← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[١٤١] ذكر ما قد يعارَضُ به ما تقدَّم في شأن الملائكة ﵈ والجواب عنه من ذلك قول الله في سياق آية التمانع: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. ومنها ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣]. ومنها ما جاء أن إبليس كان من الملائكة. ومنها قصَّة هاروت وماروت. ومنها ما روي أنَّ النبيَّ ﵌ قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر (١) فأدُسُّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (٢). والجواب عن الأوَّل: أن ذلك من باب الفرض، ولا دلالة فيه على الجواز فضلًا عن الوقوع. ونظير الآية قوله تعالى لخاتم أنبيائه صلَّى الله عليه

стр. 457

وآله وسلَّم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ [١٤٢] مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، مع آيات أخر قد مر بعضها في أوائل الرسالة. وقد نُقِلَ عن بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ قال: هو إبليس. كذا قال، وسيأتي قريبًا تبرئة الملائكة ﵈ من اللعين. والجواب عن الثاني: أن قولهم ﵈: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان بعد إذن الله تعالى لهم بأن يقولوا، والإذن مفهوم من إخباره لهم. ألا ترى أن الطبيب الماهر قد يقول لتلميذه المطيع الخاضع العارف بقصور نفسه وكمال الطبيب: سأركِّب من لحوم الحيات معجونًا، فيقول التلميذ: كيف تركِّب معجونًا من هذا السمِّ القاتل، والأدوية الخالية عن السمِّ موجودة؟ فهل تشكُّ أيها الناظر في أنَّ الطبيب إنما أراد بإخبار التلميذ أمره بأن يسأل عن الحكمة فيفيده إياها؟ أو تشك أنَّ التلميذ فَهِمَ هذا الأمر؟ أو أنه إنما أراد بسؤاله استكشاف الحكمة؟ [١٤٣] وقد أخرج ابن جرير بسند صحيح عن قتادة قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فاستشار الملائكة في خلق آدم فقالوا ﴿أَتَجْعَلُ ... ﴾ (١). مراد قتادة بقوله: "فاستشار" لازمه من الإذن بإبداء الرأي. وقال ابن جرير بعد كلام: "وأما دعوى مَنْ زعم أن الله جلَّ ثناؤه كان

стр. 458

أَذن لها بالسؤال عن ذلك فَسَأَلَتْهُ على وجه التعجُّب, فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر لها من الحجة يقطع العذر" (١). أقول: قد علمت الدلالة, ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وقول جبريل: "ما نسأله عن شيء" لكفى. فأما وصفهم الخليقة الأرضية بالفساد وسفك الدماء فقد جاء عن جماعة من السلف أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة بذلك. وفي هذا نظر. والظاهر ما جاء عن بعض السلف أيضًا أن الملائكة فهموا ذلك بالاستدلال، إما بالقياس على خلقٍ كانوا في الأرض من قبل، وإما لمعرفتهم بطبيعة الأرض وأن الخليقة التي تجعل فيها يكون من شأنها ذلك، أو غير ذلك. وسياق القصة وقرائنها ظاهرة في أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم, فكأنهم قالوا: إننا نظن كذا، وعلى هذا فلا يضرُّهم استنادهم إلى دليلٍ ظنِّيٍّ، بل ولا يضرُّهم أن [١٤٤] يتبيَّن خطأ ظنِّهم. ألا ترى إلى ما رواه مسلمٌ في صحيحه وغيره عن طلحة، قال: مررت مع رسول الله ﵌ بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يُلَقِّحُونَه، يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى فَيَلْقَحُ (٢) , فقال رسول الله ﵌: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله ﵌ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن،

стр. 459

ولكن إذا حدَّثْتُكُم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لَنْ أَكْذِبَ على الله". وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن رافع بن خَدِيجٍ، وفيه: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، قال: فتركوه، فنفضت أو فنقصت ... الحديث. وأخرجه مسلمٌ أيضًا من حديث أنسٍ أنَّ النبيَّ ﵌ مَرَّ بقوم يلقحون فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، قال: فخرج شيصًا، فمرَّ بهم، فقال: "ما لِنَخْلِكُم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١). فالنبي ﵌ لم يكن من أهل النخل، وقد عَلِمَ أنَّ عامّة الأشجار تثمر بدون تلقيح, فقاس النخلَ عليها وأخبر بظنه، وصدق [١٤٥] ﵌ في إخباره عن ظنه ولا يضرُّه خطأ الظَّنِّ. ومثل ذلك حديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة في صلاة النبي ﵌ بالناس الظهر أو العصر وتسليمه من ركعتين، قال فيه: "وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ يُقال له ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، وفي رواية: "كلُّ ذلك لم يكن" الحديث (٢). مراده ﵌ بقوله: "لم أنس ولم تقصر" أو "كُلُّ ذلك لم يكن": الإخبار عن ظنِّه لا عن الواقع، فكأنه قال: (في ظنِّي) وإنما

стр. 460

لم يُصَرِّح بذلك لدلالة الحال عليه. والله أعلم. وبما قرَّرناه عَلِمْتَ الفَرْقَ بين قياس الملائكة وقياس إبليس؛ فإن قياس الملائكة لم يعارض نصًّا بخلاف قياس إبليس؛ فلذلك قال الحسن وابن سيرين: إن أول من قاس إبليس, كما تقدم. والله أعلم. وأما ما توهَّمه بعض الناس أن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ من الغيبة المحرمة, فمِنْ ضِيقِ عَطَنه، وقد صحَّت عن النبيِّ ﵌ أخبارٌ كثيرةٌ عما سترتكبه أمَّته من بعده من الفجور، فهل يكون ذلك غيبة؟ ! وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنهم لما أرسلوا الوصف كان على العموم, فنبَّههم الله تعالى أن تعميم الحكم لا ينبغي إلا بعد العلم بجميع [١٤٦] الأفراد وخصائصهم، فإذا كانوا يجهلون أسماءهم فهم لغيرها أجهل. وقد عَلِمْتَ أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم، وليس في خطأ الظن ما ينافي العصمة. وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ فهو تذكير بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قصد به التنبيه على حصول البرهان الحسي على ذلك ليتقرر ذلك عندهم بعين اليقين, فلا ينافي أن يكونوا قبل ذلك عالمين علم اليقين، والله ﵎ أعلم. والجواب عن الثالث ــ وهو ما قيل: إن إبليس كان من الملائكة ــ: فالقرآن يكذِّب ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي

стр. 461

وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. فقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ نصٌّ على أنه لم يكن من الملائكة، وَزَعْمُ أن من الملائكة طائفة يقال لهم: جن، وهم غير الجن المعروفين, دعوى لا دليل عليها. والاستدلال بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] ساقطٌ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما تفصح به (بل)؛ لأنها تقتضي نفي المسؤول عنه وهو ما في قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] , فالمعنى حينئذٍ: كلَاّ، لم يكونوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون الجن. وسيأتي توجيه نَفْيِهم عبادة المشركين لهم. وكذلك الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] ليس بشيءٍ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ يؤيد أن المراد الجن المعروفون؛ فإن الفاء للسببية، [١٤٧] يريد ــ والله أعلم ــ فبسبب كونه من الجن فَسَقَ، أي: لأنه لو كان من الملائكة لما تأتَّى منه الفسق. ونحوها قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤، ص: ٧٤]. قال أبو السعود: "أي في علم الله تعالى إذ (ا) (١) كان أصله من كفرة

стр. 462

الجن, فلذلك ارتكب ما ارتكبه, على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] " (١). فأما دخوله في الأمر بالسجود فلأن أمر الله تعالى لما وقع للملائكة وهو معهم دخل في عموم الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ فالخطاب موجَّه إليهم, والأمر لهم ولمن كان معهم, كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالخطاب موجَّه إلى النبيِّ ﵌، والأمر له ولأمته. وأما استثناء اللَّعين من الملائكة فكالحمار يُسْتَثْنَى من القوم، تقول: جاء القوم إلا حمارًا، ومنه قول الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا على أن لفظ الملائكة تناول إبليس تبعًا, كما تقول: جاءت بنو تميم إلا المواليَ، تريد بقولك (بنو تميم) ما هو أعمُّ مِنْ التميميِّ صَلِيبة (٢) والتميميِّ بالولاء. وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقد قال تعالى مخاطبًا الجنَّ والإنس: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا

стр. 463

تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧]. وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﵌ قال: "خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدم مِمَّا وُصِفَ لكم" (١). وما اشتهر بين الجهال أن إبليس أراد أن يقول (من نور) فأجرى الله تعالى على لسانه (من نار) لا أصل له، والأدلة [١٤٨] على أن اللَّعين لم يكن من الملائكة حقيقة قطُّ كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. وأما الجواب عن الرابع ــ وهو قصَّة هاروت وماروت ــ فنقول: قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 464

اختلف العلماء في تفسير هذه الآية, فالقول المنصور أن (ما) في ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ موصولة عطف على السحر من عطف الخاصِّ على العامِّ أو على (ما) الأولى في قوله: ﴿مَا تَتْلُو﴾، و ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مَلَكَان أذن الله ﵎ لهما في تعليم السحر بعد أن يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قالوا: وتعليم السِّحر وتعلُّمُه ليس كفرًا ولا حرامًا، وإنما المحظور العملُ به, كما لا يحرم أن يخبر الإنسان غيره بكيفية صناعة الخمر وإن حَرُمَ عصرُها وبيعُها وغير ذلك، وعلى فرض حرمة تعلُّمه وتعليمه في شريعتنا لا يلزم من ذلك حرمته في جميع الشرائع، وعلى فرض أنه حرام في جميع الشرائع فلا يلزم ذلك في حق الملائكة؛ فإن القتل حرام في كل الشرائع، وهذا ملك [١٤٩] الموت يقبض نفوس الخلق أجمعين والأنبياءِ والمرسلين، وإن فرضنا أن تعلُّمَه كفر فلا يلزم من تعليمه مع كراهيته وبغضه والزجر عنه الكفر, فلو أن جماعة من المشركين جعلوا مالًا عظيما لمن يسجد لصنم فجاء رجل يريد السجود له وكان هناك مسلم فسأله هذا عن الصنم فزجره هذا ووعظه ونهاه فأصرَّ فأشار له إلى الصنم= لم يظهر من هذا كفر المشير, بل إن السائل لما أصرَّ على عمل الكفرِ صار كافرًا وإن لم يسجد، فعلى هذا فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي إذا سأل مسلمًا عن الطريق إلى بيت الصنم فدلّه. هذا أقصى ما يُسْتَدَلُّ به لهذا القول، وفي بعضه نظر. والله أعلم. وقيل: إن (ما) نافيةٌ، والباقي كما مرّ. والمعنى: أنه لم يكن سليمان ساحرًا, ولم ينزل الله تعالى السحرَ على الملكين, فإن السحر أَخسُّ من ذلك، أي وإنما عَلِمه الملكان بطريق أرضيَّة وإن كان ذلك بإذن الله تعالى.

стр. 465

وذهب بعضهم إلى أن (ما) نافية, والمراد بالملكين رجلان صالحان هما هاروت وماروت، واستدلَّ بالقراءة الشاذة (الملِكين) بكسر اللام، والباقي نحو ما مرَّ. وقال جماعة: (ما) نافية, والمراد بالملكين جبريل وميكائيل أو داود وسليمان. قالوا: وهاروت وماروت بدلٌ إمَّا من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ فهما اسما شيطانين أو قبيلتين من الشياطين، وإما من ﴿النَّاسَ﴾ فهما اسما رجلين، وعلى هذا فلا إشكال [١٥٠] من جهة أن تعلُّم السحر وتعليمه كفر أو حرام. واعتُرِضَ على هذا القول بأنه كيف تقول الشياطين أو الكفار ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ وأجابوا بأنه لا مانع أن يأخذ الله تعالى على الشياطين هذا القول حتى لا يقدروا على التعليم بدون قوله، وكذا لا يمتنع أن يكون الإنسانان تأوَّلا جواز التعلُّم والتعليم واحتاطا بمنع التعليم حتى يقولا ذلك. ويُبْعِدُ هذا القولَ ما فيه من التعسُّف في تقدير الكلام. وقد يؤخذ من بعض الآثار أن (ما) موصولة والمراد بالمُنَزَّل الاسمُ الأعظم، وعلى هذا فلا إشكال في جواز تعليمه وتعلُّمه وإن كان المتعلِّم قد يعمل بواسطته ما يكون كفرًا، كما يجوز أن تعطيَ مسلمًا مصحفًا وإن احتمل أن يكفر بإلقائه في نجاسة مثلًا، ويَرِدُ على هذا القول أن فيه كون الشياطين يَعْلَمون الاسم الأعظم ويُعَلِّمُونه، وهو كما ترى. وقد أخرج ابن جرير وغيره عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﵌ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به،

стр. 466

قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد [١٥١] رسول الله ﵌ فيشفيها، كانت تبكي حتى إني لأرحمها وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكتُ، كان لي زوج فغاب فدخلتُ على عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فَعَلْتِ ما آمرُكِ فأجعله يأتيك, فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين مُعَلَّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، وارجعي, فأبيت وقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه فذهبت ففزعت، فلم أفعل فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ قلت: نعم، فقالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا لي: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبتِ، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت إليه فبُلْت، فرأيت فارسًا مُتَقَنِّعًا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عنِّي حتى ما أراه, فجئتهما فقالا: صدقْتِ، ذلكِ إيمانكِ خرج منكِ، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى لن تريدي شيئًا إلا كان، خذي [١٥٢] هذا القمح فابذري، فبذرتُ، فقلت: اطْلُعِي فطَلَعَتْ، وقلت: أَحْقِلي فأَحْقَلَتْ، ثم قلت: أَفْرِكي فأَفْرَكَتْ، ثم قلت: أَيْبِسِي فأَيْبَسَتْ، ثم قلت: أطحني فأطحنت، ثم قلت: أخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان أُسْقِطَ في يدي وندمتُ والله يا أمَّ المؤمنين، والله ما فعلت شيئًا قطُّ، ولا أفعله أبدًا، فسَأَلَتْ أصحاب رسول الله ﵌ حداثة وفاة رسول الله ﵌ وهم

стр. 467

يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلُّهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حَيَّين أو أحدهما لكانا يكفيانك. انتهى حديث ابن جريرٍ عند قولها: "ولا أفعله أبدًا"، والزيادة من المستدرك وسنن البيهقي، قال الحاكم: صحيح وأقرَّه الذهبيّ (١). أقول: أما السند فلا كلام فيه، وإنما الشأن في هذه المرأة الدُّومِيَّة. ومَن تأمل القصة ومناسبتها للآية وسكوت الصحابة عن إنكارها علم أنه ليس من الإنصاف تكذيبها. وفيها بقاء الملكين إلى ذلك الوقت، وقد يشهد له قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ بصيغة المضارع المشعرة بالاستمرار, ولم يقل: وما علَّما، أو: وما كانا يعلِّمان، أو نحو ذلك. وقد أنكر أبو محمَّد بن حزمٍ ﵀ [١٣٥] بقاءهما، واحتجَّ بأن بابل موجودةٌ على وجه الأرض والناس يطوفون فيها ولا يرونهما، ومَنْ كان يؤمن بوجود الجنِّ والملائكة وإمكان أن يراهم بعض الناس بإذن الله تعالى لم يَخْفَ عليه الجوابُ (٢). وقد يُحتجُّ على عدم بقائهما بقلَّة السِّحر على وجه الأرض، وبأنه لو كان الأمر كما زعمت الدُّوميَّة ــ أنَّ مَن تعلَّم لم يُرِدْ شيئًا إلا كان ــ لفسدت السماوات والأرض. والجواب: أنه لا مانع أن يقال: إن الله يمنع الناس من الوصول

стр. 468

إليهما إلا مَنْ ندر، ويمنع مَنْ تَعَلَّمَ ذلك مِنْ عَمَل ما يَخْتَلُّ به شيء من قوانين الخلق والأمر, كما يمنع الشياطين من ذلك، وقد بيَّنَ هذا في الآيات بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، هذا والسياق يدلُّ أن قولها: "لا أريد شيئًا إلا كان" محمول على المُحَقَّرَات فقط. على أن هذا التعميم إنما وقع من قول العجوز الفاجرة، ومِنْ ظن هذه الدُّوميّة لما رأت قصَّة القمح. وفي القصة أنها رأت الرجلين أو قُل (الملَكَين) معلَّقَيْنِ بأرجلهما، فإن فُهِمَ من التعليق العذابُ فلا يجوز أن يكون هذا العذاب على التعليم؛ إذ كيف يُصِرَّان على المعصية مع أنهما يعذَّبان عليها ومع ذلك يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ويؤكِّدان ذلك غاية التأكيد مع أن في الآثار التي سيأتي الكلام عليها [١٥٤] أنهما تابا وأنابا. فإن قيل: لعلَّ العذاب على ذنبٍ آخر كما تدلُّ عليه الآثار الأخرى, فكذلك يبعد أن يصرّا على معصية مع تعذيبهما على أخرى ويقولان مقالتهما. والأقرب إن صدقت المرأة أنهما مُثِّلا لها كذلك ليكون أَبْلَغَ للتنفير, ولا عذاب ولا تعليقَ في نفس الأمر. وموضعُ الفائدة في هذه القصَّة أنهما لا يُعَلِّمان شيئًا وإنما يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإذا أصرَّ الطالبُ قالا له: اذهب فبُلْ في ذلك التنور فيذهب فَيَعْرِضُ له خوف ورعب، فإن صَمَّم وبال فما هو إلا أن يبولَ فيخرجَ منه إيمانه ويَعْلَمَ السِّحْر. فإن صحَّ هذا فلا إشكال في الآية أصلًا، بل المعنى: ولم ينزل السِّحر

стр. 469

على الملكين ببابل، وإنما هما فتنة يفتنان مَنْ طلب تعلُّم السحر ليتبيّن تصميمه على الكفر أو عدمه, فيعظانه ويحذِّرانه، فإن أصرَّ امتحناه بأن يبول فيعرض له ذلك الخوف والرعب، فإن صمَّم وبال تبيَّن أنه قد صمَّم على الكفر فَيُنْزَعُ منه التوفيقُ، ويُخَلَّى بين الشياطين وبينه، فيحصل له السحر من صحبة الشياطين، فليس في فعل الملكين رضًا بكفر ولا تعليمُ سحر؛ وذلك أن البول في التنُّور ليس كفرًا في نفسه، بل الطالب إذا أصرَّ على التعلُّم بعد أَن يقولا له: [١٥٥] ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فقد صار كافرًا، وإنما البول في التنُّور دليل على تصميمه على الكفر وإصراره عليه وشدة حرصه على التعلُّم الذي هو كفر بجرأته على البول مع ما يعرض له من الرعب، ولكن لما كان البول في التنُّور يقع بإشارتهما وعِلْمُ السحر يَحْصُلُ عقِبه، وكان ذلك في صورة التعليم أطلق في الآية ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾، وذلك على سبيل المجاز، والله أعلم، والقرينة الصارفة عن الحقيقة أمور: الأوَّل: أنه قد بيَّن في الآية أن تعليم السحر كفر وأن تعلُّمه كفر، وأنهما ملكان، وقد قامت الدلائل على عصمة الملائكة. أما بيان أن تعليم السحر كفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وأما بيان أن تعلُّمَه كفر ففي قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، واشتراؤه تعلُّمه, ونفي النصيب في الآخرة البتة إنما يكون على الكفر، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوا، وبيع النفس عبارة عن إيقاعها في الهلاك التامّ، وذلك إنما يكون بالكفر.

стр. 470

وأما دلائل عصمة الملائكة فقد تقدَّمَتْ. الأمر الثاني: أنه لو صرف النظر عن العصمة وجُوِّزَ عليهما الكفر فكيف يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فينهيان عن الكفر مع تلبسهما به؟ [١٥٦] الأمر الثالث: قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ و ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، أي: ما نحن إلا فتنة، فيُفْهَم من ذلك نَفْيُ كونهما معلِّمين على الحقيقة، وعلى هذا المعنى فـ (ما) في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نافية. والله أعلم. وإذ قد اتضح بحمد الله تعالى معنى الآية فلننظر في الآثار الواردة عن قصَّة هاروت وماروت مع الزُّهَرَةِ, فأقول: ساق الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره (١) الآثار المذكورة ولم يعرض لها مع جزمه بعصمة الملائكة ﵈، وقد ردَّها جماعة كالقاضي عياض والفخر الرازي، نقله الآلوسي في تفسيره قال: "ونصَّ الشهاب العراقي على أن مَنْ اعتقد في هاروت وماروت أنهما مَلَكَان يُعَذَّبان على خطيئتهما مع الزُّهَرَةِ فهو كافر بالله تعالى العظيم؛ فإنَّ الملائكة معصومون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، والزُّهَرَة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض، والقول بأنها تمثَّلت لهما فكان ما كان وَرُدَّتْ إلى مكانها غير معقول ولا مقبول".

стр. 471

قال الآلوسي: "واعترض الإمام السيوطي على مَن أنكر القصَّة بأن الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليٍّ وابن عباس [١٥٧] وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة، يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها؛ لكثرتها وقوَّة مُخْرِجِيها. وذهب بعض المحققين [إلى] أن ما رُوِيَ مرويٌّ حكايةً لما قاله اليهود، وهو باطل في نفسه، وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يَرِدُ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يَرِدُ على المنكرين بالكلِّيَّة، ولعلَّ ذلك من باب الرموز والإشارات ... " (١). وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر: "قلت: وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها. والله أعلم" (٢). أقول: أما رواية القصة عن النبيِّ ﵌، ففي مسند الإمام أحمد: عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا (٣)، وموسى هو الأنصاري مجهول الحال لم يوثِّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وقال: "يخطئ ويخالف" (٤). قلت: وقد عُرِفَ من مذهب ابن حِبَّان أنه يذكر المجاهيل في ثقاته فيذكر مَن روى عن ثقةٍ وروى عنه ثقةٌ ولم يكن حديثه منكرًا، نبَّه على ذلك

стр. 472

في كتاب الثقات نفسه (١)، وكذلك يخرج ابن حِبَّان لمن كان كذلك في صحيحه، نبَّه عليه الحافظ ابن حجر وغيره (٢)، فعُلِمَ من ذلك أن ذِكْرَ ابن حبان لرجلٍ في الثقات وإخراجه له في صحيحه لا يرفع عنه اسم الجهالة. هذا مع أن قوله في موسى: "يخطئ ويخالف" جرحٌ ينزل به موسى عن درجة المستور. وهذا الحديث من جملة خطئه ومخالفته؛ فإنَّ الناس رووا القصة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن كعب الأحبار، كذا أخرجه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن سالم ومن طريق محمد بن عقبة ــ أراه أخا موسى وهو ثقة ــ عن سالم (٣). والعجب من ابن حبان كيف أخرج الحديث في صحيحه (٤) من طريق موسى بن جبير المذكور؟ ! وذكر القاري في شرح الشفاء عند الكلام على هذا الحديث كلام الأئمة في زهير، وفيه: "وقال الترمذي في العلل: سألت البخاري عن حديث زهير هذا فقال: أنا أتقي هذا الشيخ كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، قال: وكان أحمد بن حنبل يضعِّف هذا الشيخ ويقول: هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه" (٥). كذا قال، ولينظر (٦).

стр. 473

وقد أخرج ابن جرير (١) طرفًا من القصة من طريق فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر فرفعه إلى النبي ﵌، [١٥٨] وذكره الذهبي في الميزان (٢) في ترجمة سنيد بن داود. والفرج بن فضالة ضعيف، وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر عند ذكر هذه القصَّة: "أورده ابن الجوزي ــ يعني في الموضوعات ــ من طريق الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع وقال: لا يصحُّ، والفرج بن فضالة ضعَّفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة" (٣). وفي تذكرة الموضوعات عند ذكر القصَّة: "فيه موسى بن جُبَيرٍ، مختلفٌ فيه، ولكن قد توبع، ولأبي نعيم عن علي، قال: لعن رسول الله ﵌ الزُّهَرَة لأنها فتنت المَلَكَينِ، وقيل: الصحيح وَقْفُهُ على كعب، وكذا قال البيهقي" (٤). أقول: إن كان المراد بقوله: (قد توبع) رواية فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح فليست مما يُفْرَح به، وأما رواية أبي نعيم فلم أقف عليها، وأبو نعيم معروف بتتبُّع الواهيات. والحق ما ذكره البيهقي أن ابن عمر إنما سمع القصة من كعب الأحبار، والله أعلم.

стр. 474

وأما الرواية في ذلك عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇، فقد ثبت عن عمير بن سعيدٍ النخعيّ أنه قال: سمعت عليًّا يقول: فذكر القصة، لم يذكر النبي ﵌، أخرجه الحاكم في المستدرك (١) وغيره. وعمير ثقة عندهم، لم يطعن فيه أحد إلا أن أبا محمد بن حزم ذكر في الملل والنحل هذه الرواية وقال: "رويناه من طريق عمير بن سعيد وهو مجهول، مرَّة يُقال له: النخعيّ، ومرَّةً يُقال له: الحنفي، ما نعلم له رواية إلا هذه الكذبة، وليس أيضًا عن رسول الله ﵌، ولكنه أوقفها على عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، وكذبةً أخرى في أنَّ حدَّ الخمر ليس سنَّةَ رسول الله ﵌ وإنما هو شيءٌ فعلوه، وحاشا لهم ﵃ من هذا" (٢). [١٥٩] وقد شنَّع الحافظ ابن حجر في ترجمة عمير من تهذيب التهذيب على ابن حزم فيما قال (٣). وأقول: لعلَّ أمير المؤمنين حكى هذه القصَّة عقب قوله مثلًا: تزعم اليهود أو زعم كعب أو نحو ذلك, ولم يسمع عمير تلك الكلمة وسمع القصة. والله أعلم. وأما الرواية عن ابن عباس فذكرها الحاكم في المستدرك وغيره من قوله، لم يرفعه، ولفظه: "عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الزُّهَرَة

стр. 475

امرأة في قومها، يقال لها: بيدحة" (١)، وسبيله سبيل ما ذكرنا في الرواية عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇. وأما ابن مسعود فأخرج ابن جرير من طريق علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لما كثر ... , فذكر القصة من قولهما (٢)، وعلي بن زيد واهٍ، فإن صحّ فسبيل ابن مسعود سبيل ما تقدَّم. والله أعلم. والحاصل: أن رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قد أنارت الطريق وبيَّنَتْ أن القصة من أساطير كعب، والله المستعان. فإن قيل: لكن من حكى القصة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يبيِّنوا فسادها فيؤخذ من ذلك على الأقلِّ أنهم كانوا يرون جواز صحَّتها. قلت: يجوز أن يكونوا بَيَّنُوا ولم يُنْقَل كما تقدَّم، ويجوز أن يكونوا إنما حكوها على وجه التعجُّب واستغنوا عن بيان بطلانها بوضوحه شرعًا وعقلًا، [١٦٠] ويجوز أن يكونوا تأوَّلوا في الزُّهَرَة تأوُّلًا معقولًا، كما أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع ــ هو ابن أنسٍ ــ وفيه: "وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب"، فذكر القصَّة (٣) وتأوَّلوا في الملكين أنه بعد أن سُلِخَا من المَلَكِيَّةِ زال حكمُ العصمة, وأن ذلك لا ينافي ما ثبت من عصمة الملائكة وإن كان فيه ما فيه، وقد رُوِيَتْ

стр. 476

القصة عمَّن بعد الصحابة كمجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، والأمر في ذلك سهل. والله ﵎ أعلم. والجواب عن الخامس ــ وهو ما رُوِي من دَسِّ جبريل الحمأة في في فرعون ــ: أن العلماء أنكروا ذلك أشدَّ الإنكار، ففي الكشاف أنَّ ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته ﵈، وفيه جهالتان: إحداهما: أن الإيمان يصحُّ بالقلب كإيمان الأخرس, فحالُ البحر لا يمنعه. والأخرى: أنَّ مَن كره إيمان الكافر وأحبَّ بقاءه على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. ووافقه ابن المنيِّر مع تحرِّيه مخالفته في كل ما له مساس بالقَدَر. قال ابن المنيِّر: "لقد أنكر منكرًا وغضب لله تعالى وملائكته ﵈ كما يجب لهم". اهـ (١). أقول: أما الخبر في ذلك فرواه الإمام أحمد والترمذي وحَسَّنه من [١٦١] طريق عليِّ بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس مرفوعًا (٢). ورواه الترمذي والإمام أحمد أيضًا من طريق شعبة، أخبرني عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس, ذكر أحدهما عن النبيِّ ﵌ أنه ذكر أن جبريل ﷺ جعل في في فرعون الطين خشية أن يقول: "لا إله إلا الله" فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله. قال أبو عيسى: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من

стр. 477

هذا الوجه" (١). وأخرجه الحاكم من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس عن رسول الله ﵌ فذكره، ثم قال: "حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا (٢) أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عبَّاسٍ". قال الذهبي في تلخيصه بعد ذكر هذا الحديث: " (خ م)، وعامَّة أصحاب شعبة أوقفوه" (٣). أقول: الصواب وقفه؛ فإن عليَّ بن زيدٍ ضعَّفه الجمهور، وقال فيه شعبة وغيره: كان رفّاعًا أي يَرْفَعُ ما يَقِفُه غيره. والذي رفعه من الرجلين في رواية الترمذي هو عدي بن ثابت كما بيَّنَتْه روايةُ الحاكم، وقد قال شعبة نفسه [١٦٢] في عدي بن ثابت: كان من الرفَّاعين أي الذين يرفعون الموقوفات غلطًا. وفي عديٍّ هذا كلام كثير غير هذا. على أن عطاء بن السائب فيه كلام، وقد قال فيه الإمام أحمد: "مَنْ سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومَنْ سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان وشعبة وسمع منه حديثًا جرير وخالد ... وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها".

стр. 478

فهذا أقوى ما رُوي في هذه القصة، وهو موقوف على ابن عباس كما رأيت. فإن قيل: إنه وإن كان الراجح روايةً أنه موقوف فله حكم المرفوع؛ لأنه مما لا مسرح للرأي فيه، ولم يكن ابن عباس مُولَعًا بالإسرائيليات، كيف وهو القائل: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ، وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله ﵌ أحدث، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتاب الله وغيَّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنزِل عليكم" (١). قلت: لعلَّه ﵁ إنما أراد نهي المسلمين عن سؤال مَن لم يَزَلْ على كفره من أهل الكتاب, بدليل قوله: فوالله لا يسألكم أحد منهم عن الذي أنزل [١٦٣] عليكم، فإنهم هم الذين لا يسألون المسلمين، فأما مَن أسلم منهم فإنه يسألنا كما لا يخفى. أو لعلَّه إنما نهى من لم يرسخ الإيمان والعلم في قلبه خوفًا عليه من الضلال. وأظهر من ذلك أن يكون إنما نهى عن سؤالهم للاحتجاج في الدين بما يحكونه، فأما ما كان من قَبِيل الوقائع التاريخية التي تتعلق بما في القرآن فلم

стр. 479

يكن هو ولا غيره يرى في ذلك حرجًا، كيف وقد صحَّ عن النبيِّ ﵌ أنه قال: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه البخاريُّ وغيره (١). ومَن تَتَبَّع ما يُرْوَى عن ابن عبَّاسٍ وغيره من الصحابة ﵃ من التفسير عَلِمَ صحَّة ما قلناه. وفي تفسير ابن جريرٍ عدَّة آثارٍ في سؤال ابن عبَّاسٍ كعبَ الأحبار عن أشياء من القرآن، وسؤاله غير كعبٍ من أحبار اليهود. والله أعلم. فإن قيل: إن هذه القصة تتعلَّق بالدين تَعَلُّقًا عظيمًا؛ فإن فيها نسبة جبريل ﵇ إلى ما علمت، فكيف يحكيها ابن عبَّاسٍ ولا يشير إلى بطلانها إن كانت باطلة؟ قلت: ارجع إلى الاحتمالات التي مرَّت في جواب الأمر الرابع (٢)، وقد يكون الحبر رأى أن القصة إن صحَّت فإنما فعل جبريل ﵇ ما فعل بأمر الله تعالى تنفيذًا لما علمه وقضاه وسبق به دعاء موسى وهارون ﵉ وإجابة الله تعالى دعوتهما. ودونك الآيات: [١٦٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ

стр. 480

عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٩١]. فإن قيل: وكيف يأمر الله تعالى بالمنع من الإيمان؟ قلت: كما دعا به موسى وهارون ﵉، وأجاب سبحانه دعوتهما. وإذا انتهى البحث إلى القَدَرِ وَجَبَ الإمساك. فأما قول جار الله: "إن الإيمان يصحُّ بالقلب فحالُ البحر لا يمنعه"، فالجواب: أنه ليس المرادُ من إيجاره (١) الحمأة مَنْعَهُ عن النطق كما تُوهِمُه بعضُ الروايات، بل تعجيل حال الغرغرة قبل أن يعقد قلبه على الإيمان. هذا كلُّه إيضاح لعذر ابن عباس ﵄ في حكايته الواقعة ساكتًا عن اعتراضها. والله أعلم. * * * *

стр. 481

[١٦٥] تفسير الإله بالمعبود الآيات القرآنيَّة الدالَّة على ذلك كثيرةٌ، قد تقدَّم بعضها في أوائل الرسالة في بيان اشتراط أن يكون التشهد على سبيل الالتزام، فراجعه. فأما أقوال أهل العلم، فقد سبق عن بعض علماء التوحيد أن حقيقة معنى الإله: المعبود بحق، وفسره بعضهم بالمستحق للعبادة، وبينَّا بحمد الله تعالى أن تعبير المتكلمين عن واجب الوجود بالإله وقول السنوسى: "إن معنى الإله: المستغني عن كلِّ ما سواه" إلخ، وما يؤخذ من كلام جماعة أن الإله هو الخالق أو المدبِّر استقلالًا، لا ينافي ذلك. وهذا المعنى هو المعروف عند المفسرين والمحدِّثين والفقهاء وأهل اللغة وغيرهم. قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره: "وأما تأويل قول الله: (الله) فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس: هو الذي يألهه كلُّ شيء ويعبده كلُّ خَلْق، وذلك أن أبا كريب حدثنا ... عن عبد الله بن عباس قال: (الله) ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين ... فإن قال: وما دلَّ على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود وأن له أصلًا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تَمَانُعَ بين العرب في الحكم لقول قائلٍ يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما (١) عند الله جلَّ ذكره: يأله [تأَلَّه] (٢) فلان، بالصحة [ولا] (٣) خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:

стр. 482

لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ ... سبَّحْن واسترجعن من تألُّهي (١) يعني: مِن تعبد وطلبِ الله بعمل (٢)، ولا شك أن التألُّه: التفعُّلُ من أَلَه يألَه، [١٦٦] وأن معنى أله إذا نُطق به: عَبدَ اللهَ، وقد جاء منه مصدر يدلُّ على أن العرب قد نطقت [منه] (٣) بفعل يفعل بغير زيادة، وذلك ما حدثنا ... عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلاهتك)، قال: عبادتك، ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبُد ... عن مجاهد قوله: (ويذرك وإلاهتك) قال: وعبادتك ... , فقد بيَّن قولُ ابن عباس ومجاهد هذا أن أَلَه عَبدَ وأن الإلاهة مصدره" (٤). وقال في تفسير قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]: "قد بينا فيما مضى معنى الألوهية وأنها اعتباد الخلق، فمعنى قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة ويستوجب منكم العبادة معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه؛ فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه هو خلقٌ من خَلْقِ إلهكم مثلكم, ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا مثل له ولا نظير ...

стр. 483

وأما قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإنه خبرٌ منه ــ تعالى ذكره ــ أنه لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فَهُمْ خَلْقُه، والواجب على جميعهم طاعته والانقياد لأمره وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجرُ الأوثان والأصنام؛ لأن جميع ذلك خلقه، وعلى جميعهم [١٦٧] الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تنبغي الألوهة إلا له؛ إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك ... ثم عَرَّفَهُمْ تعالى بالآية التي تتلوها ... فقال تعالى ذكره: أيها المشركون إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبَّروا حججي وفكِّروا فيها، فإن مِنْ حججي خَلْقَ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ... فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به ــ إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعضٍ ــ يقدر على أن يخلق نظير شيءٍ من خلقي ــ الذي سَمَّيْتُ لكم ــ فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذٍ عذرٌ، وإلَّا فلا عذر لكم ... " (١). وقال في تفسير آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: "قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: ﴿اللَّهُ﴾، وأما تأويل قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإن معناه: النهي عن أن يُعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية، يقول: الله الذي له عبادة الخلق، الحيُّ

стр. 484

القيوم، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئًا سواه" (١). وقال في تفسير قول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧]: "المعبود الذي لا تنبغي العبودة [١٦٨] إلا له هو الذي له عبادة كلِّ شيءٍ وطاعة كلِّ طائعٍ" (٢). وقال في تفسير قول الله سبحانه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]: "يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام ... ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يقول: إنما هو معبود واحد لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة" (٣). وفي الكشاف: "والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس, اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم كوكب ثم غلب على الثُّرَيَّا، وكذلك السَّنَة على عام القحط ... " (٤). وفي تفسير البيضاوي: "والإله في أصله لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحقِّ، واشتقاقه من أَلَه إلاهة وألوهة وألوهية ــ بمعنى: عَبَد ــ، ومنه: تألَّه واسْتَأْلَه" (٥). وفي مفردات القرآن للراغب: "و (إله) جعلوه اسمًا لكل معبوديهم

стр. 485

وكذا الذات (١) وسموا الشمس إلاهة لاتخاذهم إياها معبودة, وأله يأله: عبد ... و (إله) حقُّه ألا يُجْمَعَ إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبوداتٍ جمعوه، فقالوا: الآلهة". [١٦٩] وفي حواشي الشيخ زاده على تفسير البيضاوي: "قوله: (إلَّا أنَّه يختصُّ بالمعبود بالحقِّ) استدراكٌ بمعنى (لكنه) , وضمير (أنه) للفظ الجلالة المذكور سابقًا، ووجه الاستدراك أنه لما ذكر أن أصل لفظ الجلالة إله وهو اسم جنس يُطْلَقُ على كلِّ معبودٍ حقًّا كان أو باطلًا كما في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] نشأ من ذلك تَوَهُّمُ أن لفظ الجلالة أيضًا اسم جنس يَصِحُّ إطلاقُه على غير المعبود بالحق فاحتيج إلى رفع هذا الوَهْم، فَرَفَعَه بقوله: (إلا أنه يختص بالمعبود) يعني أن الإله المُحَلَّى باللام قبل أن يغلب استعماله في فردٍ معين من أفراد جنس إله يطلق على كلِّ معبود سواء كان معبودًا بالحق أو لا؛ لأنه ليس عَلَمًا قصديًّا موضوعًا لذاته المخصوصة ابتداء، بل هو عَلَمٌ اتِّفاقيٌّ عرضت له العَلَمِية بأنْ كثر استعماله حال كونه مُحَلًّى بلام العهد في فردٍ معيَّنٍ من أفراد جنسه يكون ذلك الفرد معهودًا للمخاطب بسبب شهرة ذلك الفرد المعهود من بين أفراد جنسه بكونه فردًا لذلك الجنس وأن إلاهًا المُنَكَّر اسم جنسٍ يقع على كل معبود, فإذا كان فردٌ من أفراده أيَّ فردٍ كان معهودًا للمخاطب وأشرت إليه بلفظ (الإله) المحلَّى بلام العهد صحّت الإشارة إليه [١٧٠] وإن لم يكن معبودًا بالحق، وإذا كان ذلك الفرد المعهود معبودًا بالحق وكثر استعمال لفظ

стр. 486

(الإله) المحلَّى بلام العهد فيه لكونه أشهر أفراد ذلك الجنس بكونه فردًا له بحيث صار ما عدا ذلك الفرد كأنه ليس فردًا يصير لفظ (الإله) عَلَمًا له بغلبته عليه وإن كان في أصله أَيْ مَعَ قطع النظر عن غلبته عليه يصحُّ إطلاقه على كلِّ فَرْدٍ من أفراد المعبود" (١). وفي تفسير العلامة أبي السعود: "الإله في الأصل اسم جنس يقع على كلِّ معبود بحق أو باطل, أي مع قطع النظر عن وصف الحقية والبطلان لا مع اعتبار أحدهما لا بعينه, ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصعق. وأما (الله) بحذف الهمزة فَعَلَمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يُطْلَقْ على غيره أَصْلًا, واشتقاقه من الإلاهة والألوهة والألوهية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري على أنه اسم منها بمعنى المألوه كالكتاب بمعنى المكتوب لا على أنه صفة منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به حيث يقال: إله واحد، ولا يقال: شيء إله كما يقال: كتاب مرقوم، ولا يقال: شيء كتاب ... واعلم أن المراد بالمنكَّر في كلمة التوحيد هو المعبود بالحقِّ" (٢). [١٧١] وفي لسان العرب: " (الإله) الله وكلُّ ما اتخذ من دونه معبودًا إله عند مُتَّخِذِه، والجمع آلهة، والآلهة: الأصنام, سموا بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه. وقال أبو الهيثم: فالله أصله إله، قال الله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا

стр. 487

كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، قال: ولا يكون إلهًاحتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبِّرًا وعليه مقتدرًا [سيأتي بيان مراده]، فمَن لم يكن كذلك فليس بإلهٍ [سيأتي بيان مراده] وإن عُبِد ظلمًا, بل هو مخلوقٌ ومتعبِّدٌ. قال: وأصل إلاه وِلاه، فقُلِبت الواو همزةً، كما قالوا: للوِشاح إشاح وللوِجاح ــ وهو السترُ ــ إجاح، ومعنى (إله) أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم ... وقد سمَّت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة ... قال ابن سيده: ... فكأنهم سمَّوها إلاهة لتعظيمهم لها وعبادتهم إياها فإنهم كانوا يعظمونها ويعبدونها, وقد أوجدنا الله ذلك في كتابه حين قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ: (ويذرك وإلاهتك) أي وعبادتك, وهذه الأخيرة [١٧٢] عند ثعلب كأنها هي المختارة، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يعبد [فيه كلام سيأتي] ... قال ابن بَرِّي: يقوِّي ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ في قراءته: (ويذرك وإلاهتك) قول فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، [سيأتي الجمع الصحيح بين الآيات] ويقال: إله بيِّن الإلاهة والأُلْهَانيَّة, وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة [فيه نظر] قال الله : ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، هي

стр. 488

أصنام عبدها قوم فرعون معه، [هذا تخرُّصٌ وستأتي حقيقة الأمر إن شاء الله تعالى]. والله أصله إلاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود ... قال ابن بَرِّي: ... فإذا قيل: الإله انطلق على الله سبحانه وعلى ما يعبد من الأصنام، وإذا قلت: الله لم ينطلق إلا عليه " (١). وفي القاموس (٢): "أله إلاهة وألوهة وألوهية عبد عبادة ... ومنه لفظ الجلالة ... وأصله إلاه كفِعال بمعنى مألوه، وكلُّ ما اتُّخِذ معبودًا إله عند متَّخِذِه بَيِّن الإلاهة ... ". [١٧٣] وفي المصباح (٣): "أَلِهَ يَأْلَه من باب تعب [سيأتي ما فيه] إلاهة بمعنى عبد عبادة، وتألَّه تعبَّد، والإله المعبود، وهو الله ، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى، والجمع آلهة، فالإله فِعَال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط". وفي دستور العلماء (٤): "والإله بمعنى المعبود المطلق حقًّا أو باطلًا". واستيفاء النقل مما لا مطمع فيه، فقد تعرَّض له الفقهاء من جميع المذاهب وغيرهم من أهل الفنون في أوائل الشروح في الكلام على البسملة، والنحاة في الكلام على المعرَّف بالعَلَمية والمعرَّف بأل، وباب

стр. 489

النداء، وأهل المعاني في ذكر تعريف المسند إليه. والمرجع الحقيقيُّ هو التفسير واللغة وقد نقلنا عنهما ما يكفي، أو علم الكلام وقد مرَّ النقل عنه. وتلخيص كلامهم المتقدم مع زيادةٍ: أنهم اتفقوا على أن لفظ (إله) مشتقٌّ، ثم اختلفوا فيما اشتقُّ منه، فالأكثر أنه من أله يأله إلاهةً ــ بمعنى عبد يعبد عبادةً ــ، والماضي بفتح اللام، وقول صاحب المصباح: (من باب تعب) سهوٌ. وقيل: من أَلِه كفرح، بمعنى: تحيَّر أو غيره. وقيل: من أَلَهَه كمنعه إذا أجاره. [١٧٤] وقيل: من وَلِه كفرح ــ بمعنى تحيَّر أو غيره ــ، والأصل وِلاه قلبت الواو همزة كإشاح وإجاح. ويؤخذ من كلام بعضهم أن الخلاف مختصٌّ بالإله الذي هو أصل كلمة الجلالة، فأما إله المستعمل بلفظه فلا خلاف أنه من أله بمعنى عبد، ومن كلام آخرين أن الخلاف جارٍ في المستعمل بلفظه أيضًا. وحجَّة الأكثر: الاتفاق على أن لفظ إله بمعنى معبود أو معبود بحق أو مستحق للعبادة وهو مناسب لمادة أله بمعنى عبد لفظًا ومعنى، وكأن المخالف يعتذر عن الاختلاف المعنوي بين معنى إله ومعنى متحَيَّر فيه مثلًا بأن الاسم قد يكون أخصَّ مما يقتضيه اشتقاقه كعِطاف خاص في اللغة بالثوب الذي يرتدى به مع أن اشتقاقه يقتضي أن يعمَّ كل معطوف، وهذا حق، ولكن الأصل في المشتق بقاؤه على ما يقتضيه اشتقاقه، والمناسبة بين

стр. 490

المعبود والتحيُّر ضعيفة، ومادة أله بمعنى عبد مستعملة متصرفة فكيف يعدل عنها؟ ويختص قول من قال: وِلاه بأن فيه مخالفةً أخرى للأصل بلا حجَّةٍ ولا حاجةٍ، وبأن قلب واو نحو وشاح همزة جائز غير لازم، وأكثر العرب يقولون: وشاح ولم يُسْمَعْ عنهم وِلاه، وبما ذكره البيضاوي وغيره [١٧٥] أن جمع إله آلهة ولو كان الأصل ولاه لقيل: أولهة إذ التكسير يردُّ إلى الأصل. وبعد، فلا يهمنا الخلاف في الاشتقاق بعد الاتفاق على المعنى الراهن, فإنه كما أن أهل اللغة يفسِّرون العطاف بالرداء فكذا المخالف في إله يفسره بالمعبود أو المعبود بحق أو المستحق للعبادة، ومدار فهم المعنى على هذا لا على الأصل الاشتقاقي، والله أعلم. فأما ما مرَّ في عبارة اللسان عن أبي الهيثم من قوله: "ولا يكون إلها حتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا ... " فمراده أن معنى إله: معبودٌ بحقٍّ، ولا يكون معبودًا بحقٍّ حتى يكون خالقًا إلخ، بدليل قوله بعد ذلك: "وإن عُبِد ظلمًا"، أي: فإن عابده وإن كان بزعمه أنه معبودٌ بحقٍّ قد زعم أنه إلهٌ، لكنه ليس في حكم العقل والدين بمعبودٍ بحقٍّ، فليس بإلهٍ في نفس الأمر. والله أعلم. الاختلاف الثاني: في (إله)، أهو بمعنى: معبودٌ بحقٍّ، أم: مستحقٌّ للعبادة، أم معبودٌ. فأما العبارتان الأوليان فلا فرق بينهما، إلا أن قولنا معبود بحق يفهم منه اشتراط أن يكون معبودًا بالفعل، وليس هذا [١٧٦] بمراد اتفاقًا؛ للاتفاق على أن من اعتقد في شيء أنه مستحق للعبادة فقد اعتقد أنه إله وإن لم يعبده هو

стр. 491

ولا غيره. واللغة لا تأبى هذا, فإن فِعالًا بمعنى مفعول قد يطلق على ما مِن شأنه أن يكون مفعولًا وإن لم يكن كذلك بالفعل كما يسمون البساط بساطًا وإن لم يكن قد بُسِط. ولو كان معنى إله معبودًا بحق أي معبودًا بالفعل لكان النفي في كلمة التوحيد خاصًّا بذلك، لا يتناول المستحق للعبادة ولم يُعبد بالفعل، وعليه فلا تكون الكلمة الشريفة توحيدًا, وهذا باطل قطعًا. فقد علم أن العبارتين الأوليين متفقتان، وقولنا: "مستحقٌّ للعبادة" أجودهما؛ لسلامتها من الإيهام، فيبقى النظر بينها وبين الثالثة. فأقول: في القرآن آيات كثيرة تدلُّ على أن معنى (إله) مستحق للعبادة لا معبود فقط، منها قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله : ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩]. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على عكس ذلك منها قوله : ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]. [١٧٧] وقوله سبحانه في قصة الخليل ﵇: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]. وقوله جل ذكره: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].

стр. 492

وقوله ﵎ في حكاية توبيخ موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقوله عز اسمه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وأهل العلم مختلفون، فمنهم مَن يختار أنه بمعنى معبودٌ فقط ويتأوَّل أدلَّة القول الآخر، ومنهم من يعكس. والصواب ــ إن شاء الله تعالى ــ: إبقاء الآيات على ظواهرها، وأنه قد يجيء بمعنى: ما من شأنه أن يُعْبَد، فيؤخذ من ذلك قيد الاستحقاق، فمعناه حينئذٍ: مستحق للعبادة، وقد يجيء بمعنى معبود، أي بالفعل، ومعناه حينئذٍ: معبود، بلا قيد. [١٧٨] فحاصل ما تدلُّ عليه الآيات أن القول بوجود إله غير الله تعالى إن كان بمعنى مستحق للعبادة فشرك وإن كان بمعنى معبود بالفعل غير مستحق فلا. فأما اتخاذ إله غير الله تعالى فشرك مطلقًا، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنهم مجمعون أن عبادة غير الله تعالى شرك بل هذا من ضروريَّات الإسلام. وكلمة الشهادة تتضمن الأمرين أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلما قدمنا في أوائل الرسالة أن النطق بكلمة الشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام ألَّا يعبد إلا الله. وإيضاح ذلك: أن لفظ (إله) في كلمة الشهادة بمعنى مستحق للعبادة، وإذا

стр. 493

شهد المرء أنه لا مستحق للعبادة إلا الله ثم اعتقد أو ادَّعى أو جوَّز أن غير الله تعالى مستحق للعبادة فقد نقض الشهادة، ثم قد علم من شهادته بذلك اعترافه بأنه إن عبد غير الله تعالى فقد عبد ما لا يستحق العبادة. وقد علم المشركون أن دعوة المسلمين هي إلى ترك الشرك ومنه عبادة غير الله تعالى، وإلى توحيد الله تعالى بأن يعبده ولا يشرك به شيئًا، وأنهم يكتفون من المشرك بأن يشهد ألَّا إله إلا الله [١٧٩] وأن محمدًا عبده ورسوله على سبيل البراءة من الشرك كلِّه والتزام التوحيد كلِّه، بل الإسلام كلِّه. أولا ترى أننا لا نطالب الكافر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وترك الخمر وغير ذلك، فإذا أسلم طالبناه وقتلناه إن لم يُصَلِّ, وقاتلناه إن لم يزكِّ, وحَدَدْناه إن شرب الخمر. وهل ذلك إلا لأن الكافر لم يلتزم أحكام الإسلام, فإذا تشهَّد على سبيل التزام الإسلام فقد التزم ورضي بجميع الأحكام. وفي لفظ الإسلام ما يومئ إلى ذلك أي أنه أسلم نفسه لكلِّ ما يَحْكُمُ به الدين, فإن قتلناه أو قاتلناه أو حَدَدْنَاه فبمقتضى رضاه. ولهذا إذا حكَّمَنَا الكفار في قضية حكَمْنَا بينهم بحكم (١) ديننا ونفَّذْناه عليهم لرضاهم بذلك حين حكَّمونا، وهذا (١) يوضح لك أن النطق بالشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام (١) جميع أحكام الإسلام، فإذا خالف بعد الشهادة شيئًا من (١) الأحكام فقد أَخَلَّ بالشهادة, إلا أن الإخلال قد يكون نقضًا لأصل (١) الشهادة كزعم أن غير الله تعالى مستحق للعبادة [١٨٠]

стр. 494

وكتكذيب النبي ﵌ أو إهانته، وقد يكون نقضًا لما تقتضيه بمعونة القرائن القطعية كما تقدَّم مع دلالة المنطوق عليه، كأن يعبد غير الله تعالى مع اعترافه أن ذلك الشيء لا يستحق العبادة؛ فإن منطوق الشهادة أنه لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، وعلم منه أن عبادة غيره تعالى شرك، وقد يكون الإخلال تقصيرًا دون ذلك كشرب الخمر. فخلاصة ما تقدَّم: أن لفظ (إله) قد يأتي بمعنى مستحق للعبادة، وقد يأتي بمعنى (معبود)، وأن كلمة الشهادة تتضمن التوحيد في الأمرين, وأن الإخلال بأحدهما شرك. ولكن الاشتباه الذي نشكوه لا يزول إلا بمعرفة معنى العبادة، فنقول (١): "أصل العبادة في اللغة التذليل (٢) ... والعبادة والخضوع والتذلُّل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلانٌ لفلانٍ إذا تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوعٌ فهو عبادةٌ طاعةً كان للمعبود أو غيرَ طاعةٍ، وكلُّ طاعةٍ لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادةٌ، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحقُّه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة ... والعبادة لا تستحقُّ إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم، لأن أقلَّ القليل من العبادة يَكْبُرُ عن أن يستحقه إلا مَن كان له أعلى جنسٍ من النعمة [؟ ] (٣) إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله".

стр. 495

/ فصل في تفسير أهل العلم للعبادة (١) أما المتكلمون وأهل العقائد المسمّى بعلم التوحيد فلم أقف لهم على كلام بيِّن في تفسير العبادة، وكأنهم يرون أن الكلام عليها خارج عن فنِّهم، بل صرّح به السعد في شرح المقاصد ــ كما تقدم ــ، وكذلك الفقهاء مع حكمهم بالردّة على من عظّم غير الله تعالى أو تذلَّل له على سبيل العبادة. وهذا عجيب؛ يبنون الأحكام على العبادة ويهملون تفسيرها! , ولو قال قائل: إن أكثر الفقهاء بعد القرون الأولى لم يكونوا يعرفون معنى العبادة على وجه التحديد لما وجدنا حجّة ظاهرة تردّ قوله. وأما المفسِّرون؛ فقال ابن جرير: "تأويل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهمّ نخشع ونذلّ ونستكين إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة لا لغيرك" (٢). وفي الكشّاف: [والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه: ثوب ذو عَبْدَةٍ، إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج؛ ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع] (٣). وأما أهل اللغة؛ ففي لسان العرب (٤): "قال الأزهري: ... ولا يقال عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله، ومن عبد دونه إلهًا فهو من الخاسرين.
следующие страницы →