← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. الحمد لله الذي باين بين العقول, مباينة أوهمت الأكثر اختلافها بالفضول, ومنعها من القضاء في أحكامه المتعلقة بأفعال المكلفين بتحليل أو تحريم, وأرشد القدسية منها معرفة استنباط الأحكام عن الأدلة الشرعية الراجعة إلى الكلام القديم, والصلاة على من به وصل علماء هذه الأمة أنبياء بني إسرائيل, النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل, وعلى آله وصحبه الذين حفظوا شرعه, وبلغوا إلينا أصله وفرعه. أما بعد: فإن العقول السليمة متطابقة, والشرائع بأسرها متوافقة, على أن العلم من أكمل الكمالات, لا سيما علم الأحكام الشرعيات, فإنها وسائل مقاصد العباد, ومناط مصالحهم في المعاش والمعاد. ولما كان لا سبيل إلى دركها دون معرفة مدركها, تعين معرفة أصلها, وتبين أن مرتبته من العلوم مرتبة أجلها. وأعظم ما صنف فيه على الإطلاق «المختصر» , الذي عكف عليه العلماء في سائر الآفاق, المنسوب إلى الشيخ الإمام العالم السالك, أبي عمرو

стр. 2

عثمان بن الحاجب المالكي, فإنه مختصر وجيز النظم, كثير العلم, فقد تصدى لشرحه الفحول من [العلماء] , فذللوا منه كل صعب, كالأصفهاني, والتستري, والقطب. ولما سمع مني بعض الأصحاب بعض معاني هذا الكتاب, أشار عليّ بأن أشرحه شرحًا يكشف عن وجهه النقاب, ويذلل ما غفل عنه الشراح من الصعاب, ظنًا منه أن ليس وراء مرتبتي مضاف لطيف الخاطر, ولا فوق درجتي في معرفة هذا الكتاب مطرح لشعاع الناظر, كلا ومظان الفكر نزار القدر, والإحاطة ممتنعة على كل البشر. ولعله اعتقد من غير علم, وإن بعض الظن إثم, فاعتللت بأن للكتاب

стр. 3

بضعة عشر شرحًا, وإن كان بعضها مطرحًا, وإن لي في هذا العلم إصابة غرض أرميه, وإضاءة سقط أريه, واستخراج نكتب يلطف مسلكها, ومستودعات لطائف يدق سلكها, وغوامض أسرار كانت عن الشراح وراء أستار, إذا سرد ما أوردوه تحصيل الحاصل, وانتحاله فعل الغمر الجاهل. ثم قلت: لولا ما رسم لنا المتقدمون في كتبهم, ودونوا من أوضاع علمهم, لكان سبيلنا قد انقطع مما يعلمونه, وذكرت وعيد ﴿[لتبيننه] للناس ولا تكتمونه﴾ , فأجبته مع علمي بأن من صنف فقد استهدف, ومن ألف فقد أبدى صفحة عقله, وبين عن مقدار علمه وجهله. هذا وإنه لابد أن يقع في يد أحد رجلين: إما عالم, تعلم أن / الصواب قصدي, والحق إرادتي, فيصلح سهوًا إن وقع مني, ويغتفر زللًا إن صدر عني, لاعترافي قبل اقترافي, وإقراري قبل إيرادي وإصداري. وإما جاهل, أحب الأشياء إليه, وأقلها لديه, عيب أهل العلم, لمنافرته إياهم, وبعد شكله عن أشكالهم, إذ من جهل شيئًا عابه, ومن

стр. 4

حسد أمرًا اغتابه. وأرجو أن يكون شرحًا يذهب وصم العجز والافتقار عن الأصحاب, ويتبين منه أصول الفقه على مذهب إمام صاحب الكتاب, يعول المالكية في أصولهم عليه, وتنحل أغراض المؤلف إليه, وتندفع به بعض الشكوك الواردة, ويقع به التنبيه على أوهامه الشاردة. وأبو عمرو [وإن كان] من سعة الحفظ والنبل, ومن الثقات في الضبط والنقل, في المحل الذي لا يُجهل, وبحيث يقصر عنه الثناء الأحفل, لكن البشر غير معصومين من الزلل, ولا مبرئين من الوهم والخطل, والعالم من عدت هفواته, وأحصيت سقطاته, كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه. والله تعالى أسأل أن يجعله علمًا باقيًا بعد الممات, ومرادًا من عموم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث».

стр. 5

وها أن أشرع في المقصود, مستعينًا بواجب الوجود, وأسميه: «تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول».

стр. 6

قال: (وينحصر في: المبادئ والأدلة السمعية والترجيح والاجتهاد). أقول: ينحصر المبحوث عنه في المختصر المذكور, فيكون من قسمة الكلي إلى جزئياته. ويفسر أيضًا ضمير وينحصر بالمختصر؛ لأنه جارى به الإحكام لسيف الدين, الذي قال فيه: «رتبته على أربعة قواعد: الأولى في المبادئ ... إلى آخره»؛ ولأن المبادئ ليست جزءًا من الأصول, [وهي جزء من المختصر] , فيكون من قسمة الكل إلى الأجزاء ويفسر أيضًا بالأصول؛ لأن الضمير في قوله: «فالمبادئ حده وفائدته

стр. 7

واستمداده» يعود على ما عاد عليه ضمير وينحصر, وعد المبادئ [جزءًا] من الأصول إما تغليبًا, أو لأن الأدلة لما توقفت على المبادئ بوجه, وكان لها مدخل في معرفة الأحكام, صح انقسام الأصول إليها وإلى الثلاثة, على معنى الأجزاء, على تجوز فيها. أو نقول: هي جزء من الأصول, وسنده ما سيأتي. لا يقال: حق التقسيم أن يكون بعد معرفة مورده, إذ التصديق مسبوق بالتصور. لأنا نقول: لا يشترط التصور الحدي أو الرسمي, بل باعتبار ما, وهو إن كان للمختصر فهو متصور باعتبار وصفه الذي وصفه به المؤلف المصنف, وإن كان للأصول فهي متصور [باعتبار] اسمها.

стр. 8

ووجه الحصر في المذكور اسقرائي. ومن رام حصرًا عقليًا اعتقل دونه, ومن قصد تسهيل الاستقراء وتقليل الانتشار قال: المبحوث / عنه في المختصر, إما أن يكون بيان ما يتمكن العالم به من الاستنباط, وهو المقصود إثباته من أصول الفقه بالذات, أو ما يتوقف عليه المقصود بالذات بوجه ما, والثاني المبادئ, والأول ينحصر في الثلاثة, إذ لا يتمكن [من] الاستنباط من الأدلة بدون معرفتها, ولا بدون الاجتهاد لأنه ما لم يعلم الاجتهاد [وحكمه] وأحكامه, لا يمكنه الاستنباط, ولا بدون الترجيح؛ لكون غالب الأدلة ظنيًا قد تتعارض فلا يتمكن من

стр. 9

الاستنباط بدون الترجيح, والاستقراء دل على حصول التمكن بها من غير توقف على غيرها. قيل عليه: نفس الاجتهاد لا يكون جزءًا من المختصر, ومعرفته لا تكفي؛ لأن انتفاء المعارض يعلم [بنفس] الاجتهاد لا بالعلم به. وأيضًا: إن أريد بالأدلة الكلية, لم يتم الحصر؛ لتوقف الاستنباط على [الأدلة] التفصيلية. وإن أريد التفصيلية, يلزم أن يكون معرفتها والبحث عنها في الأصول, وليس كذلك. وأيضًا: التقليد والتخيير والوقف عما يبحث فيه, وليس واحدًا من الأربعة. ورد الأول: أن نختار القسم الثاني, على معنى أنه إذا حصل المذكور تمكن من الاستنباط, وعنده يعلم انتفاء المعارض.

стр. 10

ورد الثاني أيضًا: بأنا نختار القسم الأول. قوله: (الاستنباط يتوقف على معرفة التفصيلية). قلنا: نعم, لكن لا على التفصيل, بل يتوقف [على] معرفة التفصيلية بالجملة, وذلك غير خارج عن الأربعة؛ لأن معرفة الأدلة الكلية على وجه كلي, معرفة الأدلة التفصيلية بوجوه. ورد الثالث: بأنه عبر بلفظ الترجيح عنه وعن الوقف والتخيير, وبلفظ الاجتهاد عنه وعن التقليد, إطلاقًا لاسم المقابل [الأهم] على الشيء ومقابله. قال: (فالمبادئ: حده, وفائدته, واستمداده). أقول: قدم [الكلام على] المبادئ وضعًا لتقدمها طبعًا؛ لأن من حاول علمًا لابد أن يتصوره, إذ لا يطلب ما لا يتصور فائدته؛ لأن

стр. 11

طلب ما لا فائدة فيه عبث, وأن يحصل ما يستمد منه أولى؛ ليستعين به على تحصيل المطلوب, والحصر في الثلاثة استقرائي. والمتقدم طبعًا: هو الذي يحتاج إليه المتأخر, ولا يكون علة له, والثلاثة كذلك. والمبادئ عند المنطقيين هي: الأشياء التي ينبني مباحث ذلك العلم عليها, وهي: إما تصورات, وهي تعريف أشياء تستعمل في ذلك العلم, وهي: موضوعه, وأجزاؤه, وأنواعه, وأعراضه الذاتية, وأنواعها. وإما تصديقات, وهي المقدمات التي يتألف منها قياسات منتجة لمسائل ذلك العلم, وهي إما بينة بنفسها, / وإما مسلمة في ذلك العلم غير مبرهن

стр. 12

عليها فيه, لبناء مسائل ذلك العلم عليها, سواء كانت مسلمة في نفسها أو مقبولة, على أن يبرهن عليها في علم آخر. فالحد والفائدة ليسا من المبادئ على هذا, فلا تكون أجزاءً للأصول وإن كانت أجزاءً للمختصر لأن المبادئ عندهم [من] أجزاء العلم, وإنما يسمون المذكور مقدمات العلم, ولقائل أن يقول: المذكور من أجزاء العلم. أما الاستمداد؛ فلأن العلم ينبني عليه, والمبادئ هي الأشياء التي ينبني عليها العلم, فالاستمداد من المبادئ لأصول الفقه, ومن المسائل لعلم الكلام, وعلم العربية, وعلم الفقه. وصرح سيف الدين بأن الاستمداد من المبادئ, والحد أيضًا من المبادئ, لاستلزامه تعريف الموضوع وذلك من المبادئ, [وكذا القول بعينه في الفائدة]. واعلم أن المبادئ تطلق على ما يتوقف عليه المقصود بوجه, وهو المستعمل عند أكثر الأصوليين, فإن توقف تصوره عليه فهو الحد, وإن توقف باعتبار الشروع فهو الفائدة, وإن توقف البحث عن مسائله عليه

стр. 13

فهو الاستمداد. قال: (أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية). أقول: لما كان تقدم الحد على الاثنين أيضًا طبعًا قدمه وضعًا, وأصول الفقه مركب إضافي له معنيان: أحدهما: ما يفهم من مفرديه عن تقييدهما الأول بالثاني, وهو المعنى الإضافي. والثاني: مسماه الذي هو العلم الخاص, وهو لقب له منقول عن الأول؛ لأن معناه الإضافي: أدلة الفقه, ومعناه اللقبي: العلم بالقواعد التي يستنبط الفقه منها. قيل: فلا يصدق مفهومه الإضافي على مفهومه اللقبي. قلت: المفهوم الإضافي اصطلاحًا غير صادق على اللقبي, والمفهوم الإضافي لغة صادق على اللقبي؛ لأن مفهومه اللغوي: الأشياء التي ينبني عليها الفقه, إذ الأصل ما ينبني عليه غيره, وذلك صادق على العلم بالقواعد. وانتصب لقبًا على التمييز, ميزه ليعلم أن التعريف لمفهومه اللقبي لأنه أهم مفهوميه؛ لأن وضع الكتاب لـ[بيان] مفهومه اللقبي, مع أنه حد له باعتبار كونه مفردًا, والثاني حده باعتبار كونه مركبًا, والمفرد قبل

стр. 14

المركب. ومعنى الكلام: أن حد المفهوم المدلول عليه [بلفظ] أصول الفقه الذي هو لقب عليه. واحتجنا إلى هذا؛ لأن اللقب صفة للفظ, والحد للمعنى, واللقب علم دل على مدح أو ذم, وهو [هنا] دال على أعظم المدائح؛ لأنه إذا / كان علمًا على قواعد من شأنها أن يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية التي هي سبب السعادة, فهو أعظم مدح, وهم علم جنس كأسامة؛ لأن الحد للكليات لا للشخصيات. قيل عليه: هذا الاسم للمجموع من حيث هو, بحيث لا يصدق على غيره, ونفس تصوره مانع من الشركة, إذ لا يوجد أمران كل واحد منهما ذلك المجموع من حيث هو, بخلاف أسامة فيكون علم شخص لا علم جنس. قلت: لما كان العلم صفة حقيقية تلزمها إضافة, أو نفس الإضافة

стр. 15

على الرأيين, فالحقيقة واحدة, والأفراد ما اتصف به الأشخاص. وقيل: العلم بالقواعد؛ لأنه لابد له من متعلق, سواء قلنا: إنه إضافة, أو [قلنا]: صفة تلزمها إضافة. والمتعلق هو المعلوم, وقيده بأمر خاص؛ لأن المطلق إذا تقيد بأمور خاصة حصل نوع منه, إذ تحصل النوع يكون بخصوصية المتعلق به, ولما كان تحصل أصول الفقه بتقييد العلم بالقواعد, قيده بها. والعلم [و] إن كان يتعدى بنفسه, لكن لما كان إعمال المصدر باللام قليلًا, قواه بالباء. والقاعدة: الأمر الكلي المنطبق على الجزئيات لتعرف أحكامها منه, فخرج العلم بالجزئيات وبعض القواعد؛ لأن الألف واللام للاستغراق, ولا يصح تفسير القواعد بالأدلة الكلية [من] الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن القواعد قولنا: الكتاب حجة, السنة حجة, إذ نفس الكتاب ليس مما يتوصل به إلى الاستنباط, نعم يتوصل بغيره إلى الاستنباط عنه. وقوله: (التي يتوصل بها إلى الاستنباط) إشارة إلى أنه وسيلة, وذكر

стр. 16

الاستنباط إشارة إلى الاستخراج فإن فيه كلفة, وفيه إشارة إلى أن بقاء الإنسان ببقاء الأحكام, كما أن [بقاءه] ببقاء الماء المستنبط. وأيضًا: العلم حياة الروح كما أن الماء حياة البدن, ولم يخرج به شيء؛ لأن القاعدة من شأنها التوصل. وقوله: (الأحكام) فصل خرج به الصنائع. وقوله: (الشرعية) فصل خرج به اللغوية والعقلية, كقواعد الحساب والعربية. وقوله: (الفرعية عن أدلتها التفصيلية) لبيان الواقع, أو شأنها ذلك, فهو لتمام تصور المحدود, إذ لم يوجد علم بقواعد توصل بها إلى استنباط أحكام شرعية أصولية حتى يحترز بالفرعية عنه؛ لأن الأحكام الأصولية إنما استفيدت من آيات وأخبار, ولم يوجد علم بقواعد توصل به إلى استنباط أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية حتى يحترز بالتفصيلية عنه. قولهم: احترز بالفرعية عما / توصل به إلى الأصولية, ككون الإجماع حجة, والقياس دليلًا.

стр. 17

وعلم الكلام: علم بقواعد توصل به إلى استنباط أحكام شرعية أصولية مردود؛ لأن علم الكلام توصل به إلى إثباتها لا إثبات حجيتها. قيل عليه: قولكم: «لم يوجد علم يحترز بالتفصيلية عنه» , إن أردتم لم يوجد مدونًا مسلم. وإن أردتم في نفس الأمر فممنوع؛ لأنه إذا ثبت أن لنا أدلة إجمالية يستدل بها على الأحكام, فلابد للاستدلال بها من كيفية, وليست الكيفية ضرورية, ولابد لنا من بيان, فيوجد في نفس الأمر علم مبين لكيفية الاستدلال, وذلك العلم من شأنه أن يتوصل به إلى أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية وليس بأصول فقه, فيجب الاحتراز عنه. وفيه نظر؛ لأن ما ثبت بالإجمال كقولهم يجب بالمقتضى ولا يجب بالنافي لا يعلم أن التوصل إلى استنباطه بقواعد, لجواز أن يكون ما يتوصل به إلى استنباط أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية جزئيات وعلى التعريف شكوك. الأول: أنه يدخل علم الخلاف. ورد: بأنه علم بجزئيات, أو علم بقواعد يتوصل بها إلى حفظ

стр. 18

الأحكام لا إلى استنباطها. الثاني: أنه غير منعكس؛ لأن خبر الواحد والقياس ظنيان, وكذلك الأمر للوجوب, والنهي للتحريم, والألف واللام للعموم, بل أكثر قواعده أمور ظنية. ورد: بأن كون الأمر للوجوب إلى آخره من مسائله, وهو غنما قال: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام. والجواب: أن المراد بالعلم المعنى الأعم الصادق على الظن. قال بعضهم: لا نسلم أن خبر الواحد والقياس من قواعده, بل القاعدة كون كل واحد منهما مفيد للظن, فالظن متعلق بما أفاده, والعلم متعلق بإفادته. قلت: وهذا معنى حسن أيضًا, وما قيل من أن المذكور يفيد ظنًا, لكن القطع بوجوب العمل به بصدق كونها معلومة باطل؛ لأن ذلك لا يخرجها عن إفادتها الظن, وكون الظن يجب العمل به [قطعًا] أمر آخر. الثالث: أنه اعتبر الحد إضافة العلم إلى المعلوم, والإضافة خارجة عن حقيقته, فلا يكون حدًا.

стр. 19

ورد: بأن العلم إن كان نفس الإضافة فلا إشكال, وإن كان صفة يلزمها إضافة, فلا نسلم أن الإضافة إلى المعلوم خارجة عن العلم المضاف إلى القواعد المذكورة, والخارج عن المطلق لا يلزم خروجه عن المقيد؛ لأن المراد من علم الأصول العلم المضاف لا المطلق, مع أن التعريف بالخارجي عند المصنف يطلق عليه [اسم] الحد. / الرابع: [أنه] لا يطرد؛ لأن الحساب يتوصل به إلى بعض مسائل الفرائض, وكذا العربية, وكذا علم الكلام. ورد: بأن ما يتوصل به من ذلك فهو مبدأ للأصول فهو منه, والحساب استنبط به بعض متعلقات الأحكام لا نفس الأحكام. الخامس: قوله: (التي يتوصل) يريد بالفعل أو بالقوة, فإن أريد الأول لم ينعكس؛ لخروج من علم تلك القواعد ولم يتوصل إلى الاستنباط بالفعل, وإن أريد الثاني لم يطرد؛ لدخول علم الله تعالى, وعلم الرسول ﷺ , ولا يطلق على ذلك أصول. وأجيب: نختار الثاني, وعدم الإطلاق لكون أسمائه توقيفية.

стр. 20

السادس: أصول الفقه القواعد, ويعرض لها العلم, فلا يصلح جنسًا. وأجيب: بأنه لما كان علمًا, والعلم إنما يتخصص - كما تقدم - بخصوصية المتعلق به وأضيف إلى القواعد, صار أصول الفقه العلم بالقواعد. قال: (وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة). أقول: لما عرف المفهوم اللقبي, عرف بعد [ذلك] الإضافي, وتعريفه إنما يكون بتعريف المضاف والمضاف إليه. أما المضاف: فالأصول جمع أصل, وهو ما منه الشيء لغةً, أو ما يبنى عليه غيره. وأما اصطلاحًا: فالأصول: الأدلة, والألف واللام للعهد, أي أدلة الفقه؛ لأنه لما أضيف الأصل إلى الفقه وهو علم, كان بمعنى الدليل, كما يقال: الأصل في هذا الكتاب, وهو حد لفظي بعد النقل؛ لأن العلم بالقواعد مسمى الأصول, والأدلة حد لذلك المسمى بعد النقل, وأما قبله فلا؛ إذ الأدلة الكتاب والسنة لا العلم بالقواعد, وإن حمل الأصل على معناه اللغوي حتى يكون معناه ما يستند الفقه إليه, كان حدًا له لا بعد النقل. قال: (الفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال). أقول: لما تكلم عن المضاف, أخذ الآن يتكلم في المضاف إليه.

стр. 21

والفقه لغة: الفهم, قال الله تعالى: ﴿لا تفقهون تسبيحهم﴾ أي لا تفهمون, وقال: ﴿ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾ أي [لا نفهم]. وقيل: فهم الأشياء الدقيقة, إذ لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا. قلت: [والأول] أصح, وكونه لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا؛ لأنه لا يقال: فهمت أن السماء فوقنا. وفي الاصطلاح: ما ذكر فالعلم جنس, وليس المراد من العلم بالأحكام تصورها؛ لأن ذلك من مبادئ أصول الفقه. وأيضًا: التصور لا يحصل عن الدليل, وليس المراد التصديق بثبوتها؛ لأن ذلك من علم الكلام, بل التصديق بتعلقها بأفعال المكلفين. والعلم بمعنى الاعتقاد الراجح لا بمعنى اليقين, وإلا لم يدخل المقلد,

стр. 22

فلا يحتاج إلى إخراجه, ولم يتوجه إيراد المصنف على الحد /, ولأن الفقه من باب الظنون لأن دليله ظني, والناتج عن الظني ظني, وما يحاولونه من رده إلى العلم فباطل, ولنقرره أولًا, ثم لنجب عنه. وتقريره: أن يقول المجتهد: هذا الحكم غلب على ظني, وكلما غلب على ظني فهو حكم الله تعالى في حقي إجماعًا, فينتج: هذا حكم الله تعالى في حقي إجماعًا. الأولى وجدانية, والثانية إجماعية, فهما قطعيتان, والناتج عن [القطعي قطعي]؛ ولأنه إذا ظن الحكم, إما أن يعمل بالطرف الراجح وهو المطلوب, أو بهما وهو ج مع بين النقيضين, أو لا بهما فيرتفع النقيضان, أو بالطرف المرجوح, وترجيح المرجوح خلاف المعقول, فصدق قولنا: الحكم يجب العمل به قطعيًا, وكون الظن وقع في طريقه لا يضر؛ لأنه وقع الظن محمولًا في الصغرى, موضوعًا في الكبرى, ولا

стр. 23

يلزم من كون المحمول ظنيًا كون القضية ظنية إذا كانت النسبة يقينية. وأجيب عن الأول: بأنه إضمار في التعريف؛ لأن قولنا: «العلم بالأحكام» لا يدل على وجوب العمل [بها] , والمجاز يجتنب في التعريف, والحدود الناقصة والرسوم وإن كانت دلالتها على المحدود

стр. 24

والمرسوم مجازًا, لكن لم يرد بها المحدود والمرسوم, بل المراد المفهوم المطابقي, ودلالتها عليه بالحقيقة. وأيضًا: هذا دليل كلي يتمشى له في كل جزئية, والفقه ما كان عن أدلة تفصيلية. وأيضًا: هذا البحث مبني على تصويب كل مجتهد, ومختار المصنف خلافه, فلا يحمل كلامه على ما ينافي مختاره. وأيضًا: الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب, والعلم بتحريم المخالفة, يصدق كون الأحكام مظنونة, وإلا اجتمع الظن والعلم. وأيضًا: يلزم أن يكون من يعلم أن العمل بمقتضى الظن بالأحكام واجب فقيه وإن لم يعلم غير هذه القضية. وأيضًا: لا يلزم من غلبة الظن بشيء العلم بتلك الغلبة, إذ لا يلزم من حصول أمر تعقله, وإلا لتسلسلت المتعقلات.

стр. 25

وأجيب عن الثاني: بأن نختار القسم الثالث, وعدم العمل قد يكون لعدم الجزم بأحدهما, مع أن الواقع لا يخلو عن أحدهما, والمحال ارتفاعهما في الواقع. سلمنا, ونختار الرابع. قوله: (خلاف المعقول) إنما ذلك لو كان المرجوح عنده هو المرجوح في الواقع, وهو غير لازم, إذ قد يكون الظن غير مطابق, ثم لو صح ما ذكر يلزم انحصار الفقه في الوجوب, فإن قال: المراد وجوب اعتقاد الحكم على الوجه المظنون, قلنا: لا دلالة لقولنا العلم بالأحكام على قولنا: العلم بوجوب اعتقاد العمل بالأحكام, فيكون فاسدًا. قوله: (بالأحكام) جمع حكم, والمراد به / هنا المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع تعلقًا تنجيزيًا, وهو الذي قال في النسخ: (ونعني بالحكم ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن) , ونسبتها إلى الشرع من جهة أن استفادة العلم متعلق بأفعال المكلفين من الشرع, لا أن

стр. 26

ثبوتها من الشرع؛ لأنها قديمة قائمة بذاته تعالى, ونسبتها إلى الفرعية من جهة تعلقها بالعمل الذي هو فرع العلم, والأدلة التفصيلية هي الأدلة الجزئية. قال بعضهم: إن متعلق العلم إما أن يكون غير مفتقر إلى محل أو لا, والأول الذات الكريمة والجواهر, والثاني إما أن يكون تأثيرًا في الغير أو لا, والأول الفعل كالتسخين والتبريد, [وإنما] قلنا: تأثيرًا في الغير ولم نقل: مبدأ التأثير؛ لأن مبدأ التأثير في الغير هو الفاعل لا الفعل, والثاني إما أن يكون مقتضيًا لنسبة مفيدة أو لا, والأول الحكم, [قلت: وفيه نظر؛ لأن الحكم قسم من الكلام, والكلام نسبة على ما ذكر المصنف, لا أنه يقتضي النسبة] , والثاني الصفة الحقيقية كالقدرة والإرادة. فقوله: (الأحكام) خرج الذوات والأفعال والصفات الحقيقية. [قلت: وهذا إنما يتمشى على رأي الحكماء والمعتزلة, وإلا فالكلام من الصفات الحقيقة عند الأشاعرة].

стр. 27

وبالشرعية خرج العقلية, وبالفرعية خرج الأصولية. قيل: إن أردتم بالفرعية ما تعلق بالعمل الذي هو ناشئ عن العلم, يلزم أن يكون قولنا: الكتاب حجة فرعًا, لتعلقه بالعمل؛ لأنه إذا كان حجة يجب العمل به, وإن أردتم ما تفرع عن الغير, لزم أن تكون الأصول فروعصا, لتفرعها عن الكلام, وإن أردتم ما لم يتفرع عنه غيره, لزم أن لا تكون الفروع التي يتفرع عنها غيرها فروعًا. ورد: بأنا نختار الأول, والمراد تعلق العلم بكيفية العمل لا بواسطة, بخلاف هذا, أو نختار الثاني, والكلام دل على ثبوتها لا على حجيتها. وقوله: (عن أدلتها التفصيلية) إن علق بالفرعية, فهو لبيان الواقع ولا يخرج به شيئًا, وبقيد الاستدلال يخرج علم الله تعالى, وعلم الملائكة, وعلم الرسول ﷺ , وما علم من دين الأمة بالضرورة, وعلم المستفتي. وإن علق بالعلم, خرج علم الله تعالى, وعلم الرسول ﷺ , والملائكة, وما علم من دين الأمة بالضرورة بقوله: (عن أدلتها التفصيلية). وبقيد الاستدلال يخرج المستفتي؛ لأن علم الله ﵎ لا عن دليل وعلم الرسول ﷺ لا عن دليل, بل بإعلام الله تعالى بالوحي, أو بخلق ذلك في قلبه, وعلم الملك ضروري, وما علم من دين الأمة بالضرورة ليس عن دليل, والكل ليس بفقه.

стр. 28

لا يقال: علم الله عن الدليل, لأن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول, لأنا نقول: الأدلة معرفات لا علل. وأيضًا: كل ما حصل عن الدليل فهو كسبي, وكل كسبي حادث. قيل: قيد الاستدلال مستغنى عنه, إذ علم المستفتي ليس عن دليل. وأجيب: لما كان علمه عن علم المفتي, وعلم المفتي عن الدليل, فعلمه عن الدليل لكن بواسطة, فقيد الاستدلال يخرجه, إذ لم يعلم بالاستدلال. قلت: وفيه نظر؛ لأنه حينئذ لا يكون متعلقًا بالعمل بل بصفة, بمعنى المعلومة عن أدلة تفصيلية؛ لأنه علم ما علمه الغير عن دليل, لا أنه هو علم عن الدليل, وأيضًا: يرد مثل ذلك في قولنا بالاستدلال؛ لأن ما علم المستفتي صدق أنه علم عن الأدلة بالاستدلال بالنسبة إلى المفتي, معأن علم المستفتي فعن دليل كلي, وهو: هذا أفتاني به المفتي, وكل ما أفتاني به فهو حكم الله تعالى في حقي. والفقه ما كان عن أدلة تفصيلية, لكن ثبت في بعض النسخ, ولأن قولنا: الاستدلال يخرجه فتغير على هذا, والحق أنه متعلق بالعلم؛ لأن الحكم قديم, فالعلم به عن الدليل, لا أن نفسه عن الدليل.

стр. 29

قال: (وأورد: إن كان المراد بالبعض, لم يطرد الدخول المقلد, وإن كان الجميع, لم ينعكس لثبوت لا أدري. وأجيب: بالبعض ويطرد؛ لأن المراد بالأدلة الأمارات, وبالجميع وينعكس؛ لأن المراد تهيؤه للعلم بالجميع). أقول: يجب أن يكون الحد مساويًا للمحدود في العموم والخصوص ولا يكون أعم, إذ لا دلالة للأعم على الأخص, ولا أخص لأن الأخص أخفى [ولا يعرف به] , فحينئذ هذا التعريف فاسد؛ لأن الألف واللام إن كانت لا للاستغراق, يلزم أن يكون ما علمه المقلد فقهًا, وليس كذلك فقد وجد الحد ولا محدود, وهو عدم الاطراد, وإن كانت للاستغراق, يلزم تحقيق المحدود بدون الحد؛ لأن مالكًا سئل في أربعين مسألة, فقال في ست وثلاثين: لا أدري, وما علم مالك فقه, فقد ثبت المحدود ولا حد وهو عدم للانعكاس, وأنكره بعضهم بأن الحد للحقيقة من غير تعرض

стр. 30

للأقسام الداخلة, كحد الإنسان, لا يقال للكل ولا للبعض. رد: بأنه لما عدل عن تقييد العلم بالحكم إلى الأحكام؟ . وأجاب المصنف: أنه نختار الأول. قوله: (لا يطرد) نمنعه؛ لأن المراد بقولنا: عن أدلتها, عن أماراتها والأمارة ليس بينها وبين مدلولها ربط عقلي, فلابد من شيء يربط بينها وبين الظن ليمكن الاستفادة, وليس ذلك إلا العلم بأنه ليس لها معارض وأنها راجحة, ولا يعلم ذلك إلا فقيه, فسمي ذلك فقهًا. أو / نختار أنها للاستغراق, والمراد ليس العلم بالفعل, بل التهيؤ للعلم [بالجميع] , تهيؤًا قريبًا من الفعل. قلت: والأول مبني على تجزي الاجتهاد, والمصنف لم يثبته بعد ولم ينفه, فلذلك ما جزم بهذا الجواب.

стр. 31

قلت: ويرد عليه: أن الدليل للقدر المشترك بين البرهان والأمارة, فاستعماله لخصوص الأمارة مجاز, ولا يسوغ في الحد. وأيضًا: يلزم أن يكون ما علم عن نص أو إجماع ليس بفقه. قلت: ويرد أيضًا على اختيار القسم الثاني: من ثبت عنه لا أدري وبقي [على ذلك] إلى أن مات متوقفًا, فإنه لم يتهيأ للعلم بالجميع. واعلم أن إطلاق العلم لإرادة التهيؤ للعلم وإن كان مجازًا, إلا أنه صار حقيقة عرفية, والمقلد هنا غير العامي, واصطلاح المصنف فيما بعد على تسمية العامي بالمستفتى, ولا يلزم مما ذكر أن يكون من علم حكمًا [واحدًا] بالدليل فقيهًا, وهو مذهب شذوذ. قال بعضهم: والجمهور شرطوا في إطلاق اسم الفقيه كون الأحكام ثلاثة, وقال بعضهم: إنه خلاف المشهور. قلت: وهو الحق. قال: (وأما فائدته: فالعلم بأحكام الله تعالى). أقول: الفائدة علة في الذهن فهي سابقة, معلومة في الخارج؛ لأن العلم

стр. 32

بأحكام الله تعالى نتيجة الأصول, فهو متأخر. قال: (وأما استمداده: فمن الكلام والعربية والأحكام. أما الكلام؛ فلتوقف معرفة الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى, وصدق المبلغ ﵇, وتتوقف على دلالة المعجزة. وأما العربية؛ فلأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية. وأم الأحكام؛ فالمراد تصورها, ليمكن إثباتها أو نفيها, وإلا جاء الدور). أقول: لما فرغ من الحد والفائدة, شرع في الاستمداد, والحصر في الثلاثة استقرائي. وقال بعضهم: ما يتوقف عليه البحث في مسائل أصول الفقه, إما أن يكون مما تتوقف حجية الأدلة وإفادتها الأحكام عليه أو لا, والأول الكلام. والثاني إما أن يكون مما تتوقف عليه دلالات ألفاظ الأدلة الكلية أو لا, والأول العربية, والثاني تصور الأحكام؛ لأنه مما تتوقف عليه, والأصل عدم غيره. أما الأول: فلتوقف موضوع العلم الذي هو الأدلة على تحقق كونها شرعية, لتوقف إفادتها شرعًا للأحكام عليه, والعلم بذلك يتوقف على معرفة وجود الصانع, ومعرفة صفاته, من كونه عالمًا, قادرًا, مريدًا,

стр. 33

متكلمًا, وعلى معرفة كونه باعثًا للرسل, وذلك يتوقف على معرفة صدقهم, ومعرفة ذلك يتوقف على دلالة المعجزة عليه, فمتى لم تعلم المعجزة لا يعلم صدق الرسول, ومتى لم يعلم صدق الرسول لا يعلم أن الكتاب [الذي جاء به] من عند / الله تعالى, ومتى لم يعلم أنه من الله تعالى, لم تعلم السنة. فلم تثبت الأدلة, وإذا لم تثبت الأدلة الشرعية, لم تثبت إفادتها الأحكام وإنما قال: (الأدلة الكلية)؛ لأن الأدلة الإجمالية التي انبنت عليها الأدلة التفصيلية والأدلة التي ثبتت بها مسائل الأحكام تتوقف على المذكور, وذلك لا يعلم في غير علم الكلام. وأما العربية: فلأن الأصولي يبحث عن عوارض الأدلة, وإذا لم يعلم دلالتها لا يمكنه البحث عن أعراضها.

стр. 34

والأدلة عربية؛ لأنها من الكتاب والسنة وهما عربيان, فيتوقف البحث على معرفة الأوضاع اللغوية من حيث الحقيقة والمجاز, ومعرفة ما يعرض للألفاظ من العموم والخصوص, والإطلاق والتقييد, والحذف والإضمار, إلى غير ذلك, فتتوقف إفادتها للأحكام على معرفة ذلك. وأما الأحكام؛ فلأن الأصولي يبحث عن كيفية تعلق الحكم الشرعي بفعل المكلف عن الأدلة التي هي الكتاب والسنة والإجماع, بان يبين كيفية استخراج الحكم من ذلك الدليل, وبأي جهة دل عليه, بمنطوق, أو بمفهوم, أو بدلالة اقتضاء, أو إيماء, أو إشارة, ويبين بماذا يثبت كل دليل. [مثلًا]: أن الأمر يثبت الوجوب, والنهي التحريم, فما لم يتصور

стр. 35

الوجوب والتحريم, لا يمكنه استخراج الوجوب من الدليل؛ لأن الحكم على الوجوب بأنه يثبت بالأمر فرع تصور الوجوب, فيكون البحث عن الأعراض الذاتية للأدلة موقوفًا على تصور الأحكام الخمسة. فالعلم بدلالة الدليل على الحكم يتوقف على تصور الحكم, وأما العلم بذات الأدلة فإنه لا يتوقف على تصور الأحكام, فإن تصور كون القرآن كذا لا يتوقف على تصور الأحكام, وليس الأصول مستمدًا من ثبوت الأحكام لأفعال المكلفين, وإلا لزم الدور؛ لأن العلم بثبوت الأحكام لأفعال المكلفين متأخر عن الأصول لاستفادته عنها, فلو كان مبدأً للأصول لكان متقدمًا, ولزم الدور. لا يقال: إنما يلزم الدور لو كان من المبادئ العامة, بأن تكون كل مسألة من الأصول تتوقف على العلم بثبوت الأحكام لأفعال المكلفين, أما إذا كان بعض مسائل الأصول موقوفًا عليه, فلا دور, لجواز أن يكون الحكم مستفادًا من غير تلك المسائل من الأصول. لأنا نقول: الحكم الواحد يتوقف على جميع الأصول, لتوقف نفس الدليل على المبادئ مما تقدم, ويتوقف الاستنباط على الاجتهاد والترجيح. وأيضًا: استقرينا فلم نجد شيئًا منها يتوقف على العلم بثبوت الأحكام. وقوله: (ليمكن إثباتها أو نفيها) , أي لأفعال المكلفين, لا

стр. 36

إثباتـ[ها] نفسها, وأنها قائمة بذات الله , فإن ذلك من علم الكلام, والعلم به من مبادئ الأصول, فلا دور. واعلم أن التصديق بالأحكام من حيث هي محمولات مسائل الأصول, كقولنا: الأمر للوجوب, ومن حيث تعلقها بمسائل الأصول, كقولنا: العام إذا خص بمبين يكون حجة في الباقي, لا يكون من المبادئ؛ لأن المسائل تتوقف على المبادئ, فلو استمد الأصول منه لزم توقف الشيء على نفسه. قال: (الدليل لغة: المرشد, والمرشد: الناصب, والذاكر, وما به الإرشاد. وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. قيل: إلى العلم به, فتخرج الأمارة. وقيل: قولان فصاعدًا يكون عنهما قول آخر. وقيل: يستلزم لنفسه, فتخرج الأمارة). أقول: لما وقع [له] الدليل من حد [ي] الفقه وأصول الفقه, وكذا العلم, ووقع النظر بعد ذلك من تعريف الدليل, عرفها لتعلم.

стр. 37

وقال الآمدي ومن تابعه: «إن هذا من المبادئ الكلامبية». ولما كانت من المبادئ, تعرض لها أولًا. وفيه نظر؛ لأن البحث عن الدليل وأقسامه لا يختص به الكلام, مع أن ما بعد هذا منطق, فلا ينسب إلى مبادئ الكلام لكونه آلة لجميع العلوم. والدليل: فعيل بمعنى فاعل, أي دال, قال الجوهري: «يقال: دل دلالة ودلالة, بفتح الدال وكسرها, والفتح أعلى. وقيل: الفتح في الأعيان, والكسر في المعاني, يقال: دله على الطريق دلالة, ودل الدليل دلالة». قال المصنف في الأمالي: «لغة» انتصب على أنه مصدر مؤكد, أي

стр. 38

يدل دلالة لغة. قلت: والمصدر المؤكد لا يتقدم الجملة ولا يتوسطها إلا عند الزجاج. قيل: قدم على المرشد, لبيان أنه لدلالة الدليل, ولو أخر لصلح لكل منهما. قيل: وليس بتمييز عن النسبة, إذ لا إبهام في حمل المرشد على الدليل ولا عن المفرد وهو الدليل, إذ الإبهام غير مستقر لكونه مشتركًا. قلت: ولا عن مضاف محذوف بمعنى مدلول الدليل, إذ المميز مطلقًا موصوف في الأصل عما انتصب عنه, ولا توصف اللغة بذلك, ولا ينصب بإسقاط الخافض لالتزامهم تنكيره. وفي عرف الفقهاء: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب

стр. 39

خبري. فما يمكن, يشمل القول وغيره, وهو المعنى الحاصل في الذهن. وقوله: (بصحيح النظر) يخرج المقدمات الصحيحة المرتبة ترتيبًا أن ترتبها ترتيبًا صحيحًا وقد حصل, ويخرج ما يمكن التوصل به بالنظر الفاسد كالمقدمات الكاذبة, ولا تخرج المقدمات الصحيحة التي أمكن التوصل بها بنظر فاسد إلى مطلوب؛ لأن إمكان / التوصل بالنظر الفاسد فيها لا ينافي إمكانه بالنظر الصحيح فيها. وقوله: (إلى مطلوب خبري) يخرج التصوري, هذا إذا أردنا بصحيح النظر إيقاع النظر. وإن أريد بصحيح النظر الواقع فيه [أيضًا] , دخل القياس المنطقي.

стр. 40

وقال المتكلمون: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم به. والضمير المجرور يعود على المطلوب الخبري فتخرج الأمارة, إذ لا يمكن التوصل بصحيح النظر فيها إلى العلم بالمطلوب الخبري, بل إلى الظن به. وإنما خص المتكلمون الدليل بقيد العلم؛ لأن الدليل يتوصل به إلى المطلوب, ومطالبهم يقينية, والموصل إلى اليقين لا يكون أمارة. ولما كانت مطالب الفقهاء عملية, والعمل لا يتوقف على العلم, فلذلك كان الدليل عندهم أعم. ولما كان أصول الفقه متعلقًا بهما, احتيج فيه إلى الاصطلاححين, فلهذا عرفه بالتعريفين, لكونه مستمدًا من الكلام وأصلًا للفقه. ولما كان تعلقه بالفقه أقوى - ولهذا سمي بأصول الفقه ولم ينسب إلى الكلام مع كونه مقصودًا للفقه لا لذاته - عرفة في اصطلاح الفقهاء أولًا,
следующие страницы →