِيرَةُ: هِيَ الْمَعْرِفَةُ التي يميز بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَيْضًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ. هَذَا قول الكلبي وابن زيد. قال: حَقٌّ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ، يذكرون بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] يَقُولُ: إِنِّي عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ رَبِّي وَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَنِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا عَلَى أَحْسَنِ طَرِيقَةٍ وَأَقْصَدِ هِدَايَةٍ، مَعْدِنَ الْعِلْمِ وَكَنْزَ الْإِيمَانِ وَجُنْدَ الرَّحْمَنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، لإقامة دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ على آثَارِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] أَيْ: وَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا أَشْرَكُوا بِهِ. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] [١٠٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يوسف: ١٠٩] يا محمد، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩] لا ملائكة، ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] قرأ أبو جعفر وحفص: (نُوحِي) بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ دُونَ أهل الْبَوَادِي لِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَعْقَلُ من أهل البوادي لِغِلَظِهِمْ وَجَفَائِهِمْ. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ [يوسف: ١٠٩] آخِرُ أَمْرِ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] يَعْنِي: الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ فَيَعْتَبِرُوا، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [يوسف: ١٠٩] يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ: هَذَا فِعْلُنَا بِأَهْلِ وِلَايَتِنَا وَطَاعَتِنَا أَنْ نُنْجِيَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَمَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُمْ، فَتَرَكَ ما ذكرنا اكتفاء بدلالة الكلام عليه. قوله (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) ، قِيلَ:

стр. 460

معناه ولدار الحال الآخرة خير. وَقِيلَ: هُوَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٩٥] وَكَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَرَبِيعُ الْآخَرِ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] فَتُؤْمِنُونَ. [١١٠] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: (كُذِبُوا) فَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ: (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فمن شدده قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَيْ أَيْقَنُوا- يَعْنِي الرُّسُلَ- أَنَّ الْأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهُمْ تَكْذِيبًا لَا يرجى بعد إيمانه، والظن لمعنى الْيَقِينِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قومه أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ لِشِدَّةِ المحنة والبلاء عليهم استبطاء النَّصْرِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَيْ: ظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كذبتهم في وعيد العقاب. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ معناه ضعف قلوبهم. يعني: وظنت الرسل أنهم قد كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا مِنَ النَّصْرِ، وَكَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا وَيَئِسُوا وَظَنُّوا أنهم قد أَخْلَفُوا، ثُمَّ تَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] (جاءهم) أَيْ: جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] قَرَأَ الْعَامَّةُ بِنُونَيْنِ، أَيْ: نَحْنُ نُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمُصْحَفِ بنون واحدة مضمومة، فَيَكُونُ مَحَلُّ (مَنْ) رَفْعًا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يَكُونُ نَصْبًا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ المطيعون. ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾ [يوسف: ١١٠] عذابنا، ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] أي: الْمُشْرِكِينَ. [١١١] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ [يوسف: ١١١] أَيْ: فِي خَبَرِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ, ﴿عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: ١١١] عِظَةٌ, ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ﴾ [يوسف: ١١١] يعني: القرآن, ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] أَيْ يُخْتَلَقُ, ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي﴾ [يوسف: ١١١] أَيْ وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ الَّذِي, ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١] مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ, ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] مِمَّا يَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ, ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [يوسف: ١١١] بيانا ونعمة, ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] [سورة الرعد] [قوله تعالى المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ] مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. . . . . (١٣) سورة الرعد [١] ﴿المر﴾ [الرعد: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ١] يَعْنِي: تِلْكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي قَصَصْتُهَا عليك آيات التوراة والإنجيل والكتاب
следующие страницы →