← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ونلاحظ أنه مع هذا الظلم الفاحش للحسن، قد نسب إليه في آن واحد مذهب المرجئة الغلاة، والمرجئة الفقهاء "الحنفية" دون أن يفطن، فإن القائلين: إنه لا يضر مع الإيمان معصية هم الغلاة الذين كفرهم السلف، وأما من قال: إن الطاعات ليست من أصل الإسلام لكنها شرائعه، وأن ترك المعاصي مطلوب والعقوبة عليها ثابتة، فهم مرجئة الفقهاء وهم بريئون من الأول. والنشار إنما ذكر ذلك تخلصاً، لينتقل إلى الحديث عن أبي حنيفة، ومن ثم تابع كلامه قائلاً: "وهنا ظهرت أول فرقة من أهل السنة، ويمثلها بعد الحسن بن محمد، مجموعة من العلماء، على رأسهم أبو حنيفة النعمان، المتوفى ١٥٠ هـ، لم يكفروا أصحاب الكبائر ولم يحكموا بتخليدهم في النار .. " (١) وهنا سؤال لا بد منه وهو: كيف تكون هذه هي أول فرقة من أهل السنة لا تكفر صاحب الكبيرة؟ أمعنى هذا أن الصحابة والتابعين كانوا يكفرونه، أم المقصود الأولية المطلقة، فلا يكون الصحابة والتابعين معدودين عنده من أهل السنة؟. ثم إن هذا ليس هو الإرجاء، ولم يسمه أحد كذلك إلا الخوارج، أما ما شرحه هو في الأسطر السابقة فليس هذا، فذلك إرجاء، وهذا جزء من عقيدة أهل السنة في الإيمان. هذا فوق نسبته مذهب المرجئة الحنفية إلى الحسن وهو منه براء, وقد عاد فأكد ذلك قائلاً: "أما أن أبا حنيفة كان مرجئاً فهذا حق، ولكنه كان مرجئاً- كما سنرى بعد- إرجاء سنة، ولم يخرج بإرجائه عن الجماعة الإسلامية على الإطلاق. . . " (٢) ويقول: "وقد نادى أبو حنيفة بهذا المذهب، لكي يحمي المجتمع الإسلامي من عقيدة الخوارج التي كانت تنادي بأن الإيمان عقد وعمل (٣)، فمن لم يعمل لم يكن مؤمناً .. فقام الحسن بن الحنفية بدعوته وتابعه عليها أبو حنيفة". ثم يضيف مؤكداً: "إن مرجئة أهل السنة قد نشأوا على يد رجل من أهل البيت، وهو الحسن بن محمد بن الحنفية، وكان الحسن يرمي إلى حماية المسلمين- شيعة كانوا أو جماعة- من بطش الخوارج، وكانت حركة الأزارقة في أوجها إبان الوقت، ثم نادى بالفكرة نفسها أبو حنيفة. . . " (٤) ويقول: "وينبغي أن نلاحظ أن مرجئة أهل السنة يختلفون تماماً عن بقية المرجئة، وهؤلاء الآخرون يقولون: إن من شهد شهادة الحق دخل الجنة، وإن عمل أي عمل، وكما لا ينفع مع الشرك حسنة، كذلك لا يضر مع التوحيد معصية .. " (٥) إلخ. وهذا كما ترى يناقض تماماً ما قرره هو قبل قليل، من أن الحسن "أعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية". فيلزمه أن يجعل الحسن من المرجئة الأخيرين، أي غير مرجئة أهل السنة، أو أن ينفي عنه ما اتهمه به من القول. والحق - كما أوضحنا سابقاً - أن الحسن بريء من هذا وذاك، وأن إرجاءه لا علاقة له بالإيمان أصلاً. وأما أن أولئك النفر الذين سمعوا كلام الحسن وقرأوا كتابه قد اتخذوا ذلك ديناً، كما قال عم الراوي (٦) فحق ومتوقع، وهذه هي الطائفة التي يلحقها الذم والعيب، والتي لا شك أن من السهل والطبيعي أن تندمج في فرق المرجئة، أي أن تخضع لسنة التطور نفسها التي عرضناها سابقاً. وهنا يجدر أن نذكر عالماً آخر، ينطبق عليه ما ينطبق على الحسن من الوقوع في هذا الإرجاء، من غير اتباع لرأي الخوارج ولا تعمد تأسيس بدعة، وهو "عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود". والظاهر أن هذا الاعتقاد لم يدم طويلاً، حيث استدعاه أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز وكلمه في ذلك، فاستبان له الخطأ وعاد عن قوله، وقال في ذلك شعراً: لأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من آل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا (٧)

стр. 1052

ومن أهمية إرجاء عون، أنه سطر لنا في هذه الأبيات شيئاً مما تعتقده المرجئة الأولى، وهي أبيات يصعب فهمها وتفسيرها على من لم يفهم حقيقة هذا الإرجاء من غيرها. والتفسير الذي يتناسب مع عقيدة القوم، أنهم يعتقدون في عثمان وعلي الإيمان ولا يخرجونهما من الملة، لكنهم يطعنون في إمامة علي، ويصفونه بالجور في السيرة، حيث سفك من الدماء - بزعمهم - ما سفك. وكذلك يرون مع إيمان عثمان أنه دمه كان حلالاً، لأنه عدل عن سيرة الشيخين وارتكب ما ارتكب بزعمهم!! هذه هي عقيدتهم التي نقضها عون، والتي ربما لم يتبين له لوازمها البعيدة إلا بعد مقابلته لعمر، وقد ردها بقوله: وقالوا مؤمن من آل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا والمقصود هنا علي، أي أن الشهادة له بالإيمان تقتضي منكم ألا تصفوه بالجور، لا سيما والأصل الذي انشقوا عنه "الخوارج" يرى التكفير بالجور كأي معصية , فمن أثبت له الإيمان، لزمه أن ينفي عنه الجور. وأما عثمان، فكيف تثبتون له الإيمان، ثم تقولون: إن دمه حلال، ودماء المؤمنين حرام معصومة؟! هذا ما ظهر لي والله أعلم. بقي أن نشير في ختام هذا الموضوع إلى بعض ما ورد عن الإرجاء مما لا يتضح تفسيره إلا على الإرجاء الأول. ومن ذلك ما رواه عبدالله بن أحمد عن أبيه بسنده إلى الأوزاعي: "كان أبو سعيد الخدري يقول: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والإرجاء بدعة" (١). وهو منقطع الإسناد، لكن رواه في موضع تال بسند صحيح متصل إلى جماعة من خيار التابعين، قال: "حدثني أبي حدثنا وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم: أبو البختري وميسرة وأبو صالح وضحاك المشرقي وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة والولاية بدعة والبراءة بدعة والشهادة بدعة" (٢). ورواه أبو عبيد عن بعضهم (٣). وقد فسر الإمام أحمد نفسه ذلك، فيما رواه عنه الخلال في باب ذكر أصحاب رسول الله ﷺ عن إسحاق قال: "سألت عبدالله قلت: الشراة (٤) يأخذون رجلاً فيقولون له: تبرأ من علي وعثمان وإلا قتلناك، كيف ترى أن يفعل؟ قال أبو عبدلله: إذا عذب وضرب فليصر إلى ما أرادوا، والله يعلم منه خلافه. أخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا أبو طالب قال: سألت أبا عبدالله عن البراءة بدعة والولاية بدعة والشهادة بدعة؟ قال: البراءة: أن تبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . والولاية: أن تتولى بعضاً (٥) وتترك بعضاً. والشهادة: أن تشهد على أحد أنه في النار" فقد فسر الإمام هذه الألفاظ عدا الإرجاء، فلم يسأله عنه أبو طالب، لكن الثلاثة كلها تتعلق بالصحابة، فهو أيضاً كذلك وتفسيره: "أن ترجئ أمر علي وعثمان فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما" على ما سبق. وهذا ما كانت الخوارج - أو بعضها- تقبله ممن تظفر به، بخلاف من أظهر موالاتهما وأقر بفضلهما، فقد يكون مصيره القتل. كما أورد للإمام أحمد عبارة قد يتعسر فهمها وهي قوله في كتاب "السنة" المطبوع مع كتاب "الرد على الزنادقة": "إن الخوارج هم المرجئة" (٧) وتفسيرها بإرجاء الصحابة هو ممكن، أما الإرجاء العام المتعلق بالإيمان فلا يمكن- اللهم إلا إذا كانت العبارة ناقصة أو محرفة- وذلك بأن يقال: إن الخوارج يتهمون السنة بأنهم مرجئة لأنهم لا يقطعون على صاحب الكبيرة المعين بأنه خالد مخلد في النار. فرد عليهم الإمام بأنهم هم المرجئة، لأنهم لا يقطعون بدخول عثمان وعلي الجنة من ثبوت الخبر فيهما بدخولها، بل هم إما يكفرونهما - كحال غلاتهم - أو يرجئون أمرهما ولا يقطعون, كحال مرجئتهم. فكانوا بذلك أحق بهذا الاسم من أهل السنة، لأن من يشك في أمر ثابت جلي هو أولى بهذا اللقب المذموم، ممن يتوقف في أمر لا علم له به!! المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ١/ ٣٤٣

стр. 1053

المبحث التاسع: البدايات والأصول لا شك أن البذور والبدايات الأولى للإرجاء وجدت بعد صفين، إما من المعادين للخوارج أو من المنشقين عنهم، كالشأن في ردود الأفعال، ولكن بروز الر أي والمجادلة فيه وبه تأخرت عن ذلك، وكان ظهورها في وقت الفتنة والاضطراب الكبير الذى عم البلاد، حين كان للأمويين دولة، ولابن الزبير دولة، وللخوارج دولة - كما سبق في حديث أبى برزة الأسلمى -. برز الإرجاء حينئذ نتيجة المجادلات المستمرة بين الفرق - لا سيما بين الخوارج وغيرهم - وكانت الفتنة من أسباب التسرع في الرد وقدح الر أي؛ إذ لم يكن المجال ميسورا للسؤال والتأكد والأمور هائجة والأحداث متلاحقة. وكان هذا في أواخر عصر الصحابة؛ وقد كان بعض قدماء المرجئة من صغار التابعين - كما سيأتى في تراجمهم -. وأوثق نص ورد فيه هذا الاصطلاح هو الجامع الصحيح للإمام البخارى , فقد قال ﵀ في كتاب الإيمان منه: " باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ". وقال إبراهيم التيمى: ما عرضت قولى على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. وقال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبى ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن: وما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:١٣٥]. حدثنا محمد بن عرعرة؛ حدثنا شعبة عن زبيد؛ قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثنى عبدالله أن النبى ﷺ قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (١). فالآثار التى ذكرها البخارى في الترجمة تدل على أنه عقد هذا الباب للرد على المرجئة القائلين: أن الإيمان قول بلا عمل، وأن الناس يتساوون فيه، وهذا هو إرجاء الفقهاء - كما سيأتى بيانه - ثم ذكر الحديث الذى يعطينا أقرب تحديد لنشأة هذه الفرقة فالمسئول عنهم هو أبو وائل، شقيق ابن سلمى التابعى المشهور، من خيار أصحاب عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه، وقد توفى قبل نهاية القرن الأول - مع الخلاف في تحديد تاريخ وفاته -؛ فقد قال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: مات في زمان الحجاج، بعد الجماجم، وقال الخليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة اثنتين وثمانين، وقال الواقدى: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكذلك روى عن أبى نعيم قال المذى: والمحفوظ الأول (١). قال الحافظ في الفتح: " قوله: سألت أبا وائل عن المرجئة أي عن مقالة المرجئة، ولأبى داود الطيالسى، عن شعبة، عن زبيد، قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له. فظهر من هذا أن سؤاله كان معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبى وائل سنة تسع وتسعين وقيل سنة اثنتين وثمانين، ففى ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة " (٢). هذا، وفي رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده إلى زبيد قال: " لما تكلمت المرجئة أتيت أبا وائل فسألته الحديث، وذكر عن شعبه أنه قال: وحدثنيه الأعمش ومنصور، سمع أبا وائل عن عبدالله " (٣). وأبو وائل عَمَّر طويلا، فقد أدرك النبى ﷺ ، ودفع لعامله الصدقة، لكنه لم يظفر بشرف رؤيته. وأما السائل " زبيد "، فهو زبيد بن الحارث اليامى المتوفى سنة ١٢٢ هجرى، وهو من صغار التابعين، ر أي عددا من الصحابة، ذكر أبو نعيم منهم ابن عمر وأنس (٤). ومن السؤال والجواب نستطيع أن نستنبط حقيقة القضية المسئول عنها ووجه الجواب، إذ لا ريب أن أبا وائل أفاد وشفى، وأن زبيدا فهم واكتفى!!

стр. 1054

فالقضية التى كانت تشغل أذهان الناس يومئذ - في موضوع الإيمان - هى حكم مرتكب الكبيرة، وبناء على الأصل الفاسد المشترك بين الخوارج والمرجئة معا - وهو أن الإيمان شئ واحد، لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه - قال الخوارج: أن مرتكب الكبيرة قد ذهب إيمانه فهو كافر، وقالت المرجئة: بل هو كامل الإيمان مهما فعل!! كما يدل عيه آثر ابن أبى مليكة والحسن، وكلام إبراهيم واستدلال البخاري بها. فلما ذكر زبيد ذلك لشيخه أبى وائل، أجابه بأفضل أنواع الأجوبة وأعلاها؛ وهو أن يجيب المفتى من سأله بنص من النواحي في محل الإشكال. فالحديث بمنطوقه يدل على التفاوت في الإيمان، وعلى ما يستحق أن يسمى به مرتكب الكبيرة. فإيمان من قاتل مسلما ليس كإيمان من سبه، ومفهوم منه أن من سلم من هذا وذاك فهو أكثر إيمانا، وقتال المسلم وسبابه معصية تذهب عن صاحبها اسم الإيمان المطلق، فيستحق اسم الفسق إن سبه واسم الكفر إن قاتله (٥)، ولا يسمى مؤمنا بإطلاق إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم , كما دلت النصوص الأخرى. وفي هذا دليل على خطر المعاصى التى تهون المرجئة من شأنها؛ إما نصا وإما لزوما. ومما يوضح هذا الأمر وموقف أبى وائل منه - ما رواه عنه الطبرى بسنده، قال: قوم يسألونى عن السنة فأقرأ عليهم: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:١] حتى قوله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] يعرض المرجئة (١). وإذا كان هذا النص يعطينا مفهوما عن الفكرة، فإن نصا آخر يقدم تاريخا" أكثر تحديدا"، وهو ما رواه ابن بطة من طريق الإمام احمد عن قتادة أنه قال: " إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث " (٢). والحقيقة أن هذا النص يقدم لنا ما هو أعم من ذلك، وهو ردة الفعل النفسية تجاه الهزيمة. فابن الأشعث هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندى، أحد ولاة بنى أمية أيام الحجاج، استعمله الحجاج في الوقت الذى كانت مظالمه تملأ البلاد، وكانت الخوارج تثير الناس بذلك وتتذرع به لنشر ضلالها، وكان العلماء والصالحون حيارى بين فتنة الخوارج ومظالم الحجاج, حتى أنه لما قام بعضهم يدعو الخوارج إلى السلم والدخول في الطاعة أنكر عليهم آخرون - على سبيل اليأس - قائلين: " إلى من تدعوهم؟ إلى الحجاج؟! " (٣). في هذا الجو الحالك أعلن ابن الأشعث تمرده على الحجاج، ودعا الناس إلى النهوض معه لإقامة العدل ورفع الظلم وتحكيم الكتاب والسنة، وفعلا " قام معه علماء وصلحاء لله تعالى؛ لما انتهك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته " (٤). ولم يكن معروفا عنه بدعة، وإنما هو ثائر سياسي، فر أي فيه هؤلاء العلماء والقراء منفذا بين نارين، واستعجلوا الأمر، ورفضوا ما أشار به الحسن وغيره من الصبر والدفع بالتي هي أحسن، وتجنب سفك الدماء ما أمكن - كما هو مذهب سائر أهل السنة والجماعة في مثل هذا - ولكن هذا الاندفاع والتحمس سرعان ما تبدد، وأنتج أسوأ النتائج حين ظهر الحجاج على بن الأشعث وقضى عليه، وأخذ في ملاحقة العلماء واحدا واحدا، وكان أشهرهم سعيد بن جبير الذي كان مقتله فاجعة. وهنا برز قرن الإرجاء بين صفوف هؤلاء اليائسين المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل فأعلنوا مذهبهم، واستغلوا آثار الهزيمة لنشره، كما نشط الخوارج وخلت لهم الساحة أكثر من ذي قبل وندم بقية القراء الثائرين على ما تركوا من رأي الحسن وأمثاله.

стр. 1055

وكانت الكوفة مركز إمارة الحجاج ومصب جوره، كما كانت هدف هجمات الخوارج ومطمع قادتهم، ولهذا كان طبيعيا أن تكون أيضا بيئة الإرجاء ومركزه، لا سيما والتشيع سمة عامة لها. وبلا شك قام أهل السنة والجماعة وأئمة العلم بجهد مشكور لمقاومة هذه الفكرة ومحاصرتها، ولم يقدر لها انتشار عام حقيقي إلا زمن بني العباس، حين تبنت الدولة رسميا مذهب أهل الرأي؛ الذي يدين فقهاؤه بهذه العقيدة كما سنرى، ومع ذلك صمد لها أهل السنة، ولا سيما الإمام أحمد وتلميذه أبو داود، ثم سار على منهجه علماء النقد والرجال وغيرهم. وإن مما يعطينا تحديدا أدق لتاريخ هذه الفرقة وانتشارها، وفي الوقت نفسه موقف أهل السنة والجماعة منها , أن نستعرض بعض أقوال الأئمة المعاصرين لنشوئها فيها: ١ - إبراهيم النخعي: التابعى المشهور، فقيه الكوفة الأكبر في عصره، ومن تلاميذه كان مرجئة الفقهاء، وقد عاصر تلك الأحداث، وتوفى بعد الحجاج، ببضعة أشهر سنة ٩٦ هجرى باتفاق (٢). ومن أقواله فيهم: " الإرجاء بدعة ". " إياكم وأهل هذا الر أي المحدث " - يعنى الإرجاء -. وكان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء، فقال له إبراهيم: " لا تجالسنا ". " ودخل عليه قوم من المرجئة فكلموه، فغضب وقال: إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علي ". وقال: " تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابرى ". وقال له بعض تلاميذه: " إنهم يقولون لنا: مؤمنون أنتم؟ وقال: إذا سألوكم فقولوا: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ... [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآية " (٣). وقال: " لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة ". أو: " لفقوا قولا، فأنا أخاف على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم " (٤). ٢ - سعيد بن جبير: وهو كبير القراء الثائرين على الحجاج، قال: " المرجئة يهود القبلة " (٥). وقال: " المرجئة مثل الصابئين ". ويشرح ذلك في رواية أخرى، مبينا وقوفهم في الوسط بين أهل السنة والخوارج - بزعمهم -، قال: " مثلهم كمثل الصابئين، إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة. ثم أتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبع دينكم؟ قالوا: الجنة. قالوا: فنحن بين ذين " (٦). ٣ - الزهري: الإمام المشهور المعاصر لهؤلاء، قال: " ما ابتدعت في الإسلام بدعة هى أضر على أهله من هذه - يعنى الإرجاء - " (١). ٤ - شهاب بن خراش: " قال هشام: لقيت شهابا وأنا شاب في سنة أربع وسبعين، فقال لي: إن لم تكن قدريا ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما في من هذين شئ " (٢). ٥ - يحيى وقتادة: " قال الأوزاعي: كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من أهل الأهواء شئ أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء " (٣). ....... والمراد أن هذه الفرقة ظهرت وترعرعت في ذلك الزمن، وأن أهل السنة والجماعة لم يألوا جهدا في مقاومتها، وكان نظرهم بعيدا وصائبا حين توقعوا آثارها المدمرة على الأمة , مع أنه لم يكن لها حينئذ من الواقع ما يستلفت النظر، بل كان القائلون بهذا عبادا وزهادا في الغالب. وعلى هذا فلا غرابة في تشديد ورثة هؤلاء من أئمة السنة على المرجئة، مثل وكيع وابن المبارك والسفيانين، وابن مهدى، وابن معين، والإمام أحمد والبخاري وأبي داود، ونحوهم؛ وذلك أن الآثار قد ظهرت، والإرجاء الغالي حينئذ قد برز.

стр. 1056

والقضية التى لا ينبغى أن تفوتنا هى أن كلمة المرجئة في اصطلاح هؤلاء العلماء إنما تعنى هذا الإرجاء - أي إرجاء الفقهاء -، وظل هذا قائما حتى بعد ظهور الجهمية - كما سنرى - فكل ذنب أو عيب قيل في المرجئة فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثانى تقريبا، بل هو الأغلب على القرن الثالث، ولهذا نجد من المصنفين من لم يطلق اسم الإرجاء على سواهم؛ كابن عبدالبر في " التمهيد "؛ فإنه لم يذكر المرجئة الجهمية الأشعرية، ولعله تبع أبا عبيد في ذلك (٤). ومن علماء السنة الكبار من فرق بين مسمى المرجئة ومسمى الجهمية؛ وذلك لأن المرجئة عندهم مبتدعة، والجهمية كفار (٥). يقول الفضيل بن عياض: " أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل " (٦). ويقول وكيع بن الجراح: " ليس بين كلام الجهمية والمرجئة كبير فرق؛ قالت الجهمية: الإيمان المعرفة بالقلب، وقال المرجئة: الإقرار باللسان " (١). وكذلك قال الإمام أحمد: قال حمدان بن علي الوراق: " سألت أحمد، وذكر عنده المرجئة، فقلت له: أنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا، الجهمية تقول بهذا، المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه وتعمل جوارحه، والجهمية تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر؛ إبليس قد عرف ربه، فقال: رب بما أغويتنى ".

стр. 1057

المبحث العاشر: مؤسس هذه الطائفة اختلف العلماء في أول من أسس هذا المذهب - أي أفصح عنه وأعلنه ودعا إليه - وإلا فبذوره متقدمة فقيل هو: ١ - ذر بن عبد الله الهمدانى: وهو تابعى متعبد، توفى قبل نهاية القرن الأول، روى حديثه الجماعة. قال إسحاق ابن إبراهيم: " قلت لأبى عبد الله - يعنى الإمام احمد -: أول من تكلم في الإيمان من هو؟ قال: يقولون: أول من تكلم فيه ذر " (٣)؛ وهكذا نقل الذهبي في " الميزان " (٤) عن الإمام. ويبدو أن ذرا قد عرضت عليه الشبهة، وكان شاكا فيها، ثم جزم بها وأصر عليها لما لاقت رواجا - وهكذا شأن أصحاب البدع -. قال سلمة بن كهيل: " وصف ذر الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال أنى أخاف أن يتخذ هذا دينا، فلما أتته الكتب في الآفاق، قال: فسمعته يقول: وهل أمر غير هذا " (٥). ونقل عنه الأعمش أول مرة قوله: " لقد أشرعت رأيا خفت أن يتخذ دينا " (٦). وعن الحسن بن عبيدالله قال: " سمعت إبراهيم - النخعى - يقول لذر: ويحك يا ذر، ما هذا الدين الذى جئت به؟ قال ذر: ما هو إلا ر أي رأيته! قال: ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذى بعث به نوح " (٧)!! وقد تعرض ذر لنقد العلماء المعاصرين؛ فقد ذمه إبراهيم النخعى بما سبق، وكان يعيبه ولا يرد عليه إذا سلم (٨). وكان سعيد بن جبير شديدا عليه , حتى أن ذرا أتاه يوما في حاجة فقال: " لا، حتى تخبرنى على أي دين أنت اليوم - أو رأي أنت اليوم -، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من ر أي أنت أكبر منه؟ " (١). وشكاه ذر إلى أبي البختري الطائى؛ إنه لا يرد عليه إذا سلم، فقال سعيد: " إن هذا يحدث - أو يجدد - كل يوم دينا، والله لا كلمته أبدا " (٢). هذا وقد نقل الحافظ أن ذرا شهد مع ابن الأشعث قتاله للحجاج، وذلك سنة ثمانين (٣). ٢ - وقيل: إن أول من أحدثه هو قيس الماصر: نقل الحافظ ذلك عن الأوزاعي؛ قال: أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس الماصر (٤). ولم أعثر له على ترجمة، إلا أن أبا حاتم الرافضى صاحب كتاب (الزينة) السابق ذكره، قال ضمن فرق المرجئة الذين هم عنده أهل السنة: " ومنهم الماضرية (٥)، نسبه إلى قيس بن عمرو الماضرى، ويقال لهم مرجئة أهل العراق، وهم أبو حنيفة ونظراؤه " (٦). ٣ - وقيل: إن أول من أحدثه حماد ابن أبي سليمان: المتوفى سنة ١٢٠ هجري، شيخ أبي حنيفة، وتلميذ إبراهيم النخعى، ثم تبعه أهل الكوفة وغيرهم. وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧). ولا شك أن حمادا كان مرجئا وأنه كان معاصرا لذر، فقد روى عبدالله بن أحمد أن إبراهيم النخعى - شيخ حماد - قال: لا تدعوا هذا الملعون يدخل علي، بعد ما تكلم في الإرجاء - يعنى حمادا (٨) -. ومع ذلك فقد ادعى حماد غير هذا، إلا أن يقال أنه كان مستترا خائفا، ثم أظهر وأعلن. قال أبو هاشم: " أتيت حماد بن أبى سليمان، فقلت: ما هذا الرأي الذى أحدثت لم يكن على عهد إبراهيم النخعي؟ فقال: لو كان حيا لتابعني عليه - يعنى الإرجاء - " (٩). وفي هذا ما يدل على أولية حماد، لكن النص الأتى يدل على أنه اتبع غيره، إلا أن يقال أنه دليل فقط لما قررناه من أن الجذور متقدمة، وهو ما ذكره الذهبي عن معمر، قال: " كنا نأتى أبا إسحاق - يعني السبيعى - فيقول: ما قال لكم أخو المرجئة؟ قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا؟ قال: إني أن أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل. قال الذهبي: قلتُ: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء؛ وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان: إقرار باللسان ويقين في القلب.

стр. 1058

والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء؛ من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية ". ويبدو الخلاف بين هذه الأقوال غير مؤثر، فكلهم متعاصرون، وكلهم في بلد واحد، وقولهم في الإرجاء واحد. ويستفاد من بعض الآثار أن للفكرة وجودا غير خاف، فهذا سالم بن أبى الجعد التابعى المحدث المتوفى سنة ١٠٠ هجرى أو حولها - كان له ستة بنين؛ " فاثنان شيعيان، واثنان مرجئيان، واثنان خارجيان، فكان أبوهم يقول: قد خالف الله بينكم " (٢)!! وهذا دليل على نمو البدع حينئذ لاسيما في الكوفة. وهناك رجل آخر لا شك أنه من أوائل القوم الدعاة؛ وهو سالم الأفطس، وفيه قصة تستحق الإيراد، لا سيما وقد ذكرها مصدران متقدمان بسندين مختلفين هما: (السنة) لعبدالله بن أحمد، و (تهذيب الآثار) للطبري، كلاهما عن معقل بن عبيدالله الجزرى العبسي قال: " قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء (٣)، فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا، وكان أشدهم ميمون بن مهران وعبدالكريم بن مالك، فأما عبدالكريم فإنه عاهد الله لا يأويه وإياه سقف بيت إلا في المسجد. قال معقل: فحججت، فدخلت على عطاء بن أبى رباح في نفر من أصحابي، قال: فإذا هو يقرأ سورة يوسف، قال: فسمعته قرأ هذا الحرف حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ [يوسف:١١٠] مخففة. قال: قلت: إن لنا إليك حاجة فاخل لنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال: فقال: أو ليس يقول الله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥]. فالصلاة والزكاة من الدين. قال: فقلت له: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة. قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزله: فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران:١٧٣]، فما هذا الإيمان الذى زادهم؟! قال: قلت: فإنهم قد انتحلوك، وأبلغنى أن ذرا دخل عليك وأصحابه، فعرضوا عليك قولهم فقبلته وقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو ما كان هذا - مرتين أو ثلاثة. قال: ثم قدمت المدينة، فجلست إلى نافع، فقلت له: يا أبا عبدالله، إن لي إليك حاجة، قال سر أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر، قال: رب سر لا خير فيه! فقلت له: ليس من ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي، وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص، فقال ما حاجتك؟ قال: قلت: أخلني من هذا، قال: تنح يا عمرو، قال: فذكرت له بدو قولهم، فقال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا الله , فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقه، وحسابهم على الله)) (١). . قال: قلتُ: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلى، وأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل، قال: فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر. قال معقل: ثم لقيت الزهري، فأخبرته بقولهم، فقال سبحان الله!! أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (١). قال: ثم لقيت الحكم بن عتيبة، قال: فقلت: إن ميمونا وعبدالكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة، فعرضوا عليك قولهم، فقبلت قوله.

стр. 1059

قال: فقيل ذلك على ميمون وعبد الكريم؟ قلتُ: لا. قال: دخل علي منهم اثنى عشر رجلا، وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد، بلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية، فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ قال لها رسول الله ﷺ : ((أتشهدين أن لا إله إلا الله " قالت: نعم، قال: " وتشهدين أني رسول الله " قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الجنة حق وأن النار حق " قالت: نعم، قال: " أتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت " قالت: نعم، قال: " فأعتقها فإنها مؤمنة)) (١). قال: فخرجوا وهم ينتحلوني. قال: ثم جلست إلى ميمون بن مهران، فقيل له: يا أبا أيوب: لو قرأت لنا سورة نفسرها، قال: فقرأ أو قرأت: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١]، حتى إذا بلغ: مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:٢١]، قال: ذاك جبريل والخيبة لمن يقول إيمانه كإيمان جبريل ". ويروي ابن بطة بسنده عن المبارك ابن حسان قصة أخرى، " قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار , هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا قال: فذكرت ذلك لعطاء، فقال: سلهم الإيمان طيب أم (١) خبيث؟ فإن الله تعالى قال: لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:٣٧] (٢). فقال النحات (٣): إنما الإيمان منطق وليس معه عمل!، فذكرت ذلك لعطاء، فقال: سبحان الله! أما تقرؤون الآية التى في سورة البقرة: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:١٧٧]. قال: ثم وصف الله هذا الإثم فألزمه العمل، فقال: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ .... إلى قوله: صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. قال: سلهم هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟ وقال: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:١٩]. فألزم الاسم العمل وألزم العمل الاسم " (٤). هذا الجدل المبكر (زمن التابعين) في موضوع العمل يعطينا فكرة واضحة عن مذهب المرجئة الفقهاء فيه، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة منذ نشأتهم، كما بين لنا منهج السلف العلمي في مجادلتهم، وهو أن أهم جانب في القضية شغل أذهان السلف هو موضوع عمل الجوارح؛ أي أداء الفرائض واجتناب المحرمات، وأن حقيقة الإيمان لا تكون إلا به مع عمل القلب، فإذا انتفى أحدهما انتفى الإيمان. الجهم بن صفوان: أما الجهم بن صفوان فهو رأس الضلالات وَأُسُّ البليات، جعله الله فتنة للناس وسببا للإضلال، كما جعل السامرى في بني إسرائيل. وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثر في الفرق الإسلامية الثنتين والسبعين ما لا يعادله أثر أحد غيره (٦). هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله، ولا عالم يعتد بخلافه، ولا شهد له أحد بخير!!

стр. 1060

وقد جمع المصنفون من السلف في سيرته الشىء الكثير، وكله ذم وتكفير وتشنيع من أئمة الإسلام ورجال النقد، جمع ذلك الإمام أحمد، وابنه عبدالله، وأبو عبيد، والبخاري، والدارمي، وابن خزيمة، وابن أبى حاتم، وسائر من ألف في الفرق أو الصفات أو الإيمان؛ كالبيهقى، والأشعري، والبغدادي، واللالكائي، وكذا المؤرخون وأصحاب التراجم. وهذا ما سنورد بعضه مقتصرين على ما يهمنا هنا؛ وهو مذهبه في الإيمان. والأصل الذي ينبغى معرفته في هذا، هو أن الجهم لم يبتدع مذهبه في الإيمان اعتمادا على شبهة نقلية أو أثارة من علم، وإنما كان رجلا لسنا مجادلا، مجبولا على المحادة والاعتراض والمراء، ومع ذلك لم يقدر له أن يجلس إلى عالم أو يتفقه على إمام، بل شهد عليه بعض من عاصره بجهل بالغ في معرفة الأحكام الشرعية - حتى الجلي منها - وقالوا: إنه لم يحج البيت، ولم يجالس العلماء قط (١). وإنما جالس جهم أصحاب الأهواء (٢) وبعض الملاحدة، من المنتسبين إلى فلسفات الأمم الجاهلية الموتورة، ولما أراد الله فتنته اتصل بطائفة من الزنادقة الهنود، يقال لهم: " السمنية "، وأولئك قوم لهم فلسفة خاصة ومدرسة فكرية مؤصلة، قد أعدوا لكل عقيدة لدى غيرهم شبهة، وأعدوا لكل سؤال جوابه، ولكل مأزق مخرجا. وتجشم جهم وتكلف أن يجادلهم ويخوض معهم، وهو صفر من العلم خلو من الحجة فما رآه بعقله المجرد ورأيه القاصر، وكان مجرد خوضه معهم نذيرا بالشر وشؤم العاقبة. فقد ابتدءوا معه الجدال بالحديث عن مصدر المعرفة الصحيح المتيقن (وهى أكبر قضية فلسفية على الإطلاق، وأصل كل بحث ونظر) وكانت فلسفتهم تقوم على أن المصدر للمعرفة الحواس الخمس، ولما نازلهم جهم وهو جاهل بدينه خال من مصدر اليقين الأصلى - وهو الوحي - حصروه وأفحموه بسؤال هو: صف لنا ربك هذا الذى تعبده يا جهم، وبأي حاسة أدركته من الحواس، أرأيته أم لمسته - أم الخ؟! وسقط في يد هذا الضال المسكين، وطلب منهم مهلة ليفكر في الأمر، ولم يستطع أن يستلهم حجة، ولم يسأل العلماء فيداووه ويلقنوه. وقادته الحيرة إلى الشك في دينه، فترك الصلاة مدة، ثم استغرق في التفكير والتأمل، حتى انقدح في ذهنه جواب خرج به عليهم قائلا: " هو هذا الهواء مع كل شئ وفي كل شئ ولا يخلو من شئ " (٣). وهذا الجواب الذي هو أساس نفي الصفات، هو قول طائفة من زنادقة الهند الآخرين (٤). وهذا المنزلق تلاه ما تلاه من هوى ورأي. وكانت حياة جهم في آخر عصر بنى أمية، حيث ظهرت البدع وتشعبت أصول الفرق، وكان مقتضى خوضه وجداله أن يخوض في قضية الإيمان ويدلي بدلوه في هذه المسألة التى كانت الفرق حوله تتجادل فيها كثيرا، وكان طبيعيا أن يخرج جهم بقول لم يسبقه إليه أحد، وهو أن الإيمان هو مجرد المعرفة بالقلب، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، دونما حاجة إلى قول باللسان ولا عمل بالجوارح. والذي يظهر لمن يطالع سيرة الرجل وواقع عصره، أنه ركب هذا القول من كلام المتفلسفة من الزنادقة، الذين لا يعدو الإيمان عندهم مجرد الإقرار النظري بوجود الله، ومن كلام المرجئة الفقهاء الذين أصروا على نفي دخول الأعمال في الإيمان. والجديد في عمل جهم أنه نقل كلام الطائفة الأولى من محيط الفلسفة التى لا صلة لها قط بالإسلام ليدخله في الإسلام متذرعا في ذلك بلوازم كلام الطائفة الأخرى ومفهومه الذى لم يقصدوه قط، وبذلك أصبح هذا القول الفلسفي الشاذ مقالة من مقالات الإسلاميين، وإن كانت الجهمية في حكم جملة من علماء السلف ليست من فرق (المسلمين) (١) أهل القبلة.

стр. 1061

حتى لقد قال الإمام البخاري ﵀: " نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم " (٢). ومن هنا أضرب أبو عبيد والطبري صفحا عن مناقشة مذهب جهم؛ لأنه ليس من مقالات المجتهدين في النصوص، بل هو من مذاهب أهل الجدل والتفلسف والكلام , ومنسلخ عن أقوال الملل الحنفية جميعها (٣). ولكن أسبابا ومؤثرات - يأتي تفصيل الحديث عنها - أفضت في النهاية إلى أن يكون هذا المذهب أكثر المذاهب في الإيمان انتشارا، مع ما لحقه من تعديل هو لفظى أكثر من كونه حقيقيا، ومن نفي لبعض لوازمه. فالذى حصل هو أن مذهب المرجئة الفقهاء مهد لرأي جهم، ثم جاء المرجئة المتكلمون كالأشعري والماتريدي، فجعلوه عقيدة أكثر طوائف الأمة - مع ما أشرنا إليه من تعديل -. ولهذا قال وكيع بن الجراح - الإمام الكبير شيخ الإمام أحمد -: " أحدثوا (٤) هؤلاء المرجئة الجهمية، والجهمية الكفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة، وهذا كفر، والمرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل، وهذا بدعة " (٥). وهذا من أهم ما يجب معرفته والاعتبار به. أما معرفته فلكي نعلم التطور التاريخي للظاهرة وخط سيرها، وأما الاعتبار به فلأن البدع قد تبدو صغيرة لكنها تؤول إلى أن تصير كبارا، فيجب الحذر من صغيرها وكبيرها، وإلا فإن الأئمة والعباد من المرجئة الفقهاء لم يدر بخلدهم ما صار إليه جهم، ولم يخرجوا الأعمال من الإيمان إلا لفظا فقط، وأما وجوبها والمعاقبة عليها ووجوب ترك المحظورات فأمر لم يخالفوا فيه قط. ولهذا عد بعض العلماء الخلاف كله لفظيا، وليس كذلك بإطلاق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: " وهذه الشبهة التي أوقعتهم - يعنى شبهة عدم التعدد والتبعيض في الإيمان - مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، ولهذا عظم القول في ذم الإرجاء " (١). وقال أيضا: " والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ليست منه، وكان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه (٢)، وعرفوا أن إبليس وفرعون كفار مع تصديق قلوبهم (٣). لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم " (٤). وهذا الذي قاله الشيخ قاله من هو أقدم منه؛ كالإمام أبى عبيد القاسم بن سلام، على ما سننقله. هذا، وبيان الفروق بين مذهب جهم ومذهب المرجئة الفقهاء، وبين هذا ومذهب أهل السنة والجماعة، مما يتضمنه الفصل التالى لهذا، غير أننا لن ندع الحديث عن جهم إلا بعد تنبيه مهم؛ وهو:

стр. 1062

إن مذهب جهم لم يكن له في حياة صاحبه ولا بعد ذلك بزمن أي أثر بارز في واقع الحياة الإسلامية، إنما ظهرت آثاره وعمت ببروز من تبناه من المتكلمين، وعلى رأسهم بشر المريسى (٥)، وقد عاش متهما محاربا - لكن أقل من حال جهم في هذا - ثم ابن كلاب، وقد كان متهما أيضا - لكن أقل من حال بشر - ثم الأشعري والماتريدي، وهما اللذان نشراه، حتى أصبح ظاهرة عامة في فكر الأمة وحياتها. وإنما خصصنا هذا بالذكر مع ما سبق من الإشارة إليه لأهميته في معرفة تطور الظاهرة، ولننبه إلى جسامة الخطأ الذي وقع فيه بعض المستشرقين - وتبعهم من تبعهم - في زعم أن ثورة الحارث بن سريج كانت قائمة على عقيدة الإرجاء، وكأن جهما قد ربى تلك الآلاف الثائرة على عقيدته، حتى اندفعوا للخروج على الدولة وإقامة مذهبهم. والواقع يكذب هذا، فإن جهما كان كاتبا لقائد الثورة، وكان إرجاء جهم رأيا خاصا وفكرة شخصية، لا أثر لها في توجيه الثورة التى لم تكن تمثل أي عقيدة دينية، وإنما كانت حركة تمرد وعصيان على الدولة، ضمت في صفوفها من كل الطوائف، بل ضمت أهل الذمة ومشركي الترك، وإنما انضم إليهم جهم - على ما يظهر لي - لأنه هو أيضا خارج على الطاعة، ملاحق من الدولة بسبب بدعته في الصفات التى أطاحت برأس شيخه الجعد من قبل، ويدل لذلك الوثائق الرسمية للدولة، ومخاطبة والي مرو له عند قتله. روى اللالكائى بسنده عن أحدهم: " قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد، فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة، يقال له جهم بن صفوان، فإن أنت ظفرت به فاقتله، وإلا فادسس إليه برجال غيلة ليقتلوه " (١). ونقل الحافظ عن أبي حاتم أن سلم بن أحوز عامل نصر بن سيار على مرو لما قبض على جهم قال: " يا جهم! إنى لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام باطل أعطيت لله عهدا أن لا أملك إلا قتلتك. فقتله " (٢). وهذا شبيه بما فعله خالد بن عبدالله القسري مع شيخه الجعد. وأما ما ذكره الطبري من شعر لنصر بن سيار يتهم فيه الحارث وجيشه بالإرجاء، فلا شك أن كون الجهم كاتبا للحارث يعد سببا كافيا لخصمه السياسي أن يطعن في عقيدته، ويشهر به بين المسلمين، كان المبرر أقوى، على أن المنقول من أخبار نصر يدل على فضل وصلاح فيه. المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٣٧١

стр. 1063

المبحث الحادي عشر: حول إرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية المراد بالإرجاء المتقدم ذكره هو الذي ظهر على يد جماعة من فقهاء الكوفة، وقد عرف بهم، حيث سمي إرجاء الفقهاء، وسمي أهله مرجئة الفقهاء، إذ الأمة لم تكن تعرف قبل ظهوره كلاما في الإيمان مخالفا لما عليه السلف إلا ما كان على طريقة الخوارج والمعتزلة، وهو الغلو والإفراط في مفهوم الإيمان والإسلام حتى حكموا بالكفر على من هو داخل في دائرة الإسلام، أما التساهل والتفريط في ذلك، وإخراج ركن من أركان الإيمان عنه، وهو العمل، وفتح الباب لمقالات ضالة كفرية تنادي بتضييع الإيمان الذي جاءت به الشرائع، وجعله أماني، فلم يقع إلا على أيدي هذه الفئة من الفقهاء، وهم الذين كثر كلام السلف في ذم مقالتهم، والتحذير منها، وتبديع قائلها. يقول شيخ الإسلام: "وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من الكوفة، ولم يكن أصحاب عبدالله - يعني ابن مسعود ﵁ من المرجئة، ولا إبراهيم النخعي وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة، فقالوا: الأعمال ليست من الإيمان" (١).وقد نص شيخ الإسلام ﵀ على أن الخوض في هذه المرحلة من هذه الطائفة متعلق بالإيمان، إذ يقول: "وحدثت أيضا بدعة المرجئة في الإيمان" (٢). وأما أوائل رجال هذه المرحلة والذين ارتبط بهم نشأة هذا النوع من الإرجاء، فقط سمي شيخ الإسلام طائفة منهم، وهم: ذر بن عبدالله الهمذاني، وحماد بن أبي سليمان، وسالم الأفطس، وطلق بن حبيب، وإبراهيم التيمي. وأول من قال به من هؤلاء عند شيخ الإسلام هو حماد بن أبي سليمان. يقول ﵀: "الإرجاء في أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان" (٣).ويقول: "لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم" (٤). ولكن شيخ الإسلام نفسه نقل عن بعض السلف ما يفيد أن أول قائل بالإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية، فقد قال رضي ﵀:"قال: أيوب السختياني: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة من بني هاشم يقال له: الحسن (٥). وقال: زاذان: أتينا الحسن بن محمد، فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة. فقال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب، أو أضع هذا الكتاب (٦) " (٧).وقد ذكر شيخ الإسلام أن الحسن "قد وضع كتابا في الإرجاء، نقيض قول المعتزلة، ذكر هذا غير واحد من أهل العلم" (٨). فثمة كتاب كتبه الحسن نقيض قول المعتزلة، وحقيقة هذا المكتوب تنجلي من خلال النظر في سيرة الحسن، فقد جاء فيها أنه كان في حلقة، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير، وأكثروا، والحسن ساكت، ثم تكلم، فقال:

стр. 1064

قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئاً أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا، ولا يتبرأ منهم. ثم قام، فما لبث أن كتب الرسالة التي ثبت فيها الإرجاء بعد ذلك (١). وهذا نقل لبعد ما جاء في رسالة الحسن، لمعرفة حقيقة الإرجاء عنده، فقال قال - عفا الله عنه-: "أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله، ونحثكم على أمره، ونرضى لكم طاعته، ونسخط لكم معصيته، وإن الله أنزل الكتاب بعلمه فأحكمه، وفصله وأعزه، وحفظه أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه"، ثم ذكر كلاما طويلا، ثم قال: "فمن أراد أن يسائلنا عن أمرنا ورأينا، فإنا قوم: الله ربنا، والإسلام ديننا، والقرآن إمامنا، ومحمد نبينا، إليه نسند، ونضيف أمرنا إلى الله ورسوله. ونرضى من أئمتنا بأبي بكر وعمر، ونرضى أن يطاعا، ونسخط أن يعصيا، ونعادي لهما من عاداهما، ونرجئ منهم أهل الفرقة الأول. ونجاهد في أبي بكر وعمر الولاية، فإن أبا بكر وعمر لم تقتتل فيهما الأمة، ولم تختلف فيهما، ولم يشك في أمرهما، (ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله). وإنما الإرجاء ممن عاب الرجال، ولم يشهده، ثم عاب علينا الإرجاء من الأمة، وقال متى كان الإرجاء؟ قلنا: كان على عهد موسى نبي الله إذ قال له فرعون: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه: ٥١]، قال موسى وهو ينزل عليه الوحي حتى قال: قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه: ٥٢]، فلم يعنف بمثل حجة موسى"، ثم استمر في كلام طويل (٢). وكما هو ظاهر أن من مضمون الكتاب حديث عما جرى بين الصحابة بعد الفتنة بقتل عثمان - رضوان الله عليهم أجمعين -، والحسن هنا يكشف عن رأيه في ذلك، وأنه يرجئ أمر من دخل في الفتنة إلى الله. فهو إذن إرجاء متعلق بالصحابة - رضوان الله عليهم -، لا الإرجاء المتعارف عليه، المتعلق بالإيمان وحقيقته، وعلامة العمل به. وبهذا يتبين خبر كتاب الحسن، ويتضح مراد شيخ الإسلام بأنه نقيض قول المعتزلة.

стр. 1065

فإن من المعلوم أن واصل بن عطاء ومن تابعه من المعتزلة يرون فيما جرى بين الأصحاب - رضوان الله عليهم أجميعن - "أن فرقة من الفريقين فسقة، لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازوا أن يكون الفسقة من الفريقين عليا وأتباعه - كالحسن والحسين وابن عباس وعمار بن ياسر وأبي أيوب الأنصاري وسائر من كان مع علي يوم الجمل-، وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة وطلحة والزبير وسائر أصحاب الجمل. ثم قال في تحقيق شكه في الفريقين: لو شهد علي وطلحة أو علي والزبير أو رجل من أصحاب علي ورجل من أصحاب الجمل عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، ولو شهد رجلان من أحد الفريقين أيهما كان قبلت شهادتما" (١)."وقال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظام وأكثر القدرية: نتولى عليا وأصحابه على انفرادهم، ونتولى طلحة والزبير وأتباعهما على انفرادهم، ولكن لو شهد علي مع رجل من أصحابه قبلت شهادتهما، ولو شهد طلحة أو الزبير مع واحد من أصحابه قبلت شهادتهما، ولو شهد علي مع طلحة على باقة بقل لم نحكم بشهادتهما؛ لأن أحدهما فاسق، والفاسق مخلق في النار، وليس بمؤمن ولا كافر" (٢). فهذا الضال الهالك ومن تابعه يتولون أحد الفريقين على الانفرادِ، بخلاف لو اجتمعا فيتبرؤون منهما جميعا. وبهذا يستبين مراد شيخ الإسلام بأن ما وضعه الحسن نقيض قول المعتزلة، أي فيما يتعلق بالصحابة، ويزيد الأمر تأكيدا أن جماعة من العلماء فسروا الإرجاء عند الحسن بهذا، ومن هؤلاء الذهبي، وابن كثير، وابن حجر. فالحافظ الذهبي ﵀ يقول أثناء ترجمته للحسن: "قلت: الإرجاء الذي تكلم به معناه: أنه يرجئ أمر عثمان علي إلى الله، فيفعل فيهم ما يشاء، ... ، وذلك أن الخوارج تولت الشيخين، وبرئت من عثمان وعلي، فعارضتهم السبائية، فبرأت من أبي بكر وعمر وعثمان، وتولت عليا وأفرطت فيه. وقالت المرجئة الأولى: نتولى الشيخين، ونرجئ عثمان وعليا، فلا نتولاهما، ولا نتبرأ منهما" (٣).وأما الحافظ ابن كثير ﵀، فقد نقل أن إرجاء الحسن هو "التوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم، ولا يذمهم" (٤). والحافظ ابن حجر ﵀ يقول في معنى إرجاء الحسن: "قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور"، ثم ذكر جملة منه، ثم قال:"فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا، وكان يرى أنه يرجأ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم" (٥). ومن خلال هذه النقول يتضح أن قضية الإرجاء عند السحن مجرد التوقف في الحكم لأحد الفريقين بالصواب أو الخطأ، وهذا لا علاقة له البتة في الإرجاء من حيث كونه نعتا على المخالف في مسألة الإيمان، ومع هذا فإن الحسن - عفا الله عنه - ندم على ما رقمته يداه، بل تمنى الموت قبل كتابته، والله المستعان. ومما تقدم يتبين أنه لا تعارض بين ما قاله شيخ الإسلام من أول قائل بالإرجاء هو حماد بن أبي سليمان، مع من قال إنه الحسن؛ لأن الإرجاء الذي تكلم به الحسن ليس هو الإرجاء الذي تكلم به حماد، فإن إرجاء الحسن متعلق ببعض الصحابة، وإرجاء حماد متعلق بالإيمان كما تقدم. المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٠١

стр. 1066

المبحث الثاني عشر: في صلة المرجئة بالقدرية أن بدعة الإرجاء ظهرت قريبا من زمن بدعة القدرية. والمراد بالقدرية هنا هم القدرية الأولى، وهم القدرية النفاة، المنكرون للقدر؛ إذ "الخائضو في القدر بالباطل ثلاثة أصناف: المكذبون به، والدافعون للأمر والنهي به، والطاعنون على الرب بجمعه بين الأمر والقدر، وهؤلاء شر الطوائف" (١).فالغلاة المكذبون بالقدر هم الذين ظهرت المرجئة بعدهم بزمن قريب، وهؤلاء القدرية يعظمون الأمر والنهي، والوعد والوعيد (٢). يقول شيخ الإسلام في نشأة هذا الصنف من القدرية، بعد تقريره مرتبتي العلم والكتابة من مراتب القدر: "فهذا القدر هو الذي أنكره القدرية الذين كانوا في أواخر زمن الصحابة، ... ،, ولم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة، كعبدالله بن عمرو وعبدالله بن عباس وواثلة بن الأسقع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز. فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية، ولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل، والجهمية يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل. قال وكيع: وهو كله كفر" (٣). وقد حدد شيخ الإسلام ﵀ زمن ظهور هذه البدعة المنكرة في قوله: "وغلاة القدرية ينكرون علمه - يعني الرب تعالى - المتقدم، وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف، أي مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان، في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية، في أواخر عصر عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وغيرهما من الصحابة. وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرؤوا منهم، وأنكروا مقالتهم" (٤). وإنما تم التنبيه على هذا الارتباط بين القدرية والمرجئة من حيث النشأة لوجود صلة أخرى بين القدرية والمرجئة نبه عليها شيخ الإسلام، لكن هذه الصلة من بابة أخرى، وهي أنهما يشتركان في إضعاف أمر الله، وأمر الإيمان والوعد والوعيد، ومن ثم جاءت النصوص بذمهما. إلا أن المراد بالقدرية هنا هم الصنف الثاني من أصناف القدرية المتقدم ذكرهم، وهم من يثبت القدر ويحتج به، ويعارض به الأمر ويضعفه، لا القدرية الذين ينكرون القدر، ويعظمون الأمر. يقول شيخ الإسلام ﵀ في بيان هذه الصلة: "ولهذا يقرنون القدرية بالمرجئة؛ لأن المرجئة تضعف أمر الإيمان والوعيد، وكذلك هؤلاء تضعف أمر الله بالإيمان والتقوى ووعيده، ومن فعل هذا كان معلونا في كل شريعة، كما روي: "لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا (٥) " (٦) ".

стр. 1067

ويقول: "ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له، فإن ضلال هذا أعظم، ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف، وروي في ذلك حديث مرفوع؛ لأن كلا هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي، والوعد والوعيد، فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم. والقدري إن احتج به كان عونا للمرجئ، وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا، هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا يبالغ في الناحية الأخرى" (١). فهم ارتبطوا مع المرجئة من جهة الاشتراك في إضعاف أم الله، وأمر الإيمان والوعد والوعيد، كما أن الصنف السابق من القدرية مرتبط بالمرجئة من جهة النشأة، وأنه في وقت متقارب. وقد بين شيخ الإسلام منزلة كل فريق من هؤلاء، فقال: "لكن المعتزلة من القدرية أصلح من الجبرية والمرجئة ونحوهم في الشريعة علمها وعملها، فكلامهم في أصول الفقه، وفي أتباع الأمر والنهي خير من كلام المرجئة من الأشعرية وغيرهم، فإن كلام هؤلاء قاصر جدا، وكذلك هم مقصرون في تعظيم الطاعات والمعاصي، ولكن هم في أصول الدين أصلح من أولئك، فإنهم يؤمنون من صفات الله وقدرته وخلقه بما لا يؤمن به أولئك، وهذا الصنف أعلى، فلهذا كانت المرجئة في الجملة خيرا من القدرية، حتى إن الإرجاء دخل فيه الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، بخلاف الاعتزال، فإنه ليس فيه أحد من فقهاء السلف وأئمتهم" (٢). وأما ما جاء من نصوص في ذمهما، فيقول شيخ الإسلام في ذلك: "وقد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة، روى بعضها أهل السنن". وهناك وجه ثالث في ارتباط المرجئة بالقدرية، وهو أنهما مع الروافض والخوارج يمثلون أصول بدع الضلال الثنتين والسبعين. فقد قال يوسف بن أسباط وعبدالله بن المبارك رحمهما الله:"أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، المرجئة" (٣). وهذه الفرق كلها كانوا في أول الأمر يشتركون في انتحال النصوص والاستدلال بها على بدعتهم، ولم يكونوا يعارضون النصوص بما يدعون من العقليات، كما هو حال الجهمية ومن تأثر بهم ممن جاء بعدهم حتى من الفرق السابقة نفسها من الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة. يقول شيخ الإسلام: "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عهد الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص، ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدث الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة" (٤). المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ١٠٨

стр. 1068

المبحث الثالث عشر: أصول مذاهب المرجئة نظريا أولا: منطلق الشبهة وأساسها إن منطلق الشبهات كلها في الإيمان وأساس ضلال الفرق جميعها فيه هو أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعها , ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه: وذلك أن الخوارج والمعتزلة والمرجئة - الجهمية منهم والفقهاء والكرامية - اتفقوا على أصل واحد انطلقوا منه: هو أن الإيمان شئ (١) واحد لا يزيد ولا ينقص , وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق , ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان. والعجيب أن هذه الفرق تحسب أن هذا موضع إجماع وتدعي ذلك , وعليه تبني معتقدها, وإنما هو إجماع بينها فقط , وربما كان ذلك لأن أكثر المصنفين في الفرق والمقالات هم من غير أهل السنة , ولا يذكرون مذهب أهل السنة , وإنما يذكرون مذاهب أهل الكلام والجدل. على هذا الأصل بنى الخوارج قولهم: أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن , لأن إيمانه زال بارتكاب الكبيرة , ثم اختلف عليهم بعض فرقهم في معنى هذا الكفر وبعض لوازم هذا القول. ووافقهم المعتزلة على هذا , لكن لما رأوا أن التسوية في الحكم بين الكافر والمرتد , وبين الزاني والسارق والشارب يستبعده العقل والشرع , حيث فرق الله بين حكم كل من هذين في الدنيا والآخرة , اكتفوا بإزالة اسم الإيمان عنه ولم يدخلوه في مسمى الكفر , فابتدعوا ما أسموه " المنزلة بين المنزلتين ". أما في المآل والعاقبة - أي أحكام الآخرة - فهم والخوارج سواء , فقد اتفقتا في الحكم وهو التخليد في النار , واختلفتا في الاسم , فالخوارج سموه كافرا , وهؤلاء جعلوه في منزلة بين المنزلتين. وأما المرجئة فإنهم - مع الإيمان بالأصل المذكور - وجدوا النصوص الكثيرة (٢) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج ومعهم المعتزلة , ووجدوا كذلك - وهذه شبهة أساس عندهم - أن ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات , فاتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان حتى يسلم لهم الأصل المذكور , فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمنا , بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل. ثم إن المرجئة اختلفت فرقهم , فمنهم من يقول: الإيمان محله القلب , ومنهم من يضيف إليه إقرار اللسان. والذين قالوا محله القلب اختلفوا في التسمية , فقال بعضهم: هو المعرفة , وقال آخرون: هو التصديق. والذين قالوا: أن الإيمان يشمل الاعتقاد والإقرار معا افترقوا , فمنهم من خص الاعتقاد بالتصديق , ومنهم من أدخل سائر أعمال القلب فيه. والذين خصوه بالتصديق أولوا أصل مذهبهم في الإقرار والنطق بأنه علامة على ما في القلب فقط , أو ركن زائد وليس بأصلي ونحو ذلك. والكرامية - خاصة - بقوا على الأصل نفسه أنه شئ واحد, لكن جعلوه الإقرار والنطق فقط. وبهذا الإيجاز والإجمال يتبين لنا أنه يمكن هدم مذاهب المخالفين في الإيمان جميعها بهدم هذا الأصل الفاسد الذي هو رأي مجرد عن النصوص , كما يمكن وضع ضابط لمعرفة مذاهب الناس في الإيمان - ولا سيما المرجئة - بحسب محل الإيمان من الأعضاء.

стр. 1069

ثانيا: هدم هذا الأصل شرعا: من أسهل الأمور وأجلاها بيان فساد هذا الأصل , ولهذا سنكتفي بإيراد هذه الأدلة المجملة (١).١ - انعقاد الإجماع على ذلك من الصحابة والتابعين وتابعيهم - كما سبق - وهو إجماع مستند إلى النصوص الصريحة من الكتاب والسنة في زيادة الإيمان ونقصه , واجتماع النفاق والإيمان في القلب الواحد واجتماع الشرك والإيمان في عمل الرجل الواحد (٢). ٢ - تفاضل المؤمنين في الأعمال الظاهرة تفاضلا لا ينكره إلا مكابر , فمنهم القانت الأواب , والمجاهد الدائب , ومنهم المقتصد , ومنهم الظالم لنفسه المنهمك في فسقه. ٣ - تفاوت المؤمنين في الأعمال الباطنة , كالحب والخوف والرجاء والذكر والتفكر في آلاء الله وآياته والخشوع واليقين ونحو ذلك مما لا يجحده إلا معاند عامد. ٤ - تفاوت الناس في العلم بما يؤمن به - حتى لو سلم جدلا أنه التصديق - فمنهم من يعلم من صفات الله وآياته وأسباب سخطه ومرضاته الشىء الكثير , ويؤمن بذلك ويعتقده مفصلا , ومنهم من لا يعلم منه إلا النزر اليسير المجمل , فلا مراء في أن الأول مصدق بأضعاف ما الآخر مصدق به , فالمعرفة والعلم واليقين كل منها درجات متفاوتة , والإنسان الواحد نفسه يكون إيمانه بشىء أقوى من إيمانه بشىء آخر , ويكون إيمانه بالشىء اليوم أقوي منه غدا أو العكس.٥ - أن الإيمان يتفاوت بتفاوت سببه ومستنده , فمن آمن بسبب آية خارقة رآها , ليس كمن آمن تبعا لإيمان غيره من الناس أو نحو ذلك من الأسباب العارضة (٣). ثالثا: ضابط معرفة أصول الفرق في الإيمان: يمكن معرفة أصول الفرق المختلفة في الإيمان بتقسيم الأقوال منطقيا حسب الأعضاء الثلاثة: " القلب , اللسان , والجوارح " وقد وضع هذا الضابط - نصا أو تلميحا - بعض المؤلفين من العلماء , عوضا من استعراض الفرق الذي سارت عليه كتب الفرق والمقالات , ومنهم الإمام الطبري (٤). وابن حزم (٥) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦) وابن أبى العز (٧) , وقد رأيت أن أستفيد من مجموع كلامهم، وأوجز كلامهم وأستخرج منه مع الزيادة والإيضاح ضابطا محددا يعين على معرفة الأقوال والتفريق بينها بيسر وسهولة فكان هذا التقسيم: - أن الإيمان بالقلب واللسان والجوارح ١ - أهل السنة ٢ - الخوارج ٣ - المعتزلة أن الإيمان بالقلب واللسان فقط المرجئة الفقهاء ابن كلاب - أن الإيمان باللسان والجوارح فقط الغسانية أو فرقة مجهولة ٦ - أن الإيمان بالقلب فقط الجهمية المريسية الصالحية الأشعرية الماتريدية وسائر فرق المقالات - أن الإيمان باللسان فقط الكرامية وبعض هذه الأقسام تحتاج لتفصيل إيضاحى وهى: أ - الذين قالوا إنه بالقلب واللسان والجوارح طائفتان ١ - الذين قالوا: الإيمان فعل كل واجب وترك كل محرم، ويذهب الإيمان كله بترك الواجب أو فعل الكبيرة، هم: ١ - الخوارج: ومرتكب الكبيرة عندهم كافر. ٢ - المعتزلة:

стр. 1070

ومرتكب الكبيرة عندهم في منزلة بين المنزلتين.٢ - الذين قالوا: الإيمان قول وعمل (١) , وكل طاعة هى شعبة من الإيمان أو جزء منه، الإيمان يكمل باستكمال شعبه وينقص بنقصها، ولكن منها ما يذهب الإيمان كله بذهابه ومنها ما ينقص بذهابه. فمن شعب الإيمان أصول لا يتحقق إلا بها، ولا يستحق مدعيه مطلق الاسم بدونها. ومنها واجبات لا يستحق الاسم المطلق بدونها. ومنها كمالات يرتقى صاحبها إلى أعلى درجاته. (وتفصيل هذا كله حسب النصوص) وهم أهل السنة والجماعة. ب - الذين قالوا: إنه يكون بالقلب واللسان فقط: طائفتان ١ - الذين منهم يدخلون أعمال القلب وهم بعض قدماء المرجئة الفقهاء وبعض محدثى الحنفية المتأخرين ٢ - الذين لا يدخلون أعمال القلب، وقد تطور بهم الأمر إلى إخراج قول اللسان أيضا" من الإيمان وجعلوه علامة فقط وهم عامة الحنفية (الماتريدية) ج-الذين قالوا: إنه يكون بالقلب فقط: ثلاث طوائف ١ - الذين يدخلون فيه أعمال القلب جميعا، وهم سائر فرق المرجئة كاليونسية والشمرية والتومنية. ٢ - الذين يقولون: هو المعرفة فقط: الجهم بن صفوان. ٣ - الذين يقولون: هو التصديق فقط: الأشعرية والماتريدية. هذه هي الأصول النظرية عامة. أما في واقع الظاهرة فقد تقلصت هذه الفرق إلى أقل من ذلك نظرا للتداخلات والتطورات الفكرية التى كان أهمها وأجلاها: ١ - استخدام قواعد المنطق وإدخاله علما معياريا يحكم في القضايا النظرية الخلافية عامة, ومنها قضية الإيمان. ٢ - تحول مباحث العقيدة أو التوحيد والإيمان إلى "علم الكلام" الذى يقوم على أسس فلسفية ويستخدم القواعد المنطقية، وإجمالا هو مباحث نظرية عقلية ليس للنصوص فيها - إن وجدت - إلا مكانة ثانوية، لا سيما في العصور الأخيرة. وهذا ما سوف نفصل الحديث فيه عما قليل. والمهم هنا أن هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التاريخية البحتة أدت إلى انقراض بعض الفرق الإرجائية، وهي: ١ - الكرامية: لم يعد لهم وجود ولا لفكرهم إلا في كتب المخالفين، مع أنها آخر المذاهب المبتدعة في الإيمان (٢) , ظهورا. وانقراضهم قديم نسبيا، يقول الذهبى (فى القرن الثامن): " وكان الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا، نعوذ بالله من الأهواء" (٣).هذا مع أنه كان لهم وجود ظاهر حتى نهاية القرن السادس ومطلع السابع، فإن المؤرخين للرازى وعلى رأسهم ابن السبكى (٤). ذكروا مناظراته لهم، وكتب الرازى تنضح بذلك، والرازى هو الإمام الثانى للأشعرية توفى سنة ٦٠٦هـ (٥). وقبل ذلك أثناء ظهور إمام الأشعرية الأول وناشر المذهب (أبو بكر الباقلاني) , كان في مقدمهم ابن الهيصم يكتب ويناظر في الطرف الآخر. قال شيخ الإسلام: " وقد رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا في أنه قول اللسان فقط، ورأيت لابن الباقلانى فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط، وكلاهما في عصر واحد وكلاهما يرد على المعتزلة والرافضة " (٦) .. ٢ - الجهمية وأصحاب المقالات (كاليونسية والشمرية): انقرض القائلون بأن الإيمان هو مجرد المعرفة القلبية. ولكن العجيب هو قيام أعظم مذهبين في الإرجاء وهما الأشعرية والماتريدية اللذان يشكلان جملة الظاهرة العامة على أصوله في أن الإيمان هو ما في القلب فقط، حتى إن الماتريدية أولت ما هو مشهور عن أبي حنيفة أن الإقرار باللسان ركن آخر للإيمان، وجعلوه علامة فقط كما سيأتى عنهم.

стр. 1071

هذا مع أن الأشعري نفسه صرح بمذهب جهم وجعله الفرقة الأولى من فرق المرجئة، والمنتسبون إليه يقرؤون ذلك إلى اليوم، بل إن كلام إمامهم المتقدم " الباقلاني " في الإيمان يماثل ما ذكره إمامهم المنتسبون إليه " الأشعرى " عن جهم!! وهذا من تناقضهم. وعلى هذا يصح أن نقول إن مذهب الجهمية في جملته لم ينقرض، وإنما انقرض القسمان الأولان من الأقسام الثلاثة المتفقة على الإيمان يكون بالقلب وحده - أعني سائر الفرق ذات المقالات والجهمية -.أما الفرقة الثالثة فكل ما عملته هو تحوير أو تعديل في كلام جهم، فوضعت التصديق بدلا من المعرفة، وصرحت بنفي أعمال القلب الأخرى مثلما صرح جهم وجعلت الأعمال المكفرة مجرد علامة على الكفر الباطن، وجعلت كل من حكم الشرع بكفره فاقدا للتصديق القلبي، ونحو ذلك من الآراء واللوازم التي لم يخالفوا جهما في شئ منها , إلا إذا صح أن جهما التزم القول بأن من أعلن التثليث في دار الإسلام وحمل الصليب بلا تقية أنه يكون مؤمنا إذا كان يعرف الله (١). على أن ابن حزم نسب هذا الالتزام للأشعرى معه، ولا يصح هذا عن الأشعري. لكن الأشعرية يقولون إنه يمكن أن يكون مؤمنا في الباطن، ولكن إعلانه التثليث وحمله الصليب دليل على كفره، وعلامة عليه، فهو كافر " ظاهرا " مع كونه مؤمنا " باطنا " إذا كان مصدقا!! وعلى أية حال فإن الفرق بين التصديق المجرد من أعمال القلب وبين المعرفة مما يتعذر على العقول إدراكه، كما نص شيخ الإسلام على أن الانقراض قد شمل أيضا آراء بعض قدماء المذهب الأشعري؛ فمؤسسه ابن كلاب كان على عقيدة المرجئة الفقهاء (٢).، وأما أبو عبدالله بن مجاهد تلميذ الأشعري وشيخ الباقلاني، وأبو العباس القلانسي، ونحوهم؛ فكانوا على عقيدة السلف في الإيمان - كما نقله عنهم أبو القاسم الأنصارى شيخ الشهرستاني في شرح كتاب الإرشاد للجويني (٣). وكل هؤلاء لم يبق لهم في مذهب الأشعرية أثر. ٣ - المرجئة الفقهاء: بعد أن استقرت الأمة على التمذهب بالمذاهب الأربعة المشهورة، استقر مذهب المرجئة الفقهاء ضمن مذهب أبي حنيفة ﵀، ولهذا أصبح يسمى مذهب الحنفية. وأبو حنيفة ﵀ تضاربت الأقوال في حقيقة مذهبه - وموقفه من أعمال القلوب خاصة - أهي داخلة في الإيمان أم لا؟ ولم يثبت لدي فيما بحثت أي نص من كلام الإمام نفسه، إلا أنني لا أستبعد أنه ﵀ رجع عن قوله ووافق السلف في أن الأعمال من الإيمان، وهذا هو المظنون به (٤). أما المشهور المتداول عنه فهو مذهب المرجئة الفقهاء , أي إن الإيمان يشمل ركنين: تصديق القلب وإقرار اللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، وأن الفاسق يسمى مؤمناً , إذ الإيمان شىء واحد ينتفي كله أو يبقى كله حسب الأصل المذكور سابقاً.

стр. 1072

وأشهر من يمثل هذا المذهب هم فقهاء الحنفية المتمسكون بعقيدة السلف وعلى رأسهم الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، والإمام القاضي ابن أبي العز شارحها، وقليل من المتأخرين. وحقيقة الأمر أن مذهب هؤلاء مضطرب متردد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً , فإنها لازمة لها ". (١). وعبارة الطحاوي ﵀ تدل على هذا فإنه قال: " والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى، ملازمة الأولى (٢). فقوله: " والإيمان واحد " شاهد لما قلنا من أن أصل الشبهة ومنطلقها هو هذا. وقوله: "في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى" إلخ , مخالف لذلك، فاضطربت عبارته؛ لأن قوله: "وأهله في أصله سواء" يدل عل أن للإيمان أصلاً وفرعاً أو فروعاً - هو أعمال الجوارح وأعمال القلب-. فيقال: إن كان الفرع داخلاً في مسمى الأصل كما هو الشرع واللغة والعرف لم يعد الإيمان واحداً، بل متفاوتاً متفاضلاً - كإثباته التفاضل في الخشية والتقى -. وإن كان غير داخل في مسماه فقوله: "وأهله في أصله سواء" غير دقيق فينبغي أن يقول "وأهله فيه سواء".والذي دفعه ﵀ إلى الوقوع في هذا هو محاولة الجمع بين مذهبي السلف وأبي حنيفة , لأن الرجل حنفي سلفي، وكذا شارح عقيدته، فإنه حاول ذلك أيضاً وأراده، ولهذا قال في شرح العبارة " ولهذا - والله أعلم - قال الشيخ ﵀: وأهله في أصله سواء يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه ". (٣).فيقال له: ما هذا الأصل من التصديق الذي يكون أهل الإيمان كلهم مشتركين فيه ويكون ما فوقه زيادة عليه؟ ومن الذي وضعه؟ وهذا في الحقيقة يقودنا إلى قضية فلسفية منطقية هي إثبات الماهية المشتركة خارج الذهن (٤). وهو ما لا يقره ﵀. وهاهنا قضية مهمة، وهي أن بعض الناس يثبتون أن الخلاف بين مذهب السلف ومذهب أبي حنيفة لفظي بإطلاق، مستدلين بظواهر بعض كلام شيخ الإسلام وبمثل صنيع الطحاوي والشارح، والأخير نص على أن الخلاف صوري، ونحن وإن كان غرضنا هنا ليس التفصيل وإنما هو إثبات الظاهرة , فإننا نبين وجه الحق في ذلك وعلاقته بتطور الظاهرة قائمة أيضاً؛ لأن بعض الناس قد يحسب أن الماتريدية - وهي الطور النهائي للظاهرة بالنسبة للمرجئة الفقهاء- هي على مذهب أبي حنيفة كما تزعم، والخلاف بينها وبين السلف صوري. وسوف نبطل ذلك ببيان حقيقة الخلاف بين أبي حنيفة والسلف، ثم نبين بعد خروج مذهب الماتريدية عن حقيقة مذهب الإمام. بل إن بيان مذهب أبي حنيفة والمرجئة الفقهاء عامة لهو مما يدل على انقراضه إلا من أمثال هذين الإمامين. فما حقيقة الخلاف بين مذهب السلف ومذهب الحنفية؟ قبل الإجابة المباشرة يجب أن نتذكر ما سبق في فصل " المرجئة الفقهاء " من نقل ذم علماء السلف للمرجئة وأنهم هم هؤلاء، وبيان ظلالهم وبدعتهم، وهو ما تنصح به كتب العقيدة الأثرية عامة، فهل يعقل أن يكون هذا كله والخلاف لفظي فقط؟! والذي تبينته من خلال الدراسة والتتبع أن سبب اللبس الواقع أحياناً هو أن للمسألة جانبين: الأول: ما يتعلق بحقيقة الإيمان أو ماهيته التصورية إن صح التعبير:

стр. 1073

والخلاف فيها حقيقي قطعاً، وله ثمراته الواضحة وأحكامه المترتبة مثل: ١ - فالسلف يقولون بزيادته ونقصانه، وهؤلاء يقولون بعدمها. ٢ - إطلاقه على الفاسق أو عدمه , فالسلف لا يطلقونه على الفاسق إلا مقيداً، وهؤلاء بعكسهم. ٣ - هل يقع تاماً في القلب مع عدم العمل أم لا؟ عند السلف لا يقع تاماً في القلب مع عدم العمل، وعند هؤلاء يقع. ٤ - وعند السلف أعمال القلب هي من الإيمان، وعند هؤلاء خشية وتقوى لا تدخل في حقيقته. ٥ - وعند السلف الإيمان يتنوع باعتبار المخاطبين به ... فيجب على كل أحد بحسب حاله وعلمه ما لا يجب على الآخر من الإيمان، وعند هؤلاء لا ينوع. ٦ - السلف يقولون إنه يستثنى فيه باعتبار، وهؤلاء يقولون لا يجوز ذلك لأنه شك. ٧ - إطلاق نصوص الإيمان على العمل أهو حقيقة أم مجاز؟ فالسلف يقولون حقيقة، وهؤلاء يقولون مجاز. ٨ - وهؤلاء يقولون: يجوز أن يقول أحد: إن إيماني كإيمان جبريل، والسلف يقولون: لا يجوز بحال. الثاني: ما يتعلق بالأحكام والمآلات وأهمها: ١ - حكم مرتكب الكبيرة عند الله، وأنه لا يطلق عليه الكفر في الدنيا، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت المشيئة. ٢ - كون الأعمال مطلوبة، لكن أهي أجزاء من الإيمان أم مجرد شرائع له وثمرات؟ فمن نظر إلى هذا فقط قال إن الخلاف صوري أو إن النزاع لفظي. ولكن مما يرد به على أصحاب هذا المذهب في القول نفسه - فضلاً عن القسم الأول -: ١ - أن إخراج الأعمال من مسمى الإيمان بدعة لم يعرفها السلف. ٢ - أن ذلك اتخذ ذريعة لإرجاء الجهمية - كما سبق , بل أدى إلى ظهور الفسق - كما ذكر شيخ الإسلام. ٣ - أنه تكلف وتعسف في فهم الأدلة ورد ظواهرها الصريحة. ٤ - أن كل شبهة لهم في ذلك منقوضة بحجة قوية. على أن القضية المهمة في الموضوع والتي ترتب عليها خلافهم في حكم تارك الصلاة - وقولهم أنه يقتل حداً- هي قضية ترك جنس العمل بالكلية. فقولهم: إنه مؤمن يجعل الخلاف حقيقياً بلا ريب، بل هم يجعلونه كامل الإيمان على أصلهم المذكور. فالخلاف فيها لا يقتصر على التسمية والحكم في الدنيا بل في المآل الأخروي أيضاً، هذا ما أخطأ فيه شارح الطحاوية حين قال: " وقد أجمعوا - أي السلف والحنفية - على أنه صدق بقلبه وأقر بلسانه وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد ". (١). واستدل بهذا على أن الخلاف صوري، والواقع أن مجرد الاتفاق على العقوبة لا يجعل الخلاف كذلك. بل مذهب السلف أن تارك العمل بالكلية كافر؛ إذ انعقد إجماع الصحابة عليهم رضوان الله على تكفير تارك الصلاة، ولم يخالف في ذلك أحد حتى ظهرت المرجئة وتأثر بها بعض أتباع الفقهاء الآخرين، دون علم بأن مصدر الشبهة وأساسها هو الإرجاء " (٢). ونعود إلى موضوع انقراض هذا المذهب وتطور الظاهرة، فنقول: إن أحداً في النصف الثاني من القرن الثاني لم يكن يتوقع انقراض هذا المذهب؛ لأنه كان يمثل مذهب الدولة الرسمي - أو شبه الرسمي - ويكاد يسيطر على أصحاب المناصب العلمية والقضائية الرسمية في بغداد والأقاليم. ولكن لم يلبث أن انقرضت صورته وتحول إلى مذهب فلسفي كلامي منذ القرن الرابع، ومن أهم أسباب ذلك:١ - المقاومة الشديدة التي بذلها أهل السنة في محاربته، وعلى رأسهم الإمام أحمد - الذي كان يدرس كتاب الإيمان وكتاب الأشربة (٣) له في الحلقات العامة - وماثله واقتدى به علماء الحديث والرجال (٤) فلم يحقق مذهب الحنفية أي انتصار علمي يذكر. وبعد التغير الجذري الذي انتهت إليه فتنة الإمام أحمد، والمكانة العليا التي تبوأها لدى الخلفاء والعلماء والعامة، وبروز المذاهب الأخرى - لا سيما الشافعية - تقلصت مكانة هذا المذهب في الفروع، وكان تقلصها في الأصول أكثر.٢ - انتشار المنطق والفلسفة وعلم الكلام، فقد حاول متكلموا هذا المذهب تعويض الهزيمة التي لحقته في المجال العلمى النصي (الكتاب والسنة) بإضفاء الطابع الفلسفي عليه، مستفيدين من هذا الانتشار الذي لم يقابله أهل السنة بما يستحق - لأسباب يطول ذكرها - فمال إليه الطبقة المثقفة، وتخلى معظم الفقهاء الحنفية (وغيرهم) عن التعرض لأمور العقيدة وأحالوها إلى علماء الكلام، وهنا برز من متكلمي الحنفية رجل كان له أعظم الأثر في الانتصار لمذهب جهم وتحويل مذهب الحنفية إليه، وهو أبو منصور الماتريدي. (٥). وقد اضطر الحنفية في بعض المراحل إلى الالتصاق بالأشعرية الذين كانوا أكثر منهم تعمقاً في الكلام , حتى أصبح كلام الباقلاني والرازي من أهم مصادرهم. وهذا مما جعل الفرقتين تتقاربان كثيراً، حتى إن مسائل الخلاف بينهما حصرت في قضايا معدودة أكثرها فلسفي. المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٤٠١

стр. 1074

المبحث الرابع عشر: الأثر الكلامي في تطور الظاهرة إن الدارس لتاريخ الفكر الإسلامي عامة يجد أن أكبر غريبة وفدت عليه وامتزجت به وتركت فيه أبلغ الأثر - شكلا ومضمونا - هي ظاهرة الغزو الفلسفي الإغريقي!! حقا إن أكبر حرب نفسية وفكرية أثيرت على الإسلام هي الغزو الفكري الحديث، الذي وفد مع الحملات الصليبية المسماة " الاستعمار ". غير أن هذا الغزو - وإن كان لا مبرر لقبوله على الإطلاق - له تفسير معقول، وهو التفاوت الكبير في مستوى التقدم الحضاري بين الأمتين المتصارعتين. فأمة تعاني من ضعف مزمن في كل مجالات الحياة ليس غريبا أن تخضع لغزو أمة قوية قاهرة حققت - وفق سنة الله الكونية - من الكشوفات والصناعات ما لم يكن الخيال البشري يحلم به من قبل. أما الظاهرة المستعصية على العقل، الغريبة في تاريخ الإنسانية، فهي أن تتقبل أمة حية قوية تملك مصدرا مستقلا للمعرفة والثقافة غزوا فكريا من أمة بائدة. ويكون الأمر أكثر استعصاء وغرابة إذا كانت الأمة المتقبلة للغزو هي أمة الوحي النقي والتوحيد الخالص، اللذين فتحت بهما قلوب الأمم، وحطمت طواغيت العالم، وبلغت من الاستعلاء بالحق ما لم تبلغه أمة قط ومع ذلك تتقبل الغزو من تراث مندثر لأمة مشركة منقرضة!! ولست في معرض الحديث عن أسباب تقبل هذا الغزو المدمر، لكنني لا أرى بدا من التعرض لذكر سببين رئيسين له - إن لم يكونا السببين الرئيسين - وهما: ١ - التخطيط التآمري لأعداء الإسلام: الذي انتهج أمكر الأساليب , ومنها " الغزو من الداخل " , وما ظاهرة الزندقة إلا رأس من رؤوس أفاعي الظلام، التي أكل الحقد قلوبها فقذفته سموما من الآراء والبدع والفلسفات الهدامة. والمتأمل لرؤوس الضلالة يجد طائفة منهم تنتمي للأديان والفلسفات التي سحقها الإسلام وحرر منها العباد مثل: بشر المريسي (يهودى) (١)، عبدالله بن المقفع (مجوسي)، إبراهيم النظام (برهمي) (٢)، عبدك الصوفي (ثيوصوفي) (٣)، جابر بن حيان (؟). وقد عرف الهدامون كيف يدخلون من أوسع الأبواب بالتدسس إلى السلطة الحاكمة والتأثير فيها لكي تتقبل هذه الأفكار، والناس من بعد لهم تبع. وهكذا وقع لخالد بن يزيد الأموي والمأمون العباسي - وإن كان الأول أقل - وغيرهما ممن أغرته هذه الفلسفات، على أن هذا السبب يظل أقل السببين شأنا، فإن الأمة الإسلامية متى كانت مستقيمة على الإيمان لم يضرها كيد كائد ولا عداوة حاقد بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:١٢٠]. ٢ - المنهج التوفيقي: إن الإيمان بالله ورسوله يحتم على الأمة الإسلامية أن تتمسك بمصدر الحق المعصوم، الذي مَنَّ الله به عليها دون سائر الأمم، وألا تتلقى من غيره فيما كفاها مؤونته، بل تحكمه في كل ما تأخذ وما تذر، وهذا أصل قطعي كلي تضافرت للدلالة عليه الآيات والأحاديث. ومنها: عن جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ فغضب فقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) (٤)،

стр. 1075

فهذا الموقف يرسم منهج التعامل مع الوحي المنسوخ، فكيف بالفكر البشري المحض الذي سماه الله تعالى (هوى وظناً وخرصاً وإفكا) وهي كلها أسماء يدخل في مسماها دخولا أوليا ما يسمى " الفلسفة الميتافيزيقية " وما تفرع عنها. وحسبك أن الله تعالى قال: مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:٥١]. فهذه الآية نسفت كل النظريات والفلسفات المخالفة للوحي - الكوني منها والإنساني - ووسمت أصحابها باسم (المضلين)، وما كانوا دائما إلا كذلك! وعلى هذا المنهج سار عمر بن الخطاب - نفسه - فإنه " لما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذن في شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ظلالا فقد كفانا الله! فطرحوها في الماء أو في النار (١)،". وعليه كذلك كان موقف أئمة الإسلام وعلماء الملة، كالأئمة الأربعة ووكيع وابن المبارك والسفيانين والفضيل. وغيرهم ممن سبقهم أو لحقهم. (٢) وعلى هذا ثبتت الطائفة المنصورة " أهل السنة والجماعة " في كل العصور، فقد تعرضت كتب الفلسفة والمنطق (٣) للحرق والمصادرة في عصور متعاقبة (٤)، ولاحقها علماء الإسلام بالفتاوى المدمرة، حتى إن كتب الفقه سطرت أن الوقف إذا وقف على طلبة العلم لا يدخل فيه أصحاب الكلام (٥). وقد تجلى هذا الموقف الأصيل أعظم ما تجلى في موقف إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، الذي حقق أعظم انتصار في التاريخ الفكري في الإسلام (٦).وهو سجين أعزل، وما ذلك إلا لأنه يمثل منهج الوحي في مقابل الخرص والهوى والخرافة. ولكن المنهج التوفيقي (٧) - وهو منهج ابتليت به الأمة الإسلامية قديما وحديثا - عكر على هذا المنهج الحازم الحاسم مواقفه وأفسد كثيرا - في حين أراد إصلاحا وتوفيقا! هذا المنهج - الذي انتهجه الأشاعرة والماتريدية - يرى إمكان الجمع بين الوحي والفلسفة، بين منهج القرآن ومنهج اليونان (٨)، والخروج بموقف أو رأي وسط بينهما أو مركب منهما!!

стр. 1076

ويظهر ذلك بوضوح في تعامله مع نصوص الوحي كتابا وسنة؛ فهو يقرر جزما وجوب الأخذ ببعض الآيات والأحاديث على ظاهرها المجمع عليه المعروف عند السلف، في حين يقرر أيضا - على الدرجة نفسها من الجزم والإيجاب - تأويل بعضها الآخر بما لم ينقل عن السلف، بل قام إجماعهم على خلافه، ولا يتحرج أصحابه من ذكر الإجماع ومستنده النصي، ثم التصريح بمخالفته بقول يعلمون أنه منقول عن اليونان!! وهذا المنهج - فوق أنه محكوم عليه شرعاً بالخطل والضلال - هو خطأ بيِّن بالفطرة العلمية المحضة؛ لأنه يقوم على غير معيار موضوعي متميز، وحسبك إقرار أصحابه قاطبة بأن التأويل ظني؛ ولهذا يختلفون فيه اختلافا شديداً حتى لا يكاد يجمعهم أحيانا إلا مخالفة دلالة النص التي يسمونها ظاهراً - وإن كان " نصاً " لا يقبل الاحتمال - وهذا ينطبق على نصوص الإيمان والقدر كنصوص من الصفات سواء. ولهذا شهد الخط البياني لهذا المنهج تذبذباً شديداً، ثم انحيازاً تاماً في النهاية إلى جانب الفلسفة (١)،! كما أن هذا المنهج - بحسب أفراده - يشهد تنقلات وتطورات عجيبة تلفت نظر كل دارس لأعلامه وأئمته، فالواحد منهم يبتدئ معتزلياً، وينتهي سنياً صرفا أو فلسفيا صرفا، يتردد بينهما فيناقض في كتاب ما قاله في الآخر، وخيرهم من يرجع إلى مذهب السلف عند الاحتضار أو قبيله (٢)!! ولهذا كانت أصولهم - المتفق عليها بينهم - عرضة لتفسيرات مختلفة (مثل معاني الصفات، والكلام النفسي، والكسب .. ) ولا شك أن لهذا تفسيره كظاهرة نفسية عامة في الاختلافات العقائدية والسياسية وغيرها، وأياً كان هذا التفسير فإن حلول الوسط في خلاف بين حق محض صراح وباطل محض صراح هي بالبداهة ترجيح للباطل وهضم للحق. بل مجرد الخروج عن مصدر المعرفة المعصوم " الوحي" هو الضلال بعينه أياً كان المصدر الآخر. وعلى أي حال أصبح هذا المنهج واقعة بعد أن كانت الأمة قبله فريقين متنافرين: ١ - أهل السنة والجماعة - ومعهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وصريح العقل، مجمعين على الدعوة إلى المنهج الناصع المستقيم. ٢ - رؤوس الضلالة من الجهمية والقدرية والزنادقة والمتفلسفة، وهؤلاء معهم فلسفات وجدليات وتنطعات ترجموها عن أمم الشرك والضلال، وضربوا لأجلها كتاب الله بعضه ببعض حين خلطوها بتحريف للمحكم وفهم سقيم للمتشابه. في غمرة العداء الصارم والمعترك الصاخب ظهر الفكر التوفيقي وبزغ قرنه، فدعا أصحابه إلى التوسط بين هذا وذاك، فاتهموا أهل السنة بأنهم متمسكون بالظواهر النقلية معادون للدلائل العقلية، واتهموا الآخرين - بحق - بأنهم معادون للنقل مقدسون للعقل، ورأوا - هم - أن الصحيح هو وجوب الأخذ ببعض أصول أهل السنة مع وجوب تأويل بعضها الآخر لمخالفة صريح العقل بزعمهم!! وكذلك وجوب الأخذ ببعض ما يدعو إليه الآخرون من العقليات ورد البعض الآخر!!

стр. 1077

وهكذا جعلوا - وهم لا يشعرون - فلسفة اليونان، وآراء الصابئين والبراهمة، وخرافات المجوس والنصارى تقف موقف الند المنافس لما أنزل الله من الوحي المحفوظ المعصوم!! وبعثوا تلك الرمم الفكرية البالية لتشاطر هدى الله عقول المسلمين وتقاسمه قلوبهم. (١) وليس هذا فحسب، بل من أخطر نتائج هذا المنهج أنه حطم وحدة التجمع الضخم الذي كان أهل السنة والجماعة يحظون به دون سائر الفرق؛ حيث كانت الفرق الأخرى - كالشيعة والمعتزلة - لا تمثل إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار السنة الكبير. ولكن هذا المنهج جنى على ذلك جناية كبرى - لا سيما وكثير من رؤوسه ينتسبون للسنة ونصرتها -، فانقسم الرأي وتفسخ الموقف، واستصغرت الأمة خطر ما يدعو إليه هؤلاء، استكبارها له نفسه حين كان دعاته هم أعداء السنة الصرحاء. حتى جماهير الأمة وعامتها اختلط عليهم الأمر وانقسم الولاء , فما كان لهم من قبل أن يقارنوا بين الكتاب والسنة وبين زندقة الفرس والهنود والصابئين، ولا أن يعتقدوا كون ابن أبي دؤاد وبشر وجهم وغيلان والنظام أعلم بدين الله واتبع للحق وأهدى سبيلا من مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والحسن وسفيان والفضيل. فلما ظهر المتمسحون بالسنة , المعظمون ظاهرا لأولئك السلف , مؤيدين لأولئك المبتدعة في كثير من أصولهم فتر العداء أو اضمحل، وتشتت الولاء وهاج الرأي بين التجمع السني نفسه!! وهذا الموقف تجلى بوضوح في المسألة المهمة لنا هنا وهي مسألة الإيمان , وبخاصة " العمل ". فقد ظهر أصحاب المنهج التوفيقي والخلاف في المسألة دائر بين فريقين: ١ - الأول: الأمة كلها - تقريباً - غير أنها كانت على مذهبين: أ- الغالبية العظمى: وهم متمسكون بما أجمعت عليه القرون المفضلة، وصرحت به نصوص الوحي القطعية من أن الإيمان قول وعمل - على ما سبق شرحه -. ب- طائفة معدودة من الفقهاء تتفق مع الأولى في أهمية العمل ووجوبه فضلا عن اتفاقها معها في أن من لم يقر بالإيمان بلسانه أو لم يقم بقلبه شيء من أعماله (كالرضا واليقين والصدق والإخلاص) كافر لا إيمان له، ولكن انقدحت لديهم شبهة في كون الأعمال - أعمال الجوارح - تدخل في مسمى الإيمان، وفهموا خطأ أن القول بزيادته ونقصانه موافق لقول الخوارج، ولهم على ذلك تأويلات وتعللات .. وهؤلاء هم المسمون مرجئة أهل السنة أو مرجئة الفقها. ٢ - الفريق الآخر: غلاة المرجئة، وهم الجهمية - حينئذ - ومن شابههم، ولهم في الإيمان قول اتفقت الأمة على شذوذه وعدم الاعتداد به، وعدم اعتباره في الخلاف، بل أخرجهم أئمة الإسلام الكبار من فرق الأمة الثنتين والسبعين الضالة، وعدوهم أكفر من اليهود والنصارى والمجوس لمسائل ذهبوا إليها منها هذه المسألة. فقد كان مذهبهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة بالقلب؛ فكل من عرف الله بقلبه فهو عندهم مؤمن تام الإيمان (٢) أي وإن لم يعمل. فلما ظهر دعاة المنهج التوفيقي التوسطي وطبقوا منهجهم في التوفيق بين هذه المذاهب , أخذوا من الجهمية أن الإيمان محله القلب وحده وأنه يقع " كاملا " فيه، وأن النطق بالشهادة فضلاً عن سائر الأركان غير داخل فيه وإنما هو شرط ظاهري فقط، أي شرط لإجراء أحكام الإسلام الظاهرة على قائله!!

стр. 1078

وأخذوا من أهل السنة عن أحكام المرتدين وتاركي الدين كله أو بعض أركانه أو بعض واجباته، وتعرض فاعل ذلك للوعيد ونحو ذلك .. حتى إن الواحد من أصحاب هذا المنهج ربما يكتب بما يوافق الجهمية - باعتباره متكلما-، فإذا كتب باعتباره فقيها ذكر كلام علماء السنة ونقل أقوالهم كأي فقيه منهم!! على أن هذا الحكم لم يخرجوا به نتيجة توسطهم في هذه المسألة بمفردها، بل هو مقرون ومرتبط بتوسطهم في مسألة أكثر شهرة في التاريخ , وهي مسألة خلق القرآن. وبيان ذلك: أن مسألة خلق القرآن كانت أشهر المسائل الخلافية وأعظمها (١) وبها امتحنت الأمة كلها وتعرض علماؤها شرقاً وغرباً للأذى والسجن والقتل، وشغلت أذهان الناس وأوقاتهم وعلومهم وكتبهم، وكان الخلاف فيها حاسماً واضحاً بين فريقين: ١ - علماء الأمة قاطبة؛ وهم مجمعون على ما كانت عليه الأمة قبل هذه البدعة من اعتقاد أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. ٢ - الفرقة الكلامية الشاذة ومعها السلطة الغاشمة؛ ورأيها أن القرآن مخلوق. ورغماً عما نزل من البلاء والزلزلة والفتنة ثبتت الأمة وانتصرت في النهاية تبعا لثبات الإمام أحمد ﵁، وانتصر منهج الوحي انتصاراً حاسماً، واندحرت أفاعي الابتداع، وكمنت شياطين المكر بذلة. ولكن المنهج التوفيقي لم يدع فرحة الأمة بالنصر تتم وتماسكها على الحق يكمل، فقد نبغ دعاته - وعلى رأسهم عبدالله بن سعيد بن كلاب (٢) - برأي توفيقي مبتدع لم يقل به أحد من الفريقين المتخاصمين وهو أن كلام الله نوعان: أ- نفسي: وهو صفة أزلية قديمة قائمة بالنفس، وهذا غير مخلوق (موافقة لأهل السنة).ت - لفظي: وهو الكلام المسطور في المصحف، وهذا مخلوق (٣) (موافقة منهم للمبتدعة). فعاد الاضطراب إلى الأمة وظهر التشويش، وانقسمت وحدة المسلمين التي كانت متماسكة صفاً واحداً مع علماء السنة، وما بعض أهل الكلام والمشتغلين إلى هذا الرأي الجديد، ثم شاع حتى كاد يغلب أكثر معاهد العلم في العصور الأخيرة. وهكذا أصبح القول بالكلام النفسي من أعظم أصول المذهب التوفيقي، تبعا لضخامة المعركة الدائرة حينئذ في هذه المسألة الكبرى، وكان طبيعياً أن يظهر أثره في الأصول الأخرى , ومنها "الإيمان" , فقد دخل أصحابه في مخاضة فلسفية في موضوع الكلام أهو ما يقوله اللسان أم يدور في النفس فقط؟ وما العلاقة بينهما حينئذ؟ والمتكلم أهو من فعل الكلام؟ أم من قام به الكلام؟ .. إلى آخر هذا التفلسف (٤). فلما جاؤوا لمبحث الإيمان وتفسيره أهو الإقرار باللسان أم الإقرار بالقلب وحده أم بهما معا أم بهما مع ضم غيرهما - استصحبوا ذلك الأصل وطبقوه وردوا هذا له - فكان من أوليات ذلك إسقاط كون العمل من الإيمان، وتطبيق مذهبهم في التأويل على ما ورد في ذلك من نصوص!!

стр. 1079

يقول أبو المعالي الجويني في باب الأسماء والأحكام بعد أن أطال النفس في تقرير صحة مذهبهم في الكلام النفسي: " اعلموا أن غرضنا في هذا الفصل يستدعي تقديم ذكر حقيقة الإيمان، وهذا مما اختلفت فيه مذاهب الإسلاميين: ١ - فذهبت الخوارج إلى أن الإيمان هو الطاعة ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة .. ٢ - وصار أصحاب الحديث إلى أن الإيمان معرفة بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ٣ - وذهب بعض القدماء (١). إلى أن الإيمان هو المعرفة في القلب والإقرار بها. ٤ - وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فحسب والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان: التصديق بالله تعالى؛ فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد " (٢).ثم قال: " وقد يشهد لما ذكرناه إجماع على افتقار الصلوات ونحوها من العبادات إلى تقديم الإيمان، فلو كانت أجزاء من الإيمان لامتنع إطلاق ذلك (٣). فإن استدل من سمى الطاعات إيماناً بقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة:١٤٣] قالوا: المراد بذلك - أي الإيمان - الصلوات المؤداة إلى بيت المقدس. وربما يستدلون بما روي عن النبي ﷺ : ((الإيمان بضع وتسعون (٤). خصلة، أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق) قلنا: أما الإيمان في الآية التي استروحتم إليها فهو محمول على التصديق، والمراد: وما كان الله ليضيع تصديقكم نبيكم فيما بلغكم من الصلاة إلى القبلتين (٥)!! وأما الحديث فهو من الآحاد (٦)، ثم هو مؤول (٧)، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا دل عليه أو كان منه بسبب (٨). ويقول الكمال بن الهمام - من أئمة الحنفية المتأخرين - في كتابه الذي ألفه على منوال الرسالة القدسية للغزالي: " اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو جزء مفهوم الإيمان أو تمامه أهو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النفسي؟ فقيل بالأول، ودفع بالقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقية رسالته ﵊ وما جاء به، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦].

стр. 1080

وبأن الإيمان مكلف به، والتكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية، والعلم مما يثبت بلا اختيار , كمن وقعت مشاهدته على من ادعى النبوة وأظهر المعجزة فلزم نفسه عند ذلك العلم بصدقه. وذهب إمام الحرمين وغيره إلى أنه من قبيل الكلام النفسي. قال صاحب (الغنية): اختلف جواب أبي الحسن - أي الأشعري - في معنى التصديق؛ فقال مرة: هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه، وقال مرة: التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح دونها، وارتضاه القاضي - أي الباقلاني -؛ فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر، ثم يعبر عن تصديق القلب باللسان (١). انتهى. قال: وظاهر عبارة الشيخ أبي الحسن أنه كلام النفس مشروط بالمعرفة، ويحتمل أنه من المجموع من المعرفة وذلك الكلام النفسي. فلا بد في تحقيق الإيمان من المعرفة- أعني مطابقة دعوى النبي للواقع - ومن آخر هو الاستسلام والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم للإجلال وعدم الاستخفاف, لما ذكرنا من ثبوت مجرد تلك المعرفة مع قيام الكفر. قال: ثم جعل بعض أهل العلم الاستسلام والانقياد الذي هو معنى الإسلام داخلا في معنى التصديق، وأطلق بعضهم اسم المترادف على الإسلام والإيمان (٢). والأظهر أنهما متلازما المفهوم، فلا يكون إيمان في الخارج شرعا بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان. وأن التصديق قول للنفس غير المعرفة؛ لأن المفهوم منه لغة نسبة الصدق إلى القائل، وهو فعل، والمعرفة من قبيل الكيف المقابل لمقولة الفعل. قال: فلزم خروج كل من الانقياد - الذى هو الإسلام - والمعرفة عن مفهوم التصديق وثبوت اعتبارهما شرعاً في الإيمان؛ إما على أنهما جزءان لمفهومه شرعا أو شرطان لاعتباره شرعاً، وهو الأوجه " (٣). وقد علق صاحب الحاشية " قاسم بن قطلوبغا " المتوفى ٨٧٨ هـ عليه قائلا: " قلت: لم يتكلم المصنف على قول الشيخ أبي الحسن: أن التصديق هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه. والظاهر أن الشيخ أبا الحسن أراد المعرفة النفسية المكتسبة بالاختيار؛ لأنها هي التي تكون تصديقا، لا المعرفة التي ذهب إليها جهم وبعض القدرية؛ لأن أبا حنيفة ﵀ أبطل أن تكون إيماناً - كما نقله عنه الأئمة من أصحابنا - وأنه قد أطبق العلماء على بطلانه ".

стр. 1081

وذكر أيضا أنه لم يظهر له دخول الاستسلام والانقياد في القول النفسي وقال: " والظاهر من قول أبي الحسن: (التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة) أنه التركيب الخبري ولا يصح بدونها أي لا يكون تصديق بدون الإذعان والقبول لتلك النسبة. والحاصل أن الشيخ أبا الحسن فسر مرة بما هو من مقول الكيف ومرة بما هو من مقول الفعل. والثاني مرتضى القاضي وصاحب (الغنية) " (١). هذا غيض من فيض من كلامهم في حقيقة الإيمان وتفسيرها تفسيرا موافقا لقولهم في الكلام النفسي عامة، ومتمشيا مع المقولات الفلسفية مع الإعراض عن النصوص الواردة فيه، فكان طبيعيا ألا يدخلوا العمل فيه بمرة، وهذا هو المطلوب. وقد سبق قريبا التنبيه إلى معنى الإذعان والانقياد عندهم، فإن بعض الناس قد يفهم أنهم يريدون به العمل والامتثال , ولكن كلامهم واضح في عدم قصد ذلك وأنهم إنما يريدون به الإيمان بوجوب الفرائض لا فعلها. وليس هذا فهمنا فحسب، بل هو ما شرحه به شارح كلام ابن الهمام نفسه حين قال: " الإيمان هو التصديق بالقلب فقط: أي قبول القلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ ، بحيث تعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر ولا استدلال؛ كالوحدانية والنبوة والجزاء ووجوب الصلاة والزكاة وحرمة الخمر ونحوها ". (٢). بل قال المؤلف نفسه: " متعلق الإيمان ما جاء به محمد ﷺ ، فيجب التصديق بكل ما جاء به من اعتقادي وعملي؛ أعني اعتقاد أحقية العملي ". قال شارحه: " أعني بالتصديق الثاني اعتقاد أنه حق وصدق كما أخبر به النبي ﷺ " (٣).!! وكذلك يقول شارح الجوهرة: " والإسلام أشرحن حقيقته (بالعمل) الصالح؛ أعني امتثال المأمورات واجتناب المنهيات؛ والمراد الإذعان لتلك الأحكام وعدم ردها سواء عملها أو لم يعملها "!! وقال " والمراد إذعان المذكورات (الصلاة والصيام ... ) وتسليمها وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار " (٤) فالإذعان عندهم هو جزء من الفعل النفسي أو الكيف النفسي أو متعلق من متعلقاتها لا غير (٥)، فهو ضد التكذيب، أو ضد جحد الوجوب على أحسن الأحوال، ومن الواضح أن إذعانا كهذا الذي وصفوه ليس هو الإذعان المطلوب شرعا، وإن كان لا بد منه في الإذعان الشرعي الذي هو الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور على ما جاء في النصوص الكثيرة، ومنها ما في حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ : ((فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، وقال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم)) (٦) وعلى هذا قال الإمام أحمد ﵀:: من قال إنه يكون مؤمنا أو مسلما مع عدم العمل فقد عاند الحديث!! وسيأتي في الباب الخامس بإذن الله كشف هذه الشبهات كاملا، وإنما المراد هنا تبيين الأثر الكلامي في هذه العقيدة المخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف (٧). المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٤٢٣

стр. 1082

المبحث الخامس عشر: حكم ترك العمل في الطور النهائي للظاهرة يقول أبو منصور البغدادي (١): "الطاعات عندنا أقسام: أعلاها يصير بها المطيع عند الله مؤمناً، ويكون عاقبته لأجلها الجنة إن مات عليه، وهي: معرفة أصول الدين في العدل والتوحيد والوعد والوعيد والنبوات والكرامات، ومعرفة أركان شريعة الإسلام وبهذه المعرفة يخرج عن الكفر. والقسم الثاني: إظهار ما ذكرناه باللسان مرة واحدة، وبه يسلم من الجزية والقتال والسبي والاسترقاق، وبه تحل المناكحة، واستحلال الذبيحة، والموراثة، والدفن في مقابر المسلمين، والصلاة عليه وخلفه. والقسم الثالث: إقامة الفرائض واجتناب الكبائر، وبه يسلم من دخول النار ويصير مقبول الشهادة. والقسم الرابع منها: زيادة النوافل، وبها يكون له الزيادة في الكرامة والولاية ". قال: " والمعاصي أيضا قسمان: قسم منها: كفر محض؛ كعقد القلب على ما ضاد القسم الأول من أقسام الطاعات، أو الشك فيها أو بعضها، ومن مات على ذلك كان مخلدا في النار. والقسم الثاني منها: ركوب الكبائر، أو ترك الفرائض من غير عذر، وذلك فسق تسقط به الشهادة، وفيه ما يوجب الحد أو القتل أو التعزير، وهو مع ذلك مؤمن إن صح له القسم الأول من الطاعات ". فالطاعات عنده ثلاث مراتب: ١ - المعرفة ٢ - الإقرار ٣ - العمل. والمعاصى مرتبتان: ١ - ترك المعرفة. ٢ - ترك العمل. ولم يذكر ترك الإقرار لأنه مجرد علامة لإجراء الأحكام الدنيوية كما بين في كلامه، ولذلك كان إظهاره مرة واحدة كافياً. فحقيقة الإيمان عنده هي المعرفة بأصول الدين معرفة قلبية، وحقيقة الكفر هي اعتقاد ضد تلك المعرفة بالقلب أيضا. وأما الإقرار - وهو قول كلمة الشهادة -، والعمل - الذي هو فعل المأمورات وترك المنهيات - فليسا من الإيمان ولا يكون تاركها كافرا , فإن كان تاركا للإقرار كان مؤمنا عند الله فحسب، وإن كان تاركا للعمل كان مؤمنا عند الله وفي أحكام الدنيا أيضا! هذه خلاصة كلامه. وهذا ظاهر الموافقة لمذهب جهم وبشر مع شيء من التفصيل، ولكن ليس هذا هو العجيب فإن اتباعهم لمذهب جهم مشهور معلوم، ولكن العجيب أن مذهبه فيه موافقة لمذهب الخوارج شعر أو لم يشعر , وذلك في قوله أن من اعتقد ما يضاد القسم الأول من أقسام الطاعات عنده - وهو (معرفة أصول الدين في العدل والتوحيد والوعد والوعيد والنبوات والكرامات ومعرفة أركان شريعة الإسلام) - كافر . والذي أوقعه في ذلك هو القسمة العقلية التي لا مستند لها من النصوص، فهل يعتقد البغدادي أن من خالف الأشعرية في شيء من هذه العقائد أو جهلها كافر؟ الواقع أن الاختلاف عندهم في تكفير أهل البدع قائم، وهم مضطربون في ذلك بما لا متسع لتفصيله. والأكثر مخالفة لمذهب السلف هو اعتقاد تكفير من جهل شيئا من أركان الشريعة بإطلاق؛ فإن الإنسان قد يجهل حكماً هو عند غيره معلوم قطعي ويكون مع ذلك معذوراً .. على تفصيل ليس هذا موضعه. فالبغدادي - ولا ريب - قد جنح في مسألة المعرفة إلى الغلو لكنه سرعان ما تناقض فجنح في مسألة العمل إلى التفريط. فمع حكمه بأن من فاتته معرفة أحكام الشريعة كافر - بلا تفصيل - تجده يحكم بأن من لم يعمل شيئا منها من غير عذر مؤمن إن كان صحيح المعرفة - كما قال - ومن هنا نفهم أن تلك المعرفة المشروطة إنما هي إدراك مجرد، فلا تستلزم لذاتها امتثالا ولا عملا. والمهم أن هذه " التوفيقية " الواضحة التي انتهجها البغدادي بما فيها من تناقض وتذبذب ظلت هي منهج القوم المتبع ولا تزال، - لا سيما في موضوع ترك العمل - والنصوص الآتية هنا توضح ذلك:

стр. 1083

٢ - يقول التفتازاني: ضمن كلام معقد طويل عن مسألة " النطق بالشهادة وحكمها ": " إن هاهنا مطلبين: الأول: أن الإقرار ليس جزءاً من الإيمان. والثاني: أنه (أي الإيمان) التصديق لا غير. أما الأول فلدلالة النصوص على أن محل الإيمان هو القلب (١) فلا يكون الإقرار الذي هو فعل اللسان داخلاً فيه. أما الثاني وهو أنه التصديق، لا سائر ما في القلب من المعرفة والقدرة والعفة والشجاعة ... فلوجوه: الأول: اتفاق الفريقين (٢) على أنه ليس سوى التصديق. الثاني: أن الإيمان في اللغة التصديق ولم يعين في الشرع لمعنى آخر (٣).الثالث: أن النقل خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه بلا دليل " (٤).والتفتازاني يقول هذا ترجحياً للقول بأن النطق إنما هو شرط لإجراء الأحكام الظاهرة الدنيوية، وليس جزءاً من الإيمان ولا شطراً له - كما كان عليه مذهب الحنفية - ويستدل لذلك بحديث: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (٥) ,، وهو من النصوص التي أساءوا فهمها، واستدلوا بها في غير موضعها، وأخذوا ببعض مدلولاتها وتركوا البعض الآخر .. على ما سيأتي تفصيله (٦) .. وهو ينقل عن شرح المواقف " أن السجود للصنم بالاختيار يدل بظاهرة على أنه ليس بمصدق، ونحن نحكم بالظاهر؛ فلذلك حكمنا بعدم إيمانه، حتى لو علم أنه لم يسجد له على سبيل التعظيم واعتقاد الألوهية، بل سجد له وقلبه مطمئن بالإيمان .. لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى وإن أجرى عليه حكم الكافر في الظاهر " (٧). ٣ - وقال السنوسي: " وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة - أي كلمة الشهادة - واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة، وإن عجز عنها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب، وكان مؤمنا. هذا هو المشهور من مذاهب علماء أهل السنة (٨). وقيل: لا يصح الإيمان بدونها مطلقاً، ولا فرق بين المختار والعاجز، وقيل: يصح الإيمان بدونها مطلقا , وإن كان التارك لها اختياراً عاصياً، كما في حق المؤمن إذا نطق بها ولم ينو الوجوب . ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة: الخلاف في هذه الكلمة؛ هل هي شرط في صحة الإيمان، أو جزء منه، أو ليست بشرط فيه ولا جزء منه. والأول هو المختار ". وهنا قال شارح كلامه " الدسوقي ": " حاصل ما ذكره الشارح أن الأقوال فيه ثلاثة: فقيل: إن النطق بالشهادتين شرط في صحته خارج عن ماهيته. وقيل: إنه شطر أي جزء من حقيقة الإيمان , فالإيمان مجموع التصديق القلبي والنطق بالشهادتين. وقيل: ليس شرطا في صحته ولا جزءاً من مفهومه، بل هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وهو المعتمد !

стр. 1084

وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بالشهادتين سواء كان قادراً على النطق أو عاجزاً عنه فهو مؤمن عند الله يدخل الجنة، وإن كانت لا تجري عليه الأحكام الدنيوية من غسل وصلاة عليه ودفن في مقابر المسلمين ولا ترثه ورثته المسلمون، فقول الشارح: هذا هو المشهور - أي وجوب النطق وأنه شرط - غير مسلم، بل هذا ضعيف " " .... قوله: وقيل: لا يصح الإيمان بدونها مطلقاً؛ أي سواء كان قادراً على النطق أو كان عاجزاً. وهذا القول منكر !! وليس مبنياً على القول بأن النطق شطر من الإيمان؛ لأن من قال بذلك شرط القدرة. وأما العاجز عن النطق لخرس ونحوه فيكفيه في صحة إيمانه عند الله التصديق القلبي " (١). ٤ - ويقول صاحب المسايرة على المسامرة في ذكر الخلاف في الإيمان: وأقوال الناس: ١ - " القول بأن مسمى الإيمان هوالتصديق فقط هو المختار عند جمهور الأشاعرة، وبه قال الماتريدي ". ٢ - "أن مسمى الإيمان: تصديق القلب والإقرار باللسان وعمل سائر الجوارح، فماهيته على هذا مركبة من أمور ثلاثة: إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، فمن أخل بشيء منها فهو كافر، وهذا قول الخوارج، ولذا كفروا بالذنب لانتفاء جزء الماهية " (٢). ٣ - " أن الإيمان: التصديق باللسان فقط، أي الإقرار بحقية ما جاء به الرسول ﷺ بأن يأتي بكلمتي الشهادة، وهذا هو قول الكرامية، قالوا: فإن طابق تصديق اللسان تصديق القلب فهو مؤمن ناج، وإلا فهو مؤمن مخلد في النار ". ٤ - " أن الإيمان: تصديق بالقلب واللسان ... ، وهو منقول عن أبي حنيفة ومشهور عن أصحابه وعن بعض المحققين من الأشاعرة ". وذكر أنهم فرقوا بين التصديق والإقرار بأن: " التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلاً، والإقرار قد يحتمله , وذلك في حق العاجز عن النطق والمكره" (٣). ثم ذكر لهم دليلين:

стр. 1085

أ- أن هذا " هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطاً خارجاً عن حقيقة الإيمان ".ب- أن النصوص الدالة عليه من نحو قوله ﵊: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقها وحسابه على الله)) (١).قال: "ويجاب من طرف جمهور الأشاعرة عن الحديث بأن معناه أن قول لا إله إلا الله شرط لإجراء أحكام الإسلام، حيث رتب فيه على القول الكف عن الدم والمال، لا النجاة في الآخرة الذي هو محل النزاع " (٢).قال:" على أن من محققي الحنفية من وافق الأشاعرة كما نبه عليه المصنف بقوله: " (إلا قول صاحب العمدة) هو كما مر أبو البركات عبدالله بن محمد بن محمود النسفي، (منهم) أي من الحنفية: (الإيمان: التصديق، فمن صدق الرسول) ﷺ ، (فيما جاء به) عن الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام، (هو) أي قول صاحب (العمدة)، (بعينه القول المختار عند الاشاعرة) تبع فيه صاحب (العمدة) أبا منصور الماتريدي " (٣). أي فالحنفية " المرجئة الفقهاء " فريقان: ١ - فريق وافق الأشاعرة؛ وهم الماتريدي الذي ينتسب إليه من جاء بعده منهم. ٢ - فريق ظل عل المذهب القديم- ولو شكلاً- حيث أوله بعضهم بما يوافق مذهب الأشاعرة. ومذهب الفريق الأول هو الذي ساد أخيرا. ٥ - ويجمع الشعراني أقوال كثير منهم في موضع واحد: حيث ينقل في كتابه " اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر " أن السبكي أورد سؤالا وهو " أنه هل التلفظ بالإيمان الذي هو الشهادة شرط للإيمان أو شطر منه؟ فيه تردد للعلماء " (٤) .. قال الشعراني: "قال الجلال المحلي: وكلام الغزالي يقتضي أنه ليس بشرط ولا شطر وإنما هو واجب من واجباته ". " قال الكمال في حاشية جمع الجوامع: وإيضاح ذلك أن يقال في التلفظ هل هو شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدنيا من التوارث والمناكحة وغيرهما فيكون غير داخل في مسمى الإيمان، أو شطر منه أو جزء من مسماه؟ قال: والذي عليه جمهور المحققين الأول، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه مع تمكنه من الإقرار كان مؤمناً عند الله تعالى. قال: وهذا أوفق باللغة والعرف!! وذهب شمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي من الحنفية، وكثير من الفقهاء إلى الثاني. وألزمهم القائلون بالأول بأن من صدق بقلبه فاخترمته المنية قبل اتساع وقت الإقرار كان كافراً (٥) , وهو خلاف الإجماع على ما نقله الإمام الرازي وغيره " (٦) وشطر ذ ٥ - وقال البيجورى في شرح الجوهرة شرحا لقوله: وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق فقيل شرط كالعمل وقيل بل ... شطر والإسلام اشرحن بالعمل " قوله: والنطق فيه الخلف: أي والنطق بالشهادتين للمتمكن منه، وخرج بالمتمكن - الذى هو القادر - الأخرس فلا يطالب بالنطق، كمن اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ، فهو مؤمن عند الله، حتى على القول بأن النطق شرط صحة أو شطر، بخلاف من تمكن وفرط.

стр. 1086

وموضوع هذا الخلاف كافر أصلي يريد الدخول في الإسلام، وأما أولاد المسلمين فمؤمنون قطعا، وتجرى عليهم الأحكام الدنيوية ولو لم ينطقوا بالشهادتين طول عمرهم ". قال: " وقوله شرط: أي خارج عن ماهيته , وهذا القول لمحققي الأشاعرة والماتريدية ولغيرهم. وقد فهم الجمهور أن مرادهم أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين عليهم من التوارث والتناكح والصلاة خلفه وعليه والدفن في مقابر المسلمين ومطالبته بالصلوات والزكوات وغير ذلك، لأن التصديق القلبى - وإن كان إيمانا- (١) إلا أنه باطن خفى، فلا بد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط - أي تعلق - به تلك الأحكام , فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء، بل اتفق له ذلك , فهو مؤمن عند الله غير مؤمن في الأحكام الدنيوية ". "ومحل كونه مؤمنا في الأحكام الدنيوية ما لم يطلع على كفره بعلامة كالسجود لصنم، وإلا جرت عليه أحكام الكفر ". قال: " وفهم الأقل أن مرادهم أنه شرط لصحة الإيمان، وهذا القول كالشطرية في الحكم , وإنما الخلاف بينهما في العبارة، والقول الأول هو الراجح , والنصوص بحسب المتبادر منها مقوية للقول بالشرطية دون الشطرية". قال: " قوله وقيل بل شطر: أي وقال قوم محققون كالإمام أبى حنيفة وجماعة من الأشاعرة: ليس الإقرار بالشهادتين شرطا بل هو شطر، فيكون الإيمان عند هؤلاء اسما لعملي القلب واللسان جميعا، وهما التصديق والإقرار. واعترض على هذا القول بأن الإيمان يوجد في المعذور كالأخرس، والشيء لا يوجد بدون شطره. وأجيب عن ذلك بأنه ركن يحتمل السقوط كما فيمن ذكر، وأما التصديق فإنه ركن لا يحتمل السقوط. وعلى هذا القول - كالقول بأنه شرط صحة - فمن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار في عمره لا مرة ولا أكثر من مرة، مع القدرة على ذلك، لا يكون مؤمنا عندنا ولا عند الله تعالى". قال: " وكل من القولين المذكورين ضعيف، والمعتمد أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وإلا فهو مؤمن عند الله كما مر ". ويقول ملا علي القارئ الحنفي: " الإقرار شرط إجراء الأحكام وهو مختار الأشاعرة ".ثم قال: " وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما أن تصديق القلب أمر باطني لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى , وإن لم يكن مؤمنا في أحكام الدنيا. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق، فهو بالعكس، وهذا اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀" (٢). ٨ - ويقول اللقاني الشارح:" وفسر الإيمان - أي حده - الأشاعرة والماتريدية وغيرهم بالتصديق المعهود شرعا , وهو تصديق نبينا محمد ﷺ في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال (٣). فلو لم يصدق بوجوب الصلاة ونحوها عند السؤال عنه يكون كافرا. والمراد من تصديقه ﷺ قبول ما جاء به مع الرضا، بترك التكبر والعناد وبناء الأعمال عليه، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم (٤).الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته ﵊ وما جاء به، لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه .. ".

стр. 1087

قال: " ولما اختلف العلماء في جهة مدخلية النطق بالشهادتين في حقيقة الإيمان أشار له بقوله: (والنطق) بالشهادتين للمتمكن منه القادر، بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وقولنا: للمتمكن منه القادر يخرج به الأخرس، فلا يطالب بالنطق، كمن اخترمته المنية قبل النطق به من غير تراخ". " (فيه) أي في جهة اعتبار مدخليته في الإيمان، (الخلف) أي الاختلاف متلبسا، (بالتحقيق) أي بالأدلة القائمة على دعوى كل من الفريقين ". " وفصل الخلاف بقوله: (فقيل) أي: فقال محققوا الأشاعرة والماتريدية وغيرهم: النطق من القادر (شرط) في إجراء أحكام المؤمنين الدنيوية عليه، لأن التصديق القلبى وإن كان إيمانا إلا أنه باطن خفى، فلا بد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط به تلك الأحكام، هذا فهم الجمهور. وعليه فمن دق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء بل اتفق له ذلك، فهو مؤمن عند الله مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه - كالمنافق - فبالعكس حتى نطلع على باطنه فنحكم بكفره. أما الآبى فكافر في الدارين، والمعذور مؤمن فيهما. وقيل: "إنه شرط في صحة الإيمان (١) , وهو فهم الأقل، والنصوص معاضدة لهذا المذهب، كقوله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] وقوله ﵊: ((اللهم ثبت قلبى على دينك)) (٢). ثم استمر في الشرح قائلا: " وقوله: (كالعمل) تشبيه في مطلق الشرطية، يعني أن المختار عند أهل السنة (٣).في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه الكمال، والآتى بها ممتثلا محصل لأكمل الخصال ". ثم استدل الشارح على ذلك بوجوه فقال: ١ - " لأن الإيمان هو التصديق فقط، ولا دليل على نقله ". ٢ - وللنصوص الدالة على الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:١٨٣] , وعلى أن الإيمان والأعمال يتفارقان، كقوله تعالى: آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة:٢٥]، وعلى أن الإيمان والمعاصي قد يجتمعان، كقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام:٨٢]. ٣ - " وللإجماع على أن الإيمان شرط العبادات، والشرط مغاير للمشروط " ثم شرع في شرح القول الثانى: " (وقيل) أي وقال قوم محققون كالإمام أبى حنيفة وجماعة من الأشاعرة: ليس الإقرار شرطا خارجا عن حقيقة الإيمان، (بل) هو (شطر) أي: جزء منهما وركن داخل فيها دون سائر الأعمال الصالحة (٣)، فالإيمان عندهم اسم لعملي القلب واللسان جميعا، وهما الإقرار والتصديق الجازم الذي ليس معه احتمال نقيض بالفعل "." وعلى هذا فمن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار في عمره ولا مرة - مع القدرة على ذلك - لا يكون مؤمنا (٤) ولا عند الله تعالى، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار، بخلافه على القول الأول ". قال: " فعلم من النظم قولان: أحدهما: أن الإيمان هو التصديق، والنطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على صاحبه - أو لصحته. والثاني: أن الإيمان هو التصديق والنطق , فالنطق شطر.

стр. 1088

وعلى هذين القولين العمل غير النطق شطر كمال. ومقابله يجعل مجموع العمل الصالح والنطق هو الإيمان " (١).وزاد ذلك إيضاحا حين شرح قول الناظم: (والإسلام اشرحن بالعمل)، فقال: " والإسلام اشرحن حقيقته بالعمل الصالح، أعنى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد الإذعان لتلك الإحكام وعدم ردها، سواء عملها أو لم يعملها " (٢).!! وشرح قوله في أركان الإسلام: مثال هذا الحج والصلاة ... كذا الصيام فادر والزكاة " والمراد أذهان المذكورات وتسليمها، وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار" (٣). وبهذا يظهر للقارئ في كلامه وجوه من التناقض يطول شرحها وتفصيلها. وإن مما يظهر هذا التناقض وينفي احتمال الخطأ في فهم كلامه ما شرحه به المحقق محمد محيى الدين عبدالحميد، وها هي ذى نصوص منه: قال في بداية كلامه، بعد أن ذكر المذاهب في الإيمان ومنها مذهب السلف: " والذي تطمئن إليه النفس من هذه المذاهب أن الإيمان هو التصديق وحده، كما ذهب إليه محققو الأشاعرة والماتريدية، ويؤيد هذا المذهب وجوه: [أحدها: - وقد أشار إليه الشارع - أن استعمال القرآن الكريم في عدة آيات واستعمال الحديث أيضا، جريا على أن محل الإيمان هو القلب.] قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة:٢٢]. وقال سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:١٤]. وقل جل ذكره: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:١٠٦]. وقال رسول الله ﷺ : ((اللهم ثبت قلبي على دينك)) (٤) .. , فدلت هذه النصوص ونظائرها على أن الإيمان فعل القلب، وليس فعل القلب إلا التصديق. ولا يجوز لقائل أن يقول: أن المراد في هذه النصوص بالإيمان هو الإيمان اللغوي، ويسلم أن الإيمان اللغوي هو التصديق وحده ومحله القلب، فلا ينافى أن الإيمان الشرعي يشتمل على الإقرار أو غيره على أنه جزء من حقيقته , لأنا نقول: إن الإيمان من الألفاظ التي نقلت في عرف الشرع إلى معنى، فيجب أن يحمل لفظه على هذا المعنى في خطاب الشرع. الوجه الثاني: أنه سبحانه جعل الإيمان شرطا لصحة الأعمال في نحو قوله جل ذكره: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:١١٢]. ونحن نقطع أن الشرط شيء غير المشروط، وهذا يصلح للرد على من جعل الإيمان هو الطاعات وحدها أو مع التصديق والإقرار. الوجه الثالث: أنه أثبت الإيمان لمن ترك بعض الأعمال، في نحو قوله سبحانه: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:٩] ... الآية , ولو كانت الأعمال جزء من حقيقة الإيمان لانتفت الحقيقة بانتفاء جزء منها (٥). الوجه الرابع: أنه قد عطف الأعمال على الإيمان في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:١٠٧]. ولا شك أن الأصل أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه، فلا يعطف أحد المتساويين على الآخر، ولا يعطف جزء الشيء على كله؟! "

стр. 1089

قال: " وقد أورد القائلون بأن الطاعات من الإيمان وجوها استدلوا بها، نرى أن نذكرها لك أيضا ونبين ما في الاستدلال بها من خلل لتكون على بصيرة تامة في هذه المسألة. قالوا: لو كان الإيمان عبارة عن التصديق الذي هو الإذعان والقبول والاعتراف لما اختلف في بعض المكلفين عنه في بعضهم الآخر، مع أنا نعتقد أن إيمان رسول الله ﷺ ليس مثله إيمان أحد من العامة، بل ولا من الخاصة. ويجاب على هذا بأحد جوابين: الأول: أن ندعى أنه لا اختلاف بين إيمان أحد وأحد، وليس لنا إلا إيمان أو كفر، فإن بلغ ما عند المكلف إلى حد الجزم الذي لا يعتريه شك ولا تردد فهو مؤمن، وإن نقص عن ذلك فهو كافر. والثاني: أن نسلم الاختلاف بين إيمان بعض المكلفين وبعضهم الآخر، ولكن لا نسلم أن هذا الاختلاف بسبب أن أعمال بعض المكلفين أكثر أو أشد إخلاصا أو نحو ذلك، بل سبب الاختلاف راجع إلى التصديق لا باعتبار ذاته بل باعتبار متعلقة , فقد يعلم بعض المكلفين تفصيل شئ مما يجب الإيمان به أكثر مما يعلمه آخر، أو سبب الاختلاف هو أن بعض المكلفين تعتريه الغفلة أحيانا وبعضهم لا تعتريه الغفلة أصلا، أو غير ذلك من الأسباب " (١). وقال في شرح الوجوه التى استدل بها الشارح وهى: أن الإيمان هو التصديق فقط، ولا دليل على نقله. وللنصوص الدالة على الأوامر والنواهى بعد إثبات. قال: ١ - " محصله - أي الوجة الأول - أن الإيمان هو التصديق القلبى، بدليل أن نصوص القرآن والحديث قد جعلت محله القلب، وليس لنا أن ندعى أنه نقل من هذا المعنى إلى مجموع التصديق والعمل كما يقول المحدثون وجمهور المعتزلة، فإنه لا دليل على هذا النقل، وأيضا ليس لنا أن ندعى أن الإيمان في هذه النصوص لا يراد به الإيمان عند الشرع وإنما يراد به الإيمان اللغوى: لأن لفظ الإيمان قد نقلته الشريعة من مطلق التصديق إلى التصديق بكل ما علم مجىء الرسول ﷺ به، إذ يجب في نصوص الشريعة أن تحمل الألفاظ على معانيها الشرعية التي نقلت إليها، ومتى علم كل هذا كان الإيمان الوارد في النصوص دالا على معنى شرعي، وهذا المعنى هو التصديق المخصوص دون شئ زائد عليه ".٢ - " محصل هذا الوجه (٢) من الاستدلال على أن العمل ليس جزءا من الإيمان أن الله تعالى جعلهم مؤمنين قبل أن يكتب عليهم الصيام، فلو كان العمل جزءا من حقيقة الإيمان، والصيام بعض العمل، لما كانوا مؤمنين إلا بعد القيام بكل الإعمال التي منها الصوم. وقد قيل من طرف المخالفين: أنه سماهم مؤمنين بالنظر إلى الأعمال التى شرعت قبل الصوم، وهو كلام غير مقبول، لأن الأعمال المأخوذة في مفهوم الإيمان عندهم هى كل الأعمال التى شرعها الله تعالى، فإذا خرج واحد منها خرج كلها: إذ لا فرق بين عمل وعمل " (٣). هذا الكلام الذي قرره المعلق هنا والذي سيأتي نقضه جملة - بإذن الله - هو ما ظل يقرره ويدرسه لطلاب كلية أصول الدين بالأزهر سنوات طويلة!! وننتقل من محمد محيى الدين عبدالحميد إلى داعية ومؤلف معاصر، سار على الخط نفسه مع زيادة في الغموض والاضطراب. يقول بعنوان: " مفهوم الإيمان والإسلام شرعا ": " يهمنا أن ندرك معنى الإيمان والإسلام والارتباط بينهما، فالإيمان هو: التصديق الجازم بكل ما جاء به محمد ﷺ وثبت ثبوتا قطعيا، وعلم مجيئه من الدين بالضرورة: كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم لآخر، والقضاء والقدر، خيره وشره. وكالإيمان بفريضة الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بتحريم القتل ظلما للنفس المعصومة، وتحريم الزنا والربا وغيرها.

стр. 1090

والإيمان بهذا المعنى محله القلب، والإسلام بالمعنى الآتى لازم له. أما الإسلام فمعناه الإذعان والخضوع النفسى والاطمئنان القلبى، والشعور بالرضى بالنسبة لكل ما جاء به النبى ﷺ من دين، وعلم مجيئه عنه بالضرورة، أي بدون احتياج إلى سؤال أو كشف وبحث لشهرته بين المسلمين، ويلاحظ أن الإسلام بالمعنى المذكور هو حالة نفسية وقلبية مثل الإيمان، والفرق بينهما أن الإيمان تصديق جازم بما سبق، وأن الإسلام رضاء فلبى، وعدم اعتراض على أي تشريع شرعه الله تعالى وعلم بالضرورة. وأنت قد تصدق بوجود شئ ولا ترضاه، وكم سمعنا من يقول: أنا أؤمن بأن الإسلام فرض الصلاة والزكاة، لكنى غير مقتنع بهما ولا بالحكم المترتبة عليهما. فهذا الاعتراض يجعله غير مسلم، لأن عنصر الخضوع والإذعان غير متوفر، وهذا يجعلنا نشك في إيمانه، لأنه لو صدق بالله وبحكمته وعلمه ورحمته لأسلم نفسه ورضى كل ما ارتضاه الله، لذلك قلنا: إن الإيمان الصادق يلزم منه الإسلام بالمعنى السابق ". " بقى العمل بالتشريعات الإسلامية، مثل: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وجميع الفرائض، والبعد عما حرم الله ونهى عنه. هل لا بد من تنفيذ الفرائض الإسلامية وترك المحرمات مع الإذعان السابق ليصير المرء مسلما أم يكفى الإذعان في إطلاق اسم الإسلام على الإنسان؟! هما رأيان للعلماء، فالجمهور على أن تنفيذ أوامر الإسلام والعمل بما جاء به ليس شرطا ولا ركنا في جواز إطلاق اسم الإسلام على الإنسان، وبعض العلماء يرى أن العمل وتنفيذ أوامر الإسلام وأركانه شرط في صحة الإسلام , أو ركن من أركانه , فمن أسلم وأذعن بقلبه ولم يعمل الأعمال الإسلامية مثل الصلاة وغيرها فليس بمسلم. وعلى الرأي القائل بأن من أذعن بقلبه ولم يعمل أعمال الإسلام فهو مسلم - وهو رأي الجمهور - فإن هذا الإنسان عند القائلين بهذا الر أي يعتبر فاسقا وعاصيا فيطلقون عليه اسم: المسلم الفاسق، والمسلم العاصى، والمسلم المذنب، وتقام عليه حدود الإسلام التى شرعها الإسلام زجرا وتأديبا لمن ترك فرضا أو فعل منكرا، فافهم ذلك جيدا. وهذا المسلم الفاسق أمره إلى الله في الآخرة: إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بجريمته، ولكن مآله الجنة، إن كان قد مات على الإيمان والإسلام، وهذا هو رأي أهل السنة، قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ١١٦]. والإسلام بهذا المعنى محله ظاهر الإنسان وباطنه , لأن الإذعان بالدين والرضى به أمر باطنى، والخضوع لأحكامه أمر ظاهرى، وعلى هذا فالإسلام أعم من الإيمان , والإيمان باطنى فقط، والإسلام ظاهرى وباطنى. ونحن نحكم على الناس بالإسلام حين يكونون مذعنين ظاهرا لأحكام الله غير رافضين لها، بمعنى أن أعمالهم وأقوالهم وتصرفاتهم لا تدل على رفضها وعدم الإذعان لها، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله تعالى الذى لا تخفى عليه خافية، ولذلك فضح الله تعالى أناسا أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر في قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:١٤] ثم قال ملخصا: " وحسبما فهمت من معنى الإيمان والإسلام ندرك أن بين الإيمان والإسلام - حسب الحقيقة الشرعية المنجية - تلازما مقتضاه أن كل مؤمن مسلم , وكل مسلم مؤمن , لأن المصدق التصديق المذكور للرسول ﷺ لا بد من أن يكون خاضعا لما جاء به ﵇، والخاضع هذا الخضوع لا بد من أن يكون مصدقا هذا التصديق " " ولذلك ذكر الإيمان والإسلام في القران بمعنى واحد في قوله تعالى:
следующие страницы →