Полный текст (53 стр.). Показаны 36–53 · переход к 41.
стр. 36
يجلب عليك الضير، وما يفضى بك إلى خير، وما يهلك الإنسان، إلا عثرات اللسان، فلولا لقلقة لسانك، ما غربت عن أوطانك، وأخذت من بين أقرانك، وحبست في ضيق الأقفاص، وسد عليك باب الخلاص، فهل ذلك إلا مما جناه عليك لسانك، وأفصح به بيانك، فلو اهتديت تشيمتي، واقتديت بسيرتي، لبرئت من الملامة، وعلمت أن الصمت رفيق السلامة، ألا تراني كيف ألفت السكوت، ولزمت الصموت، فكان الصمت جمالي، ولزوم الأدب كمالي، اقتنصت من البادية قهرا، وجلبت إلى بلاد الغربة جبرا، فلا بالسريرة بحت، ولا على العشيرة نحت، بل أدبت حين غربت، وقربت حين جربت، ومنحت حين امتحنت، وقد قيل فيما تقدم من الزمان عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، نظر مؤدبي إلى تخليطى الوقت، فخاف على من المقت، فكمم تصرى بكمامة، ولا تمدن عينيك، وعقد لساني بعقدة، ولا تحرك به لسانك، وقيد قدمى بقيد، ولا تمش في الأرض مرحا، فأنا في وثاقي أتألم، ومما ألاقى لا أتكلم، فلما كممت وعلمت، وأدبت وهذبت، استخلصنى مؤدبى إلى إرسال الصيد، وأزال عني ذلك القيد، فأطلقت وأرسلت هناك بإشارة إنا أرسلناك، فلما رفعت الأكمة عن عينى، وأصلحت ما بينه وبيني، رأيت الملوك خدمى، وأكفهم تحت قدمي، وفي ذلك أقول:
стр. 37
أَمْسَكْتُ عَنْ فَضُلِ الكَلاَمِ لِسَانِي ... وَكَفَفْتُ عَنْ نَظر الُلا إنْشَانِى
مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ قُرْبَ مَنِيَّتِى ... لِزَحَارِفِ اللَّذَّاتِ قَدْ أَنْسَانِى
أُدِّبت آدَابَ المُلُوكِ وَعَلَمتْ ... رُوحِى هُنَاكَ صَنَائِع الإِحْسَانِ
أُرْسِلْتُ عَنْ كَفِّ المُلُوكِ مُجَرّداً ... وَجَعَلْتُ مَا أَبْغِيهِ نُصبَ عِيَانِى
حَتَّى ظَفَرْتُ وَنِلْتُ مَا أمّلتُهُ ... ثمّ اسْتَجَبْتُ إِلَيْهِ حِين دَعَانِى
هَذَا لَعَمْركَ وسْمُ كلِّ مكلَّفِ ... بِوَظَائِفِ التَّسْلِيمِ والإِيمان
إشارة الحمامة
فبينما أنات مستغرق في لذة كلامه، معتبر بحكمة وأحكامه، إذ رأيت أمامه حمامة، قد جعل طوق العبودية في عنقها علامة، فقلت لها: حدثينى عن شوقك وذوقك، وأوضحى لي ما حكمة تطويق طوقك؟ فقالت: أنا المطوقة بطوق الأمانة، المتقلدة تقليد الصيانة، فأنا لحمل الأمانة قد ندبت،
стр. 38
وبالمحافظة عليها أمرت، فإذا رأيت أهل الجناية تدبت أحمل الرسائل، وأبلغ الوسائل، وأجيب المسائل، وأؤدي الأمانة، ولا أسائل، ولكني أخبرك بخبري، لتعلم حقيقة مخبري، أخبرك بالقصة الصحيحة، فإن الدين النصيحة، ما كل طائر أمين، ولا كل حالف يصدق في اليمين، ولا كل سالك هو من أصحاب اليمين، وإنما الخصوص بحمل الأمانة جنسي، وما أبرىء نفسي، يحمل الأمانة منا من كان أبلق وأخضر، لأنه أمحسن في الشكل والمنظر، وأعدل في الخبر والمخبر، ولا تكون الشيم العلية إلا في الروح الزكية، ولا شرف العزيمة إلا في النفس النفيسة المستقيمة، فإن اعتدال لون الطائر يدل على اعتدال تركيبه، فيصلح حينئذ وتأديبه، فلما باشرني مؤدبى بالتخريج، وعرفني الطريق بالتدريج، أقول: حملوني ما شئتم، فأحمل كتب الأسرار، ولطائف الأخبار، فحينئذ أطير، وأقطع الهول المستطير، خائفا من جارح جانح، حاذرا من سايح سارح، جازعا من صائد ذابح، أكابد الظمأ في الهواجر، وأطوى على الطوى في المحاجر، فلو رأيت حبة بر مع شدة جوعى، عدلت عنها، وذكرت ما جرى على آدم منها، فأرتفع حشية من كمين فخ مدفون، أو شرك يعوقنى عن تبليغ الرسالة فأنقلب بصفقتى مغبونا، فإذا أنا وصلت، وفي مأمنى حصلت أديت ما حملت، وعملت بما علمت، فهنالك طوقت، وبالبشارة خلقت، ثم انقلب إلى شكر الله على ما وفقت، وفي ذلك أقول:
стр. 39
أَأَحْبَابِى وَصَلْتُمُ أَوْ صَدَدتُمْ ... فَعَبْدُكُم على حِفْظِ الأَمَانَةِ
مُقِيمٌ لاَ يُزَحْزِحُهُ عَذُولٌ ... وَلاَ يُثْنِىِ مٌعَنِّفُهُ عِنَانَه
حَمَلُتُ لأَجْلِكُمْ مَا لَيْسَ تَقْوَى ... جِبَالٌ أَنْ تَحْمِلَها وِزَانَه
فَحِفْظُ العَهْدِ مَا وَافَاهُ حُرِّ ... وَلَوْ أَوْدَى هَواهُ بِهِ وشَانَه
إشارة الخطاف
فبينا نحن نتذاكر أوصاف الأشراف، وأشراف الأوصاف، إذ نظرت إلى خطاف، وهو بالبيت قد طاف، فقلت له: مالي أراك للبيوت ملازم، وعلى مؤانسة الإنس عازم، فلو كنت في أمرك حازم، لما فارقت أبناء جنسك، ورضيت في البيوت بحبسك، ثم إنك لا تنزل إلا في البيوت العامرة، والمنازل التي هي بأهلها عامرة، فقل لي: يا كثيف الطبع، يا ثقيل السمع، اسمع الآن قصة حالي، وكيف عن الطيور ارتحالي، أنا ما فارقت أمثالي، وعاشرت غير أشكالي، واستوطنت السقوف، دون الشعاب، والكهوف، إلا لفضيلة الغربة، ولزوما لأدب الصحبة، صحبت من ليس
стр. 40
مني لاكون غريبا، وجاورت من هو خير مني لأضرب لي بينهم نصيبا، فأعيش عيش الغرباء، وأفوز بصحبة الأدباء، فالغريب مرحوم في غربته، ملطوف به في صحبته، فقصدت المنازل، غير مضر بالنازل، أبتنى بيتي من حافات الأنهار، وأكتسب قوتى من مباحات القفار، فلست للجار كمن جار، ولا لأهل الدار كالغدار، بل أحسن جواري مع جاري، أكثر سوادهم، ولا أستطعم زادهم، فزهدى فيما في أيديهم، هو الذي حببنى إليهم، ولو شاركتهم في قوتهم، ما بقيت معهم في بيوتهم، فأنا شريكهم في أبنيتهم، لا في أغذيتهم، مزاحمهم في أوقاتهم، لافي أقواتهم، مكتسب من أخلاقهم، لا من أرزاقهم، منتهب من جمالهم، لا من مالهم، مقتبس من برهم، راغب في حبهم لافي حبهم، فزهدي بما في أيديهم هو الذي حببنى فيهم، مقتديا في ذلك بإشارة صاحب البشارة ﷺ (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) ، وفي ذلك أقول:
كُنْ زَاهِداً فِيمَا حَوَتْهُ يَدُ الوَرَى ... تُضْحَى إلى كُلِّ الأَنامِ حَبِيباً
أَوَ مَا تَرَى الخُطَّافَ حَرَّمَ زَادَهُمْ ... فَغَدا رَبِيباً في الحُجُورِ قَرِيباً
قلت: لله درك لقد عشت عيشا سعيدا، وسرت سيرا حميدا، ووفقت أمرا رشيدا، وقلت قولا سديدا، ولا أطلب على موعظتك مزيدا، فالعاقل يفهم، والجاهل يندم.
стр. 41
إشارة البوم
فناداه البوم وهو منفرد بالخراب مهموم، أيها الصديق الصادق، لا تكن بمقالة الخطاف واثق، ولا لعقله موافق، فإنه إن سلم من شبه زادهم، فما سلم من شبهة فرحهم وأعيادهم، وتكثير سوادهم، وقد علمت أن من كثر سواد قوم فهو منهم، ولو صحبهم ساعة صار مسئولا عنهم، وقد علمت أن مبدأ التفريط من آفة التخليط، والخلطة غلطة، وأول السيل نقطة، وأعلم أن السلامة في العزلة، فمن وليها لا يخاف عزله، فهلا استسن بسنتى، وتأسى بوحدتي، واعتزل المنازل والنازل، وزهد في المآكل والآكل، فلا أساكنهم في مساكنهم، ولا أزاحمهم في أماكنهم، ولا أجالسهم في مجالسهم، بل اخترت لنفسي الداثر من الجدران، ورضيت بالخراب على العمران، فسلمت من الأنكاد، وأمنت من شر الحساد، ولم أزل عن الأحباب فريدا، وعن الأتراب بعيدا، من كان مسكنه التراب، كيف يساكن الأتراب،
стр. 42
ومن كان الليل والنهار يجريان من عمره، فكيف لا يقنع بالخراب، ومن علم أن الموت وراءه كيف يتعلق بالأسباب، ومن علم أن العمر قصير، وأن كل شىء إلى الفناء يصير، قنع من الدنيا باليسير، وبات على خشن الحصير، وأفطر على قرص الشعير، وعلم أن الخلق في المصير، فريق في الجنة، وفريق في السعير.
أما أنا فنظرت إلى الدنيا وذهابها، وإلى الآخرة واقترابها، وإلى القيامة وحسابها، وإلى النفس واكتسابها، فشغلنى التفكير في حالي عن منزلي الخالي، وأذهلني ما على ومالي، عن أهلي ومالي، وأهمني صحتي واعتلالي عن القصور العوالي، فجلا اليقين عن بصر بصيرتي كل شبهة، فعلمت أن لا فرح يدوم ولا نزهة، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، فعرفت من هو، وما عرفت ما هو، فحيث كنت لا أرى إلا هو، وإذا نطقت فلا أقول إلا هو، لأنه لا إله إلا هو، وفي ذلك أقول:
أَفْرَدَنِى عَنْهُمْ هَوَاهُ ... وَلَيْسَ لى مَقْصِدٌ سِوَاهُ
أَهِيمُ وَحْدى بِصِدْقِ وَجْدِى ... وَحُسْنِ قَصدِى عَسَى أَرَاهُ
أَنْكَر ضَحْبى غَرَامَ قَلْبِى ... وَمَا دَرَوْا بِالَّذِى دَهَاهُ
أَحْبَبْتُ مَوَلى إِذَا تجلّى ... يَقْتَبِسُ البَدْرُ مِنْ سَنَاهُ
تَحيّر النَّاسُ فيه شَوْقاً ... وَجُمْلَةُ النَّاس فِيه تَاهُ
وَلاَ أسميه غير أنّى ... إنْ غَلَبَ الوجدُ قُلتُ: ياهو
فأخذت موعظته بمجامع قلبي، وقلت: هذا رحمة من ربي، وخلعت عني ملابس عجبى، إلا أن الهوى يقول: عج بي.
стр. 43
إشارة الطاووس
ثم التفت، فرأيت طاووسا، قد شرب من خمرة العجب كؤوسا، قد رخرف بملابس التلبيس، وهو الذي عاد عليه شؤم إبليس، قد زين ريشه ألوان، وفنن عيشه أفنان، لا يأوى إلا إلى الجنان، والله يعلم بما في الجنان، فقلت له: ويحك، كم بينك وبين البوم من الحظ المقسوم، فأنت أيها العانى نظرت إلى الصور، وهو نظر إلى المعاني، فأنت تفرح بالفاني، وتغتر بالامانى، فقال لي: يا عانى، يا من بالشماتة نعانى، لا تظهر لي الشماته، ولا تذكر الحزين ما فاته، فقد قيل في الخبر: (ارحموا عزيز قوم
стр. 44
ذل، وغنى قوم افتقر) ، أين كنت يا مسكين، وأنا في الجنان أطوف بين الظلال والقطوف، أدور دورها، وأزور حورها، وأسكن قصورها، شرابي التسبيح، وطعامي التقديس، حتى ساق لي القدر إبليس، فألبسني ملابس التلبيس، حتى عوضنى بالخسيس عن النفيس، ولقد كنت لمراده كاره، لكن القضاء والقدر يوقع في المكاره، وينفر الطير عن أوكاره، ولقد كان إبليس يرفل في حلل حبه، وخلع قربه، فما تركه شؤم رأيه، حتى تاه على آدم بعجبه، فأوقعنى في الخطية، وما أطلعنى على ماله في الطوية، غير أني كنت له دلاله، وكانت الحية في دخوله الجنة محتاله، فأخرجت معهم من دار العز إلى دار الهوان والإذلال، وقيل: هذا أجره الدلال، وهذا جرآء من عاشر الأنذال، ثم أبقيت على زينة ريشي، أتذكر به ما كان من صفو عيشى، فيزيدنى ذلك تحرقا وتشوقا، ثم جعلت على علامة السخط في ساقي، أنظرها بإحداقى، وينادى على
стр. 45
بنقض ميثاقى، ثم إنى ألفت من البقاع بقعة، تشاكل ما خرجت منه، وطردت بما فعلت عنه، فأتذكر بالبساتين مرابع ربوعى، وأجرى عليه سواكب دموعي، وألوم نفسي التي كانت سببا لوقوعي، وأقول كلما ذكرت تفريق جموعي:
يَا دَارُ هَلْ يُقْضَى لنا بِرُجُوعِ ... وَيَعُودُ لِى يَا عَيْنُ طِيبَ هُجوعِى
يا سَادَة كادَ المَشُوق بِذِكْرِهِ ... يَقْضِى أَساً في سَاعَةِ التَّوْدِيعِ
قَلْبِى لِيَومِ فِرَاقِكُمْ مُتَوجّعٌ ... وَارَحْمَتَاهُ لِقَلُبي المَوْجُوعِ
فٌرَّقْتُم مَا بَيْتَ عَيْنِى وَالكَرَى ... وَوَصَلْتُمُ بَيْنَ الأسى وَضُلُوعِى
جِسْمِى مَعِى وَالقَلْبُ بَيْنَ خِيَامِكُمْ ... ما ضرُّكُمْ لو كانَ ثَمَّ جَمِيعِى
وَإِذَا ذَكَرْتُ ليالياً سَلَفَتْ لَنَا ... في وَصْلِ أَحْبَابِى بَيْنَ ظِلِّ رُبُوعِى
فَأَكَادُ مِنْ حُرَقى أَدُوبُ صَبَابَةً ... لَوْلاَ يَجُودُ علىّ فَيْض دُمُوعِى
وَوَعَدتُّمُونِى في الحَيَاة بِزَوْرَةٍ ... فَتَضَاعَفَتْ حُرَقي وَزَادَ وُلُوعِى
إنْ كَانَ ذَنْبِى صَدَّنِى عَنْ وَصْلِكُمْ ... فإليكُمُ فٌقْرِى أَعَزُّ شَفِيعِى
مَاضِى القَطِيعَة لا يُعادُ وَمَا جَرَى ... كافٍ وَحُبِّى ذلّتى وَخُضُوعِى
فقال: تالله، لقد رثيت لمصابه، وبكيت لأوصابه، لأنه لا شىء أبكى من الاغتراب، بعد الاقتراب، ولا أنكى من الحجاب، بعد مشاهدة الأحباب.
стр. 46
إشارة الدره
فبينما هو كلما نظر إلى ريشه نظرة، تذكر تلك الحضرة، فتجدد له الحسرة، وكلما نظر إلى ساقه نظرة صاح وصعد الزفرة، إذ رأيت إلى جانبه دره، قد كسيت ثيابا خضره، فصاحت بفصاحتها: أيها الطاووس، إلى كم هذا العبوس، والعيش المنكوس، أنت في الصورة عروس، وفي المعنى كظلمة الناووس، أوقعك الرأى المعكوس، حتى خرجت من منزلك المأنوس، وإنما أخرجت من مسكنك لجنايتك على الساكن، وتحريكك للأمر القاطن، فلو فكرت في السبب الذي أخرجت به، والشخص الذى طردت بسببه، لا شتغلت بإصلاح شأنك، عن التنزه في بستانك، ويجب عليك كما جنيت على آدم في تلك الدار، أن تشتغل ههنا بالاعتذار، وتشاركه في الاستغفار، وتعترف بعد الإنكار، وتزاحمه في خلوات الأذكار، لعلك أن تزور معه إذا زار، فإنه لا بد له أن يعود، وتعود إليه أيام السعود، فإن آدم أخرج إلى مزرعة الدنيا، وقيل له: ازرع اليوم ما هو في الغد محصود، فإذا انتهى زرعك، ونما فرعك، فعد إلى مقامك المحمود،
стр. 47
على رغم الحسود. فمن عمل عملك فهو مسعود، وحذا حذوك فهو موعود بدار الخلود، ألا ترى كيف علت همتى، وسمت عزيمتى، فلم أرض لنفسى بما رضيته أبناء جنسي، لأني نظرت إلى الوجود، وما فيه موجود، فرأيت آدم وبنيه من الكل مقصود، خلق الله الكائنات لأجلهم، في كلامهم، وشاركتهم في طعامهم، فأتشبه بهم، وإن لم أكن منهم، وأخالطهم ولا أرغب عنهم، فغلت قيمتى إذ علت عزيمتى، فأحلوني محل النديم، وألف بيني وبينهم من له الحكم القديم، فاذكر كما يذكرون، وأشكر كما يشكرون، لعلهم عند اللقاء يذكرون، وإذا ذكرت يشكرون، فأكون في الدنيا من خدامهم، وفي الجنة تحت أقدامهم، وفي ذلك أقول:
اخْتَبِرْ حَالِى تَجِدْنِى ... مِنْ أصحِّ النَّاسِ مَجْبَرْ
أَنَا قَدْ أَحُبَبْتُ قَوْماً ... شُرِّفُوا مَعْنًى وَمَنْظَرْ
كَبِّرُوا قَدْراً وَذِكراً ... فهُمُ أزْكَى وَأَطْهَرْ
هَكَذَا قَدْ قَالَ حَقًّا ... سَيدُ الكونِ وَبَشَّرْ
كُلُّ مَنْ يَهْوَى حَبِيباً ... فَمَع المَحْبُوبِ يُحْشَرْ
فلما سام نفسه بهذا السوم، ورأيته قد جلس بمزاحمته في صدور مجالس القوم، قلت: ما رأيت كاليوم، البهائم في اليقظة، وأنا في النوم، مالي لا أزاحم على أبواب ذوى المراحم، لعل يوهب مرحوم لراحم، ويقال: مرحبا بالقاجم، ها قد وهبنا الجناية للنادم.
стр. 48
إشارة الخفاش
فناداه الحفاش، وهو في ارتعاش: إياك والزحام، فقد حام حول الحمى حام، وهو من ذوى الأرحام، فما أذن القسام إلا لسام:
فَلا المنى يُدْرَكُ بسُمر القَنَا ... وَلاَ العُلَى يَعْلُو بِحَدِّ الحُسَامِ
ولكن عليك بأوقات الخلوات، والقيام في الليالي المظلمات، ألم تراني إذا طلعت الشمس، دخلت إلى وكرى، وإذا انبسطت النفس، صفت لي خلوة فكرى، فأنا في النهار، لا أرور ولا أزار، محجوب عن الأبصار، محبوب إلى ذوى الاستبصار، فإذا دجى ليلى جردت ذيلى، وجعلت الليل معاشى، وفيه انتعاشى، لأن فيه يفتح الباب، ويرفع الحجاب،
стр. 49
ويخلو الحبيب بالأحباب، وتغفل أعين الرقباء، وتتيقظ أشجان المحبين، وأحزان الغرباء، ثم لا تصادف إلا العشاق وذوى الأشواق، ومن هو لكاس المحبة قد ذاق، فيفتح الحبيب بابه ويرفع حجابه، وينادى أحبابه، فترفع الرسائل بالدمع السائل، وتجاب المسائل بالطف الوسائل، ويقال: يا جبريل أقم فلانا وأنم فلانا، وقل لمن كتم حبى يصرح بالإعلان، وقل لمن هو ظمآن، هذا الكأس ملآن، وقل لمن هو في حبنا ولهان إن الوصل قد آن، وفي ذلك أقول:
يَا قَلْبُ لاَ يُؤْذِى بَكَ الخَفَقَانُ ... رَاضِى الحَبِيبَ وَوَاصِلْ الغَضْبَانَ
وَصَفَتْ أُوَيْقَاتُ السُّرُورِ بِوَصْلِهِ ... فَعَلَيْك فِى حُكُمِ الهَوَى سلوانُ
لاَ تَكْحَلَنَّ بِغَيْرِ يُورِ جمَالِنَا ... إِنْسَان عَلَيْكَ أَيُهَا الإِنْسَانُ
اليَوْمَ يَنُسَخُ بَيْنَنَا مِنْ بَيْنِنَا ... لا صدّ يُخْشى لا وَلاَ هُجْرانُ
لاَ يُبْعِدَنُّكَ عَتْبُنَا عَنْ بَابِنَا ... فَالعَهْدُ باقٍ وَالوِدَادُ مُصَانُ
فَبِحُبِّنَا وَبِلُطْفِنَا وَبِوَصْفِنَا ... شَاعَ الحَدِيثُ وَسَارَت الرُّكْبَانُ
فَلَرُبُّمَا يَكْبُو الجَوَاد وَرُبَّما ... يَنْبُو الزِّنادُ وَتَعْهُرُ الفُرسَانُ
فَاخْضَعْ وذلّ لِمَنْ تُحبَّ فَإِنَّهُ ... حُكْمُ الهَوَى أَنْ تَخْضَعَ الشُّجْعَانُ
وَإَذا ذلَلْت لعزِّنَا ذَلَّتْ لعزَّ ... تِكَ المُلُوكُ وَهَهابَكَ السُّلْطَانُ
يَا أَيُّهَا العُشَّاقُ دُونَكُم السَّبا ... قُ فَهَذِهِ الشَّقْرَاءُ والمَيْدَانُ
فقلت له: أيها الطائر الضعيف مالي أراك تخالف من سواك، إذا طلعت الشمس وقعت في الغشا، فلا تزال كذلك إلى العشا، فتعمى بما يستضىء به الناس، وهذا خلاف القياس.
فقال: يا آدمى التكوين، ذلك لأنى في مقام التلوين، وما بلغت
стр. 50
إلى مقام التمكين، لأن المتلون الخائف، يدهش عند تشعشع أنوار المعارف، والمتمكن العارف، من يثبت عند شهود أسرار اللطائف، وإنما عدم تمكنى في تلوينى، لأنى مخلوق ناقص الحقوق، بالنهار أستر نقصى باستتارى، وبالليل أناجى الحبيب بانكسارى، فيجود بغناه على فقرى، وبفضله على احتقارى، فأول ما جبر به كسرى، ورحم به فقرى، أن جعل الليل خلوتى، ومع أحبابه حضرتى، وإليه لا إلى سواه نظرتي، فإذا انقضت خلوة الليل أغمضت عينى بالنهار، كي لا أنظر إلى الأغيار، وحق لمن سهر الليل أن ينام بالنهار، وقبيح على عين تمتعت برؤياه، أن تنظر إلى ما سواه، وفي ذلك أقول:
أَيَجْملُ أَنْ تَهْوَى هَوَاهُ وَتَدّعى ... سِوَاه وَمَا فِى الكَوْنِ يُعْشَقُ إِلاّ هُو
قَبِيحٌ عَلَى قَلْبٍ يَذُوبُ صَبَابَةً ... بِحُبٍّ لَهُ في الكَوْنِ مَثلٌ وَأَشْباهُ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْواهُ في الحُسْنِ وَاحِداًفَكُنْ وَاحداً فٍى العِشْقِ إِنْ كُنْتَ تَهُوَاهُ
فقلت: تالله لقد فاز أهل الخلوات، وامتاز أهل الصلوات، ومنع من الجواز أهل الغفلات، فافهم الإشارات.
стр. 51
د
إشارة الديك
فقال الديك: ها أنا في ناديك أناديك، وأنت في تعاميك وتغاشيك، جعلت الأدان لي وظيفة، أوقظ به من هو نائم كالجيفة، وأبشر الذين يدعون ربهم تضرعا وخيفة، وفي إشارة لطيفة، ومعان ظريفة، أصفق بجناحي بشرى للقائم، وأعلن بصياحى تنبيها للنائم، فتصفيق الجناح، بشرى بالنجاح، وترداد الصياح، دعاء للفلاح، ولئن كان الخفاش جعل له في الليل وظيفة، فإنه في النهار نائم كالجيفة، مستتر عن أعين الناس خيفة، فأنا الذى لا أخل بوظيفتي ليلا ولا نهارا، ولا أغفل عن وردى سرا ولا جهارا، قسمت وظائف الطاعات، على جميع الساعات، فما تمر بي ساعة، إلا ولي فيها وظيفة طاعة، فبى تعرف المواقيت، فأنا غالي القيمة، ولو شربت
стр. 52
باليواقيت، فهذا حالي مع قيامي في عيالي، وإشفاقى على أطفالي، فأنا بين الدجاج، أقنع بالماء الأجاج، فلا أختص عنهم بحبه، ولا أتجرع من الماء دونهم بشربه، وهذه حقيقة المحبة، إن رأيت حبة دعوتهم إليها، ودللتهم عليها، فمن شأنى الأيثار، إذا حصل اليسار، ثم إنى طوعا لأهل الدار، أصبر لهم على سوء الجوار، يذبحون أفراخى، وأنا لهم كالخل المواخى، وينتهبون أتباعى، وأنا في نفعهم ساعى، فهذه سجية أوصافى، والله لعبده كافى.
فقلت له: أيها الديك إلى كم تعظ، ولا تتعظ، وتنصح من هو عن الصواب معترض، وتجمع من ملازمتك الأذكار، ومنادمتك في ظلم الأسحار؟ فقال: يا قوم إذا حسن الوعظ انتفع به الكل أو البعض، فالعقول عارفة بما أقول، فقد أفلح من وعى، واجتهد في الإخلاص وسعى، ومن أعماه الجهل، فقد توعد مسلكه السهل، وفي ذلك أقول:
بِذِكْرِ اللَّهِ يَدْفَعُ كلَّ خَوْفٍ ... وَيَدْنُوا الخَيْرُ مِمَّنْ يَرْتَجِيهِ
وَلَكِن أينَ مَنْ يَصْغَى وَيَدْرِى ... حَقِيقَةَ ما أَقُولُ وَمَنْ يَعيهِ
فقلت له: أيها الديك مالي أراك تغتر إذا شبعت، كما تغتر إذا منعت؟ فقال: الحرص أغلب، وهو لأجل القلوب أجلب، وقد آن وجود الحب، بمشيئة الرب، فعليك بحسن الطلب لبلوغ الأرب، فربما قل رزقك، إذا كثر حذقك.
قلت: فليهنك الخلاص من المرضى، فلم بليت منهم بهذه البغضى، وأنت صغير السن، جدير الرحمة من الإنس والجن؟
стр. 53
قال: ولع الطبيب بهذه الأسماء، فسجرت الشفار لإراقة الدماء، فمن حان أجله، عظم وجله، والحمام أجل معلوم، وما أحد من منيته بمعصوم، وفي ذلك أقول:
إِذَا مَا الدِّيكُ صَفَّقَ بالجَنَاح ...