← Тафсир

Тафсир · id 31364

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مِنْهُ الْمُنَافِقُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ الظَّالِمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] وَحَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ الِاصْطِفَاءَ عَلَى الِاصْطِفَاءِ فِي الْخِلْقَةِ وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إليهم وإنزال الكتب. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جَمِيعِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أي: سابق إلى الجنة وإلى رَحْمَةِ اللَّهِ بِالْخَيْرَاتِ أَيْ بِالْأَعْمَالِ الصالحات، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] أَيْ أَمْرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] يعني إيراثهم الكتاب. [٣٣] ثُمَّ أَخْبَرَ بِثَوَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] يَعْنِي الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (يُدْخَلُونَهَا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣] [٣٤] ﴿وَقَالُوا﴾ [فاطر: ٣٤] أَيْ وَيَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وَالْحُزْنُ وَاحِدٌ كَالْبَخَلِ وَالْبُخْلِ. قَالَ ابن عباس: حَزَنَ النَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَزَنَ الموت. وقال مقاتل: حزنوا لأنهما كَانُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَزَنُ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَخَوْفُ رَدِّ الطَّاعَاتِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ: حَزَنُ زَوَالِ النِّعَمِ وَتَقْلِيبِ الْقَلْبِ، وَخَوْفِ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: حَزَنُ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا كَانَ يُحْزِنُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّ الْأَحْزَانِ مَا كَانَ مِنْهَا لِمَعَاشٍ أَوْ لِمَعَادٍ ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] [٣٥] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ [فاطر: ٣٥] أنزلنا، ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥] أَيِ الْإِقَامَةِ، ﴿مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] أي لا يصيبنا فيها عياء ولا مشقة، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] عياء مِنَ التَّعَبِ. [٣٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] أَيْ لَا يُهْلَكُونَ فَيَسْتَرِيحُوا كَقَوْلِهِ : ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أَيْ قَتَلَهُ. وَقِيلَ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ فَيَمُوتُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] أَيْ لَيَقْضِ عَلَيْنَا الْمَوْتَ فَنَسْتَرِيحَ، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] مِنْ عَذَابِ النَّارِ، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] كَافِرٍ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (يُجْزَى) بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الزَّايِ كُلُّ رُفِعَ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الزاي ﴿كُلَّ﴾ [فاطر: ٣٦] نصب. [٣٧] ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ﴾ [فاطر: ٣٧] يستغيثون ويصيحون، ﴿فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧] وهو افتعال مِنَ الصُّرَاخِ وَهُوَ الصِّيَاحُ يَقُولُونَ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ [فاطر: ٣٧] مِنْهَا مِنَ النَّارِ، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّرَكِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ تَوْبِيخًا ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] قِيلَ: هُوَ

стр. 772

الْبُلُوغُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: ثَمَانِ عَشَرَةَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سِتُّونَ سَنَةً، يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ابْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْذَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بلَّغه سِتِّينَ سنة» (١) ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٌ: هُوَ الشَّيْبُ. معناه: أولم نُعَمِّرْكُمْ حَتَّى شِبْتُمْ، وَيُقَالُ: الشَّيْبُ نَذِيرُ الْمَوْتِ. وَفِي الْأَثَرِ: مَا مِنْ شَعَرَةٍ تَبْيَضُّ إِلَّا قَالَتْ لِأُخْتِهَا: اسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ الْمَوْتُ. قوله: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧] [٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨] [قوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ] كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ. . . [٣٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] أَيْ يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقِيلَ: جَعَلَكُمْ أُمَّةً خَلَفَتْ مَنْ قَبْلَهَا. وَرَأَتْ فِيمَنْ قَبْلَهَا، مَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْتَبِرَ بِهِ، ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر: ٣٩] أَيْ عَلَيْهِ وَبَالُ كُفْرِهِ ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر: ٣٩] غَضَبًا ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩] [٤٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٤٠] أَيْ جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَائِي بِزَعْمِكُمْ يَعْنِي الْأَصْنَامَ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ [فاطر: ٤٠] قَالَ مُقَاتِلٌ: هَلْ أَعْطَيْنَا كُفَّارَ مكة كتابا، ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ [فاطر: ٤٠] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وحمزة وحفص ﴿بَيِّنَتٍ﴾ [فاطر: ٤٠] عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بَيِّنَاتٍ عَلَى الْجَمْعِ، يَعْنِي دَلَائِلَ وَاضِحَةً منه فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مِنْ ضُرُوبِ البيان، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ﴾ [فاطر: ٤٠] أَيْ مَا يَعِدُ، ﴿الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠] الغرور مَا يَغُرُّ الْإِنْسَانَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مَا يَعِدُ الشَّيْطَانُ كَفَّارَ بَنِي آدَمَ مِنْ شَفَاعَةِ الْآلِهَةِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غُرُورٌ وَبَاطِلٌ. [٤١] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أَيْ: كَيْلَا تَزُولَا، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] أَيْ مَا يُمْسِكُهُمَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، أَيْ أَحَدٌ سِوَاهُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الحلم ههنا؟ قِيلَ: لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ هَمَّتْ بِمَا هَمَّتْ بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْكُفَّارِ فَأَمْسَكَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الزوال لحلمه وَغُفْرَانِهِ أَنْ يُعَاجِلَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ. [٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٢] يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ قَالُوا: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهُمْ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ وقالوا: لو أتى رسول الله لنكونن

стр. 773

أَهْدَى دِينًا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ كَذَّبُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢] رَسُولٌ، ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢] مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] أَيْ مَا زَادَهُمْ مَجِيئُهُ إِلَّا تَبَاعُدًا عَنِ الْهُدَى. [٤٣] ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٣] نصب ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ [فاطر: ٤٣] عَلَى الْبَدَلِ مِنَ النُّفُورِ، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر: ٤٣] يَعْنِي الْعَمَلَ الْقَبِيحَ، أُضِيفَ الْمَكْرُ إِلَى صِفَتِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الشِّرْكِ وَقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَرَأَ حمزة (ومكر السَّيِّئْ) سَاكِنَةَ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفًا وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ [فاطر: ٤٣] أَيْ لَا يَحِلُّ وَلَا يُحِيطُ المكر السيئ، ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَاقِبَةُ الشِّرْكِ لَا تَحِلُّ إلا بمن أشرك. والمعنى: إن وَبَالُ مَكْرِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [فاطر: ٤٣] ينتظرون، ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ كَمَا نَزَلَ بِمَنْ مَضَى مِنَ الكفار، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] [٤٤] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ [فاطر: ٤٤] يَعْنِي لِيَفُوتَ عَنْهُ ﴿مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] [قوله تعالى وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا] تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ. . . [٤٥] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥] مِنَ الْجَرَائِمِ، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥] يَعْنِي عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ نُوحٍ أَهْلَكَ اللَّهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي سَفِينَةِ نُوحٍ، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يُرِيدُ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَأَهْلَ معصيته. [سورة يس] [قوله تعالى يس وَالقرآن الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ] . . . (٣٦) سورة يس [١] ﴿يس﴾ [يس: ١] وَن، قَرَأَ بِإِخْفَاءِ النُّونِ فِيهِمَا ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بكر وورش بخلف عنه في: نون والقلم، وَالْبَاقُونَ يُظْهِرُونَ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ (يس) حَسْبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قسم، يروى عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَا إِنْسَانُ بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَا رَجُلُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: يَا سيد البشر. [٢] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] [٣] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] أقسم الله بالقرآن بأن مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] [٤] ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] هو خبر بعد خبر، أي إنك لمن المرسلين وإنك عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [٥] ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (تَنْزِيلَ) بِنَصْبِ اللَّامِ كَأَنَّهُ قَالَ نُزِّلَ تَنْزِيلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ هُوَ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. [٦] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] قِيلَ: (مَا) لِلنَّفْيِ أَيْ لَمْ يُنْذَرْ آبَاؤُهُمْ لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَأْتِهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقِيلَ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا بِالَّذِي أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ، ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] عَنِ الْإِيمَانِ وَالرُّشْدِ. [٧] ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس: ٧] وَجَبَ الْعَذَابُ، ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧١] [٨] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨] قَالَ أَهْلُ

стр. 774

الْمَعَانِي: هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمَثَلِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غِلٌّ، أَرَادَ: مَنَعْنَاهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِمَوَانِعَ، فَجَعَلَ الْأَغْلَالَ مَثَلًا لِذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ إِنَّا حَبَسْنَاهُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] مَعْنَاهُ لَا تُمْسِكْهَا عَنِ النَّفَقَةِ. ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ [يس: ٨] وهي كِنَايَةٌ عَنِ الْأَيْدِي وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ لِأَنَّ الْغِلَّ يَجْمَعُ الْيَدَ إِلَى الْعُنُقِ، مَعْنَاهُ: إِنَّا جَعَلَنَا فِي أَيْدِيهِمْ وَأَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] المقمح الَّذِي رُفِعَ رَأْسُهُ وَغُضَّ بَصَرُهُ، يُقَالُ: بَعِيرٌ قَامِحٌ إِذَا رَوَى مِنَ الْمَاءِ فَأَقْمَحَ إِذَا رَفَعَ رأسه وغض بصره. قال الْأَزْهَرِيُّ: أَرَادَ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ لَمَّا غُلَّتْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ رَفَعَتِ الْأَغْلَالُ أذقانهم ورءوسهم، فهم مرفوعوا الرءوس بِرَفْعِ الْأَغْلَالِ إِيَّاهَا. [٩] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (سَدًّا) بِفَتْحِ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا، ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس: ٩] فَأَعْمَيْنَاهُمْ مِنَ التَّغْشِيَةِ وَهِيَ التَّغْطِيَةُ، ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] سَبِيلَ الْهُدَى. [١٠] ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] [١١] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] يَعْنِي إِنَّمَا يَنْفَعُ إِنْذَارُكُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ يَعْنِي الْقُرْآنَ فَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] حَسَنٍ وَهُوَ الْجَنَّةُ. [١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] عِنْدَ الْبَعْثِ، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] أَيْ مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فله أجرها وأجر مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» (١) . وَقَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهَمْ) أَيْ: خُطَاهُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ. رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: شَكَتْ بَنُو سَلَمَةَ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهَمْ) (٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: ١٢] حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا] الْمُرْسَلُونَ. . . [١٣] قَوْلُهُ : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] يَعْنِي اذْكُرْ لَهُمْ شَبَهًا مِثْلَ حَالِهِمْ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ وَهِيَ أَنْطَاكِيَةُ، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] يَعْنِي رُسُلُ عِيسَى ﵊.

стр. 775

[١٤] فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] قَالَ وَهْبٌ: اسْمُهُمَا يُوحَنَّا وَبُولِسُ، ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] يعني فقوينا ﴿بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] بِرَسُولٍ ثَالِثٍ وَهُوَ شَمْعُونُ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (فَعَزَزْنَا) بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ كَقَوْلِكَ: شددنا وشددنا، بالتخفيف بالتثقيل، وَقِيلَ: أَيْ فَغَلَبْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنْ عَزَّ بَزَّ. وَقَالَ كَعْبٌ: الرَّسُولَانِ صَادِقٌ وَصَدُوقٌ، وَالثَّالِثُ شَلُومُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ الْإِرْسَالَ إِلَيْهِ لأن عيسى إِنَّمَا بَعَثَهُمْ بِأَمْرِهِ تَعَالَى، ﴿فَقَالُوا﴾ [يس: ١٤] جَمِيعًا لِأَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ، ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] [١٥] ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَاذِبُونَ فِيمَا تَزْعُمُونَ. [١٦] ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] [١٧] ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧] [١٨] ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] تَشَاءَمْنَا بِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَطَرَ حبس عنهم حين قدم الرسل عليهم، فَقَالُوا: أَصَابَنَا هَذَا بِشُؤْمِكُمْ، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس: ١٨] لَنَقْتُلَنَّكُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْحِجَارَةِ ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨] [١٩] ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] يَعْنِي شُؤْمُكُمْ مَعَكُمْ بِكُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ يَعْنِي أَصَابَكُمِ الشُّؤْمُ مِنْ قِبَلِكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: حَظُّكُمْ من الخير والشر، ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩] يَعْنِي وُعِظْتُمْ بِاللَّهِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ محذوف، الجواب: إِنْ ذُكِّرْتُمْ وَوُعِظْتُمْ بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِنَا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَلِينَةِ ذُكِرْتُمْ بِالتَّخْفِيفِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] مُشْرِكُونَ مُجَاوِزُونَ الْحَدَّ. [٢٠] قَوْلُهُ : ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ قَصَّارًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ رَجُلًا يَعْمَلُ الْحَرِيرَ وَكَانَ سَقِيمًا فد أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عِنْدَ أَقْصَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مُؤْمِنًا ذَا صَدَقَةٍ يَجْمَعُ كَسْبَهُ إِذَا أَمْسَى فَيَقْسِمُهُ نِصْفَيْنِ، فَيُطْعِمُ نِصْفًا لِعِيَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بنصفه، فلما بلغه أن قومه قد قَصَدُوا قَتْلَ الرُّسُلِ جَاءَهُمْ، ﴿قَالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] [٢١] ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ حَبِيبٌ فِي غار يعبد الله، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الرُّسُلِ أَتَاهُمْ فَأَظْهَرَ دِينَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى حَبِيبٌ إِلَى الرُّسُلِ قَالَ لَهُمْ: تَسْأَلُونَ عن هَذَا أَجْرًا؟ قَالُوا: لَا، فَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ قَالُوا لَهُ: وَأَنْتَ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا وَمُتَابِعٌ دِينَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ وَمُؤْمِنٌ بِإِلَهِهِمْ؟ [٢٢] فَقَالَ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ (مَا لِي) بِإِسْكَانِ الْيَاءِ،

стр. 776

وَالْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا. قِيلَ. أَضَافَ الْفِطْرَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ أَثَرُ النِّعْمَةِ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ أَظْهَرَ، وَفِي الرُّجُوعِ مَعْنَى الزَّجْرِ وكان بهم أليق وقيل: إنهم - لَمَّا قَالَ: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ- أَخَذُوهُ فَرَفَعُوهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَفَأَنْتَ تَتْبَعُهُمْ؟ فَقَالَ: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ، يعني وأي شيء في إِذَا لَمْ أَعْبُدِ الْخَالِقَ، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تُرَدُّونَ عِنْدَ الْبَعْثِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. [٢٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٢٣] اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيْ لَا أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ [يس: ٢٣] بِسُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي﴾ [يس: ٢٣] لَا تَدْفَعُ عَنِّي، ﴿شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣] أَيْ لَا شَفَاعَةَ لَهَا أَصْلًا فتغني ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] مِنْ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ، وَقِيلَ: لَا يُنْقِذُونِ مِنَ الْعَذَابِ لَوْ عَذَّبَنِي اللَّهُ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ. [٢٤] ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٤] خَطَأٍ ظَاهِرٍ. [٢٥] ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] يَعْنِي فَاسْمَعُوا مِنِّي، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَثَبَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَثْبَةَ رجل واحد فقتلوه. [٢٦] فذلك قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس: ٢٦] فَلَمَّا أَفْضَى إِلَى الْجَنَّةِ، ﴿قَالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] [٢٧] ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يَسٍ: ٢٧] يَعْنِي بِغُفْرَانِ رَبِّي لِي، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] تَمَنَّى أَنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ وَأَكْرَمَهُ، لِيَرْغَبُوا فِي دِينِ الرُّسُلِ، فَلَمَّا قُتِلَ حَبِيبٌ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ وَعَجَّلَ لهم النقمة، فأمر جبريل فَصَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَمَاتُوا عن آخرهم. [قوله تعالى وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ] مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ. . . [٢٨] فذلك قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: ٢٨] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: ٢٨] وَمَا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا بَلِ الْأَمْرُ فِي إِهْلَاكِهِمْ كَانَ أَيْسَرَ مِمَّا يَظُنُّونَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ) أي على قوم حبيب مِنْ بَعْدِ قَتْلِهِ مِنْ جُنْدٍ وما كما منزلين، نُنْزِلُهُمْ عَلَى الْأُمَمِ إِذَا أَهْلَكْنَاهُمْ، كَالطُّوفَانِ وَالصَّاعِقَةِ وَالرِّيحِ، ثُمَّ بَيَّنَ عُقُوبَتَهُمْ. [٢٩] فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ، بِالرَّفْعِ جَعَلَ الْكَوْنَ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضَادَتَيْ بَابِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] ميتون. [٣٠] ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَا حَسْرَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدَامَةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا حَسْرَةً) وَنَدَامَةً وَكَآبَةً عَلَى الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرُّسُلِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْهَالِكِينَ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمَّا عَايَنُوا الْعَذَابَ قَالُوا: يَا حَسْرَةً أَيْ نَدَامَةً عَلَى العباد يعني على العباد يعني الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، فَتَمَنَّوُا الْإِيمَانَ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْحَسْرَةُ لَا تُدْعَى وَدُعَاؤُهَا تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِينَ. وَقِيلَ العرب تقول. يا حسرتي وَيَا عَجَبًا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ وَالنِّدَاءُ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى التَّنْبِيهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَجَبُ هَذَا وَقْتُكَ؟ وَأَيَّتُهَا الْحَسْرَةُ هَذَا أَوَانُكِ؟ حَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا زَمَانُ الْحَسْرَةِ وَالتَّعَجُّبِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَقَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] [٣١] ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس: ٣١] أَلَمْ يُخْبَرُوا يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١] وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرَانِهِمْ فِي الْوُجُودِ، ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] أَيْ لَا يَعُودُونَ إِلَى الدُّنْيَا فَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ. [٣٢] ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢] قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ (لَمَّا) بِالتَّشْدِيدِ هاهنا وفي الزخرف والطارق، وافق ابْنُ عَامِرٍ إِلَّا فِي الزُّخْرُفِ، وَوَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي الطَّارِقِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَنْ شَدَّدَ جعل (إن) بمعنى الجحد، و (لما) بِمَعْنَى إِلَّا، تَقْدِيرُهُ: وَمَا كَلٌّ إِلَّا جَمِيعٌ، وَمَنْ خَفَّفَ جَعَلَ (إن) للتحقيق

стр. 777

و (ما) صلة، مجازه: كل جميع، ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] [٣٣] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] بالمطر، ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ [يس: ٣٣] يَعْنِي الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] أَيْ مِنَ الْحَبِّ. [٣٤] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ [يس: ٣٤] بَسَاتِينَ، ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ [يس: ٣٤] في الأرض، ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس: ٣٤] [٣٥] ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥] أَيْ مِنَ الثَّمَرِ الْحَاصِلِ بِالْمَاءِ، ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ [يس: ٣٥] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (عَمِلَتْ) بِغَيْرِ هَاءٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (عَمِلَتْهُ) بِالْهَاءِ أَيْ يَأْكُلُونَ مِنَ الذي عملته، ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] من الزرع والغرس، والهاء عائدة إلى (ما) التي هي بِمَعْنَى الَّذِي. وَقِيلَ: مَا لِلنَّفْيِ في قوله ما عملته أيديهم أي وجدوها معمولة ولم تعمله أَيْدِيهِمْ، وَلَا صُنْعَ لَهُمْ فِيهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ الَّتِي لَمْ تَعْمَلْهَا يَدُ خَلْقٍ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنِّيلِ وَنَحْوِهَا، ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] نِعْمَةَ اللَّهِ. [٣٦] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] أي الأصناف كلها، ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [يس: ٣٦] من الثمار والحبوب، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [يس: ٣٦] يَعْنِي الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] مما خلق من الأشياء مع دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. [٣٧] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ [يس: ٣٧] تَدَلُّ عَلَى قُدْرَتِنَا، ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧] نَنْزِعُ وَنَكْشِطُ، ﴿مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] دَاخِلُونَ فِي الظُّلْمَةِ، وَمَعْنَاهُ نُذْهِبُ النَّهَارَ وَنَجِيءُ بِاللَّيْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ هِيَ الظُّلْمَةُ وَالنَّهَارُ دَاخِلٌ عَلَيْهَا، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ. [٣٨] ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] أي إلى مستقر لها. قيل: إِلَى انْتِهَاءِ سَيْرِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا تَسِيرُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى أَبْعَدِ مَغَارِبِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّهَا لِأَنَّهَا لَا تُجَاوِزُهُ. وَقِيلَ: مُسْتَقَرُّهَا نِهَايَةُ ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَنِهَايَةُ هُبُوطِهَا فِي الشِّتَاءِ، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ لَا قَرَارَ لَهَا وَلَا وُقُوفَ فَهِيَ جَارِيَةٌ أَبَدًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. [٣٩] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] أي قدرنا له، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (الْقَمَرُ) بِرَفْعِ الرَّاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: (قَدَّرْنَاهُ) أي قدرنا القمر، ﴿مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وقد ذكرنا عددها فِي سُورَةِ يُونُسَ (١) فَإِذَا صَارَ الْقَمَرُ إِلَى آخَرِ الْمَنَازِلِ دَقَّ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] والعرجون عود العذق

стр. 778

الَّذِي عَلَيْهِ الشَّمَارِيخُ فَإِذَا قَدُمَ عتق ويبس وَتَقَوَّسَ وَاصْفَرَّ، فَشُبِّهَ الْقَمَرُ فِي دِقَّتِهِ وَصُفْرَتِهِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ بِهِ. [٤٠] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] أَيْ لَا يَدْخُلُ النَّهَارُ عَلَى اللَّيْلِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أَيْ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ لَا يَجِيءُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَقْتِهِ. وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي سلطان الآخر، لا يطلع الشَّمْسُ بِاللَّيْلِ وَلَا يَطْلُعُ الْقَمَرُ بالنهار وله ضوء، وإذا اجْتَمَعَا وَأَدْرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ قَامَتِ الْقِيَامَةُ. وَقِيلَ: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القمر) أي تَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي فَلَكٍ وَاحِدٍ (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أَيْ لَا يَتَّصِلُ لَيْلٌ بِلَيْلٍ لَا يكون بينهما فَاصِلٌ، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] يجرون. [قوله تَعَالَى وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ] الْمَشْحُونِ. . . [٤١] ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] وَالْمُرَادُ بِالذُّرِّيَّةِ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، وَاسْمُ الذُّرِّيَّةِ يَقَعُ عَلَى الْآبَاءِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْأَوْلَادِ، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أَيْ الْمَمْلُوءِ، وَأَرَادَ سَفِينَةَ نُوحٍ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ نَسْلِ مَنْ حُمِلَ مَعَ نُوحٍ، وَكَانُوا فِي أَصْلَابِهِمْ. [٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] قيل: أراد به السفن الَّتِي عُمِلَتْ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ على هيئتها. وقيل: أراد بالسفن الَّتِي تَجْرِي فِي الْأَنْهَارِ فَهِيَ فِي الْأَنْهَارِ كَالْفُلْكِ الْكِبَارِ فِي البحار، هذا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ، يَعْنِي الْإِبِلَ؛ فَالْإِبِلُ فِي الْبَرِّ كَالسُّفُنِ فِي الْبَحْرِ. [٤٣] ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ﴾ [يس: ٤٣] أَيْ لَا مُغِيثَ، ﴿لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] ينجون من الغرق. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحَدَ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِي. [٤٤] ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤] إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، يَعْنِي إِلَّا أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجَالِهِمْ. [٤٥] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ يَعْنِي الْآخِرَةَ، فَاعْمَلُوا لَهَا وما خلفكم يعني من الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا، وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَقَائِعُ اللَّهِ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمَا خَلْفَكُمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِذَا قِيلَ لَهُمْ هَذَا أَعْرَضُوا عَنْهُ، دَلِيلُهُ مَا بَعْدَهُ. [٤٦] ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [يس: ٤٦] أَيْ دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦] [٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] أَعْطَاكُمُ اللَّهُ، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾ [يس: ٤٧] أَنَرْزُقُ، ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] وَذَلِكَ

стр. 779

أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لِكُفَّارِ مَكَّةَ: أَنْفِقُوا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِمَّا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنَّهُ لِلَّهِ، وَهُوَ ما جعلوه لِلَّهِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، قَالُوا: أَنُطْعِمُ أَنَرْزُقُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ الله أطعمه رَزَقَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْزُقْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلَا نُطْعِمُ مَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وَهَذَا مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْبُخَلَاءُ، يَقُولُونَ: لَا نُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ، وَهَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَغْنَى بَعْضَ الْخَلْقِ وَأَفْقَرَ بَعْضَهُمُ ابْتِلَاءً، فَمَنَعَ الدُّنْيَا مِنَ الْفَقِيرِ لَا بُخْلًا وَأَمَرَ الْغَنِيَّ بِالْإِنْفَاقِ لَا حَاجَةً إِلَى مَالِهِ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ الغني بالفقير فيما أمر وفرض لَهُ فِي مَالِ الْغَنِيِّ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ فِي خَلْقِهِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] يَقُولُ الْكُفَّارُ لِلْمُؤْمِنِينَ: مَا أَنْتُمْ إِلَّا فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ فِي اتباعكم محمدا وَتَرْكِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. [٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس: ٤٨] أَيِ الْقِيَامَةُ وَالْبَعْثُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨] [٤٩] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس: ٤٩] أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأولى، ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] يَعْنِي يَخْتَصِمُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي الْمَجَالِسِ وَالْأَسْوَاقِ، قَرَأَ حَمْزَةُ (يَخْصِمُونَ) بِسُكُونِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، أَيْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخِصَامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ، أَيْ يَخْتَصِمُونَ، أدغمت التاء في الصاد. [٥٠] قَوْلُهُ : ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] أي لا يقدرون الْإِيصَاءِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَجِلُوا عَنِ الْوَصِيَّةِ فَمَاتُوا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] يَنْقَلِبُونَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَةَ لَا تُمْهِلُهُمْ لِشَيْءٍ. [٥١] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: ٥١] وهي الْأَخِيرَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [يس: ٥١] يَعْنِي الْقُبُورُ، وَاحِدُهَا: جَدَثٌ، ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ أَحْيَاءً، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ: نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ بطن أمه. [٥٢] ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قَالَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَيَرْقُدُونَ فَإِذَا بُعِثُوا بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأَخِيرَةِ وَعَايَنُوا الْقِيَامَةَ دَعَوْا بِالْوَيْلِ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّ الْكُفَّارَ إِذَا عَايَنُوا جَهَنَّمَ وَأَنْوَاعَ عَذَابِهَا صَارَ عَذَابُ الْقَبْرِ فِي جَنْبِهَا كَالنَّوْمِ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟ ثُمَّ قَالُوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] أَقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ. وَقِيلَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ الْكُفَّارُ: (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] [٥٣] ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ [يس: ٥٣] مَا كَانَتْ، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] يعني النفخة الأخيرة، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] [٥٤] ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] [قوله تعالى إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ] . . . [٥٥] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عمرو (في شغل) اختلفوا فِي مَعْنَى الشُّغُلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي افْتِضَاضِ الْأَبْكَارِ. وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجِرَاحِ: فِي السَّمَاعِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي شُغُلٍ عَنْ أَهْلِ النَّارِ وَعَمَّا هُمْ فِيهِ لَا يُهِمُّهُمْ أَمْرُهُمْ وَلَا يَذْكُرُونَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شُغِلُوا بِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فِي زِيَارَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تعالى. ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فَكِهُونَ) حَيْثُ كَانَ، وَافَقَهُ حَفْصٌ فِي الْمُطَفِّفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْحَاذِرُ وَالْحَذِرُ، أَيْ نَاعِمُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُعْجَبُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرِحُونَ.

стр. 780

[٥٦] ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس: ٥٦] أي حلائلهم، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس: ٥٦] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ظُلَلٍ بِضَمِّ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ (فِي ظِلَالٍ) بِالْأَلِفِ وَكَسْرِ الظَّاءِ عَلَى جَمْعِ ظل، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [يس: ٥٦] يَعْنِي السُّرَرَ فِي الْحِجَالِ وَاحِدَتُهَا أَرِيكَةٌ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَا تَكُونُ أَرِيكَةً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا حَجْلَةٌ. ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] ذَوُو اتِّكَاءٍ. [٥٧] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] يَتَمَنَّوْنَ وَيَشْتَهُونَ. [٥٨] ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] أَيْ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ قَوْلًا، وقيل: يسلم عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ. وَقِيلَ: تُسَلِّمُ عليهم الملائكة من ربهم. وقال مُقَاتِلٌ: تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ بَابٍ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهُمُ السَّلَامَةَ يَقُولُ: اسْلَمُوا السَّلَامَةَ الْأَبَدِيَّةَ. [٥٩] ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] قال مقاتل: اعتزلوا اليوم الصَّالِحِينَ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: تَمَيَّزُوا. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كُونُوا عَلَى حِدَةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: انْفَرَدُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ لِكُلِّ كَافِرٍ فِي النَّارِ بَيْتًا يُدْخَلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَيُرْدَمُ بَابُهُ بِالنَّارِ فَيَكُونُ فِيهِ أَبَدَ الْآبِدِينَ، لَا يَرَى وَلَا يُرَى. [٦٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] أَلَمْ آمُرْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ، ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] أَيْ لَا تُطِيعُوا الشَّيْطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] ظاهر العداوة. [٦١] ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦١] أَطِيعُونِي وَوَحِّدُونِي، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] [٦٢] ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ (جِبِلًّا) معناها: الْخَلْقُ وَالْجَمَاعَةُ أَيْ خَلْقًا كَثِيرًا ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢] مَا أَتَاكُمْ مِنْ هَلَاكِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ بِطَاعَةِ إِبْلِيسَ، وَيُقَالُ لَهُمْ لَمَّا دَنَوْا مِنَ النَّارِ. [٦٣] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] بها في الدنيا. [٦٤] ﴿اصْلَوْهَا﴾ [يس: ٦٤] ادْخُلُوهَا ﴿الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] [٦٥] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] هَذَا حِينَ يُنْكِرُ الْكُفَّارُ كُفْرَهُمْ وتكذيبهم الرسل بقولهم ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جوارحهم. [٦٦] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أَيْ أَذْهَبْنَا أَعْيُنَهُمُ الظَّاهِرَةَ بِحَيْثُ لَا يَبْدُو لَهَا جَفْنٌ وَلَا شِقٌّ، وَهُوَ مَعْنَى الطَّمْسِ كَمَا قال الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠] يَقُولُ: كَمَا أَعْمَيْنَا قُلُوبَهُمْ لَوْ شِئْنَا أَعْمَيْنَا أَبْصَارَهُمُ الظاهرة، ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ [يس: ٦٦] فَتَبَادَرُوا إِلَى الطَّرِيقِ، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦]

стр. 781

فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وَقَدْ أَعْمَيْنَا أَعْيُنَهُمْ؟ يعني: لو تشاء لَأَضْلَلْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، وَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ، فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطَّرِيقَ حِينَئِذٍ؟ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ لَوْ نَشَاءُ لَفَقَأْنَا أَعْيُنَ ضَلَالَتِهِمْ، فَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنْ غَيِّهِمْ، وَحَوَّلْنَا أَبْصَارَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، فَأَبْصَرُوا رُشْدَهُمْ، (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) وَلَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ؟ [٦٧] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] يعني مكانتهم، يُرِيدُ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقِيلَ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُمْ حِجَارَةً، وَهُمْ قُعُودٌ فِي مَنَازِلِهِمْ لَا أَرْوَاحَ لَهُمْ. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] يعني إلى ما كانوا عليه على وَقِيلَ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَهَابٍ وَلَا رُجُوعٍ. [٦٨] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] أَيْ نَرُدُّهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ شِبْهَ الصَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ. وَقِيلَ: نُنَكِّسُهُ فِي الْخَلْقِ أَيْ نُضْعِفُ جَوَارِحَهُ بَعْدَ قُوَّتِهَا وَنَرُدُّهَا إِلَى نُقْصَانِهَا بَعْدَ زِيَادَتِهَا. ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] فَيَعْتَبِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى تَصْرِيفِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ يَقْدِرُ عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. [٦٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا شَاعِرٌ، وَمَا يَقُولُهُ شِعْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ مَا يَتَسَهَّلُ لَهُ ذَلِكَ وَمَا كَانَ يَتَّزِنُ له بيت من الشعر، حَتَّى إِذَا تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ جرى على لسانه منكسرا، ﴿إِنْ هُوَ﴾ [يس: ٦٩] يعني ما القرآن، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يس: ٦٩] موعظة، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ. [٧٠] ﴿لِيُنْذِرَ﴾ [يس: ٧٠] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَيَعْقُوبُ (لِتُنْذِرَ) بِالتَّاءِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْقَافِ، وَافَقَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْأَحْقَافِ، أَيْ لِتُنْذِرَ يَا مُحَمَّدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ أَيْ لِيُنْذِرَ الْقُرْآنُ، ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] يَعْنِي مُؤْمِنًا حَيَّ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْكَافِرَ كَالْمَيِّتِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَدَبَّرُ وَلَا يَتَفَكَّرُ، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس: ٧٠] وَيَجِبُ حُجَّةُ الْعَذَابِ ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] [قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ] أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. . . [٧١] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] تَوَلَّيْنَا خَلْقَهُ بِإِبْدَاعِنَا مِنْ غَيْرِ إِعَانَةِ أَحَدٍ، ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضَابِطُونَ قَاهِرُونَ، أَيْ لَمْ يَخْلُقِ الْأَنْعَامَ وَحْشِيَّةً نَافِرَةً مَنْ بَنِي آدَمَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ضَبْطِهَا بَلْ هِيَ مُسَخَّرَةٌ لَهُمْ. [٧٢] وَهِيَ قوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧٢] سخرناها لهم، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢] أَيْ مَا يَرْكَبُونَ وَهِيَ الْإِبِلُ، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] مِنْ لُحْمَانِهَا. [٧٣] ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس: ٧٣] أي مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَنَسْلِهَا، ﴿وَمَشَارِبُ﴾ [يس: ٧٣] من ألبانها، ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ. [٧٤] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] يَعْنِي: لِتَمْنَعَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَطُّ. [٧٥] ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: ٧٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَقْدِرُ الْأَصْنَامُ عَلَى نَصْرِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] أَيْ الْكُفَّارُ جُنْدٌ لِلْأَصْنَامِ يَغْضَبُونَ لَهَا وَيُحْضِرُونَهَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لَا تَسُوقُ إِلَيْهِمْ خَيْرًا وَلَا تَسْتَطِيعُ لَهُمْ نَصْرًا. وَقِيلَ: هَذَا فِي الْآخِرَةِ يُؤْتَى بِكُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَهُ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ كَأَنَّهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ فِي النَّارِ. [٧٦] ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] يَعْنِي قَوْلَ كُفَّارِ مَكَّةَ فِي تَكْذِيبِكَ، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [يس: ٧٦] فِي ضَمَائِرِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ أَوْ مَا يُعْلِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْأَذَى. [٧٧] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ [يس: ٧٧] جدل بالباطل، ﴿مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] بَيِّنُ الْخُصُومَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يُخَاصِمُ، فَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي بَدْءِ خَلْقِهِ حَتَّى يَدَعَ

стр. 782

الْخُصُومَةَ، «نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ خَاصَمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَأَتَاهُ بِعَظْمٍ قَدْ بَلِيَ ففتته بيده، فقال: أَتُرَى يُحْيِي اللَّهُ هَذَا بَعْدَمَا رَمَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ (١) . [٧٨] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] بَدْءَ أَمْرِهِ ثُمَّ، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] بَالِيَةٌ، وَلَمْ يَقِلْ رَمِيمَةً لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ فَاعِلَةٍ وَكُلُّ مَا كَانَ مَعْدُولًا عَنْ وَجْهِهِ وَوَزْنِهِ كَانَ مَصْرُوفًا عَنْ أَخَوَاتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٢٨] أَسْقَطَ الْهَاءَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَصْرُوفَةً عَنْ بَاغِيَةٍ. [٧٩] ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ [يس: ٧٩] خَلَقَهَا، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] [٨٠] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا شَجَرَتَانِ يقال لأحدهما: المرخ والأخرى: الْعَفَارُ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ النَّارَ قَطَعَ مِنْهُمَا غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّوَاكَيْنِ وَهُمَا خَضْرَاوَانِ يَقْطُرُ مِنْهُمَا الْمَاءُ، فَيُسْحَقُ الْمَرْخُ عَلَى الْعِفَارِ فَيَخْرُجُ مِنْهُمَا النَّارُ بِإِذْنِ اللَّهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعَفَارُ، وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ إِلَّا الْعُنَّابَ. ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] تَقْدَحُونَ وَتُوقِدُونَ النَّارَ مِنْ ذَلِكَ الشَّجَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ. [٨١] فَقَالَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١] قَرَأَ يَعْقُوبُ يَقْدِرُ بِالْيَاءِ عَلَى الْفِعْلِ، ﴿عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١] أَيْ قُلْ بَلَى هُوَ قَادِرٌ على ذلك، ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ [يس: ٨١] يَخْلُقُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] بجميع ما خلق. [٨٢] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] [٨٣] ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ﴾ [يس: ٨٣] أي ملك، ﴿كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] [سورة الصافات] [قوله تعالى وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ] ذِكْرًا. . . (٣٧) سورة الصافات [١] ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ يَصُفُّونَ كَصُفُوفِ الْخَلْقِ فِي الدنيا للصلاة، وَقِيلَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ وَاقِفَةً حَتَّى يَأْمُرَهَا الله تعالى بما يريده. وَقِيلَ: هِيَ الطُّيُورُ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النُّورِ: ٤١] [٢] قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] يعني تَزْجُرُ السَّحَابَ وَتَسُوقُهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ زَوَاجِرُ الْقُرْآنِ تَنْهَى وَتَزْجُرُ عن القبائح. [٣] ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] هم الملائكة يتلون ذكر

стр. 783

اللَّهِ . وَقِيلَ: هُمْ جَمَاعَةُ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَهَذَا كُلُّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وجواب الْقِسْمِ: [٤] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَرَبِّ الصَّافَّاتِ وَالزَّاجِرَاتِ وَالتَّالِيَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ؟ فأقسم الله بهؤلاء. [٥] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] أي مطالع الشمس، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ فِي موضع: (رب الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٧] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] فَكَيْفَ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ؟ قِيلَ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] أراد به جهة المشرق وجهة المغرب. وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] أَرَادَ مَشْرِقَ الشِّتَاءِ وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ، وَأَرَادَ بِالْمَغْرِبَيْنِ: مَغْرِبَ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ للشمس ثلثمائة وستين كوة في المشرق وثلثمائة وَسِتِّينَ كُوَّةً فِي الْمَغْرِبِ عَلَى عَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كُوَّةٍ مِنْهَا، وَتَغْرُبُ فِي كُوَّةٍ مِنْهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْكُوَّةِ الَّتِي تَطْلُعُ الشمس منها من ذلك اليوم إلى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَهِيَ الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ، وَقِيلَ: كُلُّ مَوْضِعٍ شَرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ مَشْرِقٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ مَغْرِبٌ، كَأَنَّهُ أَرَادَ رَبَّ جَمِيعِ مَا شرقت عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ. [٦] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] قَرَأَ عَاصِمٌ، بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ (بِزِينَةٍ) مُنَوَّنَةً، (الْكَوَاكِبَ) نُصِبَ أَيْ بِتَزْيِينِنَا الْكَوَاكِبَ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ (بِزِينَةٍ) مُنَوَّنَةً (الْكَوَاكِبِ) خَفْضًا عَلَى الْبَدَلِ، أَيْ بِزِينَةٍ بِالْكَوَاكِبِ، أَيْ زَيَّنَّاهَا بِالْكَوَاكِبِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) ، بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْإِضَافَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِضَوْءِ الْكَوَاكِبِ. [٧] ﴿وَحِفْظًا﴾ [الصافات: ٧] أَيْ وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] مُتَمَرِّدٍ يُرْمَوْنَ بِهَا. [٨] ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات: ٨] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (يَسَّمَّعُونَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْمِيمِ، أَيْ لَا يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي السِّينِ، وقرأ الآخرون بسكون السين خفيف الميم، ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] أي إلى الكتيبة مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَأُ الْأَعْلَى هُمُ الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّهُمْ فِي السَّمَاءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الملأ الأعلى، ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ [الصافات: ٨] يرمون، ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] من كل آفاق السماء بالشهب. [٩] ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات: ٩] يُبْعِدُونَهُمْ عَنْ مَجَالِسِ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ: دحره دحرا ودحورا إذ طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] دَائِمٌ، قَالَ مُقَاتِلٌ: دَائِمٌ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُمْ يُحْرَقُونَ وَيَتَخَبَّلُونَ. [١٠] ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] اخْتَلَسَ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مسارقة، ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ [الصافات: ١٠] لحقه، ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] كَوْكَبٌ مُضِيءٌ قَوِيٌّ لَا يُخْطِئُهُ يَقْتُلُهُ، أَوْ يَحْرِقُهُ أَوْ يُخْبِلُهُ، وَإِنَّمَا يَعُودُونَ إِلَى اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ طَمَعًا فِي السَّلَامَةِ وَنَيْلِ المراد، كراكب السفينة، قَالَ عَطَاءٌ: سُمِّيَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الشَّيَاطِينُ ثَاقِبًا لِأَنَّهُ يثقبهم. [١١] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١] يعني سَلْهُمْ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١] يَعْنِي مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَشَدُّ خَلْقًا كَمَا قَالَ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٧] وَقِيلَ: (أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) يَعْنِي مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لِأَنَّ (مَنْ) يُذْكَرُ فِيمَنْ يَعْقِلُ، يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِأَحْكَمَ خَلْقًا مَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَدْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَمَا الَّذِي يُؤَمِّنُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَذَابِ؟! ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ:

стр. 784

﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] يَعْنِي جِيدٌ حُرٌّ لَاصِقٌ يَعْلَقُ باليد، ومعناه اللازم إبدال الْمِيمُ بَاءً كَأَنَّهُ يَلْزَمُ الْيَدَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مُنْتِنٌ. [١٢] ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢] قرأ حمزة والكسائي بضم الباء، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْعَجَبُ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ كَالتَّعَجُّبِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ كَمَا قَالَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] أن قال : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] والعجب مِنَ الْآدَمِيِّينَ إِنْكَارُهُ وَتَعْظِيمُهُ، وَالْعَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالذَّمِّ، وَقَدْ يَكُونُ بمعنى الاستحسان والرضا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ . أَيْ عَجِبْتَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ إياك، ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] يعني وهم يسخرون مِنْ تَعَجُّبِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: عَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ حِينَ أُنْزِلَ وَضَلَالِ بَنِي آدَمَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ يُؤْمِنُ بِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ الْقُرْآنَ سَخِرُوا مِنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) . [١٣] ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] يعني إِذَا وُعِظُوا بِالْقُرْآنِ لَا يَتَّعِظُونَ. [١٤] ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ [الصافات: ١٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ يَعْنِي انشقاق القمر، ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] يسخرون ويستهزئون، وَقِيلَ: يَسْتَدْعِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ السُّخْرِيَةَ. [١٥] ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] يَعْنِي سِحْرٌ بَيِّنٌ. [١٦] ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] [١٧] ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] أَيْ وَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ. [١٨] ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] تبعثون، ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] صَاغِرُونَ، وَالدُّخُورُ أَشَدُّ الصَّغَارِ. [١٩] ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [الصافات: ١٩] أَيْ قِصَّةُ الْبَعْثِ أَوِ الْقِيَامَةِ، ﴿زَجْرَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أي صيحة، ﴿وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] يَعْنِي نَفْخَةُ الْبَعْثِ، ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] أحياء. [٢٠] ﴿وَقَالُوا يا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] أَيْ يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ. [٢١] ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات: ٢١] يَوْمُ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ٢٢، [٢٣] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات: ٢٢] أَيْ أَشْرَكُوا، اجْمَعُوهُمْ إِلَى الْمَوْقِفِ للحساب والجزاء، ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أشياعهم وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ، قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: كل من عَمَلٍ مِثْلِ عَمَلِهِمْ فَأَهْلُ الْخَمْرِ مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ وَأَهْلُ الزِّنَا مَعَ أَهْلِ الزِّنَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ ومقاتل: وقرناءهم مِنَ الشَّيَاطِينِ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي سِلْسِلَةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَزْوَاجُهُمُ الْمُشْرِكَاتُ. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]

стр. 785

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٣] فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي الْأَوْثَانَ وَالطَّوَاغِيتَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُّوهُمْ إِلَى طَرِيقِ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَدِّمُوهُمْ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّابِقَ هَادِيًا. [٢٤] ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ [الصافات: ٢٤] واحبسوهم، يُقَالُ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا فَوَقَفَ وُقُوفًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا سِيقُوا إِلَى النَّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّرَاطِ لِأَنَّ السُّؤَالَ عِنْدَ الصِّرَاطِ، فَقِيلَ: وَقِفُوهُمْ ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنْ جَمِيعِ أقوالهم وأفعالهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ] . . . [٢٥] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] أَيْ لَا تَتَنَاصَرُونَ، يُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخًا: مَا لَكَمَ لَا يَنْصُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، يَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ النَّارِ هَذَا جَوَابٌ لِأَبِي جَهْلٍ حيث قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤] [٢٦] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَاضِعُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُنْقَادُونَ؟ يُقَالُ اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ إِذَا انْقَادَ لَهُ وَخَضَعَ لَهُ، وَالْمَعْنَى: هُمُ الْيَوْمَ أَذِلَّاءُ مُنْقَادُونَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ. [٢٧] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٢٧] أي الرؤساء والأتباع ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] يتخاصمون. [٢٨] ﴿قَالُوا﴾ [الصافات: ٢٨] أَيِ الْأَتْبَاعُ لِلرُّؤَسَاءِ، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٨] أَيْ مِنْ قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونَنَا عَنْهُ وَتُرُونَنَا أَنَّ الدِّينَ مَا تُضِلُّونَنَا بِهِ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنِ الصِّرَاطِ الْحَقِّ، وَالْيَمِينُ عِبَارَةٌ عن الدين والحق، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الرُّؤَسَاءُ يَحْلِفُونَ لَهُمْ أَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ. (تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) أَيْ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَيْمَانِ الَّتِي كُنْتُمْ تَحْلِفُونَهَا فَوَثِقْنَا بِهَا. وَقِيلَ: عَنِ الْيَمِينِ أَيْ عَنِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٤٥] وَالْمُفَسِّرُونَ عَلَى القول الأول. [٢٩] ﴿قَالُوا﴾ [الصافات: ٢٩] يَعْنِي الرُّؤَسَاءَ لِلْأَتْبَاعِ، ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] لَمْ تَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ فَنُضِلَّكُمْ عَنْهُ، أَيْ إِنَّمَا الْكُفْرُ مِنْ قِبَلِكُمْ. [٣٠] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات: ٣٠] مِنْ قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ فَنَقْهَرَكُمْ عَلَى مُتَابَعَتِنَا، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ضالين. [٣١] ﴿فَحَقَّ﴾ [الصافات: ٣١] وجب، ﴿عَلَيْنَا﴾ [الصافات: ٣١] جميعا، ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: ٣١] يَعْنِي كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] الْعَذَابَ، أَيْ أَنَّ الضَّالَّ وَالْمُضِلَّ جميعا في النار. [٣٢] ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ [الصافات: ٣٢] فَأَضْلَلْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى وَدَعَوْنَاكُمْ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ضالين. [٣٣] قال الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] الرُّؤَسَاءُ وَالْأَتْبَاعُ. [٣٤] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ. [٣٥] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] يَتَكَبَّرُونَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَيَمْتَنِعُونَ مِنْهَا. [٣٦] ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . [٣٧] قَالَ اللَّهُ ردا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ﴾ [الصافات: ٣٧] محمد ﴿بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] أَيْ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أَتَى به الرسل قَبْلَهُ. [٣٨، ٣٩] ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ - وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٨ - ٣٩] فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ. [٤٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] الموحدين. [٤١] ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] يَعْنِي بُكْرَةً وَعَشِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] [٤٢] ﴿فَوَاكِهُ﴾ [الصافات: ٤٢] جَمْعُ الْفَاكِهَةِ وَهِيَ الثِّمَارُ كُلُّهَا رَطْبُهَا وَيَابِسُهَا، وَهِيَ كُلُّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لَا لِلْقُوتِ، ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] بِثَوَابِ اللَّهِ. ٤٣، [٤٤] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ - عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٣ - ٤٤]

стр. 786

لَا يَرَى بَعْضُهُمْ قَفَا بَعْضٍ. [٤٥] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ [الصافات: ٤٥] إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ وَلَا يَكُونُ كَأْسًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ شَرَابٌ، وَإِلَّا فَهُوَ إِنَاءٌ، ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] خَمْرٍ جَارِيَةٍ فِي الْأَنْهَارِ ظَاهِرَةٍ تراها العيون. [٤٦] ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات: ٤٦] قَالَ الْحَسَنُ: خَمْرُ الْجَنَّةِ أَشَدُّ بياضا من اللبن، ﴿لَذَّةٍ﴾ [الصافات: ٤٦] أي لذيذة، ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] [٤٧] ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ فَتَذْهَبَ بِهَا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِثْمٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَجِعُ الْبَطْنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: صُدَاعٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْغَوْلُ فَسَادٌ يَلْحَقُ فِي خَفَاءٍ، يُقَالُ: اغْتَالَهُ اغْتِيَالًا إِذَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فِي خُفْيَةٍ، وَخَمْرَةُ الدُّنْيَا يَحْصُلُ مِنْهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَسَادِ، مِنْهَا السُّكْرُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَوَجَعُ الْبَطْنِ وَالصُّدَاعُ وَالْقَيْءُ وَالْبَوْلُ، وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي خَمْرِ الْجَنَّةِ. ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يُنْزِفُونَ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَافَقَهُمَا عَاصِمٌ فِي الْوَاقِعَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الزَّايِ فِيهِمَا فَمَنْ فَتَحَ الزَّايَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَغْلِبُهُمْ عَلَى عُقُولِهِمْ وَلَا يَسْكَرُونَ، يُقَالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَنْزُوفٌ وَنَزِيفٌ إِذَا سَكِرَ، وَمَنْ كَسَرَ الزاي فمعناه: لا ينزف شَرَابُهُمْ، يُقَالُ أَنْزَفَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَنْزُوفٌ إِذَا فَنِيَتْ خَمْرُهُ. [٤٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] حَابِسَاتُ الْأَعْيُنِ غَاضَّاتُ الْجُفُونِ، قَصَرْنَ أَعْيُنَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَنْظُرْنَ إلى غيرهم، ﴿عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] أَيْ حَسَّانُ الْأَعْيُنِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَعْيَنُ وَامْرَأَةٌ عَيْنَاءُ وَنِسَاءٌ عِينٌ. [٤٩] ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾ [الصافات: ٤٩] جمع البيضة، ﴿مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] مضمون مَسْتُورٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَكْنُونَ وَالْبَيْضَ جمع لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى اللَّفْظِ. قَالَ الْحَسَنُ: شَبَّهَهُنَّ بِبَيْضِ النَّعَامَةِ تُكِنُّهَا بالريش من الريح والغبار حين خروجها، فَلَوْنُهَا أَبْيَضُ فِي صُفْرَةٍ. وَيُقَالُ: هَذَا أَحْسَنُ أَلْوَانِ النِّسَاءِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ (بَيْضَاءَ) مُشْرَبَةً صُفْرَةً، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُهَا بِبَيْضَةِ النَّعَامَةِ. [٥٠] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٥٠] يَعْنِي أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ حَالِهِ فِي الدُّنْيَا. [٥١] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات: ٥١] يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] فِي الدُّنْيَا يُنْكِرُ الْبَعْثَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ شَيْطَانًا. وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ مِنَ الْإِنْسِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَا أَخَوَيْنِ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: كَانَا شَرِيكَيْنِ أَحَدُهُمَا كَافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ وَالْآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذَا، وَهُمَا اللَّذَانِ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَهُمَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] [قوله تعالى يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا] وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ. . . [٥٢] ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] بِالْبَعْثِ. [٥٣] ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] مَجْزِيُّونَ وَمُحَاسَبُونَ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ.

стр. 787

[٥٤] ﴿قَالَ﴾ [الصافات: ٥٤] اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] إِلَى النَّارِ. وَقِيلَ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لإخوانه أَهْلِ الْجَنَّةِ: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إِلَى النَّارِ لِنَنْظُرَ كَيْفَ مَنْزِلَةُ أَخِي فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: أَنْتَ أعرف به منا. [٥٥] ﴿فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات: ٥٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ أَهْلُهَا مِنْهَا إِلَى النَّارِ، فَاطَّلَعَ هَذَا الْمُؤْمِنُ، ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٥٥] فَرَأَى قَرِينَهُ فِي وَسَطِ النَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ وَسَطُ الشَّيْءِ سَوَاءً لاستواء الجوانب منه. [٥٦] ﴿قَالَ﴾ [الصافات: ٥٦] لَهُ، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وَاللَّهِ لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تُغْوِيَنِي، وَمَنْ أَغْوَى إِنْسَانًا فَقَدْ أَهْلَكَهُ. [٥٧] ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] رَحْمَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيَّ بِالْإِسْلَامِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] مَعَكَ فِي النَّارِ. ٥٨، [٥٩] ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ - إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] فِي الدُّنْيَا، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ هَذَا أَهْلُ الْجَنَّةِ لِلْمَلَائِكَةِ حِينَ يُذْبَحُ الْمَوْتُ: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ؟ فَتَقُولُ لَهُمُ الملائكة: لا. [٦٠] فَيَقُولُونَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] وَقِيلَ: إِنَّمَا يَقُولُونَهُ عَلَى جِهَةِ الْحَدِيثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُعَذَّبُونَ. وَقِيلَ: يَقُولُهُ الْمُؤْمِنُ لِقَرِينِهِ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ بِمَا كَانَ يُنْكِرُهُ. [٦١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أَيْ لِمِثْلِ هَذَا الْمَنْزِلِ وَلِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) ، إلى (فليعمل العاملون) . [٦٢] ﴿أَذَلِكَ﴾ [الصافات: ٦٢] أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، ﴿خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] الَّتِي هِيَ نُزُلُ أَهْلِ النَّارِ. والزقوم: شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ مُرَّةٍ كَرِيهَةِ الطَّعْمِ، يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهَا، فَهُمْ يَتَزَقَّمُونَهُ عَلَى أَشَدِّ كَرَاهِيَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَزَقَّمَ الطَّعَامَ إِذَا تَنَاوَلَهُ عَلَى كُرْهٍ وَمَشَقَّةٍ. [٦٣] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] للكافرين، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ شَجَرَةٌ وَالنَّارُ تَحْرِقُ الشجر؟ . [٦٤] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قعر النار، وقال الْحَسَنُ: أَصْلُهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ وَأَغْصَانُهَا تَرْتَفِعُ إِلَى دَرَكَاتِهَا. [٦٥] ﴿طَلْعُهَا﴾ [الصافات: ٦٥] ثَمَرُهَا سُمِّيَ طَلْعًا لِطُلُوعِهِ، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُمُ الشَّيَاطِينُ بِأَعْيَانِهِمْ شُبِّهَ بِهَا لِقُبْحِهَا، لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا وَصَفُوا شَيْئًا بِغَايَةِ الْقُبْحِ قَالُوا: كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ- وَإِنْ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لَا تُرَى- لِأَنَّ قُبْحَ صُورَتِهَا مُتَصَوَّرٌ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ. أَرَادَ بِالشَّيَاطِينِ الْحَيَّاتِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْحَيَّةَ الْقَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ

стр. 788

شَيْطَانًا. وَقِيلَ. هِيَ شَجَرَةٌ قَبِيحَةٌ مُرَّةٌ مُنْتِنَةٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ رُءُوسَ الشَّيَاطِينِ. [٦٦] ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] والملء حشو الوعاء بما لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ. [٦٧] ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧] خلطا ومزاجا، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] مِنْ مَاءٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرَارَةِ، يقال: إنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عَلَيْهِ الْحَمِيمَ فَيَشُوبُ الْحَمِيمُ فِي بطونهم الزقوم فيصير شوبا له. [٦٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ [الصافات: ٦٨] بَعْدَ شُرْبِ الْحَمِيمِ، ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُورَدُونَ الْحَمِيمَ لِشُرْبِهِ وهو خارج من الجحيم كما يورد الْإِبِلُ الْمَاءَ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى الْجَحِيمِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٤] وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (ثُمَّ إن منقلبهم لإلى الجحيم) . ٦٩، [٧٠] ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ [الصافات: ٦٩] وَجَدُوا، ﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ - فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠] يُسْرِعُونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ. [٧١] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. ٧٢، [٧٣] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ - فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢ - ٧٣] الْكَافِرِينَ أَيْ كَانَ عَاقِبَتُهُمُ الْعَذَابَ. [٧٤] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] الموحدين نجوا من العذاب. [٧٥] ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ [الصافات: ٧٥] دَعَا رَبَّهُ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [الْقَمَرِ: ١٠] ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] نَحْنُ يَعْنِي أَجَبْنَا دُعَاءَهُ وَأَهْلَكْنَا قَوْمَهُ. [٧٦] ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] الْغَمِّ الْعَظِيمِ الَّذِي لَحِقَ قَوْمَهُ وهو الغرق. [قوله تَعَالَى وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا] عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. . . [٧٧] ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٧٧] وَأَرَادَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ نَسْلِ نُوحٍ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ مَاتَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَلَدَهُ وَنِسَاءَهُمْ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ وَلَدُ نُوحٍ ثلاث: سَامٌ وَحَامٌ ويَافِثُ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ، وَيَافِثُ أَبُو التَّرْكِ وَالْخَزَرِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَا هُنَالِكَ. [٧٨] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] أَيْ أَبْقَيْنَا لَهُ ثَنَاءً حَسَنًا وَذِكْرًا جَمِيلًا فِيمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [٧٩] ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] أَيْ سَلَامٌ عَلَيْهِ مِنَّا فِي الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: أَيُّ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخَرِينَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [٨٠] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] قَالَ مُقَاتِلٌ: جَزَاهُ اللَّهُ بِإِحْسَانِهِ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ فِي الْعَالَمِينَ. ٨١، [٨٢] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨١ - ٨٢] يَعْنِي الْكُفَّارَ. ٨٣، [٨٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أي من أهل دينه وملته وَسُنَّتِهِ، ﴿لَإِبْرَاهِيمَ - إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤] مُخْلَصٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ. [٨٥] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ. [٨٦] ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] يَعْنِي أَتَأْفِكُونَ إِفْكًا وَهُوَ أَسْوَأُ الْكَذِبِ، وَتَعْبُدُونَ آلِهَةً سِوَى اللَّهِ. [٨٧] ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] إذا لَقَيْتُمُوهُ وَقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَصْنَعُ بِكُمْ. ٨٨، [٨٩] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ - فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمُهُ يَتَعَاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعَامَلَهُمْ مِنْ حَيْثُ كَانُوا لِئَلَّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُكَايِدَهُمْ فِي أَصْنَامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الْحُجَّةَ فِي أَنَّهَا غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وَكَانَ لَهُمْ مِنَ الْغَدِ عِيدٌ وَمَجْمَعٌ وَكَانُوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم الفراش، وَيَصْنَعُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الطَّعَامَ قَبْلَ خروجهم إلى عيدهم، زعموا التبرك عَلَيْهِ فَإِذَا انْصَرَفُوا مِنْ عِيدِهِمْ أَكَلُوهُ، فَقَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: أَلَا

стр. 789

تَخْرُجُ غَدًا مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا، فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَطْعُونٌ، وَكَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الطَّاعُونِ فِرَارًا عَظِيمًا. قَالَ الْحَسَنُ: مَرِيضٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَجِعٌ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: سَأَسْقَمُ. [٩٠] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] إِلَى عِيدِهِمْ فَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْأَصْنَامِ فَكَسَرَهَا. [٩١] كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] وَلَا يُقَالُ رَاغَ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ مُخْفِيًا لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، ﴿فَقَالَ﴾ [الصافات: ٩١] استهزاء بها. ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] يَعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ. ٩٢، [٩٣] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ - فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٢ - ٩٣] أَيْ كَانَ يَضْرِبُهُمْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لأنها أقوى الْعَمَلِ مِنَ الشِّمَالِ. وَقِيلَ: بِالْيَمِينِ أَيْ بِالْقُوَّةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ القسم أي بالقسم الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥٧] [٩٤] ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ [الصافات: ٩٤] يعني إلى إبراهيم، ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] يُسْرِعُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا بِصَنِيعِ إِبْرَاهِيمَ بِآلِهَتِهِمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ، وقرأ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (يُزِفُّونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ بِضَمِّ الْيَاءِ: أَيْ يَحْمِلُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالْإِسْرَاعِ. [٩٥] ﴿قَالَ﴾ [الصافات: ٩٥] لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِ الْحِجَاجِ، ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] يَعْنِي مَا تَنْحِتُونَ بِأَيْدِيكُمْ. [٩٦] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] بأيديكم من الأصنام. [٩٧] ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] مُعْظَمِ النَّارِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: بَنَوْا لَهُ حَائِطًا مِنَ الْحَجَرِ طُولُهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَمَلَئُوهُ مِنَ الْحَطَبِ وأوقدوا فيه النار فطرحوه فيها. [٩٨] ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات: ٩٨] شَرًّا وَهُوَ أَنْ يَحْرُقُوهُ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] أَيْ الْمَقْهُورِينَ حَيْثُ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ وَرَدَّ كَيْدَهُمْ. [٩٩] ﴿وَقَالَ﴾ [الصافات: ٩٩] يَعْنِي إِبْرَاهِيمُ، ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أَيْ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي، وَالْمَعْنَى: أَهْجُرُ دَارَ الْكُفْرِ وَأَذْهَبُ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّي، قَالَهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٦] ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] إِلَى حَيْثُ أَمَرَنِي بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّامُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَلَمَّا قَدِمَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ سَأَلَ رَبَّهُ الْوَلَدَ. [١٠٠] فَقَالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] يَعْنِي هَبْ لِي وَلَدًا صَالِحًا مِنَ الصَّالِحِينَ. [١٠١] ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] قيل بغلام فِي صِغَرِهِ حَلِيمٌ فِي كِبَرِهِ، ففيه بشارة أنه نبي وَأَنَّهُ يَعِيشُ فَيَنْتَهِي فِي السِّنِّ حَتَّى يُوصَفَ بِالْحِلْمِ. [١٠٢] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الْمَشْيَ مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا شَبَّ حَتَّى بَلَغَ سَعْيُهُ سَعْيَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْمَعْنَى: بَلَغَ أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَهُ وَيُعِينَهُ فِي عَمَلِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ

стр. 790

قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: هُوَ الْعِبَادَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاخْتَلَفُوا فِي سِنِّهِ، قِيلَ: كَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ سَبْعِ سنين. قوله تعالى: ﴿قَالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] اختلف الْعُلَمَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ عَلَى أَنَّهُ إِسْحَاقُ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ إِسْحَاقُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عباس. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ احْتَجَّ مِنَ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ - فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٢] أمر بذبح من بشر بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ بُشِّرَ بِوَلَدٍ سِوَى إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هُودِ: ٧١] وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْبِشَارَةَ بِإِسْحَاقَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ فَقَالَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١١٢] دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْبُوحَ غيره، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (تُرَى) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَاذَا تُشِيرُ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ لِيَعْلَمَ صَبْرَهُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَزِيمَتَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالرَّاءِ إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ يُمِيلُ الرَّاءَ، قَالَ لَهُ ابْنُهُ: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: فَلَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ خُذِ الْحَبْلَ وَالْمُدْيَةَ نَنْطَلِقْ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمَّا خَلَا إِبْرَاهِيمُ بِابْنِهِ فِي شِعْبِ ثَبِيرٍ أَخْبَرَهُ بِمَا أُمِرَ، ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [قوله تَعَالَى فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ] أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا. . . [١٠٣] ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣] انْقَادَا وَخَضَعَا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ قَتَادَةُ: أَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ وَأَسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ صَرَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ ابن عباس: أضجعه عَلَى الْأَرْضِ وَالْجَبْهَةُ بَيْنَ الْجَبِينَيْنِ. [١٠٤، ١٠٥] ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ - قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] والمعنى: إنا كما عفونا عن إبراهيم عند ذَبْحِ وَلَدِهِ نَجْزِي مَنْ أَحْسَنَ فِي طَاعَتِنَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: جَزَاهُ اللَّهُ بِإِحْسَانِهِ فِي طَاعَتِهِ الْعَفْوَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ. [١٠٦] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] الاختبار الظَّاهِرُ حَيْثُ اخْتَبَرَهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْبَلَاءُ هَاهُنَا النِّعْمَةُ، وَهِيَ أَنْ فُدِيَ ابْنُهُ بِالْكَبْشِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا وَكَانَ قَدْ رَأَى الذَّبْحَ وَلَمْ يَذْبَحْ؟ قِيلَ: جَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ، وَالْمَطْلُوبُ إِسْلَامُهُمَا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وقد فعلا. [١٠٧] قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ فَإِذَا هُوَ بِجِبْرِيلَ وَمَعَهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ أَقْرَنُ، فَقَالَ: هَذَا فِدَاءٌ لِابْنِكَ فَاذْبَحْهُ دُونَهُ، فَكَبَّرَ جِبْرِيلُ

стр. 791

وكبر الكبش وكبر إبراهيم وَكَبَّرَ ابْنُهُ، فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ الْكَبْشَ فَأَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ مِنْ مِنًى فذبحه، قَالَ مُجَاهِدٌ: سَمَّاهُ عَظِيمًا لِأَنَّهُ مُتَقَبَّلٌ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: عَظِيمٌ فِي الشَّخْصِ. وَقِيلَ: في الثواب. [١٠٨] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] أَيْ تَرَكَنَا لَهُ فِي الْآخَرِينَ ثَنَاءً حَسَنًا. [١٠٩- ١١٢] ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ - كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ - وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٩ - ١١٢] فَمَنْ جَعَلَ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: بَشَّرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا جَزَاءً لِطَاعَتِهِ، وَمَنْ جَعَلَ الذَّبِيحَ إِسْحَاقَ قَالَ: بُشِّرَ إِبْرَاهِيمُ بِنُبُوَّةِ إِسْحَاقَ. رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: بُشِّرَ بِهِ مَرَّتَيْنِ حِينَ وُلِدَ وَحِينَ نُبِّئَ. [١١٣] ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] يَعْنِي عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي أَوْلَادِهِ، ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] يكون أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَسْلِهِ، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أي مؤمن، ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أي كافر، ﴿مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أي ظاهر الكفر. [١١٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] أنعمنا عليهم بالنبوة. [١١٥] ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ [الصافات: ١١٥] بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] أَيِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبَادِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: مِنَ الْغَرَقِ. [١١٦] ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ [الصافات: ١١٦] يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا، ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] عَلَى الْقِبْطِ. [١١٧] ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] أَيْ الْمُسْتَنِيرَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ. [١١٨- ١٢٢] ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٨ - ١٢٢] [١٢٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ. وَفِي مُصْحَفِهِ: وَإِنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ابْنُ عَمِّ الْيَسَعَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ إِلْيَاسُ بْنُ بِشْرِ بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. [١٢٤ , ١٢٥] ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ - أَتَدْعُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤ - ١٢٥] أتعبدون، ﴿بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] وَهُوَ اسْمُ صَنَمٍ لَهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهُمْ بَعْلَبَكَّ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: الْبَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ. ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] فلا تعبدونه. [١٢٦] ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ) بِنَصْبِ الْهَاءِ وَالْبَاءَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ برفعهن على الاستئناف. [قوله تعالى فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ] اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. . . [١٢٧] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] فِي النَّارِ. [١٢٨] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] مِنْ قَوْمِهِ فَإِنَّهُمْ نَجَوْا مِنَ الْعَذَابِ. [١٢٩، ١٣٠] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩ - ١٣٠] قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (آلِ يا سين) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُشْبَعَةً وَكَسْرِ اللَّامِ مَقْطُوعَةً لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَفْصُولَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَوْصُولَةً، فَمَنْ قَرَأَ (آلِ يس) مَقْطُوعَةً قِيلَ: أَرَادَ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بِعِيدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِلْيَاسَ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْوَصْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَدْ قِيلَ: إِلْيَاسِينَ لُغَةٌ فِي إِلْيَاسَ مِثْلَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْمَاعِينَ وَمِيكَائِيلَ وَمِيكَائِينَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ جمع أراد إلياس وأصحابه وَأَتْبَاعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْعَرِينَ وَالْأَعْجَمِينَ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِيْنَ يَعْنِي إِدْرِيسَ وَأَتْبَاعَهُ، لِأَنَّهُ يَقْرَأُ: وَإِنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. [١٣١- ١٣٥] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ - وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣١ - ١٣٤]

стр. 792

﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] أَيْ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ. [١٣٦] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] وَالتَّدْمِيرُ الْإِهْلَاكُ. [١٣٧] ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ١٣٧] على آثارهم ومنازلهم، ﴿مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] وقت الصباح. [١٣٨] ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨] يُرِيدُ تَمُرُّونَ بِالنَّهَارِ وَبِاللَّيْلِ عَلَيْهِمْ إِذَا ذَهَبْتُمْ إِلَى أَسْفَارِكُمْ وَرَجَعْتُمْ، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] فتعتبرون. [١٣٩] قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] أي مِنْ جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ. [١٤٠] ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٠] يَعْنِي هَرَبَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَوَهْبٌ: كَانَ يُونُسُ وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ فَلَمَّا تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور مِنْهُمْ، فَقَصَدَ الْبَحْرَ فَرَكِبَ السَّفِينَةَ، فَاحْتَبَسَتِ السَّفِينَةُ فَقَالَ الْمَلَّاحُونَ: هَاهُنَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ سَيِّدِهِ، فَاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثًا فَوَقَعَتْ عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ يُونُسُ: أَنَا الْآبِقُ، وَزَجَّ نَفْسَهُ في الْمَاءِ. [١٤١] فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: ١٤١] فَقَارَعَ وَالْمُسَاهَمَةُ إِلْقَاءُ السِّهَامِ عَلَى جِهَةِ الْقُرْعَةِ، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي المقروعين. [١٤٢] ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢] ابتلعه، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] آتٍ بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ. [١٤٣] ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٣] من الذاكرين الله قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَ كَثِيرَ الذَّكَرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الْمَصَلِّيْنَ. وَقَالَ وَهْبٌ: مِنَ الْعَابِدِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ عَمَلًا صَالِحًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ طَاعَتَهُ الْقَدِيمَةَ. وَقِيلَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] فِي بَطْنِ الْحُوتِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧] [١٤٤] ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] لَصَارَ بَطْنُ الْحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يوم القيامة. [١٤٥] ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٤٥] طرحناه، ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ الْسُّدِّيُّ: بِالسَّاحِلِ، وَالْعَرَاءُ: الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ عَنِ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] عَلِيلٌ كَالْفَرْخِ الْمُمَعَّطِ، وَقِيلَ: كَانَ قَدْ بَلِيَ لَحْمُهُ وَرَقَّ عَظْمُهُ ولم يبق له قوة. [١٤٦] ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١٤٦] أَيْ لَهُ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ، ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] يَعْنِي الْقَرْعَ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: كُلُّ نَبْتٍ يَمْتَدُّ وَيَنْبَسِطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَيْسَ لَهُ سَاقٌ وَلَا يَبْقَى عَلَى الشِّتَاءِ نَحْوَ الْقَرْعِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ فَهُوَ يَقْطِينٌ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: فَكَانَ يُونُسُ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ وَكَانَتْ وَعْلَةٌ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَيَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا بُكْرَةً وَعَشِيَّةً حَتَّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ وَنَبَتَ شعره وقوي، فَإِنْ قِيلَ: قَالَ هَاهُنَا: (فَنَبَذْنَاهُ بالعراء) ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ

стр. 793

آخَرَ: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٩] فهل ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ، قِيلَ: لَوْلَا هُنَاكَ يَرْجِعُ إِلَى الذَّمِّ، مَعْنَاهُ: لَوْلَا نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَلَكِنْ تَدَارَكَهُ النِّعْمَةُ فَنُبِذَ وَهُوَ غير مذموم. [١٤٧] ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ [الصافات: ١٤٧] قَالَ قَتَادَةُ: أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمُوصِلِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ، وَقَوْلُهُ: (وَأَرْسَلْنَاهُ) أَيْ وَقَدْ أَرْسَلْنَاهُ، وَقِيلَ. كَانَ إِرْسَالُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بعد بَطْنِ الْحُوتِ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى قوم آخرين. ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ بَلْ يَزِيدُونَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: (أَوْ) هَاهُنَا عَلَى أصلها، ومعناه أو يزيدون على تدبركم وَظَنِّكُمْ، كَالرَّجُلِ يَرَى قَوْمًا فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ أَلْفٌ أَوْ يَزِيدُونَ فَالشَّكُّ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ وَيَزِيدُونَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: «كَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا» ، وَرَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) وَقَالَ الْحَسَنُ: بِضْعًا وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سبعين ألفا. [١٤٨] ﴿فَآمَنُوا﴾ [الصافات: ١٤٨] يَعْنِي الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يُونُسُ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] أي حين انقضاء آجالهم. وتقدم قبل ذلك في سورة يونس آية (٩٨) . [١٤٩] قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٤٩] فَاسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُوَ سُؤَالُ تَوْبِيخٍ، ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] وَذَلِكَ أَنْ جُهَيْنَةَ وَبَنِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الدَّارِ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عما يقول الظالمون علوا كبيرا، يَقُولُ: جَعَلُوا لِلَّهِ الْبَنَاتَ وَلِأَنْفُسِهِمِ الْبَنِينَ. [١٥٠] ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ [الصافات: ١٥٠] مَعْنَاهُ: أَخَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا، ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] حَاضِرُونَ خَلْقَنَا إِيَّاهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] [١٥١، ١٥٢] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ [الصافات: ١٥١] مِنْ كَذِبِهِمْ، ﴿لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] [١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ [الصافات: ١٥٣] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (لَكَاذِبُونَ) ، (اصْطَفَى) مَوْصُولًا عَلَى الْخَبَرِ عَنْ قَوْلِ المشركين، وعند الوقف يبتديان: اصْطَفَى بِكَسْرِ الْأَلِفِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِقَطْعِ الْأَلِفِ لِأَنَّهَا أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، فَحُذِفَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ وَبَقِيَتْ أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ مفتوحة مقطوعة، مثل أستكبرت ونحوها، ﴿الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] [قوله تعالى مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ .] . . [١٥٤] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] لِلَّهِ بِالْبَنَاتِ وَلَكُمْ بِالْبَنِينَ. [١٥٥] ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] أَفَلَا تَتَّعِظُونَ. [١٥٦] ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] بُرْهَانٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ ولدا. [١٥٧] ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧] الَّذِي لَكَمَ فِيهِ حُجَّةٌ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] فِي قَوْلِكُمْ. [١٥٨] ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قال مجاهد وقتادة: وأراد بالجنة الملائكة سموا جنة لاجتنابهم عَنِ الْأَبْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَيٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، وَمِنْهُمْ إِبْلِيسُ، قَالُوا: هُمْ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا -لَعَنَهُمُ اللَّهُ-: بَلْ تَزَوَّجَ مِنَ الْجِنِّ فَخَرَجَ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ زَعَمَ بَعْضُ قُرَيْشٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بنات اللَّهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: سَرَوَاتُ الْجِنِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَى النَّسَبِ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ [الصافات: ١٥٨] يَعْنِي قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ، ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] فِي النَّارِ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا فَقَالَ: [١٥٩، ١٦٠] ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠] هذا استثناء من المحضرين يعني أنهم لا يحضرون.

стр. 794

[١٦١] قوله : ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٦١] يَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] مِنَ الْأَصْنَامِ. [١٦٢] ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١٦٢] على ما تعبدون، ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] بِمُضِلِّينَ أَحَدًا. [١٦٣] ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] إِلَّا مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ النَّارَ أَيْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ الشَّقَاوَةُ. [١٦٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَيْ مَا مِنَّا مَلَكٌ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ فِي السَّمَاوَاتِ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ يُصَلِّي أو يسبح. [١٦٥] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: صُفُوفُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ لِلْعِبَادَةِ كَصُفُوفِ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ. [١٦٦] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] أَيْ الْمُصَلُّونَ الْمُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنِ السُّوءِ، يُخْبِرُ جِبْرِيلَ ﵇ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَعْبُودِينَ، كَمَا زَعَمَتِ الْكُفَّارُ، ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: [١٦٧] ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ [الصافات: ١٦٧] أي وَقَدْ كَانُوا يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] لَامُ التَّأْكِيدِ. [١٦٨] ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] أَيْ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِ الْأَوَّلِينَ. [١٦٩، ١٧٠] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٦٩ - ١٧٠] أَيْ فَلَمَّا أَتَاهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ كفروا به، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] هَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ. [١٧١] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] [١٧٢، ١٧٣] ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣] أَيْ حِزْبُ اللَّهِ لَهُمُ الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ فِي الْعَاقِبَةِ. [١٧٤] ﴿فَتَوَلَّ﴾ [الصافات: ١٧٤] أعرض، ﴿عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمَوْتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ السدي: حتى يأمرك بِالْقِتَالِ. وَقِيلَ: إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [١٧٥] ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات: ١٧٥] إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ذَلِكَ. فَقَالُوا مَتَى هَذَا الْعَذَابُ؟ [١٧٦، ١٧٧] فقال اللَّهُ : ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ - فَإِذَا نَزَلَ﴾ [الصافات: ١٧٦ - ١٧٧] يعني العذاب، ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] قَالَ مُقَاتِلُ: بِحَضْرَتِهِمْ. وَقِيلَ: بِفِنَائِهِمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَكْتَفِي بِذِكْرِ السَّاحَةِ عَنِ الْقَوْمِ، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] فَبِئْسَ صَبَاحُ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بالعذاب، ثُمَّ كَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا تَأْكِيدًا لِوَعِيدِ الْعَذَابِ فَقَالَ: [١٧٨، ١٧٩] ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ - وَأَبْصِرْ﴾ [الصافات: ١٧٨ - ١٧٩] الْعَذَابَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ:

стр. 795

[١٨٠] فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] الغلبة والقوة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] مِنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ. [١٨١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنِ اللَّهِ التَّوْحِيدَ وَالشَّرَائِعَ. [١٨٢] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] عَلَى هَلَاكِ الْأَعْدَاءِ وَنُصْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. [سورة ص] [قوله تعالى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا] فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. . . (٣٨) سورة ص [١] ﴿ص﴾ [ص: ١] قِيلَ: هُوَ قَسَمٌ، وَقِيلَ: هو اسم للسورة كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ص مِفْتَاحُ اسْمِ الصَّمَدِ وَصَادِقِ الْوَعْدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] أي ذي البيان، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذِي الشَّرَفِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وَهُوَ قَسَمٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقِسْمِ، قِيلَ جَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿ص﴾ [ص: ١] أقسم الله بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ صَدَقَ. وقال الفراء: ص معناه وجب وحق فهي جواب قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: ١] كَمَا تَقُولُ: نَزَلَ وَاللَّهِ، وَقِيلَ. جَوَابُ الْقِسْمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ. [٢] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] قَالَ قَتَادَةُ: مَوْضِعُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] كَمَا قَالَ ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ - بَلْ عَجِبُوا﴾ [ق: ١ - ٢] وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢] وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤] كَقَوْلِهِ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٩٧] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]- ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الطَّارِقِ: ٤] وَقِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: ٥٤] وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بين هذا القسم وهذا الْجَوَابِ أَقَاصِيصُ وَأَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: (بَلْ) لِتَدَارُكِ كَلَامٍ وَنَفْيِ آخَرَ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عِزَّةِ حَمِيَّةٍ وجاهلية وتكبر عن الحق وشقاق خلاف وَعَدَاوَةٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَقَالَ مُجَاهِدُ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢] معازِّين (١) . [٣] ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] يَعْنِي مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، ﴿فَنَادَوْا﴾ [ص: ٣] استغاثوا عند نزول العذاب وهول النقمة، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] أي ليس حين نزول العذاب بهم حين فِرَارَ، وَالْمَنَاصُ مَصْدَرُ نَاصَ يَنُوصُ، هو الفرار وَالتَّأَخُّرُ، يُقَالُ: نَاصَ يَنُوصُ إِذَا تَأَخَّرَ وَبَاصَ يَبُوصُ إِذَا تَقَدَّمَ، وَلَاتَ بِمَعْنَى لَيْسَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: هِيَ لَا، زِيدَتْ فِيهَا التَّاءُ، كَقَوْلِهِمْ: رُبَّ وَرُبَّتْ وَثَمَّ وَثَمَّتْ، وَأَصْلُهَا هَاءٌ وُصِلَتْ بِلَا، فَقَالُوا: لَاهٍ، كَمَا قَالُوا ثَمَّةَ فَجَعَلُوهَا فِي الْوَصْلِ تاء والوقف عليه بِالتَّاءِ عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ بالهاء لاه، وذهب إِلَى أَنَّ التَّاءَ زِيدَتْ فِي حِينَ وَالْوَقْفُ عَلَى وَلَا، ثُمَّ يبتدئ: تحين، وهو اختيار أبي عبيد، وَقَالَ: كَذَلِكَ وُجِدَتْ فِي مُصْحَفِ عثمان. [٤] ﴿وَعَجِبُوا﴾ [ص: ٤] يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤] يَعْنِي رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤] [٥] ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] كَيْفَ يَسَعُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] أَيْ عَجِيبٌ، وَالْعَجَبُ وَالْعُجَابُ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلٌ كَرِيمٌ وَكُرَامٌ وَكَبِيرٌ وَكُبَارٌ وَطَوِيلٌ وَطُوَالٌ وَعَرِيضٌ وَعُرَاضٌ.

стр. 796

[٦] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] أَيِ انْطَلَقُوا مِنْ مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانوا فيه ويقول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ أَيْ اثْبُتُوا عَلَى عِبَادَةِ آلِهَتِكُمْ، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦] أي الأمر يُرَادُ بِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَسْلَمَ وَحَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ لمكانه قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي نَرَاهُ من زيادة أصحاب محمد لَشَيْءٌ يُرَادُ بِنَا، وَقِيلَ: يُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُرَادُ بِمُحَمَّدٍ أَنْ يُمَلَّكَ عَلَيْنَا. [٧] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [ص: ٧] أَيْ بِهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: يعنون في النَّصْرَانِيَّةَ لِأَنَّهَا آخِرُ الْمَلَلِ وَهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ، بَلْ يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنُونَ ملة قريش ودينهما الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] كَذِبٌ وَافْتِعَالٌ. [٨] ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [ص: ٨] القرآن، ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] وَلَيْسَ بِأَكْبَرِنَا وَلَا أَشْرَفِنَا، يَقُولُهُ أَهْلُ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ : ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ [ص: ٨] أَيْ وَحْيِي وَمَا أَنْزَلْتُ، ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي لم يذوقوا عذابي، وَلَوْ ذَاقُوهُ لَمَا قَالُوا هَذَا القول. [٩] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ﴾ [ص: ٩] أعندهم، ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] يعني نعمة ربك مَفَاتِيحَ النُّبُوَّةِ يُعْطُونَهَا مَنْ شَاءُوا، ونظيره ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزُّخْرُفُ: ٣٢] أَيْ نُبُوَّةَ رَبِّكَ، ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ الْوَهَّابِ وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . [١٠] ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص: ١٠] أَيْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] أَيْ إِنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي توصلهم إلى السماء فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْيِ إِلَى مَنْ يَخْتَارُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرَادَ بِالْأَسْبَابِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَطُرُقَهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَكُلُّ مَا يُوَصِّلُكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَابٍ أَوْ طَرِيقٍ فَهُوَ سَبَبُهُ، وَهَذَا أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَعْجِيزٍ. [١١] ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ [ص: ١١] أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القول جند ما هنالك، و (ما) صلة، ﴿مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١] مغلوب، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١] أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْنَادِ يَعْنِي قُرَيْشًا، قَالَ قَتَادَةُ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جند المشركين، وقال سيهزم الجمع ويولون الدبر، فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إِشَارَةٌ إِلَى بَدْرٍ وَمَصَارِعِهِمْ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١] أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْزَابِ، أَيْ: هُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا وَتَجَمَّعُوا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالتَّكْذِيبِ، فَقُهِرُوا وَأُهْلِكُوا. [١٢] ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذُو الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ، وَقِيلَ: أَرَادَ ذُو الْمُلْكِ الشَّدِيدِ الثَّابِتِ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ هُمْ فِي

стр. 797

عِزٍّ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ دائم شديد، وأصل هَذَا أَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ تُثَبَّتُ بِالْأَوْتَادِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذُو الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: ذُو الْجُنُودِ وَالْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَوُّونَ أَمْرَهُ، وَيَشُدُّونَ مُلْكَهُ، كَمَا يُقَوِّي الْوَتَدُ الشَّيْءَ، وَسُمِّيَتِ الْأَجْنَادُ أَوْتَادًا لِكَثْرَةِ الْمَضَارِبِ الَّتِي كَانُوا يَضْرِبُونَهَا وَيُوَتِّدُونَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: (الْأَوْتَادُ) جَمْعُ الْوَتَدِ وَكَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ مَدَّهُ مُسْتَلْقِيًا بَيْنَ أربعة أوتاد يشد كُلَّ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْهُ إِلَى سَارِيَةٍ وَيَتْرُكُهُ كَذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الأرض ثم يَشُدُّ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِالْأَوْتَادِ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ وَيَشُدُّهُ بِالْأَوْتَادِ وَيُرْسِلُ عَلَيْهِ الْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ (١) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: كَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. [١٣] ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣] الذي تَحَزَّبُوا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَعْلَمَ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِزْبٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الأحزاب. [١٤] ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ [ص: ١٤] مَا كُلٌّ، ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٤] وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِهِمْ عَذَابِي. [١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ﴾ [ص: ١٥] ينتظر، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ [ص: ١٥] يَعْنِي: كُفَّارَ مَكَّةَ، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] وَهِيَ نَفْخَةُ الصُّورِ، ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (فُوَاقٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، فَالْفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالضَّمُّ لُغَةُ تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مِنْ رُجُوعٍ، أَيْ: مَا يُرَدُّ ذَلِكَ الصَّوْتُ فَيَكُونَ لَهُ رُجُوعٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَظْرَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَثْنَوِيَّةٌ، أَيْ صَرْفٌ وَرَدٌّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي هِيَ مِيعَادُ عَذَابِهِمْ إِذَا جَاءَتْ لَمْ تُرَدَّ وَلَمْ تُصْرَفْ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَتْحُ بِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالْإِفَاقَةِ، كَالْجَوَابِ مِنَ الْإِجَابَةِ، وذهبا بِهَا إِلَى إِفَاقَةِ الْمَرِيضِ مَنْ عِلَّتِهِ، وَالْفُوَاقُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ تُحْلَبَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُتْرَكَ سَاعَةً حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فَمَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ فُوَاقٌ، أَيْ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يُمْهِلُهُمْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَقِيلَ: هَمَا أَيْضًا مُسْتَعَارَتَانِ مِنَ الرُّجُوعِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ يَعُودُ إِلَى الضِّرْعِ بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَإِفَاقَةُ الْمَرِيضِ رُجُوعُهُ إِلَى الصِّحَّةِ. [١٦] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس: يعني كتابنا، والقط الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَحْصَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ فِي الْحَاقَّةِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الْحَاقَّةُ: ١٩] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الْحَاقَّةُ: ٢٥] قَالُوا اسْتِهْزَاءً: عَجِّلْ لَنَا كِتَابَنَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنُونَ حَظَّنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَقُولُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي عُقُوبَتَنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ عطاء: قال النضر بن الحارث، هو قولهم: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حجارة من السماء. وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قِطَّنَا حِسَابَنَا، وَيُقَالُ لِكِتَابِ الْحِسَابِ قِطٌّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: الْقِطُّ الْكِتَابُ بالجوائز. [قوله تَعَالَى اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ] ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. . . [١٧] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] أَيْ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِكَ، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُوَّةِ في العبادة، وَقِيلَ: ذُو الْقُوَّةِ فِي الْمُلْكِ. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] رَجَّاعٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُطِيعٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسَبِّحٌ بِلُغَةِ الْحَبَشِ. [١٨] ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ [ص: ١٨] كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] بتسبيحه،

стр. 798

﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] قَالَ الْكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَالْإِشْرَاقُ هُوَ أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ وَيَتَنَاهَى ضوؤها. وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِصَلَاةِ الضُّحَى. [١٩] قوله : ﴿وَالطَّيْرَ﴾ [ص: ١٩] أَيْ وَسَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ، ﴿مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] مَجْمُوعَةً إِلَيْهِ تُسَبِّحُ مَعَهُ، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] مُطِيعٌ رَجَّاعٌ إِلَى طَاعَتِهِ بِالتَّسْبِيحِ، وَقِيلَ: أَوَّابٌ مَعَهُ أَيْ مُسَبِّحٌ. [٢٠] ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] أَيْ قَوَّيْنَاهُ بِالْحَرَسِ وَالْجُنُودِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَشَدَّ مُلُوكِ الْأَرْضِ سُلْطَانًا كَانَ يَحْرُسُ مِحْرَابَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ رجل ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ، ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيَانَ الْكَلَامِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: عُلِّمَ الْحُكْمَ وَالتَّبَصُّرَ فِي الْقَضَاءِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، لِأَنَّ كَلَامَ الْخُصُومِ يَنْقَطِعُ وَيَنْفَصِلُ بِهِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: فَصْلُ الْخِطَابِ الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ هُوَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ، إِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي كَلَامٍ آخَرَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهُ دَاوُدُ ﵇. [٢١] قَوْلُهُ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فَمَا شَعَرَ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا وَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ جَالِسَيْنِ، يُقَالُ: كَانَا جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وحل: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] خَبَرُ الْخَصْمِ، ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] صَعَدُوا وَعَلَوْا، يُقَالُ: تَسَوَّرْتُ الْحَائِطَ وَالسُّورَ إِذَا عَلَوْتَهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْفِعْلَ وَهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الْخَصْمَ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ هَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التَّحْرِيمُ: ٤] [٢٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٢٢] خَافَ مِنْهُمَا حِينَ هَجَمَا عَلَيْهِ فِي مِحْرَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكُمَا عَلَيَّ، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] أَيْ نَحْنُ خَصْمَانِ ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] جِئْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا، فَإِنْ قِيلَ: كيف قال: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] وَهُمَا مَلَكَانِ لَا يَبْغِيَانِ؟ قِيلَ: معناه رأيت خَصْمَيْنِ بَغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَا عَلَى تَحْقِيقِ الْبَغْيِ مِنْ أَحَدِهِمَا. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] أَيْ لَا تَجُرْ، يُقَالُ: شَطَّ الرَّجُلُ شَطَطًا وَأَشَطَّ إِشْطَاطًا إِذَا جَارَ فِي حُكْمِهِ، وَمَعْنَاهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ شَطَّتِ الدَّارُ وَأَشَطَّتْ إِذَا بَعُدَتْ. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] أَرْشِدْنَا إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ وَالْعَدْلِ، فَقَالَ دَاوُدُ لَهُمَا: تَكَلَّمَا. [٢٣] فَقَالَ أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: ٢٣] أَيْ عَلَى دِينِي وَطَرِيقَتِي، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] يَعْنِي امْرَأَةً، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] أَيِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي بالنعجة من الْمَرْأَةِ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ وَالتَّفْهِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نِعَاجٌ وَلَا بَغْيٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا أَوِ اشْتَرَى بَكْرٌ دَارًا، وَلَا ضَرْبَ هُنَالِكَ وَلَا شِرَاءَ ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: ٢٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْطِنِيهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: انْزِلْ لِي عَنْهَا. وَحَقِيقَتُهُ ضُمَّهَا إِلَيَّ فَاجْعَلْنِي كَافِلَهَا، وَهُوَ الَّذِي يَعُولُهَا وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا وَالْمَعْنَى: طلقها لأتزوجها، ﴿وَعَزَّنِي﴾ [ص: ٢٣] وغلبني، ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أَيْ فِي الْقَوْلِ. وَقِيلَ: قَهَرَنِي لقوة ملكه. وقال الضَّحَّاكُ: يَقُولُ إِنْ تَكَلَّمَ كَانَ أَفْصَحَ مِنِّي وَإِنْ حَارَبَ كَانَ أَبْطَشَ مِنِّي، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْغَلَبَةَ كَانَتْ لَهُ لِضَعْفِي فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي وَهَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلٌ لِأَمْرِ دَاوُدَ مَعَ أُورِيَّا زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا دَاوُدُ حَيْثُ كَانَ لِدَاوُدَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلِأُورِيَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَضَمَّهَا إِلَى نِسَائِهِ. [٢٤] ﴿قَالَ﴾ [ص: ٢٤] أي قَالَ دَاوُدُ، ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]

стр. 799

أَيْ بِسُؤَالِهِ نَعْجَتَكَ لِيَضُمَّهَا إِلَى نِعَاجِهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ قَوْلَ صَاحِبِهِ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَقَدْ ظَلَمَكَ، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرَافِ صَاحِبِهِ بِمَا يَقُولُ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص: ٢٤] فَإِنَّهُمْ لَا يَظْلِمُونَ أَحَدًا. ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] أَيْ قَلِيلٌ هُمْ، و (ما) صِلَةٌ، يَعْنِي: الصَّالِحِينَ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ قَلِيلٌ، قَالُوا: فَلَمَّا قَضَى بَيْنَهُمَا دَاوُدُ نَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَضَحِكَ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَلِمَ دَاوُدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ [ص: ٢٤] أيقن وعلم، ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] إنما ابتليناه، وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِتَنْزِيهِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ ذَنْبَ دَاوُدَ إِنَّمَا كَانَ أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ امْرَأَةُ أُورِيَّا حَلَالًا لَهُ، فَاتَّفَقَ غَزْوُ أُورِيَّا وَتَقَدُّمُهُ فِي الْحَرْبِ وَهَلَاكُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ قَتْلُهُ دَاوُدَ لَمْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ كَمَا جَزِعَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جُنْدِهِ إِذَا هَلَكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذُنُوبَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ صَغُرَتْ فَهِيَ عظيمة عند الله ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أَيْ سَاجِدًا، عَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السجود لأن كل واحد منهما فِيهِ انْحِنَاءٌ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: سَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] هَلْ يُقَالُ لِلرَّاكِعِ خَرَّ؟ قُلْتُ: لَا، وَمَعْنَاهُ فَخَرَّ بَعْدَمَا كَانَ راكعا أي [سجد] . ﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أَيْ رَجَعَ وَتَابَ. [٢٥] ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] يَعْنِي ذَلِكَ الذَّنْبَ، ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ [ص: ٢٥] بعد المغفرة، ﴿عِنْدَنَا﴾ [ص: ٢٥] يوم القيامة، ﴿لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] لقربة ومكانة، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] أي حسن مرجع ومنقلب. [٢٦] قوله : ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] تُدَبِّرُ أُمُورَ الْعِبَادِ بِأَمْرِنَا، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] بِالْعَدْلِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] أَيْ بِأَنْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بِتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْحِسَابِ بِمَا نَسُوا، أَيْ تَرَكُوا الْقَضَاءَ بالعدل. [قوله تعالى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا] بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . . [٢٧] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا لِثَوَابٍ وَلَا لِعِقَابٍ. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] [٢٨] ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّا نُعْطَى فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] أَيِ الْمُؤْمِنِينَ كَالْكُفَّارِ. وَقِيلَ: أَرَادَ

стр. 800

بِالْمُتَّقِينَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَيْ لَا نَجْعَلُ ذلك. [٢٩] ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ [ص: ٢٩] أَيْ هَذَا الْكِتَابُ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، ﴿مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] كثير خيره ونفعه، ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ [ص: ٢٩] أي ليتدبروا، ﴿آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وليتفكروا فيها، وقرأ أبو جعفر (ليتدبروا) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ وَتَخْفِيفِ الدَّالِّ، قَالَ الْحَسَنُ: تَدَبُّرُ آيَاتِهِ اتِّبَاعُهُ، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ [ص: ٢٩] ليتعظ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ٣٠، [٣١] قَوْلُهُ : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ - إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣٠ - ٣١] وَالصَّافِنَاتُ هِيَ الْخَيْلُ الْقَائِمَةُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ وَأَقَامَتْ وَاحِدَةً عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، يُقَالُ: صَفَنَ الْفَرَسُ يَصْفِنُ صُفُونًا إِذَا قَامَ عَلَى ثَلَاثَةِ قَوَائِمَ، وَقَلَبَ أَحَدَ حَوَافِرِهِ. وَقِيلَ: الصافن في اللغة القائم. وَالْجِيَادُ الْخِيَارُ السِّرَاعُ، وَاحِدُهَا جَوَادٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْخَيْلَ السَّوَابِقَ. [٣٢] ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] أَيْ آثَرْتُ حُبَّ الْخَيْرِ وَأَرَادَ بِالْخَيْرِ الْخَيْلَ، وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الرَّاءِ وَاللَّامِ، فَتَقُولُ: خَتَلْتُ الرَّجُلَ وَخَتَرْتُهُ، أَيْ خَدَعْتُهُ، وَسُمِّيَتِ الْخَيْلُ خَيْرًا لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، الأجر والمغنم، قال مقاتل: يَعْنِي الْمَالَ فَهِيَ الْخَيْلُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ. ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] يَعْنِي عَنِ الصَّلَاةِ وَهِيَ صَلَاةُ العصر. ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] أي توارت الشمس بالحجاب أي اسْتَتَرَتْ بِمَا يَحْجُبُهَا عَنِ الْأَبْصَارِ. [٣٣] ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] أَيْ رُدُّوا الْخَيْلَ عَلَيَّ فَرَدُّوهَا، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: مَا زَالَ يَفْعَلُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْحِ الْقَطْعُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْدَمُ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَتُوبُ عَنْ ذَنْبٍ بِذَنْبٍ آخَرَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يُعَنِّفْهُ اللَّهُ عَلَى عَقْرِ الْخَيْلِ إذ كَانَ ذَلِكَ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ فَرِيضَةِ رَبِّهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ذَبَحَهَا ذَبْحًا وَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا، وَكَانَ الذَّبْحُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُبَاحًا فِي شَرِيعَتِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَبَسَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَوَى سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِكَيِّ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِيَدِهِ يَكْشِفُ الْغُبَارَ عَنْهَا حُبًّا لَهَا وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ هو الأول. [٣٤] قَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] أَيْ رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا رَجَعَ. [٣٥] ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ كَيْسَانَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ

стр. 801

مِنْ بَعْدِي، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يُرِيدُ هَبْ لِي مُلْكًا لَا تَسْلُبْنِيهِ فِي آخِرِ عمري، وتعطيه غَيْرِي كَمَا اسْتَلَبْتَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ عُمُرِي. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] قِيلَ: سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةً عَلَى رِسَالَتِهِ، وَمُعْجِزَةً، وَقِيلَ: سَأَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَمًا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ حَيْثُ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَدَّ إِلَيْهِ مُلْكَهُ، وزاده فِيهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ مُلْكًا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِ: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] تَسْخِيرَ الرِّيَاحِ وَالطَّيْرِ وَالشَّيَاطِينِ، بِدَلِيلِ ما بعده. [٣٦] قَوْلُهُ : ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] لَيِّنَةً لَيْسَتْ بِعَاصِفَةٍ، ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] حَيْثُ أَرَادَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَصَابَ الصَّوَابَ فَأَخْطَأَ الْجَوَابَ تُرِيدُ أَرَادَ الصواب. [٣٧] ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [ص: ٣٧] أي سخرنا له الشياطين، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ [ص: ٣٧] يَبْنُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ محاريب وتماثيل، ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] يَسْتَخْرِجُونَ لَهُ اللَّآلِئَ مِنَ الْبَحْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ اللُّؤْلُؤَ مِنَ الْبَحْرِ. [٣٨] ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] مَشْدُودِينَ فِي الْقُيُودِ، أَيْ وَسَخَّرْنَا لَهُ آخَرِينَ يَعْنِي مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ سُخِّرُوا لَهُ حَتَّى قَرَّنَهُمْ فِي الأصفاد. [٣٩] ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص: ٣٩] أَيْ قُلْنَا لَهُ هَذَا عَطَاؤُنَا، ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] الْمَنُّ هُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ تشاؤه ومن لا تشاؤه، مَعْنَاهُ: أَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَأَمْسِكْ عمن شئت، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ نِعْمَةً إِلَّا عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، إِلَّا سُلَيْمَانَ فإن أَعْطَى أُجر، وَإِنْ لَمْ يُعْطِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَذَا فِي أَمْرِ الشَّيَاطِينِ، يَعْنِي: خَلِّ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَمْسِكْ مَنْ شِئْتَ فِي وِثَاقِكَ لَا تَبِعَةَ عَلَيْكَ فِيمَا تَتَعَاطَاهُ. [٤٠] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠] [٤١] قَوْلُهُ : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ [ص: ٤١] بِمَشَقَّةٍ وَضُرٍّ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (بنُصُب) بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَمَعْنَى الْكُلِّ وَاحِدٌ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بِنُصْبٍ في الجسد، ﴿وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] فِي الْمَالِ وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ أيوب فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ [آية ٨٣] . [٤٢] فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ بَلَائِهِ قِيلَ له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] اضْرِبْ بِرِجْلِكَ الْأَرْضَ فَفَعَلَ فَنَبَعَتْ عين ماء، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ [ص: ٤٢] فأمره الله يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَفَعَلَ فَذَهَبَ كُلُّ دَاءٍ كَانَ بِظَاهِرِهِ، ثُمَّ مَشَى أَرْبَعِينَ خُطْوَةً فَرَكَضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ الْأُخْرَى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرَى مَاءٌ عذب بارد، فَشَرِبَ مِنْهَا فَذَهَبَ كُلُّ دَاءٍ كَانَ بِبَاطِنِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ [ص: ٤٢] يعني الذي اغتسل منه بارد، ﴿وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] أراد الذي شرب منه. [قوله تعالى وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً] مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. . . [٤٣، ٤٤] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ - وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٣ - ٤٤] وَهُوَ مِلْءُ الْكَفِّ مِنَ الشَّجَرِ أَوِ الْحَشِيشِ، ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فِي يَمِينِكَ وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا يَشْتَمِلُ عَلَى مِائَةِ عُودٍ صِغَارٍ ويضربها ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] [٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ [ص: ٤٥] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (عَبْدَنَا) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (عِبَادَنَا) بِالْجَمْعِ، ﴿إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ [ص: ٤٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُولِي الْقُوَّةِ في طاعة الله، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ أَيِ الْبَصَائِرُ فِي الدِّينِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أُعْطَوْا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَبَصَرًا في الدين. [٤٦] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ [ص: ٤٦] اصطفيناهم، ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (بِخَالِصَةِ) مُضَافًا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّنْوِينِ، فَمَنْ أَضَافَ فَمَعْنَاهُ: أَخْلَصْنَاهُمْ بِذِكْرِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَأَنْ يَعْمَلُوا لَهَا، وَالذِّكْرَى بِمَعْنَى الذِّكْرِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعْنَا

стр. 802

مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا، وَأَخْلَصْنَاهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذِكْرِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى الْآخِرَةِ وَإِلَى اللَّهِ . وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: أُخْلَصُوا بِخَوْفِ الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْنَاهُمْ بِأَفْضَلِ مَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّنْوِينِ: فَمَعْنَاهُ بِخُلَّةٍ خَالِصَةٍ، وَهِيَ ذِكْرَى الدَّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرَى الدَّارِ بَدَلًا عَنِ الْخَالِصَةِ. وَقِيلَ: أَخْلَصْنَاهُمْ: جَعَلْنَاهُمْ مُخْلَصِينَ، بِمَا أَخْبَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ ذِكْرِ الْآخِرَةِ. [٤٧- ٤٩] ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ - وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ - هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٧ - ٤٩] أَيْ هَذَا الَّذِي يُتْلَى عَلَيْكُمْ ذكر، وقيل ذِكْرٌ أَيْ شَرَفٌ وَذِكْرٌ جَمِيلٌ تُذْكَرُونَ بِهِ ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] [٥٠] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] أَيْ أَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةً لَهُمْ. ٥١، [٥٢] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ - وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥١ - ٥٢] مستويات الأسنان، بنات ثلاث وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَاحِدُهَا تَرْبٌ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مُتَوَاخِيَاتٌ لَا يَتَبَاغَضْنَ وَلَا يَتَغَايَرْنَ. [٥٣] ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ [ص: ٥٣] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (يُوعَدُونَ) بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي (ق) أَيْ مَا يُوعَدُ الْمُتَّقُونَ، وَافَقَ أَبُو عَمْرٍو هَاهُنَا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، أَيْ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَذَا مَا توعدون، ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] أَيْ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ. [٥٤] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] فناء وانقطاع. [٥٥] ﴿هَذَا﴾ [ص: ٥٥] أَيِ الْأَمْرُ هَذَا ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] للكافرين، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] مرجع. [٥٦] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [ص: ٥٦] يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص: ٥٦] [٥٧] ﴿هَذَا﴾ [ص: ٥٧] أَيْ هَذَا الْعَذَابُ، ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ هَذَا حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ، وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ وَغَسَّاقٌ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (وَغَسَّاقٌ) حَيْثُ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ، وَخَفَّفَهَا الْآخَرُونَ، فَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَهُ اسْمًا عَلَى فَعَّالٍ نَحْوَ الْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ، وَمَنْ خَفَّفَ جَعَلَهُ اسْمًا عَلَى فَعَّالٍ نَحْوَ الْعَذَابِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْغَسَّاقِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ يَحْرُقُهُمْ بِبَرْدِهِ، كَمَا تَحْرُقُهُمُ النَّارُ بحرها. قال مُقَاتِلٌ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي انْتَهَى بَرْدُهُ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَا يَغْسِقُ أَيْ مَا يَسِيلُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ وَلُحُومِهِمْ وَفُرُوجِ الزُّنَاةِ، مِنْ قولهم غَسَقَتْ عَيْنُهُ إِذَا انْصَبَّتْ، وَالْغَسَقَانُ الانصباب. [٥٨] ﴿وَآخَرُ﴾ [ص: ٥٨] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ (وَأُخَرُ) بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى جَمْعِ أُخْرَى، مِثْلَ الْكُبْرَى وَالْكُبَرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ لِأَنَّهُ نَعَتَهُ بِالْجَمْعِ، فَقَالَ:

стр. 803

أَزْوَاجٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُشْبَعَةً عَلَى الْوَاحِدِ، ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ [ص: ٥٨] مِثْلِهِ أَيْ مِثْلُ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ ﴿أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] أَيْ أَصْنَافٌ أُخَرُ مِنَ الْعَذَابِ. [٥٩] ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا هُوَ أَنَّ الْقَادَةَ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمُ الْأَتْبَاعُ قَالَتِ الخزنة للكفار: هَذَا يَعْنِي الْأَتْبَاعُ فَوْجٌ: جَمَاعَةٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمُ النَّارَ، أَيْ دَاخِلُوهَا كَمَا أَنْتُمْ دَخَلْتُمُوهَا، وَالْفَوْجُ الْقَطِيعُ مِنَ النَّاسِ وَجَمْعُهُ أَفْوَاجٌ، وَالِاقْتِحَامُ الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ رَمْيًا بِنَفْسِهِ فِيهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُمْ يُضْرَبُونَ بِالْمَقَامِعِ حَتَّى يُوقِعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي النَّارِ خَوْفًا مِنْ تِلْكَ الْمَقَامِعِ، فَقَالَتِ الْقَادَةُ: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ [ص: ٥٩] يعني بالأتباع، ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ [ص: ٥٩] أَيْ دَاخِلُوهَا كَمَا صَلَيْنَا. [٦٠] ﴿قَالُوا﴾ [ص: ٦٠] فَقَالَ الْأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] وَالْمَرْحَبُ وَالرَّحْبُ: السَّعَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا أَيْ أَتَيْتَ رَحْبًا وَسِعَةً، وَتَقُولُ: لَا مَرْحَبًا بِكَ أَيْ لَا رَحُبَتْ عَلَيْكَ الأرض. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص: ٦٠] يَقُولُ الْأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ: أَنْتُمْ بَدَأْتُمْ بِالْكُفْرِ قَبْلَنَا وَشَرَعْتُمْ وَسَنَنْتُمُوهُ لَنَا وَقِيلَ: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمْ هَذَا الْعَذَابَ لَنَا بِدُعَائِكُمْ إِيَّانَا إِلَى الْكُفْرِ، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص: ٦٠] أَيْ فَبِئْسَ دَارُ الْقَرَارِ جَهَنَّمُ. [٦١] ﴿قَالُوا﴾ [ص: ٦١] يَعْنِي الْأَتْبَاعُ، ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ [ص: ٦١] أَيْ شَرَعَهُ وَسَنَّهُ لَنَا، ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١] أَيْ ضَعِّفْ عَلَيْهِ الْعَذَابَ فِي النَّارِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي حيات وأفاعي. [قوله تعالى وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ] مِنَ الْأَشْرَارِ. . . [٦٢] ﴿وَقَالُوا﴾ [ص: ٦٢] يَعْنِي صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي النَّارِ، ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ [ص: ٦٢] في الدنيا، ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢] يَعْنُونَ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ: عَمَّارًا وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَسَلْمَانَ ﵃، ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَقَالُوا: [٦٣] ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (مِنَ الْأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ) وَصْلٌ، وَيَكْسِرُونَ الْأَلِفَ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْقِرَاءَةُ الْأُولَى أُولَى لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُمْ سِخْرِيًّا فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِفْهَامُ، وَتَكُونُ أَمْ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى بَلْ، وَمَنْ فَتَحَ الْأَلِفَ قَالَ هُوَ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى لِيُعَادِلَ (أَمْ) فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّعَجُّبُ، ﴿أَمْ زاغَت﴾ [ص: ٦٣] أي مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] وَمَجَازُ الْآيَةِ: مَا لَنَا لَا نَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا لَمْ يَدْخُلُوا مَعَنَا النَّارَ؟ أَمْ دَخَلُوهَا فَزَاغَتْ عَنْهُمْ أَبْصَارُنَا فَلَمْ نرهم حين دخلوا؟ وَقِيلَ: أَمْ هُمْ فِي النَّارِ ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟ فقال ابن كيسان: يعني أَمْ كَانُوا خَيْرًا مَنَّا وَلَكِنْ نحن لا نعلم، وكانت أَبْصَارُنَا تَزِيغُ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَا نَعُدُّهُمْ شَيْئًا. [٦٤] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ [ص: ٦٤] الذي ذكرت، ﴿لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ، ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] أَيْ تُخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ فِي النار لحق. [٦٥] ﴿قُلْ﴾ [ص: ٦٥] يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٦٥] مُخَوِّفٌ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] [٦٦] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦] [٦٧] قوله: ﴿قُلْ﴾ [ص: ٦٧] يا محمد، ﴿هُوَ﴾ [ص: ٦٧] يعني القرآن، ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، وقيل: هو يعني القيامة لقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ - عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النَّبَأِ: ١ - ٢] [٦٨] ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ - مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [ص: ٦٨ - ٦٩] يعني الملائكة، ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩] يَعْنِي فِي شَأْنِ آدَمَ ﵇، حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠]

стр. 804

[٧٠] ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] قَالَ الْفَرَّاءُ. إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ﴿أَنَّمَا﴾ [ص: ٧٠] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا الْإِنْذَارُ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْمَعْنَى: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: (إِنَّمَا) بِكَسْرِ الألف، لأن الوحي قول. [٧١] قَوْلُهُ : ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] يَعْنِي آدَمَ ﵇. [٧٢- ٧٥] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [ص: ٧٢] أَتْمَمْتُ خَلْقَهُ، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ - فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٢ - ٧٥] أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] الْمُتَكَبِّرِينَ، اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَإِنْكَارٍ، يَقُولُ: أَسْتَكْبَرْتَ بِنَفْسِكَ حَتَّى أَبَيْتَ السُّجُودَ؟ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِنْهُمْ؟ . [٧٦، ٧٧] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [ص: ٧٦ - ٧٧] أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّمَاوَاتِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: أَيْ مِنَ الْخِلْقَةِ الَّتِي أَنْتِ فيها. قال الحسن بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ إِبْلِيسَ تَجَبَّرَ وَافْتَخَرَ بِالْخِلْقَةِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ خِلْقَتَهُ فَاسْوَدَّ وَقَبُحَ بعد حسنه، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص: ٧٧] مَطْرُودٌ. [٧٨- ٨١] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ - قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ - قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٨ - ٨١] وهو النفخة الأولى. [قوله تعالى قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ] مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ. . . [٨٢، ٨٤] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ - قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٤] قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ: (فَالْحَقُّ) بِرَفْعِ الْقَافِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَنَصْبُ الثَّانِيَةِ أَيْ: وَأَنَا أَقُولُ الْحَقَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِمَا، قِيلَ: نَصْبُ الأول عَلَى الْإِغْرَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْزَمِ الْحَقَّ، وَالثَّانِي بِإِيقَاعِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ أَيْ أَقُولُ الْحَقَّ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ قَسَمٌ أَيْ فَبِالْحَقِّ وَهُوَ اللَّهُ فَانْتُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ حَرْفُ الصِّفَةِ، وَانْتِصَابُ الثَّانِي بِإِيقَاعِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الثَّانِي تَكْرَارُ الْقَسَمِ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ. ٨٥، [٨٦] ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ - قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [ص: ٨٥ - ٨٦] عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] جُعْلٍ، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] الْمُتَقَوِّلِينَ الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَكُلُّ مَنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ تلقاء نفسه فقد تكلفه. [٨٧] قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ [ص: ٨٧] مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٨٧] موعظة، ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] للخلق أجمعين. [٨٨] ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ [ص: ٨٨] أَنْتُمْ يَا كُفَّارَ مَكَّةَ، ﴿نَبَأَهُ﴾ [ص: ٨٨] خبر صدقه، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ

стр. 805

الْكَلْبِيُّ: مَنْ بَقِيَ عَلِمَ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ أَمْرُهُ وَعَلَا، وَمَنْ مَاتَ عَلِمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: ابْنَ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ. [سُورَةُ الزُّمَرِ] [قوله تعالى تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] . . . (٣٩) سورة الزمر [١] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الزمر: ١] أي هذا تنزيل الكتاب. وَقِيلَ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ، ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] أَيْ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. [٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٢] قال مقاتل: لم ينزله بَاطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] الطَّاعَةَ. [٣] ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] قَالَ قَتَادَةُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الْخَالِصَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدِّينُ الْخَالِصُ مِنَ الشَّرَكِ هُوَ لِلَّهِ. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣] أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣] يعني الأصنام، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أَيْ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ، ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ وَمَنْ خَلَقَكُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَمَا مَعْنَى عِبَادَتِكُمُ الْأَوْثَانَ؟ قَالُوا: لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى أَيْ قُرْبَى، وَهُوَ اسْمٌ أُقِيمَ فِي مَقَامِ الْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ تَقْرِيبًا وَيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٣] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] لَا يُرْشِدُ لِدِينِهِ مَنْ كَذَبَ فقال: إن الآلهة لتشفع. وَكَفَى بِاتِّخَاذِ الْآلِهَةِ دُونَهُ كَذِبًا وَكُفْرًا. [٤] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ [الزمر: ٤] لَاخْتَارَ، ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] يعني الملائكة، كما قالوا: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتخذناه من لدنا، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر: ٤] تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَمَّا لَا يَلِيقُ بِطَهَارَتِهِ، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤] [٥] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] قَالَ قَتَادَةُ: يُغْشِي هَذَا هَذَا، كَمَا قَالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَقِيلَ: يُدْخِلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا قَالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: يُنْقِصُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَزِيدُ فِي النَّهَارِ، وَيُنْقِصُ مِنَ النَّهَارِ فَيَزِيدُ فِي اللَّيْلِ، فَمَا نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ فِي النَّهَارِ وَمَا نَقَصَ مِنَ النَّهَارِ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ، وَمُنْتَهَى النُّقْصَانِ تِسْعُ سَاعَاتٍ وَمُنْتَهَى الزِّيَادَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَأَصْلُ التَّكْوِيرِ اللَّفُّ وَالْجَمْعُ، وَمِنْهُ: كَوَّرَ الْعِمَامَةَ. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] [قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا] زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ. . . [٦] ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] يَعْنِي آدَمَ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] يَعْنِي حَوَّاءَ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦]

стр. 806

معنى الإنزال ههنا: الْإِحْدَاثُ وَالْإِنْشَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٦] وَقِيلَ: إِنَّهُ أَنْزَلَ الْمَاءَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ نَبَاتِ الْقُطْنِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ اللِّبَاسُ، وَسَبَبُ النَّبَاتِ الَّذِي تَبْقَى بِهِ الْأَنْعَامُ. وَقِيلَ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] جَعَلَهَا لَكُمْ نُزُلًا وَرِزْقًا، ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] أصناف، مر تفسيرها في سورة الأنعام آية (١٤٣) . ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نُوحٍ: ١٤] ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظُلْمَةُ الْبَطْنِ وَظُلْمَةُ الرَّحِمِ وَظُلْمَةُ الْمَشِيمَةِ، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦] أي الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ. [٧] ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْكُفْرَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢] فَيَكُونُ عَامًّا فِي اللَّفْظِ خَاصًّا فِي الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٦] يُرِيدُ بَعْضَ الْعِبَادِ، وَأَجْرَاهُ قَوْمٌ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَالُوا: لَا يَرْضَى لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكفر أن يكفروا به، ويروى ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ، قَالُوا: كُفْرُ الْكَافِرِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ ، وَإِنْ كان بإرادته، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ [الزمر: ٧] تُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَتُطِيعُوهُ، ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فَيُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (يَرْضَهْ لَكُمْ) سَاكِنَةُ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَالْبَاقُونَ بِالْإِشْبَاعِ، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] [٨] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] رَاجِعًا إِلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر: ٨] أعطاه نعمة منه، ﴿نَسِيَ﴾ [الزمر: ٨] تَرَكَ، ﴿مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] أَيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كَانَ يَدْعُو اللَّهَ إِلَى كَشْفِهِ، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨] يَعْنِي الْأَوْثَانَ، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] لِيَزِلَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، ﴿قُلْ﴾ [الزمر: ٨] لِهَذَا الْكَافِرِ، ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ٨] فِي الدُّنْيَا إِلَى أَجَلِكَ، ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ. وَقِيلَ: عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرٍ. [٩] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ (أَمَنْ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا، فَمَنْ شَدَّدَ فَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ فِي (أَمْ) صِلَةً، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ اسْتِفْهَامًا وَجَوَابُهُ مَحْذُوفًا، مَجَازُهُ: أَمَّنَ هُوَ قَانِتٌ كَمَنْ هُوَ غَيْرُ قَانِتٍ؟ كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] يَعْنِي كَمَنْ لَمْ يَشْرَحْ صَدْرَهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، مَجَازُهُ: الَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا خَيْرٌ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ؟ وَمَنْ قَرَأَ

стр. 807

بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ على مَعْنَاهُ: أَهَذَا كَالَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا؟ وَقِيلَ: الْأَلِفُ فِي (أَمَنْ) بِمَعْنَى حَرْفِ النِّدَاءِ، تَقْدِيرُهُ: يَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ، وَالْعَرَبُ تُنَادِي بِالْأَلِفِ كَمَا تُنَادِي بِالْيَاءِ، فَتَقُولُ: أَبَنِي فَلَانٍ وَيَا بَنِي فُلَانٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ. قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار، ويا مَنْ هُوَ قَانِتٌ ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ، وَالْقَانِتُ: الْمُقِيمُ عَلَى الطَّاعَةِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْقُنُوتُ قِرَاءَةُ القرآن وطول القيام، وآناء الليل: ساعاته، ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩] يَخَافُ الْآخِرَةَ، ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] يَعْنِي كَمَنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] قِيلَ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَمَّارٌ، وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: أَبُو حُذَيْفَةَ الْمَخْزُومِيُّ، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] [١٠] ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] أَيْ آمَنُوا وَأَحْسَنُوا الْعَمَلَ، حَسَنَةٌ يَعْنِي الْجَنَّةَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ يَعْنِي الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي ارْتَحِلُوا مِنْ مَكَّةَ. وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الْمَعَاصِي. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: من أمر بالمعاصي ببلد فليهرب منها إلى غيرها. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] الذي صَبَرُوا عَلَى دِينِهِمْ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ لِلْأَذَى. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، حَيْثُ لَمْ يَتْرُكُوا دِينَهُمْ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ , وَصَبَرُوا وَهَاجَرُوا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: كُلُّ مُطِيعٍ يُكَالُ لَهُ كَيْلًا وَيُوزَنُ له وزنا إلا الصابرين، فإنه يحثى لهم حثيا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ من الفضل. [قوله تعالى قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا] لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. . . [١١] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] مُخْلِصًا لَهُ التَّوْحِيدَ لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. [١٢] ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. [١٣] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الزمر: ١٣] وَعَبَدْتُ غَيْرَهُ، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] وَهَذَا حِينَ دُعِيَ إِلَى دِينِ آبَائِهِ. ١٤، [١٥] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي - فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥] أمر توبيخ وتهديده , ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ [الزمر: ١٥]

стр. 808

أزواجهم وخدمهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلًا، فَمَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ دَخَلَ النَّارَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ وَالْأَهْلُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: خُسْرَانُ النَّفْسِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَخُسْرَانُ الْأَهْلِ بِأَنْ يفرق بينه وبين أهله، وذلك هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. [١٦] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: ١٦] أَطْبَاقُ سُرَادِقَاتٍ مِنَ النَّارِ وَدُخَّانِهَا، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] فِرَاشٌ وَمِهَادٌ مِنْ نَارٍ إِلَى أن ينتهي إلى القعر، سمي الْأَسْفَلَ ظُلَلًا لِأَنَّهَا ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتِهُمْ نَظِيرُهَا قَوْلُهُ : ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤١] ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ١٧، [١٨] ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [الزمر: ١٧] الْأَوْثَانَ، ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ١٧] رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧] في الدنيا بالجنة وفي العقبى بالمغفرة، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] القرآن ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] قَالَ الْسُّدِّيُّ: أَحْسُنُ مَا يُؤْمَرُونَ به فيعملونه. وقيل: هو أن الله ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ الِانْتِصَارَ مِنَ الظَّالِمِ وَذَكَرَ الْعَفْوَ، وَالْعَفْوُ أَحْسَنُ الْأَمْرَيْنِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْعَزَائِمَ [وَالرُّخَصَ فَيَتَّبِعُونَ الْأَحْسَنَ وَهُوَ الْعَزَائِمُ] (١) وَقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَ الْقُرْآنِ فَيَتَّبِعُونَ الْقُرْآنَ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِإِيمَانِهِ فَآمَنُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وَكُلُّهُ حَسَنٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [الزمر: ١٧] الْآيَتَانِ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نفيل وأبو ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَالْأَحْسَنُ: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [١٩] ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْعَذَابِ قَوْلُهُ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] وقيل: كلمة العذاب قَوْلُهُ: "هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي " (٢) . ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَبَا لَهَبٍ وَوَلَدَهُ. [٢٠] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] أَيْ مَنَازِلُ فِي الْجَنَّةِ رَفِيعَةٌ وَفَوْقَهَا مَنَازِلُ أَرْفَعُ مِنْهَا، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] أَيْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ تِلْكَ الْغُرَفَ والمنازل وعدا لا يخلفه. [٢١] قَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾ [الزمر: ٢١] أدخل ذلك الماء، ﴿يَنَابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] عيونا وركايا، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] قَالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَمِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ [الزمر: ٢١] بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر: ٢١] ييبس، ﴿فَتَرَاهُ﴾ [الزمر: ٢١] بُعْدَ خُضْرَتِهِ وَنَضْرَتِهِ، ﴿مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر: ٢١] فُتَاتًا مُتَكَسِّرًا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١] [قوله تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ] عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ. . . [٢٢] قَوْلُهُ : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] وَسَّعَهُ لِقَبُولِ الْحَقِّ، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] كمن أقسى الله قلبه؟ قَوْلُهُ : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ. مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ، وَمَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا نزع منهم الرحمة. [٢٣] قَوْلُهُ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحُسْنِ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَيْسَ فِيهِ تناقض ولا اختلاف.

стр. 809

﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] يُثَنَّى فِيهِ ذِكْرُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ [الزمر: ٢٣] تَضْطَرِبُ وَتَشْمَئِزُّ، ﴿مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] وَالِاقْشِعْرَارُ تَغَيُّرٌ فِي جَلْدِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْوَجَلِ وَالْخَوْفِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْجُلُودِ الْقُلُوبُ أَيْ قُلُوبُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] أَيْ لِذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ إِذَا ذُكِرَتْ آيَاتُ الْعَذَابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الْخَائِفِينَ لِلَّهِ، وَإِذَا ذُكِرَتْ آيَاتُ الرَّحْمَةِ لَانَتْ وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَقْشَعِرُّ مِنَ الخوف وتلين عند الرجاء. ﴿ذَلِكَ﴾ [الزمر: ٢٣] يَعْنِي أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] [٢٤] ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤] أي شدته، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] قَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ مَنْكُوسًا فَأَوَّلُ شيء تَمَسُّهُ النَّارُ وَجْهُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ الْكَافِرَ يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ , وَفِي عُنُقِهِ صَخْرَةٌ مِثْلُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مِنَ الْكِبْرِيتِ فَتَشْتَعِلُ النَّارُ فِي الْحَجَرِ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ في عنقه فحرها وَوَهَجُهَا عَلَى وَجْهِهِ لَا يَطِيقُ دَفْعَهَا عَنْ وَجْهِهِ، لِلْأَغْلَالِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ وَيَدِهِ. وَمَجَازُ الْآيَةِ: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ كَمَنْ هُوَ آمِنٌ مِنَ الْعَذَابِ؟ ﴿وَقِيلَ﴾ [الزمر: ٢٤] يَعْنِي تَقُولُ الْخَزَنَةُ ﴿لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] أَيْ وَبَالَهُ. [٢٥] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٢٥] مِنْ قَبْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] يَعْنِي وَهُمْ آمِنُونَ غَافِلُونَ مِنَ العذاب. [٢٦] ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر: ٢٦] الْعَذَابَ وَالْهَوَانَ، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] [٢٧] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] يتعظون. [٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ، غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. قَالَ الْسُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وحكى عن سفيان ابن عُيَيْنَةَ عَنْ سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعَيْنِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مخلوق، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] الكفر والتكذيب. [٢٩] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ [الزمر: ٢٩] قَالَ الْكِسَائِيُّ نُصِبَ رَجُلًا لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] مُتَنَازِعُونَ مُخْتَلِفُونَ سَيِّئَةٌ أَخْلَاقُهُمْ، يُقَالُ رَجُلٌ شَكِسٌ شَرِسٌ إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ مُخَالِفًا لِلنَّاسِ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ (سَالِمًا) بِالْأَلِفِ أَيْ

стр. 810

خَالِصًا لَهُ لَا شَرِيكَ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (سَلَمًا) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُنَازَعُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ لَكَ سَلَمٌ، أَيْ مُسَلَّمٌ لَا مُنَازِعَ لَكَ فِيهِ. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً شَتَّى، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ الْوَاحِدَ، وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ لَا يَسْتَوِيَانِ، ثُمَّ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٢٩] أَيْ لِلَّهِ الْحَمْدُ كُلُّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعْبُودِينَ. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ الكل. [٣٠] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أي ستموت، ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أَيْ سَيَمُوتُونَ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: الْمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَنْ لَمْ يَمُتْ وَسَيَمُوتُ، الْمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَنْ فَارَقَهُ الروح، ولذلك لم يخفف ههنا. [٣١] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُحِقَّ والمبطل والظالم والمظلوم. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ] بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ. . . [٣٢] قَوْلُهُ : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢] فَزَعْمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٢] بِالْقُرْآنِ، ﴿إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ [الزمر: ٣٢] منزل ومقام، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ. [٣٣] ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَا إِلَهَ إلا الله ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] الرَّسُولُ أَيْضًا بَلَّغَهُ إِلَى الْخَلْقِ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَصَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَدَّقَ بِهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] وَقَالَ عَطَاءٌ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ الْأَنْبِيَاءُ وَصَدَّقَ بِهِ الْأَتْبَاعُ، وَحِينَئِذٍ يكون الذي بمعنى الذين، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ صَدَّقُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا وَجَاءُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وَالَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] ٣٤، [٣٥] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ - لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٤ - ٣٥] يَسْتُرُهَا عَلَيْهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ، ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالْمَحَاسِنِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَا يَجْزِيهِمْ بِالْمَسَاوِئِ. [٣٦] قَوْلُهُ : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (عِبَادَهُ) بِالْجَمْعِ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ ﵈، قَصَدَهُمْ قَوْمُهُمْ بِالسُّوءِ كَمَا قَالَ:
следующие страницы →