Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العلَمْين، وصلى الله على محمد.
فيمَا بين عام ١٣٧٣ - ١٣٧٨هـ كنت أسمع أخبار عبد الكريم الجرباء " أبو خوذه " وصفوق الجرباء، على لسان محمد بن يحيان ﵀ وبعض من يفدون إلى شقراء في رمضان ممن يتلقفهم الَوْالد ﵀. وبقي من أذكارهم العاطرة ظلٌ في ذاكرتي كأعقاب الحُلَمْ ومنذ سنة عندمَا بدأت تأليف كتابي " ديوان الشعر العامي " تلقفت عن آل الجرباء كغيرهم من الأسر أشتاتاً من هنا وهناك لتكون ذخيرتي في تفسير هذا الشعر فحسب، ولَمْ أَدْرِ أن هذه الشذرات ستكون بحثاً منهجياً عن أُسرة آل الجرباء، وقد نشرته إفادات متفرقة في الجزء الثاني من " ديوان الشعر العامي " ثم زودني شيخي حمد الجاسر بإفادات جديدة من كتاب " مطالع السعود " لابن سند، وإفادة واحدة من مجلة " لغة العرب " التي يصدرها أنستاس الكرملي ثم ناولني مَا ينقصني من كتاب " عشائر العراق " وهو الجزء الأول الذي توسع في الحديث عن آل الجرباء مع تصحيحاته لَمْسودات هذا البحث إلى معلَوْمَات أخرى تجمعت عندي فآثرت إفراد آل الجرباء ببحث مستقل. ولا ريب أن الَوْمضات عنهم في كتب التاريخ والأنساب لا تعطي صورة كاملة، فاستعنت - بعد الله - بالرواية الشفهية والشعر العامي في تتميم هذه الصورة. وفاتني من الَمْصادر كتاب " عشائر الشام " لَوْصفي ذكريا. وأُسرة آل الجرباء من الأُسر التي تفتخر بلادنا بأمجادها عندمَا رحلت إلى العراق وسوريا، فكانت بناءً وطنياً في هذين القطرين، وكونت أدباً نجدياً هناك، ونشرت عادات وتقاليد البلد الذي رحلت منه، إلا إن ممَا لا يُحْمَدُ للشمَامرة هناك الإخلالُ بالأمن، وإعادة سنة السلب والنهب والثارات الجاهلية. روى عبد الجبار الراوي أن فرحان باشا بن صُفُوق الجرباء قال لأهل قرية الَمْشاهدة بالعراق وقد أعجبته ضخامة أجسامهم: لَمْاذا لا تغزون؟ فقالَوْا: لا نحسن الغزو ولا نستطيعه. فقال: اغزوا من هو أطقع منكم!! ومن معاناتي لهذا البحث بدا لي أنَّ مَا كان مغموراً من تاريخنا يمكن أن يشبع بملاحظات عناصر أرجو أن يعنى بها شيخنا حمد الجاسر، ومن نهج لهم الَمْسلك ممن سيأتون بعده. وهذه العناصر تتلخص في التالي: ١ - الاعتناء بتاريخ وأنساب وآداب الأقطار الأخرى، حيث ارتحال الأُسر والبوادي. وتعاقب الأحداث الأخرى يربط نجداً بغيرها، فربمَا وجدنا في تواريخ الحجاز عن نجد مَا لا نجده في كتب تاريخ نجد.
الزَّولْ زَوْلِهْ والْحَلايَا حَلاَيَاهْ ... والفِعِلْ مَا هُو فِعْل ضَافي الْخَصَايِلْ
***
جانا من " الْعارِض " ركَيْبٍ يِهِيْفِ ... يِتْلَوْن ابن عَرُّوْجْ مِقْدِم بِني لاَمْ
وأَكثر مَا نجده عند أَهل نجد قولهم: ابن عَروْج آخر ملوك بني لام. وتظل القصة عندنا كالأسطورة فترمي بنا الَمْصادفات إلى كتب أهل العراق فنجد في كتاب " أَنساب العشائر العربية في النجف الأَشرف " لناجي وداعة الشريس توثيقات تاريخية تؤكد الرواية الأَدبية النجدية. فقد ذكر الشريس أُسرةً في النجف تعرف بآل شُكْرٍ، من آل حَدِيدِ الأَحسائي، وهو شكر بن محمد بن شكر بن حمود ابن علي الأَحسائي من أَحفاد يوسف بن حَديد بن عَرُّوْج من آل غَزِّيِّ من الْفُضُوْل من بني لاَمٍ. وكتاب الشريس ليس من نوع التخرصات التي توجد عند مؤرخينا ونَسَّابينا، فقد اعتمد على أَوراق أَوقاف ومواريث كوقفية لآل ثابت، مؤرخة في ٩٨٠هـ ووقفية للحاج ناصر ابن علي الأَحسائي، مؤرخة في ١١٧٤هـ ووقفية لشكر بن حمود آل حَديد، مؤرخة في ١٢٢٥هـ. ونقل عن كتاب " أَنساب العرب " لسمير عبد الرزاق القطب أَن حديد بن عروج آخر من بقي في نجد من عشيرة آل غِزي من الفضول، وذكر عنه أَن رئاسة حديد بعد عجل ابن حنيتم، وقد تولى بعده محمد بن حديد. وقد أَفدت من هذا الكتاب في ربط سلسلة النسب بين آل فارس وآل رشيد وآل علي. وسيستفاد منه في ربط السلسة لبعض الأُسر الَمْتحضرة من البوادي. فَضَمَّ مِثْلِ هذه الإفاداتِ يُبَلَوْرُ ويمحِّصُ بعضَ معلَوْمَات النسابين والَمْؤرخين في نجد.
стр. 2
٢ - الاكتفاء بمَا نشر من كتب الأَنساب والرحلات ومعاجم البلدان إِلى حدود القرن الرابع واستحياء مَا بعد ذلك ممَا يضيف معلَوْمَات ولا يكررها. وقد أحسن الشيخ حمد صنعاً في نشره لقسم من " مسالك الأَبصار " رغم أَنه أَفاد منه النسابون الذين جاؤا بعد ابن فضل الله. ولقد أفاد الشيخ حمد من كتاب ابن رسول إِفادت هو الَمْصدر الَوْحيد فيها. وحبذا لَوْ استمرت العناية بكتب الأَنساب لَمْا بعد القرن الرابع والاحتفاء بكل مَا تأخر عصره ممَا هو قبل كتابات الَمْعاصرين. وأتوقع أَن كتاب مجمع الأَنساب لابن قدامة الَمْتوفي سنة ٦٢٠هـ ربمَا أَفاد جديداً وهكذا كل مَا تأخر عصره.
٣ - العناية بالشعر العامي، بلهجة أهل نجد منذ نشأته إلى استقرار الجزيرة في عهد الَمْلك عبد العزيز، لتفسير التاريخ وتعميقه وقد لَمْست هذه الفائدة في الأَسفار الستة التي أَنهيتها من كتاب " الشعر العامي ".
٤ - الاتصال مباشرة بالأُسر النجدية والأَعيان من أَفخاذ البوادي للإِفادة من وثائق أَوقافهم ومواريثهم.
٥ - الاضطلاع بدليل " ببلَوْجرافي " عن تاريخ الجزيرة وأَنسابها وأَعلامها من كتب التاريخ والتراجم والرحلات والأّنساب لاسيمَا كتب التراجم في القرن الثامن إلى آخر الثالث عشر.
стр. 3
ولقد سمعت من شيخي إبراهيم العثمَان أَحد سلاطين الَمْمَاليك - ولعله أَحال إلى أَحال إِلى أَحد كتب الَمْقريزي - طلب مقابلة بعض أَعيان نجد وأَحالني إِلى رحلة ابن الَمْجاور عن نص من الشعر العامي فوجدته كمَا قال. ووجدت في تاريخ العصامي لَمْحمد بن جدوع في مدح بركات بن إبراهيم الشريف من نوع الشعر العامي القديم الذي دونه ابن يحيى ونشره ابن حاتم. ووجدت في أنساب أهل عمَان مَا وصلت به تاريخ بعض الأسر الحاكمة في البحرين وذلك في السفر الأول من كتابي عن الشعر العامي. وعلَمْت علَمْ اليقين من قصيدة للكليف " الجليف " أن مقرن ابن غصيب استرد ملك الأحساء من آل مغامس وأن الأتراك استولَوْا على الأحساء والحكام من آل أجود كمَا قال ابن بشر وغيره، وإنمَا أخطاء ابن بشر في التاريخ فحسب. وعلى أي حال فالَمْشروع الببلجرافي لهذه النتف يعين طلبة العلَمْ على تجلية تاريخهم الَمْغمور لا سيمَا بعد انفتاح العامة على خزانات الَمْخطوطات، وتيسر التصوير. وقد كنا منذ عقد من الزمن نرى إحالة الَمْؤرخ إلى مخطوط من كبرى الَمْناقب. وآل الجرباء من أُمراء الجبل ومن قبيلة عريقة في هذا الَمْوطن فقد ذكر النسابون أن قبيلة طيْ خرجت من اليمن على إثر خروج الأزد منه، ونزلَوْا سَمِيْرَاءَ وفيداً في جوار بني أسد ثم غلبوا بني أسد على أجا وسَلَمْى فعرفا فيمَا بعد بجبلي طيء. وذكر ابن سعيد أنهم أصحاب الرئاسة في العرب في عصره بالعراق والشام. ورئاستهم في بني ربيعة بن حازم من أحفاد سلسلة بن غنم من أحفاد فطرة بن طيء، فقد ورثوا أرض غسان والشام ومن أشهر أسرهم آل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة أثنى عليهم ابن فضل الله العمري كثيراً. وكان شيخنا حمد الجاسر ألف عن آل فضل كتاباً في صغره وحدثني مشافهة أن عقب آل فضل باقون حتى الآن بالأردن. وشمر بطن من طيء ولكنها في العصور الَمْتأخرة أصبحت مجمع البطون الطائية مع أخلاط أخرى دخلت فيها بالحلف. وقد نسب ابن دخيل آل علي وآل رشيد إلى آل فضل ولا سند له إلا أنهم حلَوْا محلهم في الَمْكان والإمَارة أمَا كتب الأنساب فدلت على أنهم من مذحج. فإن صح أن عَبْدَةَ بن شمر - كمَا نقل عن الكتاب الَمْنسوب لابن قدامة - فلا ريب أن زعمَائهم آل ضيغم من جنب من مذحج وقد دخلَوْا في عَبْدَةَ. وآل ضيغم إلى آخر القرن السابع الهجري لايزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج. ويظهر - استئناسا بالأسمَاء - أن آل علي وآل رشيد من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي الذي ذكره ابن رسول. ولعل بين جدهم الأدنى عرار بن شهوان وشهوان بن منصور جدًّا اسمه فارس بن طعان استئناساً بنص عن آل فارس كمَا سيأتي بيانه. وإنمَا نسبتهم إلى فارس بن طعان لأن آل خليل هم أبناء خليل بن جاسر بن علي بن عطية من آل جعفر، وقد ذكر الشريس أن آل فارس وآل خليل بطن واحدة وابن فارس محمد كان حياًّ عام ١١٠٩.ثم ذكر أن آل صادق من ذرية عبد الله بن محمد بن علي من آل فارس. فإذا كان آل صادق أبناء عم آل علي وكانوا من آل فارس بن طعان فآل علي من ذرية فارس. وكلهم من آل جعفر وقد ذكر ابن بسام أن آل جعفر من الضياغم. ولهذا كله رجحت أن لآل علي وآل رشيد جداً اسمه فارس ابن طعان إمَا من أحفاد عرار بن شهوان وإمَا بين عرار بن شهوان وشهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال فإقحام فارس بن طعان في نسب آل رشيد استنتاج يظل مجرد احتمَال. وفي نص ابن رسول أن لَمْنيف بن ضيغم بن منيف بن جابر ولداً اسمه راشد وله حفيد اسمه عمير بن أحمد بن راشد. وفي الكتاب الَمْجهول الَمْؤلف الذي نقل عنه الشيخ حمد الجاسر أخبار الدُّهم الشهوانيات في مخطوطته عن الخيل أن شهوان أبا عرار أو راشد عم عمير. فيحتمل أن يكون عرار حفيداً لَمْنيف بن ضيغم. ويحتمل أن يكون من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال فتوارث اسم شهوان وعمير وراشد يؤكد أن عرار بن شهوان وعمير بن راشد من أحفاد منيف بن ضيغم. وآل الجرباء هم زعمَاء شمر ورؤساء الجبل وأبعد ذكر لهم وجدته عن وفاة اثنين منهم عام ١١٠٠هـ وعام ١١٠٣هـ وقد رحلَوْا من نجد عام ١٢٠٥هـ بعد هزيمتهم أمَام ابن سعود فبنوا زعامتهم في العراق وسوريا. وعَبْدَةَ أكبر قبائل شمر من قبيلة جنب من مذحج فهم أبناء عم عبيدة من قحطان. ومن عَبْدَةَ الجربان وآل علي وآل رشيد. قال شاعر من
стр. 4
عبيدة من قحطان: دة من قحطان:
ان سَلْتْ عَنَّا يَالسُّوَيْطِي قَحَاطِيْنْ ... عَوَاصْمٍ، واللِّيْ حْذَانَا لفَايِق
حِنَّا وْعَبْدَةَ والضَّيَاغِمْ بْجَدَّيْنْ ... لَطَّامة يَوْمَ اللقا كلِّ مَايِق
وأمراء الجبل بعد الجربان آل علي، وفي التاريخ لهم اضطراب كثير، وقد طمر الدارسون العهد الأول من إمَارة عيسى بن علي، ممَا ترتب عليه الخلط بين أحداث عبد الله ابن رشيد في عهد عيسى الأول وعهد صالح بن عبد الَمْحسن وعهد عيسى بن علي للَمْرة الثانية. وقد حققت ترتيب ولايتهم على هذا النحو: ١ - عبد الَمْحسن بن فايز بن محمد بن عيسى بن علي بن علي بن عطية. وهو أمير الجبل في عهد الإمَام عبد العزيز بن محمد وقد دخل في طاعته عام ١٢٠١هـ.
٢ - محمد بن عبد الَمْحسن تولى عام ١٢٠١هـ.
٣ - عيسى بن علي تولى عام ١٢٣٤هـ.
٤ - صالح بن عبد الَمْحسن تولى عام ١٢٤٩هـ.
٥ - ابن رشيد تولى عام ١٢٥٠هـ.
٦ - عيسى بن علي تولى مرة ثانية عام ١٢٥٣هـ.
ثم طرده عبد الله بن رشيد في نفس العام، وبذلك انتهت إمَارة آل علي. وهذا الترتيب جاء بعد تحقيق وتدقيق ومناقشات. وبعد آل علي جاء آل رشيد، وقد كتب الدكتور عبد الله الصالح العثيمين ضميمة غاية في التحقيق، والتدقيق بعنوان " نشأة إمَارة آل رشيد " نشرتها:عمَادة شؤون الَمْكتبات بجامعة الرياض " عام ١٩٨١م وطبعتها " مطابع الشرق الأوسط بالرياض " وقد تطرق في هذه الضميمة لأمراء الجبل قبل عبد الله بن رشيد. وضميمة الدكتور العثيمين دراسة رائدة في تناول تاريخنا الَمْحلي، من ناحية الاستنباط والإفادة من الشعر العامي ومَا كتبه الأجنبون. وكانت عناية الدكتور العثيمين بالتاريخ قصداً، وبالشعر العامي تبعاً، ولقد تناولت تاريخ عبد الله بن الرشيد في السفر الثاني من كتابي " تاريخ نجد في عصور العامية " بعكس هذا الَمْنهج وهو أنني قصدت الشعر العامي واتكأت على التاريخ تتميمَا للدراسة من الشعر. ولَمْا قارنت مَا كتبته بمَا كتبه الدكتور العثيمين رأيت في مصادره سعة لي، وفي تخريجاته واستنباطاته معالَمْ اهتديت بها. ورأيت في ضميمة الدكتور العثيمين شيئاً يجب استدراكه دون أن يُخل بِأصالة بحثه ودقته. ورأيت في بحثي شيئاً يجب أن يضم إلى بحث الدكتور ليكون مكتملاً بحسب الأداة التي يملكها الباحث في هذا العصر. ومن الَمْستحسن أن آتي بنبذة عن آل علي الذين خلفوا آل الجرباء في الزعامة فقد أسلفت في الحديث عن آل الجرباء أنهم من عَبْدَةَ من شمر، وأن عَبْدَةَ من آل ضيغم. وآل رشيد أبناء عم آل علي الأقربين، وقد سلسل الدكتور ابن عثيمين نسب الأمير محمد بن عبد الَمْحسن هكذا: محمد بن عبد الَمْحسن بن فايز بن محمد بن عيسى بن علي ابن علي الكبير الذي يلتقي فيه نسب هذه الاسرة مع نسب آل رشيد. ولَمْ يذكر الدكتور مصدره. وقال سليمَان الدخيل عن عبد الله الرشيد: عبد الله علي بن رشيد بن خليل بن عطية. وخليل أخوعلي جد آل علي. ونقل الدكتور العثيمين عن ورقة عند نايف آل علي بحائل: عبد الله بن علي بن حمد بن رشيد بن خضير بن خليل ابن ياسر بن علي بن عطية. قال العثيمين: ومَا ذكره ضاري يتفق مع ورقة نايف، إلا أن حمداً أبٌ لرشيد، لا ابناً له. وقال ابن بشر عن جبر عم عبد الله بن رشيد: جبر بن رشيد بن علي. قال أبو عبد الرحمن: يظهر لي أن عليا الكبير هو جد آل صادق بالنجف فجدهم الحاج أحمد كان حياً سنة ١١٨٥هـ وهو ابن عبد الله بن محمد بن علي من شمر عَبْدَةَ. ويظهر أن عليا الكبير بن عطية ينتهي نسبه إلى فارس ابن طعان جد آل فرس بالنجف. قال الشريس عن آل فارس: أحد فروع آل جعفر من قبيلة شمر عَبْدَةَ الطائية القحطانية وقد ذكرهم العزاوي في كتابه " عشائر العراق " البدوية وهم آل خليل بطن واحدة قال أبو عبد الرحمن: وسياق النسب من هذه النصوص لهذه الأسر يتسق على هذا الَمْشجر.
فارس بن طعان من ذريته علي الكبير بن عطية محمد جد آل صادق علي عيسى جد آل علي جاسر جد آل رشيد
стр. 5
وعلى هذا الأساس يصح القول بأن آل رشيد من آل علي كمَا قال الدخيل، وأنهم أبناء عم آل علي كمَا يقول الجمهور. هذا أكثر مَا رأيته في سلسلة النسب. أمَا عموم كتب الأنساب فتذكر آل رشيد من آل خليل من الجعافرة من الدغيرات من آل يحيا من عَبْدَةَ من شمر. وقال يوسف البسام: وآل حعفر من الضياغم من شمر عَبْدَةَ. ورأيت عبد الله الخالد الحاتم يذكر أن عرار بن شهوان آل ضيغم، جد الرشيد، أمراء جبل حائل،انه عاش سنة ٨٥٠ هـ. وإلى ذلك مال شيخنا حمد الجاسر في كتابه " جمهرة أنساب الأسر الَمْتحضرة " فنسبهم إلى آل ضيغم، ونقل عن كتاب " طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب " عمر بن يوسف ابن رسول " ... - ٦٩٤ هـ " أن آل ضيغم كانوا إلى آخر القرن السابع الهجري لا يزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج " بلاد قحطان الآن بمنطقة إمَارة عسير " وسمَاهم آل منيف ونسبهم إلى جنب. وجدهم منيف بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي ابن عبد الرب بن ربيع بن سليمَان بن عبد الرحمن بن روح ابن مدرك بن عبد الحميد بن مدرك. ويقال إنهم من نزار - من عنز بن وائل بن قاسط، دخلَوْا في نسب جنب، لأن أمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي تزوجها روح بن مدرك. ولهم أشعار في رحلتهم ذكر قطعاً منها الشيخان العبودي والجنيدل في معجميهمَا والشيخ حمد الجاسر في كتابه الخطي " معجم الخيل ". وقد ألَمْحت إلى شيء من ذلك في السفر الأول من كتابي عن الشعر العامي. ونسبة آل رشيد إلى آل ضيغم واردة في الشعر العامي. قال عبد الله بن رشيد يبكت جمَاعته:
من باب خَدَّام إِلى باب شدَّادْ ... واللِّيْ اعْتَزَى بالضَّيْغَمِيَّة تطليه
وقال مخلد بن هديرس يمدح عبد الله بن رشيد:
الضيغمِي منْ حاْيلٍ عطَّ الاَنْجَاد ... دَزَّ السبور وقام يجْمَعْ نواحيه
وقال علي الْقَبالي التميمي:
الضيغمي كل الَمْراجل بعِّبهْ ... وحنَّا نْلَقِّطْ مَا وقَعْ بالتَّرابِ
وقال ابن هديرس:
أَبو طلال الضَّيْغمي فرز الاَوْلاَد ... زَبْزُومْ غَلْبا باللقا، ينطح التيه
وقال منيع القعود يمدح عبد العزيز بن متعب الرشيد:
تهزَّا بالضَّياغِم، يا سمىَّ الكلب سدحان ... تهزا بالضياغم، والضياغم للعدوعِلَّهْ
وفال سليمَان بن جمهور.
مَا صار مثل الضغيمي لاتوارى ... أَقْفَى على عين الَمْادي بالأَدبار
وقال عُبيَد بن علي بن رَشيد:
ضياغم ترخص جلالَه والارقاب ... ودون الرفيق بمَا لهم مَا يشحَّوْنَ
وقال يمدح أَخاه عبد الله:
يتلَوْن شغموم خوالهْ عمَامهْ ... من ضَيْغم مَا دكِّ به عرق الاجْنَابْ
وقال يمدح ابن أَخيه طلالا:
ضِيَاغْم يِرْدُوْنْ حوضَ الزّحَام ... يردون لاَمِنِّهْ غشَى الناسَ الابْدالْ
стр. 6
إِلا أَن العزاوي نقل عن كتاب " مجمع الأَنساب " الذي نسبه لابن قدامة بأَن عَبْدَةَ من شمر. قال أبو عبد الرحمن: وعلى هذا يكون القحطانيون - من غير طيء - هم آل ضيغم دخلَوْا في عَبْدَةَ بالحلف. والَمْعلَوْمَات عن آل على غير مكتملة، ومَا وجد عنهم من معلَوْمَات فيه اضطراب كثير. فالدكتور ابن عثيمين: يرى أَن إِمَارة حائل خلال القرن الثاني عشر الهجري لآل علي الَمْنتمين لآل جعفر. وعد من أُمراء هذا القرن محمداً الأَول وهو محمد بن عيسى ابن علي أَخو خنساء، أَو السمن العرابي أَمَا الشيخ علي بن سالَمْ فيذكر أَن أَول أُمراء آل علي عبد الَمْحسن بن علي. ثم قال في موضع آخر: وليس عندي بيان وقت ولايتهم وكيف انقرضوا لكنهم من عام ١٢٣٢. قال أبو عبد الرحمن: عبد الَمْحسن كان أمير حائل في عهد الإمَام عبد العزيز بن محمد وقد دخل في طاعة الإمَام عام ١٢٠١هـ وبهذا تكون بدايتهم قبل عام ١٢٠١ ويسقط قول ابن سالم: أنهم من عام ١٢٣٢هـ. أمَا الدكتور العثيمين فقد أسقط عهد عبد الَمْحسن هذا، وقال: إن الأمير في نهاية القرن الثاني عشر هو محمد بن عبد الَمْحسن. قال أبو عبد الرحمن: إنمَا تولى محمد بعد ابنه عبد الَمْحسن في مطلع القرن الثالث عشر. ونقل العثيمين عن كتاب " كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الَوْهاب " لَمْؤلف مجهول: أن حجيلان عام ١٢٠١ قتل رجلاً ساحراً ونصب محمد بن علي شيخاً في الَمْنطقة. وعلق على ذلك بقوله: ولعل حجيلان أقر محمد بن علي في زعامة الجبل. قال أبو عبد الرحمن: أسلفت نص ابن سالَمْ على أن عبد الَمْحسن كان أمير حائل قبل ابنه، وذكر يوسف البسام: أن حجيلان عين محمداً بعد وفاة والده عبد الَمْحسن. فهذان النصان بالإضافة إلى نص صاحب كتاب " كيف كان ظهور شيخ الإسلام " يؤيد سبق إمَارة عبد الَمْحسن وليس عند الدكتور العثيمين زيادة علَمْ تنفي ذلك. ويظهر أن شمر دانت لدعوة الشيخ محمد بن عبد الَوْهاب في حياته، وحياة الإمَام محمد بن سعود قبيل سنة ١١٧٨هـ لأن صاحب كتاب " لَمْع الشهاب " ذكر في أحداث هذه السنة أن محمد بن سعود هيأَ عسكراً مقداره ستة آلاف، بقيادة ابنه عبد العزيز بأمر من محمد بن عبد الَوْهاب، وأرسله إلى طائفة من شمر، كانت قد دخلت في الطاعة قبل ذلك ولَمْا سمعوا بمجيء النجراني وعرعر ارتدُّوا عن حكم ابن سعود، وجعلَوْا يغزون أطرافه، فسار عبد العزيز بالجيش إلى جبل شمر وغزاهم ليلاً فأهلك منهم جمعاً كثيراُ وقد أسر منهم مئتي رجل بل أزيد. أمَا آل علي أنفسهم وحاضرة الجبل فقد دانوا لحكم آل سعود منذ عام ١٢٠١هـ. ولذلك مقدمتان: أولاهمَا: أن قبيلة شمر سنة ١١٩٦ ناصرت سعودون ابن عريعر في حصاره لحجيلان أمير بريدة من قبل آل سعود. وأخراهمَا: أن شمر في الَمْحرم عام ١٢٠١هـ ناصرت ثويني بن عبد الله، في هجومه على نجد، ومحاصرته للقصيم ولحجيلان في بريدة. فلعله نتيجة للَمْقدمة الأولى: كانت غزوة حجيلان عام ١٢٠٠هـ حيث أخذ قافلة لشمر وقتل منهم قتلى كثيرة. ونتيجة للَمْقدمة الثانية بيقين: غزا حجيلان بأمر من الإمَام عبد العزيز بلد شمر وأدخلهم في الطاعة فبايعوا ابن سعود. ومحمد هذا من أشهر أُمراء آل علي. من الأحداث التاريخية في عصره أنه غزا قبيلة الشرارات في الجوف سنة ١٢٠٧هـ ومعه أربع مئة من الإبل وخمسون من الخيل لكن نتيجة غزوته كانت فاشلة. وفي سنة ١٢٠٨ هاجم الجوف وأدخله في طاعة آل سعود، فضم إليه الإمَام سعود بن عبد العزيز ولاية الجوف. وفي سنة ١٢١١هـ اشترك أهل الجبل مع القوات السعودية في صد حملة ثويني. وذكر أن محمداً غزا ناحية العراق واشتبك مع آل بعيج وقتل منهم خمسين رجلاً. وفي سنة ١٢٢١هـ كان محمد من بين الزعمَاء الَمْرابطين حول الَمْدينة الَمْنورة، بأمر من الإمَام سعود، لإجبار أمير حجاج الشام على العودة إلى بلاده. وفي سنة ١٢٢٥هـ كان أهل الجبل مع الإمَام سعود في غزوه للبلاد الشامية. وفي سنة ١٢٢٨هـ كلف الإمَام سعود محمداً بمراقبة فرقة من الجيش الَمْصري العثمَاني ليجبرها على الذهاب إلى العراق. وفي سنة ١٢٢٩هـ اشترك محمد مع القوات السعودية في هجومها التأديبي الفاشل على عياد الذويبي الحربي قرب الحناكية. وفي سنة ١٢٣٠هـ كان أهل الجبل مع الإمَام عبد الله بن سعود في القصيم، حين وصل إليها طوسون كمَا كانوا معه لتأديب بعض
стр. 7
البوادي والأهالي بعد انسحاب طوسون. وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر أن حكام حايل آل علي وآل رشيد يسكنون السويفلة، قبل انتقالهم إلى حائل، وقد أوردت نصه في شعر عبد الله بن رشيد خلال الكلام عن قصيدته على قافيتي التاء والراء بوصل الهاء بالسفر الثاني من كتابي " ديوان الشعر العامي ". وفي نص آخر ذكر الجاسر أن عاصمة الأمَارة السافلة " السويفلة " عمرت في القرن الثامن ومَا لبثت أن خربت فعمرت حائل على إثرها. وقال في موضع ثالث عن السمراء: " يقال إنها حائل القديمة وأنها كانت مقر آل علي ". وقال ابن عثيمين: " وكانت مساكن آل علي في أسفل قاعدة الجبل أو مَا يعرف بالسويفلة ". ثم بنى زعمَاؤها لهم قصراً في مكان يقال له الَوْشيقي على بعد ثلاثة أكيال من مساكنهم الأولى. وبعد ذلك أسس الأمير محمد بن عبد الَمْحسن قصر بَرْزَان الشهير، الذي أصبح فيمَا بعد قصر حكم آل رشيد. يقال إن القصر سُمِّي برزانا لبروزه عن مسكنهم الأول ففي النص السابق ذكر العثيمين أن محمد بن عبد الَمْحسن هو الذي أسس قصر برزان، وقال في موضع آخر: وضع أساس برزان الشهير. وقال الزركلي عن محمد بن عبد الله بن رشيد: أكمل قصر برزان في حائل، وكان عيسى بن علي قد شرع في بنائه ولا أستطيع التوفيق بين هذين النصين إلا بأن يكون محمد بن عبد الَمْحسن أسسه وعيسى أكمله، ومحمد العبد الله رممه ووسعه. ولَمْ يتطرق شيخنا حمد الجاسر إلى علاقة برزان بآل علي وإنمَا قال: قصر كان في مدينة حائل في عهد الإمَارة الرشيدية، ورسم موقعه في كتاب " القول السديد " لابن دخيل، وقد صورت بعض مبانيه في كتاب " مقدمة عن الآثار في الَمْملكة " الذي أصدرته وزارة الَمْعارف عام ١٣٩٦هـ. وذكر هوبر في رحلته: أن عبد الله بن علي بن رشيد اشترى قصر برزان من آل علي. قال أبو عبد الرحمن: إنمَا شهرة قصر برزان في عهد آل رشيد. قال راكان بن حثلين: والأهالي بعد انسحاب طوسون. وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر أن حكام حايل آل علي وآل رشيد يسكنون السويفلة، قبل انتقالهم إلى حائل، وقد أوردت نصه في شعر عبد الله بن رشيد خلال الكلام عن قصيدته على قافيتي التاء والراء بوصل الهاء بالسفر الثاني من كتابي " ديوان الشعر العامي ". وفي نص آخر ذكر الجاسر أن عاصمة الأمَارة السافلة " السويفلة " عمرت في القرن الثامن ومَا لبثت أن خربت فعمرت حائل على إثرها. وقال في موضع ثالث عن السمراء: " يقال إنها حائل القديمة وأنها كانت مقر آل علي ". وقال ابن عثيمين: " وكانت مساكن آل علي في أسفل قاعدة الجبل أو مَا يعرف بالسويفلة ". ثم بنى زعمَاؤها لهم قصراً في مكان يقال له الَوْشيقي على بعد ثلاثة أكيال من مساكنهم الأولى. وبعد ذلك أسس الأمير محمد بن عبد الَمْحسن قصر بَرْزَان الشهير، الذي أصبح فيمَا بعد قصر حكم آل رشيد. يقال إن القصر سُمِّي برزانا لبروزه عن مسكنهم الأول ففي النص السابق ذكر العثيمين أن محمد بن عبد الَمْحسن هو الذي أسس قصر برزان، وقال في موضع آخر: وضع أساس برزان الشهير. وقال الزركلي عن محمد بن عبد الله بن رشيد: أكمل قصر برزان في حائل، وكان عيسى بن علي قد شرع في بنائه ولا أستطيع التوفيق بين هذين النصين إلا بأن يكون محمد بن عبد الَمْحسن أسسه وعيسى أكمله، ومحمد العبد الله رممه ووسعه. ولَمْ يتطرق شيخنا حمد الجاسر إلى علاقة برزان بآل علي وإنمَا قال: قصر كان في مدينة حائل في عهد الإمَارة الرشيدية، ورسم موقعه في كتاب " القول السديد " لابن دخيل، وقد صورت بعض مبانيه في كتاب " مقدمة عن الآثار في الَمْملكة " الذي أصدرته وزارة الَمْعارف عام ١٣٩٦هـ. وذكر هوبر في رحلته: أن عبد الله بن علي بن رشيد اشترى قصر برزان من آل علي. قال أبو عبد الرحمن: إنمَا شهرة قصر برزان في عهد آل رشيد. قال راكان بن حثلين:
يافَاطْرِي ذِبِّي خَرَايِمْ طِمِيَّهْ ... تَنَحَّرِي بَرْزَانْ زَيْنَ الَمْبانِي
وقال حمود بن عبيد بن رشيد:
فانْ كانِ ابِنْ هِنْدِي نُوَانَا ببرْزَانْ ... فْحِنَّا عَلَى عَرْوَا قصَرْنَا مسِيْرِْ
стр. 8
ظل محمد أميراً للجبل مَا يقرب من ثلاثة وثلاثين عامَا حيث تولى سنة ١٢٠١ تقريباً وقتل سنة ١٢٣٤ وسبب ذلك أن إبراهيم باشا لَمْا قضى على دولة آل سعود قام بحملة على أُمراء الَمْناطق الَمْتحمسين للدعوة وأنصارها آل سعود، ولهذا قتل محمداً وأخاه علياً عام ١٢٣٤هـ. قال ابن عثيمين: اغتاله الحبشي زعيم رجال إبراهيم باشا حيلة في مقصورة الداحس، ثم حز رأسه وبعث به إلى تركيا ويشير إلى ذلك قول الشاعر:
يَا حَيْف رَاسَ الشَّيْخ تَلْعَب به الْبُوْمْ ... مِتْقَابْلِيْنٍ بَيْنَهُمْ يَجْزرُونِه
أمَا بقية جسده فدفنت في مقبرة الزبارة في حائل، وقد رأيت قبره وقد كتب على أحد شاهديه: " محمد بن علي ﵀ واسكانهو " وأسكنه " دار السلَمْ " السلام ". وعبارة أمير الَمْسلَمْين تفيد أنه كان مشهوراً بالديانة، كمَا تفيد أنه كان عظيمَا وهذا ممَا يؤيد مَا ذكر من حمَاسه لدعوة الشيخ محمد بن عبد الَوْهاب، ومَا كان له من دور في الدولة الَمْعتمدة على دعوته. وقد خلف الأمير محمد بن عبد الَمْحسن أربع بنات إحداهن سلَمْى التي تزوجها عبد الله بن علي بن رشيد. وقال الشيخ علي بن سالَمْ: " فأمَا محمد بن علي فقتله الترك أيام ظهورهم على نجد بقصر برزان بحائل حين حاصروه وأنزلَوْه بالرغم وقتلَوْه ". والآن قبره بمقبرة الزبارة في حائل جثة بلا رأس. هكذا سمعت من والدي ﵀ يقول ذلك، ولا أدري أي سنة كان ذلك فالله أعلَمْ. وقد ذكر الدكتور العثيمين: أن محمد بن عبد الَمْحسن أشار على أهل قفار إبان غزو إبراهيم باشا بأن يبنوا قصراً يكون جزء منه في مستوى أكثر انخفاضا من سطح الأرض القريبة منه لئلا تؤثر فيه الَمْدافع. وبعد قتل محمد بن عبد الَمْحسن لا نعرف من تولى بعده مباشرة إلا أنه من الَمْؤكد أن عيسى بن علي بن فايز تولى قبل صالح بن عبد الَمْحسن. والبرهان على ذلك مَا يلي: أ - دلالة قصيدة عبد الله بن رشيد الدالية التي رجحت أنها في فترة حكم عيسى الأولى، كمَا بينت ذلك في السفر الثاني من كتابي " ديوان الشعر العامي ".
ب - ذكر ابن بشر أنه في سنة ١٢٤٣ أو ١٢٤٢هـ وفد عيسى ابن علي بن فايز رئيس جبل شمر على الإمَام تركي وبايع وجعل في بيت مَال الجبل حمد الشويعر. وقد وصفه ابن بشر في عام ١٢٥٣ بأنه رئيس الجبل القديم.
ج - أن الإمَام تركي بن عبد الله لَمْ يعين صالح بن عبد الَمْحسن إلا في سنة ١٢٤٩هـ.
والدكتور العثيمين يستبعد ولاية عيسى بن علي بعد محمد ابن عبد الَمْحسن مباشرة ويتعلل بالتالي: أ - قول ابن بشر عن عيسى " رئيس الجبل " لا يدل على رئاسة سابقة، لأن عادة ابن بشر أن يصف بالرئاسة من سيليها ثم ذكر نمَاذج لذلك.
ب - أن ابن رشيد أخذ الإمَارة من صالح بن عبد الَمْحسن باتفاق الَمْصادر.
ج - أن ابن بشر ذكر صالحاً من أُمراء تركي عند كلامه عن اغتياله.
قال أبو عبد الرحمن: الجواب عن هذا بمَا يلي: ١ - أن ابن بشر يوهم أحياناً إذ يصف بالرئاسة من سيليها ولَمْ يلها بعد. ولكنه هذه الَمْرة رفع الَوْهم بقوله " رئيس الجبل القديم " فصح أن ابن بشر وصف عيسى بالرئاسة لأنه كان رئيساً في السابق.
٢ - لا ريب أن ابن رشيد تولى الإمَارة بعد صالح بن عبد الَمْحسن باتفاق الَمْصادر. ولكن الَمْصادر لَمْ تتفق على أن صالحاً تولى بعد محمد بن عبد الَمْحسن مباشرةً، بل نص ابن بشر على أن تركياً عينه في ١٢٤٩هـ.
٣ - أن ابن بشر لَمْا ذكر وفادته عام ١٢٤٣هـ وصفه بالرئيس والَمْبايعة. فهذا تعريف فعلي للرئيس حقيقة.
٤ - إنمَا ذكر ابن بشر صالحاً أميراً عند ذكره لأُمراء تركي، لأنه هو الأمير حال وفاة تركي. وابن بشر إنمَا يذكر أُمراء الإمَام حال وفاته، ولا يلتزم ذكر كل من تأمر في حياته. وبهذا يسقط احتمَال الدكتور العثيمين أن عيسى مجرد صاحب نفوذ في عهد الأمير الصالح.
قال أبو عبد الرحمن: وعيسى هذا يحتمل أن يكون: عيسى بن علي بن عبد الَمْحسن بن فايز بن علي. فيكون أبوه علياً أخا محمد بن عبد الَمْحسن، الذي قتله إبراهيم باشا مع أخيه. ويكون قول ابن بشر: عيسى بن علي بن فايز، من باب الاختصار، وهو أمر مَالَوْف. ويحتمل أن يكون لعبد الَمْحسن بن فايز أخ اسمه علي، فيكون عيسى بن علي بن فايز بن علي. أمَا الدكتور العثيمين فأورد بشأنه التالي:
стр. 9
أ - قول موزل: خلف محمد بن عبد الَمْحسن ابنه عيسى. إذن هو عيسى بن محمد بن عبد الَمْحسن بن فايز بن علي وصاحبنا عيسى بن علي بن فايز. فهمَا اثنان بلا ريب، ومن البعيد أن يكون الاسم الثاني اختصاراً للأول، لأنه لبس غير مَالَوْف في اختصار النسابين والَمْؤرخين. وقد نقل العثيمين عن بعض آل علي الَمْقيمين في حائل أن محمداً لَمْ ينجب ذكراً. فهذا دفع لقول موزل بلا ريب.
ب - قول ضاري الرشيد و " هوبير " أن صاحبنا هو عيسى ابن عبيد الله. قال أبو عبد الرحمن: لَمْ نجد علَمْا له أحداث تاريخية بهذا الاسم، ومن الَمْحال أن يكون أمير الجبل عيسى بن عبيد الله فيسميه ابن بشر: عيسى بن علي بن فايز! وقد ذكر العثيمين أنه ذكر في ورقة عند السيد نايف آل علي في حائل أن عبد الله ابن عم لصالح بن عبد الَمْحسن. قال أبو عبد الرحمن: لا ننكر ورود من اسمه عبيد الله أو عيسى في آل علي، وإنمَا ننكر أن يكون عيسى بن عبيد الله هو عيسى بن علي بن فايز الأمير. قال العثيمين: أمَا أُسرة آل علي الَمْوجودين في الَوْقت الحاضر فإنهم من نسل عيسى بن صالح بن عبد الَمْحسن. وكان عيسى هذا طفلاً حين وقعت الأحداث على أبيه، فأخفته أمه حتى استقرت الأمور فيمَا بعد. قال أبو عبد الرحمن: إذن عيسى هذا عصر أهليته للَوْلاية غير عصر عيسى بن علي بن فايز. وبعد عيسى تولى صالح بن عبد الَمْحسن عينه الإمَام تركي عام ١٢٤٩هـ كمَا مر آنفاً ثم عزله الإمَام فيصل سنة ١٢٥٠هـ وعين عبد الله بن رشيد. وقد بينت في السفر الثاني من كتابي " ديوان الشعر العامي " قصة قتل صالح وأن عبيد بن علي بن رشيد هو الذي قتله. وفي عام ١٢٥٣ استولى عيسى بن علي الآنف الذكر على حائل وطرد عبد الله بن رشيد، ثم طرده عبد الله في نفس العام وانتهت بذلك إمَارة علي. ومحمد بن عبد الَمْحسن الذي هو أبرز زعيم من آل علي أورد الدكتور العثيمين نسبه كالتالي: محمد بن عبد الَمْحسن ابن فايز بن محمد بن علي بن علي الكبير. وورد عند ابن بشر: محمد بن عبد الَمْحسن بن فايز ابن علي وتارة محمد بن عبد الَمْحسن بن علي فسياق ابن بشر نحمله على الاختصار.
أمَا الدكتور العثيمين فربمَا اعتمد على وثائق عند آل علي بحائل. وكون محمد هو الأمير بعد والده ليس محل التباس ولكن قال ابن سالَمْ: " أول ملَوْك آل علي عبد الَمْحسن بن علي وبعده ولده صالح بن عبد الَمْحسن وبعده محمد بن علي ". وعلق الَمْارك على ذلك بقوله: وبعد محمد " أي ابن علي " أخو صالح بن علي. فكلَمْه أخو بدون هاء أحدثت لبساً إلا أن الشيخ حمداً نقل هذا النص مرة ثانية فأزال اللبس عندمَا قال: فإن الذي تولى الإمَارة بعد محمد بن علي أخوه صالح بن علي على مَا أفادني الأستاذ فهد الَمْارك. وعلى كل حال فالَمْوضوع يحتاج إلى تفصيل ليس هذا محله. قال أبو عبد الرحمن: محمد بن علي قبل أخيه صالح خلافاً لَمْا زعمه ابن سالَمْ. وبعد محمد بن علي: عيسى بن علي قبل صالح بن علي وهذا مَا فات الَمْارك. وزعم ابن سالَمْ أن لعبد الَمْحسن ذكراً في تاريخ ابن بشر. قال أبو عبد الرحمن: لَمْ يذكره ابن بشر، إنمَا ذكر ابنه محمداً وصالحاً. ولَمْا كانت إفادتي من الجزء الأول من " عشائر العراق " ومن مجلة " لغة العرب " بعد تحريري لَمْادة هذا البحث فقد آثرت إبقاء بحثي على حاله على أن أجعل نصي " عشائر العراق " و " لغة العرب " ملحقين محققين بآخر الكتاب. وفي ختام هذه التوطئة أُقدم خالص شكري لأُستاذ الجيل حمد الجاسر الذي قدم لي رفده وتوجيهه، وأرجو أن يتم نواقص هذا الكتاب بمَا في مخطوطته عن الخيل من أخبار وأشعار آل ضيغم والله الَمْستعان.
وكتبه لكم أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري
الرياض ٩٤١٤٠٢ ه ـ
ثم أنهى تنقيحه في ٣٠٤١٤٠٢ ه ـ
آل الْجَرْبَاءِ
٢ - نسبهم، وقصة رحيلهم من الجنوب إلى بلاد الَمْحبلين، ثم رحلتهم إلى العراق وسوريا.
نسب آل الجرباء
стр. 10
من الَمْتفق عليه بين النسابين أن آل الجرباء من عَبْدَةَ من شَمَّر. ومنهم قسم دخلَوْا في سنجارة من شمر، ولا يزالَوْن ألان في سوريا بزعامة ميزر الجرباء شيخ الفداغة، ودهام الجرباء شيخ الخرصة. وشمر بطن من ثعل بن عمرو من طيء كمَا قال ابن الكلبي. وهي اليوم من كبريات القبائل العربية. ولَمْا تكلَمْ ابن لَعْبُون عن شمر أَبي القبيلة قال: وقد غلبت هذه النسبة شمر على أَهل جبل طيء من البادية وبعض الحاضرة والظاهر أَنهم كلهم ليسوا من نسله، ولا يبعد أَن ينسب إِليه غير من يجتمع معه في عمود نسبه من سائر طيء وكذلك من خالطهم أَو نازلهم من جار أَو حليف قد ينسب إليهم، مع تطاول الأَزمَان قال أَبو عبد الرحمن: إِذنْ عَبْدَةَ من أَكبر قبائل شمر الطائية حلفاً، وهي من قبيلة جنب الَمْذحجية نسباً. فهم أَبناء عم عبيدة من قحطان. قال شاعر من عبيدة من قحطان:
إِنْ سَلْتَ عَنَّا يَالسُّوَيْطِي قَحَاطِيْن ... عَوَاصْمٍ واللِّي حذَانَا لفَايِقْ
حنَّا وعَبْدَةَ والضَّياَغمْ بجَدَّيْن ... لطَّامْة يومْ اللّقا كُلِّ مَايقْ
стр. 11
فأَمَا عن عموم طيء فقد ذكر النسابون أَن قبيلة طيء خرجت من اليمن على إِثر خروج الأَزد منه، ونزلَوْا سَمِيراء وفَيْدَ، في جوار بني أَسد، ثم غلبوا بني أَسد على أَجاءٍ وسَلَمْى فعرفا فيمَا بعد بجبلى طيء. وذكر ابن سعيد أصحاب الرياسة في العرب في عصره بالعراق والشام. ورئاستهم في بني ربيعة بن حارم، من أحفاد فطرة بن طي، فقد ورثوا أرض غسان والشام، ومن أشهر أُسرهم آل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة، أثنى عليهم ابن فضل الله العمري كثيراً وكان شيخنا حمد الجاسر أَلفَ عن آل فضل كتاباً في صغره، وحدثني مشافهة أًن عقب آل فضل باقون حتى الآن بالأُردن. وشَمَّرُ بطن من طيء، ولكنها في العصور الَمْتأخرة أَصبحت مجمع البطون الطائية مع أَخلاط أُخرى دخلت فيها بالحلف وقد نسب ابنُ دَخِيْلٍ آل علي وآل رشيد إِلى آل فضل، ولاسند له إلا أَنهم حلَوْا محلهم في الَمْكان والإمَارة، أَمَا كتب الأَنساب فدلت على أَنهم من مذحج. فإن صح أن عَبْدَةَ من شمر - كمَا نقل عن ابن قدامة - فلا ريب أن زعمَاءهم آل ضيغم من جنب من مذحج، وقد دخلَوْا في عَبْدَةَ. وآل ضيغم إلى آخر القرن السابع الهجري، لا يزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج. ويظهر - استئناساً بالأسمَاء - أن آل علي وآل رشيد من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي، الذي ذكره ابن رسول في كتابه " طرفة الأصحاب ". ولعل بين جدهم الأدنى عرار بن شهوان وشهوان بن منصور جداً اسمه فارس بن طعان استئناساً بنص ظن آل فارس كمَا سيأتي بيانه. وإنمَا نسبتهم إلى فارس بن طعان لأن آل خليل هم أبناء خليل بن جاسر بن علي بن عطية من آل حعفر، وقد ذكر الشريس أن آل فارس وآل خليل بطن واحد، وابن فارس محمد كان حياً عام ١١٠٩هـ. ثم ذكر أن آل صادق من ذرية عبد الله بن محمد بن علي من آل فارس، فإذا كان آل صادق أبناء عم آل علي وكانوا من آل فارس بن طعان فآل علي من ذرية فارس. وكلهم من آل جعفر، وقد ذكر ابن بسام أن آل جعفر من الضياغم. ولهذا كله رجحت أن لآل علي وآل رشيد جداً اسمه فارس ابن طعان إمَا من أحفاد عرار بن شهوان، وإمَا بين عرار بن شهوان، وشهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال، فإقحام فارس بن طعان في نسب آل رشيد استنتاج يظل مجرد احتمَال. وفي نص ابن رسول أن لَمْنيف بن ضيغم بن منيف بن جابر ولداً اسمه راشد وله حفيد اسمه عُمير بن أحمد بن راشد. وفي الكتاب الَمْجهول الَمْؤلف الذي نقل عنه الشيخ حمد الجاسر أخبار الخيل الدُّهْم الشهوانيات في مخطوطته عن الخيل أن شهواناً أبا عرار أخو راشد عم عمير. فيحتمل أن يكون عرار حفيداً لَمْنيف بن ضيغم. ويحتمل أن يكون من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال، فتوارث اسم شهوان وعُمير وراشد يؤكد أن عرار بن شهوان وعمير بن راشد من أحفاد منيف بن ضيغم. وقال ابن مغيرة عن الجربان وعن عموم نسب عَبْدَةَ: وآل السيح بطن من شمر، وهم بطون وأفخاذ، منهم الجربان البطن الثالث من شمر عَبْدَةَ: وهم بنو ضيغم ابن معاوية بن الحارث بن منبه بن يزيد بن حرب بن عُلَةَ ابن جلد بن مذحج أخو طيء. وكان معاوية بن الحارث من جنب والَمْلك في بيت جنب، وهو الذي استجار به مهلهل أخو كليب، وتزوج ابنة مهلهل واسمها عبيدة، وإليها تنسب قبائل من جنب، فولدت له أبا القبيلة ضيغمَا. ومن بني ضيغم عَبْدَةَ هؤلاء وكانت لهم الرئاسة على قبائل شمر من طيء بن علي "؟ ". وكانت رئاسة جبل طيء قديمَا لجديلة بطن من طيء ثم صارت في بني نبهان ثم صارت في الجربان. ثم صارت في عَبْدَةَ في آل جعفر. قال أبو عبد الرحمن في كلام ابن مغيرة: هذا تصحيف وتداخل، وسأضم إليه نصاً لابن رسول لعله يزيل شيئاً من غموض ابن مغيرة. قال شيخنا حمد الجاسر: جاء في كتاب " طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب " للسلطان عمر بن يوسف ابن رسول الَمْتوفى سنة ٦٩٤: نسب آل منيف وهم آل ضيغم وآل رشيد من جنب، وهم الَمْعرفون بالَمْعضة. وهو منيف بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي بن عبد الرب بن ربيع بن سليمَان بن عبد الرحمن بن روح بن مدرك بن عبد الحميد بن مدرك. ويقال: إنهم من بَكيل، إلا أنهم حالفوا عنس من مذحج فسموا جَنْباً وقيل: إنهم من نزار من عَنْزِ بن وايل بن قاسط ابن هنب بن أفصا بن دُعْمِيِّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان. دخلَوْا في
стр. 12
نسبسب جنبٍ، لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي، من تغلب بن وائل أخي عنز بن وائل، تزوجها روح بن مدرك من بعد معاوية بن عمرو ابن معاوية بن الحارث الجنبي. وإخوتهم من أُمهم آل عايذ، وآل رشيد، وبنو قيس، وآل سفر، وآل الصلت، وأصحابهم، يسمون الأبطن، من ولد هذا معاوية الجنبي فنسبوا إليهم. فآل ضيغم بن منيف وأولاده ثمَانية: منيف وشكر وعيسى وعلي ومنصور وشيبان وعامر وحارث. قال أبو عبد الرحمن: من نص ابن رسول ونص ابن مغيرة يتضح التالي: جنبٍ، لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي، من تغلب بن وائل أخي عنز بن وائل، تزوجها روح بن مدرك من بعد معاوية بن عمرو ابن معاوية بن الحارث الجنبي. وإخوتهم من أُمهم آل عايذ، وآل رشيد، وبنو قيس، وآل سفر، وآل الصلت، وأصحابهم، يسمون الأبطن، من ولد هذا معاوية الجنبي فنسبوا إليهم. فآل ضيغم بن منيف وأولاده ثمَانية: منيف وشكر وعيسى وعلي ومنصور وشيبان وعامر وحارث. قال أبو عبد الرحمن: من نص ابن رسول ونص ابن مغيرة يتضح التالي: ١ - أن عَبْدَةَ لا تنتسب إلى شمر بالرجوع إلى الجد شمر، وإنمَا يجتمعون مع شمر في أدد بن زيد، والد طيء الذي من ذريته بنو شمر، ومَالك الذي من ذريته عَبْدَةَ. وبين أهل النسب خلاف هل " مذحج " لقب لَمْالك بن أدد أم هو اسم لأُم طيء ومَالك.
٢ - أن قبائل عَبْدَةَ من ذرية ضيغم بن معاوية بن الحارث وأُم ضيغم عبيدة بنت مهلهل. إلا أن أبا حزم جعل زوج عبيدة من أحفاد معاوية بن الحارث فقال: ومن بني يزيد بن حرب بن علة ابن جلد بن مَالك " مذحج ": معاوية بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن منبه بن يزيد بن حرب بن علي الذي تزوج بنت مهلهل بن رييعة التغلبي بنجران ومهرها أدمَا فقال في ذلك أبوها
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا اْلأَرَاقِمَ، في ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطِبُهَا ... ضُرِّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
стр. 13
٣ - سبب دخول عَبْدَةَ في جنب أنهم من ذرية ضيغم بن معاوية بن الحارث وحده منبه بن يزيد بن حرب أحد الأخوة الذين شملتهم التسمية بجنب. قال ابن حزم: ولد يزيد بن حرب بن عُلَةَ بن جَلْدِ ابن مَالك " مذحج ": منبه والحارث، والغلي، وسنحان، وهفان، وشِمران، تحالف هؤلاء الستة على ولد أخيهم صُدَاء ابن يزيد، فسموا جَنْباً، مع بني عمهم بني سعد العشيرة بن مَالك بن عُلَةَ بن جلد بن مَالك، وهو مذحج. ونقل العزاوي عن كتاب " مجمع الأنساب " أن عَبْدَةَ من شمر. قال أبو عبد الرحمن: ونص ابن مغيرة يوافق نص السلطان عمر بن يوسف بن رسول. وقد جاء في هذا النص أن آل ضيغم كانوا إلى آخر القرن السابع - وهو عصر ابن رسول - لا يزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج، ونسبهم إلى جنب، وذكر وجهاً آخر في نسبتهم إلى عنز بن وائل من نزار، وأنهم دخلَوْا في جنبٍ لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل تزوجها روح بن مدرك. ولا ريب أن الَمْعروف الآن بين عَبْدَةَ انتسابهم إلى ضيغم، وعلى ذلك شواهد من الشعر العامي. وقد أفادني شيخي علامة الجزيرة حمد الجاسر - حفظه الله - أن شارل هوبر نقل عن عبيد بن علي بن رشيد خبر انتقال أجداده من الجنوب إلى الجبلين بمَا يشبه قصة انتقال طيء من وادي طَرِيْبٍ في الجنوب إلى الجبلين. فهذا يعني تسليم آل رشيد بأنهم آل ضيغم. وقد نقلت الليدي آن بلنت عن محمد بن رشيد أن شمراً الذين في الجزيرة وشمراً أتباعه يعدون أنفسهم أقرباء قرابة رحم وقال: إن دمَاء خيولنا واحدة. قال أبو عبد الرحمن: وثمة رأي طريف ينسب الجربان إلى آل فضل وهو مَا جاء في كتاب " كنز الأنساب " نقلا عن مجلة " لغة العرب " البغدادية بعنوان بنو تغلب العدنانية. ثم إنني سألت بعد ذلك أحد الشيوخ الكبار وهو الشيخ مجول الجرباء، رئيس عشاير شمر عن تغلب وهل لها بقية موجودة في الديار الشمَالية فلَمْ يذكر لي من ذلك شيئاً، بل تعذر عليه تعيين البطن معتذراً عن ذلك بتغير الأسمَاء عليه، ولَمْ ينف بالَمْرة وجود بقية منهم، فلَمْا ذكرت له الفضول طابت نفسه، وارتاح لهذا الاسم كثيراً، وكأنه كان نائمَا فاستيقظ ثم قال: إنه قريب من الصواب، ثم فكر هنيهة وقال: بل هو الصواب عينه، وعد لي منهم مطلق وبُنَيَّةَ الجرباء، رؤساء شمر أي الجد الأول الَمْؤسس لإمَارة شمر في جبل طيء، وكان ذلك في حين نبوغ أول رجالها الَمْشهورين بهذا الاسم. وذكر بعد ذلك أشياء تدل على صدق قوله، ثم قال: الفضول اندمجوا في القبائل، وتشتتوا في البلاد، وأورد أدلة عديدة على تأييد كلامه هذا. وقال أبو عبد الرحمن: هذه إفادة انتسختها من أوراق شيخي حمد الجاسر ثم راجعت مجلة " لغة العرب " فوجدت كاتب هذا البحث الأستاذ سليمَان الدخيل ﵀. يذكر أن سالَمْا الجرباء جد مطلق وبُنَيَّةَ الجرباء. قال أبو عبد الرحمن: ويا ليت الدخيل أورد هذه الأدلة العديدة؟! وعلى أي حال فهذا العاصي أحد مشايخ آل الجرباء يلَمْح إلى أصل رحلتهم بهذا البيت من إحدى أُحْدِيَّاتِه على الخيل:
ترْ لاَبِتِكْ غَوْشَ الْيِمَنْ ... مَا هُم مجمَّعْ مِنْ بَلَدْ
رحلة الضياغم من الجنوب إلى الشمَال
ولرحلة الضياغم من الجنوب إلى الجبلين شواهد من مَاثور العامة، ومن نصوص الَمْؤرخين كنص ابن رسول. وعن هذه الَمْرحلة قال الدكتور العثيمين مَا موجزه: كانت عشيرة عَبْدَةَ تسكن إحدى جهات جنوب الجزيرة، ثم هاجرت حتى حلت بجبل شمر، وهذه الهجرة منذ أكثر منذ أربعة قرون. وكان أُمراءُ الجبل قبل هجرة عَبْدَةَ من قبيلة زُبيد، فتغلبت عَبْدَةَ عليهم حتى أجلَوْهم،،وآخر زعمَائهم بَهِيْجُ، وفي ذلك يقول أحد شعراء شمر فيمَا بعد:
قَبْلك بَهِيْجِ حَدَّروه السَّنَاعِيْس ... من عِقْدِةَ اللِّي مَا يْحَدَّرْ قَنَاهَا
стр. 14
قال أبو عبد الرحمن: يفهم من هذا النص أن رحيل عَبْدَةَ من الجنوب إلى جبل طيء في الشمَال كان في حدود القرن العاشر وهكذا يفهم من نص للشيخ العبودي سيأتي. ويفهم من نص لابن حاتم - سيأتي - أن رحيلهم في منتصف القرن التاسع. ولَوْ استطعنا أن نصل نسب عرار بن شهوان بن صيغم بضيغم بن منيف الذي ذكره ابن رسول لاستطعنا تحديد التاريخ لرحيلهم بشكل أدق. ولَوْ افترضنا أن عراراً هو عرار بن شهوان بن منصور بن ضيغم بن منيف لكان رحيلهم في أول القرن الثامن الهجري تقريباً، لأن ابن رسول الَمْتوفي سنة ٦٩٤ ذكر أن ذرية منيف ابن ضيغم لا تزال في الجنوب وعلى ضوء ذلك نجعل عصر كل فرد من سلسلة النسب منذ عرار إلى منيف ثلاثين عامَا ونضم الناتج إلى سبعة قرون توفى ابن رسول في نهايتها. وعن رحيلهم ذكر الشيخ سعد بن جُنَيْدِل قصيدةً لفارس ابن شهوان الضيغمي، ذكر أنه رسم طريق ارتحال قبيلته من بلادهم إلى نجد، ورتب منازل طريقهم ترتيباً دقيقا قال فيها يذكر الْقُوَيْع:
وْلَيْلٍ في السِّرْدَاحْ لاعَلّهَ الْحَيَا ... هشِيْمِه وَقِّاف وْحَمْضِهْ بَادْ
وْوَطَّيْتهَا وَادي الْقُوَيْع تَعمِّدْ ... تَمَنَّيْتهَا لَوْلا الْهَيَامِ بْلادْ
ولَيْلٍ بَالْحَدْبَا لاَعِمِرْ جَالْهَا ... شَدَّوْا وْخَلَوْا في الَمْرَاحْ سُوَادْ
وقال في موضع آخر: وقال شاعر من الضياغم وهو يرسم طريق هجرتهم:
ليل في الْقِمْرا ولَيْلٍ في الرَّكَا ... ولَيْلٍ في حَزْمَ الْحَصَاةِ شْدَادْ
ولَيْلَةْ وَرَدْنَا مَاسَل وْمِوَيْسِلْ ... وْجِيْهَ الَمْغَارِفْ كِنِّهِنّ جْدَاد
ثم ذكر بعد هذين البيتين ثلاثة الأبيات الآنفة الذكر وذكر في موضع آخر أنهمَا لفارس بنم شهوان الضيغمي وقد مر به قومه في طريق هجرتهم إلى شمَال نجد. وذكر شيخنا حمد الجاسر مؤلفاً حديثاُ - ولَمْ يذكر اسمه ولا اسم مؤلفه - تحدث عن نجائب من الخيل تدعى الُّهْمَ الشهوانيات. قال الشيخ حمد: جاء في هذا الَمْؤلف: شهوان عبيدة أي من قحطان وسميت باسم راعيها شهوان أبو عرار أخو راشد عم عمير. ثم قال: وأورد أخباراً عن هذه الخيل وشعراً لشهوان أبو عرار جاء فيه:
لَنا مَنْزل مَا بَيْنَ الافْلاج والْحَسَا ... ومَا بَيْنَ صنْعا والسّليل وحود
إلى حَوْدَرُوا يَبْغُونَ الاَسْعَار بالقرى ... حَدَرْنَا على مِثْلَ الْغمَامَ السوْدْ
كبار الشُّوادِي مَيرنَا منْ زْرُوْعها ... غَرَايْرٍ بلا حَطَبْ ولا وُقوْد
إالى حافها سبع الخلا بات جايع ... بباطنها مثل النسور لبود
تمنيب من حطمَات الليالي لعلنا ... ندرك بعض يا أبو ربيع حمود
ان صار مَالك من دراعيك نجده ... فشر بك باعضاد الرجال يكود
وقال الشيخ حمد: إنه أورد أشهاراً لعرار بن شهوان وأخباراً تتعلق بخيله. وذكر الشيخ محمد العبودي معركة بين آل ضيغم وسلطان مَارد، قتل فيها حُميدان بن راشد بن ضيغم، ابن عم عرار ابن شهوان، وسلطان مَارد معاً. وقال في ذلك عمير بن راشد قصيدة مطلعها:
تَهَيَّا لْنَا عِنْدَ أبْرَقَ السَّيْحْ عَرْكَةْ ... تَمَنَّى بْهَا حضارَ الرجال غيَابْ
وحدد عصر هذا الشعر بأنه بعد عصر الشاعر جرير بحوالي تسعة قرون. ويذكر الأستاذ عبد الله بن خالد الحاتم أن عرار بن شهوان آل ضيغم جد آل رشيد أُمراء حائل وأنه عاش سنة ٨٥٠هـ. وذكر له قصيدة يتشوق فيها إلى نجد، ويفهم منها أن ابن عمه عمير بن راشد موجود بنجد، فممَا ورد من هذه القصيدة قوله:
يقول عرارٍ قول من ضَلّ مُوْقِف ... عَلى الدار يَرْثِي بالدموعَ الذِّرَايف
قَلِيْلَ الجداَ منْ دِمْنِه هدّ رَسْمَهْ ... مَزاعِيج هُوْجَ الذَّارْيَاتَ الْعواصِفْ
لَكِنّي بْها مَا ريْتْ خِيمْ ظلايلْ ... مَحَتْهَا صروفٍ للْعَوادِي قَرَايف
إلى أن قال:
فَلاَ وَاعَلاَ لَوْلاَ التَّمَنِّي سمَاجهْ ... أَوْقَف بنَجْد آمن غير خايف
стр. 15
وَالْقى عُمَيْرٍ بَالْعْذَيْبَهْ مُوَقِّفْ ... على شَلْشل بيْضَ الجمَال الشَّرايفْ
ومن الأخبار التي يتناقلها السمَار مَا حدثني به الشيخ إبراهيم ابن عثمَان أن فارس بن شهوان سكن معه والده بوادي الدواسر، فكان يعطي جارته من صيده وغنائمه، فتطور ذلك إلى أن أظهرت له الَوْد، فلَمْ يستجب لذلك، إكرامَا لجاره، فلَمْا رأت انصرافه عنها أظهرت لَوْالده أنه يُسِيْءٌ إليها، فلَمْا التآثر في وجه والده رحل مع من خف معه من قومه وممَاليكه، فأرسل شهوان عَبْدَةَ عمَاراً ليرافق فارساً، ويعرف اتجاهه، فلَمْا أحس فارس بمرافقة عمَار له صار يأخذ بيض نعام، فكلَمْا نزل منزلاً أظهر بيضة وملأها مَاءً، ووضع بجنبه تمراً ودفنها تحت مبرك ناقته حتى نزل منزلاً قريباً من ظفار سمى فارسا باسمه. وبعد ذلك أمر عمَاراً أن يعود إلى والده، ووصف له مدافن بيض النعام، لتكون له زاداً ومعالَمْ لطريقه، وقال بهذه الَمْناسبة قصيدة مطلعها:
عَمَار عَلِّك عن ذَا تنثني ... من يَمّ شْهوان عزيز جار
ويزيدنا عبد الجبار الراوي تفصيلاً فيذكر أن شمراً قتلت بهيجا شيخ العبيد فهاجرت العبيد إلى جزيرة العراق. وقد أشارت شَمَّرُ على بهيج أن يدخل على شيوخ شمر، ويصالحهم فأبى ذلك وقال:
يقول بهيج بن ذبيانٍ مثايلْ ... ودَمْعِه على الاملاك دُوْنَ الشَّلايلْ
جَلَوْنَا عنْ ديارنا الْعَذِبَّات شَمَّرْ ... قَرَاح وبرْدِ مَا، يدْاوي الغلايِلْ
ونَحَّيْنا رقاب الْقُوْد عنهم وغربنا ... وعين الزُّبَيْديُّات لنجد مَايِلْ
لاَ صارْ مَا عِدْل يُعادِلْ عَدِيْلَهْ ... مَا ينقعد بالدارْ والشَّيْلْ مَايلْ
ولاَ صَارْ مَاحقَّ الفتى بِذرَاعِهْ ... هَبَّيْتْ يا حُكْم يِجِى بَالدَّاخايِلْ
صبَّار على الزهدة بِسُوّ فعلهم ... بالنسب مَا يوجد لهم بالقبايِلْ
لئام لَوْ حَجَّجُتُهُمْ كعبة الرضا ... يجازونك عنها البايرات الفسايِلْ
رحيل آل الجرباء إلى العراق
стр. 16
وآل الجرباء هم زعمَاء شمر ورؤساء الجبل، وأبعد ذكر لهم وجدته عن وفاة اثنين منهم عام ١١٠٠هـ وعام ١١٠٣هـ وقد رحلَوْا من نجد عام ١٢٠٥هـ بعد هزيمتهم أمَام ابن سعود فبنوا زعامتهم في العراق وسوريا. قال حسين خزعل: وكانت الرئاسة العامة لشمر في اُسرة الجرباء من بطن سِنْجَارة، وقد أجلاهم الأمير سعود ابن عبد العزيز عن ديارهم عام ١٢٠٥هـ بعد أن نازلهم قرب مدينة حائل وقتل مصلط بن مطلق. وسار مطلق من جبل شمر إلى العراق وبر الشام، ورافق أحمد باشا الجزار إلى الحج، ثم أقام في بادية السمَاوة من العراق. أمَا عن رحيل آل الجرباء فيذكر عباس العزاوي أن آل محمد الجرباء أُمراء شمر برئاسة فارس الجرباء مَالَوْا إلى العراق في أوائل القرن الثالث عشر الهجري. ويزيدنا يوسف البسام تفصيلاً فيقول: ويعرف رؤساء شمر السابقون بآل محمد وآخرهم فارس الجرباء وقد لقب بالجرباء نسبة لأُمه التي ابتليت بمرض الجدري، واصبحت جرباء على أثر هذا الَمْرض. وعلى عهد الأمير محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى وابنه الإمَام عبد العزيز نزح فارس الجرباء من جبل شمر واستوطن بادية الجزيرة في العراق بين دجلة والفرات، وذلك بعد أن انقطعت الأمطار مدة طويلة وأجدبت الأرض. وعلى أثر نزوح فارس الجرباء تبعه الكثير من شمر واستقروا في العراق ولا يزالَوْن حتى الآن وتولى أمر جبل شمر آل علي. وذكر عبد الجبار الراوي أن نجداً أصابها محل، فاضطر شيخ عشيرة شمر فارس إلى الهجرة مع أربعين بيتاً من قومه، طلباً للَمْرعى، حتى وصل إلى جزيرة العراق، فنزل جاراً على عشائر العبيد، ثم ذكر قصة شبه خرافية، لا سيمَا مَا يتعلق برثاثة شمر في حين أنه من الَمْعروف عند أهل نجد شهرة قبائل الشمَال - وبالأخص الشمَامرة - باللباس الأنيق والَمْظهر الباذخ. وذكر في موضع آخر أن أول من رحل من نجد إلى الجزيرة في العراق هو فارس الجرباء، وأنه الرئيس الأول لآل محمد ثم ذكر بنيه وأحفاده. وذكر أن فارساً لقب بالجرباء نسبة إلى أُمه، التي ابتليت بالجدري، فسميت به وإن كانت قد شفيت من هذا الَمْرض. قال أبو عبد الرحمن: ولا بأس من سياق هذه القصة التي أوردها الراوي. قال: أصاب نجداً محل، اضطر شيخ عشيرة شمر حينئذ فارساً إلى الهجرة مع أربعين بيتاً من بيوت الشعر، طلباً للَمْرعى، ومضى سائراً حتى بلغ الجزيرة، فنزل قصيراً " أي مجاوراً " على عشائر العبيد، التي أضافته، وأولَمْت له وليمة كبيرة دعت إليها رئيس عشائر طيء والجبور، وكان الَمْهاجرون من شمر في ثياب رثة، يعلَوْها الَوْسخ، بحيث اشمَازَّ الَمْدعوون منها فتناولَوْا الطعام على كره منهم، وقد خُيِّل إليهم أن هؤلاء الَمْهاجرين هم من عشيرتي صُلُبة، أو هُتيم اللتين يعدهمَا البدو من العشائر الحقيرة، ولَمْا شعر فارس شيخ شمر بمَا بدا على وجوه رؤساء العبيد وطيء والجبور، من الاشمئزاز، أراد أن يثبت لَمْضيفيه أنه هو وعشيرته من النبل والكرم بحيث يضرب بهمَا الَمْثل، فقرر أن يقابل الَوْليمة بمثلها، ودعا رؤساء العبيد وطيء والجبور، لتناول الطعام عنده، إلا أن هؤلاء ترددوا في قبول الدعوة، اعتقاداً منهم بأن هؤلاء ليسوا أهلاً لإجابه دعوتهم، وحضور وليمتهم، ولكنهم بعد لأْيٍ أجابوا الدعوه على مضض، فرأوا الَمْناسف - جمع منسف وهو مَا يوضع فيه الطعام - وقد ملئت بالطعام واللحم، إذ نحر لهم جُزُرَا، وكانت الَمْناسف من الضخامة بحيث علقت بها السكاكين لتساعد كبار السن على تقطيع اللحوم. وضخامة الَمْناسف تدل عند البدو دلالة قاطعةً على عظمة صاحبها، ولذلك حسبوا لهؤلاء النازلين ألف حساب، خوفاً على أنفسهم، لاعتقادهم أن وراء هذه الَمْناسف عشائر كبيرة العدد، فقرروا أن يغتالَوْا فارساً وجمَاعته قبل أن تصل إليه عشائره. كانت وليمة الشيخ فارس باعثةً للشيوخ الثلاثة على التآمر لقتل فارس ورهطه، كمَا أسلفنا، إلا أن فارساً شعر بالَمْؤامرة، فطلب من نسائه أن يخلعن حليهن، ويقدمنه إلى نساء الرؤساء الثلاثة هدية، على أن يتوسطن عند أزواجهن للحيلَوْلة دون الفتك به وبأعوانه، فلبين الطلب، ووعدنهن خيراً، فلَمْا أقبل الليل لَمْ تفرش نساء زعمَاء عبيد وطيء والجبور الفرش - وهي عند العرب علامة يستدل منها الرجال على حدوث أُمور خطيرة -، فسئلن عن السبب، فطلبن الأمَان للَمْهاجرين
стр. 17
النازلين
стр. 18
فأُعطين الأمَان، وأُجبن إلى مَا أَردن، فمدت الفرش وهكذا تمكنت جمَاعة فارس من الاستيطان في الجزيرة، والاستقرار فيها، ثم إن فارساً قطع نمَاذج من جميع الأعشاب والحشائش التي تنبت في الجزيرة، وملأ منها زكيبةً وأرسلها مع أعوانه إلى عشيرته في نجد، قاصداً بذلك إخبارهم بأنواع الحشائش الَمْمتازة للرعي، في الأرض التي نزح إليها، حاثا إياهم على اللحاق به، فمَا لبثت عشائر شمر أن لبت طلبه، ورحلت إليه جمَاعات، لا تقل كل جمَاعة منها عن خمسين بيتاً، فتكاثرت شمر، وحدث مَا كان يخشاه رؤساء العبيد وطيء والجبور، فأورث هذا الأمر نزاعاً بين هؤلاء بالاتفاق مع الصايح من جهة وبين شمر من جهة أخرى، على أرض الجزيرة التي نزلَوْها، ونشب قتال دام تسعين يومَا، انتصرت فيه شمر، وأجبرت عشائر الصايح والعبيد وطيء على الجلاء، عن أمَاكنها في الجزيرة، فعبرت الصايح دجلة، متجهة نحو الحويجة، فاتخذتها منازل لها، وانتقلت طيء من مكانها، وجعلت مساكنها غرب سنجار، أمَا الجبور فقد سكنوا منطقة الخابور، وهكذا خلا الجو لشمر في الجزيرة، وتمت لها السيطرة على أطرافها ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو: أُعطين الأمَان، وأُجبن إلى مَا أَردن، فمدت الفرش وهكذا تمكنت جمَاعة فارس من الاستيطان في الجزيرة، والاستقرار فيها، ثم إن فارساً قطع نمَاذج من جميع الأعشاب والحشائش التي تنبت في الجزيرة، وملأ منها زكيبةً وأرسلها مع أعوانه إلى عشيرته في نجد، قاصداً بذلك إخبارهم بأنواع الحشائش الَمْمتازة للرعي، في الأرض التي نزح إليها، حاثا إياهم على اللحاق به، فمَا لبثت عشائر شمر أن لبت طلبه، ورحلت إليه جمَاعات، لا تقل كل جمَاعة منها عن خمسين بيتاً، فتكاثرت شمر، وحدث مَا كان يخشاه رؤساء العبيد وطيء والجبور، فأورث هذا الأمر نزاعاً بين هؤلاء بالاتفاق مع الصايح من جهة وبين شمر من جهة أخرى، على أرض الجزيرة التي نزلَوْها، ونشب قتال دام تسعين يومَا، انتصرت فيه شمر، وأجبرت عشائر الصايح والعبيد وطيء على الجلاء، عن أمَاكنها في الجزيرة، فعبرت الصايح دجلة، متجهة نحو الحويجة، فاتخذتها منازل لها، وانتقلت طيء من مكانها، وجعلت مساكنها غرب سنجار، أمَا الجبور فقد سكنوا منطقة الخابور، وهكذا خلا الجو لشمر في الجزيرة، وتمت لها السيطرة على أطرافها
стр. 19
ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو: ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو:
стр. 20
أ - ليس من البعيد أن آل محمد لقبوا بآل الجرباء لأن أُمهم أُصيبت بالجدري، إلا أن فارساُ ليس أول من لقب بذلك كمَا زعم يوسف البسام والراوي، لأنني وجدت هذا اللقب مستعملا قبل مولد فارس بن محمد الجرباء بعشرات السنين، فقد ذكر مؤرخو نجد في أحداث سنة ١١٠٠هـ قتل عمَار الجرباء. وذكروا في أحداث سنة ١١٠٣هـ أو ١١٠٤ قتل مصلط الجرباء.
ب - لَمْ يرحل آل الجرباء بسبب الَمْحل، بل رحلَوْا بسبب هزيمتهم أمَام آل سعود كمَا سيأتي بيان ذلك في الأحداث التاريخية. ولَمْ يرحلَوْا بزعامة فارس وإنمَا رحلَوْا بزعامة أخيه مطلق، يصحبه أخوه فارس وقرينيس. ولكن الَمْؤرخين العراقيين لَمْا رأوا أن الإمَارة في ذرية فارس ظنوا أن شمراً رحلت بزعامته. وإنمَا كان فارس زعيمَا قبل ابنه صفوق ولعل من أحفاده فارس الَمْذكور في عهد محمد بن عبد الله بن رشيد.
ج - سكنوا في جزيرة العراق بين ثلاثة أنهر وهي دجلة من الشمَال والشرق والفرات من الجنوب والخابور من الغرب. ونزح قسم آخر إلى جزيرة سوريا جنوب الفرات غربي الخابور. ومشايخ عشائر سنجارة في سوريا أبناء عم آل محمد وتعدادهم في عَبْدَةَ على الأصح الَمْشهور.
د - منذ رحل آل محمد بقوا هناك بقاء استقرارٍ، أمَا عشائرهم فهم لا يزالَوْن رُحلاً بين العراق ونجد، إلا أن أقاربهم الأدنين بقوا هناك، كمَا أن جمهرة عَبْدَةَ بقيت هناك أيضاً، إلا من لَمْ يؤثر العودة إلى جزيرة العراق بعد عودتهم إلى نجد. وعن قصة عودتهم إلى نجد بعد رحيلهم إلى الجزيرة نجد إشارتين: أولاهمَا: في سنة ١٢٢٤هـ بعد انهزام شمر أمَام الظفير، في جزيرة العراق كاتبوا الإمَام سعوداً فأذن لهم وظهروا إلى نجد.
وأُخراهمَا: سنة ١٢٣١هـ بعد قتل زعيمهم بُنَيَّةَ بن قرينيس، جلَوْا من الجزيرة ونازلَوْا قومهم في الجبل.
هـ - ذكر يوسف البسام في النص الآنف الذكر أن فارس الجرباء نزح من جبل شمر، واستوطن بادية الجزيرة في العراق، وذلك بعد أن انقطعت الأمطار مدة طويلة، وعلى أثر نزوح فارس تبعه الكثيرون من شمر واستقروا في العراق وذلك في عهد الإمَام محمد بن سعود وابنه عبد العزيز. ووصف فارساً بأنه آخر آل محمد رئاسة في نجد. قال أبو عبد الرحمن: إنمَا كانت رحلتهم في آخر عهد الإمَام عبد العزيز حيث أجلاهم ابنه سعود، ولَوْلا أنه قال " واستقروا " لقلت: يحتمل أن شمراً رحلت مع فارس بسبب الجدب في عهد محمد بن سعود ثم رحلت جالية في عهد سعود.
стр. 21
و - من الَمْعروف الَمْشهور بين الَمْؤرخين أن زعامة الجبل لآل الجرباء بادية وحاضرة ثم لآل علي ثم لآل الرشيد بيد أن الدكتور العثيمين يأبى ذلك. قال متعقباً الريحاني: ولعله أدق لَوْ قيل: إن الجرباء كان زعيم بادية جبل شمر، لأن إمَارة حاضرة الجبل " حائل " كانت لآل علي قبل انضمَام الَمْنطقة إلى آل سعود. ولَمْ يرتض الدكتور رأي " هوجارث " في قوله بأن عبد الله ابن رشيد زعيمَا لقبائل شمر. ولَمْ يرتض قول الفاخري عن عبد الله بن رشيد " رئيس بادية شمر ". قال أبو عبد الرحمن: حيثمَا أطلق الجبل فإنمَا يراد به سكانه من بادية وحاضرة. وزعامة آل الجرباء للجبل إنمَا هي زعامة لكافة قبائل شمر كزعامة ابن ربيعان مثلا لكافة قبائل عتيبة وكزعامة ابن هادي لكافة قبائل قحطان. وهذا لا يمنع من وجود إمَارة لخاصة الحاضرة، وأن آل الجرباء لا يهتمون بخاصة الحاضرة، إلا أن الرابطة بين الحاضرة والبادية الغارات والَمْغازي والقرابة من ناحية النسب " أو الَوْلاء في الأغلب الأعم ". لهذا فالحاضرة تبع لراية آل الجرباء. ثم تحولت زعامة الجبل بادية وحاضرة من شيخ كافة البادية التقليدي وهو الجرباء إلى أمير خاصة الحاضرة وهو ابن علي. وليس من شرط هذا التحول أن يكون مقراً في عرف مشيخة البادية أو أن تكون قبائل شمر مذعنة لهذا التحول. وإنمَا تم هذا التحول من ولي الأمر الحاكم من آل سعود، فهو الذي اختار أن تكون زعامة الجبل بادية وحاضرة لابن علي، ثم لابن رشيد، بحيث يعتبر من شذ عن هذه الطاعة من قبائل شمر متمرداً. وعلى هذا دلائل: منها أن أمَارة آل علي لَمْ تسبق عهد آل سعود كمَا قال الدكتور العثيمين، فقد بينت في حديثي عن آل علي أن قبيلة شمر دانت للدعوة قبل عام ١١٧٨هـ بناء على نص من " لَمْع الشهاب ". ومنها أن الشيخ عقاب بن عجل نزح من حائل لأن شمراً أبت الاعتراف بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل رشيد، فهذا دليل على أن ابن رشيد زعيم الكافة من باديته. ومنها أن حاضرة حائل حاربت مطلق الجرباء وباديته وكاتبت الإمَام عبد العزيز تخبره بأن مطلقاً نكث فهذه الأحداث تدل على أن لأمير الحاضرة زعامة رسمية على البادية تطالب بها وتقاتل عليها. ومنها أن قبائل شمر الَمْوجودة بنجد شاركت في غزوات آل سعود، ولَمْ نر الراية معقودة لأحد مشايخ شمر، وإنمَا كانت القيادة لابن علي أو ابن رشيد. وقال الدكتور شفيق الكمَالي تعليقاً على نص ل " دائرة الَمْعارف الإسلامية " في مَادة بلاد العرب حول دفع طيء وزبيد " الخوة " لشمر: أمَا عدم دفع " الخوة " فصحيح، وقد استبدلت " الخوة " حين دخول فارس الجرباء إلى الجزيرة بالَمْصاهرة، فقد زوج ابنه صفوق من عمشة ابنة شيخ طيء، وكان ذلك في حدود عام ١٢٢٥هـ. قال أبو عبد الرحمن: ولعل تواريخ الحجاز تكشف لنا عن تاريخ الضياغم، فقد رأيت عراراً يذكر الأشراف في شعره، كمَا رأيت العصامي يذكر وقعة بين الأشراف وشمر كمَا يذكر أن الشريف إدريس الذي نافسه ابن عمه محسن يموت في جبل شمر ويدفن بياطب سنة ١٠٣٣.
ويذكر مصطفى مراد الدباغ أنه من الَمْحتمل أن قرية جربا من عمل جنين في فلسطين وجرباء في شرقي الأردن تنسبان إلى قبائل الجربة الشمرية العراقية نزلتها وطبعت اسمها عليها. قال أبو عبد الرحمن: وليلاحظ أن آل محمد من آل الجرباء دون العكس، وأن آل محمد لا تشمل آل الجرباء وإنمَا تقتصر على ذرية محمد بن سالَمْ الجرباء. وَلِسُؤدُدِ آل الجرباء صارت بادية شمر في العراق تسمى شمر الجرباء. وبقى آل الجرباء على ذكر من أهل نجد يقصدهم الشعراء وينالَوْن منحهم ويستفزع بهم أبناء عمهم في شمَال نجد. وبعكس ذلك وجد في شمر الجزيرة من يتشوق إلى نجد فهذا شاعر من شمر، يتبرم من شيعة العراق ويتشوق إلى حائل فيقول:
ياعَون منْ طَالِعِكْ يا بَرْزَانْ ... ونام بَاشْنَاقِكْ هَني
ياعَون منْ فارِقكْ يَا الْبِرْغُوْثْ ... وفرَاق عَبَّادَةْ علِى
من أحداث آل الجرباء التاريخية
стр. 22
أ - في سنة ١٢٠٥هـ جهز شريف مكة غالب بن مساعد أخاه عبد العزيز، بجيش اشتركت فيه بعض البوادي، لَمْهاجمة الدرعية، ثم خرج غالب بجيش عظيم، لأمداد أخيه، ثم لَمْا انهزمَا بعد محاصرتهمَا لبلد الشعراء، بدأ سعود بن عبد العزيز يغير على القبائل التي تمردت، وانضمت إلى الشريف، ومن هؤلاء مُطَيْرٍ وشَمَّر، كانوا على الَمْاء الَمْعروف بِالْعُدْوَةِ لشمر، قرب حائل، ورئيسهم حصان إبليس. وقد قصدهم الإمَام سعود في هذا الَمْكان، فهزمهم، وقُتل في الَمْعركة رئيسهم مسعود " حصان إبليس " وسمرة "؟ " الَمْشهور رئيس العبيات من مُطَيْرٍ، وأبو هُليبة من مُطَيْرٍ. وكانت هذه الَوْقعة في آخر ذي الحجة من هذا العام. إلا أن هؤلاء القوم بعد انهزامهم استنفروا بقية قبائلهم، وأرسلَوْا إلى سعود يدعونه للَمْنازلة، وينذرونه بمسيرهم إليه، وكان في مكانه بالعدوة، يقسم الغنائم، فثبت لهم بعد مَا وصلَوْا إليه بزعامة مسلط بن مطلق الجرباء، الذي نذر أن يخترق " صيوان " سعودٍ بفرسه. وقد أرخى مسلط عنان فرسه ليتم نذره، فاختطفه قوم سعود بعد مَا ضربه رجل بعود يشوي به القرص، فطرحه عن جواده، ومن ثم قُتل وأنهزم اتباعه. وكانوا عندمَا قدموا عليه أقبلَوْا مقرنين إبلهم، فثبت لهم سعود وجيشه، وأوقدوا فيهم وفي إبلهم بالرصاص، فلَمْا انهزموا تركوا إبلهم مقرنة بالحبال، فغنم منهم سعود أحد عشر ألف بعير، وأكثر من ألف من الغنم، وتبع أثرهم يومين يأخذ الأموال ويقتل الرجال. وقد كان مطلق الجرباء والد مسلط، يرى التريث في مهاجمة آل سعود، بعد هزيمتهم الأولى بالعدوة، ويقال: إن هذه القصيدة لَمْسلط الجرباء قيلت في هذه الَمْناسبة:
عَدَّيتْ روس مْشَمْرخاتَ الَمْراقيبْ ... رِجْمٍ طويلٍ نايْفٍ مِقْلِحِزِّ
جرَّيْتَ صوتٍ مثل مَاجَرّه الذيْبْ ... أَوْجِسْ ضميري من ضلَوْعي يِنز
خوفي من اللِّيْ روُسهم كالْجعابِيْبْ ... وسيفٍ على غيرَ الَمْفاصِلَ يِجِز
لا صار مَانَاتِي سْواةَ الجلالِيبْ ... بْقَلاَيْعٍ بَايْمَاننا لَهْ نِخِزِّ
احسن تصبَّر واجمل الصبر بالطيبْ ... هذِي حياةٍ كلّ ابوها تَلَزِّيْ
والحر لا صكَّتْ عليه الَمْغاليبْ ... ملزوم عن دار الَمْذلة ينِزِّ
قال أبو عبد الرحمن: البيت الأخير إيذان بالجلاء من جبل شمر، ومَا كان في نية مسلط الجلاء، والأشبه أن يكون هذا الشعر لَمْطلق الجرباء وال مسلط، وهذا مَا حصل بالفعل فبعد هزيمة شمر، وقتل مسلط، رحلت شمر بزعامة مطلق الجرباء إلى العراق، فاستقرت في منطقة الجزيرة وأصبح لها نفوذ قوي هناك. وقال ابن سند بأُسلَوْبه الأدبي العاطفي: وله أيام منها العدوة لسعود بن عبد العزيز عليه، وفي ذلك اليوم قتل ابنه مسلط، وكان شجاعاً هزبراً طاعن ذلك اليوم حتى كف كل رعيل، وقرى كل ذابل وصقيل، كيف ومطلق أبوه ذلك الباسل، ومحمد جده الذي تحامَاه القنابل، وأمَا مطلق فإنه في ذلك اليوم هزم الكتائب، وأروى من دم الفرسان كل سنان وقاضب:
قومٌ إذَا حَرَبُوا فآسادُ الشِّرَى ... وإذا هُمُ أَعْطَوْا فَأَبْحُرُ جُوْدِ
ياعيْن إِنْ مَاتُوا فقد مَاتَ النَّدَى ... فعليهم حُزْناً بِدَمْعِكِ جُودِي
خَاضوا الَوْغَا بصوارم وشياظم ... قُبِّ الْبُطُوْنِ، تَؤُمُّ جَيْشَ " سُعُوْدِ "
فتفرقتْ منه الْكَمَاةُ كَأنَّهمْ ... نَقَدٌ نوافِرُ منْ زَئِيْر أُسُوْدِ
لاَقَاهُمُ الأَسدُ الضُبَارِمُ " مطلقٌ " ... فتعلقوا بشليل كلِّ قَعَوْدِ
فلَمْا ضاقت على سعود الأوهاد والنجود، خان ابن هذال فلَمْ يكن لَمْطلق مجال، فنكص على العقب وهو يطاعن ذلك الجيش اللجب.
كلَمْا كَرَّ على فُرْسَانِهِ ... هربوا منه كَشَاةٍ مِنْ أَسَدْ
مَا رَأَوْا صَيْلَمْةً إلا رَأَوْا ... هَرَباً مِنْهُ وَإنْ كانَ أَسَدْ
стр. 23
فمَا زلَوْا معه على كر وفر، ومضاربة بكل صارم ذكر، حتى سئموا من الَمْضاربة، فرجعوا بصفقة خائبة، ونجا هو وبنو عمه، وباء الخائن بخزيه وإثمه، فأناخ رجاله في بادية العراق، إلى أن اخضر عيشه وراق. ووجدت في كراسات الشيخ منديل هذه الأبيات لزوجة مطلق ترثى مسلطاً وأباه:
ونَّيتْ وَنَّة من شَلَع ضِرْسِه الْقَازْ ... اللِّي صبر لَلْجزْ يَجْذبْ مِنْينِهْ
عليكْ يا حَامِي الَمْظَاهِير، طهْمَازْ ... لَجَّتْ فَرَاقِيْنَ الْعَرَبْ فَاقْدِيْنِهْ
جانا عقابٍ فَرَّقَ الْحُرّ والْبازْ ... وَغَدا بْصَيَّادَ الْحَبَارِي حَثِيْنهْ
الدمع من عيني يِجِيْ فَرْد واجْوَازْ ... والشَّيْب لاح بْقِذْلِتي قَبْل حِيْنِهْ
وقال صاحب " لَمْع شهاب ": ثم إن عرب الشريف الذين كانوا ملتجئين به من بداة نجد تفرقوا عنه راجعين إلى أطراف نجد، فقحطان احتاروا إلى تثليث، وعتيبة إِلى بَرِّيَّةِ مّكَّة كَرُكْبَةَ ومَا يليها، وأمَا مُطَيْر فاحتازوا إِلى أَرض شَمَّر، واتفقوا مع مُطلق الجرباء، وبادية شَمر جميعها التي في الجبل، وصار بينهم أَهل القرى التي في الجبل حرب، فأَرسل أَهلُ الجبل إِلى عبد العزيز بن سعود أَنَّ هذا مُطلق الجرباء نكث، والتجأَتْ مُطَيرْ إِليه فهذا اليوم نحاربه، وكان إِذًا شيخ مطير حسين بن وطبان رجل شجاع، فلَمْا سمع عبد العزيز بهذا الخبر بعث ولده سعود بجيش إِليهم، وعه بعض من عَنَزَةً، وكانوا أضددًا لَمْطَيْر، وعه أَيضاً بَدْو العارض: سُبيْع والعجمَان، وهذه الَمْسيرة أول معاضدته لآل سعود، وشهور شأْنه في جزيرة العرب، ثم صار له صيت كبير، وهذا الجيش يبلغ خمسة آلاف رجل " بواردي " وثمَان مئة فارس، فصبَّحَ عرباً يقال لهم البراعِصَة من مُطَيْرٍ، وزعيمهم اسمه سعود؟ يكنى بحصان الشيطان، أَو بحصان إِبليس، وهو الذي كَنَّى نفسه بهذه الكنية، وهو شجاع معدود، ومعه مئتا فارس من رفقته، فحاربوا سعوداً وقد قتل من فرسانه نفر وقد قتل حصان إِبليس وأَولاده، وأَولاد أَخيه، وأُخِذَت بيوته وأغنامهم، وكانت إِبلهم غائبة في الفلاة. وبعد هذا اشتدَّ الأَمُر على مطلق الجرباء، وحسين الدويش، وضاقت بهم الدنيا وكانا على مَاء يسمى " يا طب " عن حائل ثمَان ساعات، فأَقبلا صائلين على سعود، وعسكروا يريدون منا جزة الحرب معه، فوقعت الحروب بينهم وبين سعود، فَساقَ أولا في وجوههم حتى دفع جموعهم بها، ثم أعقبهم بالخيل والرجال، فقتل ولد مُطلق الجرباء اسمه سلطان، وانهزمت تلك البوادي، وعددهم كثير، فأَخذ أَموالهم وقتل من قتل وأُسر من أُسر، وجملة أمولهم لا تحْصَى عدا، فجلا مُطلق الجرباء إلى العراق من ذلك اليوم.
ب - في رمضان من سنة ١٢١٢هـ نازل الإمَام سعود بن عبد العزيز عرباناً كثيرة من عدة قبائل بزعامة مُطلق بن محمد الجرباء في وادي اْلأُبيِّضِ قُرْب السمَاوة بالعراق ومَا كان أَحد يقف أَمَام كَراتِ مُطلق ذكر ذلك ابن بشر وابن سند وقتل قُرَيْنِيْس أَخو مُطلق. وقال ابن سند - كمَا نقلت من أَوراق الشيخ حمد الجاسر غزا سعود بن عبد العزيز بن محمد سعود في سنة ١٢١٢ أَطراف بني الَمْنْتَفِق، فصبَّح القرية الَمْعروفة بأَم العباس، فقتل منها وممن حولها خلقاً كثيراً ونهب وحرقَّ، ثم كَرَّ راجعاً وحمود في البادية، فلَمْا بلغه الخبر جَدَّ، في السير ليدركه، كمَا أَدركه، وبعدمَا كَرَّ سعود راجعاً ووصل إلى أَطراف نجد، عطف وأغار في سنته تلك على بادية العراق، وكان مُطلق بن محمد الجرباء نازلاً في بادية العراق، فلَمْا صَبَّحهم سعود فَرَّ من فَرَّ منهم وثبت من ثبت، وقاتل جيش سعود مُطاق الجرباء، فكَرَّ الفرسان مرة بعد مرة، فكلَمْا كَرَّ على كتيبة هزمها، فحاد عن مطاعنته الشجعان، فكان من الله تعالى الذي لا يُرَدُّ أَنه كَرَّ عليهم في بعض كراته فعثرت فرسه في شاة، فسقط من ظهر فرسه فقتل، رحمه الله تعالى - وكان قتله عند سعود من أَعظم الفتوح إِلا أَنه وَدَّ أَسره دون قتله.
стр. 24
ج - في سنة ١٢٣١هـ كانت الَوْقعة بين باشا العراق وبين عدة قبائل بزعامة بُنَيَّةَ بن قرَيْنِيْس بن محمد الجرباء، ومعه فارس بن محمد، وكان الباشا قد أَجلاهم عن العراق. فَهُزِمَتْ هذه القبائل بعد قتل زعيمها بُنَيَّةَ في حادثة ممَاثلة لحادثة قتل عمه مُطلق بن محمد، وذلك أَنه لحقه فارسان فأَحسَّ بهمَا أَوْ أَنهمَا دعواه للَمْبارزة، فجذب عنان جواده جَذبةَ منكرةً ليَحرِفهَا عليهمَا، فوقعت الفرس على رأُسها ويديها، وسقطت على ظهرها، فصار تحت السرج والفرس فوقه فأُدركَ وقتل ولَعلَ سبب هذا مَا حدث سنة ١٢٢٨هـ وهو أَن أَسعد بن سليمَان باشا خاف من عبد الله باشا صاحب بغداد وهرب إلى الَمْنتفق، فلَمْا أَبى حُمُوْدُ بن ثامرٍ زعيم الَمْنتفق وبعد القتال، انحازت شَمَّرُ للَمْنُتفق، وخانت عبد الله باشا، فانهزمت العساكر العراقية. قال أبو عبد الرحمن: والعامَّةُ في نجْد تنطق الجرباء هكذا " الجربا " بدون همزة، وذلك لثقل حرف الهمزة على نطق العامة قال ابن سَنَد: وفي السنة الحادية والثلاثين بعد الَمْئتين والأَلف من الهجرة، له (عدد مَا أحاط به العلَمْ، وتَعَلَّقَت به مِن الَمْمكنات القدرة، قُتلِ بُنَيَّةَ بن قُرَينيْيس الجرباء، وأُتِيَ بِرَاْسِهِ إِلى الَوْزير سعيد. واعلَمْ أَن بُنَيَّةَ عَبَر من الجزيرة لغربي الفرات، عندمَا ولَّى وزارة بغداد سعيد باشا، لَمْا بين عمه فارس وآل عُبَيْدِ من الضغائن، لاسيمَا أَميرهم قاسم بن محمد بن عبد الله بن شاوي الْعبَيدِي، وقد كان سعيد باشا وَلَّى زمَام أَكثر أُمُورِهِ له، فلَمْا بين فارس والَمْذكور لَمْ يستقر في الجزيرة فنزل بعشيرته على خُزَاعة، في تلك السنة، ليكتال، وكان بين الدُّرَيعي الْعَنزيِ الرُّوَيلي - بضم الراء وفتح الَوْاو ولام بعدها ياء النسب - اقتفى أَثره ونزل قريباً منه، وأَرسل إِلى حمود بن ثامر، استنفر، فنفر بفرسان عشيرته لَمْساعدة الدُّرَيْعي، لَمْا بينهمَا من الائتلاف، وكذلك خرج عسكر الَوْزير سعيد، كبيرهم قاسم ابن شاوي، ومعه عُقيل - بضم العين وفتح القاف وسكون الَمْثناة التحتية - وهم عسكر للَوْزير، فقامت الحربُ على ساق وذاذ الفرسانُ، فَقَدَّر الله عليه في بعض كَرَّاتِهِ أَنْ أصابته بندقُ فَخَرَّ من صهوَة فرسه ﵀ وإيانا - وقد سمعته ينتسب إلى طيء القبيلة الَمْعروفة الَمْنسوب إليها حَاتِمُ بن عبد الله بن سعد الطائي وابنه عدي بن حاتم الطائي الصحابيُّ الجليل وهذا نص أَدبي، بأُسلَوْب عاطفي انتسخته من أَوراق شيخي حمد الجاسرنقلا عن " مطالع السعود بطيب أَخبار الَوْالي داود " لعثمَان بن سند. قال ابن سند: " د " وفي سنة ١٢٣٧هـ وقد كان أَرسل والي كَرْمَانَ مقدار أَلف من عسكره للَمْيرة من تلك الأَوطان، فلقيهم صُفُوقُ الجرباء، وقراهم طعناً وضرباً، وسقاهم بدل العْذَابِِ عَذَابأ، وجَرَّعَهم بالسيوف مُرًّا وصاباً، فقتل منهم الكثير، والباقي بين منهزم وأَسير. ثم قال بعد كلام طويل يتعلق بداود باشا: أَخبرني ثقاتُ عدَّة أَنَّ صفوقَ بن فارسٍ الجرباء غزا ابن الشاه، وعبر دِيَالةَ، بفوارس من عشيرته، إلى أَن كان من عسكر ابن الشاه بمرآة، فركب فرسان العسكر لَمْا رأََوه وكَرَّوا عليه، فاستطردهم حتى عبروا دِيالَةَ، وبعدوا عنها، فعطف هو ومن عشيرته ومن الروم عليهم، فأَدبرتِ فرسان العجم، وقفاهم فوارس شَمر، وقتلَوْا منهم من أَدركوا، وأَتوا بخيلهم وسَلَبِهِمْ - ولله الحمد والَمْنة -.وأخبرني غير واحد أَن هذه غير الأُولى التي ذكرها الَمْؤرخ التركي
أُسَرُ آل الجرباء
وبعض مشاهيرهم ٤ - بيان أسرهم، والتنويه ببعض أعلامهم قال عبد الجبار الراوي:
стр. 25
قبل تفصيل القول في فروع كل قسم من هذه الأَقسام، نسوق مقدمة عن الأُسرة الشهيرة التي أُلقيت إِليها مقاليد الرئاسة العليا في شَمَّر الجربة. إِن الذين تزعموا هذه العشيرة هم " آل محمد "، وإِذ تكاثروا حتى أَصبحوا جمَاعة بل عشيرة كبيرة، لَمْ نجد بدًّا من ذكر من ينتسب إِلى هذا البيت منذ أَول نشوئه حتى اليوم، منوهين بأَشهر رؤسائهم في الَمْاضي والحاضر: كان أول من رحل من نجد إلى الجزيرة في العراق هو فارس الجربة، فهو إِذن الرئيس الأَول لآل محمد شيوخ شَمَّر في الجزيرة. وقد خلف فارس جمَاعة سُميت باسم آل فارس، واشتهر من هؤلاء صفوق، واشتهر من اولاد صفوق فرحان باشا الَمْشهور، وقد خلف فرحان باشا أَولاداً كثيرين، انقسموا أربعة فروع كل فرع انتسب إلى أُمه " أَي إلى إحدى زوجات فرحان باشا " الأَربع، وهذه الفروع هي: الدرة والجزعة والسرحة والباشات.
الفرع الأول - الدرة
ويقدر هذا القسم مع مواليهم بخمس مئة بيت، وأَشهرهم آل عبد العزيز، وآل فيصل،وآل شلال، وبرز من آل عبد العزيز فرأَس عشائر شَمَّر كلها الشيخ " عَقِيل الياور بن عبد العزيز بن فرحان باشا " ﵀، ولاتزال الرئاسة في عقبه
الفرع الثاني - الجزعة ويقدرون مع مواليهم ب٥٠٠ بيت أَيضاً، وأَشهرهم العاصي، والجار الله، وآل مجِولْ. وقد عاش العاصي " ١٢٠ " عامَا، وصار شيخاً لِشَمَّر كلها ثم آلت الَمْشيخة إِلى ولده الهادي في عهده، وهو على قيد الحياة ثم قتل الهادي، وآلت الَمْشيخة إِلى دهام رئيس عشائر شَمَّر القاطنة في سورية الآن.
الفرع الثالث - السرحة
ويقدرون مع مواليهم ب١٠٠ بيت، وأشهر رؤسائهم مطلق وهايس وثويني وعبد المحسن وسلطان.
الفرع الرابع - الباشات
وسموا باسم الباشات، لأَنهم لَمْ يفارقوا بيت فرحان باشا حتى وفاته، ويقدرون مع مواليهم ب " ٥٠ " بيتاً، ومنازله الآن في الفرحانية قرب بلد " ناحية تابعة لقضاء سامَراً في محافظة بغداد "، وأَشهر رؤسائهم الحُمَيْدي الذي آلت مشيخة شَمر إليه في العهد العثمَاني، ومِيزر وبندر، وقد توفوا، وأَحمد وزيد، وهمَا حيان يرزقان. وهناك غير هؤلاء ينتسبون إلى آل محمد، مثل: آل عمرو: ويقدرون مع مواليهم ب " ٣٠٠ " بيت، أَبرزهم زيد العمرو. آل زيدان: ويقدرون مع مواليهم ب " ٣٠٠ " بيت أيضا. آل فهد: ويقدرون مع مواليهم ب " ٣٠ " بيتاً، وأشهرهم سطام الفهد، ولَمْ تعهد إلى أَحد منهم مشيخة شَمَّر.
الشاعر ابن حطاب .
قال أبو عبد الرحمن: ومن آل الجرباء الذين لَمْ يرحلَوْا إلى الجزيرة السعديون وآل سراح بالجوف، منهم آل سلَمْان من آل حبوب من آل سراح. ومن آل سَرَّاح الشاعر غالب بن حَطَّاب، من شعره قوله يخاطب شَرِيْدَة، خادم مضيفه:
لاَواهَنيِ من نط راسَ الفريدهْ ... وشَافَ الطويلُ وْشَافْ خشْمَ الاَضارِعْ
أَخَيْر عندِي منْ مقابَلْ شِرِيْدَهْ ... مْنَاخَى النَّشَامَى عند قَصْر ابن زراع
ووالده هو الذي يعنيه عُبَيد الرشِيْد بقوله:
يامنْ يبَشِّرْ بِيْ خْلَيْفٍ وْحَطَّابْ ... تَبْشير فِرْعَوْنٍ بْمُوْسَى وهَارُوْن
ووجدت في كراسات الشيخ مِنْديل هذه الأَبيات لحطَّاب، وذكر أَنه قالها وهو في سجن ابن رشيد:
يا موفَّقين الخَيْر يا أهل النجايِبْ ... عَسَى السَّعدْ في نحورهنْ حين تمشونْ
مع النَّقيب ادعْوا طريق الركايِبْ ... والعَصر بَاكِر باللَّقايِطْ تحطُّوْن
تلقون ناصِرْ مثْل حُرَّ الجلايِبْ ... مَاكَرْ ولا عُمْرَ الَمْوَاكِر يبُورُونْ
تلقون فِنْجالٍ من الْبُنِّ رَايِبْ ... زَوْدٍ على اللِّيْ بالَمْناسِفْ يِحِطُّوْنْ
لَوْا على من شَافْ هَاكَ الْخَرَايِبْ ... في سَاعَةٍ يَحْضرْ بها كلِّ ملْعَونْ
ومن شعر غالب بن حطاب قصيدة حدثني بها أبو محمد البازعي ﵀ يقول فيها:
يا الله يا اللي فوقنا معتلِينَّا ... حنَّا ومن يَرْجى ثابك حْذَانَا
حنَّا بْلَيَّا طلبتك مَا بَغَيْنَا ... حِتِّى ايْشْ لَوْجَا زادْنَا مَاهَنَانا
стр. 26
يَا البيْضْ عَدِّنَّ الَمْلاثِمْ علينا ... عدن ملاثمكن ودُوْكنْ لْحَانَا
حِطِّنْ مفاتيلَ الذَّهَبْ في يْدَي ... وتقلدَنْ بسْيُوْفْنَا يانْسَانَا
لاعادْ منْ زَمْلَ الَمْحامِل نشينْا ... وحنَّا علينا حرْدِهِنْ وشْ بَلانَاَ
من عقْب مَانَادَى القبايل وُدِيْنَا ... اليوم لَوْ يَأتي سفيه ودَانَا
ومن عقب مَانَاطَا القبايلْ وُطِيْنَا ... اليومْ بالرجلينْ كِل وَطَانَا
وحدثني أبو محمد البازعي بهذه الأبيات لحطاب:
مَاطِعْتْ شَوْري يومَ انا بالسِّقِفَيةْ ... انْتَ تقول: هْنَا وانا اقولْ هانا
من عقب مَاحِنَّا زَهَاهَا ورِيْفَهْ ... اليوم نَتْنَى مَقْعَد في غدَانَا
ياوَنَّتِى وَنَّةْ مْعِيْدٍ ضعيفةْ ... على ديارٍ خابْرِيْنَهْ ورانَا
لَوْ البكا يَفْرِجْ بكينا " مْنِيْفَةْ " ... الحوطةَ اللِّي شَرَّعوا بَهْ عَدانَا
اليوم تَمْر " الْكَسْبِ " عندي طَريفه ... من عقب مَا ناكل مْذَنِّبِ حْلانَا
أمَا القصيدة التي منها:
تِفِّ على الدّنيا لَوْ بَهْ طربْنَا ... لعادْ فيها عن هوانا نِحيْنَا
فقد نسبها ابن خميس مرة لحطاب، ونسبها مرة لبرغش ابن زيد بن عريعر، ونسبها ابن سيحان لنمر بن عدوان. قال أبو عبد الرحمن: الَمْحقق أنها لابن عريعر، وإنمَا يوجد على وزنها وقافيتها قصيدة لَمْرخان بن دابس - أبو ابن سمحان - الَمْرخان من أهل الجوف يقول فيها:
لاعادْ حِنَّا يوم دَوْرِكْ صبرنا ... وِشْ مِجْزعِكْ مِنْ دَوْرنا يوم جانا
غَرّك زمَان لَلدرَيْعِي غترنا ... بالبوق وِالاَّ بالنَّقا مَا ولانا
حنا ليا ثار الدَّخَنْ وانْتشرنا ... بالْقِنَّبَ الَمْصيْصْ نَمْقِسْ دْلانا
من دُون غَرْسٍ مَا بطَلْعِهْ تِجَرْنَا ... ولا قِيل: صَكَّ البابْ عَمَّنْ نصانا
يا ابو طواري لا تْبَيَّحْ خَبَرْنَا ... عيْبٍ لغاك، وعيب حِنَّا لَغَانَا
حِنَّا لعوراتك ورُمْلكْ سترنا ... وعَيَّتْ على الشِّيْمة سواعِدْ لحانا
ومن شعر غالب بن سراح قوله يرد بها على عبيد العلي الرشيد:
إنْ جيتنا ياعْبَيْد نفتح لك البابْ ... حنَّا نِقِيف وْفِنّ رَبْعِكْ يِخِشُّوْن
الجوف تلقى به خليفٍ وحطابْ ... مَاهم فريق ضعوف عنكم يهجُّونْ
يا عبيْد مَا قصدِك زكاةٍ ونوَّابْ ... هذي بغاضي مَير يا عْبَيْد تَكْمُوْنْ
يا عبيد يوم انّك رفيقٍ لحطَّابْ ... والدَّبْس عند حْسَيْن يِغْرَفِ بْمَاعُوْنْ
مطلق بن محمد الجربا
من أبرز أعلامهم في الجزيرة وسوريا مطلق بن محمد بن سالَمْ الجرباء، الذي تزعم من هاجر معه إلى العراق من الشمريين يصحبه أخوه فارس بعد أن قتل أخوه قرينيس بن محمد وابنه مسلط بن مطلق. قال ابن سند بأُسلَوْبه العاطفي نحو هذا البيت الشريف: هذا ومطلق من كرام العرب، عريق النجار شريف النسب، من الشجعان الفرسان، الذين لا يمتري بشجاعتهم إنسان، له مواقف يشهد له فيها السنان والقاضب، ووقائع اعترف له بالبسالة فيها العدو والصاحب، وأمَا كرمه فهو البحر حدث عنه ولا حرج، وأمَا أخلاقه فألطف من الشمول وأذكى من الخزامى من الأرج، وأمَا بيته فكعبة الَمْحتاجين وركن الَمْلتمسين، جمع البسالة والكرم في ردائه، بحيث نادت ألسنة نظرائه: إنه العلَمْ الفرد، والشمري الذي لا يوقف لكرمه على حد، ولقد والله أعجز من بعده من سراة البادية، بمكارم لا توصف إلا بأنها ظاهرة بادية:
يا بَحْرُ لاَ تَفْخَرْ بمَدِّكَ واقْصِر ... عَنْ أنْ تُضَارعَ حاتِمِيًّا شَمَّريْ
مَا حلَّ في كَفَّيْهِ مَقْسُوْمٌ على ... كلِّ الأنام غَنِيِّهمْ والَمْقْتِر
مَا ثَمَّ مَاثرةٌ سمتْ إلا روى ... مرفوعها عنه لسانُ الأعْصُر
فَفِنَاؤُهُ مَاوى طَرْيد خائف ... وحِبَاؤهُ مَغْنَى مسيف مُعْسِر
стр. 27
وقال عن هجرته: ثم دعته الهمة العربية إلى ارتقاء الَمْناصب العلية، فسار من العراق إلى الشام، وتوجه مع أحمد الجزار إلى البيت الحرام، ثم لَمْا قضى نسكه رجع إلى العراق من مكة محارباً بالبنان والسنان، أُلئك الَمْبتدعة لا باللسان، فبقي في بادية العراق مطاعاً أمره، مشاعاً في الأغوار والأنجاد ذكره، لا يضرب مثلٌ إلا بشجاعته وكرمه، ولا يلَوْذ طريدٌ إلا بساحة حرمه، ولا تستمَاح إلا راحتاه، ولا تُقَبَّلُ إلا يمناه، إلى أن أصابه سهم الحمَام ودرج شهيداً إلى دار السلام. ثم نظم ابن سند هذه القصيدة في مدح مُطلق:
بَكَتْهُ الْعَوَالي والرِّقاقُ الصَّفَائِحُ ... لَدُنْ غابَ منه في الضريح الصَّفَائِحُ
بكى أَجَا مِمَا شَجَاهُ ومَاسَلُ ... وضَجَّتْ ضَجيْجاً بالنَّوَاح الصَّحَاصِحُ
لِرُزْءِ امْريٍْ صلْت جُرَازٍ صَلَنْفَح ... صَبُورٍ إذا اشْتَدَّتْ عليهِ الْفَوَادِحُ
صَفوحٌ سَمُوحٌ مُطْلَقُ الْكَفِّ بالنَّدَى ... كأَنَّ يَدَيْهِ لِلْهَباتِ الَمْفَاتِح
أشمُّ عِصامِيٌّ مِنَ النَّفَر الأُلَى ... فَخَارُهُم كالشَّمْسِ أَبْيَضُ واضِح
سيوفٌ، صَنَادِيْدٌ، عِظَامٌ، أمَاثِلٌ ... ثِمَالٌ لَمْعتَرِّ غُيُوْثٌ مَسَامِحُ
لأَ غْزَرهِمْ مدًّا وأَشَّهَرهمْ عُلىً ... وأَكْبَرهمْ قَدْراً أُتِيح الطوائحُ
فَأُوْدِعَ في بطْن الثَّرى مِنْهُ بَاسِلُ ... عزِيْزُ لَدَيْه مَشْرَفُّي وسَابِحُ
فَمَا أَغْمَضَ الْعَيْنَيْنِ يومَا عَلَى قَذًى ... وَلا رامَ إلا مَاتَرُومُ الَّصفَائِحُ
فتىً كَانَ خَوَّاضًا لِكُلِّ كَتِيْبَةٍإِذَا لَمْ يَخُضْ إِلا الْهِزَبْرُ الصُّمَادِحُ
أُتْيِح لهُ سَهْمُ فَأسْكَنَهُ الَّثرَى ... فَهَا كُلُّ قُطْرٍ فِيْه نَاع ونَائِحُ
فكَادتْ بهِ سَلَمْى تُهَدُّ، وَأَوْحَشَتْ ... مَرَاتِعُ في أَكْنَافِهَا وَمَسَارحَ
أَمُطْلَقُ مَا لِلبَدْو بَعْدَك بَهْجَةٌ ... فهَا هُوَ مِنْ فُرْط الِكآبةِ كالِحُ
وَهَا هُوَ لاَ قَطْرٌ يُرَادُ، ولاَ خِباً ... يُشَاد، ولا خَالٌ من الجُوْدِ سَافحُ
ولا شِيْدَ منْ فَوْقِ الهِضَابِ قِبَابُةُ ... ولا شَمَّ أرواحَ النَّدَى مِنْهُ رائِحُ
لَدُنْ متَّ قَال الْجُوْدُ: هَا أَنَا مَيِّتٌبِمَوْتِ امْريٍْ يَبْكِيْه غَادِ وَرَائِحُ
فَمَا أُسْرجَتْ لَوْلاكَ خَيْلٌ لِغَارَةٍ ... ولا عَشِقَ الأشْعَارَ لَوْلاكَ مَادِحُ
ولاَ تَبِعَ الأَظْعَانُ مثلَكَ سَيِّداً ... نَمَتْهُ إلى الْعَلْيَا الكرامُ الْجَحَاجِحُ
ومَا سَرَّ عَيْشٌ بَعْدَ فَقْدِكَ واحِداً ... تَأَثَّفٌهُ لَوْلاَ نَدَاك الْجَوائِحُ
فلا قَلْبَ إلاَّ فِيْك مُشْتَعِلُ أسى ... ولا طَرْفَ إِلا فِيْهِ جَار وسَافِحُ
َنَمَاك إلى الْغرُ اَلأكَارِمِ طَّيٌْ ... ضَحُوكُ الَمْحَيَّا هَامِرُ الْكَفِّ مَانِحُ
غَيُوْرُ علىَ الْجَارَاتِ لا َمُتَطَلِّعُ ... عَلَيْهَا وََلا للِّسِّر مِنْهُنَّ فَاضِحُ
فَمِنْكُمْ وَفي أَوْصَافِكُمْ يُرْتجَى النَّدَى الْنعَيِمُ ويُسْتَحْلَى الرِّثَا وَالَمْدَايحُ
إذَا مَا أَجَرْتُمْ بالسُّيُوفِ مُطَرَّداً ... تَجَنَّبُهُ مِمَا تَخَافُ الْجَوَارِحُ
وأَصْبَحَ في ظلِّ مِنَ اْلأمْنِ وَارِفِ ... يُراعِيْهِ سَّيافُ وَرَامٍ وَرَامحُ
كَأَنكُمُ لَلَمْعْتَفُيْنَ غَمَائِمٌ ... تَظَلُّ وَهُنَّ الْغَادِيَاتُ الرَّوَاِئُح
فَمَا زَالَتِ الأَعْرابُ تَرْجُو لُحُوقَكُمْ ... وَمَا كَرِيَاح في النَّسِيمِ الَمْرَاوح
وأَيْنَ مِنََ الْهَامَاتِ في الْفَضْلِ أَرْجُلٌ؟ وَأَيْنَ مِنَ الأَدْلِى الْغُيُوْمُ الدَّوَالِحُ؟
стр. 28
فَلَوْلاَكُمُ لَمْ يُطْرِبِ الْبَدْوُ وَالْفَلاوَلاَ طَرِبَتْ لِلْغَزْوِ كُمْتٌ قَوَارِحُ
سَقَى جَدَثَا أَصْبَحْتَ فِيْهِ مِنَ الرِّضَا ... سَحَابٌ مُلِثٌّ مُرْجَحِنُْ وَدَالِحُ
وَلاَ زَالَ مِنْكُمْ من يُؤَمُّ فِنَاؤُهُ ... وَيَغْشَاهُ في الْجُلَّى طَرِيْدٌ وَمَادِحُ
قال أبو عبد الرحمن: قتل في حياة مطلق أخوه قرينيس عام ١٢١٢ وابنه مسلط عام ١٢٠٥.
بُنَيَّةَ بن قرينيس الجرباء
قال أبو عبد الرحمن: لا أدري متى توفى مطلق، وقد تولى الزعامة بعده أخوه فارس، وقد كبر وكان شيخ " الشداد " وقائد الَمْعارك في عهد فارس ابن أخيه بُنَيَّةَ بن قرينيس ابن محمد. قال ابن سند: وبُنَيَّةَ - بضم الَمْوحدة وفتح النون وتشديد الَمْثناة التحتية وهاء تأنيث - من فرسان العرب وكرمَائهم، وكانت له كَعَمِّهِ فارس أيام الَوْزير علي باشا أُبهة عظيمة وصدارة وبُنَيَّةَ هاذا يكاد يضاهي بالبسالة فارس النعامة، ومحطم ابن الأرقم ذا الغزالة، وأمَا الكرم فهو الغيث بل البحر الخضم وأمَا منع الجار بكل رسوب بتار، فهو منه في الذروة، والناس إنمَا يحذون فيه حذوه، وأمَا غض طرفه عن جاراته، فأمر لا يُطمع فيه بمباراته. وأمَا النسب فهو من بيوتات العرب.
تَنْمِيْهِ للشَّرَفِ الْعَاليِ بَنُو ثُعَلأُسْدُ الشَّرَى وسَرَاةُ الْقَادِة الأُوَلِ
النَّازلَوْنَ مِنَ الْبَيْداءِ فَوْقَ رُبًىًوالشَّائِدُوْنَ بُيُوْتَ الْعِزِّ بِاْلأَسلِ
النَّاحِرُو جُزُرَ اْلأَضْيَافِ نَحْرَهُمُأُسْدُ الْعريْن، بمَا سَلَوْا مِنَ النُّصُل
والَمْانِعُو الْجار باْلأَسْيَافِ لاَمِعَةًبَيْنَ الْخَمِيْسَيْن والعَسَّالةِ الذُّبُل
وقال ابن سند: ولَمْا لبُنَيَّةَ من الَمْكارم والشجاعة وارتفاع الصيت وللَمْودة بيني وبينه رثيته ارتجالا ثم ذكر هذه القصيدة:
قَضَى فَلِدَمْعِي في الْخُدُوْدِ سُفُوْحُ ... هِزَبْرٌ عَلَيْهِ الَمْشْرفيٌّ يَنُوحُ
أَغرُّ كَريْمُ النِّسْبَتَيْن مِنَ الأُلَى ... فَخَارُهُمُ كَالنّيِّرَيْن يَلَوْحُ
عَلى مِثْلِهمْ يَبْكِي غَريْبٌ تَطَوَّحَتْ ... بهِ نُوَبٌ مُسْوَدَّةٌ وَبُرُوْحُ
وسارٍ بمَوْمَاةٍ مِنَ الزَّادِ مُقْفِرٌ ... هَدَاهُ إِلَيْهمْ أَنْؤُرٌ وسُرُوْحُ
وَتَبْكِيْهمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ وقَارحُ ... أَقبُّ كَسِرحَان الْفَلاَةِ سَبُوْحَ
كَأَنَّهُمُ لِلْفَضْل في النَّاسِ أَعْيُنٌ ... ولِلَمْجْدِ قَلْبٌ وَالَمْكَارم رُوْحُ
هُمُ الَمْوْقِدُوْنَ النَّار في الْبَدْو، لِلْقِرَىولِلْنَّجْم في لَيْل الشِّتَاءِ جُنُوْحُ
وأَبْيَضَ مِنْهُمْ شَمَّريٌّ بَكَيْتهُ ... نمَاهُ إلَى الأَصْل الأَصِيْل سَمُوْح
وأَرْوَعُ أَمَا جَدُّهُ فَهْوَ حَاتمٌ ... وسَعْدٌ وَأَمَا مَدُّهُ فِسِفًوْحُ
كِأِن النَّدى الطَّبْعِيَّ قَارَنَ رُوْحَهُلَدُنْ قَرّ في الفُلْكِ الَمْكَرَّمُ نُوْحُ
فيا جُوْدَهُمْ إِنْ تَبْكِهمْ تَبْكِ سادةً ... بنَشْرهِمُ بُرْدُ الْفَخَار يَفُوْحُ
وتَبْكِ الأُلَى كَانَتْ بذَوْب نَجيْعِهمْ ... تُدَاوَي قُرُوْحٌ أَعْضَلَتْ وَجُرُوْحُ
فوارس وَصَّاِليْنَ بالْخَطْو بِيْضَهُمْ ... وللأُسْدِ منْ لَمْع السيوف دُنُوْحُ
بَكَيْتُ وَوَاصَلْتُ الْبُكَاءَ سَمَيْدَعاً ... بهِ كُنْتُ أَرْبَابَ الشِّقَاق أَكُوْحُ
بُنَيَّةَ وَالْقَرْم الذِي لَمْ يَزَلْ بهِ ... تَخِبُّ لِدَأْمَاءِ الْحُرُوْب مَرُوْحُ
مَكَرُّ دِمَاءِ الدَّارعِيْنَ كَأَنَّهَا ... غَبُوْقٌ لَهُ في كَرِّهِ وصَبَوْحُ
فقدتُّ بهِ الْبَدْرَ الَّذي غَاضَ مُذْقَضَى ... بحُورٌ لَهَا مِنَ رَاحَتَيْهِ سُفُوْحُ
فَنُحْتُ وأَسْرابُ الدُّمُوْع كَأَنَّهَا ... سحابٌ، وَمَفْجُوْعُ الْكِرَام يَنوْحُ
стр. 29
ومَا أَنا بالْقَاضِي لَهُ بَعْضَ وُدِّهِوإِنْ دُمْتُ مَا نَاح الحمَامُ أَنُوْحُ
وذكر أنه قتل سنة ١٢٣١هـ وأُتي برأسه إلى الَوْزير سعيد. وذكر الَمْارك أن الأشمل هو بُنَيَّةَ الجرباء شقيق مطلق الجرباء وقد ذكر الَمْارك هذا تعليقاً على قول الهربيد: وذكر لي الشيخ منديل الفهيد أن الذي قتل بُنَيَّةَ الرُّوَلَة في مِجْراد عنزة على الجربان أَخْذاً بالثار من سلبة حصة الَمْشهورة. وهي حصة بنت الحُميدي بن هذال. ذلك أن بنيه لَمْا علَمْ بقدوم الرولة أرسل يطلب النجدة من آل سعدون، رغم أن بينه وبين آل سعدون ثارات، فواعدوه يخرج للَمْفاوضة معهم، فخرج آمناً ليس معه غير أربعين فغدروا به. قال أبو عبد الرحمن: ثم وجدت في كراسات منديل مَا ملخصه: " حصلت معركة بين بُنَيَّةَ الجرباء من شيوخ شمر الَمْعروفين والأتراك، بقيادة ناصر الأشقر السعدون أيام الحروب السابقة، قيل: إن بُنَيَّةَ لَمْ يكن معه أحد من قومه أثناء الَمْعركة فعثرت جواده فيه فقتل، وقيل: إنه بُتر رأسه من جثته، فأُحضر في مجلس ابن سعدون، فوضع بمكان مرتفع وعلى مقربة من النار، بقصد بَطَرِ الاستيلاء أو التعجب من شجاعته، وكان يوجد رجلٌ شمريٌّ جارٌ لقوم السعدون، لا أعرف اسمه، إلا أنه فِدَاغيٌّ من سنجارة، فلَمْا شاهد رأس بُنَيَّةَ الجرباء، عرف ملامح وجهه، فتأثر فقام وجلس بالقرب منه، وبدأَ يمشط شواربه بيده أو عصاه ويقول: مَا يستاهل صاحب هذا الَوْجه ذو الهيبة والجاه العظيم. ثم قال أبيات شعر يمتدح بُنَيَّةَ ويغمز فيها ابن سعدون وانصرف إلى بيته. وبعد ذلك قال بعض الحاضرين بالَمْجلس لابن سعدون: هل سمعت كلام الشمري؟ قال: لا فبعث إليه من يحضره، وعندمَا وصل الرسول هناك سئل عنه فقيل: نائم بِالرَّفَّة، وبعد اقترابه منه لإيقاظه وجده ميتاً، وللأسف الشديد لَمْ أعثر على الأبيات التي قالها قبل مغادرته الَمْجلس، بالرغم من بحثي عنها وسؤال الكثير من الرواة، وهذه أبيات من قصيدة قالتها عَبْطاء رثاء لَوْالدها بُنَيَّةَ بعد أن قتل في هذه الَمْعركة تقول فيها:
حمَّع حْباله ثم لَمْهْ وشاله ... وتقنطرت من كثر الاِقْفَا والاقْبَالْ
عزَّات يا ذيب السبايا جفالَهْ ... يا نعم والله يَاهَلَ الخيل خَيَّالْ
يامَا عطَا من كلِّ قُبا سلالَهْ ... سباقة الغارة من الخيل مِشْوَالْ
يامَا شرِبْتو من حَلاَوِي دْلاِلهْ ... وَقْتَ القسا يرخصْ لكم غاليَ الَمْالْ
يامَا نَحَى بالسيف من صَعب قالهْ ... ويامَا لطَمْ من دونكم كلّ منْ عالْ
مَحْد زَرَقْ رمحِه، ولا احْدٍ ثَنى له ... مَا حصل عنده عركةٍ تِسْمِحِ البَالَ
***
والأَشْمَلَ اللِّي من مْنَاهَ التَّراديد ... ومُطلق مطيق بالْغَدِيْرِ الزّلاَل
قال أبو عبد الرحمن: إنمَا هو بُنَيَّةَ بن قُرَيْنِيْس، ومُطلق عمه. وبُنَيَّةَ بن قُرَيْنِيْس الجرباء هو الذي أمر بغسل جواد الَوْضَيْحي ثلاث مرات بالصابون، لأنَّ بَصرياًّ الَوْضَيْحي فر عليها هارباً في حرب للجرباء مع الرولة. وبمناسبة قتل بُنَيَّةَ قال شاعر من الصديد من شمر، يفخر بقتل بُنَيَّةَ، ويشير إلى اعتداء آل الجرباء على الصديد:
سرنا من " الشِّمْبلْ " إلى قصر " شَلاَّلْ " ... شهرين، والثالث ذبحنا بُنَيَّةَ
أويْه والله يَاهَل الخيْل خَيَّالْ ... وْعِزِّيْ لعقبه عِزْوَةَ الشَّمَّريَّةْ
هذا جزا اللِّي بَاعْنَا بابنْ هَذَّالْ ... جبنَا دْمَاغِهْ للبواشِي هَدِيَّهْ
وهذا شاعر من البرقع من شمر يسكن في عقدة هو وجمَاعته تحت رحمة أميرها ابن فوزان الدوسري فيقول:
اللِّي يَبِيْ " عُقَدة " ولذْة نمَاها ... يصبر ولَوْ أنَّه معَ الجنب مطعون
ومن لا يَبِيْ " عُقْدة " يفارق جباها ... ينحر " بُنَيَّةَ " مع جموع يعِنُّوْنْ
يعني بُنَيَّةَ بن قرينيس.
صفوق بن فارس الجرباء
стр. 30
أمَا عمه فارس فقد توفى سنة ١٢٣٣هـ فتولى الزعامة بعد ابنه صفوق بن فارس بن محمد بن سالَمْ. قال ابن سند: وصَفُوق هذا - بفتح الصاد الَمْهملة والفاء بعدها واو ساكنة وقاف -، وهو في الأصل الَمْمتنع من الجبال، واللينة من القسي، والصخرة الَمْلساء الَمْرتفعة جمعه صُفق ككتب، فسمى به هذا الكريم، والحاتمي الذي أثرى بنائله العديم، وأيم الله إنه لعديم النظير، في كرمه الذي عنه لسان النعت قصير، ولا غرو أن يحذو الفتى حذو آبائه، وآباؤه مَا منهم إلا من يضرب الَمْثل بسخائه:
هُمُ الأَكَارمُ فَاسْأَلْ عَنْهُمُ فَهُمُمَنْ يُسْأَلَوْنَ إذَا مَا اشْتَدَّتِ الإِِزَمُ
منْ حَلَّ سَاحَتُهمْ ضَيْفًا رَآى بهمُ ... أُسْدًا إذَا صَدَمُوا سُحْبًا إذَا كَرُمُوا
مَا ضَامَ جَارُهُمُ دَهْر ولا خَذَلَوْا ... مَوْلًى، وَلا وَخِمُوا طَبْعَا وَلاَ وَجَمُوا
مَا شَامَ نَاَر قِرًى سَارٍ فَيَمَّمَهَا ... إلاَّ وَرافِعُهَا حَتَّى تُشَام هُمُ
لَوْ رَاَمَ ضَيْفُهُمُ أَرْوَاحَهُمْ سَمَحُوافَلْيَتَّق الَلَّهَ في اْلأَرْوَاح ضَيْفُهُمُ
مَا سَادَ سَائِدُهُمْ إلا بمُصْلَتَةٍ ... خِضَابُها عَلَقُ مِمَّنْ بَغَى وَدَمُ
وَحَقَهمْ مَا أَضَاءَْتْ نَارُ عَاَّديِةٍ ... إلاَّ وَمُوْقِدُهَا أَسْيَافُهمْ بهمُ
مَا فَاخَرَ الْعُرْبُ إلاَّ فَاقَ نَاشِئِهُمْ ... بكُلِّ فَضْلٍ بهِ فَاقَتْ كُهُولُهُمُ
مُوْلَّعُوْنَ بمَا آبَاؤُهُمْ أَلِفُوا ... قَبْل الفَطَام النَّدَى يَهْوَى وَلِيْدُهُمُ
كَأَنَّهُمْ لِقِرَى اْلأَضْيَافِ قَدْ خُلِقُوْاوَلِلْطِّعَان لأُِسْدِ الْغَاب تَصْطَدِمُ
مُخَدَّمُوْنَ وَلَكِنْ فْي مَجَالِسِهمْ ... لِكُلِّ ضَيْفٍ بتَعْجٍيْل الْقِرَى خَدَمُ
لَوْلاَهُمُ مَازَهَا بَدْوُ وَرَابيَةُوَلاَ زَهَا " أَجَأُ " وَ " النِّيْرُ " و " الْعَلَمْ "
وَلاَ ظَعَائِنُ في الْبَيْدَاءٍ عَوَّدَهَا ... طَعْنَ الْفَوَارسِ عْنهَا صَيْرَمُ رَزمُ
إذَا انْتَمَى فَإلَى الأَجْوَادِ مِن ثُعَل ... وَالْبَاذِلِيْنَ إِذَا مَاضَنَّ غَيْرَهُمُ
وَالْحَامِليْن مِنَ الْخَطِّيِّ أَطْوَلَهُكَيْ يُعْلَمْ الأُسْدَ أَنَ الرَّامِحِيْنَ هُمُ
وَالنَّازلِيْن بنَجْدِ كُلَّ رَابَيةٍ ... عَنْهَا تَقَاصَرَتِ الْحِزَّانُ وَاْلأَكَمُ
لَمْ يَرْكَبُوا الْعَيْرَ في بَدْوٍ وَلاَ حَضَرٍلَكِنْ شَيَاظِم، مِنْهَا الْكمْتُ والدُّهُمُ
شُمٌّ أُبَاةٌ فَمَا أَدَّوْا إِلىَ مَلِكٍ ... إِتَاوَةً أَوْ عَرَا جَارَاتِهمْ ظُلَمْ
لاَ يَشْتَكِي جَارُهُمْ مِنْهُمْ سِوَى كَرَملَوْ بُثَّ في الأَرْضِ لَمْ يُوجَدْ بهَا لُؤُمُ
هُمْ يَنْحرُوْنَ من الْكوْم البَهَارِزَ مَا ... لَوْ كَانَ في إِرَمٍ مَا مَسَّهَا قَرَمُ
لَوْ كَانَ النَّاس مْنهُمْ وَاحدٌ وعدوا: ... منَ الْكَريْم؟ لأَوْمَا نَحْوَهُ الْكَرَمُ
لَمْ أَدْر " مُطْلَقُهُمْ " أَنْدَى وَأَكْرَم أَمْأَبُوْهُ، أمْ " فَارسٌ " أَمْ ذَا " صَفُوقُهُمُ "
لكنْ سَألتُ النَّدَى عَنْهُمْ فَقَال: أَلاَ ... كُلُّ كَريْمٌ، وَأَسْخَاهُمْ أَخيرُهُمُ
يَكَادُ منْ كَرَم الأَخْلاَق يَبْذلُ مَافي الأَرْض وَهُوَ يَرَى أَنَّ النَّدَى وَجَمُ
أَعْطى صَبيًّا ففَاقَ الْجَوْدَ منْ " هَرمٍ " ... وَهَلْ يُضَارعُ شَبًّا نَائلا هَرمُ
سَلْ عَنْ فَوَاضله أَعْدَاءَهُ فَهُمُ ... منْ عدِّ مَا أَثْبَتوا مِنَ نَزْرهَا سَئمُوا
يا " شَمَّرياًّ " رَأَيْنَا منْ مَوَاهبه ... مَالَيْسَ يَحْصُرُهُ طِرْسٌ ولا قلَمُ
إِني مَدحت لسمعي عنك مَا قصرت ... عَنْ أنْ تُجَاريَةُ في سَحِّه الدِّيَمُ
سَيَّرْتُ فيك بأفكاري قوافيَ لاَ ... تَنْفَكُّ تُضْرَبُ أَمثالا فَتَنْسَجمُ
стр. 31
وَلَمْ أُردْ بمَديحِي فِيكَ جَائِزةً ... وإنْ تَكُنْ ثريتْ مِنْ سَيبِكَ الأُممُ
لكِنَّني رجلٌ أَهْوَى الكرِامَ وَمَنْ ... كانُوا لِخَيْر وَزيْر في الَوَْرَى خدموا
إذْ كُنْت أَفْرَغْتَ وُسْعاً في نَصِيحَتِهِ ... وَكُنتَ قَاضِيهُ لَمْا بَغَى الْعَجَمُ
حَارَبْتَهُمْ مُخْلِصاً في حُبِّ مُنْتَصِرٍ ... لَوْلاه " داود " قُلْت الَمْرء " مُعْتَصِم "
نَصرْتَهُ ببَني عمًّ ضَرَاغِمَةٍ ... بَاعُوا عَلَى كلِّ خَطَّارٍ نفوسهمُ
فَصَبَّحوا عَجَمَاً قَدْ خَالَفوا وَبَغَوا ... بمرهَفَاتٍ تُخَال الشُّهبَ فوقهُم
هُمْ صَبَّحُوهُمْ وَلكِنْ أنتَ قَائِدُهُمْلَوْلاَكَ مَا كَسَرُوا هامَاً وَلاَ جزَمُوا
إذْ سَاوَرُوْهُم عَلَى جُرد مُطَهَّمة ... لَوْ لَمْ يَكُونُوا جَبالا حَلَّقَتَ بهمُ
شمُّ الْعَرَاِنين مَالاَنَتْ شَكَائِمُهم ... إنْ لاَنَ مِنْ غَيرهِم في حَادِث شُكُمُ
سلُّوْا السُّيُوفَ عَلَى سُودِ الَوُجُوهِ فَمُذْشامُوا بَوَارِقَهَا انجابَت بهَا الظُّلَمُ
رَوَافِضٌ حَسبُوا فَجرَ الْهُدَى سَحَمَاوَلَيْسَ مِثلَ الْبَيَاضِ السَّاطِع السَّحَمَ
رامُوا مُعَادَاةَ مَنْ ظَلَّتْ بَوَادِرُهُ ... بِالَمُرهَفَاتِ مِنَ الْبَاغِينَ تَنتَقِمُ
وَمُذُ أَذَاقَهَمُ الْخَطِّىَّ مُرتَعِشاً ... والْمَشرَفيَّ بِهِ الْمَستَأْسِدُ الشَّكِمُ
ردُّوا خَزَايَا عَلَى الأَعقَابِ تَحْصِبُهُمْبِالبِيضِ وَالسُّمْر أَبْطَالُ الَوَغَا القدمُ
والدَّارعُونَ ولكنْ بالقُلُوْب فكمْ ... كَرُّوا وَمَا ادَّرَعُوا إلا قُلُوْبَهُمُ
فَكُنت أَجرَأَهُمْ مُهراً إِلى رَهَجٍ ... والبيض تنثُرُ والَمُران ينتظمُ
قَد سَاعَدَتكَ أُسُودٌ قَالَ قَائِلُهُم: ... سُلُوْا الظُّبَى وبحبلِ الله فاعتصِمُوا
فَغَردَ العُجمُ أَمثَالَ الرِّئَال وهَلْ ... يُصادمُ العُربَ في كَرَّاتِهَا العَجَمُ؟
للهِ عُرْبٌ أَطَاعُوا أَمْرَ مُنْصَلِت ... وَهِبْرزيٍّ لَهْ مِنَ سُمُرهِ أَجَمُ
لَوْلاه غشى السواد الرفض من عجم " سود الَوْجوه إذا لَمْ يظلَمْوا ظلَمْوا " لكنه ذادهم عنه بمنصلتفأسلَمْوا العز لَمْا سل وانهزموا
فخراً " صفوق " لأن ناصرت منتصرا ... به الأمَاثل في أيامه ختموا
هذا ولَمْا نصر صفوق هذا الَوْزير الَمْقدم، والخليفة الذي بسياسته التي لا توجد في معاصريه تعظم، أقطعه " عانة " ومَا يتبعها من القرى، وهذا عطاءٌ لَمْ أره من غيره لَمْثل صفوق جرى. وأمَا الَوْزير فله من الكرم قضايا، قاضية له بأنه " ابن جلا وطلاع الثنايا "، ولَمْا مع صفوق فعل، خدمه صفوق فعظم وجل، فعادى أعداءه، ووالى أولياءَه، وصار له رقيق الأيادي، محسوداً بذلك في الحاضر والبادي، وكأن الَوْزير الَمْحجب نظر فيمَا فعل إلى قول الَمْهلب: عجبت ممن يشتري العبيد بمَاله، ولا يسترق الأحرار بنواله. وكأن صفوقاً إنمَا صير نفسه رقيقاً لقول من قال في هذا الَمْجال: ليس من اشتراك مولاك، إنمَا مولاك من أعلاك وأولاك. وسأذكر من مواهب الَوْزير، لصفوق مَا نزره عنه لسان الشكر قصير. وأمَا كرم صفوق فممَا سارت به الأمثال، وأقرت به الأضداد والأمثال، حتى ذكر لي من حضر طعامه، أنه يفوق ابن سنان وابن مَامة. قال أبو عبد الرحمن: صفوق مضرب الَمْثل في الكرم عند العامة وإذا أرادوا أن يردوا ادعاء مدعي السخاء قالَوْا: " والله لَوْك صفوق ". أي: والله لا تبلغ هذا الَوْصف إلا لَوْ كنت صفوقاً ولَوْك اصلها: لَوْ أنك. قال أبو عبد الرحمن: قتل صفوق غدراً بيد أحد ولاة الأتراك عام ١٨٤٠ أو ١٨٤١م. وقد زوجه أبوة من عَمشاء بنت شيخ طيء عام ١٢٢٥هـ. وله زوجتان أُخريان همَا سلَمْى بنت عمه مطلق بن محمد وعبطا بنت ابن عمه بُنَيَّةَ بن قرينيس بن محمد. وهاتان البنتان تنافرتا واحتكمتا إلى علي بن سريحان، ليفاضل بين أبويهن فقال قصيدة مطلعها:
стр. 32
يَا بنْتْ فَارقْ بَيْنَ الاثْنَيْنْ كَذَّابْقَبْلِي تَعَايَوْا به شْيُوخَ الْقَبَايلْ
وقد زكى أبويهمَا ولَمْ يفاضل. وهذا هو نص القصيدة كاملة. قال ابن سريحان:
يَا بنْتْ فَارقْ بَيْنَ الاثْنَيْنْ كَذَّابْقَبْلِي تَعَايَوْا به شْيُوخَ الْقَبَايلْ
لَوْ تَجمعينَ الْقَوْم هُمْ وَايَّا الاَصْحَابْمَا عَدَّلَوْا حَقِّكْ ولاٌِقيْلْ مَايلْ
يَاحِصَّةٍ مَا جَابْها كلِّ جذَّابْ ... يَابنتْ مِعْطِي الَمْسْمَيَاتَ الاَصايلْ
فَإِنْ قلّ نَوَّ الَوْسِمْ والكَيْلْ بَالْبَابْوصَفَا السَّمَا، السُّوْقُ مَا مِن صمَايلْ
وانْ رَوَّجَوْا بالنَّزْل شَيْنِيْنَ الاسْلاَبْواسْتَرْبَدَتْ عَنْهُمْ هْزَالَ الْقَبايلْ
لِلِّىْ بْه الدِّبْدُوْبْ وْللطَّوْقْ قَصَّابْفَدَّاعْ فَوْقَ الزَّادْ بشْطُوْطْ حَايلْ
بَذَّالْ مَا بالْكَف صفَّاطْ مَا جَابْ ... هَاتِفْ شَلِيْلَ الْبَيْتْ واَفى الْخَصَايلْ
عَوقَ الْخَصِيْم مْبَطِّل كِلَّ الاَسْبَابْحِلْحْيِلْ شَيَّالَ الْحْمُوُل الثَّقَايِلْ
إِن جَتْ جْمُوع لِهْ مَع الْقاعْ ضَبْضَابْيَجْدَعِ بْحَدَّ السَّيْف منْ جَاهْ عَايِلْ
لهْ هَدِّةِ يَلْقَا به الَمْرجْ هَرَّابْ ... بِكْثر بْخَيْلَ الضِّدّ طَعْنَ السَّلايلْ
وانْ جَاهْ بَدَّايِ نَهَجْ تقلْ جَلاَّبْ ... الصَّبحْ تَبْرَا له خْيَارَ الاَصَايلْ
عَطِّيِّتهْ منْ خَيرْ بَابَه لْطَلاَّبْ ... شَيْخَ الشيوخ ونْاَفْلٍ كلِّ طَايلْ
شُوَايْعهْ يا بعْدهَا عنْدَ الاَجْنَابْ ... الْحَيْد شَيَّالَ الْحْمُوْلَ الثَّقَايلْ
ونَقَلتْ من كراسات الشيخ منديل قول أَبو عنقا من عَبْدَةَ من شَمَّر، يخاطب صفوق الجرباء ويفخر بقومه:
يَا صْفُوقْ شفْ حُمْرَ الدَّساَميْلْ سَاجَةْمنْ ربْعَة " ابْن شْرَيْم " قَامُوا لاَ " باَالَمْيْخ "
أَنَا عَرَفْت وْجيْههُمْ يَوْم لاَجَهْ ... كَثْرَةْ مَنَاجيهم وثَارُوا مصاليخْ
يَا صْفُوق تَرَى بَعْضَ الَمْسايلْ سمَاجَةْ ... يَاحَيْفْ نزْعلْهُمْ ونرْضى الطَّبَابيْخْ
رَبْع لَنَا نَقْضى بْهُمْ كلِّ حَاجَهْ ... تِرْ كَسْبُهمْ يَوْمَ الَمْلاقى مَجَاويْخْ
اللِّي قَلاَيعْهُمْ نَهَارَ اللِّجَاجَهْ ... قُبِّ مَنَاخرْها سْوَاةَ الَمْنَافيْخْ
وقال بَصري الَوْضَيْحى من قصيدة يمدح فيها الشيخ صفوق الجَرباء:
نَطَّيْتْ رجْم نَايْفٍ منْتَبى بيْ ... مرقب " عَرْوا " مشْرف هَاكْ عَنْهَا
طَالَعْتْ بالْخَابُوْر شَوْف عَذيْب ... غَربي تليْل نْمَيْل مَرْحَلْ شَقَنْهَا
طَالَعْتْ بيتَ الشَّيخ سُقْمَ اْلحَريْب ... صْفُوْقْ ثقيْلَ الرَّوْزْ حَامي وَطَنْها
شَيْخ ولاَهيْ شَوْفْتهْ منْ قريْب ... ولا ينتْهي عَنْ رَادتهْ يَوْم ينْهَى
البيتْ يبْنَىَ وَالدَّخَنْ تقلْ سيْب ... سيْبَ الْعراقَ اللَّيْ تَطَانَبْ دَخَنْهَا
يْقَلِّط صْحُونٍ بَهْ عَبيْط وْعَصيْب ... ولاقَلَّلَوْا أَكَّالْةَ الزَّادْ منْهَا
وقال عبد الله بن ربيعة عن صفوق الجرباء أَثناء مَدْحه لعبد الَمْحسن السعدون:
وَهْوَ الذي خَلَّى الصُّوَيْطي عَدَا الْكَوْمْ ... والشَّمَّريْ للشَّام يطرد ظْعيْنهْ
وصفوق منْ كَوْن الَمْقَيَّرْ إِلى الْيَوْمْ ... متْقَاِّد قَلْبَ النَّعَامَه قريْنهْ
وقال الشيخ عبد الله بن هذال شيخ عنزة يخاطب الشيخ صفوق - وهي ممَا وجدته في كراسات الشيخ منديل:
" مَرْجَان " قَرِّبْ سَابقي في جْلالَهْ ... واحْلبْ لَهَا من دَرّ ذَوْدِ خَوَاويْرْ
عُقْبَ الْعليْقَةْ جرّ تَالي الْعَشَا لهْ ... من مَنْسَفٍ مَا قَلَّلَوْهَ الْخَطَاطيْرْ
أَبا ارْكبهْ ركْبَ الّرشَا لَلَمْحَالَهْ ... واوَرِّدهْ تَوْريْد غَرْبٍ عَلى بيْرْ
стр. 33
ياصْفُوْق عنْدي للسّيَافَا جمَالَهْمَا انْسَاهْ كُوْدَ انْسَى النُجُوْمَ الزُّوَاهيْرْ
أَجيْك " بَالَوْيْلاَنْ " نَقْوَة رْجَالَهْ ... كتْعَ الجموع مَهَدِّميْنَ الطُّوَابيْرْ
بالْكَف مَصْقُولٍ يِزِيْد اشْتعالهْ ... يُوْدعْ شَظَى رُوسَ الَمْعَادي شَعَاثيْرْ
وقال دخيل بن ناعم من قبايل الصايح، يهدد صفوق الجرباء:
لَوْ جيْت ابُو فَرحانْ قلْ لهْ: عبرنا ... جَزَّاعْة مَا ندْعِىَ الْخَشْمِ يِنْدَاسْ
ولَوْ تَرْكَبَ " اْلأرْوَام " كلَّهْ بَاثَرْنَالا بدّ لَنَا يا صْفُوْق منْ رَفْعَةَ الرَّاسْ
وْحنَّا عَلَى حْرابةْ جْدُوْدكْ صَبَرْنَا ... مَا هي منَكْ وْجَايْ يَا ذيْبَ الاَمْرَاسْ
قَبْلَ " الجِزْيرة " يوم " نَجْدٍ " دْيَرْنَا ... وَامْوَاتَنَا فيْهَا تْطَارِدْعَ الافْرَاسْ
يَا صْفُوْق واللهْ مَا نْخَلِّىْ سكَرْنَاكُود " الجِزْيرة " خالْيَةْ مَا بِهَا اوْنَاسْ
كَانَ الَمْحَزَّمْ شبرْ حنَّا ذَرَعْنَا ... رَمْيَ الَمْدَرِّعْ منْ قَديْم لَنَا سَاسْ
وقال الدكتور شفيق الكمَالي: يروى عن الشيخ صفوق الفارس الجرباء وقد عاش في بداية القرن الثالث عشر للهجرة - أحد مشايخ قبيلة شمر - أنه كان في مجلس من مجالس بغداد، فدخل الَمْجلس رجل احتفى به الجميع، ونال احترامهم فسأل عنه، فقيل له إنه الشيخ فلان. قال: هو شيخ أي قبيلة؟ فقيل له: إنه ليس بشيخ قبيلة وإنمَا شيخ الطريقة النقشبندية، وهي طريقة دينية. فكان جوابه: الدين مَا به نقوش، أي ليس في الدين نقوش أو زخارف. وقال ردهان أبو عنقا في رثاء الشيخ صفوق:
مِنْ غِبْتْ عَنا يَا ابْنَ آخي سِبيْلَهْغَابَ السَّعْدَ عَنْ نَزْلَنَا والنَّوَامِيْسْ
وْنَرْتَع رتِيْعَ الصَّيْد وَنَجْفِلْ جفِيْلَهْوْصِرْنَا مِثِلْ فِرْزَ الامَاعِزْ بَلا تَيْسْ
فرحان بن صفوق الجرباء
قال أبو عبد الرحمن: ولعل الذي تولى الزعامة بعد صفوق ابنه فرحان باشا، ولقد رأيت له ذكراً في الشعر العامي في قول شاعر من زبيد، يتغنى بانتصار آل غُبَيْنٍ من عَنَزَةَ على فرحان الجرباء:
صَكُّوا عَلَيْكُمْ بَالسِّيُوْفَ الصّقِيْلَةْلاَ مَا بَكَى حِبْسَ الَمْلاَزِيْمْ " فَرْحَانْ "
وقصة هذا البيت كمَا قرأت في كراسات الشيخ منديل: أنه نزح رجل من زبيد عن فرحان الجرباء، لجرم ارتكبه، والتجأ عند الْغُبَيْنِ من عَنَزَة، وأقام عندهم مدة. ثم أصاب ديارهم محلٌ فاحتاجوا للرعي بالجزيرة، وطلبوا من الجرباء مدةً معينة للرعي فأذن لهم. ولَمْا علَمْ أن الزُّبَيْديُّ معهم أرسل من يأخذ إبله. فقام شيخ الْغُبَيْنِ وقال: من لَمْ يمر على بيت الزُّبَيْديُّ جارنا ويعوضه بناقة فليس غُبَيْنِياً! فصار كل صاحب ذود يأخذ منه مطية إلى إبل الزُّبَيْديُّ، حتى ردوا عليه مَا أُخذ منه وزيادة خمس عشرة مطية. فأقبل رجل من الْغُبَيْنِ متأخر، فقالَوْا له: اكتفى الزُّبَيْديُّ وحصل له أكثر من حقه. فقال: لست قاصراً عن جمَاعتي إن لَمْ تأخذوها له ذبحتها! ولَمْا عادوا إلى بلادهم، أغار عليهم قوم من شمر الجزيرة فانتصر الْغُبَيْنِ على الشمَامرة، فلَمْا علَمْ جارهم الزُّبَيْديُّ الذي عاد إلى الجرباء بالجزيرة بعد انتهاء جريمته قال:
يَامِزْنِةِ غَرَّا نَشَتْ منْ مِخِيْلَْ ... منَ " الْجزيرة " غَرَّبَتْ يَمِّ " حَوْرَانْ "
تِمْطِرْ على " الْغِبْنَانْ " يَنْحَوْن سَيْلهْأَهْلَ الِّربَاعَ اللِّيْ عَلَى الْخَيْلْ فِرْسَانْ
ركْبُوا عَلَيْهِم مِقحِمْين الدبِيلة ... أَرْخَوْا مَصَارِيعَ الاعِنَّهْ وَالأَرْسَان
صَكُّوا عَلَيْهمْ بَالسيُوْفَ الِّصقِيلة ... لاَ مَابَكَى حِبْسَ الَمْلازيِمْ فَرْحَان
فارس وعبد الكريم الجرباء
ولست أَدري من تولى بعد فرحان إلا أَن هناك اثنين تَولَّيا بالتتابع بعد فرحان، وهمَا من أَحفاد فارس بن محمد بلا ريب: أَحدهمَا: فارس الجرباء الذي ذكرت الليدي آن بلنت في رحلتها أَنه شيخ الجزيرة في عهد محمد العبد الله الرشيد.
стр. 34
وثانيهمَا: عبد الكريم الجرباء وأَخوه مُطلق، ولست أَدري أَيهمَا كان الشيخ إلا أَنهمَا معاصران لطلال بن عبد الله الرشيد، وعبد الله الفيصل فهمَا أَقدم من معاصر محمد العبد الله الرشيد. وعبد الكريم له شهرة كبيرة عند أَل نجد، ولَمْ أَجدْ له هذه الشهرة عند مؤرخي العراق. قال أَبو عبد الرحمن: وربمَا ترجَّح أَن عبد الكريم ومطلق ابنان لفرحان بن صفوق، وأَن عبد الكريم تولى بعد فرحان مباشرةً ثم بعده فارس. وصفوق معاصرُ لعبد الله الرَّشيد، وله علاقة في مساعداته له أَيام محنته مع آل علي، وربمَا كانت بينهمَا مصاهرة.
فقد أَملى عليَّ الشيخ منديل هذين البيتين لعبد الله بن علي ابن رَشيِد يخاطب أَخاه عُبَيْدًا بعد أَن رجعا من العراق وزوجا أُختهمَا من الجرباء. قال عبد الله:
يَاعْبَيْدْ مَا بَاقٍ لَنَا كُوْدْ حاجَةْ وْهِي حَاجْةٍ لاَ هِيْبْ تِشْتَرى ولاتْبَاعْ
ويَاعْبَيدْ تَرَى بَعْضَ الَمْعَانْي سَمَاجَةْ ... والله إِلىَ مِنِّهْ نَوَى ضَايْع ضَاعْ
ومن أَخبار عبد الكريم الجرباء هذه القصة التي نسبها الشيخ ابن خميس إِلى أَحد مشايخ آل الجرباء. قال ابن خميس عن عبد العزيز بن عيد " الْعِزِّي " راعي الْبَرَّة: إِنه قال هذه الأبيات يمدح أحد الَمْشايخ من آل الجرباء.
يَا الزِّيْرْ يَاالزَّحَّارْ يَاالنِّمْر يَاالذِّيْبْ يَاالَّيْثْ يَااللاَّيُوْثَ يا الشبل يَا الدَّابْ
نَطَّاح طَابُوْرَ الْعَسَاكِرْ إلىَ هِيْبْبَالسَّيْفْ لِرْقَابَ الَمْنَاعِيْرِ قَصَّابْ
عَيْبِهْ إلىَ منْ قَالَوْا النَّاسْ بِهْ عَيْبْلَلْسَّمْنْ فَوْقِ مْفَطَّحَ الْحِيْل صَبَّابْ
قال ابن خميس: ويقال إنه لَمْا أمعن في إيراد هذه الألفاظ الجزلة بهذا الأسلَوْب الشعري القوي، وكان الجرباء متمنطقاً بمنطقة ذهبية وبها خنجر ثمينة شعر الَمْمدوح بالزهو والإعجاب، وتعاظم حتى لَمْ تقو هذه الَمْنطقة على تحمله، فانبترت، وكانت أوُلى هبات الشاعر! قال أبو عبد الرحمن: وتابع ابن خميس على هذا العزو نقلاً عنه كُلًّ من الحُقَيْل وصاحب " الأزهار " والكمَالي. والصواب مَا نشره الشيخ منديل، وحدثني به إبراهيم أن الأبيات لخضير الصعيليك من قصيدة يمدح بها عبد الكريم الجرباء مطلعها:
يا شَيْخَ انَا جيْتِكْ على الْفُطَّرَ الشَّيْبْقَزَانْ منْ دَارَ الَمْحبِّيْنَ دَبَّابْ
قال منديل: وقيل: إنه يوم سمعها أعطاه جائزة خمسة عشر بعيراً بحمولتها من الأرزاق. قال أبو عبد الرحمن: وها هو نص القصيدة كاملة كمَا رواها الشيخ منديل. قال خضير الصعيليك:
يا شَيْخَ انَا جيْتِكْ على الْفُطَّرَ الشَّيْبْقَزَانْ منْ دَارَ الَمْحبِّيْنَ دَبَّابْ
دَبَا علي ودَبِّ منّي بْتَقْريْبْ ... قلَّ الَمْوَاشِي يا ذَرَا كِلِّ منْ هَابْ
من دَارْنا جيْنَا لْدَاركْ مَغَاريْبْ ... يَمُّوْمْ نَجم لا تَغَيَّرْ وَلاَ غَابْ
متْخَيُركْ يَا مَنْقَعَ الْجُوْدِ والطِّيْبْ ... لاَ خَيَّبَ اللهْ لَلاجَاويْدِ طَلاَّبْ
سَلاَمْ مِنْ قَلْبٍ مْحِبِّ بَلاَ رَيْبْ ... لِهْ يسْتَتَابَ الشَّابّ وْيشِبِّ مِنْ شَابْ
يَا الْجَوْهَرَ النَّاريْزْ يَا الَمْعَطَّرَ الطِّيْبْيَا الصَّعْل يَا الصَّهَّالْ يَا حْصَانَ الاطْلاَبْ
يَا الزِّيْرْ يَاالزَّحَّارْ يَاالنِّمْر يَاالذِّيْبْ يَاالَّيْثْ يَااللاَّيُوْثَ يا الشبل يَا الدَّابْ
يَا الضَّارْيَ الضِّرْغَام عَطْبَ الَمْضَاريْبْيَا الْفِرْزْ يَا مَفْرَاصْ ضِدِّهْ والاجْنَابْ
يَا النَّادْرَ الْهَيْلَعْ عْقَابِ الَمْرَاقِيْبْيَا نَافْلٍ جيْلِهْ بْعِيْدِيْنْ وَاقْرَابْ
نَطَّاحْ طَابُوْرَ الْعَسَاكِرْ إِلى هِيْبْسِتْرَ الْعَذَارىَ لاغَشَاَ الزَّمْل ضِبْضَابْ
عَيْبِك الَىِ ثَارَ الَّدخَنْ كِنِّهَ السِّيْبْبَالسَّيْفِ لِرْقَابَ الَمْنَاعِيْر ِقَصَّابْ
وَعَيْبِك إلَى مِنْ قَالَوْا النَّاسْ بِكْ عَيْبْللسَّمْنِ فَوْق مْفَطَّحَ الْحِيْلِ صَبَّابْ
وْذَبْحَ الْغَنَمْ والْكُوْمْ حِرْشَ الْعَرَاقِيْبْوْاعْطَا الَمْهَار، وبَذْلٍ مَالٍ بْلاَ حْسَابْ
стр. 35
وَبَكْ شَارة كَبَّ الْفْرَادَ الَمْحَانِيْبْوبَذلْلَ الطَّعَام وللَتَّنَافِيْلِ كَسَّابْ
ونَمْرا تِجِرَّهْ للَعْدَا والاَجَانِيْبْ ... تَفْجَا بْهَا غِرَّاتِ ضِدِّك بَالاسْبَابْ
ومِنْ عقْبِ ذَا بَالْعَوْن مَابِكْ عَذَاريْبْأَحْلاَ مْنَ السّكَّرْ عَلَى كَبْدِ شَرَّاب
اجيْناك فَوْقَ الْهِجن شِيْبَ الَمْحَاقِيْبْلَمْشَاهَدَكْ يَاشَوْ وَضَّاحَ الانْيَابْ
الْحُرّ يَضْرِب بَالكفوفَ الَمْعَاطِيْبْوالتِّبعْ قّنَّاصَهْ مْنَ الصَّيْدِ مَا جَابْ
وانْتَ الَّذِي تافي بْكِلَّ الَمْوَاجِيْبْكنِّك " هْدَيْبَ الشَّامْ " بَالحِمِلْ عَتَّابْ
تَثْني لِبُو " صلفيق " مَابِهْ تكاذِيْبْ ... شيْخ الصَّخا مِعْطي طوِيْلات الاَرْقَابْ
يَا مَا عَطَيْتَ اللِّيْ يِجُوْنِكْ طَلالَيْبْكَمْ وَاحِدٍ جَالِكْ مْنَ الَوْقْتِ منْصَابْ
وْفَرَّجْتْ هَمِّهْ في كْبَارَ الَمْوَاهِيْبْمنْ عيْلَمْ يَزْمِي كمَا يَزْمِي " الزَّابْ "
عَزَّ الله انِّكْ طَيِّبْ وْتفْعَلَ الطِّيْبْوالطِّيْبْ يِجْنَا مِنْكْ يَازَاكي الاَنْسَابْ
وْلاَهُو كِثِيْر يَا مْهَدِّي الاَصَاعِيبْ ... أَفعالكُم يِعِدَّهَ اللِّيْ بَالاَصلاَبْ
وذكر الأمير السُّديري أن عبد الكريم يلقب عند شمر وعنزة بسكران الَمْجانين، وأورد قصيدة لَمْحدا الهبداني، يمدح بها عبد الكريم، وهو يطلب الجوار عنده وقد أجاره عبد الكريم وجلس عنده. ومن هذه القصيدة قوله:
سَمُّوا وطِيْعُني عَلَى الزَّمْل ونْشِيْلْ ... لْعَبْدَ الكريم اللِّيْ تْذَكَّرَ فْعَالِه
للِشَّيخ نَطَّاحَ الَوْجِيهَ الَمْقَابِيل ... ومن صَكِّتِه غُبْر الليَّالي عَنَا لِهْ
ووجدت في كتاب روزل عن الرولة ممَا زودني به مترجمَا الأُستاذ ناصر الْعُلَيِوي هذه الأحدية لأحد الشعراء يتهدد عبد الكريم الجرباء:
لِعْيُوْنِ شِقْحٍ دَوَّحَتْ ... نَسْمَعْ بَهَا دَنَّ الْجَرَسْ
أَمَا رَمَيْتْ لْعَبْدَ الْكَرِيْم ... يِحْرَمْ عَلَيْ رِكْبَ الْفَرَسْ
قال أبو عبد الرحمن: حدثني محمد بن يحيان ﵀ في حدود عام ١٣٧٦هـ - عن منافرة جرت بين عبد الكريم الجرباء وأخيه مطلق، فهاب الناس الَمْفاضلة بينهمَا، وهكذا فعلت والدتهمَا إلا أنها ذكرت أن مطلقاً وهو رضيع يمسك بالحلَمْة ولا يلتفت لَمْناغاة أُمه له، أمَا عبد الكريم فيطلق الثدي ويلهو ببشاشة أُمه ويضحك لها، ففهم الناس من ذلك أنها ميزت عبد الكريم بالكرم. ولفرط كرم عبد الكريم يلقبونه " أبو خوذة " كمَا سيأتي بيانه في قصيدة فجحان الفراوي. ونقلت من كراسة الشيخ منديل هذه الأبيات للشاعر ردهان أبن عنقا الشمري، يمدح عبد الكرم الجرباء، لَمْا كساه فروته وهو لا يعرفه، لأنه وجده غريباً في ليلة شاتية. قال ردهان:
الْبَارْحَة مَا هِي منَ البَارْحَاتِ ... مِنْ نَافْخٍ يَنْفَخْ وَرَا الْبَيْتِ وِيْزِيْرْ
تصْبْحْ بَهَا الْخَلْفَاتْ والَمِسمَنَاتِ ... كِنِّكْ تِحِشِّ ظْهُورَهَا بالَمَنَاشِيْرْ
تصبحْ خَوَاوِيْرَ النَّضَا جَاثِيَاتِ ... قَامَتْ تَصُبّ خْشُوْم عُوْجَ الْخَوَاوِيْرْ
ولَوْلا " أبو مدبغ " كَانْ هذَا مَمَاتي ... في لَيلَة مَا يِلِّقِي لي خَفَافِيْر
عَطية مَاهِي مْنَ الْبَيَّنَات ... " فَرْوَة " وكِنَّةْ سَايقٍ لي مَغَاتِيْرْ
أَبُوْهْ مِثلِهِ يِعطِيَ الْمِسْمَيَات ... قُبَّ الْحَوَافِرْ نَاسْعَاتَ الَمَسَامِيْرْ
وذكر الشيخ منديل أن خال عبد الكريم هو ابن سبيلة من آل شُريم من عَبْدَةَ. فبنات ابن سبيلة أربع أم الشيخ عبد الكريم، وأم العجل من شيوخ عَبْدَةَ، جده عقاب بن عجل، خال عبد العزيز ابن متعب آل رشيد، وأُم الُّريم شيوخ عَبْدَةَ، وأُم آل فهيد أَهل الأسياح الَمْعروفة بِمُطَيْرَة.
وقال ردهان أبو عنقا يخاطب الشيخ عبد الكريم:
يَارَاكْبِينٍ مُوْمْيَاتَ السِّفَايِفْ ... حُمْرٍ وهِنْ مِنْ حَدْر يكْسَنْ تِقِلْ خَامْ
стр. 36
مَتَّيَات عِقْبِ مَاهِنْ عَسَايفْ ... رَعَنّ عْظَامَ الربْع عام باثَرْ عَامْ
يِبْدِنْ كَلاَم منْ دْمَاغِي طَرَايِفْ ... من رَاس عَوْد صَايْيبِهْ غِشّ وِهْيامْ
يلْفِنْ علَى عَبْد الكريم " ابو نَايِفْ " ... يَاعَلِّ عِزِّهْ دَايْم دبَّ الايَّامْ
يَا شَيْخْ يَا اللِّيْ لَلَمْحَزَّمْ خَلاَيِفْيَا شِبْهِ زِمْلَوْقَ الثّريَّا إلى زَامْ
يَالَوْلَبَ الحُكَّامْ وَافي الْكَلاَيِفْلَوْلاَ عَلَيْكِ مْنَ الَمْثَالَمْ مِثْلاَمْ
أَصْغَيْت رَاسِكْ يَمِّ رَاعِي غَرَايِفْ ... لاقَاعْدٍ عِزِّكِ بْرَاسهْ وَلاَقَامْ
حَطَّاطِ غِلٍّ بَالْقْلَوْبَ النَّظايِفْ ... عَجل عَلَى نَقْلَ الَمْشَالِيْتْ مِيْلاَمْ
الزَّمِلْ غَرَّبْ منكم الْيَوْم خَايفْوِشْ عِلَمْكُمْ يَا مْدَ لِّهَةْ كِلِّ مِرْزَامْ؟
ثَلاَثِ جموعٍ عَايْزَاتَ الَوْصَايف ... متْنَحِّريْن دَار " جَدْعَان " و " ودْهَامْ "
امكنْ تَرَاهَا مَا تْفِيْدَ الْحَسَايفْ ... شَيِّ يفوتَ الْيَوْم عِدِّهِ مْنَ الْعَامْ
قال أبو عبد الرحمن: هذه القصيدة ممَا نقلته من كراسات الشيخ منديل، وذكر عن مناسبتها أن الأحدب وقومه من الثابت من شمر، قتلَوْا غريمَا لهم اسمه ابن درعان، في بيت عبد الكريم الجرباء، فغضب عبد الكريم وأمرهم بالرحيل عنه. إلا أن الشاعر ردهان خشي أن يلجأَ الأحدب وقومه إلى الأعداء، ولَمْ يستطع أن يشير على عبد الكريم في الحال، فاحتالت زوجة عبد الكريم للشاعر بأن فتقت ذرا البيت من كل جانب، وعبد الكريم نائم، فلَمْا أستيقظ أمر بستر البيت وتسويته فقالت: إني كشفت البيت لأجل الأعداء. فلَمْا مهدت له الَمْناسبة قدم مشورته في القصيدة الآنفة الذكر. ووجدت في كراسات الشيخ منديل هذه الأبيات للشيخ عبد الكريم الجرباء بمناسبة طلب " البيه " مفوض الدولة لفرسه الكحيلة وإصراره بأنه سيأخذها بثمن أو غير ثمن.
قال عبد الكريم:
أَرْسَلْتْ لي يْا " بيه " خْطٍّ يُروْعِ ... تَطْلُبْ عَذَابِ مْلاَوْيَاتَ الْفْرُوْع
أَبْغِي إلَى مَا حَضَّبَنَّ الْجُمُوْع ... أَثْنِي عَليْهَا مَع جْمُوْعَ الطَّنَايَا
يَا " بَيْه " مَاهِي قَنبَرٍ بَالصُّحُوْنِ ... هذي " كْحَيلَةْ " مِثْلِ عَنْزَ الْبْدُونِ
أِبِغي إِلَى جَوْا لاَبْتي يِنتِخُونِ ... في سَاعَةٍ حَامَتْ طٌيُورَ الْمَنَايَا
الْبَيْع وَاللهْ مَا نِبِيعَ " الْكْحَيْلَةْ " ... الاَ وَلاَ نِصخِيْ بَهَا رُبعٍ لَيلَةْ
أَبي إلَى مَا سَنَّدوا مَعْ طِوِيْلَةْ ... أَثِني عَلَيْهَا عِنْد تَالي الرَّذَايَا
مَا هَمني " البيه " ولاَ هَم " شريف " ... حِنَّا مْنَزِّحْةَ الْعِدا والْحَفيف
بَالغَصْبْ مَا نِعْطِي عدَالَ الرّغِيْف ... وْعنْدَ الرضَا حِنَّا كْبَارَ الْعَطَايَا
стр. 37
وقال فهد الَمْارك ﵀: يقول الأستاذ أدهم الجندي: كنت ذات يوم في نادي الَمْرحوم مشل باشا الجرباء، في دمشق فَسُئِل الشيخ مشل عن أعظم شيء سمعه ورآه من مواقف الشجعان النادرة، فأجاب بقوله: إن أروع وأهم مشهد رآه في حياته هو شجاعة فارس من فرسان قبيلة عَنَزَة.. ويمضي الشيخ مشل في حديثه حسب رواية الراوي إلى أن قال: كنا غزاة من قبيلتنا " أي قبيلة شمر " بقيادة الَمْرحوم عبد الكريم الجرباء، قاصدين غزو قبيلة عَنَزَة، فوجدنا إبلا ترعاها فتاة، فاغتنمناها، اعتقاداً منا أنها لقمة سائغة، وقد لفت انتباهنا نظرة الفتاة الَمْختصة برعاية الإبل، فقد كانت تنظر إلينا نظرة الساخر، أو الَمْستهتر، ومَا كنا نظن أن وراء نظرتها هذه مَا ورائها من سرِّ دَفِيْنٍ. ومَا أن قطعنا مسافة ليست بالبعيدة حتى لحقنا فارس بمفرده وعندمَا دنا منَّا طلب منا " الْحَذِيَّة " أي الهبة كمَا هي العادة الَمْتبعة بحالة كهذه، فالَمْغتنم حسب العرف الَمْتبع يتحتم عليه أن يهب من غنيمته. فيقول مشل: لَمْ نتردد من هبته ناقتين، ظانين أن ذلك كاف له، ولكنه عاد فطلب " الْحَذِيَّة " مرة ثانية فوهبناه ناقتين أيضاً، ثم عاد ثالثة فطلب، فوهبناه عدداً ممَاثلاً، ثم عاد رابعاً يطلب " الْحَذِيَّة " ولكن بلهجة توحي أنه لَمْ يكن مُسْتَجْدِياً، كمَا بدا لنا من الَوْهلة الأولى في طلبه السابق، وإنمَا كان هذه الَمْرة متحدياً، ولذلك برز لَمْنازلته ستة من فرساننا بينمَا نحن نسوق الإبل التي اغتنمناها، فظل برهة يتصارع مع الفرسان بين كرٍّ وفرٍّ، وبعد ذلك لحقتنا أفراس رفاقنا خالية سروجها من فرسانها الذين أبادهم هذا الفارس. فلَمْ يسعنا إلا أن أبرزنا فرساناً أكثر عدداً من السابقين بينمَا ظل البقية منا يسوقون الإبل، ومَا أن أخذنا فترة حتى لحقنا أفراس قومنا الذين كان مصيرهم كمصير سابقيهم. فكانت النتيجة أن أرهبنا الفارس وأدخل في قلب كل منا الرعب، فهربنا تاركين له إبله، مغتنمين السلامة بعد أن قتل منا فتياناً من خيرة فرساننا. وبعد، فقد وجدت السيد الجندي راوي القصة مُندهشاً ل من البطولة التي قان بها الفارس، وبالرغم من أنها بطولة خارقة حقاً، ولكنه مندهش ومعجب في آن واحد من اعتراف الَمْرحوم مشل الجرباء بشجاعة عدوه. ولكنني شخصياً لَمْ استغرب ذلك بحكم معرفتي الراسخة لأخلاق العرب. وستأتي أخبار لعبد الكريم وفرحان في آخر هذا الفصل. وقد مَات عبد الكريم مشنوقاً، شنقه الأتراك في حدود عام ١٢٦٥هـ. وممن عني بمدح عبد الكريم فجحان الفراوي فمن ذلك قصيدته الَمْيمية. حدثني بها محمد بن يحيان ﵀ ولا أضبط نص لفظه وأملاها علىَّ رضيمَان بن حسين الشمري، ونشر منها ابن بليهد بيتين، وأوردها الشيخ منديل في كتابه قالها عند انتجاعه لعبد الكريم الجرباء، بعد تردده بين أبي بندر طلال بن عبد الله بن رشيد وابن الإمَام عبد الله الفيصل: قال فجحان الفراوي:
أَخَذْتِ ليْ من بَيْنَ الاثِنَيْن سَجَّهْ ... مَا بَيْنَ " ابو بَنْدَر " و " ولْدَ الاِمَام "
منْ عُقْبُهُمْ نَاخِذْ على الْهجْن هَجَّهْ ... لِدْيَار سَمحِينَ الْوجيهَ الْكرَام
لَمْشَاهَدَ " الْجرْبَان " فَرضٍ وحِجَّه ... منْ بدِّ بَنَّايَ الشَّعَرْ والْخِيَام
امَا الْكَرَم صَجهْ وَلَجَّهْ ... مَا احْد مْنَاحِيْهُمْ جنُوبٍ وْشَام
مَنصَايْ هُوْ مَلفَايْ يَومَ اتوَجَّهْ ... عَبْد الكريم اللَّيْثِ غَايَة مَرَامِي
كَمْ وَاحِد جَا مِنْ بِعْيد يسِجِّهْ ... يَبي يشُوْفِكْ يَا بِعْيدَ الْعَلاَم
وَكَمْ مَرِةَّ خَلَّى عَلى الضَّدِّ عَجَّهْ ... بْنمْراً يجرَّة مِثْل وَسْط الكِتِام
تَلْقَى بْقَلْبَ الِّلي يْعَادِيْهِ رَجَّهْ ... منْ خَوْفِتِهْ يحْرَمْ عَلَيْهَ الَمْنَام
وَشِلْف تْوَسِّعْ بَالاَبضاهِرْ مفَجَّهْ ... وْحِدْبَ الظهور اللَّيْ تِقِصَّ العِظَام
عَلَى مهار يَرْعَبَ الْقَلْب عَجَّهْ ... فِرسان يكْدُوْنَ الْعَدُو بَالزِّحَام
стр. 38
آخِرْ كَلاَمِي " لِبُو خَوْذَةْ " مْوَجَّهْ ... شَطَّ الفِراَتَ الَى حَدَتْكَ الَمْظَامِي
يَالله يَاوالي لَمْقادِيْر نَجِّهْ ... حَيْثِهْ كريْم ومْنْ مُوَارثِ كْرَام
ثم قصيدته التي أَملاها عليَّ رُضَيْمَان بن حسين وذكر أَن الفِرَاوي قالها بعد رجوعه من الجرباء ونشرها الشيخ منديل في كتابه. قال فجحان مشيرا إلى أن عبد الكريم الجرباء أعطاه فرسا:
سُوَالْفي عِنْدَ النّشامى طِريْفَهْ ... مَاهِي خَرَابيْط تْعَوِّدْ عَلَى مَاشْ
قَلْبي يحِبّ مْلافْخَاتَ السِّفِيْفهْ ... نوْمَ الْخلا عِنْدِي مَضاريْبْ وفْراشْ
جِبْت الْحْصَان وجِبْت " هَدْبَا " وْريْفهْ صُمَّ الْحَوَافِرْ مِنْ مَرَاكِيْبَ " الاَبْوَاشْ "
مَانابِ مْقابلْهَا تِقِلْ لَوْنِ جيْفَهْ ... لاَ صَارْ غَازْي رحْتِ طرَّاشُ
الشيخ العاصي
ومن أعلام آل الجرباء البارزين أبو الهادي الشيخ العاصي من الجزعة وهو شيخ شمر كلها في الجزيرة. ووجدت في كراسات خطية للشيخ الأمير أحمد بن محمد السديري جمع فيهن أحديات الخيل من الشعر العامي أخبارا تتعلق بالعاصي، وابنه الهادي، فنقلتها هاهنا. وكان الأمير السديري عهد إِليَّ بشرح كتابه فأنهيت الجزء الأول، فلَمْا توفى ﵀ استرد مني ابنه مشعل أُصول الكتاب، مع مَا شرح منه، ولا أدري مَاذا تم بتلك الأسفار النفيسة. فمن أخبارهم مَا يتعلق بالخلاف بينهم وبين الثابت، وقد بين الأمير السديري ﵀ سبب العداوة بين الهادي والثابت، فذكر أن العرجاني العريفي الظفيري كان جاراً عند مناور بن سوقي شيخ العفاريت من عبدة من شمر، ثم رحل عنهم ورجع بعد سبع سنوات، إلا أنه قبل أن يصل إلى مناور، أغار عليه الهادي ونهب منه رعيتين، وقد اعتذر مناور عن إغاثة العرجاني، لأنه إنمَا كان جاراً له منذ سبع سنوات، إلا أن العرجاني ألح على نجدته وأثار نخوته، وتعلل بأن الهادي أخذه وهو في طريقه إلى الجوار، فثارت النخوة في رأس مناور، وراح يستنجد بمتعب الحدب، وجمَاعته الثابت، فركب متعب لنجدته في ستين فارساً ونزل على الهادي شافعاً في رعيتي العرجاني، بيد أن الهادي رفض وجاهته، فركب الحدب جواده غاضباً، فناداه الهادي متهكمَا: قدامكم الْحُمُر " يعني نياقه "! وهو بهذه الجملة يتحداهم أن يأخذوا نياقه. فاصطف الحدب وجمَاعته صفين يحدون بهذه الأُحدية لشاعر من الثابت:
حِنَّا هَلَ الْجَدْعَا وُكَادْ ... إن اقفنْ واقْبَلَنْ بناَ
حِنَّا ذَرَاكُمْ منْ شِمَالْ ... وْكِلَّ الْحِرَابِ بْجَنْبنَا
يا من يْسَايلْ شَيْخَنَا ... يَارَبْعَنَا وشْ ذَنْبَنَا
ومروا على إبل الهادي الحمر، واستولَوْا عليها. فطلب الهادي جواده، وأهاب بجمَاعته، فبادر والده العاصي بالأمر بربط ابنه الهادي، ووضع الحديد في يديه ورجليه، كمَا أمر بإرجاع رعيتي العرجاني للحدب، مع جمَاعة من الخرصة وبالَمْقابل قام الحدب بإرجاع إبل الهادي. وأمَا الهادي فقد أُغمي عليه من الغضب. ومن هذه الحادثة اشتعلت نار العداوة بين الطرفين، وفي خلال الَمْعارك بينهمَا قتل الهادي، قتله فهد بن شخير الَوْضيحي حفيد الشاعر بصري الَوْضيحي، وقد فر فهد من جزيرة العراق والتجأ عند ابن مُهيد في سوريا، وبقي عنده إلى أن مَات. وبهذا السبب طرد العاصي أبناء عمه الثابت والفداغة، من جزيرة العراق، فالتجأت هاتان القبيلتان عند ضَنَا مَاجد من الفدعان، وكونوا لهم قوة، ثم رحلَوْا ضيوفاً عند العاصي، وصالحوا إلا أن العاصي استثنى منهم الَوْضحان، القتلة الَمْباشرين للهادي، ولا يزالَوْن جالية عند الفدعان إلى الآن. ولعله قبل هذا الظرف قال فهد بن شخير قصيدته التي يخاطب بها الجرباء. قال فهد - كمَا في كراسات الأمير السديري -:
قالَوا: تْسَيِّرْ قِلتْ مَاني مْسَيِّرْ ... يَكْفُوْني الَمِسْيَار فِتْخَانَ الاَيْدِيْ
إِلاَّ انْ يقولَ الشَّيْخ سَيِّرْ وْسَيِّرْوْيعْطِيْنْيَ اللِّيْ مِثْل عِنقَ الْفِريْدِ
ان مَا ذبَحتِ دْهَامْ والاَّ الَمْير ... يَحرم عَلَيَّهْ لاَبْسَاتَ الْحَدِيدِ
стр. 39
وقد رد عليه دلي الَوْمير شيخ الخرصة من ضنا مَاجد من الفدعان من عنزه:
يَا رَاكْبَ اللِّى مَالَهَجْهَا الْحْوَيِّرْحَمْرا طُوَاهَا الْقَفْلْ عُقْبَ الْفِدِيْدِ
يَارَاكْبَهْ وَصَّلْ سَلاَمِي شْخَيِّرْ ... اللِّي بدَعْ بَالشَّيْخْ قَاف جدِيْدِ
ابُوك قبلك مَا ذِبَحَْ كلِّ خَيِّرْ ... غَيْرَ الْقصايدْ مَاذِكِرْ بهْ حَمِيْدِ
نَرْكَب عَلَى مِثْلَ الْحَمَامَ الَمْطَيِّرْيَاطَنْ حَدِيْد وْلِبْسَ اهَلْهنْ حَدِيْدِ
يَامَا وقَعْ بنْحُوْرْهِنْ كلِّ خَيِّرْ ... عَلَيْه سِحْمَانَ الضُّوَاري تِعْيدِ
دهامْ شيْخَ الْقَوْم مَاهُو صْغَيرْ ... فَرْقه عَلَيْكُمْ يَا الَوْضَيْحي بْعِيدِ
ووجدت في كراسات الأَمير السديري ﵀ هذه الأُحدية لحاد من الثابت من شمر يؤكد مقتل الهادي الجرباء:
يَا للِّىْ تْدَوِّرْ لَلقَضَا ... إِنْشِدْ وحنَّا حِرْوتِهْ
سبْعَ الْخَلا وقفْ عَلَيْه ... والسَّبْع يَاكلْ كِلَوْتِهْ
وقد قال العاصي عدة أُحديات في رثاء ابنه الهادي فمن ذلك قوله:
مَرْحُوم يَامَيْتِ لَنَا ... يذْكَرْ لَنَا تَحْتَ الثَّرَى
يَاالْهادِي يَالَيْتكْ تَقُوْمْ ... وتْشُوفِ عِقْبكْ وشْ جَرَى
مْنَاورٍ يَطْلُبْ حَلِيْبْ ... يَبى مْنَ الْحُمْر عَشْرَا
وقال يخاطب الحدب شيخ الثابت بعد قتلهم لابنه الهادي:
يَاوَنة وَنَّيْتَهَا ... مِنْ ضامِريْ يا ابُو عَلِي
يَالِعْن ابُو ... الْحَدَبْ ... لَوْلا الِّردِي يزْري عَلَي
وقال الهادي يرثي ولده الهادي:
يَا الْهَادِي مَا انْسى عَبْرتِكْ ... كُوْد الْجمَلْ يَنْسَى الْهَدِيْرْ
مِنْ عقْب فَقْدِي سِرْبتَكْ ... الُّدنْيَا مِنْ عِقْبكْ تدِيْرْ
يَامَا وقَعْ منْ حَرْبتَك ... رَاسٍ مَعَ السَّرْبَةْ كِبيْرْ
وذكر عبد الجبار الراوي أَن الهادي تولى شيخة الجربان بعد أَن هرم والده فنافيه أَولاد عمه جار الله، فقال العاصي يشجع ولده الهادي:
لِكْ دِيْرة فَيْضَهْ نِعِيمْ ... مِتْعِب والسّيبْ يْريْدَهَا
الَّشيْخ مِثْلكْ مَا يَنَامْ ... يَتْعْبْ عَلَى تَبْريْدَهَا
فقال الهادي يخاطب والده:
أَدْري بها قَبْل تقُولْ ... بنْتِ تْنَسِّفْ عِيْدَهَا
مِفْرَاص بَالَوْدَ الْحَدِيْدْ ... بحْنُوكِ مَنْ يريْدَهَا
وقال يخاطب ابنه الهادي:
يَا الْهْادِي رَبْكْ وَاهَمُوكْ ... رَاحُوا عَلَى نَبْطَ الْعَجَاجْ
ولْد الظِّفِيْري جَهُلَمْ ... حِرٍّ تَوَلَّى لِهْ دِجَاجْ
وقال العاصي:
يا الْهادِي هذي هقْوتي ... مَاهِي هقْوْ خَطْوَ الَوْلَدْ
تِر لاَيتكْ غوشَ الْيمن ... مَاهُم مْجَمَّعْ مِنْ بَلَدْ
يا الْهادي يا طَير الْهداد ... منْ جيْت في وجْهكْ سعدْ
وقال في ابنه البكر:
يا ضَنْوة خَسَرْتِهَا ... مِنْ غَيْر اخو شَاهَةْ فِسَادْ
فيهَ الزعيلي والدُّويْش ... وعْضَيْب خَال امِّهْ وُكَادْ
وقال في ابنه هادي من لحن الَمْسحوب:
يا طَير ياللِّي مَا كركْ بَالطُّويْلَهْ ... بَالْمِسْتِوي مَا بَينَ ابَانَاتِ وسوَاج
مَا يَذْبَح الاَّ كلِّ بَرْقاً جِليْلةْطَيرَ السَّعْدَ دَايِمْ عَلَى الصَّيْدِ مِزْعَاجْ
وقال العاصي يستحث حفيده دهام:
تَرَكْتِ عْيَالِي كلهمْ ... وَانخَاكِ يَا وِلْدُ وْلِدِيْ
مَا كَرْ حَرَارٍ مِنْ حَرَارْ ... مَحْفوظُ وْلاَ عِرْقِكْ رِدِيْ
خَلَّيتِ لْعَبْدَةْ مَرَّتَيْنْ ... والثالْثَة لاِبِنْ جَدِيْ
احْذَرْ، تَنَبَّهْ لا تَنَامْ ... افطَنْ لِحَقِّك لا يْغَدِيْ
وقال العاصي يخاطب حفيده دهام بن الهادي:
стр. 40
يَا دْهَامِ عَبْدَةَ غَرَّبَتْ ... إِقْعِدْ تَحَزَّمْ لا تَنَامْ
عَدُّوْا بِمْنَسِّفْ قِذْلِتِهْ ... الْهَادِي زَيْزُوْمَ الْجَهَامْ
وكان عقيل الياور قبل أن يتولى الَمْشيخة، يكثر الإغارات ويحالفه النجاح، فيوزع الغنائم على بيوت شمر، فخشي العاصي من انتقال الزعامة إليه وانتزاعها من ولده، فقال يستحث ولده حاكم على أخذ الزعامة وهي من لحن الحداء:
اللِّي يبِي شربَ اللبَنْ ... يَنْزلْ عَلَى الْيَاوَرْ عقِيْلْ
كل يَوْم يَاخِذْ لِهْ عَرَبْ ... يُومِي لْشَمَّر بَالشلِيْل
نَازوْعِ يَاخَطْوَ الْوَلَدْ ... مجنعٍ مَال الصَّلِيْل
وذكر الأمير السديري ﵀ أن قبيلتي الثابت والفداغة من سنجارة استنجدت بالباشا برهة، فأغاروا على العاصي، وأخذوا نياقه هبوب فقال العاصي:
هَبُوب تِذْكرْ عِنْدُهُمْ ... حَلُوْبةٍ لَهلْ قناة
لاَبدِّ نَاخِذْ ثَارَهَا ... بْيَوْمٍ يهيْلَ الْمرضِعَاتْ
يَلْزَمْ عَلَيْنَا رَدَّهَا ... فَرْضٍ كَمَا فَرْضَ الصَّلاةْ
وقال العاصي في هذه الَمْناسبة:
هبوب تبغي له مصيف ... تنزحوا عن جوها
تنزحوا يا اهل القناة ... والحرب نشعل ضوها
فقال حاد من سنجارة يرد على العاصي:
يَا الْعَاصِي يَا الرَّاسَ الْكِبيْرْ ... تَبي الْمَرَاجل تَوَّهَا
هَبُوب تَبْغِيْ لَهْ صُبَاحْ ... تَمْشِي وتْخَازرْ بَوَّهَا
وذكر الأمير السديري ﵀ أن متعب الحدب شيخ الثابت التجأ إلى إبراهيم باشا. وإبراهيم باشا أصله من الرولة، وقد سكن العراق، والتف حوله جمَاعة من العربان فهادن الأتراك ومنحوه لقب " باشا ". فقال العاصي بهذه الَمْناسبة:
يَا طَارشٍ يَمَّ الْحَدَبْ ... من ورا كوكب يِدِيْرْ
من عِقْب مِنزَالَ الطَّرَبْ ... يَنْزلْ عَلى خنسْا قِصِيْرْ
يَا حَيْفِ يَا سَبْعَ الْجَنبْ ... يَقْعِدْ لاَ عِنْدِهْ شِويْرْ
وقال العاصي رداً على خزعل أحد عبيد شمر:
يَا عَبْدِ مَا حِنَّا عليْكْ ... عَلى جَارَ اللهْ وَلَوْالدْ
وْعَسْكرْكِ طوعتهم بَالسَّيْفْ ... الْيَوْم وَاَّيامٍ بَعد
وقال العاصي:
جَدِّكْ لِجدَّانِهْ ضِدِيْدْ ... قِدْرَاني، مَاتَّدَان النكادْ
مَادّكِّ بكْ بَرْقَا عَبَاةْ ... طَلْعِكْ بعِيْد بَالْحمَادْ
بْكَ الزعيلى والدُّويْشْ ... وعْضَيبْ خَال أُمك وُكَادْ
قال الأمير السديري: حصل اختلاف بين العاصي وبين مطنى الصديد شيخ الصايح، فانضم آل جار الله من الجرباء إلى الصديد، وانضم ابن حسان شيخ الأسلَمْ إلى العاصي مع أنه معدود من الصديد. فقال العاصي بهذه الَمْناسبة:
ولْدَ الَمْحَزَّمْ عاشره جَدْعَانْ ... كِلِّ يَوْم يَصْفِقْ لِهْ عَرَبْ
الحرْب ثَار وذِبْحِ بهْ شِجْعَانْ ... والْيَوم اخُو شَاهةْ حَرَبْ
قال الأمير السديري ﵀: كان الثابت عند العاصي على الطعام وقد صالحهم بعد قتلهم لابنه الهادي، وقد أراد العاصي أن يروعهم دون أن يغفر ذمة ضيوفه، فوضع العاصي هذه الأُحدية على لسان بعض أصحابه، وأمره أن ينشدها بعد الطعام بصوت عالٍ:
يَا الْعَاصِي قَطِّعْ رُوْسُهُمْ ... لِعْيُوْنِ مَنْ رِكْبَ الْحِنِيْ
الْهَادِي خِلِّي بَالْمَحَاسْ ... والْجَفْنِ مَا لَجْلَجْ هَنِي
وقال العاصي مخاطباً عُبيد بن شُرَيْعِيب:
يَا عْبَيْد وَيْنَ الاوَلِّيْنْ ... اللِّي صِلِيْبٍ شَوْرُهُمْ؟
اللِّي يِصِكُّوْنَ الْكِمِيْنْ ... وطْعُوْنُهُمْ بِصْدُوْرُهُمْ
إنْ طِعْتُوا شَوْرِي يَاالْحَيِيْنْ ... نحُطكمْ بِقْبُوْرُهُمْ
قال أبو عبد الرحمن: وفي وضع آخر من كراسات الأمير السديري نسب هذه الأحدية لحاد من عنزة بهذه الصيغة:
следующие страницы →