← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

إن هذا المفتري لم يترك فرية من الفرى والأكاذيب التي افتراها من قبله على هذا الطريق الهالك طريق التصوف إلا افتراها هو لنفسه فقد زعم هنا أيضاً أن الله ينزل الفيوض (العلوم الغيبية) على الرسول محمد وأن الرسول محمد هو الذي يفاض منه على سائر الأنبياء، ثم يفاض من الأنبياء جميعاً على شخص أحمد التيجاني فقط الذي يقوم بإمداد جميع الأولياء. بعد ذلك بهذه العلوم منذ خلق آدم وحتى النفخ في الصور!! انظر إلى هذا الكذب الملفق ما أعظمه وأشنعه. لقد افترى الفرية رجال قبله فلم يهدأ له بال حتى نسب ذلك إلى نفسه. انظر هنا إلى النص الآتي كيف يناقش من يذكر أمامه فضيلة من الفضائل المزعومة أيضاً لشيخ من شيوخ التصوف. قال صاحب (الرماح) أيضاً ما نصه: "ومدده الخاص به (يعني الشيخ التجاني) إنما يتلقاه منه ﷺ ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشرباً معهم منه ﷺ قال ﵁ وأرضاه وعنا به مشيراً بإصبعه السبابة والوسطى روحي وروحه ﷺ هكذا، روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد وسبب ذلك أن بعض أصحابه تحاور مع بعض الناس في قوله ﵁ وأرضاه وعنا به كل شيوخ أخذوا عني في الغيب فحكي له ذلك فأجاب ﵁ وأرضاه وعنا به ما ذكر. وقال: نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب وقال الشيخ عبدالقادر الجيلاني قال قدمي هذا (كذا) على رقبة كل ولي لله تعالى يعني أهل عصره وأما أنا فقدماي هاتان جميعها (وكان متكئاً فجلس وقال) على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور" أ. هـ .. فانظر هذا الكذب والإفتراء. فإذا كان الجيلاني قد نسب إليه قوله مفصلاً لنفسه: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى!! فإن التيجاني لم يهدأ باله حتى فسر كلام الجيلاني بأن هذا في وقته فقط وأما هو فقدماه على رقبة كل ولي لله تعالى من خلق آدم إلى النفخ في الصور!! فانظر إلى هؤلاء الذين يدوسون بأقدامهم على أولياء الله تعالى ويفضلون أنفسهم على هذا النحو. وهذه الكلمات منهم إن دلت على شيء فإنما تدل على مقدار الوقاحة والكذب الذي تحلى به هؤلاء، وعلى مقدار الجهل والفساد والتردي الذي وصلت إليه الأمة بأن تجعل أمثال هؤلاء المفترين الوقحين هم سادتها وقادتها ووسيلتها إلى الله وأن تملك رقابها وأموالها وعقولها لأمثال هؤلاء حيث يقودونهم إلى درب الغواية والضلال. وقد قسم الجيلاني هذا مراتب الأولياء والأنبياء إلى سبع مراتب سماها حضرات قال فيها: الحضرة الأولى: الحقيقة المحمدية. قال: وهذه الحضرة غيب من غيوب الله تعالى لم يطلع عليها أحد ولا عرف شيئا من علومها وأسرارها وتجلياتها وأخلاقها ولو كان من الرسل والأنبياء لأنها خاصة بالنبي ﷺ .

стр. 3257

والثانية الحضرة المحمدية وتمثلها الدائرة الثانية ومن هذه الحقيقة المحمدية مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين. والثالثة حضرة الأنبياء وتمثلها الدائرة الثالثة وأهل هذه الحضرة يتلقون علومهم وأحوالهم وتجلياتهم من هذه الحقيقة المحمدية وخاتم الأولياء أعني الشيخ التيجاني له مشرب من هذه الحضرة مع الأنبياء فهو يتلقى المدد رأساً من النبي ﷺ من حقيقته المحمدية بلا وساطة. الرابعة حضرة خاتم الأولياء وتمثلها الدائرة الرابعة وصاحب هذه الحضرة هو الشيخ أحمد التيجاني فهو يتلقى كل ما فاض من ذوات الأنبياء زيادة على ما يتلقاه بلا وساطة من الحقيقة المحمدية ولذلك سمى نفسه (برزخ البرازخ). وقال الشيخ التجاني: وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلى مشافهة لا يعلمها إلا الله بلا وساطة وقال: أنا سيد الأولياء كما كان النبي ﷺ سيد الأنبياء. ثم قال صاحب (الرماح) "ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص لأن له مشرباً معهم منه ﷺ "!!. الحضرة الخامسة حضرة المتبعين للطريقة التجانية المتمسكين بها. قال الشيخ التيجاني في حق أهل هذه الحضرة ما نصه "لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا يا ربنا ما أعطيتنا شيءاً". وقال الشيخ التيجاني لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا أصحاب رسول الله ﷺ . وقال الشيخ التجاني: كل الطرائق تدخل عليه (كذا) طريقتنا فتبطلها وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره وقال من ترك ورداً من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق أمنه الله في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات. وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به مصائب الدنيا وأخرى ولا يفلح أبداً (هامش: قلت فانظر كيف يهدم كل صاحب طريق صوفي طريق غيره من الكاذبين الضالين من أمثاله. واعتبر!!). ثم قال ناقلاً عن شيخه التيجاني كما هو في جواهر المعاني: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا إلا أنا وحدي. ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الدار الآخرة بشرى للمعتقد علي رغم أنف المنتقد. ثم استطرد صاحب (الرماح) ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين. الحضرة السادسة حضرة الأولياء وتمثلها الدائرة السادسة وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا (الهدية الهادية ص٣٦). انظر ماذا في هذه النصوص من الكفر الصريح والمخالفة الواضحة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمعلوم من الدين ضرورة أن من قال أنا في الجنة فهو في النار كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ لأن هذا غيب بعد رسول الله ﷺ وهؤلاء لم يدعو الجنة لأنفسهم فقط بل ادعوها لكل من صدق أكاذيبهم ولو كان فاجراً عاصياً لله زيادة على الكفر بتصديقهم كأن يكون تارك الصلاة زانياً .. وجعل التجانية هذا، أعني إدخاله العصاة إلى الجنة، فضلاً أعطاه الله إياه وبلغه الرسول بذلك. فانظر .. أقول: العجيب بعد كل هذا الكفر البواح المخرج من ملة الإسلام أن يدعي المدعي أن طريقته هذه مبنية على الكتاب والسنة وأنه لم يأت قط بما يخالفها فانظر هذا التلبيس على الناس، وانظر أي فتنة فتن بها المسلمون بهذا الطريق الصوفي!؟ المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٦٣ - ٢٦٧

стр. 3258

المطلب الأول: الإسلام لم يأت بتقديس القبور والأضرحة إن تقديس القبور والأضرحة مفهوم لم يعرفه الإسلام ولو في إشارة يسيرة، بل جاءت نصوص الكتاب والسنة الثابتة بالنهي الصريح عن كل ذريعة تفضي إلى ذلك المفهوم الذي يمثل خطوة أولى على طريق الانحراف نحو الشرك؛ فمن الأقوال القاطعة لرسول الله ﷺ بما لا يدع مجالاً لتوهم نسخ أو تخصيص أو تقييد ما جاء عنه: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (١). وعنه ﷺ قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢) هذا في قبره الشريف وفي كل قبر. وعن علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ((أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته)) (٣). ((ونهي رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) (٤). وفي زيادة صحيحة لأبي داود: ((أو أن يكتب عليه)) (٥) ((ولعن المتخذين عليها (أي القبور) المساجد والسُرج)) (٦) وعلى ذلك سار سلفنا الصالح من صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، لا في الحجاز، ولا اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا خراسان، ولا المغرب، ولم يكن قد أحدث مشهد، لا على قبر نبي، ولا صاحب، ولا أحد من أهل البيت، ولا صالح أصلاً، بل عامة هذه المشاهد محدَثة بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبّسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة؛ فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القدّاحية في أرض المغرب، ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر (٧). المصدر: دمعة على التوحيد تهذيب عبد الباسط بن يوسف

стр. 3259

المطلب الثاني: تعامل الصحابة مع ما عرف من قبور الأنبياء أولاً: تعاملهم مع قبر النبي ﷺ : لقد صرحت عائشة ﵂ بأن الصحابة لم يبرزوا قبر النبي ﷺ خوفاً من أن يتخذ مسجداً لما تقرر عندهم أن ذلك منهي عنه، مخالف لسنة النبي ﷺ ، موافق لسنة اليهود والنصارى، ففي البخاري ومسلم من حديثهما ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت: فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " (١) وقال النووي في شرح هذا الحديث: " قال العلماء إنما نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ إلى أن أدخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: " ولولا ذلك لأبرز قبره "، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، والله أعلم بالصواب ". (٢) قلت: هذا الكلام من الإمام النووي ﵀، فيه رد على الذين يحتجون بكون قبر النبي في مسجده. وقد أورد السمهودي في (وفاء الوفاء) معارضة عروة بن الزبير وإنكاره لذلك فذكر عن عروة أنه قال: " نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبي ﷺ ألا يجعل في المسجد أشد المنازلة فأبى، وقال: كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه، قال قلت: فإن كان ولا بد فاجعلوا له حوجواً – قال السمهودي: أي وهو الموضع المزور خلف الحجرة ". (٣) وقال في نفس الصفحة: " ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زواه لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيه الصلاة من بين مسجد رسول الله ﷺ وذلك أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٤)، وقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) (٥) الحديث، قالوا والبناء الذي حول البيت، بيت رسول الله ﷺ بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان، ومما يلي المغرب ذراع، ومما يلي القبلة شبر، ومما يلي فضاء الشام فضاء كله، وفي الفضاء الذي يلي الشام مركن مكسور ومكيل خشب، قال عبد العزيز بن محمد يقال أن البنائين نسوه. (٦)

стр. 3260

ثانياً: تعاملهم مع قبر النبي دانيال ﵇ حين عثروا عليه: قال الإمام ابن كثير في تاريخه (١): " وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن أبي خلد بن دينار حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية، وقال: فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية ما كان فيه؟ قال: سيركم وأمركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لتعميته على الناس، فلا ينبشونه، قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟ قال منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع، وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية" ا. هـ. المراد من البداية والنهاية. قلت: فانظر إلى هدي الصحابة الذين يصدرون عن أمر نبيهم ﷺ وسنته، وهو القائل ((إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد)) (٢) وكيف وجدوا ذلك النبي فلم يتخذوه مزاراً، ولم يبنوا عليه مشهداً، ولم يقروا الفرس الذين كانوا يستسقون به، وإنما حسموا الأمر وغيبوا القبر وقطعوا عروق الفتنة به، ولو كانوا ممن قدوتهم اليهود لعظموا مكانه واتخذوا عليه مسجداً ومشهداً وجعلوا له زيارة سنوية كما هو الحال عند أصحابنا، ومما يزيد الأمر تأكيداً أن هدي الصحابة هو قطع التعلق بآثار الأنبياء والصالحين، قصة عمر ﵁ حينما رأى الناس ينتابون موضعاً للصلاة في طريق مكة فزجرهم عن ذلك. فعن المعرور بن سويد ﵀ قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب فعرض في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر ما شأنهم؟ فقالوا هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعاً، فمن عرضت له صلاة فليمض) (٣) رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن وضاح في كتابه (البدع والنهي عنها)، وقال شيخنا الألباني بإسناد صحيح على شرط الشيخين. (٤)

стр. 3261

فانظر إلى هذا وقارن بما تراه في زيارة هود أو غيرها كلما قيل عن مكان أن صالحاً صلى فيه أو جلس أو تعبد اتخذوا عليه مصلى مثلما اتخذها اليهود، (حتى أحدثوها بيعاً).ويؤكد ما أقوله كذلك قطع عمر للشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، قال الحافظ بن حجر في الفتح (ج٧ ص ٤٤٨): " ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت "، وقد وردت آثار رواها البخاري عن المسيب بن حزن أن الشجرة عميت على الصحابة فيحتمل أنها عميت على بعضهم وبقيت معروفة للبعض، كما ثبت عن جابر أنه قال: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها، ويحتمل أن الناس اتخذوا شجرة أي شجرة، وجعلوا يصلون عندها ويتبركون بها، ويؤيد هذا ما ثبت في البخاري عن طارق بن عبد الرحمن قال: " انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: حيث بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب وأخبرته، فقال: حدثني أبي وكان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، فقال: فلما خرجنا العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، قال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم!! فأنتم أعلم " (١) وإذا كان عمر قد قطع الشجرة فإن الناس بقوا يصلون في موضعها والله أعلم. وعلى كل حال فالشجرة قد اختفت إما بقدرة الله تعالى – وكانت رحمة من الله – كما قال ابن عمر فيما رواه البخاري (٢)، أو كانت على يد عمر بن الخطاب، وهذا يدل على أنه ليس من الإسلام في شيء البحث عن آثار الأنبياء والصالحين، وتعظيم الأماكن التي وقعت فيها الأحداث العظيمة وقد بين الحافظ الحكمة من خفاء تلك الشجرة بما يدل أنه رحمة من الله ينكر ما يفعله الجهال والمجهِّلون مما هو حاصل الآن وقبل الآن حول مآثر الصالحين، قال ﵀: " وبيان الحكمة في ذلك وهو ألا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن من تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها نفعاً أو ضراً كما نراه اليوم مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: " كانت رحمة " أي كان خفاؤها عليهم رحمة من الله تعالى. (٣)

стр. 3262

المطلب الثالث استمرار ما درج عليه الصحابة من الهدي في تسوية القبور والنهي عن تعظيمها إلى نهاية القرون المفضلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولم يكن في العصور المفضلة " مشاهد " على القبور، وإنما كثر بعد ذلك في دولة بني بويه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة، كمشهد علي ﵁ وأمثاله. (١) ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ما جاء في الأم (٢) وهو قول الشافعي ﵀: " ولم أرَ قبور المهاجرين والأنصار مجصصة، قال الروي عن طاووس: إن رسول الله ﷺ نهي أن تبنى القبور أو تجصص (قال الشافعي) وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها، فلم أرى الفقهاء يعيبون ذلك " ثم قال (٣): " وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه، قال وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولا يبقى دينان بأرض العرب)) (٤)، (قال) وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره – والله أعلم – أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد " انتهي محل الغرض منه، فهذا هو الحال في القرون المفضلة، وقد بقي كذلك عند العلماء والفقهاء، فلا تجد كتاب فقه صغيراً أو كبيراً إلا وينص على النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن تجصيصها والبناء عليها والكتابة عليها، وهذا هو الذي عليه التعويل، فكتب الفقه والحديث والتفسير والعقيدة هي كتب الهداية، وهي عمدة الناس، أما كتب التصوف، وكتب المناقب الكاذبة وكتب المؤصلين للخرافة فلا عبرة بها، وإن من حفظ الله لهذا الدين أنك تجد كتب الهداية المذكورة في الغالب خالية من البدع الشركية والكفرية، وكثير من البدع العملية، وإن كانت تمارس في الواقع لتبقى الحجة قائمة ... والله الموفق.

стр. 3263

المطلب الأول هدي اليهود والنصارى في اتخاذ القبور مساجد واستحقاقهم اللعن على ذلك وتحذير النبي ﷺ من فعلهم لا لبس ولا إشكال في أن اتخاذ القبور مساجد من هدي اليهود والنصارى، وبذلك صرح النبي ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما: فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت: " فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢) وعن عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه وهو يقول: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، تقول عائشة ﵂: " يحذر ما صنعوا)) (٣) وعنها ﵂ أيضاً قالت: لما كان مرض رسول الله ﷺ ، تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية، وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاويرها، قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه: فقال: ((أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). (٤) هذه أربعة أحاديث مخرجة في البخاري ومسلم تبين أن النبي ﷺ يلعن اليهود والنصارى بسبب أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فهي تدل لما ترجمنا له من اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتعظيمها من هدي اليهود والنصارى، وأنهم استحقوا على فعلهم ذلك اللعن من رسول الله ﷺ وقد قال الإمام الليث بن سعد ﵀ كما في مختصر اختلاف الفقهاء للجصاص (١/ ٤٠٧): " بنيان القبور ليس من حال المسلمين، وإنما هو من حال النصارى " بواسطة التعليق على كتاب البناء على القبور للمعلمي. (٥)

стр. 3264

المطلب الثاني: النهي عن التشبه باليهود والنصارى إذا ثبت عندنا أن البناء على القبور واتخاذها مساجد أنه من هدي اليهود والنصارى، فاعلم أننا منهيون عن مشابهتهم نهياً مؤكداً يلحق المتشبه بهم بأولئك الكافرين الملعونين على لسان رسول الله ﷺ : قال الله تعالى وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠]، وقد دلت السنة كذلك على تحريم التشبه باليهود والنصارى. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)) (١) وفي سنن أبي داوود والحاكم من حديث شداد ابن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خالفوا اليهود والنصارى فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)). (٢) ولكن برغم هذا التحذير من مشابهة أهل الكتاب إلا أن السنة الكونية قاضية بوقوع ذلك من هذه الأمة كما يتبين من هذا الحديث الذي أخرجه الترمذي ﵀ وأحمد من حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم)). (٣) وهذا هو الذي حصل ولا حول ولا قوة إلا بالله، تشبه القوم باليهود والنصارى وتركوا سنة نبيهم، ثم ذهبوا ينصبون الشبهات لتبرير فعلهم، نسأل الله أن يهدينا وإياهم، وأما أهل العلم فقد فهموا تلك الأحاديث على ما يليق بعلمهم وفضلهم، وبينوها للناس كما أوجب الله عليهم، وحذروا مما حذر منه رسول الله ﷺ ، قال الحافظ ابن رجب في كتابه (فتح الباري) شرح صحيح البخاري: " هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم وبناء المساجد على القبور بانفراده يحرم، كما دلت نصوص أخرى يأتي ذكر بعضها، قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرت أم حبيبة وأم سلمة، كانت على الحيطان ونحوها ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم وهو من الكبائر، وفاعله من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ".

стр. 3265

(١) وقال الحافظ ابن حجر: " وكأنه علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره، كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من فعل فعلهم ".

стр. 3266

المطلب الثالث: الرافضة هم أول من أحدث المشاهد المعظمة في الملة الإسلامية وغلوا في أصحابها حتى عبدت من دون الله تعالى مر بنا هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه والسلف الصالح في القرون المشهود لها بالخير، كيف كانت قبورهم وكيف كان هديهم في وضع المقابر، وكيف كانوا يبادرون إلى إنكار كل محدث ولو كان صغيراً، مما يؤدي إلى الانحراف عن ذلك المنهج، فكانوا يطمسون ما ارتفع من القبور، وينكرون على من خالف في ذلك، ويهدمون ما بني في المقابر من أبنية، واستمر ذلك الوضع إلى أواخر القرن الثالث، حيث ضعفت سلطة الخلفاء العباسيين وقوي النفوذ الرافضي والباطني، وعند ذلك أحدثت المشاهد على القبور، وانفتح هذا الباب الكبير من الشر على أمة الإسلام. وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك فقال: " ولم يكن في العصور المفضلة " مشاهد " على القبور، وإنما كثر بعد ذلك في دولة بني بُوَيْه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بُوَيْه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة كمشهد علي ﵁ وأمثاله " وقال في موضع آخر: " وظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد، وتعطيل المساجد ..... ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب، حتى صنف كبيرهم (ابن النعمان) كتاباً في (مناسك المشاهد) وكذبوا فيه على النبي ﷺ وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين الشرك والكذب ". (١) صدق شيخ الإسلام ﵀ وأهل التاريخ والآثار قد أقاموا البراهين على صدق ما يقول، فهذه الدكتورة المصرية سعاد ماهر – أستاذة العمارة الإسلامية بجامعة القاهرة – في موسوعتها الضخمة (مساجد مصر وأوليائها الصالحون) تثبت أن أوائل الأضرحة التي شيدت عليها المشاهد هي أضرحة الشيعة الرافضة، فيعد أن أثبتت أن أول ضريح في الإسلام أقيمت عليه قبة عرفت بقبة الصليبية، وأنها بنيت عام ٢٨٤ هـ على قبر الخليفة المنتصر العباسي، ونقلت عن الطبري أن أم الخليفة العباسي المنتصر استأذنت في بناء ضريح منفصل لولدها فأذن لها (إذ كانت العادة قبل ذلك أن يدفن الخليفة في قصره) وتلك الأم هي أم ولد نصرانية رومية، فهي بحكم عقيدتها وما تربت عليه من تعظيم القبور طلبت ذلك، وأجيبت إليه عندما تمكن نساء القصر من تسيير الحياة، وغلبن على الخلفاء في حال ضعفهم وانصرافهم إلى شهواتهم وملذاتهم، إذن فالتأثير النصراني ظاهر في إنشاء هذا المشهد. قالت: " ويليها من حيث التاريخ ضريح إسماعيل الساماني المبني سنة ٢٩٦هـ في مدينة بخارى، ثم ضريح الإمام علي في النجف الذي بناه الحمدانيون سنة ٣١٧ هـ ثم ضريح محمد بن موسى في مدينة قم بإيران سنة ٣٦٦هـ، ثم ضريح السبع بنات في الفسطاط سنة ٤٠٠هـ (ج١ ص ٤٦) وهذا الترتيب قد ذكره غير واحد من المستشرقين والباحثين في الآثار والعمارة الإسلامية.

стр. 3267

وكل الذين ذكَرَتْهم إما متأثرون بالرافضة كالخليفة العباسي المنتصر مع تأثير أمه النصرانية في ذلك، أو هم في دولة شيعية، وإن قيل إن إسماعيل المذكور رجع إلى السنة، فالعبرة بالجو العام وليس بالفرد المتوفى الذي لم يعط له اختيار بحكم البيئة، وهكذا الدولة الحمدانية دولة رافضية معروفة وأهل قم معروفون بالرفض ومدينتهم من المدن المقدسة عند الرافضة، وضريح السبع بنات في عصر الدولة الفاطمية الباطنية، فثبت بهذا ما قاله شيخ الإسلام ﵀ من أن الشيعة هم الذين جلبوا القبورية إلى أمة الإسلام، وفتحوا باب الشرك والوثنية فيها، وعندنا في اليمن ابتدأت المشاهد المعظمة ودفن الأموات في المساجد في عهد الدولة الصليحية الإسماعيلية الباطنية، التي هي امتداد لدولة الفاطميين في مصر، فمن أوائل المشاهد هنا مشهد الرأسين في زبيد، ومشهد الصليحي علي بن محمد في صنعاء، ومشهد الملكة السيدة بنت أحمد في جبلة. فهذه قصة انتشار المشاهد في اليمن وبداية القبورية الوثنية كانت على أيدي أحفاد عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أنشأ أول فرقة شيعية غالية في الإسلام تؤله البشر، وأحفاد ميمون القداح اليهودي كذلك الذي أنشأ الدولة الإسماعيلية الباطنية ذات الأصول اليهودية والتي عرفت باسم الدولة الفاطمية، فمن يا ترى ينبغي له أن يكون قدوتنا في ذلك محمد رسول الله ﷺ والذين معه من أصحابه، والذين اتبعوهم بإحسان من أئمة الدين وعلماء الملة أم اليهود الظاهرون واليهود المستترون كابن سبأ وميمون القداح ومن سلك سبيلهم الغالي؟!! بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:٥٠]. المصدر: زيارة هود ﵇ وما فيها من ضلالات ومنكرات لأحمد بن حسن المعلم - ص ٤٥ - ٦١

стр. 3268

المبحث الثالث: واقع القبورية في العالم الإسلامي في غفلة الأمة عن حقيقة دينها نبتت شبكة واسعة من القبور والأضرحة المقدسة! عمت معظم أنحاء العالم الإسلامي، بل إن بعض الباحثين يقدر عدد الأضرحة في القطر الذي يعيش فيه بما لا يقل عن عدد المدن والقرى في هذا القطر، حيث يقول: وأضرحة الأولياء التي تنتشر في مدن مصر ونحو ستة آلاف قرية؛ هي مراكز لإقامة الموالد للمريدين والمحبين، ويمكننا القول: إنه من الصعب أن نجد يوماً على مدار السنة ليس فيه احتفال بمولد ولي في مكان ما بمصر (١)، بل أصبحت القرى التي تخلو من الأضرحة مثار تندر وتهكم سدنة الأضرحة، فقد ذكر الدكتور زكريا سليمان بيومي أن القرى التي تخلو من أضرحة الأولياء أطلق المشايخ أمثلة شعبية على بخل هذه القرى وخلوها من البركة ما زالت سارية بين الناس حتى الآن! (٢). ولكي ندرك حجم المأساة أكثر سنورد بعض ما تيسر من نماذج توضح حجم انتشار هذه الأضرحة في بعض بقاع العالم الإسلامي، وبالطبع، فليس من بلد به ضريح إلا وله مريدون ممن يعتقدون فيه. فمن بين ألوف الأضرحة المنسوبة إلى الأنبياء والصحابة والأولياء في العالم الإسلامي يشتهر في مصر من بين أكثر من ستة آلاف ضريح - على تقدير ما سبق - أكثر من ألف ضريح. ويذكر صاحب (الخطط التوفيقية) علي باشا مبارك: أن الموجود في زمنه في القاهرة وحدها مئتان وأربعة وتسعون ضريحاً، أما خارج القاهرة فيوجد على سبيل المثال في مركز فوّة ٨١ ضريحاً، وفي مركز طلخا ٥٤، وفي مركز دسوق ٨٤، وفي مركز تلا ١٣٣، وهي الأضرحة التابعة للمجلس الصوفي الأعلى، بخلاف الأضرحة التابعة للأوقاف أو غير المقيدة بالمجلس الصوفي، كما يوجد في أسوان أحد المشاهد يسمى مشهد "السبعة وسبعين ولياً". وتنقسم الأضرحة إلى كبرى وصغرى، وكلما فخم البناء واتسع وذاع صيت صاحبه زاد اعتباره وكثر زواره. فمن الأضرحة الكبرى في القاهرة: ضريح الحسين، وضريح السيدة زينب، وضريح السيدة عائشة، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح الإمام الشافعي، وضريح الليث بن سعد وخارج القاهرة تشتهر أضرحة: البدوي بطنطا، وإبراهيم الدسوقي بدسوق، وأبي العباس المرسي بالإسكندرية، وأبي الدرداء بها أيضاً، وأبي الحسن الشاذلي بقرية حميثرة بمحافظة البحر الأحمر، وأحمد رضوان بقرية البغدادي بالقرب من الأقصر، وأبي الحجاج الأقصري بالأقصر أيضاً، وعبد الرحيم القنائي بقنا ... . السودان: وهكذا الحال في السودان، فالقباب والأضرحة في السودان على قسمين: قباب تبنى في مقابر المسلمين العامة، حيث تبدو القبة شاهقة وسط القبور. قباب تبنى في المساجد، أو تبنى عليها المساجد، وقد تكون في قبلة المسجد، أو في الخلف، أو في أحد جوانبه. ومن أشهر القباب والأضرحة في السودان: قبة الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني "شيخ الطريقة البرهانية" بالخرطوم السوق الشعبي. قبة الشيخ قريب الله، بأم درمان، ودنوباوي. قبة الشيخ دفع الله الصائم ديمة، بأم درمان أميدة. قبة الشيخ حسن ود حسّونة، بالخرطوم بحري. قبة الشيخ دفع الله الفرقان، بأم درمان، جنوب السوق. قبة الشيخ أبو زيد، بأم درمان، سوق ليبيا. قبة الشيخ حمد النيل، بأم درمان. قبة الشيخ محمد بن عبد الله كريم الدين (شيخ الطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية). قبة الشيخ إبراهيم ود بَلاّل، بالقطينة. قبة الشيخ الطيب ود السايح، بأبي شنيب، قرب الحداحيد. قبة الشيخ حمد ود أم مريوم، بالخرطوم بحري، حي حِلّة حمد. قبة الشيخ خوجلي أبو الجاز، بالخرطوم بحري، حلة خوجلي. قبة الشيخ صديق ود بُساطي، غرب النيل الأبيض.

стр. 3269

قبة الشيخ طه الأبيض البطحاني، بشمال الجزيرة. قبة الشيخ الطريفي ود الشيخ يوسف، بأبي حراز. قبة الشيخ عبد الرحيم ود الشيخ محمد يونس، بأبي حراز. وجدير بالذكر أن منطقة أبي حراز بها ما يقارب ٣٦ قبة، من أشهرها إضافة إلى ما سبق: قبة الشيخ أحمد الريح، وقبة الشيخ دفع الله المصوبن (أبو النعلين). وقد لوحظ على بعض القباب أنها حظيت برعاية بعض القادة السياسيين، مثل قبة الشيخ يوسف أبو سترة، التي شيدت برعاية الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وكذلك قبة الشيخ مدني السني، بمدينة ود مدني. كما لوحظ أيضاً عدم اقتصار اتخاذ القباب على قبور المعظمين في المسلمين، بل من شدة الجهل والغفلة اتخذت قبة على مقبرة (الرفيق) الصيني الشيوعي يانغ تشي تشنغ، في ود مدني. ولوحظ كذلك أن بعض هذه القباب يتوسط المساكن. أما في إريتريا: فمن أشهر الأضرحة التي يرتادها الناس: ضريح الشيخ بن علي بقرية (أم بيرم) القريبة من مدينة مصوع الميناء الرئيس لإريتريا. ضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية بمدينة مصوع، وعلى كل من هذين القبرين مبنى مستقل على شكل مكعب ومغطى بالقماش مثل الكعبة، وفي كل زاوية منه خشبة مستديرة الشكل يتبرك بها بعد الانتهاء من الطواف بالقبر! ضريح الشيخ جمال الأنصاري، وله وقت مخصص لزيارته، وإن كانت أهميته لدى الناس أقل من سابقيه. ضريح جعفر، وقد بني عليه مسجد، ويقوم المصلون في المسجد بزيارته بعد كل صلاة مفروضة. ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو ضريح وهمي في قرية (حوطيت) بالقرب من مدينة جندع على ساحل البحر الأحمر. ضريح الشيخ الأمين المقام في أحد مساجد مدينة (أسمرا) العاصمة. ضريح سيدي هاشم في مدينة (كرن) التي تقع على الساحل الجنوبي من إريتريا، وهو يعتبر من أكبر المشاهد التي يقصدها الناس من أنحاء عديدة في البلاد، بل ومن الدول المجاورة كالسودان. ضريح أحمد النجاشي في (عدي قرات) التي تقع على الحدود الإريترية الإثيوبية، وله يوم محدد (مولد) يقصده الناس فيه من أنحاء إريتريا وإثيوبيا. أما في الشام: فقد أحصى عبد الرحمن بك سامي سنة (١٨٩٠م) في دمشق وحدها ١٩٤ ضريحاً ومزاراً، بينما عد نعمان قسطالي المشهور منها ٤٤ ضريحاً، وذكر أنه منسوب للصحابة أكثر من سبعة وعشرين قبراً، لكل واحد منها قبة ويزار ويتبرك به. وفي الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية كان يوجد ٤٨١ جامعاً يكاد لا يخلو جامع فيها من ضريح، أشهرها الجامع الذي بني على القبر المنسوب إلى أبي أيوب الأنصاري في الآستانة (القسطنطينية). وفي الهند يوجد أكثر من مئة وخمسين ضريحاً مشهوراً يؤمها الآلاف من الناس. وفي بغداد كان يوجد أكثر من مئة وخمسين جامعاً في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقلّ أن يخلو جامع منها من ضريح. وفي الموصل يوجد أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً كلها داخل جوامع، وهذا كله بخلاف الأضرحة الموجودة في المساجد والأضرحة المفردة. وهكذا كان الأمر في جزيرة العرب قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. وفي معظم مناطق أوزبكستان كثير من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة والمشايخ ورجال العلم والأولياء، وأصبحت هذه القبور مزارات يفد إليها مريدوها جماعات وأفراداً، يدعون ويبكون، ومن أهم تلك المزارات: ضريح قثم بن العباس ابن عم الرسول ﷺ في سمرقند، وضريح الإمام البخاري في قرية خرتنك. ولا تختلف الصورة كثيراً في شرق العالم الإسلامي حيث تنتشر الأضرحة و (المزارات)؛ ففي بنغلاديش، خاصة في المدن دكا "العاصمة" وشيتاغونج وسلهت وخولنا، ولكن من الغريب ارتياد الناس لمزارات يوجد بها سلاحف وتماسيح يعتقد فيها بعض الجهلاء النفع والضر، فيقدمون الأكل لها أملاً في الحصول على وظيفة أو لتفريج كربة، وتحرص بعض النساء على مس هذه الحيوانات أملاً في حدوث الحمل والرزق بالذرية، وقد نتجت هذه الاعتقادات والممارسات عن الزعم بأن هذه الحيوانات تحولت إلى هذه الصورة بعد أن كانت من الأولياء الصالحين! وهناك أيضاً مزارات تحتوي على أشجار يعتقد فيها وتعلق على أغصانها الخيوط والخرق. المصدر: دمعة على التوحيد تهذيب عبد الباسط بن يوسف

стр. 3270

المبحث الرابع: أشهر هذه القبور في العالم الإسلامي قبر الحسين: الذي يحج له الناس ويتقربون إليه بالنذر والقربات، وتجاوز ذلك إلى الطواف به والاستشفاء، وطلب قضاء الحاجات عند الملمات. السيد البدوي: له مواسم في السنة أشبه بالحج الأكبر، يقصده الناس من خارج البلاد وداخلها، سُنة وشيعة، وهذان نموذجان في دولة واحدة من أقدم الدول العربية والإسلامية في التعليم النظامي، وفيها أكبر مؤسسة تعليمية نظامية منذ القرن الثالث الهجري، والتي كان لدعاتها وعلمائها الأثر الطيب في نشر الإسلام والدعوة إليه، ولكن كما قيل: كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول جلال الدين الرومي الذي كتب على قبره ومزاره: صالح للأديان الثلاثة، المسلمين واليهود والنصارى، ويدعى هذا الوثن بالقطب الأعظم، وفعلاً كان قطباً تدور عليه أفلاك أرباب المصالح الدنيوية طلاب الشرف باسم الدين المزور، وقد لقي كل تشجيع وتقديس من الأيدي الخفية لإبقاء شعلة الوثنية وقَّادة في العالم الإسلامي. محيي الدين بن عربي صاحب (فصوص الحكم)، والمعتقد بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وزعيم الفلاسفة القائلين بهذه البدعة المكفرة. أقول: إن مزاره وثن يعبد ويقدس في عاصمة دولة كانت عاصمة الخلافة الأموية، ولا يزال في أهلها الخير - إن شاء الله -، غير أن الفتنة بهذا الوثن تزداد يوماً بعد يوم. قال بعض الباحثين: وقفت على باب القبة لأرى وأعتبر، وكنت أحمل حذاءً في يدي؛ فأنكروا عليَّ بالإجماع: كيف تقرب من المقام وفي يدك حذاؤك، احتراماً وتقديساً للولي؟! إنها لعبرة وعظة لأهل التوحيد والإيمان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. "داتا" صاحب مقبرة علي هجويري في المشرق الإسلامي، ينتابها الزوار في كل صباح ومساء. يحدث أحد الكتاب فيقول: ومن عجيب ما شاهدتُه أن له يوماً في العام تراق عليه الألبان حتى لا نجد في الأسواق لبناً يباع ويُشترى، وله يوم في العام يغسل بماء الورد والطيب أسوة بالكعبة المشرفة، يتشرف بتغسيله الساسة والقادة في البلاد، وليتك ترى ما يصنع حول هذه المقبرة من منكرات أخلاقية، فضلاً عن العقدية، وحولها الرقص والدف والاختلاط والتبرك بسدنة هذه المقبرة، يُفعل ما لا يجوز ذكره، وفي هذه الدولة حزب سياسي يزعم أنه إسلامي قد فتح باب الخرافة والبدع على مصراعيه. ويحكى أن وزير أوقاف هذه الدولة شكى لرئيس الدولة عجز الميزانية في وزارته؛ فاتفق الرأي على إيجاد باب الجنة يتفتح دخوله الأعيان والرؤساء، ثم تباع التذاكر للسواد الأعظم من جهلة المسلمين على أن من دخل هذا الباب فقد دخل الجنة، وبهذا زال العجز المالي بفضل هذه التذاكر وصكوك الغفران. مقبرة أحمد التجاني، زعيم طائفته، ورائد التضليل، الذي شرع للناس بمشورة الفرنسيين الطريقة المنسوبة إليه، والقائل: إن جوهرة الكمال أفضل من القرآن الكريم سبعمائة مرة، وكذا صلاة الفاتح، وهما وردان ترددهما الطائفة التجانية صباحاً مساءً، ويكتفون بقرائتهما وتلاوتهما عن القرآن الكريم. مقبرة عثمان فيدو، الذي صمم على قبره بناية أشبه بالكعبة وكسيت بالحرير الأسود، وحينما سئل أحد أحفاد هذا المصلح؛ قال: وضعت هذا أسوة بقبر أحمد التجاني، ومع أن الإمام عثمان فيدو كان ممن أقام به الله الدين، وتبنى دعوة الإصلاح أشبه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا أن طريقته قادرية، ثم تحول أتباعه إلى الطريقة التجانية. المصدر: دمعة على التوحيد تهذيب عبد الباسط بن يوسف

стр. 3271

تمهيد موضع القبر: قال الحامد " وكان موضع القبر متوعراً غير ممهد، وفي القرن التاسع الهجري قام الشيخ الفقيه حكم بن عبد الله باقشير المتوفى سنة ٨٧٩هـ بعمارة المشهد المذكور عمارة تامة، وبناه بالحجر والنورة، وجعل عليه قبة، ومهد ما حواليه غربيه وذلك ليقابل الزائرون وجهه، ويجلسوا مستقرين، هكذا قال صاحب السعادة والخير، ثم زيدت العمارة بعد ذلك. قال السيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العيدروس صاحب (الدشتة) في رسالته (بذل المجهود): " وقد بنى السيد الشريف الفاضل أبو بكر بن محمد بلفقيه – كان الله له ونفع به – قبة عظيمة على جانب الصخرة المتصدعة السابق ذكرها، في نحو نصف القبر عام ١٠٧٩هـ سبع وتسعين بتقديم السين في الأول وتأخيرها في الثاني وألف، بضبط تاريخها بحساب الجمل أي كسكر " اهـ، وقد تعددت بعد ذلك العمارة أيضاً إلى عصرنا، وفيه انتدب لعمارة الموضع وتهيئته تهيئة زائدة على ما تقدم السيد المرحوم علوي بن عبد الله الكاف فمهد الدرج المعروف اليوم، وبنى حول القبر موضعاً واسعاً، وبنى حول الصخرة المسماة " الناقة " بناءً من الحجر وردمه وسواه، فتهيأ هناك موضع واسع يتسع لجموع الزوار وطلي ذلك كله بالنورة، أصلح ذلك كله بكل إحكام، وصرف على ذلك مالاً لا يستهان به، يقدر بنحو خمسة آلاف من الريالات. المصدر: زيارة هود ﵇ وما فيها من ضلالات ومنكرات لأحمد بن حسن المعلم - ص ٩٤، ٩٥

стр. 3272

المطلب الأول: الفضائل المفتراة التي يروجون بها لزيارة هود ﵇ من أقبح الأعمال وأعظمها الكذب الذي يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وأعظم من ذلك أن يكون الكذب على الله ورسوله لإضلال الناس. يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: ١١٦]، وقال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام ١٤٤]، ويقول الرسول ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (١) (حديث متواتر)، ولا شك أن الوعد بمغفرة الذنوب أو بالبشارة بالجنة أو بتحمل ذنوب الناس إنما يُعلم بالوحي، فمن صرّح بشيء من ذلك أو وعد به أحداً من الناس بغير وحي، وبغير أذن من الله فقد افترى على الله الكذب، وقد قال الله تعالى عن اليهود: أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا [النساء:٤٩ - ٥٠]، فجعل تزكيتهم لأنفسهم إثماً مبيناً لأن حقيقة النفس وما فيها من خير وما يختم لها به لا يعلمه إلا الله، فلما تجرءوا وزكوا أنفسهم جعل الله ذلك من الكذب عليه سبحانه، وهكذا هنا الذي يدعي بأن العمل الفلاني جزاءه الجنة أو مغفرة الذنوب، أو أن العمل الفلاني فيه كذا أو كذا من الأجر من دون علم به عن طريق الوحي، فهو من المفترين على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً! ونحن عندما نعتبر ما نمثل به كذباً لا يعني أننا نتهم فلاناً أو فلاناً بأنه هو الذي افتراه، ولا نصف من نسب إليه ذلك الكذب ونقطع بأنه هو الكاذب، فربما نسب كلام إلى شخص لم يقله، لكننا نقطع أن الكلام المعني كذب، ونجزم أن من يروج ذلك الكلام مشارك في الكذب، وعليه نصيب من وزره، قال ﷺ : ((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)) (٢). وقال ﷺ : ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) (٣). إذا علمت هذا فاعلم أن القوم يستحلون الكذب أو يستخفون به في سبيل الوصول إلى أهدافهم على قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) بل أنهم يدافعون عن الكذب ويحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يصوروه للناس بصورة الصدق والحق الذي لا مرية فيه، وستمر بك أمثلة من ذلك، وترى كيف يؤولونها بتأويلات الباطنية ليثبتوا للناس أن سلفهم كانوا على حق، وأن ما اقترفوه من الكذب هو عين الصدق، ومحض الصواب. وإليك جملة من تلك الفضائل المزعومة التي افتروها ليضلوا الناس بغير علم: منها أنه يتحمل ذنوب زواره، وأن من زار قبر هود ولو للفضول غفرت ذنوبه!! قال صاحب بذل المجهود: (وكان سيدنا الشيخ عبد الرحمن السقاف ﵁ يقول: إن النبي هود ﵊ يتحمل ذنوب زواره حتى يرفعها الله تعالى)

стр. 3273

وقال أيضاً: (وقال سيدي الشيخ عبد الرحمن السقاف، وسيدي الشيخ فضل بن عبد الله ﵄: التقى اثنان من الصالحين في الطريق أحدهما صادر من زيارة قبر سيدنا هود – على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم – والآخر وارد إليها، فقال الوارد للصادر ما وجدت النبي هود! قال الصادر وجدته!، قال: تان، فقلت: يا نبي الله فما تان؟ فقال: من ذنوب الزوار أتحملها عنهم حتى يرفعها الله تعالى عني وعنهم)، ويقولون كما في رسالة الشاطري: من زار هوداً ولو للفضول غفرت ذنوبه! وهذا لا يخفى أنه كذب على الله وعلى رسوله هود، وإضلال للناس وتغرير بهم، وتعليق لقلوبهم على هذا الكذب الذي ما أنزل الله به من سلطان، وقد حاول الشاطري أن يبرر ذلك، ولكن على طريقته الباطنية. ومنها بشارة من بشر بعودة الزوار بالجنة: قال الحبيب أحمد بن حسن العطاس كما في تذكير الناس: (وكان سيدنا شهاب الدين يجلس عند أراكة بالقرب من بيته، بقرية اللسك أيام الزيارة، ويقول من بشرني أن ولد سالم بن عبد الله زار بالناس وهم سالمون ضمنت له الجنة، فكان الناس يستبقون على التبشير، ولما أسن وثقل كان يجلس بالمجف في تريم لاستقبال أخبار الزيارة، ويقول هذا القول الذي تقدم). وهذا كالذي قبله من الافتراء على الله لإضلال الناس بغير علم، وليس كما قال الشاطري في جوابه على السؤال الثاني عشر أن معنى " ضمنت له الجنة " أي دعوت الله له بالجنة وذلك جائز للمجاز اللغوي. فمن يعقل معنى " ضمنت له على الله الجنة " بهذا الوضوح والتصريح أن ذلك من المجاز اللغوي أي دعوت الله له، فما وجه العلاقة بين ضمنت التي تعني الالتزام الجازم بإعطاء الجنة وبين دعوت التي توجه إلى الله إن شاء قبل، وإن شاء رد، ولو فرضنا على سبيل التنزل أن المتكلم يقصد ذلك فما أدرى العوام بذلك؟ أليس فيه تغرير بهم؟ الجواب: بلى! ولذلك يتسابقون معتقدين صدق تلك الضمانة، لا سيما وقد وصف المذكور بأنه (له اطلاع على أهل القبور، وماهم عليه من عذاب وسرور، وله في ذلك حكايات وخوارق للعادات، منها أنه قيل له: إن بعضهم يقول في قبر الإمام أحمد بن عيسى: أنه ليس بقبره حقيقة، فزاره في بعض زياراته وهو متوجه لقضاء حاجاته، فحصل له عند القبر غيبة وذهول ثم أفاق وهو يقول: اجتمعت بروحانية الإمام أحمد بن عيسى وسألته عن قبره هل هو هذا حقيقة؟ فقال: نعم، فقلت: إني أريد كذا، فقال: تقضى من غير كلفة، ثم ذهب إلى قرية بور، وقصد جامعها، قضيت حاجته في جلسته تلك، وحكي أنه اجتمع بالإمام حجة الإسلام في داره بتريم، وأنه طلب منه الإجازة في جميع كتبه فأجازه)، وهذا الرجل توفي في سنة ٩٤٦هـ بينما الغزالي حجة الإسلام توفي سنة ٥٠٥ هـ. فلماذا يحاول الشاطري صرف هذا الكلام عن معناه، وتحريفه عن مواضعه وتفسيره بخلاف مراد قائله وناقله ومروجه بين الناس، وبخلاف ما يفهمه من يحسن الظن بأهل الله؟! إن هذا تجنٍّ على كلام الناس، ولا أدري أيفسر الشاطري تلك البشارة بهذا التفسير عند كل من يحدثه بها، أم أنه يفسرها تفسيرين: تفسير للتصدير، وتفسير للاستهلاك؟!، وأما قوله: " وحولها يبلبل المبلبلون، ولنار الفتنة والفرقة بين المسلمين يشعلون "، فأقول: إن الذي يبلبل ويثير الفتنة والفرقة بين المسلمين هو الذي ينشر هذه الأقوال المضللة والأعمال المبتدعة، والعقائد المنحرفة، وليس الذي يعمل على تصحيح عقائدهم وتقويم سلوكهم وتنبيه عقولهم إلى ما يراد بهذا الإضلال.

стр. 3274

ومنها أن الضحكة في زيارة هود بتسبيحة: قلت: ولتصديق هذا الوعد من قبل العوام، تراهم يكثرون الضحك واللهو واستخدام المعازف كما سيأتي لأن كل ذلك يحسب لهم تسبيحاً وحسنات، ولهم عادة أنهم كلما مروا بقرية في طريقهم نبزوا أهلها بلقبهم الذي يغضبون منه، وبذلك يكثر الضحك، وانظر الصبان وكرامة سليمان. والعجيب أن الشاطري مع أنه لا شك خبر الحياة واطلع من خلال رحلاته وقراءاته على كثير من أحوال الناس، وأن مثل هذه الدعايات أصبحت ممجوجة عند الناس، إلا أنه – مع ذلك – يصر على تبريرها فيقول في جواب السؤال السابع: (ومعناه أن الكلمة الطيبة والابتسامة والضحكة عند لقاء الإخوان – وذلك لكثرته بينهم في الزيارة – من المعروف والصدقة التي يثاب عليها فاعلها، ودليله ما ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الكلمة الطيبة صدقة)) (١) (متفق عليه)، وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)) (٢) ومعنى طليق: متهلل بالفرح والبشر والابتسام. وأقول: إن هذه الأمة لم تبل بشيء كابتلائها بمزيني الباطل، ومروجي البدعة والمدلسين على عقول عوام المسلمين، ولهذا قال النبي ﷺ : ((إنما أخشى على أمتي الأئمة المضلين)) (٣). وهذا – والحمد لله – صان الله منه علماء أهل السنة وجعله شعاراَ لأهل البدعة وخصوصاً الباطنية، الذين اشتهروا بالتأويل الفاسد وليِّ أعناق الكلام لموافقة مبادئهم الخبيثة، ولا يفهم أحدٌ من كلامي أنني أرمي الشاطري بالباطنية، فأنا أبرأ إلى الله أن أقول ما ليس لي به علم!. وإنما أعني أن الرجل سلك سلوكهم واتبع سبلهم في التأويل، فالضحك مذموم وليس بممدوح! قال ﷺ : ((وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب))، وقد كان النبي ﷺ يكثر الابتسام ولكنه لم ير مستجمعاً ضاحكاً حتى تبدو لهواته إلا في مواطن معدودة جمعها بعضهم في رسالة خاصة، فكيف تكون الضحكة بتسبيحة؟ ثم كيف تفسر الضحكة بابتسامة، وقد فرق العلماء بين الضحك والابتسام؟ ولو فرضنا أن ذلك سواء ومعنى الضحكة أي الابتسامة، فلماذا لا تكون الضحكة في السوق بتسبيحة مع كثرة لقاء الناس في السوق وكثرة حاجتهم لملاطفة إخوانهم هناك؟ لماذا لا تكون الضحكة بتسبيحة في المسجد أو في أي مكان آخر؟ ألا أن تلك العبارة مقصودة لذاتها، وهي تهدف كما يهدف غيرها من البشارات والدعايات إلى تجميع الناس لتلك الزيارة ولو بالكذب على الله ورسوله والاستخفاف بعقول الناس!!! وكذلك عمر بن حفيظ فيما نقله عن عبيدون تحت عنوان: " الضحكة في هود بتسبيحة " قال: " ورد حديث عن النبي ﷺ رواه السيوطي في الجامع الصغير يقول فيه: ((مزاح المؤمن في السفر عبادة)) (٤) هذا معنى ضحكة تسبيحة، مزاح المؤمن في السفر عبادة لأنه ينشط ويخفف أعباء السفر وثقله، وليس هذا أن تضحك بالحرام .. إلى آخر كلامه الذي راح يتحدث فيه عن آداب المزاح. وأقول: أولاً الحديث ليس في الجامع الصغير كما زعم، ولو صح أنه في الجامع الصغير فلا يلزم أنه صحيح كذلك، لأن الجامع الصغير فيه الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والعرب تقول: - ثبِّت العرش ثم انقش - فصحح الحديث ثم احتج به.

стр. 3275

ولو ثبت هذا الحديث لما كان فيه حجة، لأن القوم قد خصصوا ذلك الضحك بأنه الضحك الذي في زيارة هود فقط! ولم يجعلوا كما سبق الضحك في أي موضع آخر تسبيحاً!. إذن هذا القول إنما هو من جملة الأقوال التي يراد بها الدفع بالناس إلى تلك الزيارة بغض النظر عما يترتب عليها. ومنها: لا تعقد ولاية لولي في حضرموت إلا عند قبر هود!! يقول الصبان: " ويقولون أنه لا تعقد ولاية لولي بحضرموت إلا بجوار وفي حضرة نبي الله هود " ويقول العيدروس: " والخلوة عند قبر هود ﵇ عند مشايخ حضرموت ربحها مضاعف، بل قد فتح عنده على خلق كثير وجمع غفير من أرباب المجاهدات وأرباب الرياضيات بجزيل الفتح وسني المنوحات. ٥ - ومنها: حضور الملائكة والصالحين من الأحياء والأموات لتلك الزيارة! في بذل المجهود: " وقال سيدنا أبي بكر ابن الشيخ عبد الرحمن السقاف رضي الله تعالى عنهما لزوجته بنت أبي رشد ﵄ بعد زيارة عظيمة: أما رأيتني أتطاول عند القبر وأرفع رأسي حين أدعو انظر من يأتي من الصالحين؟ ثم قال: لم يبق في ذلك المكان – يعني حول القبر الشريف - - لا شجر ولا حجر ولا جبل ولا أرض إلا امتلأ من الملائكة والصالحين في تلك الساعة. ٦ - ومنها أن هوداً ﵇ يوزع الجوائز على الزائرين: قال في تذكير الناس: (قال سيدي: ورأيت نبي الله هوداً ﵇ قائماً عند الشق المعروف، الذي يسلمون عنده ورأيته يجيز الزائرين بشيء كالشبوط التي يعتادها أهل الجهة من الطيب، وصافحته في تلك البقعة). هذه ستة نماذج من الفضائل التي تذكر لزيارة نبي الله هود ﵇، وعلامات الكذب واضحة عليها، والافتراء ظاهر لا يحتاج إلى استدلال، وهذه هي بضاعة القوم التي يروجون بها ما يريدون، ويغسلون بها عقول الجهال كفى الله شرهم وكشف عوارهم، إنه على ذلك قدير!!

стр. 3276

المطلب الثاني: نماذج من أشعار القوم في الترويج لها ولم يكتفوا بما يشيعونه نثراً بل جندوا الشعر أيضاً لنفس الغرض، واستغلوا خاصية الشعر وخصوصاً أنه يلقى ملحناً، وعلى إيقاع الطبول والشبابات في كثير من الأحيان، فيعمل عمله في الناس، ويهزهم هزاً ويحركهم إلى لزيارة بقوة. فمما ينشدون من القصائد: ياذا البريق الشرقي ... اللي تنمنم من قدا قبر هود نبي رب الخلق ... صلى الله عليه نعم الودود وأشتب جمر العشق ... من ضوء نوره في سحاب النجود وأنهل مزن الودق ... وعم نفعه في جميع الوجود نوره بدأ للزوار مثل القمر في الأغدار يا بخت من هو قد زار يعطيه خير الرزق والأنس والأنوار وسط اللحود باللطف ثم الرفق بصحبة من رب كريم يجود هود نبي مرسل بوادي الأحقاف قبره صحيح سر زره واحذر تكسل واطلب مرادك منه حول الضريح تعطى وتحظى فأسأل بقلب منكسر فقير طريح وإن لاح ضوء البرق فاشرب صفا حالى هنيء الورود ومنها: قد زاره ذو القرنين ... مذكور في تاريخ تيجانهم وزاره كم من زين ... محمد بن علي وعلويهم وابنه نور الدين ... وابنه محمد وابنه غوثهم والبحر زاره وعمر ... والعيدروس الأشهر وضوء النور والشيخ قد أسقى ... عند النبي هود وسمي العمود وأحمد أبي الجعد أرقى ... إلى المعالي وارتقى في السعود وزاره با عباد ... وبنى هناك مسجد وسبع المكان ومنها: قبره محقق يا صاح ... بالموضع المعروف في حضرموت في الشعب نوره يلتاح ... زاروه الأقطاب الكبار الرتوت باشباحهم والأرواح ... ساروا جميعاً للحسين النعوت أو قصيدة عبد الله بن علوي الحداد: (١) يا وجيه إنها هبت رياح السعود ... وأومض البرق في الداجي من أقصى النجود ذكرتني ليالى قد خلت حول هود ... شعب ثبر المرسل وفي العهود ياليالى الرضا عودي ليخضر عودي ... باللقا والتداني بعد طول الصدود التهويدة: ومن النماذج الطريفة لاستخدام الشعر وتجنيده في الحث على هذه الزيارة، ما يسمى بـ " التهويدة " وهي: " إعلان وإعلام مسبق، وتذكير للناس بقرب موعد زيارة قبر النبي هود ﵇ "، تتم التهويدة في ساحات المساجد بعد خروج المصلين من صلاة العشاء في ليلة ٢٧ رجب، حيث تتم قراءة قصة الإسراء والمعراج في المسجد، كما تتم التهويدة أيضاً في آخر يوم أربعاء من شهر رجب بعد خروج الناس أيضاً من المساجد، وبعد قراءة المولد وصلاة العشاء. والتهويدة هي رفع الصوت بشكل جماعي عند المناداة بعبارات من مثل: هود يا هود النبي. يا نبي الله هوديا مولى النهر – يقصد النبي هود. (٢) ويفصل أكثر الصبان حيث يقول تحت عنوان " التهويدة ": " في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، تقرأ في المساجد والجوامع قصة الإسراء والمعراج، وعند الانتهاء تكون التهويدة، وفي آخر يوم أربعاء من شهر رجب، تقرأ قصة المولد بتريم، وعند الانتهاء تكون التهويدة، وهي تسجيعات تحث على زيارة قبر هود، وعند كل آخر تسجيعة تغنى لفظ الجلالة ثم يقول الجميع بأصوات مرتفعة (هود يا هود). يا غافل اذكر الله .. وقل لا إله إلا الله موجود في كل مكان .. الله الله الله يا هود يا نبي الله يا اللي كلمه الغزال وحنت عليه الجمال رسول الله مولى بلال شفيع الخلق عند الله يا هود يا هود يا نبي الله وبعد الانتهاء من التهويدة يصطف الناس صفوفاً، وتبدأ الأراجيز في مجاميع، كل مجموعة تتكون غالباً من عشرين إلى خمسين شخصاً، ويتوسطهم شلال " حادي " يتغنى بالقصائد، والمجموعة تردد الترجيع الذي لقنهم إياه من أراجيز الإعلام، يا زائرين النبي " يا نبي الله، جئنا إليك " ويستمر الحادي يتلو أهازيجه والجميع يرددون بعد كل بيت " يا نبي الله، جئنا إليك ". ثم هناك أراجيز أخرى: توسلات وتمجيد للمناصب والمشايخ " يا شيخنا يا سقاف " " يا شيخنا يا محضار "، ومن الأراجيز ما هو تمجيد لله كقوله " سبحان من لا يفنى ولا يزول ملكه ". وتعتبر هذه الليلة الشهار (إي الدعوة إلى الزيارة)، ويعتبرها الحاضرون والمرتجزون ليلة سعد فيرددون " يا ليلة السعد عودي " ويتلو الحادي القصائد على هذه النغمة، والغالب أن طبقة العمال والحرف هم الذين يقومون بهذه الأراجيز، ويشاركهم غيرهم من الطبقات الأخرى بقلة" (٣)

стр. 3277

المطلب الثالث: وسائل جذب الزوار لهذه الزيارة سبق أن أثبتنا أن للعاملين على إحياء وإقامة هذه الزيارة أهدافاً كبيرة وبالتالي يعملون بكل ممكن على تحقيقها، ومن المعلوم أن بعض الناس لا يتورع عن استخدام الوسائل غير الشرعية لتحقيق أهدافه، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وهذا ما يحصل هنا، يقول الصبان: (والزيارة وإن تحدت المفهوم الشرعي أو القيد الشرعي، فإن الدوافع لحضورها تختلف اختلافاً جذرياً، فمن الزوار من يرحل للبيع والشراء، ويدفعه السوق التجاري إلى ذلك، ومنهم من يرحل للنزهة، ويرى فيها متنفساً من متاعب العام، ومنهم من يرحل للتبرك وطلب المدد من المزار له، ولكل امرئ ما نوى). وفقهاء الشافعية يصرحون بما لا يدع مجالاً للشك بتحريم المعازف وآلات اللهو، ومنها الطبول والشبابات كما ذكر ذلك بتوسع العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر ج٢ ص ٢٠٢ – ٢١١) وفي كتابه الخاص بذلك (كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع)، ومع ذلك فاللهو المصحوب بالطبول والشبابات هو السمة الغالبة على هذه الزيارة، يقول الصبان: (منذ أن يتحرك الركب فهو يعيش عوائد وتقاليد وأغاني وأناشيد منها ما هو مستحسن، ومنها ما هو غير مستحسن)، ويقول: (عند الصباح الباكر يتوافد الجميع إلى الساحة الكبيرة، ويمشي الجميع أولاً لزيارة الأضرحة الموجودة في كل بلد كجزء من الزيارة، وتخرج العدة والخابة – أي الألعاب الشعبية – على اختلاف أنواعها يقوم بها أهل الحرف والعمال ويمشي المناصب والسادات والمشايخ قبل أهل العدة والخابة وتزغرد النساء). ويقول: ويبيت الركب في فغمة أو يبحر وهي على أميال من شعب هود، وتكون هذه آخر مرحلة إلى الشعب وتكون فيها السمرات بالمغاني والأهازيج، وفي الصباح يرحل القوم، وعند دخولهم للجبل تكون الدخلات بالزوامل والخابات)، ويقول: (أما المناصبة فإنهم يعودون إلى الخدور في ظل خابات العمال والذين يترنمون بالأهازيج المناسبة)، ويقول: (تقام في ليالي الزيارة ألعاب شعبية، ورقصات الشبواني والخابة، فكل بلد تقوم بألعابها، وأمام بيت منصبها وحتى الليل)، وحتى الزيارة الأساسية التي تعتبر الركن الأعظم من أركان زيارة هود هي الأخرى تتميز عن غيرها بكثرة اللهو واللعب، ومظاهر الفخر والعظمة، ويقول الصبان: (تكون الوقفة يوم الحادي عشر بزيارة آل الشيخ أبو بكر بن سالم، وزيارة آل شهاب الدين ففي اليوم الحادي عشر تكتمل وفود الزائرين، ومن أدرك الوقفة فقد أدرك الزيارة، والوقفة يوم الحادي عشر من شعبان صباحاً، وشبهت وسميت بالوقوف كالوقوف بعرفات، فمن أدرك الوقوف بعرفات أدرك الحج ومن فاته الوقوف بعرفات فاته الحج وهكذا الزيارة. ويدخل آل الشيخ أبو بكر بن سالم بالطيالة والأهازيج والطبول، ويجتمع الناس من كل الزوار، ويكون لزيارتهم ودخلتهم زجل عظيم، وتعتبر دخلتهم الدخلة العظمى وهي في مراسيمها لا تختلف عن الأطر المقيد بها نظام الزيارة كما ذكرنا، إنما بالطيالة والطبول والبيارق وكثرة الناس). وهكذا منذ الانطلاق من البلدان المختلفة، والقوم في لهو ولعب، وحتى العودة إلى ديارهم، وبذلك تختم كما فتحت به، يقول الصبان: (وفي عصر يوم الثالث عشر تبدأ الدخلات بالألعاب الشعبية والخابة بأنواعها، وتردد " زرنا وقد رجعنا عسى القبول "، ويردد الجميع هذا الترجيع ويتقدم المناصب والحبائب والمشايخ، وتدق الطبول وتقام الرقصات الشرعية ويزغرد النساء، ويقام في تريم سباق أخير للإبل عند مدخل تريم، وعند علب المجف بتريم ينتهي التجمع الجماعي ويبتدئ إيصال المناصب إلى بيوتهم، كل منصب توصله خابّة حافته إلى بيته، والجميع إلى بيوتهم.

стр. 3278

وفي سيئون ينتهي التجمع في ساحة طه حيث يرتب المنصب الذي زار الفاتحة تحت قرع الطبول الشعبية، ثم يبتدئ أهل الحافة بإيصال المناصب إلى بيوتهم بالعدة والألعاب والخابة وزغردة النساء). فهذه هي الوسيلة الأولى لجذب الشباب المائل إلى اللهو واللعب لتلك الزيارة، فهو يعيش ألعاباً ورقصات شعبية وفنوناً مختلفة من اللهو منذ أن ينطلق من بيته حتى يعود إليه!!. أما الوسيلة الثانية من وسائل الجذب فهي وسيلة قبيحة محرمة ولكنها محببة للعوام، لما فيها من الشد والجذب ومضايقة بعض الناس وإثارة غضبهم، وهي وسيلة التنابز بالألقاب، فالزوار كلما مروا بقرية نبزوا أهلها بلقبهم الذي يغضبون لذكره، وتحصل هناك مناوشات تضفي جواً مرحاً يحرص البطالون عليه ويتلذذون به، يقول الصبان وهو يتحدث عن عوائد المسير إلى الزيارة: (لكل بلد أو قرية من قرى حضرموت غالبا لقب تلقب به على غير رضى به، وعندما يمر أي ركب يردد بصوته بترديد جماعي لقب تلك البلدة أو القرية ليثير حفيظتها، ومن الناس من يتندر عندما يسمع لقب بلدته، ومنهم من يغضب ويقوم للمضاربة)، وهذا الأمر مستفيض عند من يعرف عادات تلك الزيارة مع النهي القرآني الواضح في قول الله تعالى: وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات:١١]، وقريب من ذلك عادة أخرى هي عادة الوعيلة والعبيب. يقول الصبان: (الوعيلة هو الذي لم يقم بزيارة هود قبل هذه الزيارة، وهذا يلقى من الجمهور شماتة – ويعبعبون عليه – والعبعبة كهدير الجمل على الناقة، وتخرج بعض الشفاه لعاب وتفل يؤذي الإنسان، ويكاد يبكي ويتضارب معهم، فتراهم يلفون حوله بأصوات مزعجة، لكن المناصب يقولون: الضحكة في هود كالتسبيحة في غيرها، وهؤلاء السذج يريدون أن يضحكوا الناس على العويلة!!، وعلى العويلة عندما يصل قبر هود وتشاهد عيناه القبر رأس غنم كفدية تعطى للخبرة هدية منه وإلا فالويل له إن حرم الخبرة حقها). (١) والوسيلة الثالثة: سباق الإبل، فالرياضة من أهم ما يشد أنظار الجماهير، وكما هو واضح اليوم ما للرياضة من تأثير كبير في حياة الناس، كذلك الحال في من قديم، فلم يغفل المنظمون هود هذه الوسيلة، بل استفادوا منها لجذب مجاميع من الناس لهم الهواية والولع بهذا الضرب من الرياضة، يقول الصبان: (يقام السباق بين الجمال قبل الدخول إلى الشعب، ولأهل تريم في هذا السباق القدح المعلى، فإنهم يقومون بالسباق، ويتكرر السباق مرات قبل الوصول إلى الشعب، وعند الوصول وعند الرجوع من الزيارة). الوسيلة الرابعة: إعطاء العمال عطلة رسمية من العمل حتى يتمكنوا من الزيارة، يقول الصبان (تعتبر أيام الزيارة ثمانية أيام، وهي أيام استراحة لهم، وهم يعدون أنفسهم بالتمتع بهذه الأيام، يقول شاعرهم: يا فرحة القلب لا قالوا دخل شهر هود ثمانية أيام باتسلى صباح المقود ثمانية أيام في راحة ونحنا قعود الوسيلة الخامسة: وسيلة التجارة والبيع والشراء، فكثير من الناس يأتون إلى ذلك المكان بقصد الربح والبيع والشراء، وهم بذلك يكثرون سواد القوم، ويتأثرون بهم، ويأخذون بعض ما عندهم، وهكذا كانت أسواق الجاهلية، كانت تقوم على أساس عقدي ثم يضاف إليها ما يحمل الناس على حضورها كالتفاخر والمسابقات الشعرية التي يتوج فيها الفائز شاعراً للعرب والتجارة ونحو ذلك، ولا شك أن الكم الهائل من الناس الذين يفدون إلى ذلك الشعب بحاجة إلى من يحضر متطلباتهم من الغذاء والشراب وغير ذلك، فمن هنا يأتي التجار وطلاب المكاسب وإن لم يكن لهم قصد في الزيارة نفسها، فتشملهم البركة وتعمهم المغفرة، لأنهم يقولون لهم: (من زار هود ولو للفضول غفرت ذنوبه)، هذا إلى جانب الفضائل التي سبق الكلام عنها.

стр. 3279

المطلب الرابع: مظاهر وثنية في هذه الزيارة النص على وجود الشعور الوثني والمظاهر الوثنية في زيارة هود ﵇: لقد صرّح بعض المؤرخين والباحثين الذين زاروا وشاركوا القوم فيما هم فيه، واطلعوا على ما يمارسون من شعائر، وما يكمن وراء تلك الشعائر من عقائد، لقد نصوا على وجود الوثنية في هذه الزيارة. فمن ذلك ما قاله الأستاذ صلاح البكري في كتابه (تاريخ حضرموت السياسي): " وقد بولغ في تقديس هذا الضريح، فتراهم يشدون الرحال لزيارته، وعندهم شيء من بقايا الشعور الوثني الذي كان يشعر به العرب للات والعزى يستعينون به ويتجهون إليه ويولون وجوههم شطره لقضاء الحاجات واستنزال البركات ودفع الكربات". ومن ذلك ما قاله الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف في ملاحظاته على الهمداني: " ويحتمل أن يكون هذا المكان سوقاً من الأسواق اليمنية الموسمية القديمة، وقد أقيم هذا القبر ليعطيها طابعاً وثنياً جذاباً "، ومن ذلك ما قاله الأستاذ كرامة سليمان في كتابه (الفكر والمجتمع في حضرموت) وهو يتحدث عما يفعله العوام عند ذلك القبر المزعوم: " وتخفي هذه العادة المستحكمة اعتقاداً بقدسية هذه الشقوق التي أحدثها انفلاق الحجر، لولوج النبي هود واختفائه داخلها، إن هذه العادة تجسد الوثنية بعينها ". وحتى المستشرقون يشمتون بنا ويصفون بعضاً منا بأنهم وثنيون، لما يبدونه من تقديس لهذا المكان، قال المستشرقان (دانيال فان در ميولين، والدكتور فون فستمان) في كتابهما (حضرموت إزاحة النقاب عن بعض غموضها): (وفهمنا الآن البدوي الذي يسمي نفسه مسلماً، ولكنه ما زال وثنياً حيث يقترب من هذه البقعة برهبة مقدسة). هؤلاء بعض الباحثين والمؤرخين الذين رأوا تلك البقعة وما فيها من قدسية وشعور نحو صخورها وبناياتها، لا يترددون في إطلاق الوثنية عليها، فكيف لو رأى ذلك علماء التوحيد وحماة العقيدة والغيورون على صحة المنهج؟ فماذا تراهم يقولون؟.

стр. 3280

المطلب الخامس: الطقوس الوثنية فيها إن الوثنية في العالم بدأت بتقديس الصالحين والغلو فيهم وتعظيم مواطن عباداتهم ومجالسهم، أو تعظيم قبورهم ومشاهدهم، كما حصل ذلك في قوم نوح ﵇، وكذلك بدأت الوثنية في العرب بتعظيم أحجار الحرم، حيث كان العربي ينقل معه إلى باديته حجراً من أحجار الحرم ليتبرك به ويطوف حوله كونه من بيت الله الحرام، ثم تطور الحال فصارت تلك الأحجار أصناماً تعبد من دون الله تعالى، ولهذا نهي العلماء عن تقبيل القبور والتمسح بها والتبرك بها، وحتى مروجوا زيارة هود قد نصوا على ذلك، كما في " بذل المجهود " و " وسيلة الصب الودود " ومقدمتها لحسنين محمد مخلوف، وغير ذلك من كتبهم، ولكن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر، ولذلك ظهرت بعض الطقوس الوثنية في هذه الزيارة. منها دعاء نبي الله هود من دون الله، ودعاء غيره أيضاً، ومنظموا هذه الزيارة يشجعون على ذلك، ففي فترة التحريض على الزيارة، كثيراً ما يرددون هذين البيتين: هود النبي المرسل ... في واد الأحقاف قبر صحيح سر وزره واحذر تكسل ... واطلب مرادك منه حول الضريح إذ يحثون الناس على طلب مرادهم من هود عند ضريحه!!. كما أن هناك دعاء لكبار أوليائهم، وذلك منظم ومرتب ترتيباً خاصاً، في زيارة كل واحد من أولئك الأولياء (أي حينما يزور أحفاده القبر) يدعو الأتباع لذلك الولي يقول الصبان وهو يصف الزيارة ومراسمها: (ثم يأتي دور – يا شيخنا يا بن سالم – و – يا شيخنا يا سقاف – توسلات ونداءات). (١) قلت: وكذلك يقولون كما حكى لي الثقات ممن كانوا يحضرون هذه الزيارة. (يا نبي الله جئنا إليك .... والمنشر علينا والمرجع عليك). وحيناً (يا عيدروس ... يا عيدروس المسمى ... يا عيدروس). وحيناً (أبو بكر بن سالم ... خاطرك اليوم معنا). وحيناً (شيخنا يا حداد ... ساعة من العفا). وحيناً (شي لله يا عمر) يقصدون عمر المحضار، وتارة (يا شهاب الدين يا أحمد). كل هذه الدعوات لغير الله تعالى، على مسمع ومرأى من علماء القوم ووعاظهم ومناصبهم وحبايبهم دون أي إنكار، وهم قادرون على ذلك لو أرادوا، بل قد فعلوا حينما دعت حاجتهم لذلك، قال في تذكير الناس: (ومن عادة أهل تريم أنهم يتوسلون بالسلف في مرازحهم، فوقعت مرزحة في طريقهم لزيارة نبي الله هود ومعهم (غرامة) (٢) وليست له عقيدة صالحة في أحد، فلم يدروا ما يقولون، فقال لهم الحبيب عبد الله بن حسين بلفقيه قولوا: (سبحان من لا يفنى ولا يزول ملكه)، فالكل متفقون على ذلك إذن. ومنها التمسح بما يزعم أنه القبر وما حوله: يقول الأستاذ صلاح البكري: (وفي وسط القبة يقوم بناء مستدير كقاعدة سميكة فوق صخرة ويظن أن المكان هو الذي انشقت فيه الصخرة، وقد صقلت هذه الصخرة آلاف الأيدي التي مرت عليها، وآلاف الشفاه التي قبلتها).

стр. 3281

ويقول الأستاذ كرامة سليمان: (وفي القبة تناولت كتيباً عن آداب الزيارة، ومما في هذا الكتيب توصية بعدم تقبيل القبر لأنه مخل بالعقيدة الإسلامية، ولكن العادة المترسخة لدى السذج والعوام لم تنصت لهذه النصيحة، وأقبل هؤلاء على الصخور والأحجار التي يعتقدون أنها مُقَدِمَة رأس القبر، يدخلون رؤوسهم وصدورهم في شقوق هذه الصخور ويتمسحون بها، وكثير من هؤلاء الزوار السذج من يغمس إصبعه في زيت مدهنة موضوعة بالقرب من فوهة القبر المزعوم ويمسح بالزيت على سطوح الصخر، ثم يتمسح بهذه السطوح تبركاً، وقد أصبحت السطوح ملساء سوداء من كثرة التمسح بها، وتخفي هذه العادة المستحكمة اعتقاداً بقدسية هذه الشقوق التي أحدثها انفلاق الحجر لولوج النبي هود واختفائه داخلها، إن هذه العادة تجسد الوثنية بعينها. لِمَ لا تبعد هذه المدهنة؟ ولماذا لا تزال هذه الصخور المشققة الخرافية؟ ولماذا لا يحذر الوعاظ والمرشدون من مغبة هذا السلوك الوثني؟ وإذا كان السكوت على هذه الأعمال المخلة رضا فهاهنا يكمن الخطر). قلت: لا شك أنه الرضا، وأما ما في الكتب فهو عذر يُقدم لمن انتقد، فيقال هذه الكتب تحذر من ذلك، لكن معظم من يحضرون للزيارة عوام لا يقرءون، ومن يقرأ فليس لديه الوقت للاطلاع على هذا التحذير، ولو قرأ لغلبه ما يرى الناس عليه، بل أن هناك دعوة صريحة إلى ذلك، هي الحقيقة المعبرة عن النفوس، وقد نقل صاحب (بذل المجهود) قصيدة في آداب الزيارة تحتوي على مراعاة ما ذكره الفقهاء، ثم التأكيد على ما في النفوس الذي هو المطلوب بالفعل: وسلم إذا ما زرته متأدباً ... على الأنبياء أهل العُلا والتفضل واقصد غدير الماء ثم اغتسل ... وسبح وحمد ثم كبر وهلل إلى البئر تلك الحد سلم بها وعج ... إلى ذلك القبر المنيف المحلل ورد السلام أعني الذي قد ذكرته ... لدى البئر عند القبر مع سورة تلي وقف حوله مستقبل القبر وانتزح ... قليلاً مع التأديب إذا ذاك وأسأل ونيل المنى حقق بربع به الورى ... تغاث وللوارد أعظم منهل والثم ثرى تلك البقاع ممرغاً ... بخديك تعظيماً وللترب قبل ولا تسمع للواشي إذا ما نهاك قل ... خلعت عذاري في هواهم وحول وأزكى صلاة الله ثم سلامه على ... المصطفى المختار مع ذا النبي العلي (١) ومن مظاهر الوثنية التي تبدو ويلاحظها كل من زار ذلك المكان ويستنكرها، مظهر يدل على اعتقاد خاطئ لدى الكثير من الزوار، مع السكوت عليه وإقراره من القائمين على تلك الزيارة إن لم يكونوا هم يعتقدون ذلك الاعتقاد. يقول الأستاذ صلاح البكري: (يأتي الشخص من العوام القبر ومعه قطعة من الخشب بها خيط ملون من الصوف في نهايته قطعة صغيرة من الحجر، أما القطعة الخشبية فتوضع في الحائط الخارجي للقبة، ولا يُسمح بقذف الخشب في داخل القبة، أما الخيط الصوفي فيجمع ويرطب باللعاب ويقذف في الحائط أو السقف، ولهذا تظهر الحيطان والسقف كأنها مغطاة بطبقة من الورق المزخرف أو زينت بنقوش مختلفة الألوان) (٢) ويقول المستشرقان في كتابهما: وهما يتكلمان عن ذلك البدوي الذي ما زال وثنياً حسب تعبيرهما يقولان: (وهو أو في الغالب هي يحمل في يده وتداً خشبياً، وخيطاً ملوناً من الصوف، مربوطاً في نهايته حجر صغير، ويدفع الوتد داخل الحائط الخارجي للقبة أو داخل حدود الصخرة المستديرة المطلية بالأبيض التي تحدد المكان الذي يرقد فيه الجسد، ويبدو أنه غير مسموح بدفع الأوتاد داخل قمة القبة، أما خيوط الصوف فتمضغ في شكل كتل وتخلط باللعاب وتغرز في الجدران والسقف فتصبح الجدران مزينة بشكل مسرف، حتى لتبدو أنها مغطاة بورق حائط ملون أو أثْرَتها رسومات بألوان زاهية). (٣) قلت: وقد رأيت ذلك بنفسي عند زيارتي للموقع في قبة القبر، وفي القبة التي عند قبر التسلوم، وأخبرني الأخوة المرافقون أن الذين يصنعون ذلك يعتقدون أن من ثبت ما يرمي به حصل على لباس جديد. ومن مظاهر الوثنية هناك: الحجر الرمادي اللون الصغير الحجم الذي فيه حفرة طبيعية غير عميقة، والذي قد نصب بإحكام في الدرج الواصل بين صخرة الناقة وبين القبر، والذي يزعمون أنه موطئ قدم هود ﵇، حيث يمر به الزوار ويمسحونه بأرجلهم تبركاً به، وآثار ذلك واضحة على الحجر. المصدر: زيارة هود ﵇ وما فيها من ضلالات ومنكرات لأحمد بن حسن المعلم - ص ١١٢ - ١٤٦

стр. 3282

أولا: المناسك الزمانية اتفق كل من كتب عن زيارة هود مما اطلعنا على كتابته، أن هذه الزيارة ليست مجرد زيارة قبور يسلم فيها الزائر على أهل القبور ثم يدعو لهم وينصرف عنهم، وإنما لهذه الزيارة مناسك مرتبة لا يجوز تقديم شيء منها عن موضعه أو تأخيره عنه، وهذه المناسك مناسك زمانية ومناسك مكانية، وهذا تشريع ما لم يأذن به الله، وتشبيه لهذا القبر ببيت الله الذي جعله منسكاً ليذكر اسم الله عنده. لقد رُتِّب كل شيء واتُخذ سنة تجب المحافظة عليها، ولا يجوز الإخلال بها، وذلك على النحو التالي: يعتبر شهر جمادى الثانية وشهر رجب هما شهرا التحريض على الزيارة. (١) ليلة السابع والعشرين من رجب - وبعد قراءة الإسراء والمعراج في الجوامع – تكون التهويدة وهي أول طقس خاص من طقوس الزيارة. (٢) ليلة آخر ربوع من رجب هي ليلة الإشهار الرسمي للزيارة، وهي ليلة سعد لديهم. (٣) يبتدئ رحيل أهل سيئون وما كان غربيها يوم الرابع أو الخامس من شعبان، كما يبتدئ رحيل شرقي سيئون يوم السابع أو التاسع (٤)، وهذا قبل توفر السيارات. الأيام المحددة للزيارة هي ثلاثة أيام: الثامن والتاسع والعاشر. ترتيب أيام الزيارة على النحو التالي: (في اليوم الثامن من شهر شعبان تقام زيارتان: الأولى منهما وقت الضحى، وهي لآل الحبيب الحبشي بالحوطة، نسبة للحبيب أحمد بن زين الحبشي، والثانية: عصر هذا اليوم لآل الحبيب الحبشي بسيئون نسبة للحبيب علي بن محمد الحبشي ﵁. أما أهل تريم فإن زيارتهم تبدأ في اليوم التاسع ولهم فيه زيارتان نهاراً، الأولى: لآل بلفقيه، نسبة للحبيب عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه، المشهور بعلامة الدنيا (!!)، والثانية: لآل الحداد نسبة للإمام الحبيب بعد الله بن علوي الحداد، وعصر ذلك اليوم زيارة الحبيب حامد بن عمر حامد باعلوي، وفي اليوم العاشر تقام زيارتان، الأولى لآل بن شهاب نسبة للحبيب شهاب الدين، والثانية: هي أكبر زيارة وهي زيارة آل الشيخ أبي بكر، نسبة لسيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم باعلوي، من عبيدون بالحرف. (٥) يوم العيد (يعتبر يوم العاشر يوم عيد الزوار بالشعب، فينحرون الأغنام ويأكلون ألذ المأكولات، ويتفننون في الطهي، وفي أجناس الطعام من الهريسة وغيرها) (٦) الوقفة: (تكون الوقفة يوم الحادي عشر بزيارة آل الشيخ أبو بكر بن سالم، وزيارة آل شهاب، ففي اليوم الحادي عشر تكتمل وفود الزائرين، ومن أدرك الوقفة فقد أدرك الزيارة، والوقفة يوم الحادي عشر من شعبان صباحاً، وشبهت وسميت بالوقفة كالوقوف بعرفات، ومن أدرك الوقوف بعرفات أدرك الحج ومن فاته الوقوف بعرفات فاته الحج، وهكذا الزيارة. (٧) وقد خالف الصبان في الترتيب حيث جعل الوقفة يوم الحادي عشر، بينما اتفق الآخرون على أنها يوم العاشر وكما سبق ذلك في النقل عن عبيدون. وللقبائل دخلة أيضاً، ولكنها تختلف عن دخلات السادة من حيث أنها تكون في الوقت الذي قد انصرف فيه كثيرون من الزوار، وأن القبائل لا يستقلون بأنفسهم بل لابد الزيارة بهم أحد السادة آل حامد، يقول الصبان: (وفي عصر الحادي عشر من شعبان تكون دخلة القبائل المناهيل، يتقدمهم ويزور بهم منصب آل حامد، وتكون الزيارة بالمراسيم المحددة، من الغسل في النهر والتسليم، والزيارة أمام القبر، والمولد عند الناقة، وتمتاز بإطلاق العيارات النارية من البنادق، وإقامة النصع وإطلاق العيارات حتى يصاب النصع). (٨) النفرة الأولى: (تبتدئ النفرة الأولى عصر يوم الحادي عشر، فينفر ويرحل آل علوي، وآل سيئون ومن كان غربي سيئون). (٩) النفرة الأخيرة: (أما موكب أهل تريم فيبتدئ يوم الثاني عشر من شعبان). (١٠) يوم الحلق والتطيب: (يجتمع الزوار يوم الثالث عشر من شعبان كلٌ أمام مدينته أو قريته، ويعتبر ذلك اليوم يوم التطيب، فيذبحون وينحرون الأغنام ويحلقون رؤوسهم). (١١) الدخلات: (في عصر يوم الثالث عشر تبدأ الدخلات بالألعاب الشعبية والخابة بأنواعها، وتردد: زرنا وقد رجعنا عسى القبول). (١٢) الخاتمة بالشعبانية: (عصر يوم الرابع عشر ليلة الخامس عشر، يقرأ دعاء شعبان المشهور، وتزار المشاهد والأضرحة ثم تقام الألعاب الشعبية بين الحويف والخابة، ويجتمعون جميعاً في مكان معين، وقد يحصل احتكاك بين الحويف المتنازعة. وبالشعبانية تنتهي عوائد ومراسيم الزيارة). (١٣) هذه هي المناسك الزمانية، وهذا ترتيبها من كتب القوم أنفسهم، وهي تدل على أن الأمر ليس زيارة قبر، ولكنه مناسك متكاملة ومرتبة، كما جعل الله ذلك لبيته الحرام (!!!).

стр. 3283

ثانياً: المناسك المكانية هناك أماكن لابد لزائر هود أن يمر بها، وأن يفعل عندها الطقوس التي شرعها لهم منظموا الزيارة، غير أن هذه الأماكن تختلف، فمنها ما هو كالركن الذي لا يسقط بحال، ومنها ما هو كالواجب الذي يسقط بالعذر، ومنها ما هو مستحب لا حرج في تركه!!. أول مناسك هذه الزيارة: زيارة أضرحة ومشاهد القرى، فكل أهل قرية يبدءون بزيارة مشاهد وأضرحة قريتهم. زيارة مشاهد الشيخ فخر الوجود: أبي بكر بن سالم وأبنائه بمدينة عينات، وهذا المنسك عام لكل الزوار الذين يمرون من تلك الطريق. ٣ - المحذفة: وهي عبارة عن صخرة كبيرة منحدرة من الجبل، ومستقرة على جانب الوادي تمر بها طريق الزوار، فإذا حاذوها كرروا هذه العبارة على طريقة الرجز (وصلنا المحذفة يا عويلة حذفوها)، فالحذف هو الرمي أو الرجم، والمحذفة تأنيث المحذف أي المرجم، فيقفون عندها، ويرجمونها بالحجارة التي تشبه بيض الدجاج أو أكبر قليلاً، وقد شاهدت الصخرة وعلى ظهرها وفي جوانبها أكوام الحجارة التي رجمت بها، وهذا تشبيه بجمار منى التي يرميها الحجاج!!. قبر الكافرة: ولئن كان العرب قبل الإسلام يرجمون قبر أبي رغال الذي دل أبرهة وجيشه على طريق مكة، وربما تقربوا إلى الله برجم قبره واعتبروه من مناسكهم، كذلك زوار هود لديهم – كما يزعمون – قبر يرجمونه ويسمونه قبر الكافرة، وتقول الخرافة التي لا يتعرض عليها علماء القوم لنقدها وإبطالها: إن هذا القبر اعترض سبيل الزوار ليوهمهم ويضللهم عن قبر نبي الله هود، وهو لامرأة كافرة فاستحق المقت والغضب، وصار الزوار على تعاقب الأزمان يقفون عنده ويشتمونه ويتفلون عليه، وربما رجموه، وقد وقفت عليه عند زيارتي لشعب هود، فرأيت حبالاً طويلة من الحجارة معترضة في جانب الوادي، ربما كانت حاجزاً مائياً قديماً أو حدود مزرعة مندثرة، المهم أن الخرافة نسجت حبالها حوله وأدرج في مناسك زيارة هود ﵇!! وذلك تشبه بأهل الجاهلية النهر المقدس: وهذا نهر ممتد على مساحة طويلة يمر بأودية وأرض زراعية فسيحة وتحفه النخيل والأشجار من جانبيه، يأتي قبل موضع القبر بعد أميال ويتجاوزه كذلك بعدة أميال، غير أنه لا يقدس منه إلا الجزء الذي بحذاء القبر المزعوم! أما ما قبل ذلك الموضع وما بعده فلا قدسية له، وقد سبق أن نقلنا زعمهم أنه من أنهار الجنة! والطقوس التي تؤدى في هذا النهر هي الاغتسال والشرب ولكن بطريقة خاصة! يقول الصبان تحت عنوان " الغسل في النهر ": (تتوافد كل مجموعة زوار من بلد إلى النهر، وإلى الناحية التي يقف فيها المنصب، وكل بلد يتقدم زوارها منصب وحبيب أو شيخ ويبدءون في نزع ثيابهم للغسل إلا ما يستر العورة، ويغتسلون في النهر وهو يرمز إلى تطهيرهم من الخطايا والدنس)، ثم يقول تحت عنوان " السقيا ": (تتزاحم الزوار على المنصب أو الحبيب أو الشيخ وهو يسقيهم بيده من النهر تبركاً به، وهو يرمز إلى الشرب من الكوثر يوم القيامة). (١) حصاة عمر: هذه الحصاة من المناسك المتفق عليها، وقد جعل حولها مصلى بني وسوي بالأسمنت المسلح، وذلك تأسياً وتبركاً بمن كان يتعبد عند هذه الحصاة (عمر المحضار)، (عندما ينتهي الغسل والسقي يتأهب الجميع لأداء مراسيم الزيارة، وقبل أن التحرك يركع كل زائر ركعتين أمام حصاة تعرف بحصاة عمر – أي عمر المحضار- نقيب العلويين المتوفى سنة ٨٩٣ هـ (١٤٨٧م)، ويركع الجميع ركعتي سنة الوضوء ويتوجهون إلى بئر التسلوم). (٢)

стр. 3284

بئر التسلوم: أو البئر المعطلة عن النزح (انظر وسيلة الصب الودود ص ١٨)، وللقوم في هذه البئر ثلاث خرافات، الأولى: أنها البئر المعطلة المذكورة في القرآن، كما سماها صاحب وسيلة الصب الودود، وليس هناك أي دليل على هذا الزعم (انظر الحامد ص ٧٦ – ٧٧)، والخرافة الثانية: أنها ملتقى أرواح الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين، وهذا ما ذكره الصبان ويؤيده لفظ السلام عند هذه البئر، والذي يشمل الأنبياء والرسل والملائكة والصالحين، وهذه كذبة كبيرة وخرافة عظيمة لا أصل لها. الخرافة الثالثة: وهي التي لم أرَ أحداً ذكرها من المؤلفين إلا أنها شائعة عند بعض العوام، وهي أنها متى ملئت بالتراب قامت القيامة!! يقول الصبان: (يقف الجميع أمام بئر التسليمة والمعروفة الآن والتي يقال عنها أنها ملتقى أرواح الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين، كما أن برهوت ملتقى أرواح الكفار، كأن الأخيار والأشرار كلهم بحضرموت!، يقف الجميع ويتقدم الحبيب أو المنصب أو الشيخ، ولا يقوم بالتسليم في الغالب إلا من ينتمي إلى العلويين فيبتدئ بالسلام على الرسل والأنبياء مبتدئاً بمحمد ﷺ ، ثم يقول: السلام على جبريل وعلى آدم إلى آخر السلام على الأنبياء والمرسلين والملائكة، ثم يتوجه الجميع لزيارة القبر. (١) القبر المزعوم: وقد كان التسلوم (كما يقولون) مقصوراً على البئر فقط، وذلك قبل أن يكتشف القبر، فلما اكتشف القبر كرروا التسليم عنده. (٢) (بعد التسليمة عند بئر التسلوم يتوجه الجميع في زجل دعائي إلى القبر، ويقفون تجاهه، ويسلمون مثل التسليمة الأولى وهم قيام، ثم بعد انتهاء التسليم يجلسون ويقرءون سورة هود ثم ترتيب الفاتحة، يرتبها الحبيب المنصب، ويستمد ويسأل ويتوسل، ويطالب بتحقيق المطالب، ثم يخرجون ويرددون: إن قيل زرتم بما رجعتم ... يا سيد الرسل ما نقول؟ قولوا رجعنا بكل خير ... واجتمع الفرع والأصول (٣) المنسك التاسع: من مناسك الزيارة الوقوف أمام الصخرة التي أسفل القبر المزعوم، والتي يزعمون أنها ناقة هود المتحجرة، وقد حظيت هذه الناقة بعناية كبيرة جداً، فهناك أمامها ساحة واسعة جداً، مبنية بالحجر، ومطلية بالنورة، وحول الصخرة رواق مسقوف على أعمدة كثيرة من الحجارة المتوجه بأقواس وعكوف متينة. ولا تزال التوسعة مستمرة إلى هذه الساعة، ليجتمع عندها أكبر عدد ممكن من الزوار، وعندها تقام الموالد والمواعظ والسماع الصوفي (بعد الانتهاء من الزيارة الأولى عند الضريح، يخرج الجميع عند الصخرة الناقة المتحجرة - أي التي صارت حجراً - وتقرأ قصة المولد النبوي في هذا المحل، ثم يقف المذكر ليذكر، وتنشد القصائد الوعظية، وترتب الفاتحة، ومحل الناقة وأمام الضريح من الأماكن والمحلات المقدَّسة والتي تطلب فيها الحاجات واستنزال البركات ودفع الكربات). (٤) وقد اطلعت على شريط فيديو لزيارة آل الشيخ أبي بكر بن سالم لعام ١٤١٩ هـ ورأيتهم وهم حول الناقة مجتمعون، يقرءون ويعظون ويذكرون وينشدون السماع الصوفي، ولفت نظري أنهم من بين القصائد التي ينشدونها ويرددونها مع الدفوف والأصوات الجماعية وبحضور معظم علمائهم، ومن بينهم: عمر بن حفيظ وأخوه مشهور – من بين تلك القصائد، القصيدة المنسوبة للشيخ أبي بكر بن سالم والتي يصرح فيها بالكفر الصراح ووحدة الوجود، التي لا مناص من إثباتها عليه وهذا نصها: صفت لي حميا خلي ... وأسقيت من صافيها وأقبل وثني يملي ... على الذي يعليها ومن ذا شربها مثلي ... أنا قبل لا يصفيها

стр. 3285

أنا قبل قبل القبل ... وبديت على هاليها أنا أعطيت كل الفضل ... تكرم علي باريها أنا المجتبى بين أهلي ... وشفعت في عاصيها أنا شيخ أهل الوصل ... تكرم عليّ واليها أنا أعزل أنا للي ولي ... وأنا شيخها وقاضيها أنا حتف لأهل العذل ... ونار الجحيم أطفيها وسيفي ودرعي مجلي ... وأعقب على تاليها ومن كان ينكر فعلي ... يجرب وأنا حاميها أنا بازها والشهب ... وأنا للمثاني أقريها وعين الحقيقة عيني ... وأشرب من ساقيها وفخر الوجود فخري ... أبي بكر لي يحميها لقد طاب فيها أصلي ... أنا للفروع أغذيها وراقت حميا قربي ... وإني لها ساقيها وإذا أفلت شموس الكل ... أنا شمسها ضاحيها أنا عرشها والكرسي ... وأنا للسما بانيها شف أهل الكسا بالفضل ... وجبريل لي راويها فهذه رسالة تبني ... بنص القرآن أتليها وأشكر لنعمة ربي ... ولكن لا أحصيها وأبديت فيها وهبي ... على من تبعني فيها واختم بخير الرسل ... نبي الهدى هاديها (١) والحقيقة أنك عندما تراهم يتزاحمون حول تلك الصخرة ويتعبدون بالرقص والسماع، لتذكر قول الله : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً [الأنفال:٣٥]، وتجزم أن هذا من ذاك!! المنسك العاشر: مقابر تريم الثلاثة (زنبل - الفريط - أكدر) والتي يجمعها اسم (بشار)، حيث يبدأ موعد هذا المنسك بالطواف حول مقبرة الفريط بتريم، عصر اليوم الرابع عشر من شعبان، حيث يأتي العمال والفلاحون فيجتمعون هناك، ثم يطوفون بالمقبرة سبع مرات، ولا بأس من إيراد صورة هذا المنسك مما كتبه الأستاذ كرامة سليمان في كتاب (الفكر والمجتمع في حضرموت) حيث قال (٢): " وبعد عصر يوم ١٤ شعبان يتوزع أهل تريم إلى مجموعتين: أ- مجموعة العمال والفلاحين: وهم من حي الخليف وعيديد، ويتحركون بموكبهم (الخابة) من مركز الحي المسمى المسمر أو بالقرب منه، ويطوفون سبع مرات حول مقبرة الفريط، وهي أقدم مقبرة في تريم، وفيها مقابر علماء وفقهاء تريم الأوائل، ويظللها جبل الفريط المبارك، والذي ينمو كما يعتقدون في الموقع الذي تؤخذ منه أحجار لصنع شواهد قبور الموتى!! وفي نهاية الطواف الذي ينتهي من حيث يبدأ، يقومون بلعبة الرزيح، وهي القيام بحركات وخطوات بالرجلين بصورة إيقاعية إلى الأمام والخلف، أو بالقفز الجماعي في مواقعهم، ويردد المشتركون في الرزيح أثناء حركاتهم العبارات المناسبة للزيارة " وبهذا تنتهي الزيارة. المصدر: زيارة هود ﵇ وما فيها من ضلالات ومنكرات لأحمد بن حسن المعلم - ص ١٤٧ - ١٦٣

стр. 3286

تمهيد إكمالاً لإحكام السيطرة الخرافية على العالم، اخترع رجال التصوف بخيالاتهم الشيطانية المريضة .. اخترعوا ديواناً للأقطاب والأوتاد وسائر صنوف الأولياء عندهم ينعقد في غار حراء، وفي أماكن أخرى أحياناً ليدير هذا الديوان العالم من خلال قراراته .. وقد كفانا أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي في كتابه (الإبريز) المؤنة وقد بسط وشرح بخيال لا يجارى، وبعقلية عندها قدرة عجيبة على الكذب والبهتان، هذا الديوان العجيب على الرغم من أنه غاية في الكفر والزندقة ولا يخلو من طرافة الخرافة. وسأحاول أن تكون تعليقاتي وشرحي لبعض ما جاء في هذا الديوان قليلة وذلك أنني أتصور وأعتقد أيضاً أن الفكرة السيئة يكفي لدحضها وبيان تفاهتها أن يعرفها الناس فلو أن الناس عرفوا الأفكار الصوفية على حقيقتها لما راج التصوف وقامت سوقه ولكن لأنه دائماً كان يغلف الخرافة والكفر والشرك بالرموز والأسرار، واللف والدوران مع ما يعلنه من التمسك بالكتاب والسنة جعل الناس يتهافتون على ما عندهم ظناً أن عندهم فعلاً علوماً جديدة وفوائد عظيمة ولكن لو أن الناس فهموا ما عند المتصوفة على حقيقته لتغير الحال. وهذا نمط من الأسرار الصوفية التي يدعي المتصوفة أنهم وصلوا إليها. يقول السلجماسي في وصف الديوان الباطني الصوفي ما يلي:

стр. 3287

المبحث الأول: هيئة الديوان "في ذكر ديوان الصالحين ﵃ أجمعين. سمعت الشيخ (يعني بالشيخ عبدالعزيز الدباغ الأمي الجأهل الذي يدعي أنه قد علِم علمَ الأولين والآخرين جميعاً)، ﵁ يقول الديوان يكون بغار حراء الذي كان يتحنف فيه الرسول ﷺ قبل البعثة قال ﵁ فيجلس الغوث خارج الغار ومكة خلف كتفه الأيمن والمدينة أمام ركبته اليسرى وأربعة أقطاب عن يمينه وهم مالكية على مذهب مالك بن أنس ﵁ وثلاثة أقطاب عن يساره واحد من كل مذهب ومن المذاهب الأخرى والوكيل أمامه ويسمى قاضي الديوان وهو في هذا الوقت مالكي أيضاً من بني خالد القاطنين بناحية البصرى واسمه سيدي محمد بن عبد الكريم البصراوي ومع الوكيل يتكلم الغوث ولذلك يسمى وكيلاً لأنه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان. قال والتصرف للأقطاب السبعة على أمر الغوث وكل واحد من الأقطاب السبعة تحته عدد مخصوص يتصرفون تحته والصفوف الستة من وراء الوكيل وتكون دائرتها من القطب الرابع الذي على اليسار من الأقطاب الثلاثة فالأقطاب السبعة هم أطراف الدائرة وهذا هو الصف الأول وخالطه الثاني على صفته وعلى دائرته وهكذا الثالث إلى أن يكون السادس آخرها. قال ويحضره النساء وعددهن قليل وصفوفهن ثلاثة وذلك في جهة الأقطاب الثلاثة التي على اليسار فوق دائرة الصف الأول فسحة هناك بين الغوث والأقطاب الثلاثة قال ﵁ ويحضره بعض الكمل من الأموات ويكونون في الصفوف مع الأحياء ويتميزون بثلاثة أمور أحدها أن زيهم لا يتبدل بخلاف زي الحي وهيئته فمرة يحلق شعره ومرة يحدد ثوبه وهكذا. وأما الموتى فلا تتبدل حالتهم فإذا رأيت في الديوان رجلاً على زي لا يتبدل فاعلم أنه من الموتى كأن تراه محلوق الشعر ولا ينبت له شعر فاعلم أنه على تلك الحالة مات، وإن رأيت الشعر على رأسه على حاله لا يزيد ولا ينقص ولا يحلق فاعلم أنه ميت وأنه مات على تلك الحالة، ثانيها أنه لا تقع معهم المشاورة في أمور عالم الأموات قال ﵁ ومن آداب زائر القبور إذا أراد أن يدعو لصاحب القبر ويتوسل إلى الله تعالى بولي من أوليائه في إجابة دعوته أن يتوسل إليه تعالى بولي ميت فإنه أنجع للمقصود وأقرب لإجابة دعوته. ثالثها أن ذات الميت لا ظل لها فإذا وقف الميت بينك وبين الشمس فإنك لا ترى له ظلاً وسره أنه يحضر بذات روحه لا بذاته الفانية الترابية وذات الروح خفيفة لا ثقيلة وشفافة لا كثيفة قال لي ﵁ وكم مرة أذهب إلى الديوان أو إلى مجمع من ملجأ الأولياء وقد طلعت الشمس فإذا رأوني من بعيد استقبلوني فأراهم بعين رأسي متميزين هذا بظله وهذا لا ظل له. قال ﵁ والأموات الحاضرون في الديوان ينزلون إليه من البرزخ يطيرون طيراً بطيران الروح فإذا قربوا من موضع الديوان بنحو مسافة نزلوا إلى الأرض ومشوا على أرجلهم إلى أن يصلوا إلى الديوان تأدباً مع الأحياء وخوفاً منهم. قال وكذا رجال الغيب إذا زار بعضهم بعضاً فإنه يجيء بسير روحه فإذا قرب من موضعه تأدب ومشى مشي ذاته الثقيلة تأدباً وخوفاً. قال وتحضره الملائكة وهم من وراء الصفوف ويحضر أيضاً الجن الكمل وهم الروحانيون وهم من وراء الجميع وهم لا يبلغون صفاً كاملاً قال ﵁ وفائدة حضور الملائكة والجن أن الأولياء يتصرفون في أمور تطيق ذواتهم الوصول إليها وفي أمور أخرى لا تطيق ذواتهم الوصول إليها فيستعينون بالملائكة وبالجن في الأمور التي لا تطيق ذواتهم الوصول إليها" أ. هـ منه بلفظه (الإبريز ص١٦٣،١٦٤). الغوث الصوفي هو بمنزلة رب الأرباب عندهم أو كبير المتصوفين في هذا العالم، وهناك عدد كبير جداً من المتصوفة زعم أنه وصل إلى هذه المرحلة (الغوثية أو القطبية والقطبانية الكبرى) منهم الدباغ هذا وكان أمياً جاهلاً لا يحفظ حزباً من القرآن الكريم (وانظر معنى الغوث في فصل الولاية الصوفية) وجعلوا هذا الغوث الذي يدبر العالم من غار حراء جعلوا في خدمته الأقطاب والأوتاد والنجباء وسائر الأولياء بل والملائكة والجن أيضاً .. ولم يقصروا الحضور على الأحياء فقط بل جعلوا الحضور للأموات أيضاً .. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص٢٦٩ - ٢٧١

стр. 3288

المبحث الثاني: زعمهم أن النبي ﷺ يحضر الديوان ولم يكتف هؤلاء الشياطين بأنفسهم لحضور هذه الخيالات حتى زعموا أيضاً أن الرسول يحضر معهم: قال (أي الدباغ): "وفي بعض الأحيان يحضره النبي ﷺ فإذا أحضر ﵇ جلس في موضع الغوث وجلس الغوث في موضع الوكيل للصف، وإذا جاء النبي ﷺ جاءت معه الأنوار التي لا تطاق دائماً وهي أنوار محرقة مفزعة قاتله لحينها، وهي أنوار المهابة والجلالة والعظمة حتى إننا لو فرضنا أربعين رجلاً بلغوا في الشجاعة مبلغاً لا مزيد عليه ثم فجؤوا بهذه الأنوار فإنهم يصعقون لحينهم إلا أن الله تعالى يرزق أولياءه القوة على تلقيها ومع ذلك فإنه قليل منهم هو الذي يضبط الأمور والتي صدرت في ساعة حضوره ﷺ . قال وكلامه ﷺ مع الغوث قال وكذلك الغوث إذا غاب ﷺ تكون له أنوار خارقة حتى لا يستطيع أهل الديوان أن يقربوا منه بل يجلسون منه على بعد فالأمر الذي ينزل من عند الله تعالى لا تطيقه ذات إلا ذات النبي ﷺ وإذا خرج من عنده ﷺ فلا تطيقه ذات إلا ذات الغوث ومن ذات الغوث يتفرق على الأقطاب السبعة ومن الأقطاب السبعة تفرق على أهل الديوان" أ. هـ منه بلفظه (الإبريز ص١٦٤). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٢

стр. 3289

المبحث الثالث: ساعة انعقاد الديوان ويستطرد السلجماسي قائلاً: "وأما ساعة الديوان سبق الكلام عليها وإنها هي الساعة التي ولد فيها النبي ﷺ وإنها هي ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخير التي وردت بها الأحاديث كحديث: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له ... الحديث. قلت ومن أراد أن يظفر بهذه الساعة فليقرأ عند إرادة النوم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: ١٠٧] إلى آخر السورة ويطلب من الله تعالى أن يوقظه في الساعة المذكورة فإنه يفيق فيها ذكره الشيخ عبدالرحمن الثعالبي ﵁ وقد جربناه ما لا يحصى وجربه غيرنا حتى إنه وقع لجماعة غير مأمورة أن يقرأوا الآية المذكورة ويطلبوا من الله تعالى الإفاقة في الساعة المذكورة كل منهم يفعل ذلك في خاصة نفسه من غير أن يعلم به صاحبه وإذا أفاقوا أفاقوا جميعاً في وقت واحد" انتهي منه بلفظه (الإبريز ص١٦٤). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٢

стр. 3290

المبحث الرابع: زوجات النبي ﷺ والديوان ويستمر السلجماسي في خيالاته الشيطانية فيقول: "وسألته ﵁ هل يحضر الديوان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى وغيرهما من الرسل على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقال ﵁ يحضرونه في ليلة واحدة في العام قلت فما هي قال في ليلة القدر فيحضره في تلك الليلة الأنبياء والمرسلون ويحضره الملأ الأعلى من الملائكة المقربين وغيرهم ويحضره سيد الوجود ﷺ ويحضر معه أزواجه الطاهرات وأكابر صحابته الأكرمين ﵃ أجمعين" انتهي بلفظه (الإبريز). قلت يتعجب المسلم كيف تأتي لهؤلاء هذه القدرة على الكذب والبهتان، وكيف قادتهم الشياطين لمثل هذه الافتراءات التي يتضاحك منها الصبيان فضلاً عن العقلاء. فالحمد لله الذي نجانا وهدانا وأخرجنا برحمته من ظلمات هذه الوثنية إلى نور الإسلام والاستظلال بظلال القرآن الحكيم والسنة النبوية المطهرة وأبعدها عن تخريفات أهل البهتان. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٣٧٣

стр. 3291

المبحث الخامس: زعمهم حضور الملائكة للديوان ثم يقول السلجماسي "وسمعته ﵁ يقول إن الديوان أولاً كان معموراً بالملائكة ولما بعث الله النبي ﷺ جعل الديوان يعمر بأولياء هذه الأمة فظهر أن أولئك الملائكة كانوا نائبين عن أولياء هذه الأمة المشرفة حيث رأينا الولي إذا خرج إلى الدنيا وفتح الله عليه وصار من أهل الديوان فإنه يجيء إلى موضع مخصوص في الصف الأول أو غيره فيجلس فيه ويصعد الملك الذي في ذلك الوضع وهكذا كانت بداية عمارة الديوان حتى كمل ولله الحمد كلما ظهر ولي صعد ملك وأما الملائكة الذين هم باقون فيه يكونون في الصفوف الستة كما سبق فهم ملائكة ذات النبي ﷺ الذين كانوا حفاظاً لها في الدنيا ولما كان نور ذاته ﷺ مفرقاً في أهل الديوان بقيت ملائكة الذات الشريفة مع ذلك النور الشريف. قال ﵁ وإذا حضر النبي ﷺ في الديوان وجاءت معه الأنوار التي لا تطاق بادرت الملائكة الذين مع أهل الديوان ودخلوا في نوره ﷺ فما دام النبي ﷺ في الديوان لا يظهر منهم ملك فإذا خرج النبي ﷺ رجع الملائكة إلى مراكزهم والله أعلم" (الإبريز ص١٧٤). ولست أدري لماذا يقول هؤلاء الكذابون بعد كل هذا الدجل والكذب (والله أعلم) ماذا تفيدهم هذه الكلمة العظيمة في هذا الموضع الذي يكذبون فيه على الله. إنهم بزعمهم يتكلمون على حقائق وعلوم وأسرار غيبية زعموا أنهم رأوها وشاهدوها وليست عندهم مجرد ظن أو اجتهاد فلماذا يقولون بعد ذلك والله أعلم وهم يعلمون يقيناً أنهم يكذبون ويفترون، ويضحكون على عقول الدهماء والتي تسير وراءهم وتصدقهم. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٤

стр. 3292

المبحث السادس: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين أعضاء في الديوان ويستمر السلجماسي في خيالاته الفاجرة فيقول: "قال ﵁ وإذا حضر سيد الوجود ﷺ مع غيبة الغوث فإنه يحضر معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين وأمهما فاطمة الزهراء تارة كلهم وتارة بعضهم ﵃ أجمعين، قال وتجلس مولاتنا فاطمة مع جماعة النسوة اللاتي يحضرن الديوان في جهة اليسار كما سبق وتكون مولاتنا فاطمة أمامهن ﵂ وعنهن قال ﵁ وسمعتها ﵂ تصلي على أبيها ﷺ ليلة من الليالي وهي تقول اللهم صل على من روحه محراب الأرواح والملائكة والكون اللهم صل على من هو إمام الأنبياء والمرسلين اللهم صل على من هو إمام أهل الجنة عباد الله المؤمنين وكانت تصلي عليه ﷺ لكن لا بهذا اللفظ وإنما أنا استخرجت معناه. والله أعلم" انتهي (الإبريز ص١٦٨). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٥

стр. 3293

المبحث السابع: لغة أهل الديوان ويقول أحمد بن مبارك: "سمعته ﵁ يقول إن لغة أهل الديوان ﵃ هي السريانية لاختصارها وجمعها المعاني الكثيرة ولأن الديوان يحضر الأرواح والملائكة والسريانية هي لغتهم ولا يتكلمون العربية إلا إذا حضر النبي ﷺ أدباً معه" أ. هـ (الإبريز ص١٦٨). ولست أدري لماذا يجمع المتصوفة تقريباً على اختيار اللغة السريانية لغة للديوان، ولمعاني الحروف، وللأذكار فإما للتلبيس على الناس لأنها لغة منقرضة لا توجد إلا في قرية واحدة الآن من قرى سوريا ولا يتكلمها إلا نحو خمسمائة شخص فقط، أو لأن هذه اللغة كانت لغة أقوام اشتهروا بعبادة الجن والأوثان وهذا الذي يبدو فإن هذه اللغة كانت لأقوام وثنيين من عبدة الجن والكواكب وما يزال كثير من هذه القرية التي يتكلم أصحابها بهذه اللغة مهجوراً مسكوناً بالجن. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٥

стр. 3294

المبحث الثامن: أولياء يحضرون الديوان بأرواحهم فقط ثم يقول السلجماسي: "وسمعته ﵁ يقول إن الصغير من الأولياء يحضر بذاته وأما الكبير فلا تحجير عليه يشير ﵁ إلى أن الصغير إذا حضر غاب عن محله وداره فلا يوجد في بلدته أصلاً لأنه يذهب إليه بذاته. وأما الكبير فإنه يدبر وعلى رأسه فيحضر ولا يغيب عن داره لأن الكبير يقدر على التطور على ما شاء من الصور لكمال روحه تدبر له إن شاء ثلاثمائة وست وستون ذاتاً بل سمعت الشيخ ﵁ مرة وأنا معه خارج باب الحبشة أحد أبواب فاس حرسها الله يقول: ايش هو: الديوان والأولياء الذين يقيمونه كلهم في صدري وسمعته مرة يقول إنما يقام الديوان في صدري" (الإبريز ص١٦٧). ولعل الكلمة الأخيرة التي قالها الدباغ هي أصدق ما قال أعني أن الديوان يقام فقط في قلبه المريض وفي عقله المجنون وأما ذكره من غار حراء والأولياء والأنبياء والرسل وسائر هذه التخريفات فلا صحة لها. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٦

стр. 3295

المبحث التاسع: الديوان يعقد في صحراء السودان أحياناً الصحراء السودانية مكان آخر لانعقاد الديوان يقول السلجماسي: " (وسألته) ﵁ هل يكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء فقال ﵁ نعم يكون في موضع آخر مرة في العام لا غير وهذا الموضع يقال له زاوية أَسَا بفتح الهمزة والسين بعدها ألف خارج أرض سوس بينها وبين أرض غرب السودان فيحضر أولياء السودان ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة ويأذن الله تعالى ويسوق أهل آفاق تلك الأراضي ويجتمعون بالوضع المذكور قبل تلك الليلة بيوم أو يومين وبعدها كذلك يجتمع في ذلك السوق من التبر ما لا يحصى فقلت وهل ثم مع آخر في غير هذين الموضعين فقال نعم يجتمعون ولكن لا يجتمع نحو العشرة منهم في موضع قط إلا في الموضعين السابقين لأن الأرض لا تطيقهم لأنه تعالى أراد تفرقهم في الأرض وفي الخلق والله تعالى أعلم" أ. هـ منه بلفظه (الإبريز ص٧٣). المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص ٢٧٦ - ٢٧٧
следующие страницы →