← Общие книги

Общие книги · id 31566

متطلبات المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار

سليمان الحقيل

Полный текст (114 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١] (١) . وفي سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] (٢) . ويقول تعالى: ٣٠ ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] (٣) . والآن يا بني وطني ألا ترون أن الواجب يفرض علينا أن يكون كل منا رجل أمن في موقعه؟ ألا نعرف أن الهوى يقود إلى الهلاك؟ " ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب. فالعدل كل العدل أن نعدل مع أنفسنا، ونعطيها حقها من الحفاظ على نعمة الاستقرار في بلدنا، فلا مكان لمغرض بين قوم واعين ولا مكان لمخرب بين شعب يدرك معنى البناء ويقف حارسا أمينا ساهرا عليه. [المطلب السادس قيام العلماء والمثقفين بملء الفراغ الذهني لدى بعض] الشباب

стр. 37

المطلب السادس قيام العلماء والمثقفين بواجبهم في ملء الفراغ الذهني لدى بعض الشباب بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير

стр. 38

يوجد لدى نسبة غير قليلة من الشباب فراغ ذهني خطير هذا الفراغ ناتج فيما نتج عنه من وجود هُوة عميقة بين العلماء والمثقفين من جهة، وبين بعض الشباب من جهة أخرى، إن كثيرا من الشباب الذين اتسمت تصرفاتهم بالغلو والتطرف لم يتلقوا العلم من أهله وشيوخه المختصين بمعرفته، وإنما تلقوه من مصادر غير مصادره. لقد غفل هؤلاء الشباب أن علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا هذا الخضم الزاخر وحدهم دون مرشد يأخذ بأيديهم ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات ويرد الفروع إلى أصولها. إن دراسة الشريعة الإسلامية بغير معلم سليم الاتجاه صادق النية، لا تسلم من المخاطر ولا تخلو من ثغرات وآفات. . بل إن النتيجة سوء فهم الدين وضعف البصيرة بحقيقته. وقد بين الشاطبي ﵀ أن أول الابتداع والاختلاف المذموم في الدين المؤدي إلى تفرق الأمة شيعا، وجعل بأسها بينها شديدا أن يعتقد الإنسان من نفسه أو فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا. . . وقد نبّه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمر ﵄ على خطورة هذا الأمر، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا

стр. 39

لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) . لقد كان من نتائج فراغ أذهان بعض الشباب أن كان لأصحاب المذاهب المشبوهة دور في استغلال الأذهان الفارغة وحشوها بمعتقداتهم الضالة وانحرافاتهم الضارة، والذهن الإنساني أشبه بالوعاء الفارغ إذا لم تملأه بالخير امتلأ بالشر. . . والتوعية الدينية والفكرية مناطة بالعلماء والمثقفين من أصحاب الفكر الواعي، الذين يستطيعون أن يُبصِّروا الشباب ويحموهم من التخبط في وحل الدعوات الهدامة والوقوع في قبضة العصابات المجرمة، ومعلوم أن الإسلام دين واضح المنهج نقي الفكر صافي المورد، دين يحارب الخرافة كما يحارب العنف، دين يبني ولا يهدم، دين يجمع ولا يفرق يرفع ولا يخفض، من اتبعه فقد اهتدى ومن أعرض عنه ضل سواء السبيل. إن من واجب العلماء العاملين احتضان الشباب ومد جسور المحبة بما يقضي على الفجوة القائمة بين كثير من الشباب ويعض العلماء، والتقارب سوف يؤدي بلا شك لإفساح المجال أمام الشباب، لاستيعاب أحكام الدين على أسس صحيحة دون مزيد يدعو للغلو ولا نقص يدعو للتهاون حتى لا يكون الشباب فريسة سهلة لأدعياء العلم المزور، الذين يتربصون بهم فيتحولون في أيديهم إلى ما يشبه الأداة اللينة، التي يكيفونها كيف شاءوا، ويضع في أيديهم آلة مبرمجة حسب مخططاتهم. هكذا يتحول الشباب.

стр. 40

ومن مقتضيات مسئولية علمائنا الأفاضل تفنيد الادعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، وإرشاد الشباب الحائر والأخذ بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط، منهج الاعتدال بعيدا عن التسلط والتشدد والغلو في الدين، وبعيدا كذلك عن الانحلال وعدم الاهتمام بالواجبات الدينية، فنحن أمة وسط تمثل الاعتدال في كل الأمور، وبعض الشباب الذين لم تتفتح له رؤية واعية على النهج الإسلامي تتزاحم في أذهانهم خطرات وسوانح فكرية، يختلط فيها الصواب بالخطأ والحق بالباطل، وهو ينقاد للوجه الذي يكون له حضور ذاتي بجانبه، فيستطيع أن يستولي على ذهنه بطريقة صحيحة أو خاطئة، وبعض الشباب المدرك عندما يتبين له الخطأ ويكتشف أنه مُغَرَّر به يتراجع عن الانقياد الأعمى لأهل الأهواء الذين يوردونه موارد الهلاك، ويعود إلى المنبع الأصيل إلى الدين الحنيف فيسأل أهل الذكر، وهم العلماء الموثوقون فيبصرونه ويدلونه على النهج القويم، ويضعونه على المسار الصحيح، وعلماؤنا الذين هم أهل الفتيا ومحل القدوة، والذين لهم المكانة العزيزة في نفوس كل المواطنين حاكمين ومحكومين، عليهم أن يلغوا المسافات التي تفصل بينهم وبين الشباب حتى ينتفي الحاجز النفسي بين العالم والشباب، وهنا يتسنى انتفاع الشباب بعلم العلماء بما يحصنهم ضد نزعات الانحراف ودواعي الفتن، وأن لا يضيق علماؤنا الأجلاء بالأسئلة المطروحة عليهم مهما تكن نوعيتها ومظهرها، حتى يزول اللبس من أذهان الشباب ويرتفع الحرج من نفوسهم وحتى لا يجنحوا إلى الانحراف وراء الذين يحسنون لهم السيئ ويدفعونهم لارتكاب المحظورات تحت مظلة الدين، فلا بد من الصبر على تعليمهم وإفهامهم حتى يمكن حفظهم من الضياع بالعمل على تنقية عقولهم من السموم التي قد

стр. 41

يصبها رؤساء العصابات الإجرامية في أذهانهم، وتطهير أفكارهم من جميع المؤثرات الخارجية التي تستهدف جرهم إلى مستنقع الجريمة وإغراقهم في أوحالها وتحويلهم إلى سلوك الغالين، فيجنحون إلى التشدد الذي يخرجهم من دائرة الوسطية التي أمر بها الإسلام إلى تكفير المسلمين في ظل تأثير نفسيات مضطربة وقيم مهتزة ومفاهيم ذات انعكاس سيئ مما يسفر عن الانحدار نحو التعصب الأعمى والتشدد المقيت. وفي ضوء ما تقدم نرجو أن يترفق علماؤنا الأفاضل بالشباب في إعطائهم التوجيهات، فلا يضيقوا من الدين واسعا، ولا يشددوا فيشدد الشباب أكثر مما هو مطلوب منهم، وإنما تيسير التوجيه تحت مظلة الهدي النبوي «يسروا ولا تعسروا» حتى تسير القافلة بأبناء هذا الجيل في طريق ممهد وتستقيم الخطى على نهج محدد. المثل الأسمى والقدوة المثلى لنا جميعا هو الرسول الكريم محمد ﷺ ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. والشاب من عادته وبحكم حيويته يأخذ الأمور بالعزيمة، فإذا جاء من يحمله على الشدة تشدد حتى يخرج عن حد الاعتدال وإذا بلغ منه الغلو مبلغه حينئذ تصعب عودته إلى الحدود المرسومة للنهج الصحيح ويستعصي أمره بعد ذلك حتى على من تلقى منه التوجيه. . . ومن المهم التعامل مع الشباب من منظور خاص وعلى أساس واقعي يمكن من خلاله سبر أغوارهم وإدراك مراميهم وأهدافهم؛ ليتسنى التعامل معهم تعاملا واضحا يضع في الاعتبار أن الشباب - في الغالب - لا يقف عند حدود الوسط في استخدام طاقاته وفي التعامل مع الآخرين، وإنما يركن إلى الشدة ويجنح إلى الغلو أو يميل إلى الإهمال وعدم الاهتمام، فهو بين إفراط أو تفريط، إذا أملينا عليه

стр. 42

أفكارنا وفرضنا عليه آراءنا وقسرناه على مفاهيمنا فهو، إما أن يضيق بكثرة التعليمات وشدة التوجيهات؛ لأنه يرى شدة التكاليف تحول بينه وبين العمل بها، أو يتحمس للشدة في ذاتها أكثر مما ينبغي ويضيف إليها من مخزون حيويته ما يعدها ويشددها ويحاول فرضها على غيره. . والمفترض أن يكون التعامل مع الشباب من خلال نظرة فاحصة، ورؤية صادقة تميز مداركهم، إلا بقدر ما يستوعبون، مع عدم التشويش عليهم بمعلومات تخضع للخلافات أو متون غير موثقة فيها جنوح إلى التشديد، فإن ذلك مما يجعلهم ينبغي أن تكون الإرشادات والمعلومات التي تُعْطى لهم مسايرة وبمقادير محسوبة، حتى يمكن أن يتقبلوا ما يقدم إليهم ويهضموه على مراحل متعددة وبخطوات متناسقة. فالعالم الذي يتعامل الشباب معه في إطار خاص، فهو أشبه بالطبيب الذي يقدم الدواء، وبجرعات محددة فإذا أخذها المريض بحسب مقاديرها وأوقاتها كانت شفاء له بإذن الله، وإن التهمها في جرعة واحدة تعرض للهلاك، وإذا كان الكلام الذي يحمل مظاهر التشدد يثير النفور لدى فئة من الشباب مما يدفع إلى الانحلال، فإنه كذلك قد يدفع فئة أخرى إلى التطرف، فلنعمل على التقيد بالوسطية التي تمثل الاعتدال حتى نحافظ على أولادنا من الجنوح والجموح، ونقودهم إلى المسلك الوسط الذي عليه هذه الأمة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١) وعلى أساس هذا الواقع الواضح النهج تنقاد مسيرة الشباب في وضوح بعيدا عن الالتباس بخطورات تائهة وأفكار مشوشة ومفاهيم مغلوطة، مما يتلقاه الشباب من مصادر غير موثوقة وعبر وسائل غير خارج هذه البلاد والعمل بقدر الإمكان على تدعيم الصلات بين العلماء والشباب عندنا صلات تقوم على ركائز وثيقة من تبادل التقدير

стр. 43

للعلماء واللطف على الشباب وعدم التهجم لأسئلتهم أو تجاهلها مهما بدا فيها من سطحية. . . فتكون النظرة إليهم على أنهم في دور التلقي وفي مرحلة قابلة للتحول بسرعة من وضع إلى آخر، وللاشتعال بعود ثقاب يشعله متربص من دعاة الضلال الذين يتلقون الأفراد من شبابنا في محاولة للتأثير عليهم، وصدهم عن السبيل القويم. لذا فإن من المهم جدا كسب هؤلاء الشباب إلى الوضع الصحيح لكي تتوافر لديهم الرؤية الواعية بحيثياتها التي تحمل على الاقتناع التام بما يصدر عنه من معرفة وما يتلقونه من علم لضمان مسارهم في طريق الاعتدال " (١) .

стр. 44

[المطلب السابع شكر النعم] المطلب السابع شكر النعم

стр. 45

وبالشكر تدوم النعم. . . ويتمثل ذلك في شكر المنعم - الله جل وعلا ثم شكر ولاة الأمر الذين وفقهم الله وحقق تلك النعم على أيديهم، وما من نعمة جاءت للخلق من أهل السموات والأرض إلا من الله جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (١) وهي تستوجب أن نتحدث بالشكر عنها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٢) . ويروى عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال - قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعم شكر» . وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: " تذكروا النعم فإن ذكرها شكر "، وروي عن النبي ﵊ «أنه قام حتى تورمت قدماه فقيل له يا رسول الله أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر - قال: " أفلا أكون عبدا شكورا ".» وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم فقلت له: يرحمك الله - ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بها خيرا ذكرته وإذا رأيت بها شرا سترته - فقلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت خيرا حفظته وإذا سمعت بهما شرا نسيته. نحن في المملكة العربية السعودية أحق شعب على وجه الأرض بشكر النعم وتقديرها، التي أنعم الله بها علينا، ويأتي في مقدمة هذه النعم نعمة الأمن، والاستقرار التي حبانا الله بها وميز بها بلادنا، منذ أن وحد الملك عبد العزيز - طيَب الله ثراه - هذه البلاد، تحت راية التوحيد، وجعل دستورها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بعد سنين طويلة من فقدان الأمن.

стр. 46

هذه النعمة العظيمة التي يفتقدها معظم الناس في أنحاء المعمورة، يغبطنا عليها بعض الناس ويحقد علينا لأجلها المتربصون بالإسلام الدوائر. ومن النعم التي أنعم الله بها علينا أنه جعل بلادنا مهبط الوحي، ومنبع الرسالات، وجعلها أرضا مقدسة، فيها بيت الله، وفيها مسجد رسوله ﷺ . ومن النعم التي أنعم الله بها علينا أن هيأ لنا بمنه وكرمه حكومة تطبَق شرع الله وتحافظ على مقاصد الشريعة الإسلامية وتسعى إلى الإصلاح، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وترعى بيوت الله وأماكن العبادة، وتنشر الإسلام الحق في أرض الله وتقوم بواجب الدعوة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها بالحكمة والموعظة الحسنة. . ومن النعم التي أنعم الله بها علينا نعمة المال وشكر هذه النعمة يتطلب الالتزام بقيود كسبها الشرعية وإنفاقها فيما يرضي الله جل وعلا، وإذا نظرنا إلى قيمة المال في الإسلام نجد أن الإسلام ينظر إليه على أنه عصب الحياة وقوامها وضرورة من ضروراتها لا يستغني عنه الأفراد والجماعات. قال جلّ وعلا: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] (١) . وقد سماه الله بالخير ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] (٢) . ويقول تعالى ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] (٣) . وجعله سبحانه زينة الدنيا ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] (٤) . وأضافه إِلى نفسه ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] (٥) . ونوه جل وعلا بالثروة المائية والحيوانية والنباتية، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] (٦) .

стр. 47

ويقول جل من قائل عن الثروة الحيوانية: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ - وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ - وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ - وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨] (١) . وينوه جلَ وعلا بالثروة النباتية ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٢) . والإسلام يحث على الكسب عن طريق الزراعة والصناعة والتجارة وكافة الوسائل المشروعة واشترط شرطين فيما يتصل بالكسب: الأول ألا يُلهي عن حق الله وألا يصرف عن القيم الصالحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] (٣) . وقد عتب الله جل شأنه على جماعة تركوا رسول الله - صلى الله عليه - وسلم يخطب الجمعة فانصرفوا إلى تجارة حضرت إلى المدينة ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] (٤) . والثاني أن يكون الكسبُ عن طريق مشروع بحيث لا يضر بالأفراد ولا الجماعات ولا يخل بالنظام العام. ومن ثم فقد حرم الإسلامُ كُل ما فيه ضرر بالفرد أو المجموع أو كان مخلا بالنظام العام ومن ذلك: * تحريم الربا لأنه استغلال لجهد الآخرين فضلا عن أنه يتنافى مع روح التعاون والتضامن بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]

стр. 48

(١) . * وتحريم القمار والاتجار بالمخدرات حفاظا على الطاقة البشرية والأيدي العاملة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] (٢) . * وتحريم الاحتكار وهو حبس أقوات الناس وحاجاتهم الضرورية وهو وإن اقتصر نفعه على المحتكرين فإنه يضر الجماعة ويهدد حرية التجارة والصناعة، والمحتكر يحدد السعر الذي يشبع مطامعه دون مبالاة بالضرر الواقع على الغير - يقول رسول الله ﷺ : «لا يحتكر إلا خاطئ» (٣) . * وتحريم تطفيف الكيل والميزان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ - أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥] (٤) . * وتحريم السرقه ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] (٥) . وتحريم أكل أموال الناس بالباطل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] (٦) . ، والباطل يتناول الغصب والنهب والتدليس والغش والرشوة وكل ذلك مناف للخلق الكريم وجالب للضرر بالآخرين. وكما حدد الإسلام شروط كسب المال حدد كذلك وجوه صرفه فدعا إلى

стр. 49

الاعتدال وهذا هو الاتجاه الإسلامي في كل شيء: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (١) ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (٢) . ويقول تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (٣) . ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٤) . وخلاصة القول إن نعمة المال نعمة كبيرة تتطلب للمحافظة عليها التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية في كسبه وتوظيفه واستثماره وإنفاقه ودفع المستحق منه - بقول رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثلما عمل» (٥) . فالواجب أن يتصرف المواطن فيما آتاه الله من مال بالضوابط الإسلامية، فلا يكون بخيلا ولا مبذرا، وإنما ينفقه في إقامة الحق وعزة بلده يهذب به نفسه ويعلم أولاده، يصل به القريب ويواسي به الصديق، يقيم به المصنع والشركة النافعة والمشروعات المثمرة، يعطف به على الأرامل والأيتام والمساكين ويساعد به الغارمين والعانين، وبالجملة ينفقه في سبيل الله لا في سبيل الشيطان. بهذا نشكر الله على النعم لتدوم، وبدوامها تتقوى أواصر الأمن والاستقرار في بلادنا. [المطلب الثامن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء] الكتاب والسنة

стр. 50

المطلب الثامن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة

стр. 51

من الأمور الفاعلة للمحافظة على نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة، ونظرا لأهمية هذا الموضوع البالغة لما له من أثر في استقرار حياة الأمة. . فسوف أتحدث بشيء من التفصيل عن هذه الفريضة العظيمة مركزا بشكل عام على الصفات والآداب التي لا بد من توافرها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونبدأ لنقول إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول قيام حضارة الإسلام بدونه " وهو القطب الأعظم في الدين، والمنهج الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله وعلمه لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفتنة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع التمزق وخرجت البلاد وهلك العباد " (١) . والمعروف هو كل ما ينبغي فعله أو قوله طبقا لنصوص الشريعة الإسلامية سواء كان النص عليه صراحة أو كان مأخوذا من روح النصوص الشرعية الإسلامية وفحواها، فالأخلاق الفاضلة، وصلة الرحم، والإحسان للفقراء، وإقامة الأموال العامة في مصارفها، وتولية الأمناء، وتحكيم شرع الله، كل ذلك يدخل في المعروف الذي ينبغي فعله، وكل ضد ما تقدم هو من المنكر الذي يجب تركه. فالمنكر كل فعل أو قول لا ينبغي فعله أو قوله طبقَاَ لنصوص الشريعة الإسلامية، وإذا قرن الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٢) ثم تأكد ذلك بالأمر الرباني في قوله تعالى:

стр. 52

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) . إذا كانت هذه مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعنا الإسلامي فإذن ذلك يعني أن المجتمع يقوم دائما على الخير وإرادة الخير، فلا يمكن لمجتمع يقوم على عدم التواصي بالحقِ والخير أن يستمر أو تقوم له قائمة ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (٢) فإن هذا هو شرط دوام النعمة على مجتمع أن تظل الولاية بين الناس قائمة والتكافل الاجتماعي كذلك ما دام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الراية الخفاقة واللواء المرفوع ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٧١] (٣) . والتجارب تقول إن المرض إذا استشرى عزّ دواؤه، وكذلك المنكر فالنهي عنه واجب وعدم التراخي في محاربته واجب، وإذا ترك أُلِفَهُ الناس وفعله الكبير والصغير وتعودوه فكان كالسوس الذي ينخر في البناء الاجتماعي حتى يقوضه. من هنا كان اهتمام القرآن والحديث الشريف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واقرأ معي يا عزيزي القارئ هذه الطائفة الرائعة من الآيات، والآيات، والأحاديث لترى مدى اهتمام شريعتنا الغراء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 53

هذا لقمان يعظ ابنه يخبر به الحق ﵎ في قوله في سورة لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (١) . وعن بني إسرائيل يقول الله جل في علاه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] (٢) . ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٣) . ويقول الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان» (٤) . ويقول ﵇: «ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعلوا إلا أوشك بأن يعمهم الله بعذاب من عنده» (٥) . ومن هنا فإن الناس إذا اعتادت القبيح لم تنفر منه، ولكنه يظل قبيحا لكن البصيرة تنطمس عنه من كثرة ما تراه، وأصبح الرجس عادة اجتماعية، من أجل ذلك أمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأوجبه فريضة على المسلمين، إبقاء على الطهر والصلاح ومحافظة على شرف ومكانة المسلمين بين الأمم وتثبيتَاَ لنعم الله عليهم، ويمكن إجمال الحكمة من إيجاب الشريعة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يلي: - (٦)

стр. 54

١ - حفظ الإسلام من الشرك والبدع. ٢ - إثبات معاني الخير والصلاح في الأمة الإسلامية. ٣ - إزالة عوامل الفساد والشر من حياتها والقضاء عليها أولا بأول حتى تسلم الأمة وتسعد. ٤ - تهيئة الجو المناسب الصالح الذي تنمو فيه الآداب والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرذائل، ويتربى في ظله الضمير العفيف والوجدان اليقظ الذي لا يسمح للشر أن يبدأ فضلا من أن يبقى أو يمتد. ٥ - تكوين الرأي المسلم الواعي، الذي يحرس آداب الأمة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها، ويجعل لها شخصية وسلطانا، هو أقوى من القوة وأنفذ من الأنظمة والقوانين. ٦ - بعث الإحساس بمعنى الأخوة والتكامل والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض، وذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة على الحقوق والحرمات، وأنها في حراسة الأمة وبأعينها مما يؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين. ولكي يتمكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، من تحقيق الأهداف المتوخاة من إقرار هذه الفريضة العظيمة، لا بد أن يتحلى بصفات معينة من أهمها: - (١) . أولا: أَن يكون رقيقا لطيفا بمن يأمره وبمن ينهاه: فقد قال رسول الله ﷺ : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في

стр. 55

شئ إلا شانه» (١) . وقال ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي ما لا يعطي على العنف» (٢) . ومن الرفق أن يراعي القائم بهذه الفريضة حُرْمة الناس ومشاعرهم فلا يفضحهم، وإنما يأمرهم وينهاهم بالرفق واللين، وبدون تشهير بهم، قال الإمام الشافعي: " من وعظ أخاه سرا، فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه " (٣) . إلا أنه يستثنى من ذلك من اختاروا فضح أنفسهم فجاهروا بمعاصيهم، فهؤلاء يتم أمرهم ونهيهم سرا وعلانية. ثانيا: الإخلاص: من أهم الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإخلاص؛ بحيث يجعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نيته خالصة لله ، وأن يقصد بعمله هذا أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الله هو المطاع في الأرض. ويتضح مما سبق أن الشخص الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا نوى بعمله في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمورا شخصية كأن ينوي بروز شهرته بين الناس، أو ينوي أن يظهر للناس أنه عالم أو ينوي الانتقام والتشفي من شخص معين لأنه يكرهه لسبب من الأسباب، أو ينوي التقليل من قدر شأن كريم محبوب عند الناس ليعلم الناس بفسقه. . . إذا عمل هذه الأشياء وأمثالها فإن عمله هذا رياء، ولا يكون من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 56

ثالثا: الصبر: الصبر من الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهو فضيلة من الفضائل التي حث عليها القرآن الكريم في أكثر من آية حتى وردت مادة (ص. ب. ر) في القرآن في مائة وثلاثة مواضع. إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رجل نصب نفسه لبيان الحق والحق لا يرضي كل الناس، لذا فإنه يتعرض للأذى ممن لا يرضيهم الحق، فلا بد لمن يقوم بهذه الفريضة أن يكون حليما صبورا، فإنه إن لم يكن كذلك فربما يؤول أسلوبه إلى فساد أكثر من الإصلاح، ولذلك كانت وصية لقمان لابنه كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (١) . فأوصاه بالصبر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رابعا: التواضع: التواضع من أهم الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويعني التواضع في أبسط معانيه معرفة المرء قدر نفسه، وتجنب الكبر. ومن التواضع التواضع مع من هو دونك فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا أو أقل منك قدرا فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلبا، أو أقل منك ذنبا، أو أكثر منك إلي الله قربا، حتى لو رأيت إنسانا فاسقَاَ وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله على أن أنجاك مما ابتلاه به، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، وقد يكون

стр. 57

عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه. عن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ ، حدث «أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك» (١) . أو كما قال. خامسا: معرفة متى يكون الأمر بالمعروف سرا ومتى يكون جهرا: من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرٍ معرفة متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرا ومتى يكون جهرا. . وعليه أن يعلم أن الأمر السري لا يعالج علنا بل يعالج سرا، لئلا يفشو المنكر، ولئلا يفتضح فاعله إلا إذا كان الأمر ظاهرا فإنه يعالج علنا ولا حرج في ذلك، لأن صاحب المنكر هو الذي فضح نفسه وأعلن البلاء (٢) . وكان السلف يحبون أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرا فيما بين الآمر والمأمور، فإن ذلك من علامات النصح له فإن الناصح ليس غرضه إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها (٣) . سادسا: التحقق والتثبت من المنكر: من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، التحقق والتثبت من المنكر المطلوب إزالته وتغييره، فعلى المسلم أن يتحقق من أن ما يريد إنكاره منكر محقق دال على إنكاره كتاب الله وسنة رسوله صلى

стр. 58

الله عليه وسلم، لأن بعض الناس قد يرى فعلا مًن الأفعال أو يسمع قولا من الأقوال يظنه منكرا بحسب ما جرت عليه عادات الناس وتقاليدهم، ولكنه في الشريعة الإسلامية ليس بمنكر، بل هو معروف، وقد يحصل العكس، فيرى بعض الناس المعروف شرعا منكرا عندهم، وهذا ما يحدث كثيرا في بعض الأقطار الإسلامية، وما ذلك إلا لأن الجهل قد ضرب أطنابه على هذه الفئة من الناس. والتثبت من المنكر يتطلب أن يتأكد أن هذا المنكر وقع بالفعل ويجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يسارع بنهي شخص معين أو جماعة معينة بمجرد الظن من غير تثبيت أو بينة، وأن الإنسان تكتنفه نوازع الخير ونوازع الشر، وربما فكر في عمل المنكر ولكنه تراجع عنه. والتحقق والتثبت من المنكر يتطلب من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه عندما يبلغ بوجود منكر ما من شخص، فإن عليه أن يتحقق من الهدف الحقيقي لذلك الشخص، فقد يكون هذا الشخص من المنافقين أو الفاسقين النمامين أو أصحاب الغيبة، الذين يفسدون ولا يصلحون، المخبرون من هذه الفئة قد لا يكون هدفهم العمل على إزالة المنكر وتغييره، وإنما يكون هدفهم الإيقاع وتشويه سمعة من ينسبون إليه فعل المنكر. . وهنا فإنه يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يأخذ القول الذي يأتيه عن وجود منكر قولا مُسَلما، بل عليه التحري والتثبت حتى لا يأمر إنسانَاَ بمعروف لم يتركه أو ينهاه عن منكر لم يقترفه. سابعا: معرفة أحوال الناس وظروفهم: من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر معرفة أحوال

стр. 59

الناس وظروف المجتمع وطبيعته وخصائص العصر، لكي يتمكن من مخاطبة الناس على قدر أحوالهم وطاقاتهم بحيث يكون أسلوبه طبقا لحال المخاطب، فيكون أسلوبه مع الأمي غير أسلوبه مع المتعلم، وطريقته مع العاقل غير طريقته مع السفيه. ثامنا: القدوة فيما يدعو إليه واجتناب ما ينهي عنه: من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يفعل ما يأمر به ويتجنب ما ينهي عنه. ومما لا شك فيه أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يستطيع أن ينفذ بدعوته إلى مستمعيه ما لم يكن قدوة حسنة، إن مسئولية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تجاه أنفسهم أعظم بكثير من مسئولياتهم تجاه المجتمع، وخطورة التقصير فيما للدعاة على أنفسهم من واجبات يفوق خطورة التقصير فيما للمجتمع عليهم من حقوق. . فالآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة للمجتمع الذي يعيشون فيه، تبدو في حياتهم آثار الرسالة التي يدعون إليها. وقد أنكر الله - جلَ وعلا - على أولئك الذين يعظون الناس ولا يتعظون ولا ينتهون فقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] (١) . إن على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يترسموا خطى الدعوة في كل شأن من شئونهم في أقوالهم وأفعالهم في حياتهم الخاصة والعامة. . في أنفسهم أفرادا وفي بيوتهم كأزواج وآباء، وهذا ما يؤكد أهمية الالتزام

стр. 60

به الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ يقول: " من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه لسيرته قبل تهذيبه بلسانه، فمعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم " (١) . وهل يجني الذين يقولون ما لا يفعلون. . ويعظون ولا يتعظون، ويرشدون ولا يسترشدون إلا سخرية العباد، وسخط رب العباد، يخسرون دينهم ودنياهم وذلك هو الخسران المبين. قال الشعبي: " يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم: ما أدخلكم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمك فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله " (٢) . إن الواجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون حريصا على إصلاح سره كما يجب عليه أن يكون حريصا على إصلاح جهره. عليه أن يكون حريصا على نفسه فلا يخادعها ومع الناس، فلا يرائيهم ولا ينافقهم. . وليسمع قول ابن السماك في هذا المعنى: " كم من مذكر بالله ناس الله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم مقرب إلى الله بعيد عن الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله " (٣) . فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يخشى الله لا الناس، ويخلص له في سره وجهره فلا يكون في ظاهره ملاكا وفي باطنه شيطانا، وليحذر أن يكون ممن عناهم الله بقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] (٤) .

стр. 61

تاسعا كسر الحواجز بين الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وبين من يتعين أمرهم ونهيهم: يعني هذا المصطلح باختصار أن على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يذهب إلى من يتوجب أمرهم ونهيهم من الفسقة والعصاة، ويستعمل معهم أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة. إن بعض الدعاة يحجم عن الاتصال بالفسقة والعصاة من باب كراهية المنكر وهذا خطأ، فإذا لم يذهب الداعية إلى الله إلى هؤلاء الفسقة فمن يذهب إليهم لوعظهم ونصحهم وإرشادهم " (١) . إن هجر العصاة واجتنابهم وكراهيتهم لا يتعين إلا بعد أن يعجز الداعية عن تقويمهم وإزالة منكرهم، وعندما يتعين على الداعية إلى الله أن يتجنبهم، ويكون انعزاله في هذه الحالة من باب إنكار المنكر بالقلب، لقد أكد الرسول ﷺ أن «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» (٢) . وهذا الحديث " فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة " (٣) . عاشرا: اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه: من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتساع الصدر لقبول الخلاف، فيما يجوز الخلاف فيه، فالخلاف طبيعة البشر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] (٤) .

стр. 62

وهناك مسائل فرعية يختلف فيها الناس وهي في الحقيقة مما وسع الله فيه على عباده (١) . وأعني مسائل ليست من الأصول التي تبلغ إلى تكفير المخالف فهذه مما وسع الله فيها على العباد ومن يتصفح كتب العلماء - المعتد بعلمهم - في أنواع العلوم الشرعية في التفسير وشروح الحديث والفقه، يجد أن هذه الكتب ممتلئة بالخلافات في المسائل الفرعية، ولم يثر ذلك أحد من أهل العلم وادعى فيه طعنا على من رد عليه قوله ولا ذما ولا نقصا، ولم يثر على ذلك أحد إلا إذا كان المخالف ممن يفحش في الكلام ويسيء الأدب في العبارة، فينكر عليه فحشه وإساءته دون أصل رده ومخالفته إقامة للحجج الشرعية والأدلة المفيدة، وسبب ذلك أن العلماء كلهم مجتمعون على إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، ولأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا " (٢) . وكلهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ منه ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم، وإن كان صغيرا، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق، إذا ظهر في غير قولهم. وكان الشافعي ﵀ يوصي أصحابه باتباع الحق وقبول السنة، إذا ظهر لهم على خلاف قوله، وأن يضرب بقوله حينئذ الحائط (٣) . ويقول: " ما ناجزني أحد فباليت أظهرت الحجة على لسانه أو على لساني " وهذا يدل على أنه لم يكن له قصد إلا ظهور الحق ولو كان على لسان غيره ممن يخالفه.

стр. 63

والخلاصة: إن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة ذات فوائد جليلة، وهي بمثابة صِمَام أمان للمجتمع المسلم من أن يتطرق إليه الانحلال والفساد والخراب والقلاقل والمحن والفتن والاضطرابات متى تم القيام بها في ضوء الكتاب والسنة، والعكس صحيح فإن هذه الفريضة عندما تمارس بطريقة خاطئة وخلافا لما ورد في الكتاب والسنة، فإنها تكون مصدرا لتمزق المجتمع، وإثارة الفتن والخلافات والتفرق والتطاحن بين أفراد المجتمع، ومتى سادت هذه الأخلاق الذميمة في المجتمع انقلب أمنه خوفا واستقراره فوضى. ندعو الله مخلصين أن يديم علينا في هذه البلاد نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومن أهمها نعمة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . [المطلب التاسع التماسك والتعاون على البر والتقوى بين المواطنين والابتعاد] عن النزاع

стр. 64

المطلب التاسع التماسك والتعاون على البر والتقوى بين المواطنين والابتعاد عن النزاع والتمزق والانقسام بينهم

стр. 65

إن سلاح الأمم في بناء مجدها، وإثبات وجودها، وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار بها، وتحقيق أهدافها الحاضرة والمستقبلة، هو سلاح الائتلاف والاتحاد والتعاون والوفاق، وترك النزاع والتمزق والانقسام والتناحر جانبا، فكلما سادت هذه الفضائل بين أفراد المجتمع حكاما ومحكومين ساد الحب والتقدير والثقة المتبادلة، والتضامن والوحدة والألفة والمحبة والتعاطف والتراحم، وإذا فقدت هذه الفضائل والقيم الإسلامية السامية ساد التمزق والانحلال والاضطراب والشك والقلق والقنوط واليأس شئون الأمة وشل حركتها وحول سعادتها شقاء وأمنها خوفا. . . وقد أمر الله جل شأنه بالتمسك والاعتصام بحبله وبالتعاون على الخير وأوصى به وحذر من الفرقة والتمزق، وأثنى على وحدة الأمة وندد باختلافها قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (١) . وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٢) . وحذر من الخلاف في الدين والتفرقة في فهمه شيعا متناحرة ومتلاعنة قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧] (٣) . ويقول سبحانه موضحا نتيجة الانقسام والتنازع والعصيان: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (٤) .

стр. 66

وقد حثٌ رسول الله ﷺ على تعاون المؤمنين على الخير، ودعا إلى الاتحاد والتضامن بين أفراد المجتمع ونبّه على ضرورة التزام واجب الأخوة، وحذَر من كل شيء يمس هذه الفضائل ويسبب التمزق والتنازع والانقسام والتمرد. يقول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١) . ويقول ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٢) . وقال ﷺ حاثا على التناصر في الحق بين المسلمين «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟! قال: تحجزه عن ظلمه فذلك نصره» (٣) . ويقول ﷺ محذرا من أن يسبب المسلم لأخيه المسلم خوفا أو يثير في نفسه قلقا: «لا يحل للمسلم أن يروع المسلم» (٤) . ورُوي عنه ﷺ قوله: «من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافهُ الله يوم القيامة» (٥) . ويقول ﷺ محذرا من التفرق والتمزق: «الشيطان يهم بالواحد أو الاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم» (٦) . ويقول ﷺ أيضا: «ستكون بعدي هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنا مَنْ كان» (٧) . ويقول صلى الله عليه

стр. 67

وسلم: «من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية» (١) . ويقول ﷺ : «من خرج على أمتي يضرب بَرها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهد، فليس مني ولست منه» (٢) . ويقول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (٣) . تلك طائفة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تبني أهمية الاعتصام بحبل الله ومكانته وأثره وفضائله والتعاون على البر والتقوى والتضامن في المجتمع، وتحذّر من الانقسام والتحزب والتناحر. فالمواطنون الصالحون في نظر الإسلام شأنهم التعاون على البر والتقوى والتناصر والتكاتف على مصالحهم الخاصة والعامة، أما التفرقة والتخاذل والتمزق والانقسام والتناحر، فإن الإسلام يحاربها؛ لأنها من عوامل انهيار الأمم، وبقدر ما بين المواطنين حكاما ومحكومين في الدولة من حسن صلات وتوثيق علاقات، تكون قوتهم، واستقرار أمنهم وثبات ملكهم وقيامه خالدا وإن كثرت الزلازل والمحن، وتوالت العواصف، وإن كان التخاذل والتدابر والتقاطع والعصيان وتبديل عُرَى الإخاء وانصراف كل إلى نفسه وشهوته كان الضعف والانحلال والفشل والجور والتمزق وعدم استقرار الأمن. [المطلب العاشر قيام الأسرة السعودية بواجبها في تربية أولادها التربية] الإسلامية الصحيحة وتوجيههم التوجيه السليم

стр. 68

المطلب العاشر قيام الأسرة السعودية بواجبها في تربية أولادها التربية الإسلامية الصحيحة وتوجيههم التوجيه السليم

стр. 69

من المطالب الرئيسية لاستمرار نعمة الأمن والاستقرار في بلادنا قيام الأسرة السعودية بواجبها على الوجه الأكمل في رعاية أولادها، وتوجيههم التوجيه السليم، انطلاقا من الوظائف الأساسية للأسرة المسلمة والتي يمكن إجمالها فيما يلي: ١ - من أول وظائف الأسرة المسلمة مراعاة حدود الخالق جل وعلا وتتمثل هذه الوظيفة في تمسك الأب والأم بالعقيدة الإسلامية ومراقبتهما حدود الخالق، وتطبيق قواعد الشريعة فيما يتعلق بعلاقة كل منهما بالآخر. وبفعل ذلك يرسمان أنموذجا إسلاميا للطفل، يتربى في أحضانهما حيث يستمع الأخير ويرى ويطبق ما يراه ويسمعه من عبادات والديه، وينشأ على العقيدة الإسلامية التي هي شريعة الله، وطريقة تعامل أبويه بمثابة تحصين له ضد الانحراف إلى مسالك الفساد ودروب الجريمة. ٢ - من وظائف الأسرة المسلمة تحقيق الاستقرار والطمأنينة النفسية فالأسرة المسلمة تهدف إلى تحقيق الطمأنينة لأفرادها. يقول الحق ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] (١) لذا فإن طمأنينة الزوجين واستقرارهما في البيت تنعكس على نفسية الطفل، وتتيح له الفرصة للنمو في جو مليء بالسعادة والمحبة وتنمو شخصياتهم بمقومات أساسية تساعدهم على النجاح في حياتهم في المستقبل.

стр. 70

٣ - تقدم الأسرة للأطفال الرعاية النفسية وتعمل على تهذيب غرائزهم وإشباع حاجاتهم الإنسانية المادية والمعنوية وتمنحهم المحبة والرحمة؛ لكي ينشئوا ولديهم الاستعداد لمحبة الآخرين وعدم الإضرار بهم. لقد أوضح رسول الله ﷺ ما يجب على رب الأسرة المسلمة من رعاية في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم على ابن عمر ﵄ يقول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعايتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، قال: وحسبت أنه قال والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته» (١) . ففي هذا الحديث الشريف يبين رسول الله ﷺ أنه ما من إنسان إلا وقد وكل إليه أمر يديره ويرعاه فكلنا مطالب بالإحسان فيما وكل إليه، ومسئول عنه أمام الله لا تخفى عليه خافية، فإن قام بالواجب عليه لمن تحت يده كان أثر ذلك في الأمة عظيما، وإن قصَر في الرعاية، وخان الأمانة أضر بالأمة. وقوله ﷺ في الحديث والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعايتها، يشير إلى مسئولية الأب والأم بصفتهما ركن الأسرة، فالزوج أو رب الأسرة راع في أسرته ومؤتمن على من تحت ولايته، فعليه التعليم لهم والتثقيف والتهذيب، حتى يكونوا كمالا في الأخلاق، وأئمة في الآداب سواء في ذلك بنوه وبناته وإخوته وأخواته وزوجته وخدمه، وفي مقدمة التهذيب تعليمهم فرائض

стр. 71

الدين، وتأديبهم بأدب العليم الحكيم، وتأديبه لهم عن طريق عمله، أجرى عليهم من كلمه، وعليه الأخذ بهم عن طرق الدنايا، والابتعاد عن مواطن الريب، ومواضع الفتن، وعليه أن يقدم لهم مسكنا مناسبا، وطعاما وشرابا موافقا، ولباسا من دائرة الأدب والحشمة، وزينة لا تدعو إلى الفتنة، كل ذلك في غير تقتير ولا إسراف، بل سلك طريق الاقتصاد ليدخر لهم ما يكون عونا للشدائد (١) . وكذلك المرأة في بيت زوجها راعية مسئولة عن رعاية أولادها، فهي تحمل المسئولية كالأب بل إن مسئوليتها في بعض الأمور أهم وأخطر باعتبار أنها ملازمة لولدها منذ الولادة إلى أن يشب، ويترعرع ويبلغ السن التي تؤهله ليكون إنسان الواجب ورجل الحياة، والرسول ﷺ قد أفرد الأمهات بتحمل المسؤولية حين قال: " والأم راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها "، وما ذلك إلا لإشعارها بالتعاون مع الأب في إعداد الجيل وتربية الأبناء، وتحصينهم وحمايتهم من الفساد المؤدي إلى الانحراف. هذه بعض واجبات رب الأسرة وربتها، فإن قام كل منهما بواجبه على الوجه الأكمل، سادت الطمأنينة وازداد التماسك والتلاحم بين أفراد الأسرة، وإن حصل إخلال بهذه الواجبات أو بعضها حدث الخلال في الأسرة، وتفككت وذهبت ريحها، وقصرت في تربية أولادها التربية السليمة المانعة من الانحراف. إن كثيرا من الآباء والأمهات يتصورون أن مهمتهم الأسرية تنحصر في توفير المأكل والمشرب والملبس والمسكن لأولادهم فحسب، فهذا فهم خاطئ،

стр. 72

فوظيفة رب الأسرة في الإسلام هي تربية أولاده وبناته التربية السليمة التي تحقق النمو المتكامل الشامل المتزن للناشئ بتحصينه ضد الانحراف وارتكاب الجرائم في حق نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه. وإذا لم يدرك الآباء والأمهات هذه الحقيقة فسوف يزداد انحراف الأبناء، وتخسر الأمة يوما بعد يوم المزيد من طاقات شبابها، وإذا أردنا أن نقي شبابنا من الانحراف والوقوع في أيدي عصابات الإرهاب والتطرف، فإنه على كل أب منا أن يدرك الحقائق التالية: ١ - الرقابة الواعية المحكمة والحكيمة من الآباء تعد مراهقا يستطيع أن يتحكم في نفسه، وأن يسيطر إلى حد كبير على نزواته، وأن يكون أقل اندفاعا وأكثر انضباطا، أما التساهل وإعطاء الحرية المطلقة فهي أشياء ضارة لكل من الفرد والمجتمع. ٢ - من أجل وقاية الأبناء وحمايتهم من الانحراف بأنواعه المختلفة المؤدية إلى ارتكاب الجرائم، فإنه يجب على الأسرة أن تعمل كفريق واحد. . كل فرد داخلها يجب أن يكون له دوره، وهذه الأدوار تلتقي لتحقيق الوظائف العامة التي سبق الإشارة إليها، هذا مهم للتفاعل وحل المشكلات والصراعات، حتى الطفل يجب أن يشعر بأنه مهم ونافع وأن هناك حاجة إليه، يجب على جميع أفراد الأسرة أن يكونوا متعاونين على الخير متضامنين، وبذلك تكون المشكلة الشخصية مشكلة عامة تهم الجميع. ٣ - من أجل أن يتحقق الاتصال والتواصل بين أفراد الأسوة يجب أن يكون هناك حوار دائم، وهذا الحوار يجب أن يكون في جميع الأحوال إيجابيا وبناء، وأن يعبر على مدى اهتمام كل فرد من الأسرة لسماع

стр. 73

الآخرين، والحوار الهادف يوجد اهتمامات مشتركة وأيضا يوجد الاحترام بين الجميع، تلك هي العلاقة الإيجابية البناءة، وتلك هي الوسيلة للحفاظ على الروح المعنوية للأسرة ككل والروح المعنوية لكل فرد فيها. ولأن الأب والأم القدوة لأولادهما فيجب أن تكون العلاقة بينهما جيدة، وبذلك يعطيان مثلا للسعادة والبهجة في الحياة. بعض اكتئاب الأبناء المؤدي بهم إلى الانحراف والفساد وارتكاب الجرائم يأتي من الأب المكتئب غير السعيد ومن الأم القلقة، والأب والأم يكونان قدوة حسنة لأولادهما في الحياة: العمل الشريف، الكسب الحلال، الاستقامة، العلاقة الطيبة مع الآخرين، والاعتزاز بالقيم الإسلامية من أمانة وصدق وحياء ووفاء وصبر وسلامة صدر. . أيها الأب العزيز اسمح لي أن أذكرك بما يجب عليك نحو أولادك من أجل حماية وصيانة عقولهم، وتحصينها ضد الأفكار المنحرفة المؤدية إلى ارتكاب الجرائم والإخلال بالأمن، اسمح لي أن أذكرك بما يلي: ١ - لا تنشغل عن أولادك بأعمالك، خصص لهم جزءا من وقتك، وتذكر أن من العوامل التي تدفعك للعمل إسعاد أولادك ومن سعادتهم الجلوس معك، استمع إليهم وأعطهم الفرصة ليعبروا عما في نفوسهم أمامك، لتتمكن من تعزيز إيجابيات أفكارهم وتصحيح سلبياتهم وتقيهم بإذن الله من الانحراف المؤدي إلى ارتكاب الجرائم المخلة بأمن البلاد وتدمير مصالح العباد. لقد أشار أحد المختصين في دراسة له عن الإدمان على المخدرات بين

стр. 74

الشباب والتي تعد من أخطر الجرائم المعكرة للأمن يقول فيها: " شيء أساسي وجدته في كل حالات الإدمان بين الشباب، ألا علاقة بينهم وبين آبائهم لا حوار ولا تفاهم. . لا اشتراك ولا تفاعل في أي شيء. . . شيء واحد أسمعه من كل المدمنين الصغار أي الشباب، نحن نريد أحدا يسمعنا. . هذا معناه أنهم يريدون الاهتمام. . . يريدون الاحترام. . . يريدون الوقت. . . يريدون العناية، إذا لم يجدوا من يسمعهم في البيت فإنهم سوف يبحثون عمن يسمعهم خارج البيت " (١) . ٢ - تذكر أن واجباتك نحو أولادك لا تقتصر على تأمين المأكل والمشرب والملبس والمسكن فقط، إنما واجبك الأول تربيتهم تربية إسلامية مسترشدا في ذلك بأهداف التربية الإسلامية التي تسعى إلى: - أ) تنشئة الإنسان الذي يعبد الله ويخشاه فلا يتعدى حدوده (٢) . ب) تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وطريق السعادة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره. ج) تربية الإنسان لبلوغ الفضيلة وكمال النفس عن طريق العلم بالله وحسن التوجيه إلى الحياة الخيرة والفاضلة وتنمية العقل وكسب الرزق الحلال. د) إعداد الإنسان المسلم السليم العقيدة، المؤمن بربه الممارس لعبادته، الذي يتقي الله في السر والعلن.

стр. 75

هـ) تنمية الفرد من جميع جوانبه جسميا وروحيا وانفعاليا واجتماعيا. ٣ - تذكر فترة مراهقتك كيف تخلصت من سلبيات هذه المرحلة، ووظف خبرتك تلك لمساعدة أولادك ليجتازوا هذه المرحلة الحاسمة بسلام. ٤ - عندما يعمل ابنك عملا يتطلب النقد لا تجامله، انقده وامزج هذا النقد الهادف بالمديح المناسب، بين له الحق من الباطل والخير من الشر والمباح من المحظور، اعمل على تعديل سلوكه غير المرغوب فيه إلى السلوك السليم في أطر علاقات أبوية حازمة غير عنيفة، ولا سيما في الفترة الأولى من حياة الإنسان حتى مرحلة النضج والبلوغ، فالطفل منذ ولادته يكتسب ألوان السلوك من والديه، فإن كان سلوك الوالد سليما كان سلوك الناشئ سليما، وإن كان منحرفا ساعد الناشئ على الانحراف. ٥ - كن يقظا في مراقبة سلوك ابنك، وتعرف على جلسائه وأصحابه، واحذر أن يصاحب الأشرار، ففي مصاحبتهم الضياع والهلاك. أيها الأب العزيز هذه بعض الواجبات الملقاة على عاتقك. . أحببت أن أذكرك بها فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أيها الأب الكريم إن قيامك بواجبك تجاه أولادك يعني إعدادهم الإعداد السليم ليكونوا مواطنين صالحين، قادرين على خدمة أنفسهم وخدمة بلادهم محافظين على نعمة الأمن والاستقرار في بلادهم. [المطلب الحادي عشر سد وقت الفراغ لدى الطلاب ومحاربة انتشار البطالة] بين أفراد المجتمع
следующие страницы →