← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وقال في التحدي: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [البقرة: ٢٣] فإذا كانت الرسل والملائكة الذين هم أشرف الخلق أكمل الناس عبودية، فإن العبد بتزكية نفسه غايته بذلك أن يحقق كمال العبودية ويستكمل مستلزماتها. والعبادة هي كمال الحب مع تمام الذل فكل ما زكت نفس العبد ازداد حبا وذلا لله وإذا كان الله خلق الخلق من أجل أن يعبدوه كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] فلا شك أن العبد كلما أدى هذه الوظيفة التي خلق من أجلها كان أزكى نفسا، وأسلم قلبا، وبهذا وغيره يتضح أن غاية التزكية عند أهل السنة تحقيق العبودية التي يستغني العبد بالله ويسعد به ويصل إلى محبة الله ورضاه. قال ابن القيم ﵀: ومنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه، ويعلق به تعلق المحب التام المحبة بمحبوبه، فيسلو به عن جميع المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلا محبة الله وأمره والتقرب إليه، فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه إليه واصطفاه، وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره، في معاشه ودينه، وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يتولى الوالد الشفيق ولده، فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضي به من دون الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا، فلو كشف الغطاء عن ألطافه وصنعه به من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه محبة له وشوقا إليه ويقع شكرا له. إلى أن قال ﵀: وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت جهاته، وأشرقت ساحاته، وتنورت ظلماته، وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال، وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة وبالموالاة؛ لأنهم تبع لمولاهم، فإذا أحب عبدا أحبوه، وإذا والى واليا والوه، إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فينادى جبريل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض فيوضع له القبول بينهم، ويجعل إليه قلوب أوليائه تفد إليه بالرد والمحبة والرحمة، وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته، ويقبل عليه بأنواع كرامته، ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 3117

غاية التزكية عند الصوفيةفبينما يزداد أهل السنة بالتزكية عبودية وذلا وتواضعا وحبا لله وافتقارا إلى الكتاب والسنة لضبط أقوالهم وأفعالهم إرضاء لربهم ، فإن الصوفية يزدادون بدعوى التزكية عندهم إلى إدعاء المكاشفة وحصول العلم اللدني الذي يستغنون به عن الكتاب والسنة والفناء في ذات الله وتحقيق ما يسمونه بالعبد الرباني كما في الحديث الموضوع ((عبدي أطعني أجعلك عبدا ربانيا تقول للشيء كن فيكون)) (١) وهم مع ذلك يفضلون الأولياء على الرسل والأنبياء كما قال قائلهم: مقام الأنبياء في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي ويقول بعضهم: خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله. وينتهي الأمر عند غلاتهم بالقول بالفناء في ذات الله، واعتقاد الحلول والاتحاد. المكاشفة: قال الغزالي: عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة، حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وبكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السماوات والأرض (٢). ثم قال: ونعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء، حتى يتضح له جبلية الحق في هذه الأمور، اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه. وأضاف: وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، الحق يتلألأ فيه حقائقه. يقول الأستاذ دمشقية:-فإذا أزيلت هذه القاذورات وتطهر القلب من تراكم هذا الصدأ فأنه يصير ممكنا عند الغزالي الاطلاع على اللوح المحفوظ، ومعرفة مقادير الخلائق حسبما هو مدون فيه، ومعرفة ما سيكون في المستقبل، وكشف ما في ضمائر الناس واعتقاداتهم وما تخفيه صدورهم. (٣) ٢ - العلم اللدني: لا تلبث هذه العلوم الكشفية عند الصوفية أن تتحول إلى علم خاص لدني مستقل عن العلوم الشرعية. يقول الغزالي: وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكير عن كثرة التعليم؛ فأن نفس القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة مالا تجد نفس الجامد بتعلم سنة. ويقول: العلم الحاصل عن الوحي يسمى علما نبويا، والذي يحصل عن الإلهام يسمى علما لدنيا، والعلم اللدني الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري. (٤)

стр. 3118

ولا شك أن الصوفية يستغنون بهذه العلوم اللدنية عن العلوم الشرعية المنزلة على خير البرية وبذلك يصير تحصيل العلوم الشرعية عيبا مذموما عند الصوفية. روى ابن الجوزي عن أحدهم حيث قال: قال أبو سعيد الكندي: كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون، فسقطت الدواة يوما من كمى، فقال لي بعض الصوفية: استر عورتك (١).روى ابن الجوزي قول البسطامي: مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت (٢). ٣ - إسقاط التكليف: قال الأستاذ دمشقية: على أن هناك مظهرا آخر من مظاهر الشطح الصوفي أنكره كثيرون من المتصوفة وتبناه بعض الغلاة منهم، وهو القول بإسقاط التكليف، وذلك أن الواحد منهم يسرحه فيه رب العزة من قيود الشرائع، ويخرجه من حدودها، هذا ما يزعمونه، وهو أكبر الزندقة بل هو ردة عن الإسلام لا ريب (٣). وقال شيخ الإسلام ﵀:-ولكن كثير منهم لا يطلقون السلب العام ويخرجون عن ربقة العبودية مطلقا، بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم، أوحل بعض المحرمات لهم، منهم من يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود، وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان في حال مشاهدة وحضور، وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها بما هو فيه من التوجه والحضور، ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته عليه لأن الكعبة تطوف به، أو لغير هذا من الحالات الشيطانية، ومنهم من يستحل الخمر في رمضان لغير عذر شرعي زعما منه استغناؤه عن الصيام، ومنهم من يستحل الخمر زعما منه أنها تحرم على العامة الذين إذا شربوا تخاصموا وتضاربوا دون الخاصة العقلاء، ويزعمون أنها تحرم على العامة الذين ليس لهم أعمال صالحة، فأما أهل النفوس الزكية والأعمال الصالحة فتباح لهم دون العامة (٤). ٤ - الفناء ووحدة الوجود: قال ابن القيم ﵀: زعم أهل الاتحاد القائلون بوحدة الوجود أن الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوي، فلا يثبت للسوي وجود ألبته لا في الشهود ولا في العيان، بل يتحقق بشهوده وحدة الوجود فيعلم حينئذ أن وجود جميع المخلوقات هو عين وجود الحق، فما ثم وجودان بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفني عما لا حقيقة له، بل هو وهم وخيال، فيفني عما هو فان في نفسه لاوجود له، فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده، وهذا تعبير محض، وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم (سوى) ولا (غير) وإنما السوي والغير في الوهم والخيال. وأما أهل الاستقامة فيشيرون بالفناء إلى أمرين: أحدهما أرفع من الآخر. الأمر الأول: الفناء في شهود الربوبية والقيومية فيشهد تفرد الرب تعالى بالقيومية والتدبير. والخلق والرزق والعطاء والمنع والضرر والنفع، وأن جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة. الأمر الثاني: الفناء في مشهد الألوهية وحقيقة الفناء عن إرادة ما سوي الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاؤه، فيفني بحبه عن حب ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال اهـ (٥). قلت: وهذا الكلام في شرح الفناء عند أهل الاستقامة صحيح طيب إلا أن هذا المصطلح لم يثبت بالكتاب والسنة ولا استعمله سلف الأمة وإحداث مثل هذه المصطلحات مما يخالف أصول أهل السنة والجماعة. المعاصي بريد الكفر

стр. 3119

قديما قال علماؤنا: المعاصي بريد الكفر أي رسوله؛ وذلك أن العبد إذا أكثر من معصية الله فإنه يدخل بذلك في عبادة الشيطان، فيعده ويمنيه ويضله ويغويه ولا يرضي منه دون الكفر ما استطاع إلى ذلك سبيلا كما قال تعالى إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا [النساء: ١١٧ - ١٢٠] فهذا المنهج المبتدع عند الصوفية في التزكية الذي خالفوا به أهل السنة والجماعة آل بغلاتهم إلى الوقوع في الكفر الذي هو أكبر من كفر اليهود والنصارى، وهذا ما وقع فيه ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والعفيف التلمساني. قال شيخ الإسلام ﵀: وجماع أمر صاحب الفصوص (١) وذويه هدم أصول الإيمان الثلاثة. فإن أصول الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر. فأما الإيمان بالله: فزعموا أن وجوده وجود العالم، ليس للعالم صانع غير العالم. وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل، ومنهم من يأخذ العلم بالله- الذي هو التعطيل ووحدة الوجود- من مشكاته وأنهم يساوونه في أحد العلم بالشريعة عن الله، وأما الإيمان باليوم الآخر فقد قال: فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وبالوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنها ... على لذة فيها نعيم يباين وهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال: إن النار تصير لأهلها طبيعة نارية يتمتعون بها، وحينئذ فلا خوف ولا محذور ولا عذاب لأنه أمر مستعذب، ثم إن في الأمر والنهي عنده الآمر والناهي والمأمور والمنهي واحد، ولهذا كان أول ما قاله في الفتوحات المكية التي هي أكبر كتبه: الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أنى يكلف وهذا مبني على أصله، فإن عنده ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن المكلف؟ وعلى أصله هو المكلف والمكلف كما يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا. وكما قال ابن الفارض في قصيدته التي نظمها على مذهبهم وسماها نظم السلوك: إلى رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي على استدلت ومضمونها هو القول بوحدة الوجود وهو مذهب ابن عربي وابن سبعين وأمثالهم كما قال: لها صلاتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل عابد ساجد إلى ... حقيقة الجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي فلم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة إلى قوله: وما زلت إياها وإياي لم نزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت ومثل هذا كثير والله أعلم. (٢) إلى أن قال شيخ الإسلام ﵀: وحدثني الشيخ العارف كمال الدين المراغي شيخ زمانه أنه لما قدم وبلغه كلام هؤلاء في التوحيد قال: قرأت على العفيف التلمساني من كلامهم شيئا فرأيته مخالفا للكتاب والسنة، فلما ذكرت ذلك له قال: القرآن ليس فيه توحيد بل القرآن كله شرك، ومن اتبع القرآن لم يصل إلى التوحيد. قال: فقلت له: ما الفرق عندكم بين الزوجة والأجنبية والأخت الكل واحد؟ قال: لا فرق بين ذلك عندنا، وإنما هؤلاء المحجوبون اعتقدوه حراما، فقلنا: هو حرام عليهم عندهم، وأما عندنا فما ثم حرام (٣). المصدر: التزكية بين أهل السنة والصوفية لأحمد فريد - ص٤١ - ٥١

стр. 3120

تمهيد وقع المتصوفة في بدع علمية وعملية ونعني بالعلمية الأمور النظرية التي اعتنقوها وابتدعوا فيها في العقيدة الإسلامية وأما الأمور العملية فهي الشعائر التي يمارسونها عملياً والتي ابتعدوا فيها أيضاً عن المنهج الإسلامي الصحيح. وبما أن العمل تابع للعلم فقد قدمنا الكلام عن البدع العلمية، فمن انحرف وابتدع في العلم فسوف ينحرف في العمل، وكل هذا بسبب الابتعاد عن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال والنظر. وتسمية هذا الانحراف بدعة لا يخفف من خطره، فقد تكون البدعة صغيرة وقد تكون كبيرة تصل إلى حد الكفر، فمن يعتقد بوحدة الأديان وأن القطب الغوث يتصرف في الكون فقد كفر وأشرك. وأصل البلاء كله هو عدم متابعة الرسول ﷺ والقرون المفضلة ومحاولة الزيادة على ذلك عن سوء نية أو عن حسن نية. ولا يسلم لهم قولهم بالبدعة الحسنة لأن البدعة لا تكون إلا سيئة كما جاءت منكرة في حديث الرسول ﷺ ((وكل بدعة ضلالة)) (١) وهي بهذا الوصف تحتاج إلى تعريف محدد واضح ونختار هنا التعريف الذي جاء في كتاب (الاعتصام) قال: " طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه " (٢). فهي طريقة في دين وليس في الدنيا فلو قال المبتدع لماذا لا تقولون أن استعمال الآلات الحديثة بدعة لقلنا: هذه طريقة في الدنيا، وهي طريقة مخترعة يعهد مثلها من قبل وليس لها أصل أما العلوم المخترعة كعلم النحو وأصول الفقه فهذه لها أصل من حفظ الدين وتدخل في باب المصالح المرسلة، الحقيقة كذلك ولم يكن هناك تشابه لما أتى بها المبتدع لأن الضرر المحض تنفر النفوس منه، ولكن شبهة التشابه هي التي أوقعته في مأزق الابتداع. والحقيقة أن البدعة تكاد أن تكون علماً على الصوفية لما اشتهرت به من البدع العملية ومع أن كل الفرق قد ابتدعت في الدين ما لم يأذن به الله. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3121

المبحث الأول: الشرعيَّة والحقيقة مصطلح يردده المتصوفة كثيراً، ويقرنون بينه وبين مصطلح آخر لهم هو الظاهر والباطن، وسنحاول من خلال هذا المبحث التعرف على معاني هذه المصطلحات وعلاقتها بعضها ببعض. فالشريعة – كما يرونها – هي مجموعة الأحكام العملية التكليفية أي ما يسمى (بالفقه الإسلامي)، والحقيقة هي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار، فالفقهاء يعلمّون الناس أركان الصلاة وسننها والصوفية يهتمون بأعمال القلوب من المحبة والخشية .. هذا رأي المعتدلين منهم أما غلاتهم فقالوا: إن هذه الأحكام لعوام المسلمين نظراً لضيق عقولهم وقلوبهم عن استيعاب المعاني العلوية دون الالتزام برسوم وأشكال معينة فالصلاة خمس مرات بشكل وترتيب معين ... هو أشبه ما يكون بالمعلم الذي يلزم الطالب بواجبات مدرسية لما يعلم عنه من عدم الاستفادة من العلم إن لم يعمل بتلك الواجبات، والمقصود هو العلم فإن كان من الخواص الذين يدركون المقصود الأساسي من الشرائع – وهو ما أطلقوا عليه الحقيقة – فقد حصل المقصود وإن لم يلتزم بها، فالصلاة هي دوام الصلة مع الله فإن استدامت فالحاجة للصلاة تصبح مجرد الوقوف مع الأوامر الشرعية احتراماً لها وإن كانت غير ذي فائدة، بل إنها انحرفت بعد ذلك عند البعض إلى القول بإسقاط التكاليف لمن أدرك الحقيقة. إن بداية الانحراف كانت في هذا الفصل بين الشريعة والحقيقة، وعند أهل السنة الشريعة هي الحقيقة فالصلاة حركات معينة ولكنها تستلزم الخشية والإنابة، وهكذا كل الأحكام الشرعية القيام بها يعني الإتيان بها على تمامها كما أرادها الله . وقد جرهم ذلك إلى مصطلح آخر وهو الظاهر والباطن. فقد ادعى الصوفية أن للقرآن ظاهراً وباطناً، فالظاهر هو ما يؤخذ من ألفاظه حسب الفهم العربي أو السياق أو غير ذلك من الأصول المرعية في التفسير وهو ما يهتم به علماء الظاهر أو ما يطلقونه عليهم (علماء الرسوم) زراية بهم، أما الباطن فهو العلم الخفي وراء تلك الألفاظ وهو المراد الحقيقي بها وهذا لا يطلع عليه الخواص من أصحاب المقامات السامية ويطلقون عليه (الإشارات)، وهم يغمزون أهل الفقه بأنهم لا يهتمون بأعمال القلوب. ... ويسأل أحدهم عن قيمة الزكاة فيجيب: أما على العوام فربع العشر وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع؟!! " وإذا وقع خلاف في مسألة بين علماء الشرع وبقيت غامضة، فالقول فيها ما يقوله علماء الباطن أهل التصوف " (١). وفي تفسير قوله تعالى: وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:٤٤]. قال الغزالي: " وهذا الفن مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في عمله " (٢). والحقيقة أن هذه التفرقة غير صحيحة بل هي باطلة وقبيحة، وأي تجزئة للإسلام فهي من قبيل اتخاذ القرآن عضين، والإسلام كل متكامل كالجسم الواحد، فليس هناك ظاهر وباطن ولكن هناك فهم صحيح كما عقله الصحابة عن رسول الله ﷺ ، نعم هناك أعمال للجوارح وأعمال للقلوب والإيمان يزيد حتى يصبح كالجبال وينقص حتى يكون كالنبتة الصغيرة الضعيفة، ولكن كل هذا اسمه شريعة أو إسلام أو دين وكل تقسيم يشعر بأن هناك تضاداً أو تغايراً كمن يفرق بين العقل والنقل وكأن النقل مضاد للعقل، أو بين العلم والدين وكأن العلم يخالف الدين، كل هذا لا يكون إلا من ضعف وانحسار أمام أعداء هذا الدين، هذا إن أحسناً الظن بهم.

стр. 3122

انتقد ابن الجوزي هذا التقسيم فقال: " هذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وبغضهم الفقهاء أكبر الزندقة " (١). كما أن هذه التفرقة بين الظاهر والباطن أدت بهم في موضع التفسير إلى تأويل الآيات وتحريفها تخريفاً شنيعاً، وهذا التأويل المذموم حاولت كل الفرق الضالة الباطنية أن تجد له نصيراً من كتاب الله يتناسب وأهواءها. ولذلك ضبط علم التفسير عند أهل السنة بـ (أصول التفسير) حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى لا نهاية لها، ففي تفسير آية " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي " قال صاحب (منازل السائرين): " رأى هذه حالة العطش كأن إبراهيم ﵇ لشدة عطشه إلى لقاء محبوبه لما رأى الكواكب قال: هذا ربي، فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء". ويعقب ابن القيم: " هذا ليس معنى الآية مطلقاً وإنما القوم مولعون بالإشارات " (٢)، وآية " فاخلع نعليك " فسرها الشيخ عبد المغني النابلسي - وهو من المتأخرين - " أي صورتك الظاهرة والباطنة يعني جسمك وروحك فلا تنظر إليها لأنها نعلاك " (٣)، وفسر بعضهم هذه الآية: يعني اخلع دنياك وآخرتك إلى آخر هذا الهراء ويبدو أن البعض منهم كان يشعر بخطأ هذه التفرقة، فيحذر وينصح، قال سهل ابن عبدالله: " احفظوا السواد على البياض (يعني العلم) فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق " (٤). ولكن القوم استمروا في إشاراتهم البعيدة عن العلم فقالوا عن آية " وإن يأتوكم أسارى " أي غرقى في الذنوب، " والجار ذي القربى " أي القلب " والجار الجنب " أي النفس حتى أنه يروى عن سهل بن عبد الله نفسه أنه فسر " ولا تقربا هذه الشجرة " بقوله: (لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد أن لا تهتم بشيء غيري) قال الشاطبي: وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس (٥). وقد جمع لهم أبو عبد الرحمن السلمي تفسيراً للقرآن الكريم من كلامهم الذي أكثره هذيان نحو مجلدين، وليته لم يصنفه فإنه تحريف (٦) وشيخهم السراج يهاجم الفقهاء لأن علمهم أقرب إلى حظوظ النفس، وأن علومهم قد يحتاج إليها في العمر مرة وعلوم الصوفية يحتاج إليها دائماً (٧) بينما نجد أن الصحابة لم يتعمقوا في كلامهم ولم يخوضوا في الأمور المتكلفة ولا بد في فهم الشريعة من إتباع مفهوم العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، وتفسير القرآن بالمعاني التي تخطر على قلوب المتصوفة غير صحيح ومثل هذا التفسير لم ينقل عن السلف بل هو أشبه بمذهب الباطنية، وبسبب طموح النفوس إلى التكلف والأشياء المستغربة نشأ التفرق والفرق (٨). ولقد صدق الشاعر محمد إقبال حين صوّر الشيخ الصوفي بهذه الأبيات: " متاع الشيخ ليس إلا أساطير قديمة كلامه كله ظن وتخمين حتى الآن إسلامه زناري وحين صار الحرم ديراً أصبح هو من براهمته " (٩) المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3123

المبحث الثاني: الحقيقة المحمَدية شعبة من شعب الغلو الذي وقعت فيه الصوفية بل من شعب الكفر، وهو مزيج من الغلو في رسول الله ﷺ والتأثر بالفلسفة اليونانية في تقريرها لأول مخلوق، والتأثر بالنصرانية التي أضفت صفات الربوبية على المسيح ﵇. والمشكلة أن هذه التي يسمونها (الحقيقة المحمدية) هي غموض كامل وعماء في عماء، ولأنها نشأت في الأصل من خيال مريض وأوهام ليس لها أي رصيد في الواقع، ولذلك نلاحظ أن أقوالهم في تعريفها أو الكلام عنها غامضة أيضاً، فالرسول ﷺ أول موجود وأول مخلوق وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره (١)، وهو الذي منه انشقت الأسرار ولا شيء إلا وهو به منوط (٢)، وهو عين الإيمان والسبب في وجود كل إنسان (٣). وكأن الصوفية لم يستسيغوا أن يقال: إن رسول الله ﷺ هو كما وصفه القرآن الكريم بشراً رسولاً وقد جعلوا أقطابهم تتصف بما وصف الله نفسه، فكيف برسول الله ﷺ فابتدعوا ما أسموه (الحقيقة المحمدية) وعلى أساس هذه النظرية ندرك مغزى ما يقول البوصيري: وكل آي أتى الرسل الكرامُ بها فإنما اتصلت من نوره بهم وقوله: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم وقول ابن نباته المصري: لولاه ما كان أرض ولا أفق ولا زمان ولا خلق ولا جبل وقد كان رسول الله ﷺ يخشى على أمته من الغلو فقال ﷺ محذراً: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله)) (٤). ولكن الذي فعله هؤلاء هو أكبر من الغلو، إنه الشرك والضلال، وإلا كيف تفسر قول الشيخ الدباغ " إن مجمع نوره لو وضع على العرش لذاب " (٥) وقول أبي العباس المرسي: " جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا هو عين الرحمة " قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] (٦). فانظر إلى هذا الاستنتاج العجيب. إنها المضاهات بعينها، فإذا كان المسيح ابن الله عند النصارى فلماذا لا يخترع الصوفية (الحقيقة المحمدية)، وهذا ناتج نظريتهم في وحدة الوجود (٧). ومن المؤسف أن المستشرق (نيكلسون) يتكلم في كتابه كلاماً صحيحاً عن شخصية الرسول ﷺ بينما غلاة الصوفية تاهوا في معمياتهم وسراديبهم، يقول: " إذا بحثنا في شخصية محمد ﷺ في ضوء ما ورد في القرآن، وجدنا الفرق شاسعاً بينهما وبين الصورة التي صور بها الصوفية أوليائهم، ذلك أن الولي الصوفي أو الإمام المعصوم عند الشيعة، قد وُصفا بجميع الصفات الإلهية، بينما وصف الرسول في القرآن الكريم بأنه بشر (٨) ". المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3124

المبحث الثالث: وحدة الأديان خرافة كبيرة من خرافات الصوفية، وشطحة من شطحاتهم الكثيرة، وهي لا تخرج إلا من خيال مريض يظن أنه يتسامح إنسانياً، ولكنها في نفس الوقت فكرة خطيرة لأنها تصادم سنن الله في الكون والحياة ومنها سنة الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، والجمع بين الكل على قد المساواة هو خبث مركز لهدم الإسلام أو هذيان مقلد لا يدري ما يقول، وإلا فكيف نسوي بين من يعبد الله وحده وبين من يعبد البقر، أو حرف كتب الله وعبد أنبيائه، كيف نجمع بين الإيمان والكفر هذا لا يكون إلا ممن يؤمن بوحدة الوجود كابن عربي وتلامذته الذين يعتقدون أن كل موجود على الأرض صحيح ولا داعي للتفرقة، والله أوسع من أن يحصره عقيدة معينة فالكل مصيب " وأما عذاب أهل النار فهو مشتق من العذوبة " (١)؟!!. ويترجم ابن عربي هذه العقيدة شعراً فيقول: لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنّى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني وينسج على منواله صديقة ابن الفارض فيقول: وما عقد الزنار حكماً سوى يدي ... وإن حل بالإقرار فهي حلت وإن خرّ للأحجار في البد عاكف ... فلا وجه للإنكار بالعصبية وإذا كان بعض المعتدلين يحذرون من كتب ابن عربي، مع أنهم لا يعتقدون بكفره ويبررون أقواله ويأولونها فإننا لم نسمع منهم أحداً يحذر من شعر جلال الدين الرومي مع أن المعجبين به كثر وخاصة بين مسلمي الهند وتركيا، وهذه إحدى قصائده يتشبه فيها بأستاذه ابن عربي: انظر إلى العمامة أحكمها فوق رأسي ... بل انظر إلى زنار زاردشت حول خصري ... فلا تنأ عني لا تنأ عني ... مسلم أنا ولكني نصراني وبرهمي وزرادشتي ... توكلت عليك أيها الحق الأعلى ... ليس لي سوى معبد واحد ... مسجداً أو كنيسة أو بيت أصنام ... ووجهك الكريم فيه غاية نعمني ... فلا تنأ عني، لا تنأ عني (٢). فصلوات اليهود، وعقد زنار النصارى، وبد الوثنية في الهند ومساجد الله كلها عند هؤلاء ساح فساح يعبد فيها الله (٣). ونحن وإن كنا لا نتهم كل الصوفية بهذه البدعة لأن القول بها ضلال وكفر وانحراف ولا يقول به إلا غلاتهم، إلا أن أجواء الصوفية ربما تساعد على نشوء مثل هذه الأفكار أو قريباً منها، فالاستغراق في توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء ومليكه، وفي القضاء والقدر الكوني الذي يسري على المؤمن والكافر، دون الإلتفات إلى جانب الأمر والنهي الشرعيين والمخاطب بهما المؤمنين والذي هو جانب توحيد الألوهية، والاستغراق في كلمات ذوقية مثل الحب الإلهي والعشق الإلهي، كل هذا أدى إلى قول أبي يزيد البسطامي عندما اجتاز بمقبرة اليهود: " معذورون" ومر بمقبرة المسلمين فقال " مغرورون " ثم يخاطب الله : " ما هؤلاء حتى تعذبهم حطام جرت عليهم القضايا، اعف عنهم " (٤) وكأنه يريد أن يثبت رحمته للجنس البشري كله، وكأنه أرحم من الله سبحانه بعباده، ومن هذا القبيل ما روى الأمير شكيب أرسلان عن أحمد الشريف السنوسي (٥) أن عمه الأستاذ المهدي كان يقول له: " لا تحتقرن أحداًً لا مسلماً ولا نصرانياً ولا يهودياً ولا كافراً لعله يكون في نفسه عند الله أفضل منك إذ أنت لا تدري تكون خاتمتك " (٦). وهذا الكلام غير صحيح من الشيخ السنوسي لأننا عندما نحتقر الكافر نحتقره لكفره وعندما يسلم نحترمه لإسلامه ونحن لنا الظاهر، ولكن أثر التصوف واضح فيه وإن كنت لا أعتقد أنه ممن يقول بوحدة الأديان. إن هذه العقيدة شبيهة بأفكار الماسونية التي تدعو إلى وحدة الإنسانية وترك الاختلاف بسبب الأديان فليترك كل واحد دينه وعقيدته وإنما تجمعنا الإنسانية، دعوة خبيثة ملمسها ناعم ولكنها تحمل السم الزعاف في أحشائها. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3125

المبحث الرابع: الأولياء والكرامات من أكثر الأشياء التي يدندن حولها الصوفية قديماً وحديثاً موضوع الأولياء والكرامات التي تحصل لهم، وقبل إن نتكلم عن مدى مطابقة ما يذهبون إليه للكتاب والسنة، قبل هذا لا بد تعريف الولي وكيف تطورت هذه اللفظة لتصبح مصطلحاً خاصاً علماً على فئة معينة ثم نتكلم عن الكرامات وما هو مقبول منها وما هو مردود. جاء في كتاب (قَطْر الولي على حديث الولي (١): الولي في اللغة: القريب والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والتقريب، والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين، وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء قوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:٦٣] أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من المعاصي، قال ابن تيمية: الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها، وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب والنصرة هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي مشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه، سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أعداء الله. ومن ثم فليس لنا أن نخرج هذا المصطلح عن المعنى الذي حدده القرآن بلسان عربي مبين. يقول ابن حجر العسقلاني: " المراد بولي الله: العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته. "، هكذا كان استعمالها وظلت النظرة إليها بهذا المعنى إلى أن دخلت أوساط الشيعة ثم في دائرة الصوفية فأطلقوها على أئمتهم ومشايخهم مراعين فيه اعتبارات أخرى، غير هذه الاعتبارات الإسلامية فأصبحت محصورة في طائفة خاصة بعد أن كانت صفة محتملة لي إنسان يقوم بنصرة دين الله من عباده المسلمين، وأول من صرف هذا المعنى إلى معنى خاص هم الشيعة فأطلقوها على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ على اعتبار أنه هو وذريته (بشراً نورانين من طينة مكنونة تحت العرش) ثم أضاف لها الشيعة والصوفية (العلم اللدني لأن الشيعة يعتقدون أن علي ابن أبي طالب أخذ علماً خاصاً عن الرسول ﷺ . والقشيري من الصوفية يرى: " بأن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء العصمة من المعاصي والمخالفات " وهذه قلدوا فيها الشيعة الذين يعتقدون العصمة لأئمتهم، وربما تلطف الصوفية فسموها (الحفظ) كما يقول الكلاباذي " ولطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه .... " وأكبر مقامات الولي عند الصوفية هو (الفناء) وهو باب الولاية ومقامها أما عند ابن عربي فهي مراتب ومنها مرتبة الولاية الخاصة وهو الورثة لأنهم أخذوا علمهم عن الله مباشرة!!؟، وهم عن ابن عربي أفضل من الأنبياء نظراً لما هم عليه من ذوق أدركوا به علم الوجود ووقفوا على سر القدر.

стр. 3126

هذا هو التحديد التعسفي لمفهوم الولاية عند الصوفية، أما شخصية الولي في القرآن الكريم فهي شخصية إيجابية يترسم خطى الدين في كل ما أمر أو نهي، والصحابة ومن تبع أثرهم من العلماء العاملين هم أولى الناس بهذا اللفظ ويصدق عليهم حديث: " من عادى لي ولياً .... " وطريق الوصول إلى الولاية عند الصوفية طريق معكوس لأن الغاية من مجاهداتهم هي معرفة أو الفناء ووالمفروض أن معرفة الله سبحانه هي خطوة أولى للإيمان وهذه المعرفة فطرية كما يحدثنا القرآن، والعمل الصالح هو الذي يوصل إلى أن يحب الله عبدَه، وأما فناؤهم فهو يوصلهم إلى كفر الاتحاد والحلول فطريق الولاية عند أهل السنة سهل ميسر ومن أول هذا الطريق تبدأ المحبة بين الله سبحانه وعبده بينما طريق الصوفية طريق شكلي إلى، لا بد أن يمر المريد بكذا وكذا ثم يصل إلى شطحات يظن فيها أنه شاهد الحق. وأفضل الأولياء عند أهل السنة الأنبياء والرسل بينما عند الصوفية النبي يقصر عن الفلاسفة المتألهين في البحث والحكمة كما يقول السهروردي المقتول على يد صلاح الدين الأيوبي ﵀، فالولي عند أهل السنة هو ذاك المسلم الإيجابي الذي يقوم بالطاعات، والولي عند الصوفية هو المستغرق في الفناء (١). بعد هذا البيان والإيضاح لكلمة الولي وكيف تطورت، والمعنى السني لها، لا بد من توضيح المقصود بـ (الكرامات) وما هو رأي أهل السنة فيها وهل التزم الصوفي بهذا الرأي؟ وهل هناك ارتباط بين الولاية والكرامة فنقول: خلق الله هذا الكون وسيره على سنن محكمة مطردة لا تتعارض ولا تتخلف، وربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها وأودع في الأشياء خواصها، فالنار للإحراق، والماء للإرواء والطعام للجائع، ثم هذا النظام الكوني البديع المتناسق الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار .. كل بنظام محكم، فإذا لم ترتبط الأسباب بنتائجها وخرقت هذه العادة المألوفة بإذن الله لمصلحة دينية أو دعاء رجل صالح، فهذا الخرق إذا كان لنبي فهو معجزة، وإذا كان لأناس صالحين فهو كرامة وهذه الكرامة إن حصلت لولي حقاً فهي الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ وتحصل ببركة إتباعه. وهذه الخوارق إما أن تكون من جهة العلم بأن يسمع النبي ما لا يسمع غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً أو يعلم مالا يعلم غيره حياً وإلهاماً أو فراسة صادقة لعبد صالح، وإما أن تكون من باب القدرة والتأثير مثل دعوة مستجابة أو تكثير الطعام وعدم إحراق النار، وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم كرامات من هذا النوع وكانت إما لحاجة أو حجة في الدين، كما أكرم الله سبحانه أم أيمن عندما هاجرت وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش وكانت صائمة، فلما كان وقت الفطر سمعت حساً على رأسها فإذا دلو معلق فشربت منه، وكان البراء بن مالك إذا أقسم على الله أبّر قسمه، وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، مشى أمير الجيوش الإسلامية في البحرين العلاء بن الحضرمي وجنوده فوق الماء لما أعترضهم البحر ولم يكن معهم سفن تحملهم وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار فلم تحرقه (٢).

стр. 3127

هذه حوادث صحيحة وقعت للصحابة رضوان الله عليهم، وأكثر منها وقع في عصر ما بعد التابعين. فأهل السنة لا ينكرون الكرامات كما ينكرها المبتدعة، وهم يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب ومسبباتها قادر على خرق هذه السنن لعبد من عباده، ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلاً على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا هذه كرامة لشيخ الطريقة ولذلك لا بد من ملاحظات وتحفظات حول هذا الموضوع. أولاً: هذه الخوارق كانت تقع للصحابة دون تكلف منهم أو تطلب لها أو رياضات روحية يستجلبون بها هذه الخوارق، بل تقع إكراماً من الله لهم أو دعاء يرون فيه مصلحة دينية إما لحجة أو لحاجة للمسلمين كما كانت معجزات نبيهم ﷺ ، أما المتأخرون فيطلبونها ويتكلفون لها الرياضات الروحية وربما أفسد جسمه ونفسيته بسبب هذا مع أن " طلب الكرامات ليس عليه دليل، بل الدليل خلاف ذلك فإنما غيب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به " (١) وهذا من التأثير بالفلاسفة حيث يقررون رياضات معينة للوصول إلى هذه الخوارق. ثانياً: إن كرامات أولياء الله لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى والولي لله هو المحافظ على الفرائض والسنن والنوافل، عالماً بأمر الله عاملاً بما يعلم فمن صفت عقيدته وصح عمله كان ولياً لله يستحق إكرام الله له إن شاء، فهذا إذا خرقت له العادة لا تضر ولا يغتر بذلك ولا تصيبه رعونه، وقد لا تحصل لمن هو أفضل منه فليست هي بحد ذاتها دليلاً على الأفضلية، فالصديق ﵁ لم يحتج إليها، وحصلت لغيره من الصحابة، كما أنه ليس كل من خرقت له العادة يكون ولياً لله كما أنه ليس كل من حصل له نِعَمٌ دنيوية تعد كرامة له، بل قد تخرق العادة لمن يكون تاركاً للفرائض مباشراً للفواحش فهذه لا تعدوا أن تكون إما مساعدة من شياطين الجن ليضلوا الناس عن سبيل الله، أو استدراج من الله ومكر به أو رياضة مثل الرياضات التي يمارسها الهنود والبوذيون الكفرة ثم يضربون أنفسهم بآلات حادة ولا تؤثر فيهم أو يتركون الطعام أياماً عديدة إلى غير ذلك ويظن الفسقة أن هذه كرامة لهم. ثالثاً: هناك سؤال مهم في هذا الصدد وهو لماذا كانت هذه الحوادث من خرق العادات قليلة في زمن الصحابة والتابعين ثم كثرت بعدئذ؟ يجيب ابن تيمية: " أنها بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه فيها ما يقوي إيمانه ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك لعلو درجته (٢)، كما أن عدم وجودها لا يضر المسلم ولا ينقص ذلك في مرتبته والصحابة مع علو مرتبتهم جاءتهم هذه الخوارق إكراماً لهم أو لحاجة في الدين، وكثرتها في المتأخرين دليل على ما قاله ابن تيمية أو لتطلبهم إياها بالرياضة الروحية (٣).

стр. 3128

رابعاً: إن معجزة هذا الدين الكبرى هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، وعندما طلب منه ﷺ معجزات مادية رفض ذلك لأن هذا ليس هو منهج هذا الدين وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطلب، قال تعالى: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء:٩٣]. كما أمر ﷺ أن يبرأ من دعوى الغنى والقدرة وعلم الغيب إلا ما علمه الله : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:٥٠]، ولذلك كانت حياته وسيرته تجري كبقية عادات البشر ومألوفاتهم مع ما أعطي من شرف المنزلة (١)، وعندما هاجر ﷺ إلى المدينة لم يطر في الهواء ولم تطو له الأرض وإنما سار كما يسير أي راكب ويقطع المسافة في تسعة أيام، لماذا؟ لأن هذا هو الأصل، الأصل أن يسير الناس على السنن الكونية التي أودعها الله في الخلق، ولكن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائراً على قانون محكم ويسعدها أن يكون هذا القانون بيد المجاذيب والدراويش يتصرفون به (٢). وتبقى الحقيقة أن الاستقامة على طريق الهدى، طريق السنة والإتباع، طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان، هذه الاستقامة هي عين الكرامة، فإن حصل بعدئذ خرق العادة إكراماً من الله لمؤمن صادق فهذه يجب أن يخفيها ولا يذيعها ويشكر الله سبحانه على ما منّ به عليه. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3129

المبحث الخامس: الأقطاب والأوتاد بعد أن حرف كلمة ولي عن معناها الذي أراده القرآن الكريم اخترعوا ما يسمونه بالأقطاب والأوتاد والأبدال. تسميات ما أنزل الله بها من سلطان، يرتبون بها أوليائهم ترتيباً فيه مضاهاة للنصارى الذين يرتبون رجال الدين عندهم بدأ بالشماس وانتهاء بالبابا كما أنه فيه تشبه بالشيعة في ترتيب الأئمة وكذلك ترتيب النصيرية والإسماعيلية في أئمتهم كالسابق والتالي والناطق والأساس (١)، وقد رتبوا أوليائهم حسب أهميتهم على الشكل التالي: القطب. الأوتاد الأربعة. الأبدال وعددهم أربعون وهم بالشام ... ؟! النجباء وهم الذين يحملون عن الخلق أثقالهم. النقباء. وما هي حقيقة القطب عندهم؟ يجيب مؤسس الطريقة التجانية: " إن حقيقة القطبانية هي الخلافة عن الحق مطلقاً، فلا يصل إلى الخلق شيء من الحق (الله) إلا بحكم القطب " (٢)، ثم قسموا القطب إلى نوعين: نوع هو من البشر مخلوق موجود على هذه الأرض، يتخلف بدلاً عنه حال موته أقرب الأبدال له (التشبه بالنصارى) وقطب لا يقوم مقامه أحد وهو الروح المصطفوي وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد (٣). أما الرفاعي فقد تعدى هذه الأطوار فيقول أحد تلامذته: " نزه شيخك عن القطبية " (٤) وعند أبي العباس المرسى مقام القطبية فوقه مقام الصديقية (٥) وعند الشاذلي " يكشف له عن حقيقة الذات " (٦). وأما الأوتاد فهم أربع رجال منازلهم على منازل الأركان الأربعة من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب (٧). والأبدال سبعة رجال من سافر من موضع ترك جسداً على صورته حياً بحياته (٨). إن المسلم ليمتلكه العجب عندما يقرا أو يسمع ما يقوله هؤلاء من أمثال الجرجاني وغيره الذين يدعون العلم والمعرفة، إن هذه أمور خطيرة تمس جوهر العقيدة الإسلامية، إن الاعتقاد بأن أحداً غير الله سبحانه يتصرف في هذا الكون هو شرك أكبر مع أن الله سبحانه وصف أكابر أوليائه بالصديقين كأبي بكر وسيدة مريم والدة المسيح ﵇ فيأتي هؤلاء ليحادوا الله ورسوله ويقولوا: القطبية هي مرتبه فوق الصديقية وأما مصادمة كلامهم للعقل من البديهيات الأولية ولأن الخرافة لا يمكن أن يصدق بها عقل. أوتاد وأقطاب يتحكمون في العالم وهؤلاء سبعة وأولئك أربعة من أين جاءوا بهذا التحديد وهذا العدد؟ ومن أين جاءوا بهذا القطب الذي جعلوه نائباً لله؟ كأن الله سبحانه ملك من الملوك يحتاج إلى نواب سبحانك هذا بهتان عظيم وإفك مبين (٩)، وهذا الكلام وكلامهم عن الحقيقة المحمدية ووحدة الأديان لا نستطيع أن نصنفه بأنه هلوسة وتخبطات مصروع لا غير، لأننا نكون عندئذ غافلين عن حقيقة هذه المذاهب، وإنما هي غنوصية (١٠) لهدم الإسلام. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3130

المبحث السادس: الشطح واللامعقول يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال: " لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق " (١)، وسواء صحت هذه الرواية عن الشافعي أم لم تصح فإن الاتجاه العام لدى الصوفية هو الابتعاد عن العقل والعقلانية، وذلك لأنهم يرون أنه لا يمكن الوصول إلى الأحوال والمقامات العالية إلا بإلغاء العقل، ولذلك يذكرون حوادث لمشايخهم ويقررون أموراً يأباها العقل بل يكذبها، ومع أن العقل شرط في معرفة العلوم وهو بمنزلة البصر في العين فإذا اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل بنور الشمس وإن إبعاد العقل وعزله تماماً هو رجوع إلى الأحوال الحيوانية (٢) ومن العلوم أن مناط التكليف في الإسلام هو العقل ولكن الصوفية كل شيء عندهم ممكن، وكل شيء يصدق مهما كانت غرابته، لأنه لا شيء يؤود على مشايخهم، وإذا رددت فأنت محجوب لا تفهم في مثل هذه الأمور، ولذلك أصبحت قصصهم أضحوكة لأهل الأديان المنسوخة كما يقول الآلوسي (٣). ولأن الناس عجزوا بعد سقوط بغداد عن ربط الأسباب بالمسببات فربما كان التصوف هو الوحيد الذي نجا من تلك الكارثة فهرع الناس إلى المتصوفة يمنحونهم البركة فامتلأت البلاد بأرباب الطرق (٤). وحتى لا يظن أننا نظلم ونتهم فهذه صور من اللا معقول عند الصوفية منتزعة من كتاب (الطبقات الكبرى) للشعراني. هو يترجم لهؤلاء ولا يعلق بشيء لاعتقاده بصحتها، بل ينقل قصص المجاذيب ويترضى عنهم، وقد يقال بأنها مكذوبة عليهم ولكن الشعراني نقلها ولم ينكرها والذين يقرأون للشعراني من عصره وحتى هذا الوقت لا يقولون: نحن ننكر مثل هذه الأمور ويجب أن تحذف من كتبنا، فالمشكلة في هؤلاء الذين يبررونها ويصدقونها فعلاً وهذه النماذج مأخوذة من عصور مختلفة إلى عصر المؤلف في القرن العاشر الهجري. ذكر في ترجمة الشيخ أحمد الرفاعي أنه: " إذا تجلى الحق تعالى عليه بالتعظيم يذوب حتى يكون بقعة ماء، ثم يتداركه اللطف فيصير يجمد شيئا فشيئاً حتى يعود إلى جسمه المعتاد ويقول: لولا لطف الله ربي ما رجعت إليكم " (٥). الشيخ أبو عمرو بن مرزوق القرشي: " كان الرجل العربي إذا اشتهي أن يتكلم بالأعجمية أو العجمي يريد أن يتكلم العربية يتفل الشيخ في فمه فيصير يعرف تلك اللغة كأنها لغته الأصلية " (٦). مساكين الطلبة الذين يدرسون اللغات الأجنبية في هذا العصر فلو أن الشيخ يعيش معهم لاستراحوا وأراحوا ... قال تقي الدين السبكي: " حضرت سماعاً فيه الشيخ رسلان فكان يثب في الهواء ويدور دورات ثم ينزل إلى الأرض يسيراً يسيراً، فلما استقر سند ظهره إلى شجرة تين قد يبست فأورقت واخضرت وأينعت وحملت التين في تلك السنة " (٧) والعجب هنا ليس من الشيخ رسلان ولكن من عالم مثل السبكي كيف يقبل بأن يذكر الله بالرقص في الهواء وكيف يقبل مثل هذا الهراء، هذا إذا صحت رواية الشعراني عن السبكي. أبو العباس أحمد الملثم: يقول الشعراني عنه: " وكان الناس مختلفين في عمره، فمنهم من يقول: هذا من قوم يونس، ومنهم من يقول: إنه رأى الإمام الشافعي، فسئل عن ذلك، فقال عمري الآن نحو أربعمائة سنة وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية والخلوة (٨).

стр. 3131

الشيخ إبراهيم الجعبري: كان له مريدة تسمع وعظه وهو بمصر وهي بأرض السودان من أقصى الصعيد (١). حسين أبو علي: " من كمّل العارفين، كان كثير التطورات، تدخل عليه فتجده جندياً، ثم تدخل عليه فتجده سبعاً، ثم تدخل فتجده فيلاً (يا ألطاف الله) " (٢). تخيل هذا الذي من كمّل العارفين يتحول إلى سبع وإلى فيل .... ؟! إبراهيم بن عصيفير: " كان يغلب عليه الحال وكان يمشي أمام الجنازة ويقول زلابيه وهريسة وأحواله غريبة، وكان يحبني وأنا في بركته وتحت نظره " (٣). قد يكون هذا مجنون لا تكليف عليه، أما أن يقول الشعراني: سيدي إبراهيم، وكنت في بركته وتحت نظره، فهذا مما لا ينقضي من العجب، وما رأي صوفية اليوم هل ينكرون على الشعراني هذا الكلام؟ لا أعتقد، بل يبدوا أن هؤلاء وأمثالهم هم أقرب إلى الظن بأن الحقيقة إنما ينطق بها البلهاء قبل أن ينطق بها العلماء. ومن أثر الصوفية وكتب الشعراني وغيره أن أساتذة في جامعات مصر، أساتذة في الطب والفيزياء والكيمياء وتكون عقولهم سليمة عند البحث العلمي وتمسخ عند الحديث عن الولي الفلاني كيف طار في الهواء أو غاص في الماء (٤)، لا شك أنها ازدواجية تحتاج إلى تحليل نفسي لمعرفة أسبابها ودوافعها، وقد رأينا طلاب جامعات في بلاد الشام كيف يتبعون دجالاً مخرفاً، ظاهر الكذب والاحتيال، إن هؤلاء المشايخ يقومون بعملية غسل دماغ للمريد بطريقة شيطانية خبيثة تجعل طلاب الجامعات بل وأساتذتهم يسيرون وراء الشيخ كالقطيع، وتبقى أجواء الصوفية غير العقلانية هي العامل الأهم. إن قمة إلغاء العقل عند الصوفية هو ما يسمونه (بالشطح) وهي أن يتكلم أحد مشاهيرهم بكلمات غير معقولة أو تتضمن كفراً وزندقة في الظاهر ويقولون: إنه قالها في حالة جذب وسكر أما في حالة الصحو فيتراجع عنها وقيل في تعريف (الشطح):" كلمة عليها رائحة الرعونة والدعوى تصدر عن أهل المعرفة باضطرار وإضراب " (٥). وهذه نماذج من شطحاتهم: قال أبو يزيد البسطامي " إن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق، وما النار والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي " (٦). والدسوقي يعلن أن أبواب الجنة بيديه ومن زاره أسكنه جنة الفردوس (٧) وأبو الحسن الشاذلي يعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين: محمد وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح (٨) وأحمد بن سليمان الزاهد شفعه الله في جميع أهل عصره (٩). شطحاتهم لا تنتهي ونكتفي بما أوردنا كنموذج للرعونة والدعوى وأقوالهم هذه مرفوضة جملة وتفصيلاً ولا تستحق بذل الجهد لتبريرها فقاعدة الإسلام الركينة أننا نحكم بالظاهر كما دلت جملة الأحكام الشرعية، فلا مجال لمدع أن يقول بأن باطن أقوالهم مخالف لظاهرها، ويجب أن يصان الإسلام عن مثل هذا الشطح واللامعقول، بل الشرك لأن ممن يتصرف في الجنة والنار فقد اتخذ نفسه نداً لله وشركاً وقال ابن عقيل "ومن قال هذا كائناً من كان فهو زنديق يجب قتله " (١٠). وإذا كانت الجنة بيد الدسوقي فلينم البطالون وليستريحوا من عناء الجهد والتعب والأمر لا يحتاج إلى علم أو عبادة أو جهاد بل مجرد زيارة الشيخ تفتح له أبواب الجنة أليست هذه نسخة أخرى عن صكوك الغفران، وأما نحن فنستغفر الله حتى من إيراد أقوالهم. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3132

المبحث الأول: تربية ذليلة أنت أسير في قيد الملا والصوفي، أنت لا تأخذ الحياة عن حكمة القرآن، ليس لك بآيات القرآن شأن، إلا أن تموت بسهولة بسورة يس " إقبال وضع الصوفية قواعد عامة لتربية مريديهم وكلها تحوم حول الخضوع التام من المريد للشيخ، بحيث يتحول التلميذ المسكين إلى آلة جوفاء تردد ما يقال لها بلا تفكير ولا شخصية مستقلة، بل انقياد أعمى، وحتى تتم هذه التربية الذليلة ألزموهم بلبس معين ومشية معينة وشيخ معين وطريقة معينة. ومن هذه القواعد المتعارفة بينهم: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل. لا تعترض فتنطرد. من قال لشيخه لِمَ؟ لا يفلح. من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان. ومشت الجماهير المغفلة وراء الشيوخ يقبلون الأيدي وينحنون لهم بالتعظيم كلما رأوهم، لا يتكلمون إلا إذا تكلم الشيخ، يصدقون بكل ما يقول، ويحملون له حذاءه وسجادته. وقد فلسفوا كل هذا في كتبهم تحت عنوان (آداب المريد) فقالوا: " ومن الأدب تعظيمه ظاهراً وباطناً، ولا تصاحب له عدواً ولا تعادي له صديقاً، ولا تكتم عنه شيئا مما خطر ببالك (مثل اعترافات النصارى)، ولا تسافر ولا تتزوج إلا بإذنه، وأعظم من هذا قالوا: وحرم على المريدين السؤال لأن الشيخ قد يكون جاهلاً فينفضح (١). وهذا الأسلوب في تربية الأتباع ليس مستحدثاً بل تكلم عنه القشيري في (رسالته) فقال: " من صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة، ثم إن الشيوخ قالوا: حقوق الأستاذين لا توبة منها " (٢). وقد أدى هذا الأسلوب إلى الغلو في المشايخ، الغلو في الصالحين فالغزالي هو صاحب الصديقية العظمى برأي أبي العباس المرسي (٣)، والشيخ نجم الدين يستحي أن يصلي باتجاه القبلة وخلف الشيخ أبو العباس المرسي (القطب) فأدار وجهه باتجاه القطب!! ولكن أبا العباس كان متواضعاً فقال له: أنا لا أرضي خلاف السنة (٤) فقط خلاف السنة ترك القبلة؟! وقد كان أحمد الشريف السنوسي – من المعاصرين – شديد الاعتقاد بعمه محمد المهدي الذي لا يرى فوق طبقته أحداً إلا سيد الكائنات محمد ﷺ " (٥). وانتقلت عدوى هذه الطريقة في التربية إلى الآباء فربوا أبناءهم على الطاعة العمياء وأجبروهم على عادات معينة فيخرج الطفل شخصية ضعيفة. ولنا على هذه التربية الملاحظات التالية: هذه الأساليب في تربية المريدين هي أساليب ماكرة إما لتغطية ما على الشيخ من جهل بالدين وقلة بضاعة في العلم، أو لممارسة أشد أنواع السيطرة على عقول وقلوب الناس وباسم احترام الشيخ. وقولهم (العلم في الصدور لا في السطور) إنما هو صرف للتلاميذ عن كتب الفقه والحديث لأنه إذا قرأ فربما يتفتح عقله – فينتبه لما عند الشيخ من دجل وخرافات.

стр. 3133

لم يترب أصحاب رسول الله ﷺ هذه التربية الخانعة ولكنهم تربوا تربية القيادة والرجولة، فكان أحدهم يسأل رسول الله ﷺ : أوَحيٌ هذا أم هو الرأي والمشورة؟ فإن كان الرأي والمشورة أدلى برأيه كما فعل سعد بن معاذ في غزوة الخندق عندما رأى رسول الله ﷺ مصالحة قبائل غطفان، وكان ﷺ بقيادته الحكيمة يستمع لهم ويناقشهم وجوه الرأي ولا يقول لهم: كيف تعترضون علي وأنا سيد الخلق ورسول من رب العالمين؟ ومع حبهم الشديد لرسول الله ﷺ كانوا لا يقومون له ولا يقبلون يديه كلما دخل وذلك لمعرفتهم أنه يكره المبالغة في تعظيم البشر، وعقل الصحابة عن رسول الله ﷺ هذه التربية فكان أول ما تكلم به أبو بكر الصديق ﵁ عندما تولى الخلافة " وإن أسأت فقوموني " ويقول: " أي سماء تظلني وأي ارض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي " والصوفية يقولون: الشيخ يسلم إليه طريقته، وأي طريقة مع الشرع؟ ويكتب عمر بن الخطاب ﵁ لقادة الجيوش وأمراء الأقاليم: " لا تضربوا أبشار الناس فتذلوهم " ذلك لأن الشعب الذليل لا خير فيه، كما ذكر القرآن الكريم قصة بني إسرائيل عندما كانوا أذلاء تحت حكم فرعون، فلما أراد موسى إخراجهم إلى العزة والكرامة قالوا له: فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:٢٤]. وعقل التابعون هذه التربية فكانوا يكرهون " أن توطأ أعقابهم " (١) وهو أن يمشي التلاميذ وراء الشيخ، ويقولون: " إنها فتنة للتابع والمتبوع " (٢)، ولم يعتد الصحابة تقبيل يد رسول الله ﷺ وإذا وقع فيكون نادراً، وذهب بعض العلماء إلى كراهية تقبيل اليد مطلقاً كالإمام مالك، قال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى (٣). وعن أنس بن مالك قال: ((قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا)) (٤). أما لماذا تسير هذه الألوف من البلهاء وراء شيوخ الصوفية ربما يكون هروباً من الواقع، ولعلها تصادف متنفساً غير حقيقي لمشاكلهم وأرجح أنه ابتعاد عن التكليف الذي يفرضه الإسلام وخاصة في أوقات الشدة والعسرة، وبعض الناس يصدقون أغرب القصص لمجرد رغبتهم في أن تكون هذه القصص صحيحة والواقع أنها غير صحيحة (٥). المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3134

المبحث الثاني: المتصَوفة وعلم الحَديث من أصعب الأمور على المتصوفة وخاصة المتأخرين منهم الاهتمام بالعلوم الشرعية وخاصة الحديث والفقه، لأن هذه العلوم تكشف ما هم عليه من جهل وإذا دخلت في قلوب وعقول التلاميذ فلا يبقى حولهم أحد، أما المتقدمون فكان لهم عناية بالعلوم الشرعية ولكن إما أن يكون أحدهم مفصوم الشخصية فتجده عالماً في الفقه وأصوله ولكن عندما يتكلم في التصوف ينقلب إلى شخصية أخرى كأبي حامد الغزالي، وإما أن يترك العلم بعد أن يكون قد أخذ بقسط وافر منه، باعتبار أن العلم وسيلة للعمل فإذا وصل إلى العمل فلا داعي للعلم، وهذه مغالطة لأن المسلم يحتاج للعلم حتى آخر لحظة من حياته، وقد رمى أحمد بن أبي الحواري كتبه في البحر وقال: نِعمَ الدليل كنتِ. وأبو حامد الغزالي يبرر هذا البعد عن علوم الشريعة وهذا الميل من المتصوفة إلى علم الكشف فيقول: " اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهية دون التعليمية، ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم بل قالوا الطريق تقديم المجاهدات والإقبال على الله ويقطع الإنسان همه من المال والولد والعلم ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة القرآن ولا يكتب الحديث ". يقول ابن الجوزي معلقاً على كلام الغزالي: " عزيز علي أن يصدر هذا الكلام من فقيه فإنه لا يخفي قبحه، فإنه في الحقيقة طي لبساط الشريعة " (١). ومن الأوهام التي وقعوا فيها قولهم: نحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت وأهل الحديث يأخذون علمهم ميتاً عن ميت وأنشد أحد شيوخه: (٢) إذا طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق وبسبب إعراضهم عن الحديث جمعوا الغث والسمين والموضوع والضعيف في كتبهم مثل (الإحياء) و (الرسالة) و (حقائق التفسير) وهذه بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة الباطلة وكيف استندوا إليها وقرروا بها مذهبهم: قال بعض العارفين: أول المعرفة حيرة وآخرها حيرة وذكروا حديثاً باطلاً: ((زدني فيك تحيراً)) (٣) قال ابن تيمية: هذا حديث كذب والرسول ﷺ يقول: رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:١١٤] (٤).

стр. 3135

ذكر محمد بن طاهر المقدسي في مسألة (السماع) حديث الأعرابي الذي أنشد النبي ﷺ هذه الأبيات: قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي وأنه ﷺ توجد عندما سمع ذلك حتى سقطت البردة عن منكبيه (١)، قال ابن تيمية: " هذا حديث مكذوب موضوع " (٢) ولا ندري كيف يروون هذا وأين عقولهم؟ ولعلّ الحيات لسعت عقولهم وليس قلوبهم. رووا حديثاً ((لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)) (٣) وهو من كلام أهل الشرك والبهتان وقد سمعنا بعض مشايخ الصوفية في هذا العصر يحدث به ويعتقده." ألبسوا الصوف، وشمروا، وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا ملكوت السماء " ذكرها أبو طالب المكي في (قوت القلوب (٤)، وهل يتكلم الرسول ﷺ بمثل هذا الكلام، وهل هذا إلا اختراع لتأييد مذهب التصوف بلبس الصوف. هذه نماذج قليلة وغيض من فيض مما امتلأت به كتبهم كالرسالة للقشيري حيث ذكر فيها الصحيح والضعيف والموضوع وحيث يروي عن الفضل بن عيس الرقاشي وهي من أوهي الأحاديث وأسقطها، (٥) وارجع إلى (الإحياء) لترى العجب العجاب، مما يدلنا على عدم احتفائهم بعلم الحديث أو الفقه، بل ضربهم بالعلم كافة عرض الحائط. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3136

المبحث الثالث: البطالة والانحِلاَل كان أوائل الصوفية أصحاب مجاهدات وعبادات، صادقين مع أنفسهم وإن كانت بعض أعمالهم فيها تعمق وتشدد ومخالفة للسنة ما سبق أن قررنا، ثم ظهر بعد ذلك أجيال بنوا التكايا والزوايا وهي دكاكين للبطالة والطبل، مستريحين من كدّ المعاش، متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص، يطلبون الدنيا من كل ظالم، وأين جوع (بشر) وورع (السري) وأين جد (الجنيد (١)، مع أن بناء الربطة والتكايا ولو لتعبد والإنفراد هو بدعة في حد ذاته لأن بناء أهل الإسلام المساجد، وبناء التكايا فيه تشبه بالنصارى لإنفراده بالأديرة. وقد قيل لبعض الصوفية أتبيع جبتك؟ قال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد وقد استغرب الإمام محمد بن الحسن الشيباني من أكلهم الطعام عند الناس لا يسألون عن حلال أو حرام (٢). ونسو أو تناسوا أن الإسلام يأبى الركون إلى الكسل والبطالة، وأن الزهد هو ترك ما في أيدي الناس والاستغناء عنه تنزهاً، وليس الحصول على ما في أيدي الناس تنطعاً، وقد نهي رسول الله ﷺ عن السؤال وأمر بالاكتساب والعمل فقال: ((لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير من أن يسأل رجلاً فيعطيه؟ أو يمنعه) (٣)، وقال ﷺ ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) (٤). وكان سعيد بن المسيب يتجر بالزيت وكان أبو حنيفة يتجر بالقماش ... هكذا كان كبار العلماء والزهاد يعملون بأيديهم ويتحرون الكسب الحلال. وكان الأوائل يمتنعون عن الزواج تشدداً وتعمقاً ثم تطور الأمر بالمتأخرين من الصوفية إلى مؤاخاة النساء وإعطاء الطريقة للمريد، وحفلات الذكر المختلطة، مما يشعر بدنوهم من مذهب الإباحية عند الباطنية لأن نظرية وحدة الوجود – التي استفحلت عند متأخري الصوفية – تشجع على الإباحية " لأن الثواب والعقاب يصبح من المشكلات فمن الذي يثيبنا حين نحسن؟ ومن الذي يعاقبنا حين نسيء؟ إذا كان الإنسان جزأ من الله، إنها خطر على عالم الأخلاق، بل تأتي على قواعده من الأساس، ولذلك عاش بعض الصوفية عيشة التفكك والانحلال (٥)، وقد كان لابن الفارض وهو من شيوخ وحدة الوجود، كان له مغنيات بالقرب من قرية (البهنسا) يذهب إليهن فيغنين له بالدف والشابة وهو يرقص ويتواجد (٦). لم يرض عن هذا التطور بعض الصوفية المعتدلون كالشيخ أبي سعيد الأعرابي الذي يقول في كتابه (طبقات النساك): " إن آخر من تكلم في هذا العلم الجنيد وأنه ما بقي بعد إلا من يستحي من ذكره " (٧)، كما حكى عن سهل التستري قوله: " بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق (٨) ولكن الصوفية استمرت في تدهورها وأصبحت اكتساباً وتملقاً، ولبسوا جلود الضأن وحملوا قلوب الذئاب. المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3137

المبحث الرابع: السَّمَاع وَالذِكر في البداية، وعند أوائل الصوفية كانوا يحضرون مجلس (السماع) وهو الاجتماع في مكان معين لسماع منشد صاحب صوت حسن مع استعمال الإيقاع الموسيقي، ينشد قصائد الزهد وترقيق القلوب، ثم تطوروا إلى إنشاد قصائد الغزل وذكر (ليلى) و (سعدى) ويقولون نحن نقصد بذلك رسول الله ﷺ ، هذه القصائد التي تهيج الحب المطلق، الحب غير المعين، فكلٌ يأخذه حسب هواه وما يعتلج في قلبه من حب الأوطان أو حب النساء ... وقد أباح لهم هذا السماع أبو حامد الغزالي وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم، واحتجوا بأشياء واهية ضعيفة، وليس هذا موضوع مناقشة حكم الإسلام في الغناء، فقد رد عليهم العلماء مثل ابن الجوزي وأجاد ابن القيم في مناقضة هذا الموضوع في كتابه (إغاثة اللهفان)، وتبقى الحقيقة أن الأمة المسلمة أمة جادة ولا يحلل هذا الغناء إلا من لا يفقه الإسلام حق الفقه. ولم يقتصر الأمر على هذه القصائد بل تطور إلى ذكر الله بالرقص والدف والغناء، وعندما تقام الحضرة (١) تبدأ التراتيل بذكر اسم الله المفرد (الله) بصوت واحد، ولكن عندما يشتد الرقص ويلعب الشيطان برؤوسهم يرفعون عقيرتهم أكثر ويتحول اسم الله إلى (هو) ثم لا تسمع بعدها إلا همهمة، وقد يجتمع مع هذا الصراخ والقفز في الهواء أخلاط الناس من النساء والأولاد لرؤية هذا (التراث الشعبي)، حقاً إنها مهزلة اتبعوا فيها سنن الذين من قبلنا فقد جاء في مزأمير العهد القديم عن اليهود " ليبتهج بنو صهيون بملكهم، ليسبحوا اسمه برقص، بدف وعود، سبحوه برباب، سبحوه بصنوج الهتاف " (٢). جاء في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض: " قال التنيسي: كنا عند مالك بن أنس وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين: عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيراً ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: أصبيان هم؟ فقال: لا. قال: أمجانين هم؟ قال: لا هم مشايخ وعقلاء. قال: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا " (٣). وقد يكون من أسباب فعلتهم هذه هو أن النفس ترى أن تغطي شهواتها باسم الدين والذكر والحضرة. ولو كشفت بصراحة عن نوازعها لكان الخطب أهون، لأنها عندئذ تبقى في دائرة المعصية وهي أقل خطراً من البدعة. والله وصف الذاكرين له باطمئنان قلوبهم وخشوعهم وإخباتهم، وقد كان السلف إذا سمعوا القرآن خافوا وبكوا واقشعرت جلودهم، وهذا عكس الرقص والطرب، ولم يأمر الله سبحانه حين أمر الناس بالعبادة – أن يأكلوا أكل البهائم ثم يقوموا للرقص، بل هذا الرقص الذي يسمونه (ذكراً) وما يرافقه من منكرات مستقبح ديناً وعقلاً وهو وصمة عار أن يكون في المسلمين من يفعل هذا، وصدق قول الشاعر فيهم: ألا قل قول عبد نصوح ... وحق النصيحة أن تستمع متى علم الناس في ديننا ... بأن الغنا سنة تتبع وأن يأكل المرء أكل الحمار ... ويرقص في الجمع حتى يقع وقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع ويسكره الناي ثم الغنا ... و (يسن) لو تليت ما انصدع (٤) المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3138

المبحَث الخامِس المتصَوفة والجهَاد تربى المسلمون الأوائل تربية جهادية، فهم مستعدون دائماً لمصاولة الباطل والدفاع عن الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينفذون في ذلك سنن الله ، فالشر لا بد من دفعه بالخير وإلا فسدت الأرض، وكان علماء السلف يرابطون في الثغور للحصول على فضيلة الجهاد، مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام عبد الله بن المبارك، وقصة ما كتبه ابن المبارك للفضيل بن عياض يعاتبه فيها على تفرغه للعبادة في مكة وعدم مشاركته في حماية الحدود الإسلامية هي قصة مشهورة، فما هو موقف الصوفية من هذا الموضوع المهم؟ حتى يتبين لنا هذا لا بد من الوقوف على بعض أقوالهم وأفعالهم: ألف أبو حامد الغزالي كتابه (إحياء علوم الدين) في فترة تغلب الصليبين على بلاد الشام، وتذكر المؤلف كل شيء من أعمال القلوب ولم يتذكر أن يكتب فصلاً عن الجهاد. يستشهدون دائماً بحديث ليس له أصل ويظنون أنه من كلام رسول الله ﷺ على عادتهم في ذكر الأحاديث الضعيفة وهو: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) (١) ويعنون بالجهاد الأصغر القتال في سبيل الله والجهاد الأكبر هو جهاد النفس، وهذا الكلام ليس من هدي النبوة ولم يصح عن رسول الله ﷺ شيء من هذا، كما أن فيه مغالطة واضحة وأي جهاد أعظم من تقديم المسلم نفسه في سبيل الله، وقولهم هذا ما هو إلا محاولة للهروب من تبعية القتال في سبيل الله، بل هو صرف المسلمين عن هذا العمل العظيم. استرسل كثير منهم مع القدر الكوني وفهموا هذه المسألة فهماً خاطئاً فظنوا أن الاستسلام لما يقدره الله من عدو أو مرض أو فقر هو من باب الرضى بالقضاء، ولذلك استكانوا للحكام الظلمة وقالوا: هذه إرادة الله وكيف نخالف هذه الإرادة، فهم دائماً مع الحاكم سواء كان مؤمناً أم كافراً، صديقاً أم زنديقاً (٢) ولم يعلموا أن قدر الله الكوني يدفع بالقدر الشرعي، فالمرض يدفع بالدواء، والعدو يدفع بالجهاد ... وفي العصر الحديث وعندما اقتسمت بريطانيا وفرنسا أكثر بلاد المسلمين كانت بعض فرق الصوفية غارقة في أذكارها وكأن شيئا لم يكن، بل يقام للمعتمد البريطاني لدى سورية الجنرال (سبيرس) حفلة (ذكر) على طريقة المولوية يدعوه إليها الشيخ هاشم العيطة شيخ الطريقتين السعيدية والبدرية حيث أنشدت الأناشيد وفتلت المولوية، ثم خطب صاحب الدار باسمه واسم إخوانه مثنياً على رئيس الجمهورية والملك جورج السادس والمستر تشرشل والجنرال سبيرس، فأجاب الجنرال شاكراً (٣).

стр. 3139

وفي الجزائر كانت فرنسا تشجع الطرق الصوفية وتسمح لهم بإقامة أذكارهم والخروج في أعيادهم بالطبول والرايات ولذلك: " تساند الطرقيين والمستعمرين على المصلحين " (١) " وكانوا يحضرون اجتماعات جمعية العلماء لا خدمة لغايتها ولكن عيوناً لفرنسا والإدارة المحلية ولكن الجمعية أخرجتهم منها " (٢)، ولذلك كان أول عمل قام به باعث النهضة الإسلامية في الجزائر في هذا العصر الشيخ عبد الحميد بن باديس هو محاربة الطرق الصوفية وذلك أثناء تفسيره للقرآن الكريم في الجامع الكبير في مدينة قسنطية. وإذا كان الأمير عبد القادر الجزائري قد حارب فرنسا فإنه وبتأثير تربيته الصوفية لم يكمل هذا القتال، فقد عارض في استمرار الثورة ضد المحتل الفرنسي على يد ولده لأن الشيخ عاهد فرنسا ألا يرفع في وجهها سيفاً مادام حياً (٣). وعندما نفي الأمير إلى دمشق واستقر بها كان على رأس العاملين على إعادة نشر تراث ابن عربي المملوء بفكرة (وحدة الوجود) الخبيثة الفاجرة. وفي الهند وبعد ثورة ١٨٥٧م المشهورة التي قام بها المسلمون ضد الإنجليز، بعد هذه الثورة قتل من علماء المسلمين العدد الكثير ومنهم المحدث حسن الدهلوي. في هذه الفترة كتب أحمد رضا مؤسس الطريقة الصوفية (البريلوية) رسالة مستقلة باسم (إعلام الأعلام بأن هندوستان دار الإسلام) ووصفه لبلاد الهند بأنها دار الإسلام هو خدمة لبريطانيا حتى لا يقام فيها الجهاد ضد الكفرة ثم قال بصراحة: " إنه لا جهاد علينا مسلمي الهند بنصوص القرآن العظيم، ومن يقول بوجوبه فهو مخالف للمسلمين ويريد إضرارهم " (٤). ولذلك يقول ابن تيمية عنهم: " وأما الجهاد فالغالب عليهم أنهم أبعد من غيرهم، حتى نجد في عوام المؤمنين من الحب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحب والتعظيم لأمر الله والغضب والغيرة لمحارم الله ما لا يوجد فيهم. حتى أن كثيراً منهم يعدون ذلك (أي الجهاد) نقصاً في طريق الله وعيباً " (٥) وربما يظنون أن الذكر والتفكر والفناء والبقاء هو الأصل والأهم. بعد هذا الإستعراض لبعض أقوالهم وأفعالهم نستطيع أن نقرر أن التربية الصوفية بطبيعتها بعيدة عن فكرة الجهاد والقتال لأنها تعتبر الرياضات الروحية هي الأصل والأساس، وهذه الرياضات لا تنتهي إلا إذا وصل أحدهم لمرحلة الفناء، وإذا فني فكيف يجاهد؟!! ونحن نتكلم عن الصفة الغالبة عليهم، وإلا فقد يوجد منهم من له مشاركة في دفع الظالمين، ولكن الأكثرية هم مع المطاع المتغلب ولهذا قيل: " إن كل شعر التصوف ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي " (٦). المصدر: الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

стр. 3140

تمهيد من أصول الدين الإسلامي وقواعد الإيمان في الشريعة الإسلامية أن الله تعالى وحده هو علام الغيوب، وأن الخلق مهما كانت منزلة أحدهم لا يصل إلى معرفة الغيب، إلا من شاء الله أن يطلعه على ما أراد من ذلك، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً. ولقد تعدى المتصوفة على هذه الصفة لله فأقاموا أمراً سموه "الكشف الصوفي"، ويعنى عندهم رفع الحجب من أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم بعد ذلك كل ما يجرى في هذا الكون. وبالغوا في هذا الإدعاء بما لا يجرؤ على القول به إلا عتاة الزنادقة، كما هو مسطر في كتبهم بأقلامهم، وكما تبين ذلك من خلال ما قدمنا من الإشارات الكثيرة إلى حقيقة الكشف من خلال نظرتهم إلى أقطابهم في حالة رفع الحجب عنهم واتحادهم بالله ورفع الأنية بينهم وبين الله، ويبدوا أنهم ترقوا في هذه الدعوى على النحو التالى: ١ - ادعوا أن الصوفي يكشف له عن معان جديدة في القرآن والسنة والآثار والرسوم لا يعلمها علماء الشريعة، الذين سموهم علماء الظاهر والقراطيس؛ لأنهم أي علماء الشريعة إنما يعتمدون في نقل تلك المعاني من القرآن والسنة على موتى، وأما هم فإنهم يأخذونها عن الله تعالى مباشرة. ومن هنا تجد أقطاب التصوف حين يشرحون بعض الآيات والأحاديث يأتون فيها بمعان من نسج أخيلتهم ويزعمون فيها مزاعم هي عين الأكاذيب التي لا يسندها أي دليل لا من الشرع، بل ولا من العقل في أكثر ما جاءوا به في شروحاتهم. ٢ - ثم ترقوا فقالوا: إن لهم علوماً لا توجد في الكتاب ولا في السنة يأخذونها جديدة عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن حسب زعمهم. وهذه الفرية هي التي استباحوا بموجبها كثيراً من الفواحش والمحرمات إذ أن النصوص التي يفيد ظاهرها التحريم قد يفيد باطنها الإباحة، والخضر يؤكد لهم ذلك، فإذا بتلك النصوص ظاهرها في واد وباطنها في واد آخر لا صلة بينها إلا تلك الروايات التي صدرت عن الخضر، أو بعض المنامات التي حدثت لأقطابهم الكبار الذين استباحوا كل محرم من الفواحش. ٣ - وهناك فرية أيضاً اقترفوها، وهي قولهم: أنهم يتلقون علومهم عن ملك الإلهام كما تلقى رسول الله محمد ﷺ علومه من ملك الوحي مباشرة. ٤ - وآخرون منهم يزعمون أنهم يتلقون علومهم عن الله رأساً وبلا واسطة؛ حيث تنطبع هذه العلوم في نفوسهم، وبموجبها يأتون ما يأتون من أمور. ٥ - وآخرون منهم يدَّعون أن الرسول ﷺ هو الذي يخبرهم بأذكارهم وعبادتهم يقظة لا مناماً. ٦ - ثم زعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن وقصص الأنبياء على حقيقتها، وأنهم يجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم، وخرافات كثيرة ذكرها الجيلي في كتابه (الإنسان الكامل) يمجها السمع وينفر عنها الذوق. وكذا الغزالي حين دخل التصوف ولم يستطع الخروج منه رغم أنه كان من علماء الشريعة، فقد ذكر أشياء كثيرة عن الكشف الصوفي وخرافاتهم فيه مؤيداً له. وعتاة هذه الدعوى ابن عربي وعبد العزيز الدباغ والبسطامي والتيجاني والمرسي وغيرهم (١)، لقد كانت دعوى الكشف هي المقدمة الأولى في نظري إلى الادعاء بوحدة الوجود والحلول، فإن دعوى الكشف مبالغة فاحشة، ولكنها تعتبر من باب التمهيد لما هو أفحش منها، وهو ادعاء الاتصاف بالله والأخذ عنه مباشرة. ولذلك ترى كثيراً من المؤلفين من علماء التصوف زعموا أنهم لم يأتوا بما ذكروه في كتبهم إلا عن طريق الكشف الصريح يتلقونه عن الله مباشرة، رغم ما يحمل من كفر وفجور وزندقة وإباحية. كما زعم ابن عربي في فصوصه، والجيلي في كتابه (الإنسان الكامل) الذي يقصد به الرسول ﷺ الذي اتصف حسب تقرير الجيلي بصفات الله تعالى، وبصفات أقطاب التصوف أحياناً؛ حيث يظهر في صورة أي شيخ منهم كالشبلي والجبرتي وغيرهما في زمنهم وفي غير زمنهم. وكتاب الجيلي (الإنسان الكامل) مملوء بالعبارات التي تؤدي إلى إحياء الخرافات والزندقة، فقراءة عابرة له تجعلك لا تتوقف في هذا الحكم عليه ولا فيما كتبه عتاة التصوف كالدباغ وتلميذه أحمد بن مبارك والشعراني وعلي حرازم، وغيرهم ممن لا يلتزم بالعقيدة الإسلامية الصحيحة. ثم دخلوا على عوام المسلمين عن طريق الكشف الإلهي والوصول إلى الحقيقة وصفاء القلب والولاية، وغير ذلك من أنواع الشبكات الصوفية التي يصطادون بها الناس عن طريق دعوى الكشف والتظاهر بالزهد، وإكرام الله لهم بمعرفة ما لم يعرفه غيرهم، وفى كل ذلك تساعدهم الشياطين، وأكثر هؤلاء الذين يخبرون بالمغيبات عن طريق الكشف إنما يستعينون بالسحر والطلاسم. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١٠١٩

стр. 3141

المبحث الأول: الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده وأنه يطلع وسبحانه تعالى على ما شاء من الغيب من شاء من أنبيائه ورسله فقط وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه كما قال لرسوله: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨]. وقال جل وعلا: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:٢٦ - ٢٨]. وأمر رسوله محمداً ﷺ أن يخبر الناس أنه ليس ملكاً ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:٥٠] وهذا الذي قاله الرسول ﷺ هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعالى على لسان نوح: وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [هود:٣١].وفي (صحيح البخاري) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) (١). وهذا الحديث يقرر قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:٣٤].وفي (صحيح البخاري) أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: ((من حدثك أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل:٦٥])) (٢).

стр. 3142

فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جداً قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، فيقولون سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلم كما جاء في الحديث الشريف، وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فنوح لم يعلم أن ابنه ليس من أهله وأن زوجته على غير دينه، وإبراهيم لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلاً وقربه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة علماً أنهم قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف من القوم، وأما محمد ﷺ فقد حدث له مئات بل آلاف الوقائع التي تدل يقيناً أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه .. فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار شيطان وقال لخديجة لقد خفت على نفسي، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله .. ولم يدر بخلد النبي أنه سيؤذى ويخرج من مكة أبداً علماً بأن النبي ﷺ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة، وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقة وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله .. بل النبي محمد ﷺ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق .. فغدر المشركون بأربعين رجلاً من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ما يكون من أمر الله بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه لما أسلم لهم أصحابه وحبس المشركون يوماً وليلة في مكان ليس فيه ماء لأن السيدة عائشة ﵂ قد فقدت عقداً لها ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد السيدة عائشة الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي .. ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا -شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبها- .. ومكث رسول الله شهراً كاملاً لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيءاً .. ولم يستطع رسول الله ﷺ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء .. هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله وأكرم خلق الله من البشر على الله لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة .. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ١٤٣ - ١٤٥

стр. 3143

المبحث الثاني: الغيب في المعتقد الصوفي ولكن الصوفية منذ القدم .. منذ نشأتهم في الإسلام وإلى يومنا هذا عمدوا إلى هذا الأصل الأصيل من أصول الدين فهدموا بل اقتلعوا جذوره من قلوب من يسير في طريقهم وينتهج منهجهم هذا الأصل فهدموه جعله الله أول صفة في كتابه للمتقين حيث يقول ﵎ في سورة البقرة الثانية في القرآن بعد الفاتحة: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:١ - ٣] الآية. جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيباً إلا من الله ومن أقامه للأخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط، جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل فأقاموا شيئا سموه (الكشف الصوفي) وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعاً، وما في الأرض جميعاً، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي .. هكذا والله؛ وسيرى القارئ في هذا الفصل النقول من كتب القوم كلها تنص على أن الصوفي لا يقف أمامه حجاب، ولا يوصد أمامه باب، ولا يعجزه علم شيء في الأرض ولا في السماء. فهو يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح المحفوظ، وماذا في أم الكتاب، وماذا كان منذ الأزل وماذا سيكون إلى الأبد، لا أقول قد ساوى الصوفية أنفسهم بالأنبياء بالغيب أو ساووا أنفسهم بالخضر الذي يزعمون النقل عنه لا والله بل جعلوا كل زنديق منهم ممن لا وزن له في خلق ولا علم جعلوا هؤلاء هم الله علماً بكل شيء، وإحاطة بما في السماوات والأرض .. وسيرى القارئ أن أي زندقة وأي كفر في الأرض لم يجرؤ كاتبوه ومؤيدوه أن يكتبوا مثل هذا ولكن الصوفية سبقوا كل الكفار في كل الملل والنحل والأقوام وكتبوا بأقلامهم ما لم يجرؤ أحد بتاتاً أن يكتبه أو يسطره فيما علمناه من الكفرة والزنادقة والملاحدة ..

стр. 3144

لقد ترقى المتصوفة في قضية الكشف عندهم فزعموا أولاً أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى .. ، وأما هم فيلتقون بالرسول ﷺ يقظة أحياناً، ومناماً أحياناً ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم ثم ترقوا فقالوا إن لنا علوماً ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى ومحمد والأنبياء على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحساناً منه لمن أساء إليهم .. ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علوماً خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم .. والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن الخضر إتيان (الحمارة) والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء والإدعاء بأن كل مخلوق هو الله وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى بالله وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد هو الله المستوي على العرش .. هذه الأشياء قليلة جداً من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ﵇ هو مبلغ كل هذا لهم، وتارة يترقون في هذا الكذب أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ﷺ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفاً من الله رأساً وبلا وساطة وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأساً وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها .. ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم .. فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيراً ما هو موجود فعلاً في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائماً رأي العين، بل هي ساقطة أصلاً من عيونهم لأن النار وما النار، لو بصق أحدهم عليها لأطفأها كما قال أبو يزيد وغيره منهم .. وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط .. ولذلك قال قائلهم معيباً على الصحابة عندما قرأ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:١٥٢] قال .. أف .. أليس منكم أحد يريد الله .. وقال آخر عن قوله تعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:٥٥] قال .. ألهاهم عنه ..

стр. 3145

باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ﷺ وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علوماً كثيرة جداً لا يعلمها غيرهم .. وما هذه العلوم .. إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفاً وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف .. ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله .. فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقاً مما لدى الأنبياء .. وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئا نهي الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله .. هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها .. لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلاً أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلاً من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحياناً تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات ما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات، لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقاً أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقاً، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقاً وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقيناً وبذلك راجت يوماً بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة. وها نحن نورد بعد هذه المقدمة التي لا بد منها طائفة من النقول من كتب القوم المعتمدة التي تبين هذا الباطل الذي يدعونه ويسمونه كشفاً، وحقيقة، وعلماً لدنياً، وتحققاً واطلاعاً ليكون القارئ المسلم على بينه مما عليه هؤلاء الزنادقة. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص١٤٥ - ١٤٩

стр. 3146

المبحث الثالث: عبدالكريم الجيلي وكتابه (الإنسان الكامل) هذا عبدالكريم الجيلي يكتب كتابه (الإنسان الكامل) زاعماً أيضاً أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول: " .. ثم التمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئا في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه. وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكراً، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقاً بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم. واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه" (الإنسان الكامل ص٨). علماً بأنه لم يضع فيه شيئا مطلقاً وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئا في الأرض فما عبد إلا الله. بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب، والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وأستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته .. اللهم رحماك رحماك .. لقد قلت في كتابك عن الذين ادعوا الألوهية في عيسى وهو نبي كريم ونفس طيبة مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا [الكهف:٥] وقلت أيضاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:٩٠ - ٩٣] .. وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءاً منك، ومظهراً لك (ومجلى) -حسب عبارتهم- من مجإليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص: "وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح ( .. انظر) وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل" ثم يقول: "فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعاً للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلاً على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه (الدن: هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه) القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم) أ. هـ (ص٦).

стр. 3147

ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب: إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق .. هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحاً كاملاً في كتابه، وأضاف أن محمداً ﷺ هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي: قل يا محمد الإنسان هو الله أحد. فهاء الإشارة في (هو) راجع إلى فاعل قل وهو أنت .. فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد .. هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة. وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك: .. "الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي هو عين الإنسان قال الله تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الإنسان (الله أحد) فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتاً بيانياً إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء. قال الله تعالى (ولو ترى إذ وقفوا) ليس المراد به محمداً وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز. قال الله تعالى (والله هو الولي) يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى:٩] أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت: لي الملك في الدارين لم أرى فيهما ... سواي فأرجو فضله أو فأخشاه ولا قبل من قبلي فالحق شأنه ... ولا بعد من بعدي فأسبق معناه وقد حزت أنواع الكمال وإنني ... جمال جلال الكل ما أنا إلا هو فمهما ترى من معدن ونباته ... وحيوانه مع أنه وسجاياه ومهما ترى من عنصر وطبيعة ... ومن هباء الأصل طيب هيولاه ومهما ترى من أبحر وقفاره ... ومن شجر أو شاهق طال أعلاه ومهما ترى من صورة معنوية ... ومن شهد للعين طال محياه إلى أن يقول: فإني ذلك الكل والكل مشهدي ... أنا المتجلي في حقيقته لا هو" (ص٣١) ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيلياً في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص: الباب الملفى ستين: في الإنسان الكامل وأنه محمد ﷺ وأنه مقابل للحق والخلق.

стр. 3148

"اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الكنيسة مكان العبادة عند النصارى. والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار: وما الكلب والخنزير إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة) فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبدالله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية. ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ﵁ قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فلان في صورة فلان. وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقاً وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ . لما أعطاك الكشف أن محمداً ﷺ متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا لله وحاشا الرسول ﷺ أن يكون ذلك مرادي، بل إن رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملها ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم" أ. هـ. ثم يستطرد الجيلي حسب اعتقاده مبيناً كيف يكون محمد ﷺ إنساناً كاملاً، وإلهاً تحققت فيه كل مظاهر الربوبية والألوهية وتجلت فيه كل أسماء الله وصفاته .. ولما كان الله عند الجيلي ومن على طريقته من هؤلاء الزنادقة الملحدين هو هذه المخلوقات لا غير .. استطرد الجيلي مبيناً أن الكون الوجود في كل شيء منه مقابل للذات المحمدية. ففي ذات الرسول شبيه العرش والكرسي، والسماوات والأرض والملائكة والحيوان والنبات والجماد .. وسائر الموجودات التي هي في حقيقتها عند الجيلي هي الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً ..

стр. 3149

يقول الجيلي شارحاً ذلك: "واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه. فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته، فأول ما يبدو في مقابلته للحقائق الخلقية يقابل العرش بقلبه، قال ﷺ () قلب المؤمن من عرش الرحمن () (١)، ويقابل الكرسي بآنيته، ويقابل سدرة المنتهي بمقامه، ويقابل القلم الأعلى بعقله، ويقابل اللوح المحفوظ بنفسه، ويقابل العناصر بطبعه، ويقابل الهيولي بقابليته، ويقابل الهباء بحيز هيكله، ويقابل الفلك الأطلس برأيه، ويقابل الفلك المكوكب بمدركته، ويقابل السماء الخامسة بهمته، ويقابل السماء الرابعة بفهمه، ويقابل السماء الثالثة بخياله، ويقابل السماء الثانية بفكره، ويقابل السماء الأولى بحافظته، ثم يقابل زحل بالقوى اللامسة، ويقابل المشتري بالقوى الدافعة، ويقابل المريخ بالقوى المحركة، ويقابل الشمس بالقوى الناظرة، ويقابل الزهرة بالقوى المتلذذة، ويقابل عطارد بالقوى الشامة، ويقابل القمر بالقوى السامعة، ثم يقابل فلك النار بحرارته، ويقابل فلك الماء ببرودته، ويقابل فلك الهواء برطوبته، ويقابل فلك التراب بيبوسته، ثم يقابل الملائكة بخواطره، ويقابل الجن والشياطين بوسواسه، ويقابل البهائم بحيوانيته، ويقابل الأسد بالقوى الباطشة، ويقابل الثعلب بالقوى الماكرة، ويقابل الذئب بالقوى الخادعة، ويقابل القرد بالقوى الحاسدة، ويقابل الفأر بالقوى الحريصة، وقس على ذلك باقي قواه، ثم إنه يقابل النار بالمادة الصفراوية، ويقابل الماء بالمادة البلغمية، ويقابل الريح بالمادة الدموية، ويقابل التراب بالمادة السوداوية، ثم يقابل السبعة أبحر بريقه ومخاطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه وبوله والسامع المحيط، وهو المادة الجارية بين الدم والعرق والجلد، منها تتفرع تلك الستة، ولكل واحد طعم، فحلو وحامض، ومر وممزوج، ومالح ونتن وطيب، ثم يقابل الجوهر بهويته وهي ذاته، ويقابل العرض بوصفه، ثم يقابل الجمادات بأنيابه، فإن الناب إذا بلغ وأخذ حده في البلوغ بقي شبه الجمادات لا يزيد ولا ينقص وإذا كسرته لا يلتحم بشيء، ثم يقابل النبات بشعره وظفره، ويقابل الحيوان بشهوانيته، ويقابل مثله من الآدميين ببشريته وصورته، ثم يقابل أجناس الناس، فيقابل الملك بروحه، ويقابل الوزير بنظره الفكري، ويقابل القاضي بعلمه المسموع، ورأيه المطبوع، ويقابل الشرطي بظنه، ويقابل الأعوان بعروقه وقواه جميعها، ويقابل المؤمنين بيقينه، ويقابل المشركين بشكه وريبه، فلا يزال يقابل كل حقيقة من حقائق الوجود برقيقة من رقائقه، فقد بينا فيما مضى من الأبواب خلق كل ملك مقرب من كل قوى من الإنسان الكامل، وبقي أن نتكلم عن مقابلة الأسماء والصفات. اعلم أن نسخة الحق تعالى كما أخبر ﷺ حيث قال: ((خلق الله آدم على صورة الرحمن)) (٢) وفي حديث آخر ((خلق الله آدم على صورته)) (٣) وذلك أن الله تعالى حي عليم قادر مريد سميع بصير متكلم، وكذلك الإنسان حي عليم .. الخ. ثم يقابل الهوية بالهوية، والإنية بالإنية، والذات بالذات، والكل بالكل، والشمول بالشمول، والخصوص بالخصوص، وله مقابلة أخرى يقابل الحق بحقائقه الذاتية، وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب في غير ما موضع، وأما هنا فلا يجوز لنا أن نترجم عنها، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها. ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية، والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضي الذاتي، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه لا بمرآة الاسم الله فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضاً مرآة الحق، فإن الحق تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه ولا صفاته إلا في الإنسان الكامل، وهذا معنى قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا [الأحزاب:٧٢] يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة، جهولاً بمقداره لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري" أ. هـ (المصدر السابق (ص٧٦،٧٧). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص١٤٩ - ١٥٦

стр. 3150

المبحث الرابع: ادعاء رؤية العوالم العلوية والسفلية ولا يتوقف هذا الهذيان الذي يطالعنا به الجيلي في كتابه لحظة واحدة فهو يزعم أنه قد كشفت له الحجب فرأى العالم عاليه وسافله وشاهد الملائكة جميعاً وخاطبهم والرسل والأنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: "وفي هذا المشهد (يعني بالمشهد اتصال الصوفي بأرواح المخلوقات التي وجدت في الحياة والتي لم توجد أيضاً لأن الأرواح في زعمه مخلوقة أبداً لا تفنى)، اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد (زبيد: مدينة من مدن اليمن المشهورة) بشهر ربيع الأول في سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين، والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد" (انظر) ويستطرد قائلاً "وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه" (ص٩٧ ج٢). ويستطرد الجيلي في هذيانه وكفرياته قائلاً عن مشاهداته المزعومة في خلق السماء الثانية: "رأيت نوحاً ﵇ في هذه السماء جالساً على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلمت عليه وتمثلت بين يديه فرد علي السلام ورحب بي وقام". إلى أن يقول: "وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان" (ص١٠٠) أ. هـ. ويستطرد الجيلي مبيناً مشاهداته المزعومة في السماء الثالثة وأنه رأى يوسف ﵇ وأنه دار بينهما هذا الحديث الذي يزعم الجيلي في آخره أنه كان يعلم هذه العلوم التي أخبره يوسف بها قبل أن يتفوه بها يوسف. وما هذه العلوم .. إنها هذه الكفريات والهذيانات نفسها وهذا نص عبارته في ذلك: "اجتمعت في هذه السماء مع يوسف ﵇، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفاً عن رمز الأنوار عالماً بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار متحققاً بأمر المعاني، مجاوزاً عن قيد الماء والأواني فسلمت إلى تحية وافد إليه فأجاب وحياً ثم رحب بي وبيا، فقلت له: سيدي أسألك عن قولك رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:١٠١] أي المملكتين تعني وعن تأويل أي الأحاديث تكنى فقال: أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية (يعني أن يوسف ﵇ أجابه بأن الله أطلعه عل وجود الرحمن في كيان الإنسان) وتأويل الأحاديث: الأمانات الدائرة في الألسنة الحيوانية، فقلت له يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللاً من البيان والتصريح. فقال: اعلم أن للحق تعالى أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد، قلت: كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة، فقال: ذلك وصفه وهذا شأنه وذاك حكمه وهذه عبارته، والأمانة يجعلها الجأهل في اللسان ويحملها العالم في السر والجنان، والكل في حيرة عنه، ولم يفز غير العارف بشيء منه، فقلت: وكيف ذلك. فقال: اعلم أيدك الله وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات (يعني أن سر الخلق قد صحبه الله في أسرار العبارات التي يوحيها إلي)، فهي ملقاة في الطريق دائرة على ألسن الفريق، يجهل العام إشارتها، ويعرف الخاص ما سكن عبارتها، فيؤولها على حسب المقتضى ويؤول بها إلى حيث المرتضى، وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلاً بهذا التحقيق، ثم تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق" أ. هـ (ص١٠١).

стр. 3151

ثم يزعم الجيلي أن السماء الرابعة هي قلب الشمس وأن فيها إدريس وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس .. وغيرهم .. الخ. أسمعتم يا مسلمون نبياً من أنبياء الله يسمى جرجيس، .. ها هو الجيلي اطلع عليه في السماء وجاءكم باسمه كما جاءكم باسم ملك يسمى توحائيل .. أنظرتم كيف يكون الكشف وعلم الغيب. هذه هي نماذجه. وأما السماء الخامسة عند الجيلي فهي سماء الكوكب المسمى بهرام .. وحاكم هذه السماء عزرائيل وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ .. (هكذا والله .. ) ويستطرد الجيلي فيصف السماء السادسة فهي عنده كوكب المشتري .. ويقول "رأيت فيها موسى ﵇ متمكناً في هذا المقام واضعاً قدمه على هذه السماء قابضاً بيمينه (يلاحظ في هذا التخليط والتقول على الله أن هؤلاء الكاذبين يعمدون إلى الوحي القرآني والحديثي فيأخذون منه ما يشاءون ويخلطونه بهذه الأكاذيب ويزعمون أن ذلك هو الكشف الذي كشف لهم فذكر منصبة موسى على ساق سدرة المنتهي مأخوذ من قول الرسول ﷺ أكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بساق العرش) ساق سدرة المنتهي سكران من خمر تجلي الربوبية .. " أي موسى انطبعت في مرآة علمه أشكال الأكوان وتجلت فيه ربوبية الملك الديان .. وأنه دار بينه وبين الجيلي هذا الحوار .. يقول الجيلي بالنص: "فوقفت متأدباً بين يديه، وسلمت بتحقيق مرتبته عليه، فرفع رأسه من سكرة الأزل ورحب بي ثم أهل، فقلت له: يا سيدي قد أخبر الناطق بالجواب الصادق في الخطاب، أنه قد برزت لك خلعة لن تراني من ذلك الجناب، وحالتك هذه غير حالة أهل الحجاب، فأخبرني بحقيقة هذا الأمر العجاب، فقال: اعلم أنني لما خرجت من مصر أرضي إلى حقيقة فرضي، ونوديت من طور قلبي بلسان ربي من جانب شجرة الأحدية في الوادي المقدس بأنوار الأزلية إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤] فلما عبدته كما أمر في الأشياء، وأثنيت عليه بما يستحقه من الصفات والأسماء تجلت أنوار الربوبية لي فأخذني عني، فطلبت البقاء في مقام اللقاء، ومحال أن يثبت المحدث لظهور القديم، فنادى لسان سري مترجماً عن ذلك الأمر العظيم، فقلت: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:١٤٣] فأدخل بانيتي في حضرة القدس عليك فسمعت الجواب من ذلك الجناب لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إلى الْجَبَلِ [الأعراف:١٤٣] وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ بعد أن أظهر القديم سلطانه فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف:١٤٣] وجذبتني حقيقة الأزل وظهر القديم على المحدث جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا ً [الأعراف:١٤٣] فلم يبق في القديم إلا القديم، ولم يتجل بالعظمة إلا العظيم، هذا على أن استيفاؤه غير ممكن وحصره غير جائز، فلا تدرك ماهيته ولا ترى ولا يعلم كنهه ولا يدري، فلما اطلع ترجمان الأزل على هذا الخطاب أخبركم به من أم الكتاب (أي أن الجيلي اطلع على هذه المكاشفة من أم الكتاب) فترجم بالحق والصواب، ثم تركته وانصرفت وقد اغترفت من بحره ما اغترفت (ص١٠٤) أ. هـ.

стр. 3152

ويستطرد الجيلي مبيناً مشاهداته في هذه السماء فيقول: "ثم إني رأيت ملائكة هذه السماء مخلوقة على سائر أنواع الحيوانات فمنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الطائر وله أجنحة لا تنحصر للحاصر، وعبادة هذا النوع خدمة الأسرار ورفعها من حضيض الظلمة إلى عالم الأنوار، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الخيول المسومة، وعبادة هذه الطائفة المكرمة رفع القلوب من سجن الشهادة إلى فضاء الغيوب، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة النجائب وفي صورة الركائب، وعبادة هذا النوع رفع النفوس إلى عالم المعاني من عالم المحسوس، ومنه من خلقه الله تعالى على هيئة البغال والحمير!! وعبادة هذا النوع رفع الحقير وجبر الكسير والعبور من القليل إلى الكثير ومنهم من خلقه الله تعالى على صرة الإنسان وعبادة هؤلاء حفظ قواعد الأديان، ومنهم من خلق على صفة بسائط الجواهر والأعراض وعبادة هؤلاء إيصال الصحة إلى الأجسام المراض، ومنهم من خلق على أنواع الحبوب والمياه وسائر المأكولات والمشروبات، وعبادة هؤلاء إيصال الأرزاق إلى مرزوقها من سائر المخلوقات، ثم إني رأيت في هذه السماء ملائكة مخلوقة بحكم الاختلاط مزجاً، فالنصف من نار والنصف من ماء عقد ثلجاً، فلا الماء يفعل في إطفاء النار ولا النار تغير الماء عن ذلك القرار" (ص١٠٥). وأما السماء السابعة التي شاهدها الجيلي وجاء يقص علينا مشاهداته فهي السماء السابعة، وهي عنده زحل، ويحكى أنه شاهد فيها إبراهيم ﵇ قائماً في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [إبراهيم:٣٩]. ويستطرد الجيلي بعد ذلك تبجحاً أنه صعد إلى سدرة المنتهي وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة، ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبدالله .. وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم -هكذا .. علماً بأن الله يقول في محكم كتابه فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر:٣٠ - ٣١]. فأكد الله سبحانه سجود الملائكة بكل وجميع ولكن جاءنا الجيلي ليخبرنا بأن الملائكة هؤلاء الذين شاهدهم في السماء لم يؤمروا بالسجود لآدم فاكتشف ما لم يعلمه الله ورسوله. وهذا نص عبارته في ذلك: "ثم رأيت سبعة جملة هذه المائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيين، ورأيت ثلاثة مقدمين على هذه السبعة يسمون بأهل المراتب والتمكين، ورأيت واحداً مقدماً على جميعهم يسمى عبدالله، وكل هؤلاء عالون ممن لم يؤمروا بالسجود لآدم، ومن فوقهم كالملك المسمى بالنون والملك المسمى بالقلم وأمثالهم أيضاً عالون، وبقية ملائكة القرب دونهم، وتحتهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (ليس في ملائكة الله ملك يسمى عزرائيل ولم يثبت ذلك في حديث صحيح أو ضعيف ولكنه اسم يجري على ألسنة العامة، ولكن هؤلاء الجهلة يلتقطون مثل هذه الأسماء ويجعلونها كشفاً وعلماً لدنياً وروحياً وإلهاماً لهم فانظر وتعجب .. ) وأمثالهم. ورأيت في هذا الفلك من العجائب والغرائب ما لا يسعنا شرحه" (ص١٠٧).

стр. 3153

ولا يكتفي الجيلي ببيان كفرياته وهذيانه في السماء فينتقل إلى الأرض وهي عنده ليست أرضاً واحدة بل هو يزعم أنه شاهد سبعة أرضين وسبعة بحار ومحيطات وهاك بعضاً من هذا الهذيان الذي يزعم فيه الجيلي أنه رأى فيه الخضر وموسى، وأفلاطون وأرسطو والاسكندر، إلى هذيان وكفر لا يسع المؤمن عند سماعه وقراءته إلا أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) وأن يقول أيضاً (الحمد لله الذي عافانا وما علينا ووقانا) وهاك أخي القارئ شيئا من هذا الهذيان: "إن الله تعالى لما بسط الأرض جعلها على قرني ثور يسمى البرهوت وجعل الثور على ظهر الحوت في هذا البحر يسمى البهموت، وهو الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:٦] ومجمع البحرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى ﵇ بالخضر على شطه، لأن الله تعالى كان قد وعده بأن يجتمع بعبد من عباده على مجمع البحرين، فلما ذهب موسى وفتاه حاملاً لغذائه ووصلا إلى مجمع البحرين لم يعرفه موسى ﵇ إلا بالحوت الذي نسيه الفتى على الصخرة وكان البحر مداً، فلما جزر بلغ الماء إلى الصخرة فصارت حقيقة الحياة في الحوت، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فعجب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار، وهذا الفتى اسمه يوشع بن نون، وهو أكبر من موسى ﵇ في السن سنة شمسية وقصتهما مشهورة، وقد فصلنا ذلك في رسالتنا الموسومة (بمسامرة الخليل ومسايرة الصحيب) فليتأمل فيه. سافر الإسكندرية ليشرب من هذا الماء اعتماداً على كل كلام أفلاطون أن من شرب من ماء الحياة فإنه لا يموت، لأن أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل وشرب من هذا البحر فهو باق إلى يومنا هذا في جبل يسمى دواوند، وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الاسكندر صحب الاسكندر في مسيره إلى مجمع البحرين، فلما وصل إلى أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون في مدينة تسمى ثُبُتْ برفع الثاء المثلثة والباء الموحدة وإسكان التاء المثناة من فوق وهو حد ما تطلع الشمس عليه، وكان في جملة من صحب الاسكندر من عسكر الخضر ﵇، فساروا مدة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر، وكلما نزلوا منزلاً شربوا من الماء، فلما ملوا من طول السفر أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام العسكر، وقد كانوا مروا بمجمع البحرين على طريقهم من غير أن يشعروا به، فما أقاموا عنده ولا نزلوا به لعدم العلامة، وكان الخضر ﵇ قد ألهم بأن أخذ طيراً فذبحه وربطه على ساقه، فكان يمشي ورجله في الماء، فلما بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه، فأقام عنده وشرب من ذلك الماء واغتسل منه وسبح فيه، فكتمه عن الاسكندر وكتم أمره إلى أن خرج، فلما نظر أرسطو إلى الخضر ﵇ علم أنه قد فاز من دونهم بذلك، فلزم خدمته إلى أن مات واستفاد من الخضر هو والاسكندر علوماً جمة" (ص١١٧). ويستطرد الجيلي شارحاً له عن طريق كشوفاته وهذيانه فيقول: " .. واعلم أن الخضر ﵇ قد مضى ذكره فيما تقدم، خلقه الله تعالى من حقيقته وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر:٢٩] فهو روح الله، فلهذا عاش إلى يوم القيامة، اجتمعت به وسألته، ومنه أروي جميع ما في هذا البحر المحيط (جميع الصوفية يزعمون أن كل ما ينقلونه من علومهم يسمعونه من الخضر، وقد زاد الجيلي أن الخضر مخلوق من روح الله .. ولا يعلم هذا الجأهل أن آدم هو الذي أمر الله جبريل أن ينفخ فيه وجبريل هو روح الله وليس الخضر خلقاً خاصاً).

стр. 3154

واعلم أن هذا البحر المحيط المذكور، وما كان منه منفصلاً عن جبل (ق) مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المذكور، وما كان منه متصلاً بالجبل فهو وراء المالح، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة وما كان من وراء جبل (ق) متصلاً بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر، وهو من الطعم كالسم القاتل، ومن شرب منه قطرة هلك، وفني لوقته، وما كان منه وراء الجبل يحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح ولا يبلغه أحد، بل وقع به الأخبار، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم. وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأذفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمى، رأيت على ساحل هذا البحر رجالاً مؤمنين، ليس لهم عبادة إلا تقريب الخلق إلى الحق، قد جبلوا على ذلك، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف الله بقدر معاشرتهم، وتقرب إلى الله بقدر مسايرتهم، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار، إذا أرادوا السفر في هذا البحر نصبوا شركاً لحيتانه، فإذا اصطادوا ركبوا عليها لأن مراكب هذا البحر حيتانه، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه، ولكنهم عند أن يستووا على ظهر هذا الحوت ينتعشون بطيب رائحة البحر فيغمى عليهم، فلا يفيقون إلى أنفسهم، ولا يرجعون إلى محسوسهم ما داموا راكبين في هذا البحر، فتسير بهم الحيتان إلى أن يأخذوا حدها من الساحل، فتقذف بهم في منزل من تلك المنازل، فإذا وصلوا إلى البر وخرجوا من ذلك البحر، رجعت إليهم عقولهم، وبان لهم محصولهم فيظفرون بعجائب وغرائب لا تحصر، أقل ما يعبر عنها، بأنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (ص١١٨). وفي ختام هذا الهذيان يقول الجيلي: "وأما البحر السابع فهو الأسود القاطع، لا يعرف سكانه، ولا يعلم حيتانه، فهو مستحيل الوصول غير ممكن الحصول، لأنه وراء الأطوار وآخر الأكوار والأدوار، لا نهاية لعجائبه، ولا آخر لغرائبه، قصر عنه المدى فطال، وزاد على العجائب حتى كأنه المحال، فهو بحر الذات الذي حارت دونه الصفات، وهو المعدوم الموجود والموسوم والمفقود والمعلوم والمجهول والمنقول والمحتوم والمعقول، وجوده فقدانه، أوله محيط بآخره وباطنه مستو على ظاهره، لا يدرك ما فيه، ولا يعلمه أحد فيستوفيه، فلنقبض العنان عن الخوض فيه والبيان وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:٤] وعليه التكلان" (ص١١٨) أ. هـ. وهكذا يكون الهذيان مختوماً بقوله تعالى وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:٤] .. أعرفتم الحق الذي يدعونا إليه الجيلي ومن على شاكلته من هؤلاء الملاحدة والزنادقة؟ إنه هذا الهذيان الذي لا أول له ولا آخر. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص١٥٦ - ١٦٤

стр. 3155

المبحث الخامس: ما الذي يريده هؤلاء الملاحدة ؟! وقد يسأل سائل: وما الذي يريده هؤلاء من تأليف هذه الكتب، ونشر هذا الجنون والهذيان؟! ولست أنا الذي سأجيب عن هذا السؤال، وإنما سأثبت الجواب من كلام الجيلي نفسه. إنه يقول بالنص:"اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على ذلك مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا هو يعبد الله بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع لله تعالى، لقوله تعالى للسماوات والأرض اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] وليس المراد بالسماوات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانه. وقال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] ثم شهد لهم النبي ﷺ أنهم يعبدونه بقوله ((كل ميسر لما خلق له)) (١) لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته وهم ميسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجل باسمه المضل، كما هو متجل باسمه الهادي، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم. واختلاف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة:٢١٣] يعني عباد الله مجبولون على طاعته من حيث الفطرة الأصلية، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه المضل، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب. ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر، وهذا معنى قوله مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:٥٦] فهو الفاعل بهم على حسب ما يريد مريده، وهو عين ما اقتضته صفاته، فهو يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك، بل هو يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله، فكل من في الوجود عابد لله تعالى، مطيع لقوله تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:٤٤] لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحوداً وغير ذلك، فلا يفقهه كل أحد، ثم إن النفي إنما وقع على الجملة، فصح أن يفقهه البعض؛ فقوله وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ يعني من حيث الجملة، فيجوز أن يفقهه بعضهم" (ص١٢٠). وبعد أن يذكر الجيلي طوائف الناس ومللهم يقول: "فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد لأنه خلقهم لنفسه لا لهم فهم له كما يستحق ثم إنه أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف" (ص١٢٢). ويشرح هذا المعنى تفصيلياً فيقول:
следующие страницы →