← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 3197

جماع العلم

الشافعي

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

وغيره ولم يحفظ عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ علمته خلافها فيلزمك أن تقول بها على أصل مذاهبك وتجعلها إجماعا!. ٣٤٤ - فقال: بعضهم ليس ما قال: من هذا مذهبنا!. ٣٤٥ - قلت: ما زلت أرى ذلك فيه وفي غيره مما كلمتمونا به والله المستعان. ٣٤٦ - قال: فاليمين مع الشاهد إجماع بالمدينة؟. ٣٤٧ - فقلت: لا هي مختلف فيها غير أنا نعمل بما اختلف فيه إذا ثبت عن رسول الله ﷺ من الطريق الذي يثبت منها. ٣٤٨ - قال: وقلت: له من الذين إذا اتفقت أقاويلهم في الخبر صح وإذا اختلفوا طرحت لاختلافهم الحديث؟. ٣٤٩ - قال: أصحاب رسول الله ﷺ . ٣٥٠ - خبر الخاصة؟. ٣٥١ - قال: لا. ٣٥٢ - قلت: فهل يستدرك عنهم العلم بإجماع أو اختلاف بخبر عامة؟. ٣٥٣ - قال: ما لم أستدركه بخبر العامة نظرت إلى إجماع أهل العلم اليوم فإذا وجدتهم ما أجمعوا عليه استدللت على أن اختلافهم عن اختلاف من مضى قبلهم. ٣٥٣ - قلت: له أفرأيت استدلالا بأن إجماعهم خبر جماعاتهم؟. ٣٥٤ - قال: فتقول ماذا؟. ٣٥٦ - قلت: فأقول لا يكون لأحد أن يقول حتى يعلم إجماعهم في

стр. 37

البلدان ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت إلا خبر الجماعة عن الجماعة. ٣٥٧ - قال: فإن قلته؟. ٣٥٨ - قلت: فقله إن شئت!. ٣٥٩ - قال: قد يضيق هذا جدا. ٣٦٠ - فقلت: له وهو مع ضيقه غير موجود. ٣٦١ - ويدخل عليك خلافه في القياس إذا زعمت للواحد أن يقيس فقد أجزت القياس والقياس قد يمكن فيه الخطأ وامتنعت من قبول السنة إذ كان يمكن فيمن رواها الخطأ فأجزت الأضعف ورددت الأقوى!. ٣٦١ - وقلت: لبعضهم أرأيت قولك إجماعهم يدل لو قال: وا لك مما قلنا به مجتمعين ومفترقين ما قبلنا الخبر فيه والذي ثبت مثله عندنا عن من قبلنا ونحن مجموعون على أن جائزا لنا فيما ليس فيه نص ولا سنة أن نقول فيه بالقياس وإن اختلفنا أفتبطل أخبار الذين زعمت أن أخبارهم وما اجتمعت عليه أفعالهم حجة في شيء وتقبله في غيره؟!. ٣٦٣ - أرأيت لو قال: لك قائل أتبعهم في تثبيت أخبار الصادقين وإن كانت منفردة وأقبل عنهم القول بالقياس فيما لا خير فيه فأوسع أن يختلفوا فأكون قد تبعتهم في كل حال أكان أقوى حجة وأولى باتباعهم وأحسن ثناء عليهم أم أنت؟!. ٣٦٤ - قال: بهذا تقول؟. ٣٦٥ - قلت: نعم. ٣٦٦ - وقلت: أو رأيت قولك إجماع أصحاب رسول الله ﷺ ما

стр. 38

معناه أتعني أن يقولوا أو أكثرهم قولا واحدا أو يفعلوا فعلا واحدا. ٣٦٧ - قال: لا أعني هذا وهذا غيره موجود ولكن إذا حدث واحد منهم الحديث عن النبي ﷺ ولم يعارضه منهم معارض بخلافه فذلك دلالة على رضاهم به وأنهم علموا أن ما قال: منه كما قال. ٣٦٨ - قلت: أو ليس قد يحدث ولا يسمعونه ويحدث ولا علم لمن سمع حديثه منهم أن ما قال: كما قال: وأنه خلاف ما قال: وإنما على المحدث أن يسمع فأما لم يعلم خلافه فليس له رده. ٣٦٩ - قال: قد يمكن هذا على ما قلت: ولكن الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ فلا يمكن أبدا أن يحدث محدثهم بأمر فيدعوا معارضته إلا عن علم بأنه كما قال. ٣٧٠ - وقال: فأقول فإذا حكم حاكمهم فلم يناكروه فهو علم منهم بأن ما قال: الحق وكان عليهم أن يقيموا ما حكم فيه. ٣٧١ - قلت: أفيمكن أن يكونوا صدقوه بصدقه في الظاهر كما قبلوا شهادة الشاهدين بصدقهما في الظاهر؟. ٣٧٢ - قال: فإن قلت: لا؟. ٣٧٣ - فقلت: إذا قلت: لا فيما عليهم الدلالة فيه بأنهم قبلوا خبر الواحد وانتهوا إليه علمت أنك جاهل بما قلنا وإذا قلت: فيما يمكن مثله لا يمكن كنت جاهلا بما يجب عليك!. ٣٧٤ - قال: فتقول ماذا؟. ٣٧٥ - قلت: أقول إن صمتهم عن المعارضة قد يكون عن علم بما قال: وقد يكون عن غير علم به ويكون قبولا له ويكون عن وقوف عنه ويكون أكثرهم لم يسمعه لا كما قلت: واستدلال عنهم فيما سمعوا قوله

стр. 39

ممن كان عندهم صادقا ثبتا. ٣٧٦ - قال: فدع هذا. ٣٧٧ - قلت: لبعضهم هل علمت أن أبا بكر في إمارته قسم فسوى فيه بين الحر والعبد وجعل الجد أبا؟. ٣٧٨ - قال: نعم. ٣٧٩ - قلت: فقبلوا منه القسم ولم يعارضوه في الجد حياته؟. ٣٨٠ - قال: نعم ولو قلت: عارضوه في حيالة؟!. ٣٨١ - قلت: فقد أراد أن يحكم وله مخالف؟!. ٣٨٢ - قال: نعم ولا أقوله!. ٣٨٣ - قال: فجاء عمر ففصل الناس في القسم على النسب والسابقة وطرح العبيد من القسم وشرك بين الجد والإخوة؟. ٣٨٤ - قال: نعم. ٣٨٥ - قلت: وولي علي فسوى بين الناس في القسم؟. ٣٨٦ - قال: نعم. ٣٨٧ - قلت: فهذا على أخبار العامة عن ثلاثتهم عندك؟. ٣٨٨ قال: نعم. ٣٨٩ - قلت: فقل فيها ما أحببت؟. ٣٩٠ - قال: فتقول فيها أنت ماذا؟. ٣٩١ - قلت: أقول إن ما ليس فيه نص كتاب ولا سنة إذا طلب بالاجتهاد فيه المجتهدون وسع كلا إن شاء الله تعالى أن يفعل ويقول بما رآه حقا لا على ما قلت: فقل أنت ما شئت؟.

стр. 40

٣٩٢ - قال: لئن قلت: العمل الأول يلزمهم فإنه ينبغي للعمل الثاني والثالث أن يكون مثله لا يخالفه ولئن قلت: بل لم يكونوا وافقوا أبا بكر على فعله في حياته ليدخل علي أن له أن يمضي له اجتهاده وإن خالفهم. ٣٩٣ - قلت: أجل. ٣٩٤ - قال: فإن قلت: لا أعرف هذا عنهم ولا أقبله حتى أجد العامة تنقله عن العامة فتقول عنهم حدثنا جماعة ممن مضى قبلهم بكذا؟. ٣٩٥ - فقلت: له ما نعلم أحدا شك في هذا ولا روى عن أحد خلافه فلئن لم تجز أن يكون مثل هذا ثابتا فما حجتك على أحد إن عارضك في جميع ما زعمت أنه إجماع بأن يقول مثل ما قلت. ٣٩٦ - فقال: جماعة ممن حضر منهم فإن الله ذم على الاختلاف فذممناه؟. ٣٩٧ - فقلت: له في الاختلاف حكمان أم حكم؟. ٣٩٨ - قال: حكم. ٣٩٨ - قلت: فأسألك؟. ٤٠٠ - قال: فسل؟. ٤٠١ - قلت: أتوسع من الاختلاف شيئا؟. ٤٠٢ - قال: لا. ٤٠٣ - قلت: أفتعلم من أدركت من أعلام المسلمين الذين أفتوا عاشوا أو ماتوا وقد يختلفون في بعض أمور عن من قبلهم؟. ٤٠٤ - قال: نعم. ٤٠٥ - قلت: فقل فيهم ما شئت؟.

стр. 41

٤٠٦ - قال: فإن قلت: قال: وا بما لا يسعهم. ٤٠٧ - قلت: فقد خالفت اجتماعهم. ٤٠٨ - قال: أجل ٧٠٩ - قال: فدع هذا!. ٤١٠ - قلت: أفيسعهم القياس؟. ٤١١ - قال: نعم. ٤١٢ - قلت: فإن قاسوا فاختلفوا يسعهم أن يمضوا على القياس؟. ٤١٣ - قال: فإن قلت: لا. ٤١٤ - قلت: فيقولون إلى أي شيء نصير؟. ٤١٥ - قال: إلى القياس. ٤١٦ - قلت: قال: وا قد فعلنا فرأيت القياس بما قلت: ورأى هذا القياس بما قال. ٤١٧ - قال: فلا يقولون حتى يجتمعوا. ٤١٨ - قلت: من أقطار الأرض؟. ٤١٩ - قال: فإن قلت: نعم؟. ٤٢٠ - قلت: فلا يمكن أن يجتمعوا ولو أمكن اختلفوا. ٤٢١ - قال: فلو اجتمعوا لم يختلفوا. ٤٢١ - قلت: قد اجتمع اثنان فاختلفا فكيف إذا اجتمع الأكثر؟. ٤٢٣ - قال: ينبه بعضهم بعضا!. ٤٢٤ - قلت: ففعلوا فزعم كل واحد من المختلفين أن الذي قال القياس.

стр. 42

٤٢٥ - قال: فإن قلت: يسع الاختلاف في هذا الموضوع. ٤٢٦ - قلت: قد زعمت أن في اختلاف كل واحد من المختلفين حكمين وتركت قولك ليس الاختلاف إلا حكما واحدا. ٤٢٧ - قال: ما تقول أنت؟. ٤٢٨ - قلت: الاختلاف وجهان: ٤٢٩ - فما كان لله فيه نص حكم أو لرسوله سنة أو للمسلمين فيه إجماع لم يسع أحدا علم من هذا واحدا أن يخالفه. ٤٣٠ - وما لم يكن فيه من هذا واحد كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة. ٤٣١ - فإذا اجتهد من له أن يجتهد وسعه أن يقول بما وجد الدلالة عليه بأن يكون في معنى كتاب أو سنة أو إجماع. ٤٣٢ - فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره وسعه أن يقول بشيء وغيره بخلافه وهذا قليل إذا نظر فيه. ٤٣٣ - قال: فما حجتك فيما قلت؟. ٤٣٤ - قلت: له الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع. ٤٣٥ - قال: فاذكر الفرق بين حكم الاختلاف؟. ٤٣٦ - قلت: له قال: الله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: من الآية١٠٥] ٤٣٧ - وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ﴾ [البينة: من الآية٤] .

стр. 43

٤٣٨ - فإنما رأيت الله ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة ولم يأذن لهم فيه. ٤٣٩ - قال: قد عرفت هذا فما الوجه الذي دلك على أن ما ليس فيه نص حكم وسع فيه الاختلاف؟. ٤٤٠ - فقلت: له فرض الله على الناس التوجه في القبلة إلى المسجد الحرام فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٩] أفرأيت إذا سافرنا واختلفنا في القبلة فكان الأغلب علي أنها في جهة والأغلب على غيري في جهة، ما الفرض علينا؟. ٤٤١ - فإن قلت: الكعبة فهي وإن كانت ظاهرة في موضعها فهي مغيبة عن من نأى عنها فعليهم أن يطلبوا التوجه لها غاية جهدهم على ما أمكنهم وغلب بالدلالات في قلوبهم فإذا فعلوا وسعهم الاختلاف وكان كل مؤديا للفرض عليه بالاجتهاد في طلب الحق المغيب عنه. ٤٤٢ - وقلت: وقال الله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: من الآية٢] . أفرأيت الفرض علينا حاكمين شهد عندهما شاهدان بأعيانهما فكان عند أحد الحاكمين عدلين وعند الآخر غير عدلين؟. ٤٤٣ - قال: فعلى الذي هما عنده عدلان أن يجيزهما وعلى الآخر الذي هما عنده غير عدلين أن يردهما. ٤٤٤ - قلت: له فهذا الاختلاف؟. ٤٤٥ - قال: نعم. ٤٤٦ - فقلت: له أراك إذن جعلت الاختلاف حكمين؟.

стр. 44

٤٤٧ - فقال: لا يوجد في المغيب إلا هذا وكل وإن اختلف فعله وحكمه فقد أدى ما عليه. ٤٤٨ - قلت: فهكذا قلنا. ٤٤٩ - وقلت له: قال الله : ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: من الآية٩٥] . فإن حكم عدلان في موضع بشيء وآخران في موضع بأكثر أو أقل منه فكل قد اجتهد وأدى ما عليه وإن اختلفا. ٤٥٠ - وقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً﴾ [النساء: من الآية٣٤] ٤٥١ - وقال : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: من الآية٢٢٩] . ٤٥٢ - أرأيت إذا فعلت امرأتان فعلا واحدا وكان زوج إحداهما يخاف نشوزها وزوج الأخرى لا يخاف به نشوزها؟. ٤٥٣ - قال: يسع الذي يخاف به النشوز العظة والهجرة والضرب ولا يسع الآخر الضرب. ٤٥٤ - وقلت: وهكذا يسع الذي يخاف أن لا تقيم زوجته حدود الله الأخذ منها ولا يسع الآخر وإن استوى فعلاهما؟. ٤٥٥ - قال: نعم. ٤٥٦ - قال: قال: وإني وإن قلت: هذا فلعل غيري يخالفني وإياك ولا يقبل هذا منا فأين السنة التي دلت على سعة الاختلاف؟. ٤٥٧ - قُلْتُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بن

стр. 45

الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذا حكم الحاكم فاجتهدفأصاب فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ". ٤٥٨ - قَالَ: يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو بن خزم فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٤٥٩ - قال: وماذا؟. ٤٦٠ - قلت: ما وصفنا من أن الحكام والمفتيين إلى اليوم قد اختلفوا في بعض ما حكموا فيه وأفتوا وهم لا يحكمون ويفتون إلا بما يسعهم عندهم وهذا عندك إجماع، فكيف يكون إجماعا إذا كان موجودا في أفعالهم الاختلاف

стр. 46

بيان فرائض الله ﵎ أخبرنا الربيع بْن سليمان قال: قال الشافعي: ٤٦١ - فرض الله في كتابه من وجهين: ٤٦٢ - أحدهما أبان فيه كيف فرض بعضها حتى استغني فيه بالتنزيل عن التأويل وعن الخبر. ٤٦٣ - والآخر أنه أحكم فرضه بكتابه وبين كيف هي على لسان نبيه ﷺ . ٤٦٤ - ثم أثبت فرض ما فرض رسول الله ﷺ في كتابه بقوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] . ٤٦٥ - وبقوله تبارك اسمه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] . ٤٦٦ - وبقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: من الآية٣٦] . مع غير آية في القرآن بهذا المعنى ٤٦٧ - فمن قبل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قبل. ٤٦٨ - قال: الشافعي فالفرائض تجتمع في أنها ثابتة على ما فرضت عليه ثم تفرقت شرائعها بما فرق الله ثم رسوله ﷺ . ٤٦٩ - فيفرق بين ما فرق منها ويجمع بين ما جمع منها فلا يقاس فرع شريعة على غيرها.

стр. 47

٤٧٠ - وأول ما نبدأ به من الشرائع الصلاة. ٤٧١ - فنحن نجدها ثابتة على البالغين غير المغلوبين على عقولهم ساقطة عن الحيض أيام حيضهن. ٤٧٢ - ثم نجد الفريضة منها والنافلة مجتمعتين في أن لا يجوز الدخول في واحدة منهما بطهارة الماء في الحضر والسفر ما كان موجودا والتيمم في السفر وإذا كان الماء معدوما في الحضر أو كان المرء مريضا لا يطيق الوضوء لخوف تلف في الوضوء أو زيادة في العلة. ٤٧٣ - ونجدهما مجتمعين في أن لا يصليا معا إلا متوجهين إلى الكعبة ما كانا في الحضر ونازلين بالأرض. ٤٧٤ - ونجدهما إذا كانا مسافرين تفترق حالهما فيكون للمصلي تطوعا إن كان راكبا أن يتوجه حيث توجهت به دابته يومئ إيماء ولا نجد ذلك للمصلي فريضة بحال أبدا إلا في حال واحدة من الخوف. ٤٧٥ - ونجد المصلي صلاة تجب عليه إذا كان يطيق ويمكنه القيام لم تجز عنه الصلاة إلا قائما ونجد المنتفل يجوز له أن يصلي جالسا. ٤٧٦ - ونجد المصلي فريضة يؤديها في الوقت قائما فإن لم يقدر أداها جالسا فإن لم يقدر أداها مضطجعا ساجدا إن قدر وموميا إن لم يقدر. ٤٧٧ - ونجد الزكاة فرضا تجامع الصلاة وتخالفها ولا نجد الزكاة تكون إلا ثابتة أو ساقطة فإذا ثبتت لم يكن فيها إلا أدواؤها مما وجب في جميع الحالات مستويا ليس يختلف بعذر كما اختلفت تأدية الصلاة قائما أو قاعدا. ٤٧٨ - ونجد المرء إذا كان له مال حاضر تجب فيه الزكاة وكان عليه دين مثله زالت عنه الزكاة حتى لا يكون عليه منها شيء في تلك الحال.

стр. 48

والصلاة لا تزول في حال يؤديها كما أطاقها. قال الربيع: ٤٧٩ - وللشافعي قول آخر إذا كان عليه دين عشرين دينارا وله مثلها فعليه الزكاة يؤديها من قبل أن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: من الآية١٠٣] . فلما كانت هذه العشرون لو وهبها جازت هبته ولو تصدق بها جازت صدقته ولو تلفت كانت منه فلما كانت أحكامها كلها تدل على أنها مال من ماله وجبت عليه فيها الزكاة لقول الله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ٤٨٠ - ونجد المرأة ذات المال تزول عنها الصلاة في أيام حيضها ولا تزول عنها الزكاة وكذلك الصبي والمغلوب على عقله.

стр. 49

باب الصوم قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ٤٨١ - ونجد الصوم فرضا بوقت كما أن الصلاة فرضت بوقت. ٤٨٢ - ثم نجد الصوم مرخصا فيه للمسافر أن يدعه وهو مطيق له في وقته ثم يقضيه بعد وقته وليس هكذا الصلاة لا يرخص في تأخير الصلاة عن وقتها إلى يوم غيره ولا يرخص له في أن يقصر من الصوم شيئا كما يرخص في أن يقصر من الصلاة ولا يكون صومه مختلفا باختلاف حالاته في المرض والصحة. ٤٨٣ - ونجده إذا جامع في صيام شهر رمضان وهو واجد أعتق وإن جامع في الحج نحر بدنة وإن جامع في الصلاة استغفر ولم تكن عليه كفارة والجماع في هذه الحالات كلها محرم ثم يكون جماع كثير محرم لا يكون في شيء منه كفارة ثم نجده يجامع في صوم واجب عليه في قضاء شهر رمضان أو كفارة قتل أو ظهار فلا يكون عليه كفارة ويكون عليه البدل في هذا كله. ٤٨٤ - ونجد المغمى عليه والحائض لا صوم عليهما ولا صلاة فإذا أفاق المغمى عليه وطهرت الحائض فعليهما قضاء ما مضى من الصوم في أيام إغماء هذا وحيض هذه وليس على الحائض قضاء الصلاة في قول أحد ولا على المغمى عليه قضاء الصلاة في قولنا. ٤٨٥ - ووجدت الحج فرضا على خاص وهو من وجد إليه سبيلا. ٤٨٦ - ثم وجدت الحج يجامع الصلاة في شيء ويخالفها في غيره. ٤٨٧ - فأما ما يخالفها فيه فإن الصلاة يحل له فيها أن يكون لابسا

стр. 50

للثياب ويحرم على الحاج. ٤٨٨ - ويحل للحاج أن يكون متكلما عامدا ولا يحل ذلك للمصلى ويفسد المرء صلاته فلا يكون له أن يمضي فيها ويكون عليه أن يستأنف صلاة غيرها بدلا منها ولا يكفر ويفسد حجه فيمضي فيه فاسدا لا يكون له غير ذلك ثم يبدله ويفتدي. ٤٨٩ - والحج في وقت والصلاة في وقت فإن أخطأ رجل في وقته لم يجز عنه الحج ثم وجدتهما مأمورين بأن يدخل المصلي في وقت فإن دخل المصلي قبل الوقت لم تجز عنه صلاته وإن دخل الحاج قبل الوقت أجزأ عنه حجه. ٤٩٠ - ووجدت للصلاة أولا وآخرا فوجدت أولها التكبير وآخرهاالتسليم ووجدته إذا عمل ما يفسدها فيما بين أولها وآخرهاوسلم فهذه الطريق التي عبت ووجدت للحج أولا وآخرا ثم أجزاء بعده فأوله الإحرام ثم آخر أجزائه الرمي والحلاق والنحر فإذا فعل هذا خرج من جميع إحرامه في قولنا ودلالة السنة إلا من النساء خاصة وفي قول غيرنا إلا من النساء والطيب والصيد ثم وجدته في هذه الحال إذا أصاب النساء قبل يحللن له نحر بدنه ولم يكن مفسدا لحجه وإن لم يصيب النساء حتى يطوف حل له النساء وكل شيء حرمه عليه الحج معكوفا على نسك من حجه من البيتوتة بمنى ورمي الجمار والوداع يعمل هذا حلالا خارجا من إحرام الحج وهو لا يعمل شيئا في الصلاة إلا وإحرام الصلاة قائم عليه. ٤٩١ - ووجدته مأمورا في الحج بأشياء إذا تركها كان عليه فيها البدل بالكفارة من الدماء والصوم والصدقة وحجة ومأمورا في الصلاة بأشياء لا تعدو واحدا من وجهين إما أن يكون تاركا لشيء منها فتفسد صلاته

стр. 51

ولا تجزيه كفارة ولا غيرها إلا استئناف الصلاة أو يكون إذا ترك شيئا مأمورا به غير صلب الصلاة كان تاركا لفضل والصلاة مجزية عنه ولا كفارة عليه. ٤٩٢ - ثم للحج وقت آخر وهو الطواف بالبيت بعد النحر الذي يحل له به النساء ثم لهذا آخر وهو النفر من مني ثم الوداع وهو مخير في النفر إن أحب تعجل في يومين وإن أحب تأخر. أخبرنا الربيع بْن سليمان قال: قال الشافعي: ٤٩٣ - أخبرنا ابن عيينة بإسناد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يمسكن الناس علي بشيء فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله". ٤٩٤ - قال الشافعي: هذا منقطع ونحن نعرف فقه طاوس ولو ثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فبين فيه أنه على ما وصفت إن شاء الله تعالى قال: "لا يمسكن الناس علي بشيء". ولم يقل لا تمسكوا عني بل قد أمر أن يمسك عنه وأمر الله بذلك. ٤٩٥ - قَالَ: الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ مَا نَدْرِي هَذَا مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". ٤٩٦ - وقد أمرنا باتباع ما أمرنا به واجتناب ما نهى عنه وفرض الله ذلك في كتابه على خليقته وما في أيدي الناس من هذا إلا ما تمسكوا به عن الله ﵎ ثم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثم عن دلالته. ٤٩٧ - ولكن قوله إن كان قاله "لا يمسكن الناس علي بشيء".

стр. 52

يدل على أن رسول الله ﷺ إذا كان بموضع القدرة فقد كانت له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس وحرم عليه منها ما لم يحرم على الناس فقال: لا يمسكن الناس علي بشيء من الذي لي أو علي دونهم فإن كان علي ولي دونهم لا يمسكن به. ٤٩٨ - وذلك مثل أن الله إذا أحل له من عدد النساء ما شاء وأن يستنكح المرأة إذا وهبت نفسها له قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: من الآية٥٠] فلم يكن لأحد أن يقول قد جمع رسول الله ﷺ بين أكثر من أربع ونكح رسول الله ﷺ امرأة بغير مهر وأخذ رسول الله ﷺ صفيا من المغانم وكان لرسول الله ﷺ لأن الله قد بين في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ أن ذلك له دونهم. ٤٩٩ - وفرض الله عليه أن يخير أزواجه في المقام معه والفراق فلم يكن لأحد أن يقول علي أن أخير امرأتي على ما فرض الله على رسوله ﷺ . ٥٠٠ - وهذا معنى قول النبي ﷺ إن كان قاله: "لا يمسكن الناس علي بشيء فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله". ٥٠١ - وكذلك صنع رسول الله ﷺ وبذلك أمره وافترض عليه أن يتبع ما أوحى إليه ونشهد أن قد اتبعه. ٥٠٢ - فما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله في الوحي اتباع سنته فيه فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله . ٥٠٣ - قال الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .

стр. 53

٥٠٤ - وقال عز وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] . ٥٠٥ - وأخبرنا عن صدقة بْن يسار عن عمر بْن عبد العزيز سأل بالمدينة فاجتمع له على أنه لا يبين حمل في أقل من ثلاثة أشهر. ٥٠٦ - قال: الشافعي إن الله وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه. ٥٠٧ - فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه وأنه لا يخالف كتاب الله وأنه بين عن الله عز وعلا معنى ما أراد الله. ٥٠٨ - وبيان ذلك في كتاب الله . ٥٠٩ - قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: من الآية١٥] . ٥١٠ - وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: من الآية١٠٦] . ٥١١ – وقال مثل هذا في غير آية. ٥١٢ - وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: من الآية٨٠] . ٥١٣ - وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ٥١٤ - أَخْبَرَنَا الدراوادي عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْمُطَّلِبِ

стр. 54

بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إِلا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَلا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ إِلا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ". أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: ٥١٥ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". ٥١٦ - ومثل هذا أن الله فرض الصلاة والزكاة والحج في كتابه وبين رسول الله ﷺ معنى ما أراد الله تعالى من عدد الصلاة ومواقيتها وعدد ركوعها وسجودها وسنن الحج وما يعمل المرء منه ويجتنب وأي المال تؤخذ منه الزكاة وكم ووقت ما تؤخذ منه. ٥١٧ - وقال الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: من الآية٣٨] ٥١٨ - وقال عز ذكره: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: من الآية٢] . ٥١٩ - فلو صرنا إلى ظاهر القرآن قطعنا من لزمه اسم سرقة وضربنا كل من لزمه اسم "زنى" مائة جلدة. ٥٢٠ ولما قطع النبي في ربع دينار ولم يقطع في أقل منه ورجم الحرين الثيبين ولم يجلدهما استدللنا على أن الله إنما أراد بالقطع والجلد بعض السراق دون بعض وبعض الزناة دون بعض. ٥٢١ - ومثل هذا لا يخالفه المسح على الخفين: ٥٢٢ - قال الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ

стр. 55

إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: من الآية٦] ٥٢٣ - فلما مسح النبي ﷺ على الخفين استدللنا على أن فرض الله غسل القدمين إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض وأن المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة استدلالا بسنة رسول الله ﷺ لأنه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم كما لا يدرأ القطع عن بعض السراق وجلد المائة عن بعض الزناة والفرض عليه أن يجلد ويقطع. ٥٢٤ - فإذا ذهب ذاهب إلى أنه قد يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: سبق الكتاب المسح على الخفين؟. ٥٢٥ - فالمائدة نزلت قبل المسح المثبت بالحجاز في غزاة تبوك والمائدة قبله. ٥٢٦ - وإن زعم أنه كان فرض وضوء قبل الوضوء الذي مسح رسول الله ﷺ وفرض وضوء بعده فنسخ المسح. ٥٢٧ - فليأتنا بفرض وضوءين في القرآن فإنا لا نعلم فرض الوضوء إلا واحدا. ٥٢٨ - وإن زعم أنه مسح قبل يفرض عليه الوضوء فقد زعم أن الصلاة بلا وضوء ولا نعلمها كانت قط إلا بوضوء. ٥٢٩ - فأي كتاب سبق المسح على الخفين؟!. ٥٣٠ - المسح كما وصفنا من الاستدلال لسنة رسول الله ﷺ كما كان جميع ما سن رسول الله ﷺ من فرائض الله ﵎ مثل ما وصفنا من السارق والزاني وغيرهما. ٥٣١ - قال الشافعي: ولا تكون سنة أبدا تخالف القرآن والله تعالى الموفق.

стр. 56

صفة نهي النبي ﷺ قال: الشافعي رحمه الله تعالى ٥٣٢ - أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم إما أراد به نهيا عن بعض الأمور دون بعض وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار. ٥٣٣ - ولا نفرق بين نهي النبي ﷺ إلا بدلالة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أو أمر لم يختلف فيه المسلمون فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنة وقد يمكن أن يجهلها بعضهم. ٥٣٥ - فمما نهى عنه رسول الله ﷺ فكان على التحريم لم يختلف أكثر العامة فيه أنه نهى عن الذهب بالورق إلا هاء وهاء وعن الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد ونهى عن بيعتين في بيعة. ٥٣٥ - فقلنا والعامة معنا إذا تبايع المتبايعان ذهبا بورق أو ذهبا بذهب فلم يتقابضيا قبل أن يتفرقا فالبيع مفسوخ. ٥٣٦ - وكانت حجتنا أن النبي ﷺ لما نهى عنه صار محرما. ٥٣٧ - وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت وهو أن أبيعك على أن تبيعني لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئا ليس في ملكه. ٥٣٨ - ونهى النبي ﷺ عن بيع الغرر ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل فقد وجب عليه بأحد الثمنين لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم وبيع الغرر فيه أشياء كثيرة نكتفي بهذا منها

стр. 57

ونهى النبي ﷺ عن الشغار والمتعة. ٥٣٩ - فما انعقدت على شيء محرم علي ليس في ملكي بنهي النبي ﷺ لأني قد ملكت المحرم بالبيع المحرم فأجرينا النهي مجرى واحدا إذا لم يكن عنه دلالة تفرق بينه ففسخنا هذه الأشياء والمتعة والشغار كما فسخنا البيعتين. ٥٤٠ - ومما نهى رسول الله ﷺ في بعض الحالات دون بعض واستدللنا على أنه إنما أراد بالنهي عنه أن يكون منهيا عنه في حال دون حال بسنته ﷺ وذلك أن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه". ٥٤١ - فلولا الدلالة عنه كان النهي في هذا مثل النهي في الأول فحرم إذا خطب الرجل امرأة أن يخطبها غيره. ٥٤٢ - فلما قالت فاطمة بنت قيس: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا حللت فآذنيني". فلما حلت من عدتها أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ولكن انكحي أسامة بْن زيد" قالت فكرهته فقال: "انكحي أسامة" فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به استدللنا على أنه لا ينهى عن الخطبة ويخطب على خطبة إلا ونهيه عن الخطبة حين ترضى المرأة فلا يكون بقي إلا العقد فيكون إذا خطب أفسد ذلك على الخاطب المرضي أو عليها أو عليهما معا وقد يمكن أن يفسد ذلك عليهما ثم لا يتم ما بينها وبين الخاطب. ٥٤٣ - ولو أن فاطمة أخبرته أنها رضيت واحدا منهما لم يخطبها إن شاء الله تعالى على أسامة ولكنها أخبرته بالخطبة واستشارته فكان في

стр. 58

حديثها دلالة على أنها لم ترض ولم ترد. ٥٤٤ - فإذا كانت المرأة بهذه الحال جاز أن تخطب وإذا رضيت المرأة الرجل وبدا لها وأمرت بأن تنكحه لم يجز أن تخطب في الحال التي لو زوجها فيه الولي جاز نكاحه. ٥٤٥ - فإن قال: قائل فإن حالها إذا كانت بعد أن تركن بنعم مخالفة حالها بعد الخطبة وقبل أن تركن فكذلك حالها حين خطبت قبل الركون مخالفة حالها قبل أن تخطب وكذلك إذا أعيدت عليها الخطبة وقد كانت امتنعت فسكتت والسكات قد لا يكون رضا؟. ٥٤٦ - فليس ههنا قول يجوز عندي أن يقال: إلا ما ذكرت بالاستدلال ولولا الدلالة بالسنة كانت إذا خطبت حرمت على غير خاطبها الأول أن يخطبها حتى يتركها الخاطب الأول. ٥٤٧ - ثم يتفرق نهي النبي ﷺ على وجهين: ٥٤٨ - فكل ما نهى عنه مما كان ممنوعا إلا بحادث يحدث فيه يحله فأحدث الرجل فيه حادثا منهيا عنه لم يحله وكان على أصل تحريمه إذا لم يأت من الوجه الذي يحله. ٥٤٩ - وذلك مثل أن أموال الناس ممنوعة من غيرهم وأن النساء ممنوعة من الرجال إلا بأن يملك الرجل مال الرجل بما يحل من بيع أو هبة وغير ذلك وأن النساء محرمات إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين صحيح. ٥٥٠ - فإذا اشترى الرجل شراء منهيا عنه فالتحريم فيما اشترى قائم بعينه لأنه لم يأته من الوجه الذي يحل منه ولا يحل المحرم وكذلك إذا نكح نكاحا منهيا عنه لم تحل المرأة المحرمة. ٥٥١ - وما نهيت عنه من فعل شيء في ملكي أو شيء مباح لي ليس

стр. 59

بملك لأحد فذلك نهي اختيار ولا ينبغي أن نرتكبه فإذا عمد فعل ذلك أحد كان عاصيا بالفعل ويكون قد ترك الاختيار ولا يحرم ماله ولا ما كان مباحا له. ٥٥٢ – وذلك: مثل ما روى عنه أنه أمر الآكل أن يأكل مما يليه ولا يأكل من رأس الثريد ولا يعرس على قارعة الطريق فإن أكل مما لا يليه أو من رأس الطعام أو عرس على قارعة الطريق أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالما بنهي النبي ﷺ ولم يحرم ذلك الطعام عليه. ٥٥٣ - ذلك أن الطعام غير الفعل ولم يكن يحتاج إلى شيء يحل له به الطعام كان حلالا فلا يحرم الحلال عليه بأن عصى في الموضع الذي جاء منه الأكل. ٥٥٤ - ومثل ذلك النهي عن التعريس على قارعة الطريق الطريق له مباح وهو عاص بالتعريس على الطريق ومعصيته لا تحرم عليه الطريق. ٥٥٥ - وإنما قلت: يكون فيها عاصيا إذا قامت الحجة على الرجل بأنه كان علم أن النبي ﷺ نهى عنه.