← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

باب الردة هي لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وشرعاً: ما سيأتي؛ وهي أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ ولخبر البخاري: «من بدل دينه .. فاقتلوه». (كفر المكلف اختيارً ذي هدى .. ولو لفرض من صلاة حجا) (وتجب استتابة، لن يمهلا ... إن لم يتب فواجب أن يقتلا) (من دون جحد عامداً ما صلى ... عن وقت جمع استتب، فالقتلا) (بالسيف حداً، بعد ذا صلاتنا ... عليه ثم الدفن في قبورنا) فيها أربع مسائل: [تعريف الردة شرعاً] الأولى: الردة شرعاً: كفر المكلف المسلم المختار بنية كفر، أو قول مكفر، أو فعل مكفر، سواء في القول أكان استهزاء أم عناداً أم اعتقاداً؛ كأن تردد في الكفر، أو عزم عليه في المستقبل، أو اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو كذب رسولاً، أو حلل محرماً بالإجماع معلوماً من الدين بالضرورة كالزنا، أو حرم حلالاً بالإجماع معلوماً من الدين بالضرورة كالنكاح، أو جحد وجوب مجمع عليه معلوماً من الدين بالضرورة؛ كركعة من الصلوات الخمس، وقد أشار إليه الناظم بقوله: (ولو لفرض من صلاة جحداً) أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كذلك، كصلاة سادسة، أو ألقى مصحفا بقاذورة، أو سجد لصنم أو شمس، أو قذف عائشة رضي الله تعالى عنها، أو ادعى نبوة بعد نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أو صدق مدعيها، أو استخف باسم الله أو رسوله، أو رضي بالكفر أو أشار به.

стр. 772

[استتابة المرتد قبل قتله] الثانية: تجب استتابة المرتد قبل قتله؛ لأنه كان محترماً بالإسلام، وربما عرضت له شبهة فتزال؛ إذ لو مات على حاله .. مات كافراً، بخلاف تارك الصلاة؛ فإنه لو مات .. مات مسلماً، في الحال بلا مهلة، فإن لم يتب .. وجب قتله؛ لخبر البخاري: «من بدل دينه .. فاقتلوه» وهو شامل للمرأة وغيرها، لأن المرأة تقتل بالزنا بعد الإحصان، فكذلك بالكفر بعد الإيمان كالرجل، وأما النهي عن قتل النساء .. فمحمول بدليل سياق خبره على الحربيات، ولكن لا يقتل المرتد في جنوبه أو سكره؛ فربما رجع، فلو قتله إنسان قبل الاستتابة .. فمسيء يعزر ولا شيء عليه، ويستحب أن تؤخر توبة السكران إلى إفاقته. قال الماوردي: ولا يدفن المرتد في مقابر المسلمين؛ لخروجه بالردة عنهم، ولا في مقابر الكفار؛ لما تقدم له من حرمة الإسلام. وإن أسلم المرتد ذكراً كان أو أنثى .. صح إسلامه، ولو كان زنديقاً يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أو باطنياً يقول بأن للقرآن باطنا، وأنه المراد منه دون ظاهره، أو سكران أو تكررت ردته؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله ﷺ : «فإذا قالوها .. عصموا مني دماءهم وأموالهم»، ويعزر من تكررت ردته؛ لزيادة تهاونه بالدين. ولو أسلم من كفر بقذف نبي .. صح إسلامه، وترك كسائر المرتدين؛ قاله أبو إسحاق المرزوي، ورجحه الغزالي وغيره، وتبعه في «الحاوي الصغير» ونقله ابن المقري عن الأصحاب، وقال أبو بكر الفارسي: يصح إسلامه ويقتل حداً؛ لأن القتل حد قذف النبي ﷺ ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وادعى فيه الإجماع، ووافقه القفال،

стр. 773

وصوبه الدميري رحمه الله تعالى، وقال الصيدلاني: يصح إسلامه، ويجلده المحاكم ثمانين جلدة؛ لأن الردة ارتفعت بإسلامه وبقي جلده. ولابد في إسلام المرتد وغيره من الشهادتين وإن كان مقراً بإحداهما، وتكفيان ممن ينكر الرسالة إلا من خصها بالعرب .. فلا يصح إسلامه حتى يقول: (محمد رسول الله إلى جميع الخلق) أو يبرأ من كل دين يخالف الإسلام. ولو كان كفره بجحود فرض، أو استباحة محرم .. لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده، ويستحب أن يمتحن عند إسلامه بإقراراه بالبعث. [حكم تارك الصلاة] الثالثة: إذا ترك المسلم المكلف صلاة من الخمس غير جاحد وجوبها عامداً بلا عذر حتى خرج وقتها أو وقت ما تجمع معه .. استتيب قبل القتل كالمرتد؛ لأنه ليس أسوأ حالا منه، وهي في الحال، وفي قول: يمهل ثلاثة أيام، ومستحبة على الأصح في «التحقيق» وقيل: واجبة المرتد؛ وهو ظاهر قول الناظم: (استتب) بصيغة الأمر، والفرق على الأول: أن جريمة المرتد تقتضي الخلود في النار فوجبت الاستتابة؛ رجاء نجاته منه، بخلاف تارك الصلاة فإن عقوبته أخف، بل مقتضى ما قاله النووي في «فتاويه» من أن الحدود تسقط الإثم: لأنه لا يبقى عليه شيء بالكلية؛ لأنه قد حد على هذه الجريمة، والمستقبل لم يخاطب به. فإن تاب .. وجب القضاء مضيفاً، وإن لم يتب ... قتل بالسيف حداً لا كفراً؛ لأنه تعالى أمر بقتل المشركين، ثم قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ولقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد اً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك .. عصموا مني دماءهم وأموالهم، وإلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» رواه الشيخان، قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن .. كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن. فليس له عند الله عهد، إن شاء .. عفا عنه، وإن شاء عذبه» رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان وغيره، فلو كفر .. لم يدخل تحت المشيئة.

стр. 774

وأما خبر مسلم: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» .. فمحمول على تركها جحداً، أو على التغليظ، أو المراد: بين ما يوجبه الكفر من وجوب القتل؛ جمعاً بين الأدلة. وقد علم أنه لا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق وقتها، ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن الوقت، إن أصر وأخرج .. استوجب القتل. ومن ترك الصلاة ركن من أركانها، أو شرط من شروطها أجمع عليها، وقد علم أن تارك الجمعة يقتل، فإن قال: (أصليها ظهراً) .. فقال الغزالي: لا يقتل، وأقره الرافعي، وجرى عليه في «الحاوي الصغير» وزاد في «الروضة» عن الشاشي: أنه يقتل، واختاره ابن الصلاح، قال في «التحقيق»: وهو القوي. [حكم تارك الصلاة بعد قتله] الرابعة: بعد أن يقتل تارك الصلاة يغسل ويكفن، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولا يطمس قبره كسائر أصحاب الكبائر من المسلمين، بل أولى لما ذكرناه من سقوط الإثم بالحدود. والألف في قول الناظم: (جحداً)، و (يمهلا) و (يقتلا)، و (فالقتلا) للإطلاق، ويجوز أن تكون في (يمهلا) بدلاً من نون التوكيد الخفيفة.

стр. 775

باب حد الزنا وهو رجم المحصن، وجلد غيره وتغريبه كما سيأتي، والزنا- بالقصر أفصح من مده-: هو الإيلاج الآتي بيانه، وهو محرم، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزني إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾، وأجمع أهل الملل على تحريمه؛ وهو إيلاج المكلف المختار العالم بتحريمه حشفة ذكره الأصلي المتصل، أو قدرها من مقطوعها بفرج أصلي متصل محرم لعينخ، خال عن الشبهة مشتهى. فخرج عن الإيلاج، كالمفاخذة، ومساحقة المرأتين، والإيلاج في غير فرج، أو في فرج زائد، أو مشكوك فيه أو مبان، وإيلاج دون قدر الحشفة أو قدرها من زائد، أو مشكوك فيه أو مبان؛ فلا يوجب ذلك الحد، بل التعزير. وخرج إيلاج الزوج والسيد الخالي عن الحرمة، وإيلاج شبهة الفاعل، وإيلاج غير المكلف، لأنه لا يوصف بتحريم، وإيلاج المكره والجاهل بتحريمه، والإيلاج المحرم لعارض، ولشبهة المحل والطريق وهي كل جهة أباح بها عالم، والإيلاج في البهيمة والميتة، إذ ليس فيهما إلا التعزير. (يرجم حر محصن بالوطء في ... عقد صحيح وهو ذو مكلف) (والبكر جلد مئة للحر .. ونفي عام قدر طعن القصر) والرق نصف الجلد والتغرب ... ودبر العبد زنا كالأجنبي) (ومن أتى بهيمة أو دبراً ... زوجته أو دون فرج عزراً) فيها أربع مسائل: [حد الزاني المحصن] الأولى: حد الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة: الرجم، لأمره ﷺ به في الرجل والمرأة في أحاديث مسلم وغيره، وهو مكلف حر ولو ذمياً غيب حشفته بقبل في

стр. 776

نكاح صحيح حال حريته وتكليفه؛ لو في حيض وإحرام وبغير إنزال، فلا رجم على من فيه رق؛ لأن الجناية تتغلظ بالحرية من جهة أنها تمنع الفواحش؛ لأنها صفة كمال وشرف، والشريف يصون نفسه عما يدنس عرضه، ومن جهة أنها توسع طرق الحل؛ إذ للحر نكاح أربع ولا يحتاج فيه إلى إذن غالباً، بخلاف من فيه رق فيهما. ولا على من زنة وهو غير مكلف، لأن فعله لا يوصف بتحريم، لكن اعتبار التكليف لا يختص بالرجم، بل هو شرط في أصل الحد كما علم، وإنما اعتبر تغييبه الحشفة في نكاح صحيح؛ لأنه به قضى الشهوى، واستوفى اللذة، فحقه أن يمتنع عن الحرام، ولأنه يكمل طريق الحل بدفع البينونة بطلقة أو ردة، فلا يكتفي به في ملك اليمين والشبهة، والنكاح الفاسد؛ كما في التحليل، فاعتبروا وقوعه في حال كماله بالحرية والتكليف؛ لأنه مختص بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فاعتبر حصوله من كامل، حتى لا يرجم من غيب وهو ناقص ثم زني وهو كامل، ويرجم من كان كاملاً في الحالين، وإن تخللهما نقص كجنون ورق، فالاعتبار بالكمال في الحالين. ومقتضى كلامه: أن إحصان أحد الزوجين لا يؤثر فيه نقص الآخر، وهو كذلك. وأفهم قوله: (يرجم) أنه لا يقتل بالسيف ونحوه؛ لأن القصد التنكيل به بالرجم؛ بأن يأمر به الإمام ليحيطوا به فيرمونه من الجوانب بمدر وحجارة معتدلة، لا بحصيات خفيفة ولا بصخرة مذففة، ولا يحفر للرجل [سواء] ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار، ويستحب للمرأة إن ثبت زناها بالبينة لا بإقرارها، ولا يؤخر لمرض وحر وبرد مفرطين وإن ثبت بإقرار؛ لأن النفس مستوفاة به. وإنما يثبت الزنا بأربعة رجال، أو إقراره، ويشترط التفسير في كل منهما. [حد الزاني غير المحصن] الثانية: حد البكر الحر: جلد مئة، وتغريب عام إلى مسافة قصر فما فوقها؛ لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ مع أخبار «الصحيحين» وغيرهما بذلك، المزيد فيها النفي على الآية. وحد الرقيق، أي: والمبعض: نصف الجلد وهو خمسون جلدة، ونصف التغريب وهو نصف سنة؛ قال تعالى في الإماء: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ وقيس

стр. 777

بهن العبد، والأصح في «الروضة» و «أصلها»: أنه لا يكتفي بنفي الزاني نفسه؛ لأن القصد التنكيل، وإنما يحص بنفي الإمام. وأفهم كلام الناظم: أنه يجوز تقديم النفي على الجلد، وأول مدته ابتداء السفر لا وقت وصوله إلى ما غرب إليه، وتعتبر موالاة المئة والعام، فلا يجوز تفريقهما ولو في حق ضعيف الخلق، لأن القصد التنكيل والإيحاش. نعم؛ لو جلد الزاني في يوم خمسين متوالية، وفي ثانية خمسين كذلك .. كفى؛ جزم به في «الروضة» و «أصلها» في (باب حد شارب الخمر) ووجه بأن الخمسين قدر حد الرقيق. ولا تغرب امرأة وحدها، بل مع زوج أو محرم، أو نسوة ثقات مع أمن الطريق، وعليها أجرته إذا لم يخرج إلا بها، فإن امتنع .. لم يجبر، ويغرب الغريب من بلد الزنا لا إلى بلده، ولا إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر. ولو رجع المغرب .. رد إلى الموضع الذي غرب إليه واستؤنفت المدة. ويستوفى الحد الإمام أو نائبة فيه؛ من حر ومبعض ومكاتب، ويستحب حضور الإمام وشهود الزنا، ويحد الرقيق سيده عند الاستيفاء رجلاً كان أو امرأة، أو الإمام، فإن تنازعا فيمن يحده .. حده الإمام؛ لعموم ولايته، وروى أبو داوود والنسائي خبر: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، والأصح: أن السيد يغربه؛ لأن التغريب بعض الحد، والأصح: أن الفاسق والمكاتب والكافر يحدون أرقاءهم، لأنه إصلاح لملكهم. [حكم الإيلاج في الدبر] الثالثة: إيلاج الحشفة، أو قدرها في دبر عبده زناً، كإيلاجها في دبر الأجنبي ذكراً كان أو غيره، فيرجم الفاعل إن كان محصناً، ويجلد ويغرب إن لم يكن؛ لأنه زنا شرعاً؛ بدليل: «إذا أتى الرجل الرجل .. فهما زانيان» فدخل في قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ وأما المفعول فيجلد ويغرب؛ إذ لا يكون محصنا، وفارق عدم حده في وطء مملوكته المحرم، بأن الملك يبيح الإتيان في القبل في الجملة، والوطء في الدبر لا يباح بحال.

стр. 778

وللسيد تعزيز رقيقه في حقوق الله تعالى؛ كما يؤدبه في حق نفسه وله سماع البينة بموجب العقوبة. ويؤخر الجلد للمرض المرجو البر منه، فإن لم يرج .. جلد بعثكال عليه مئة غصن، فإن كان عليه خمسون .. ضرب به مرتين وتسمه الأغصان، أو تنكبس بعضها على بعض، ليناله بعض الألم، ولو برأ بعده .. أجزأه، فإن انتفيا .. لم يسقط الحد، ويجب تأخير الجلد للحر والبرد المفرطين إلى اعتدال الوقت، لكن لو جلده الإمام فيهما فهلك .. لم يضمنه. [التعزير فيما لا حد فيه] الرابعة: من وطئ بهيمة أو دبر زوجته؛ أي: بعد ما منعه الحاكم منه، أو أتى الأجنبية فيما دون الفرج؛ كالمفاخذة ومقدمات الوطئ .. عزر، وقاعدة ذلك الأكثرية: أنه يعزر في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة- سواء أكانت من مقدمات ما فيه حد؛ كمباشرة أجنبية بغير الوطء، وسرقة ما دون النصاب، والسب والإيذاء بغير قذف، أم لم يكن؛ كشهادة الزور، والضرب بغير حق- بما يراه من ضرب أو صفع ولا يبلغ به أدنى حدود المعزر، أو حبس أو نفي لا يبلغ به سنة للحر ونصفها لغيره، أو توبيخ على ما يؤدي إليه اجتهاده من جمع، واقتصار على واحد، فعليه رعاية الترتيب والتدريج، كدفع الصائل، فلا يرقى الحاكم إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافياً. ولو علم أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح .. لم يكن له المبرح ولا غيره، أما المبرح ... فلأنه يهلك وليس له الإهلاك، وغير المبرح لا فائدة فيه. ولو عفا مستحق حد .. فلا تعزير للإمام، أو مستحق تعزير ... فللإمام التعزير، والفرق بينهما: أن الحد مقدر فلا يتعلق بنظر الإمام، فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظر الإمام فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره. والألف في قول الناظم: (دبراً) و (عزرا) للإطلاق.

стр. 779

باب حد القذف بالمعجمة؛ أي: الرمي بالزنا، وهو كبيرة؛ لأية: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ (أوجب لرام باللواط والزنا .. جلد ثمانين لحر أحصنا) (وللرقيق النصف، عرف محصنا .... مكلفا أسلم حراً ما زنى) (وإن تقم بينة على زناه .. يسقط كأن صدق قذفاً أو عفاه) أي: أوجب على رام باللواط أو الزنا؛ كقوله لشخص: (لطت) أو (ونيت) أي: الرامي مكلف مختار غير أصل: جلد ثمانين لحر محصن، وعلى الرقيق؛ أي: والمبعض النصف، وهو أربعون جلدة؛ لقوله تعالى ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ والرقيق على النصف من الحر؛ لأنه يتبعض، والمراد بالآية: الأحرار بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ إذا العبد لا تقبل له شهادة وإن لم يقذف، فلا حد على صبي ومجنون، ويعزر المميز من صبي أو مجنون له نوع تمييز، لا على مكره، وأصل بقذف فرع وإن سفل، ذكراً كان أو أنثى؛ كما لا يقتل به، نعم؛ يعزر على النص. ولا فرق في القاذف بين المسلم والمرتد، والذمي والمعاهد، والذكر والأنثى. و(المحصن): مكلف حر مسلم لم يزن؛ أي: ولم يطأ وطئاً محرماً أبداً، فلو كان المقذوف صبياً أو مجنوناً، أو رقيقاً أو غير عفيف عن الزنا، أو الوطء المذكور .. لم يكن محصناً، فلا حد على قاذفه، بل يعزر للإيذاء. وإن قامت بينة أربعة عدول على زنا المقذوف ولو بعد القذف ... سقط الحد، بخلاف ما لو ارتد بعده؛ لأن الزنا يكتم ما أمكن، فإذا ظهر .. فالظاهر سبق مثله، والردة عقيدة، والعقائد لا تخفى/، فإظهارها لا يدل على سبق الإخفاء؛ كأن صدق المقذوف القاذف، أو عفا عن حد القذف؛ فإنه يسقط/ ولو أباح قذفه؛ كأن قال لغيره: (اقذفني) .. لم يجب الحد، ولو قذف واحداً بزنا مرتين .. لزمه حد وحد، ولو استوفى المقذوف الحد بلا حاكم، أو الحاكم بلا طلب من مستحقه .. لم يقع الموقع.

стр. 780

ولو شهد دون أربعة بزنا، أو ثلاث مع زوج المرأة بزناها .. حدوا؛ حذراً من الوقوع في أعراض الناس بصورة الشهادة، وكذا لو شهد أربع نسوة، أو ذميون أو عبيد، أو ثلاثة رجال وامرأة، أو عبد أو ذمي. ولو شهد أربعة من الفسقة، أو ثلاثة عدول وفاسق، أو أربعة من أعدائه، أو عدو مع ثلاثة ... فلا حد على الشهود .. ولو شهد واحد على إقراراه .. فلا حد عليه. واللام في قول الناظم: (لرام) بمعنى على، وكذا في قوله: (وللرقيق) والواو في قوله: (والزنا) بمعنى أو، وقوله: (النصف) بالنصب عطفاً على مفعول (أوجب) أو بالرفع مبتدأ خبره (للرقيق)، والألف في قوله: (أحصنا) للإطلاق.

стр. 781

باب السرقة بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها؛ وهي لغة: أخذ المال خفية، وشرعاً: أخذه خفية من حرز مثله بشروط تأتي، وهي كبيرة موجبة للقطع. والأصل في القطع بها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وغيره مما يأتي: وأركانها ثلاثة: سارق، ومسروق، سرقة، وقد أشار الناظم إليها فقال: (وواجب بسرقة المكلف .. لغير أصله وفرع: ما تفي) (قيمته بربع دينار ذهب .. ولو قراضة بغير لم يشب) (من حرز مثله، ولا شبهة فيه ... لسارق كشركة أو يدعيه) (تقطع بمناه من الكوع، فإن ... عاد لها فرجله اليسار من) (مفصلها، فإن يعد يسراه من ... يد، فإن عاد فيمناه، فإن) (يهد فتعزير بغير قتل ... ويغمس بزيت مغلي) [شرط حد السارق) الركن الأول: السارق، وشرطه التكليف؛ أي: والاختيار، والتزام الأحكام، والعلم بالتحريم، مسلماً كان أو ذمياً، رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً، فيقطع مسلم أو ذمي بمال مسلم أو ذمي، فلا يقطع صبي ومجنون؛ لعدم تكليفهما؛ ومكره؛ لشبهة الإكراه الدافعة للحد، وحربي ومعاهد ومستأمن؛ لعد التزامهم للأحكام، ولا يقطع مسلم ولا ذمي بسرقة مالهم. [شروط المسروق] الركن الثاني: المسروق، ويشترط فيه أمور: أحدها: كونه مملوكاً لغيره؛ فلا قطع على من سرق مال نفسه من يد المرتهن أو المستأجر، أو المستعير أو المودع، أو العامل أو الوكيل.

стр. 782

ثانيه: كونه لغير أصله وفرعه، فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع للسارق، لما بينهم من الاتحاد. ثالثها: كونه تفي قيمته؛ أي: تجمع ربع دينار ذهباً مضروباً؛ بأن يكون ربعاً مضروباً خالصاً، أو تبلغ قيمته ذلك، ولو كان الذهب قراضة، أو تبراً تبلغ قيمته ربع دينا مضروب، لخبر مسلم: «لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدا» وخبر البخاري: «تقطع اليد في ربع ديناراً فصاعدا»، أو فيما قيمته ربع دينار فصاعداً، والدينا المثقال. واحترز بقوله: (بغير لم يشب) عن المغشوش، فإنه إذا لم يبلغ خالص المسروق منه ربع دينار .. لم يقطع، والتقويم يعتبر بالمضروب، فلو سرق شيئا يساوي ربع دينا من غير المضروب؛ كالسبيكة والحلي، ولا يبلغ ربعاً مضروباً .. فلا قطع به. ولو سرق ربعاً سبيكة، أو حلياً لا يساوي ربعاً مضروباً ... فلا قطع به في الأصح؛ نظراً إلى القيمة فيما هو كالسلعة. ولو سرق خاتماً وزنه دون ربع وقيمته بالصنعة ربع .. فلا قطع به على الصحيح؛ نظراً إلى الوزن، ولو سرق دنانير ظنها فلوساً لا تساوي ربعا .. قطع ولا أثر لظنه. رابعها: كونه من حرز مثله، فلا قطع بسرقة ما ليس محرزاً؛ لقوله ﷺ : «لا قطع في شيء من الماشية إلا فيما آواه المراح، ومن سرق من التمر شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن .. فعليه القطع» رواه أبو داوود وغيره، ولأن الجناية تعظم بمخاطرة أخذه من الحرز، فحكم بالقطع زجراً، بخلاف ما إذا جرأة المالك ومكنه منه بتضييعه. ويختلف الحرز باختلاف الأموال والأحوال، ولم يحده الشرع ولا للغة، فرجع فيه إلى العرف؛ كالقبض والإحياء، فقد يكون الشيء حرزاً في مكان دون مكان، وفي وقت دون وقت، فلا قطع إلا بسرقة ما أحرز في موضع يستحق المحرز منفعته ولو بالعارية من السارق أو غيره، فلا قطع بسرقة من حرز مغصوب، ولا بسرقة ما أحرز مع مغصوبه، فإن كان بمسجد أو نحوه .. اشترط دوام لحاظ، ولا يقدح فيه الفترات العارضة عادة، أو بحصن كدار .. كفى

стр. 783

لحاظ معتاد، وإصطبل متصل بالدور حرز دواب ونحوها، وعرضة دار وصفة حرز آنية، وثياب بذلة لا ثياب نفيسة أو نحوها، وما نام عليه أو توسده .. فمحرز. وشرط الملاحظ: قدرته على منع ذلك السارق بقوة أو استغاثة، ودار منفصلة حرز بحافظ فهي حرز نهاراً زمن أمن وإغلاقها، وخيمة بصحراء محرزة بشد أطنابها وحافظ، وما فيها بشد أطنابها وإرخاء أذيالها معه. الخامس: ألا يكون للسارق فيه شبهة كشركة؛ فلا يقطع مسلم بمال المصالح، ولا مستحق للزكاة بمالها، ولا قطع بسرقة ما وهب له قبل قبضه، ولا بسرقة ما ظنه ملكه، أو ملك بعضه، أو سيده أو ادعاه. ولو سرق سيد المبعض ما ملكه بحريته .. ففي «الروضة» و «أصلها» قال القفال: لا يقطع؛ لأن ما ملكه بها في الحقيقة لجميع بدنه فصار شبهة، وقال الشيخ أبو علي: يقطع؛ لتمام ملكه كمال الشريك بعد القسمة، وجزم صاحب «الحاوي الصغير» في «عجابه» بالأول، ولا شبهة في كون المسروق مباح الأصل؛ كحطب وحشيش، ولا في الطعام عام المجاعة إن وجد ولو عزيزاً بثمن غال. ولو ادعى نقص القيمة .. لم يقطع إلا أن تقوم البينة بخلافه، ولو ملك السارق المسروق قبل الرفع إلى الحاكم .. فلا قطع؛ لتوقفه على طلب المسروق منه وقد تعذر. [بيان السرقة] الركن الثالث: السرقة: وهي أخذ المال خفية كما مر، فلا قطع على من أخذ المال عياناً كالمختلس؛ وهو من يعتمد الهرب، والمنتهب؛ وهو من يعتمد الغلبة والقوة، والمودع والمستعير إذا جحدا الوديعة والمستعار، ولا فرق في هتك الحرز بين النقب وكسر الباب، وقلعه وفتح المغلاق والقفل، وتسور الجدار. ولو أدخل يده في النقب، أو محجناً وأخرج المتاع، أو أرسل حبلاً من السطح، أو الكوة في رأسه كلاب وأخرج به متاعاً .. قطع، ولو أرسل قرداً وأخرج. فلا قطع. ولو حمل أعمة زمناً وأدخله الحرز، فدله الزمن على المال فأخذه وخرج به ... قطع الأعمى

стр. 784

[حد السارق] والسارق الموصوف بما مر: إذا سرق المال بصفاته السابقة .. تقطع يمناه؛ أي: يده اليمنى؛ قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقرئ شاذا: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ والقراءة الشاذة كخبر الواحد في الاحتجاج بها. من الكوع؛ للأمر به في سارق رداء صفوان رواه الدارقطني، ورواه الشيخان عن فعل علي رضي الله تعالى عنه، والمعنى فيه: أن البطش بالكف، وما زاد من الذراع تابع، ولهذا تجب في الكف دية اليد وفيما زاد حكومة، وتمد اليد مداً عنيفاً لتنخلع ثم تقطع بحديدة ماضية، ويضبط جالساً حتى لا يتحرك، ولا تمنع زيادة أصابعها. ولو كانت شلاء: فإن قال أهل الخبرة: ينقطع دمها .. قطعت، وإلا ... فكمن لا يمين له، ويكتفي بفاقدة الأصابع. وأفهم كلامه: أنه لو لم تقطع يمناه حتى سرق مراراً .. اكتفى بقطعها وهو كذلك؛ كما لو زنى مراراً .. يكتفي بحد واحد. ويجب على السارق رد ما سرقه، فإن تلف .. لزمه بدله. فإن عاد بعد قطعها وسرق، أو كانت مفقودة .. قطعت رجله اليسرى من مفصلها، بخلاف ما إذا سقطت بعد السرقة .. فلا قطع عليه؛ لأنه تعلق بعينها وقد فاتت، ومثله لو شلت وتعذر قطعها؛ قاله في «الكفاية» عن القاضي. فإن يعد بعد قطع رجله اليسرى .. قطعت يده اليسرى، فإن عاد .. قطعت رجله اليمنى. والأصل في ذلك ما رواه الشافعي ﵁ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه ﷺ قال" «السارق إن سرق .. فاقطعوا يده، ثم إن سرق .. فاقطعوا رجله، ثم أن سرق .. فاقطعوا يده، ثم إن سرق ... فاقطعوا رجله» وقدمت اليد؛ لأنها الآخذة، وإنما قطع من خلاف؛ لئلا يفوت جنس المنفعة عليه فتضعف حركته؛ كما في قاطع الطريق.

стр. 785

فإن يعد بعد قطع الأربع ... وجب تعزيره بغير قطع شيء آخر، ولا يقتل؛ لأنها معصية ليس فيها حد ولا كفارة، فيكفي فيها التعزير، وما روي من أنه ﷺ قتله ... منسوخ أو مؤول بقتله؛ لاستحلال أو نحوه، بل ضعفه الدارقطني وغيره، وقال ابن عبد البر: إنه منكر لا أصل له. ويغمس محل القطع بزيت أو دهن مغلي؛ لتنسد أفواه العروق، فإن جرت عادتهم بالحسم بالنار .. حسم به، وليس ذلك تتمة للحد، بل حق للمقطوع؛ لأن الغرض دفع الهلاك عنه بنزف الدم، فلا يفعل إلا بإذنه، وهو منوب، ومؤنته عليه كأجرة الجلاد. وقول الناظم: (ذهب) منصوب على التمييز، ووقف عليه بلغة ربيعة، وفي بعض النسخ بدل البيت الأخير: (يعد فتعزير وقيل قتلا ... ويغمس القطع بزيت مغلا) والألف في قوله: (قتلا) مبنياً للمفعول للإطلاق.

стр. 786

باب قاطع الطريق قطع الطريق: البروز لأخذ مال، أو لقتل أو إرعاب مكابرة؛ اعتماداً على الشوكة مع البعد عن الغوث؛ كما يعلم مما يأتي. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال أكثر العلماء: نزلت في قطاع الطريق لا في الكفار، واحتجوا له بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية؛ إذ المراد التوبة عن قطع الطريق، ولو كان المراد الكفار .. لكانت توبتهم الإسلام، وهو دافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها. (وقاطع الطريق بالإرعاب ... عزره، والآخذ للنصاب) (كف اليمين اقطع ورجل اليسرى ... فإن يعد كفا ورجل الأخرى) (إن يقتل أو يجرح بعمد ينحتم ... قتل/، وبالإخذ مع القتل لزم) (قتل فصلبه ثلاثة، إذ ... يتوب قبل ظفر به: نبي) (وجوب حد لا حقوق آدمي ... وغير قتل فرقن، وقدم) (حق العباد، فالأخف موقعا ... فالأسبق الأسبق، ثم اقرعا) فيها ست مسائل: [تعزيز قاطع الطريق وما يعتبر فيه] الأولى: قاطع الطريق إذا لم يقتل ولم يأخذ مالاً، بل أرعب الرفقة؛ أي: خوفهم؛ وفي معناه: من أعانهم وكثر جمعهم ... عزره الإمام بحسب اجتهاده بحبس أو تغريب أو غيرهما؛ كما في سائر الجرائم، ولا يحده كما في مقدمات الزنا والشرب، والحبس في غير مكانهم أولى. ويعتبر في قاطع الطريق: الإسلام والتكليف، والاعتماد على الشوكة والقوة، والبعد عن الغوث لبعد السلطان وأعوانه، أو لضعفه، فخرج الكافر؛ فليس له حكم قاطع الطريق، قاله الشيخان،

стр. 787

قال بعضهم: والوجه حمله على غير الذمي، فالذمي كالمسلم في ذلك؛ لالتزامه الأحكام، وصوبه جماعة منهم الزركشي، وقال: ونص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه في آخر «الأم» / وحكاه عنه ابن المنذر فقال: وقال الشافعي وأبو ثور: وإذا قطع أهل الذمة على المسلمين ... حدوا حد المسلمين، وهو قضية إطلاق الأصحاب. ولا يعرف التعبير ب (الإسلام) لغير الرافعي، فالصواب: أن يعبر بدله ب (ملتزم الأحكام) ليدخل الذمي والمرتد، ويخرج الحربي والمعاهد والمستأمن، وخرج غير المكلف، ومعتمد الهرب. قال في «الروضة» ك «أصلها»: ولا يشترط شهر السلاح، بل القاصدون بالعصي والحجارة قطاع، وذكر الإمام: أنه يكتفى بالوكز والضرب بجمع الكف، وفي «التهذيب» نحوه. ولا تشترط فيهم الذكورة، فالنسوة قاطعات طريق، والواحد إذا كان له فضل قوة، وتعرض للنفوس والأموال مجاهراً .. فهو قاطع طريق. [حكم قاطع الطريق إذا أخذ نصاباً] الثانية: إذا أخذ القاطع النصاب؛ أي: ربع دينار مضروب خالصاً، أو ما قيمته ذلك من حرز مثله لا شبهة له فيه وطلب مالكه .. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى؛ للآية السابقة، وإنما قطع من خلاف؛ لئلا يفوت جنس المنفعة عليه، فإن فقدت إحداهما ولو قبل أخذ المال .. اكتفي بالأخرى. وتقطعان على الولاء؛ لاتحاد العقوبة كالجلدات في الحد الواحد، وكذا تقطعان على الولاء لو تعلق القصاص بإحداهما مع قطع الطريق وإن اختلفت العقوبتان؛ لأن الولاء بينهما مستحق بقطع الطريق فلا يسقط بتعذر قطعهما عنه، بخلاف القصاص مع السرقة فإنه يقتص، ثم بمهل إلى الاندمال. فإن قطع الطريق بعد قطعهما، أو فقدتا قبل أخذه المال ... قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى أما إذا فقدتا بعده .. فيسقط القطع كما في السرقة.

стр. 788

[حكم قاطع الطريق إذا قتل ولم يأخذ نصاباً] الثالثة: إذا لم يأخذ القاطع مالاً وقتل مكافئاً له عمداً، أو جرحه عمداً فسرى إلى نفسه ... تحتم قتله؛ للآية، ولأنه ضم إلى جنايته إخافة السبيل المقتضية لزيادة العقوبة، ولا زيادة عنا إلا تحتم القتل فلا يسقط وإن عفا عنه مستحقه بمال، فيقتل حتماً حدا ويسقط قتله قصاصاً؛ لصحة العفو عنه، ويثبت ما عفي به كمرتد لزمه قصاص وعفي عنه بمال، ففي قتله معنى القصاص؛ لأنه قتل في مقابلة قتل، ومعنى الحد؛ لتعلق استيفائه بالإمام، والمغلب فيه معنى القصاص؛ فلا يقتل بغير كفء. ولو مات ... أخذت من تركته دية الحر وقيمة غيره، ولو قتل جمعاً معاً، قتل بأحدهم وللباقين ديات، أو مرتباً ... فبالأول، ولو عفا وليه بمال .. لم يسقط قتله، ولو قتل بمثقل أو نحوه ... فعل به مثله. ولو كان القتل أو الجرح لغير أخذ المال .. لم يتحتم قتله؛ كما نقله في «الكفاية» عن البندنيجي، ولو جرح فاندمل ... لم يتحتم قصاصه. [إذا جمع القاطع بين أخذ النصاب والقتل] الرابعة: إذا جمع القاطع بين أخذ النصاب والقتل .. لزم قتله وصلبه على خشبة أو نحوها بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه ثلاثة أيام؛ ليشتهر الحال ويكمل النكال. نعم؛ إن خيف تغيره قبلها .. أنزل وإنما لم يصلب قبل القتل؛ لأن فيه تعذيباً، وقد نهى رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان، فإن مات قبل قتله ... سقط الصلب بسقوطه متبوعه. وبما تقرر فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآية فقال: (المعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئاً) فحمل كلمة (أو) على التنويع لا التخيير؛ كما في قوله تعالى: ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى؛ إذ لم يخبر أحد منهم بين اليهودية والنصرانية.

стр. 789

[إذا تاب قاطع الطريق قبل الظفر به] الخامسة: حيث يتوب قاطع الطريق قبل الظفر به والقدرة عليه ... نبذ؛ أي: سقط عنه وجوب حد الله تعالى وهو القطع وتحتم القتل والصلب؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ الآية، بخلاف ما لو تاب بعده؛ لمفهومها ولتهمة الخوف. ولا تسقط بها حقوق الآدمي من القود وضمان المال، فللولي الاقتصاص والعفو على مال أو مجاناً، ومثل الحد فيما ذكره التغزير. وأفهم كلامه: أن التوبة لا تسقط باقي الحدود؛ كحد الزنا والسرقة والقذف، في حق قاطع الطريق وغيره؛ لعموم أدلتها من غير تفصيل، وقياساً على الكفارة، إلا قتل تارك الصلاة، فإنه يسقط بالتوبة ولو بعد رفعه إلى الحاكم، لأن موجبه الإصرار على الترك لا الترك الماضي. [إذا اجتمع عقوبتان فأكثر على شخص] السادسة: إذا اجتمع على شخص عقوبتان فأكثر غير قتل ... فرقت وجوباً، فلو اجتمع عليه حد قذف وقطع، أو حد قذف لاثنين ... فرق بينهما حتى يبرأ من الأول؛ لئلا يموت بالموالاة. أما القتل .. فيوالي بينه وبين غيره؛ لأن النفس مستوفاة، وقدم غير القتل عليه وإن تقدم القتل؛ ليحصل الجمع بين الحقين، فيجلد ثم يقطع ثم يقتل؛ ويبادر بقتله بعد قطعه لا قطعه بعد جلده؛ لما مر، فلو أخر مستحق الجلد حقه .. فعلى الآخرين الصبر حتى يستوفي، فلا يقطع ولا يقتل قبل الجلد. ولو أخر مستحق الطرف حقه .. جلد وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفى الطرف؛ حذراً من فواته، فإن بادر بقتله ... فلمستحق الطرف ديته؛ لفوات استيفائه. فإن كان في العقوبات حق لله تعالى وحق للعباد، ولم يكن فيها قتل، أو لم يكن إلا القتل .. قدم منها ما للعباد على ما لله تعالى وإن كان ما لله تعالى أخف؛ لبناء حقهم على المشاحة، وحق الله تعالى على المسامحة، فيقدم حد القذف على حد الشرب والزنا، ويقدم قتل القصاص على قتل الزنا. فإن تمحضت لله تعالى أو للعباد .. قدم الأخف فالأخف موقعاً؛ فمن زنى وشرب وسرق .. حد للشرب ثم للزنا ثم قطعت يده للسرقة، لا يوالى بينهما كما مر، ومن قذف وقطع عضواً .. حد للقذف ثم قطع ...

стр. 790

فإن استوت خفة وغلظاً .. قدن الأسبق فالأسبق؛ كما لو قذف جماعة على الترتيب .. فيحد للأول فالأول، وكما لو قتل جماعة على الترتيب .. يقتل بالأول وللباقين الديات، ثم إن لم يكن الأسبق معيناً، بأن وقعت معاً، أو شك في المعية، أو علم سبق ولم يعلم عين السابق ... أقرع وجوباً، فمن خرجت قرعته ... استوفي له وللباقين الديات. وقول الناظم: (قاطع الطريق) بالنصب، ويجوز الرفع، وقوله: (أو يجرح) بدرج الهمزة للوزن/ وقوله: (اقرعا) فعل امر، وألفه بدل من نون التوكيد، أو ماض مبني للفعول وألفه للإطلاق.

стр. 791

باب حد الخمر الأصل في تحريم الشرب: قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية، وخبر «الصحيحين»: «كل شراب أسكر .. فهو حرام»، / وخبر مسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». والمشهور: أنها كانت مباحة في صدر الإسلام، وقبل: بل كان المباح الشرب، لا ما ينتهي إلى السكر المزيل للعقل؛ فإنه حرام في كل ملة؛ حكاه ابن القشيري في «تفسيره» عن القفال، ثم نازعه وقال: توار الخبر حيث كانت مباحة بالإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل، وكذا قال النووي في «شرح مسلم» قال: وأما ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرماً .. فباطل لا أصل له. انتهى. وعلى هذا فهل كانت إباحتها لهم باستصحاب لحلها في الجاهلية، أو شرع مبتدأ؟ على وجهين، أشبههما في «الحاوي» و «البحر» الأول. وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد، وهي بإجماع: المتخذة من عصير العنب، وهل تقع على سائر الأنبذة؟ وجهان، وقال الرافعي: والأكثرون على أنه لا يقع عليها حقيقة؛ بناء على أن اللغة لا تثبت بالقياس. (يحد كامل بشرب مسكر ... بأربعين جلدة، وعزر) (إلى ثمانين أجز، والعبد .. بنصفه، وإنما يحد) (إن شهد العدلان أو أقرا .. لا نكهة وإن تقيا خمراً) فيها أربع مسائل:

стр. 792

[ما يعتبر لجلد الشارب أربعين جلدة] الأول: يحد الكامل؛ أي: البالغ العاقل المختار، العالم بالتحريم، الملتزم للأحكام؛ لشرب مسكر جنسه من خمر وغيره، وإن لم يسكر القدر المشروب منه؛ بأن يضربه الإمام أربعين جلدة بسوط أو غيره؛ ففي خبر مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه قال: (جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا احب إلى) وفيه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين) وهذا في الحر، أما غيره .. فعلى النصف من ذلك كما سيأتي، وفي معنى شربه: أكله؛ بأن كان ثخيناً، أو أكله بخبز، أو طبخ به لحماً وأكل مرقه، فخرج بذلك أكل اللحم المطبوخ به؛ لذهاب العين فيه، وأكل أو شرب ما اختلف به واستهلك هو فيه، وكذا الاحتقان والاستعاط؛ لأن الحد للزجر ولا حاجة فيهما إلى الزجر؛ وخرج الصبي والمجنون والمكره على تناوله. وخرج ب (العالم بالتحريم) من جهله؛ لقرب عهده بالإسلام، أو نشئه بعيداً عن العلماء فلا حد عليه؛ لجهله، وب (ملتزم الأحكام) أي: أحكام الشرب وغيره: الكافر فلا يحد به، لأنه لم يلتزم تحريمه، وب (ما يسكر جنسه): غيره كالدواء المجنن فلا حد بتناوله؛ لأنه لا يلذ ولا يطرب، ولا يدعو قليله إلى كثيره، بل يعزر به. والأصح: تحريم شرب المسكر لدواء أو عطش إذا لم يجد غيره، بخلاف شرب البول والدم لهما؛ لعموم النهي عن شرب المسكر من شأنه إزالة العقل؛ لأن بعضه يدعو إلى بعض؛ ولأنه يثير العطش بعد وإن سكنه في الحال، وعلى هذا يحمل خبر: «إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» رواه ابن حبان وصححه، هذا إن لم ينته به الأمر إلى الهلاك، وإلا ... فيتعين شربه؛ كما يتعين على المضطر أكل الميتة، نقله الإمام عن إجماع الأصحاب.

стр. 793

ولا حد في الشرب للتداوي والعطش وإن قلنا بالتحريم؛ لشبهة الخلاف في حل شربه، ومن غص بلقمة .. وجب عليه إساغتها بخمر إن لم يجد غيرها ولا حد. ويعتبر في السوط اعتداله في حجمه؛ فيكون بين القضيب والعصا؛ وفي صفته؛ فلا يكون رطباً يشق لجلد بثقله، ولا شديد اليبوسة فلا يؤثر، وفي معنى السوط: الخشبة المعتدلة، والنعل واليد، وطرف الثوب، ويفرق الضرب على الأعضاء، إلا المقاتل كثغرة النحر والفرج ونحوهما، والوجه؛ لخبر مسلم: «إذا ضرب أحدكم .. فليجتنب الوجه» ولأنه مجمع المحاسن فيعظم أثر شينه بخلاف الرأس. ولا تشد يداه، بل يتركان طلقتين حتى يتقي بهما، ولا تجرد ثيابه، بل يترك عليه قميص أو قميصان دون جبة محشوة أو فروة، ويوالى الضرب عليه بحيث يحصل زجر وتنكيل ولا يحد حال سكره، بل يؤخر إلى أن يفيق، ليرتدع. [جواز بلوغ الضرب ثمانين إذا رآه الإمام] الثانية: إذا رأى الإمام بلوغ ضرب الحر ثمانين. جاز؛ كما مر فعله عن عمر رضي الله تعالى عنه، ورآه علي رضي الله تعالى عنه، قال: (لأنه إذا شرب ... سكر، وإذا سكر .. هذى، وإذا هذي .. افترى، وحد الافتراء: ثمانون) والزيادة تعزيرات لجنايات تولدت من الشارب، وإلا ... لما جاز تركها. [حد الرقيق] الثالثة: حد الرقيق؛ أي: والمبعض: عشرون جلدة على النصف من حد الحر كنظائره، فلو رأى الإمام بلوغه أربعين .. جاز؛ لما مر في الحر. [حد الشارب بشهادة عدلين أو إقراره] الرابعة: إنما يحد شارب المسكر إن شهد عدلان بالشرب أو أقر به، ولا يحتاج إلى تفصيلهما؛ بأن يقولا، أو يقول هو مختاراً عالماً به؛ لأن إضافة الشرب إليه قد حصلت، والأصل عدم الإكراه وغلبة العلم بما يتناوله؛ كما في البيع ونحوه، ويخالف الزنا؛ فإن

стр. 794

مقدماته قد تسمى زناً، كما في خبر: «العينان تزنيان» فاحتيط فيه. وذكر الشيخ أبو حامد في «تعليقه» طريقاً ثالثاً، وهو: أن يعلم شربه من إناء شرب منه غيره فسكر، وعليه نص الشافعي ﵁ في «الأم» و «المختصر» قال الرافعي: وليكن هذا مبنياً على القضاء بالعلم، قال الأذرعي: ليس الأمر كما تخيله الرافعي. ومراد الشيخ أبي حامد: ما ذكره أصحابه وأتباعه؛ كالمحاملي وسليم الرازي والدارمي: أنه إنما يجب الحد على الشارب بثلاثة أشياء؛ يعني بأحدها: أن يعترف بشرب المسكر، أو تقوم عليه بينة بذلك، أو بأنه شرب شراباً شربه غيره فسكر، فلا يحد بنكهة، أي: ريح فمه، وسكر، وقيء لمسكر، لاحتمال أن يكون غالطاً، أو مكرهاً. والألف في قول الناظم: (أقرأ) للإطلاق.

стр. 795

باب الصائل وفي بعض النسخ: باب الصيال، وهو الاستطالة والوثوب. والأصل فيه/ قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وخبر البخاري: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» والصائل ظالم، فيمنع من ظلمه؛ لأن ذلك نصره، وخبر: «من قتل دون أهله ... فهو شهيد، ومن قتل دون ماله .. فهو شهيد» رواه الترمذي وحسنه، وفي «الصحيحين»: ذكر المال فقط؛ وهو في الباقي بطريق الأولى، وجه الدلالة: أنما لما جعل شهيدا .. دل على أن له القتل والقتال؛ كما أن من قتله أهل الحرب لما كان شهيداً ... كان له القتل والقتال. (ومن على نفس يصول أو طرف ... أو بضع ادفع بالأخف فالأخف) (والدفع أوجب إن يكن عن بضع ... لا المال، واهدر تالفا بالدفع) (واضمن لما تتلفه البهيمة .. في الليل لا النهار قدر القيمة) فيها أربع مسائل: [دفع الصائل بالأخف والأخف] الأولى: يدفع الصائل عند ظن صياله مسلماً كان أو كافراً، حراً أو قناً، ومكلفاً أو غير مكلف ولو بهيمة عن معصوم من نفس أو طرف، أو بضع أو مال، أو غيرها بالأخف فالأخف، فإن أمكن بكلام أو استغاثة .. جرم الضرب، أو بضرب بيد .. حرم سوط، أو بسوط .. حرم عصا، أو بقطع عضو .. حرم قتل، فإن أمكن هرب .. وجب وحرم قتال، فإن دفع بالأثقل من يدفع بما دونه فهلك ... ضمنه، إلا إذا فقد آلة الأخف؛ كأن كان يندفع بالعصا وليس عنده إلا السيف .. فلا ضمان؛ إذ له الدفع به حينئذ، وكذا إذا التحم القتال بينهما؛ لخروج الأمر عن الضبط.

стр. 796

قال البقيني: ومحل رعاية التدريج في المعصوم، أما غيره كالحربي والمرتد .. فله العدول إلى قتله؛ لعدم حرمته. ولو صال مكروهاً على إتلافه مال غيره .. لم يجز دفعه، بل يلزم المالك أن يقي روحه بماله؛ كما يناول المضطر طعامه، ولكل منهما دفع المكره، ولا فرق في الدافع بين المصول عليه وغيره؛ كما أفاده قول الناظم: (ادفع) بلفظ الأمر، ودرج همزته للوزن. ولو سقطت جرة من علو على إنسان، ولم تندفع عنه إلا بكسرها، فكسرها .. ضمنها؛ لأنها لا قصد لها ولا اختيار حتى يحال عليها، فصار كالمضطر إلى طعام الغير يأكله ويضمنه. [وجوب الدفع عن البضع والنفس المحترمين] الثانية: يجب الدفع عن البضع المحترم، سوء أكان بضعه، أم بضع أهله، أم أجنبية ولو أمة؛ لأنه لا مجال للإباحة فيه؛ وإنما يجب إذا لم يخف الدافع على نفسه، أو عضوه أو منفعته. ويجب الدفع أيضاً عن النفس المحترمة إذا قصدها بهيمة؛ لأنها تذبح لاستبقاء الآدمي، فلا وجه للاستسلام لها أو كافر ولو معصوماً، إذ غير المعصوم لا حرمة له، ولمعصوم بطلت عصمته بصياله، ولأن الاستسلام للكافر ذل في الدين، بخلاف ما لو كان الصائل مسلماً ولو مجنوناً .. فلا يجب دفعه، بل يجوز الاستسلام له؛ لحرمة الآدمي، ورضا بالشهادة، ولخبر أبي داوود: «كن خير ابني آدم» يعني: قابيل وهابيل، ولمنع عثمان رضي الله تعالى عنه عبيده من الدفع يوم الدار وقال: (من ألقى سلاحه .. فهو حر) واشتهر ذلك في الصحابة، ولم ينكر عليه أحد. وقيده الإمام وغيره بمحقون الدم؛ ليخرج غيره كالزاني المحصن وتارك الصلاة؛ وقال الشيخان: والقائلون بجواز الاستسلام، منهم من يزيد عليه ويصفه بالاستحباب، وهو ظاهر الأخبار. ولا يجب الدفع عن المال الذي لا روح فيه؛ لأنه يجوز إباحته للغير.

стр. 797

نعم؛ إن كان مال محجور عليه، أو وقف، أو مالاً مودعاً .. وجب على من بيده الدفع عنه؛ قاله الغزالي في «الإحياء». [إهدار الصائل إذا تلف بالدفع] الثالثة: يهدر الصائل إذا تلف بالدفع، فلا يضمن بقود ولا دية، ولا قيمة ولا كفارة، لأنه مأمور بدفعه، وقد أبطل حرمة نفسه بإقدامه على الصيال، يقال: أهدر السلطان دمه؛ أي: أبطله وأباحه. [حكم ما تتلفه البهيمة] الرابعة: إذا لم يكن صاحب اليد على البهيمة معه. ضمن ما أتلفته من زرع، أو غيره في الليل بالمثل في المثلي، والقيمة في المتقوم، سواء المالك والوكيل، والمودع والمستعير، والغاصب وغيرهم، ودون النهار؛ للخبر الصحيح في ذلك، رواه أبو داوود، وهو على وفق العادة في حفظ الزرع ونحوه نهاراً، والدابة ليلاً، فلو جرت عادة بلد بالعكس .. انعكس الحكم، ومن ذلك يؤخذ ما بحثه البلقيني: أنه لو جرت عادة بلد بحفظها ليلاً ونهاراً .. ضمن متلفها مطلقاً. نعم؛ إن لم يفرط في ربطها؛ بأن أحكمه وعرض حلها، أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها، أو كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحاً .. لم يضمن. ولو كانت المراعي في وسط المزارع، أو في حريم السواقي .. فلا يعتاد إرسالها بلا راع، فإن أرسلها .. من إتلافها ليلاً ونهاراً. ولو أرسل دابته في البلد، أو ربطها بطريق ولو واسعاً فأتلفت شيئاً .. ضمنه مطلقاً، أما من كان مع البهيمة .. فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو مال، في ليل أو نهار، سواء أكان مالكها أم أجيراً، أم مستأجراً أم مستعيراً، أم غاصباً أم غيرهم، وسواء أكان راكبها أم سائقها أم قائدها، لأنها في يده وعليه تعهدها وحفظها. ولو نخس إنسان دابة بغير إذن راكبها فأسقطته، أو رمحت فأتلفت شيئاً .. منه الناخس،

стр. 798

أو بإذنه .. ضمنه، ولو غلبته فاستقبلها إنسان فردها، فأتلفت في انصرافها شيئاً .. ضمنه الراد .. ولو بالت أو راثت في طريق، فتلف به نفس أو مال .. فلا ضمان في الأصح؛ لأن الطريق لا يخلو عنه، والمنع من الطروق لا سبيل إليه. ويحترز عما لا يعتاد؛ كركض شديد في وحل، فإن خالف ... ضمن ما تولد منه؛ لمخالفته للمعتاد. ومن حمل على ظهره أو بهيمة حطباً فحك بناء فسقط .. ضمنه؛ لأن سقوطه بفعله، أو فعل دابته المنسوب إليه. وإن دخل سوقاً فتلف به نفس أو مال ... ضمنه إن كان زحام، أو تمزق به ثوب أعمى، أو مستدبر البهيمة ولم ينهه، وإنما يضمنه إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ كأن وضعه بطريق، أو عرضه للدابة .. فلا، ولو أرسل طيراً فأتلف شيئاً .. لم يضمنه، ويضمن متلف هرته إن اعتيد إتلافها. وقول الناظم: (وأهدر) بدرج الهمزة للوزن.

стр. 799

كتاب الجهاد المتلقي تفصيله من سير النبي ﷺ في غزواته، ولهذا ترجم عنه بعضهم ب (السير) وبعضهم ب (قتال المشركين) والأصل فيه قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾، ﴿وقتلوا المشركين كافة﴾، ﴿واقتلوهم حيث وجدوتموهم﴾ وأخبار؛ كخبر «الصحيحين»: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وخبر مسلم: «لغدوة أو روحة في سبيل الله .. خير من الدنيا وما فيها». وكان الجهاد قبل الهجرة محرماً، ثم أمر النبي ﷺ بعدها بقتال من قاتله يم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً. والجهاد: قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية؛ لأن الكفار إن دخلوا بلادنا، أو أسروا مسلماً يتوقع خلاصه منهم .. ففرض عين، وإن كانوا ببلادهم ... ففرض كفاية؛ كما قال: (فرض مؤكد على كل ذكر ... مكلف أسلم حر ذي بصر) (وصحة يطيقه، وإن أسر .. رق النسا وذو الجنون والصغر) (وغيرهم رأى الإمام الأجودا ... من قتل أو رق ومن أو فدا) (بمال أو أسرى، وماله أعصما ... من قبل خيرة الإمام أسلما) (وقبل أسر طفل ولد النسب ... وماله، وأحكم بإسلام صبي) (أسلم من بعض أصوله أحد ... أو إن سباه مسلم حين انفرد) (عنهم، كذا اللقيط مسلم بأن ... يوجد حيث مسلم بها سكن) فيها خمس مسائل:

стр. 800

[الجهاد فرض كفاية] الأولى: الجهاد فرض كفاية مؤكد كل سنة، إذا فعله من فيهم كفاية ... سقط الحرج عن الباقين؛ هذا إذا كان الكفار ببلادهم كما مر، وذكر الأصحاب أن الكفاية تحصل بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار. الثاني: أن يدخل الإمام دار الكفر غازياً بنفسه، أو يبعث جيشاً يؤمر عليهم من يصلح لذلك. والجهاد فرض كفاية مؤكد على كل ذكر مكلف، مسلم حر، بصير صحيح، مطيق للجهاد. فلا جهاد على امرأة؛ لضعفها عن القتال غالباً، ولخبر البيهقي وغيره عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم؛ جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، ولا على خنثى مشكل، لاحتمال الأنوثة، ولا على غير مكلف؛ كصبي ومجنون وكافر، ومن فيه رق ولو مبعضاً، وأعمى ومريض يتعذر قتاله، أو يشق عليه مشقة شديدة، ومن لا يطيقه؛ كذي عرج بين وإن قدر على الركوب، وأقطع وأشل، وفاقد معظم أصابع يديه. قال الأذرعي: والظاهر: أن فاقد الإبهام والمسبحة معاً، أو الوسطى والبنصر .. كفاقد معظم الأصابع. ولا على عادم أهبة قتال؛ من سلاح ونفقة وراحلة لسفر القصر، فاضل جميع ذلك عن نفقة من تلزمه نفقته، وما ذكر معها في الحج، وكل عذر منع وجوب الحج .. منع وجوب الجهاد، إلا خوف طريق ولو من لصوص مسلمين، والدين الحال على موسر لم يستنب في وفائه يحرم سفر جهاد وغيره إلا بإذن صاحبه. ويحرم على الرجل جهاد إلا بإذن أصوله المسلمين، أو من وجد منهم، لا سفر تعلم فرض ولو كفاية، ورجوع رب الدين أو الأصل عن إذنه .. يوجب الرجوع إن لم يحضر الصف، إلا أن يخاف على نفسه أو ماله. ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه؛ لأنه أعرف بما فيه المصلحة، ويسن للإمام إذا بعث سرية أن يؤمر عليهم ويأخذ البيعة عليهم بالثبات، ويأمرهم بطاعة الأمير ويوصيه بهم.

стр. 801

[الحكم إذا اسر أحد من أهل الحرب] الثانية: إن أسر أحد من أهل الحرب .. رق النساء؛ أي: والخناثى والمجنون والصغير؛ أي: ومن فيه رق، فيصيرون بنفس الأسر أرقاء لنا، فيكونون كسائر أموال الغنيمة: الخمس لأهل الخمس، والباقي للغانمين. وغيرهم؛ أي: الرجل الحر العاقل .. رأى فيهم الإمام الأجود للمسلمين من قتل له بضرب الرقبة، أو إرقاق له، أو من عليه بتخلية سبيله، أو فداء بمال أو أسرى مسلمين، للاتباع في الأربعة، فليزم الإمام أن يجتهد، ويفعل منها ما هو الأحظ للمسلمين، فإن لم تتبين له المصلحة ... حبسه حتى تتبين له، ويكون مال الفداء ورقابهم إذا استرقوا؛ كسائر أموال الغنيمة. ويجوز فداء مشرك بمسلم أو مسلمين، أو مشركين بمسلم، وسواء في الإرقاق الكتابي والوقني والعربي وغيره. [إسلام الأسير قبل أن يختار الإمام فيه شيئا] الثالثة: إن أسلم الأسير قبل أن يختار الإمام فيه شيئاً .. عصم دمه وماله؛ لخبر «الصحيحين»: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها ... عصموا مني دماءهم وأموالهم» ويبقة الخيار في الباقي؛ كما أن من عجز عن الإعتاق في كفارة اليمين .. يبقى مخيراً بين الإطعام والكسوة، لكن يشترط في فدائه حينئذ: أن يكون له عندهم عز، أو عشيرة يسلم بها دينه ونفسه. [إذا أسلم قبل أسره] الرابعة: إذا أسلم قبل أسره .. عصم دمه وماله، وولده من النسب الطفل؛ أي: والمجنون الحرين، وعتيقه من السبي رجلاً أو امرأة، وحملها كالمنفصل، ولا يعصم زوجته وتفارق عتيقه، بأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ فإنه لحمة كلحمة النسب، بخلاف النكاح؛ فإنه يرتفع بأسباب منها حدوث الرق. وأما زوجة المسلم الحربية: فصحح في «المنهاج» ك «أصله»: عدم جواز إرقاقها مع

стр. 802

تصحيحه جوازه في زوجة من أسلم، والذي في «الروضة» ك «أصلها»: أنه يجري فيها خلاف زوجة من أسلم، قصيته: جواز إرقاقها تسوية بينهما في الجواز؛ كما سوى بين عتيق من أسلم وعتيق المسلم في عدم الجواز. ولو سبيت حرة منكوحة لمسلم .. انقطع نكاحها في الحال وإن كانت موطوءة؛ لزوال ملكها عن نفسها، فزوال ملك الزوج عنها أولى، ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتدائ ودواماً. ولو سبي الزوجان الحران، أو أحدهما ... انقطع نكاحها في الحال وإن كانت موطوءة؛ لزوال ملكها عن نفسها، فزوال ملك الزوج عنها أولى، ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتداء ودواماً. ولو سبي الزوجان الحران، أو أحدهما .. انقطع نكاحهما؛ لعموم خبر: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» إذ لم يفرق بين المنكوحة وغيرها، ومحله: في سبي الزوج الكامل وحده إذا أرق، وكذا لو كان أحدهما حراً والآخر رقيقا. ومن لزمه دين .. قضي مما غنمناه من ماله بعد رقه، ولا يسقط إلا إن كان لحربي، ويبقى دين من رق إلا على حربي، ولو أسلم أو أمن حربيان معاً، أو مرتباً ولأحدهما على الآخر دين عقد لا إتلاف .. لم يسقط. [متى يحكم بإسلام الصبي] الخامسة: يحكم بإسلام الصبي؛ أي: والصبية في ثلاث مسائل: الأولى: الولادة؛ بأن كان أحد أصوله مسلماً وقت العلوق به، أو أسلم قبل بلوغه، لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وأتبعناهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ ولقوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه» فجعل موجب كفره كفرهما جميعاً، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وانعقد الإجماع عليه في إسلام الأب، وسواء المميز وغيره. والمجنون المحكوم بكفره كالصغير في تبعيته لأحد أصوله في الإسلام وإن طرأ جنونه بعد بلوغه على الأصح. وشمل تعبير الناظم ب (أحد أصوله): أحد الأجداد أو الجدات، الوارث وغيره؛ كأب الأم ولو مع حياة الأب والأم، فإن بلغ ووصف كفراً .. فمرتد؛ لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد.

стр. 803

الثانية: إذا سباه مسلم ولم يكن معه أحد من أصوله؛ لأنه صار تحت ولايته كالأبوين، وادعى الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع عليه. وخرج بقوله: (حين انفرد عنهم) ما إذا كن معه أحد أصوله .. فإنه لا يحكم بإسلامه، فإن تبعيتهم أقوى من تبعية السابي، فلو مات أحد أصوله بعد سبيه معه .. استمر كفره ولم يحكم بإسلامه؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي. ومعنى قولهم: (أن يكون معه أحد أصوله): أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، وتعبير الناظم في هذا ب (أحد أصوله) أعم من تعبير غيره ب (أحد أبويه) وكالصغير فيما ذكره المجنون. وخرج بقوله: (إن سباه مسلم) ما لو سباه ذمي قاطن ببلاد الإسلام .. فإنه لا يحكم بإسلامه إذا دخل به دار الإسلام؛ لأنه كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده الإسلام، فغيره أولى. الثالثة: الصغير اللقيط إذا وجد بدار الإسلام ولو كان فيها أخل ذمة؛ كدار فتحها المسلمون، ثم أقروها بيد كفار صلحاً؛ أو بعد ملكها بجزية، أو دار غلبهم عليها الكفار وسكنوها، أو بدار كفر وقد سكنها مسلم يمكن أن يولد له ذلك اللقيط؛ تغليباً لدار الإسلام، وخبر الإمام أحمد والدارقطني: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» وخرج بقوله: (حيث مسلم بها سكن) ما إذا لم يسكن بها أو كان فيها مجتازاً .. فإنه كافر؛ إذ لا مسلم ساكن فيها يحتمل إلحاقه به، والحكم بإسلام الصبي بوجدانه في أرض إسلام هو أضعف التبعات، ولهذا لو أقام ذمي بينة بأنه ابنه .. لحقه وتبعه في الكفر، وارتفع ما ظنناه من إسلامه؛ لأن حكم الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة. وقول الناظم: (النسا) بالقصر للوزن، والألف في قوله: (الأجوداً) و (أسلما) للإطلاق، وقوله: (أو رق) (أو أسرى) بدرج الهمزة فيهما للوزن، و (ماله) بالنصب ويجوز رفعه، والألف في قوله: (اعصما) بدل من نون التوكيد الخفيفة.

стр. 804

باب الغنيمة وفي بعض النسخ: (قسم الفيء والغنيمة) أي: بفتح القاف، والمشهور تغايرهما كما يعلم مما سيأتي، وقيل: يقع اسم كل منهما على الآخر إذا انفرد، فإن جمع بينهما .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، وقيل: اسم الفيء يقع على الغنيمة دون العكس، ومن هذين قولهم: (يسن وسم نعم الفيء) والأصل فيهما: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآيتين، وخبر وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: «وأن تعطوا من المغنم الخمس». ولم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة، والغنيمة كما يؤخذ من كلام الناظم الآتي في تعريف الفيء: ما أخذناه من الحربيين قهراً؛ كالمأخوذ بقتال الرجال، وفي السفن، أو التقى الصفان فانهزموا عنه قبل شهر السلاح، وما صالحونا عليه عند القتال، وما أهدوه لنا والحرب قائمة، وما أخذه واجد أو جمع من دار الحرب سرقة، أو وجد كهيئة اللقطة ولم يمكن كونه لمسلم. (يختص منها قاتل بالسلب ... وخمس الباقي، فخمس للنبي) (يصرف في مصالح ومن نسب ... لهاشم ولأخيه المطلب) (لذكر أضعف ولليتامى ... بلا أب إن لم ير احتلاما) (والفقراء والمساكين كما ... لابن السبيل في الزكاة قدما) (وأربع الأخماس قسم المال ... لشاهد الوقعة للقتال) (لراجل سهم، كما الثلاثه ... لفارس إن مات للوراثه) (والعبد والأنثى وطفل يغني ... وكافر حضرها بإذن) (إمامنا سهم أقل ما بدا ... قدره الإمام حيث اجتهدا) (والفيء: ما يؤخذ من كفار ... في أمنهم كالعشر من تجار) (فخمسه كالخمس من غنيمه ... والباق للجند، حووا تقسيمه)

стр. 805

[اختصاص قاتل الحربي بسلبه] أي: يختص من الغنيمة مسلم قاتل للحربي المقبل على القتال في الحرب بسلبه؛ وإن كان كل منهما رقيقاً، أو أنثى أو صغيراً بقيده الآتي، سواء أشرطه له الإمام أم لا، وسواء أكان قتال الحربي معه أم مع غيره؛ لخبر «الصحيحين»: «من قتل قتيلاً ... فله سلبه»، وخبر أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ قضى بالسلب للقاتل) ولأن ذلك مسلوب من يد الحربي، وطمع القاتل يمتد إليه غالباً. وخرج ب (المسلم): الكافر، فلا سلب له وإن قاتل بإذن الإمام، ومثل القاتل: من ارتكب غرراً كفى به شر حربي في حال الحرب .. فيستحق سلبه؛ كأن قطع يديه أو رجليه، أو يداً ورجلاً، أو قلع عينيه، أو أسره، فلو قتله غير من أسره .. فلا سلب له؛ إذا كفي بالأسر شره؛ بخلاف ما لو أمسكه واحد ومنعه الهرب، ولم يضبطه وقتله آخر ... فإنهما يشتركان في السلب؛ لأنه كفاية شره إنما حصلت بهما، أما إذا لم يرتكب غرراً في قتله؛ كأن قتله نائماً، أو مشغولاً بأكل أو غيره، أو رماه من حصن أو صفنا .. فلا سلب له؛ لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر وهو منتف. فإن كان المقتول صبياً أو مجنوناً أو امرأة أو عبداً لم يقاتل .... لم يستحق سلبه؛ لأن قتله حرام والحالة هذه. (والسلب): ما يصحبه الحربي؛ من ثيابه الملبوسة، والخف والران، والطوق والسوار، والمنطقة والهميان، ودراهم النفقة، وآلات الحرب؛ كالدرع والسلام والمركوب وإن كان ماسكاً بعنانه وهو يقاتل راجلاً، وآلاته؛ كالسرج واللجام والجنيبة التي تقاد معه. فلو كان معه جنائب ... قال أبو الفرج الزاز: لا يستحق إلا واحدة، قال الرافعي: وهل يرجع فيها إلى تعيين الإمام، أو يقرع بين الجنائب؟ فيه نظر؛ قال النووي: وفي التخصيص بجنيبة نظر، وإذا قيل به .. فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها، لأن كل واحد منها جنيبة قتيله فهذا هو المختار، بل الصواب بخلاف ما أبداه الرافعي، وما قاله الزاز ... نقله ابن الرفعة عن الشيخ أبي حامد والماوردي.

стр. 806

ولا يدخل في السلب المهر التابع لمركوبه، ولا الحقيبة المشدودة على الفرس، ولا ما فيها من الأمتعة والدراهم، ولا لاغلام الذي معه. [تخميس الباقي من الغنيمة بعد السلب] ثم بعد السلب يخمس الباقي من الغنيمة بعد إخراج مؤنها- كأجرة الحمال- خمسة أقسام متساوية ويؤخذ خمس رقاع متساوية ويكتب على واحدة منها (لله) أو (للمصالح) وعلى أربع (للغانمين) ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج لكل قسم رقعة، فما خرج عليه سهم الله أو المصالح .. جعله بين أهل الخمس يقسم على خمسة، فتكون القسمة من خمسة وعشرين، ويقدم عليه قسمة ما للغانمين، لحضورهم وانحصارهم. وتستحب القسمة بدار الحرب؛ كما فعل النبي ﷺ ، بل تأخيرها إلى دار الإسلام بلا عذر مكروه. بيان مصرف خمس الغنيمة] أحد أخماس الخمس: للمصالح، وكان قبل ذلك للنبي ﷺ ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، ما فضل .. جعله في السلاح عدة في سبيل الله وسائر المصالح، وإضافته لله؛ للتبرك بالابتداء باسمه، وكان يملكه، لكن جعل نفسه فيه كغيره تكرماً، ولا يورث عنه، بل يصرف بعده لمصالح المسلمين، كسد الثغور وعمارة الحصون، القناطر والمساجد، وأرزاق القضاة والعلماء والمؤذنين، ويجب تقديم الأهم فالأهم. والثاني: لمن نسب من جهة الأب لهاشم ولأخيه المطلب، دون من نسب لعبد شمس ونوفل وإن كان الأربعة أولاد عبد مناف، لاقتصاره ﷺ في القسمة على بني الأولين مع سؤال بني الأخيرين له، رواه البخاري، وأما بنو هاشم ... فلأنه منهم، وأما بنو المطلب .. فلأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، حتى إنه لما بعث بالرسالة ... نصروه وذبوا عنه، بخلاف بني الأخيرين، بل كانوا يؤذونه. أما من نسب لهما من جهة الأم .. فلا شيء له؛ لأنه ﷺ لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل منهما هاشمية، سواء في ذلك غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم،

стр. 807

وقريبهم وبعيدهم/ والحاضر بموضع الفيء والغائب عنه؛ لعموم الآية، وللذكر ضعف ما للأنثى؛ لأنه عطية من الله تعالى، فيسحتق بقرابة الأب؛ كالإرث. وقال الإمام: ولو كان الحاصل قدراً لو وزع عليهم لا يسد مسداً ... قدم الأحوج فالأحوج ولا يستوعب للضرورة. والثالث: لليتامى؛ وهو صغير ذكراً كان أو أنثى أو خنثى؛ أي: معسر لا أب له ولو كان له جد أو أم، أما صغره .. فلخبر: «لن يتم بعد احتلام» رواه أبو داودد وحسنه النووي، لكن ضعفه المنذري وغيره، وأما إعسره .. فلإشعار لفظ اليتم به، ولأن غناه بمال أبيه إذا منع استحقاقه، فغناه بماله أولى بمنعه، وأما فقد الأب .. فللوضع والعرف، فلو اختل شيء من الثلاثة .. لم يعط من سهم اليتامى. والرابع: للفقراء والمساكين. والخامس: لابن السبيل، وسبق بيان الثلاثة في قسم الصدقات. قال الماوردي: ويجوز للإمام أن يجمع للمساكين بين سهمهم من الزكاة، وسهمهم من الخمس، وحقهم من الكفارات، فتصير لهم ثلاثة أموال. قال: وإذا اجتمع في واحد يتم ومسكنة .. أعطي باليتم دون المسكنة؛ لأن اليتم وصف لازم، والمسكنة زائلة، ولا يجوز الاقتصار من كل صنف على ثلاثة، بل يعم كما في الزكاة إذا صرفها الإمام، للآية، ولو فقد بعضهم .. وزع سهمه على الباقين كالزكاة، ويجوز التفاوت بين آحاد كل صنف غير الثني؛ لأن استحقاقهم بالحاجة وهي تتفاوت، بخلاف الثاني لا تفاوت فيه بغير الذكورة والأنوثة كما مر، ولا يجوز الصرف لكافر، قال في «الكفاية»: إلا من سهم المصالح عند المصلحة. ومن ادعى أنه فقير، أو مسكين، أو ابن سبيل .. قبل قوله بلا بينة، أو أنه قريب، أو يتيم .. لم يقبل قوله إلا ببينة.

стр. 808

[قسمة الأخماس الأربعة للغانمين] والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين؛ أخذاً من الآية، اقتصر فيها بعد الإضافة إليهم على إخراج الخمس، وهم: من شهد الوقعة لأجل القتال وإن لم يقاتل، حضر في ول القتال أو في أثنائه، ومن شهدها لا لأجل القتال وقاتل؛ كالأجير لحفظ أمتعة، والتاجر والمحترف، ومن شهدها غير كامل ولو الرضخ، ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال ولو قبل حيازة المال، ولو حضر قبل انقضائها .. فلا حق له فيما غنم قبل حضوره، وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة سهام؛ سهمان للفرس، وسهم له؛ للأتباع كما في «الصحيحين»، / فلا يزاد عليها وإن حضر بأكثر من فرس، كما لا ينقص عنها، فلو كان في سفينة ومعه فرس .. أعطيها أيضا؛ لأنه قد يحتاج إلى الركوب؛ نص عليه وحمله ابن كج على من بقرب الساحل، واحتمل أن يخرج ويركب، وإلا .. فلا معنى لإعطائه. وفي «الروضة» عن صاحب «العدة» أنه لو ضاع فرسه، فأخذه غيره وقاتل عليه ... كان سهمه لمالكه؛ فإنه شهد الوقعة، ولم يوجد منه اختيار إزالة يده، فصار كما لو كان معه ولم يقاتل عليه. ولو حضر اثنان بفرس مشترك بينهما .. فهل يعطى كل منهما سهم فرس أو لا يعطيان لها شيئاً، أو يعطيانه مناصفة؟ أوجه، قال النووي: لعل الثالث أصحها، وصححه السبكي فلو ركباه .. فيه وجه رابع، قال النووي: إنه حسن، واختاره ابن كج، وهو إن كان يصلح للكر والفر مع ركوبهما .. فلهما أربعة أسهم، وإلا فسهمان. وسواء في ذلك الفرس العتيق؛ وهو عربي الأبوين، والبرذون؛ وهو عجميهما، والهجين، وهو العربي أبوه فقط، والمقرف؛ وهوالعربي أمه فقط؛ لصلاحية الجميع للكر ولافر، ويعتبر كونه جذعاً، أو ثنياً، نبه عليه الرافعي في (المسابقة) ولا يسهم لفرس مهزول، أو لا نفع فيه، لكونه كسيراً أو هرماً، أو صغيراً أو ضعيفاً أو

стр. 809

نحوها ولا لبعير وفيل وبغل وغيرها؛ لأنها لا تصلح للحرب صلاحية الخيل لها بالكر والفر اللذين تحصل بهما النصرة. نعم؛ يرضخ لهما، ورضخ الفيل فوق رضخ البغل، ورضخ البغل فوق رضخ الحمار، ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة .. فحقه لوارثه؛ بناء على أن الغنيمة تملك بالانقضاء، ولو مات في القتال .. فلا شيء له، بخلاف موت فرسه حينئذ فإنه يستحق سهمه؛ لأنه متبوع والفرس تابع. وللعبد والأنثى وطفل يغني، أي: ينفع في القتال، وكذا كافر حضر الوقعة بإذن إمامنا بلا أجرة .. سهم أقل ما بدا؛ أي: أقل من سهم راجل وإن كانوا فرساناً، وهذا هو المسمى بالرضخ. قدره الإمام باجتهاده. ويفاوت بين أهله بحسب نفعهم: فيرجح المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره، والفارس على الراجل، والمرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطاش على التي تحفظ الرحال، والأصل في ذلك: الاتباع، رواه في العبد الترمذي وصححه، وفي الصبي والمرأة البيهقي مرسلاً، وفي قوم من اليهود أو داوود بلفظ (أسهم) وحمل على الرضخ، ولأنهم ليسوا من أهل فرض الجهاد، ولكنهم كثروا السواد فلا يحرمون. وأما المجنون .. فقال الماوردي: يرضخ له كالصبي، وقال الإمام: لا يرضخ له وفاقاً، قال الأذرعي: ولعل هذا الوفاق الذي ذكره إذا لم يكن له تمييز، فإن كان .. فقد يكون أجرأ وأشد قتالاً من العقلاء. فإن لم يأذن الإمام للكافر .. فلا سهم له وإن أذن له غيره من الأجناد؛ لكونه متهماً بموالاة أهل دينه، بل يعزره على ذلك أن أدى إليه اجتهاده، وإن أذن له بأجرة .. اقتصر عليها. والمشكل والزمن والأعمى ونحوهم .. كالطفل في الرضخ. وشمل تعبير ب (الكافر): المعاهد والمستأمن والحربي إذا حضروا بإذن الإمام، حيث تجوز الاستعانة بهم كالذمي، وقد قال الزركشي" إنه المتجه، قال: وأما المبعض ..

стр. 810

فالظاهر أنه كالعبد، ويحتمل أن يقال: إن كانت مهايأة وحضر في نوبته .. أسهم له وإلا رضخ. ولو زال نفص أهل الرضخ قبل انقضاء الحرب .. أسهم لهم، بل لو بان بعد انقضائها ذكورة الخنثى .. أسهم له. ولا سلب ولا سهم ولا رضخ لمخذل، ولا مرجف، ولا خائن [بيان الفيء] والفيء: ما يؤخذ من كفار في أمنهم بلا قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب من منقول وعقار، كالعشر المأخوذ من التجار والجزية، وما أهدوه في غير الحرب، ومال ذمي مات بلا وارث، أو فضل عن وارثه، ومال مرتد قتل أو مات، فخمس مال الفيء يقسم كخمس مال الغنيمة كما تقدم، والباقي وهو الأربعة أخماس للأجناد المرصدين للجهاد. ويستحب أن يضع الإمام دفتراً، وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفاً ويبحث عن حال كل واحد وعياله ما يحتاجون إليه، فيعطي كل واحد مؤنته ومؤنتهم، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، ومروءة السخص وضدها، ولا يثبت في الدفتر العميان والزمني، والصبيان والمجانين، والنسوة والعبيد، والكفار والجهلة بالقتال، ومن يعجز عنه؛ كالأقطع وشبهه. وإذا طرأ على بعض المقاتلة مرض أو جنون يرجى زواله .. أعطي ولم يسقط من الدفتر، وإن لم يرج .. أسقط منه ويعطي، وإذا مات .. تعطى زوجته إلى أن تنكح، وأولاده إلى أن يستقلوا. وقول الناظم: (قدماً) ببنائه للفاعل أو المفعول، وألفه للإطلاق وقوله: (والعبد) وما عطف عليه بالجر عطفاً على (راجل) والألف في قوله: (اجتهدا) للإطلاق، وقوله (والباق) بحذف الياء للوزن
следующие страницы →