← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فعبادتهم في الحقيقة إنما هي عبادة للشياطين، أوَّلًا: لما تقدَّم مرارًا أنهم أطاعوا الشياطين الطاعة التي هي عبادة، وسيأتي تحقيقها إن شاء الله تعالى. ثانيًا: أن الشياطين أنفسهم تصدَّوا لهذه العبادة قائلين: إن هؤلاء يعبدون إناثًا غيبيات وليس هناك إناث غيبيات إلا من الشياطين, فعرَّضوا إناثهم لتلك العبادة, كما أشرنا إليه في الكلام على العُزَّى، وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى. وقد صرَّح القرآن بما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] (١). وقد مرَّ الكلام عليها في أوائل فصل الملائكة. والله ﵎ أعلم. وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى [٣٣٧] وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١١ - ١٣]. وقد سبقت هذه الآيات في فصل الملائكة، ذكرنا هناك أن المراد بـ (مَن ضَره أقربُ من نفعه): أنه الشيطان، وأن الآية كنظائرها. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].

стр. 702

وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) .... وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا [٣٣٨] فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٩٨]. فكلمة (ما) من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ عامة في كل ما عبدوه من جماد وغيره، ولهذا استثنى من ذلك فقال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه غيره. وقال ابن جرير: "فتأويل الكلام: فكُبكِب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون. وذكر عن قتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع الشياطين. فتأويل الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة: فكُبكُب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين .... وقوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب [٣٣٩] عن الحق حين نعدلكم برب العالمين فنعبدكم من دونه.

стр. 703

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: لتلك الآلهة" (١). وقال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السَّلام: "وما سوَّوهم به إلَّا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال" (٢). أقول: أمَّا في العبادة فنعم، وأمَّا في المحبَّة فلا؛ لأنَّ المشركين لم يكونوا يحبُّون الشياطين. وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقال : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) ... احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا [٣٤٠] مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ

стр. 704

يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ١ - ٣٥]. بدأ الله فأقسم بفِرَق الملائكة المُجِدِّين في طاعة ربهم على أنه لا إله غيره. والأقسام القرآنية من قبيل الاستشهاد كأنَّه هنا يقول: إنَّ فِرق الملائكة مع ما تقوم به من الأعمال في طاعة الله مما يشهد على أنه لا إله إلَّا الله. وهذا كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨]. وفي ذلك أبلغ ردٍّ على المشركين الذين يقولون: إنَّ الملائكة تستحقُّ أن تتخذ آلهة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم، كما هو الظاهر. وفيه احتمالٌ آخر سأذكره بعد إن شاء الله تعالى. وفي ذكره الكواكب إشارة إلى الرَّدِّ على من يعبدها، وهكذا في ذكره الشياطين. [٣٤١] وطردُها إشارة إلى تقبيح شأن مَن يعبدها. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: أخرج ابن جرير عن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: ضرباءهم. وعن ابن عباس قال: نظراءهم. وأخرج نحوه عن أبي العالية وقتادة والسدي وابن زيد ومجاهد (١). وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أخرج ابن جرير عن قتادة قال: الأصنام (٢). وقال الشيخ زاده (٣) في حواشيه على "البيضاوي": وقال مقاتل: المراد

стр. 705

بما يعبدون هو إبليس وجنوده. واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (١). أقول: والسياق ينصر قول مقاتل. وذهب جماعة إلى أنَّ المراد: وجميع ما كانوا يعبدون، ويخصُّ منهم الملائكة وعيسى ونحوهم. وأخرج ابن جرير عن قتادة قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: الإنس على الجن (٢). أقول: وهذا وما بعده يؤيِّد قول مقاتل. وأخرج ابن جرير أيضًا عن مجاهد في قوله: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين. وأخرج نحوه عن قتادة والسدي وابن زيد (٣). وهذه المحاورة تشبه ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [٣٤٢] وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].

стр. 706

وقال : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٦]. [٣٤٣] وقد سبق في أوائل الكلام على آيات النجم من فصل الملائكة أنَّ الوجه في معنى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] أنه إلزامٌ من الله للمشركين؛ فإنهم زعموا أنَّ إناثًا غيبيَّات هنَّ بناتُ الله ــ تعالى الله عما يقولون ــ وليس هناك إناث غيبيَّات قد سمع المشركون بوجودهن (١) إلَّا من الجن فلزمهم أنهم جعلوا الجنِّيَّات بناتِ الله ، فهذا هو النسب. وقد مرَّ في أوائل فصل الملائكة قول قتادة في قوله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٢) قال: يقول: أكثرهم بالجنِّ مصدِّقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.

стр. 707

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ يريد والله أعلم: ولقد علم الجنُّ إنَّ عابديها لمحضرون العذاب. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال في الكشاف: استثناء منقطع من المحضَرين، معناه: ولكنَّ المخلصين ناجون. و ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء عن الواو في: ﴿يَصِفُونَ﴾، أي يصفه هؤلاء بذلك، [٣٤٤] ولكنَّ المخلصين براءٌ من أن يصفوه به (١). أقول: والأوَّل هو المختار والموافق لنظائر هذه الآية من هذه السورة وغيرها. منها قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وفي روح المعاني: "قال الطيبي: ويحسن كل الحسن إذا فُسِّر الجِنَّة بالشياطين، أي وضمير (إنهم) بالكفرة، ليرجع معناه إلى قوله تعالى حكايةً عن اللعين: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] " (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣] تعليل ــ والله أعلم ــ لاستثناء المخلَصين. أي: فإنكم معشر المشركين أنتم والشياطين التي تعبدونها لا تفتنونهم أي المخلصين, وإنما تفتنون مَن سبق في علم الله تعالى أنه صال الجحيم, وليس المخلَصون كذلك. قال أبو السعود: " ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ عبارةٌ عن الشَّياطينِ الذين أغوَوهم ...

стр. 708

و ﴿ما﴾ نافيةٌ، و ﴿أنتُم﴾ خطابٌ لهم ولمعبوديهم, والمعنى: إنَّكم ومعبوديكم ــ أيُّها المشركونَ ــ لستُم بفاتنينَ" (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ فحكاية عن الملائكة جزمًا، ولكن أشكل ارتباطه بما تقدَّم؛ فإنَّ تقدير نحو: (والملائكة يقولون) غيرُ هيِّنٍ؛ لأنَّ مثل ذلك لم تجرِ العادة بحذفه، كذا يُقال. [٣٤٥] فإن لم تسلم دعوى الحذف فقد ظهر لي وجهٌ للربط فيه بُعْدٌ، ولكني أعرضه عليك لتعرفه: قال تعالى في أول السورة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ وهذه كلُّها صفات الملائكة، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) ... ﴾ تفصيلٌ لذلك الذِّكْر الذي يتلوه الملائكة، فكأنه قال: فالتاليات ذكرًا عظيمًا، هو: إنَّ إلهكم لواحد، فتكون (٢) جملة: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ إلخ خبر مبتدأ محذوف أو تكون الجملة بدلًا أو عطفَ بيان من ﴿ذِكْرًا﴾ مع احتمالاتٍ أُخَر لا حاجة لذكرها. ويكون جواب القسم محذوفًا، ولا بِدْع في حذفه. فالملائكة يتلون هذا الذكر، أي: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) ... إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾، ويختمون ذلك بقولهم إخبارا عن أنفسهم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾. وقد يستأنس لهذا الاحتمال بقولهم: ﴿الصَّافُّونَ﴾ مع قوله تعالى في وصفهم أول السورة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ والله أعلم.

стр. 709

[٣٤٦] عبادة الهوى قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤]. وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، قال: "ذلك الكافر، اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان" (١). وفي الكشاف: "فإن قلت: لِمَ أخر ﴿هَوَاهُ﴾، والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهًا؟ قلت: ما هو إلَّا تقديم مفعوله الثاني على الأوَّل للعناية، كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا؛ لفضل عنايتك [٣٤٧] بالمنطلق". قال ابن المنيِّر في حواشيه: "وفيه نكتة حسنة، وهي إفادة الحصر؛ فإنَّ الكلام قبل دخول (أرأيت) مبتدأ وخبر، والمبتدأ (هواه) والخبر (إلهه) وتقديم الخبر كما علمت يفيد الحصر، فكأنه قال: أفرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه" (٢).

стр. 710

وقال البيضاوي: " ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة ولا ينظر دليلًا، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به" (١). وقال في آية الجاثية: "وترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى؛ فكأنه يعبده" (٢). ونحوه في تفسير أبي السعود (٣). وقد قال أبو السعود في آية الفرقان: " أرأيت مَن جعل هواه إلهًا لنفسه من غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضًا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النيِّر بالكلِّيَّة" (٤). وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تحت ظلِّ السماء من إلهٍ يُعبَد من دون الله تعالى أعظم عند الله من هوىً يتَّبع" (٥).

стр. 711

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا [٣٤٨] قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٨ - ٥٠]. قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ استفهام إنكاري، معناه: لا أحد أضل، كما قاله المفسرون وغيرهم. وإذا لم يكن أحد أضل من هذا فهو مشرك لأنه لو لم يكن مشركًا لكان المشرك أضلَّ منه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. النظر فيما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ويعملونه تفسير عبادة الأصنام قد تقدَّم في الكلام على وجوب الوجود ثُمَّ في المقدمة الثانية [٣٤٩] لتفسير آيات النجم من فصل الملائكة ما لا غنى بك عنه في هذا الباب فراجعه. وقد علمت أنَّ أوَّل مَن عبد الأصنام قومُ نوح، وقد تقدَّم أثر البخاري عن ابن عباس في أصل ذلك (١)، وفي معناه آثار أخرى، انظرها في الدُّرِّ المنثور أو في روح المعاني، وحاصلها: أنَّ ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا كانوا رجالًا صالحين؛ فلما ماتوا جعلت لهم تماثيل وسمِّيت

стр. 712

بأسمائهم، وكان القصدُ من ذلك أن يُذكروا إذا رُئيت تماثيلهم فيذكر ما كانوا عليه من الخير والصلاح؛ فيكون ذلك أنشط لمن رآها أن يعبد الله ، كما أنَّ المسلم إذا قرأ سيرة بعض الصالحين أكسبه ذلك رقة في القلب ونشاطًا في العبادة وعمل الخير. وقد أخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: "كان لآدم خمسة بنين: ودٌّ وسواع [إلخ] (١)، فكانوا عُبَّادًا، فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزنًا شديدًا، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟ قالوا: نعم، قال: هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟ قالوا: نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئًا نصلي إليه (٢)، قال: [٣٥٠] فأجعله في مؤخر المسجد، قالوا: نعم، فصوَّره لهم، حتى ماتوا (٣) خمستهم، فصور صورهم في مؤخر المسجد، فنقصت الأشياء حتى تركوا عبادة الله تعالى وعبدوا هؤلاء" (٤). فلم يكن المتقدمون يعتقدون في تلك التماثيل ولا يعملون أكثر من أن يتذكروا برؤيتها فيتذكروا ما كان عليه أولئك الصالحون فينشطوا لعبادة الله تعالى، وقد احتاطوا حيث لم يجعلوا التماثيل في مقدَّم المسجد، ولكن ما الذي طرأ في متأخِّريهم؟ أمَّا أن يعتقدوا أنها تخلق وترزق فقد مرَّ إبطاله.

стр. 713

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٤]. [٣٥١] فلولا أنَّ القوم كانوا يعترفون بالله لما حسُن أن يُخاطَبوا بهذا الخطاب. وأوضح من ذلك قولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ فإنَّ في هذا اعترافًا بوجود الله وقدرته واعترافًا بوجود الملائكة، وفي كلامهم إنكار أن يكون البشر رسولًا لله تعالى، فكيف يعتقدون فيه أو فيما هو دونه من الجماد أن يكون مثل الله في الخلق والرزق؟ ولو كانوا يزعمون هذا جهلًا أو عنادًا لاحتجَّ عليهم نوح بما ذكرناه؛ فإنه أقرب الحجج، ولو احتجَّ به لذكره الله في القرآن؛ لأنه سبحانه ذكر القصص في القرآن ليذكر ما فيها من حُجَجه وحُجَج أنبيائه ﵈. فإن قلت: فإنَّ الألوهية أعظم من الرسالة، فكيف يستبعدون أن يكون البشر رسولًا لله تعالى ويزعمون أنه لا يتأهل للرسالة إلَّا الملائكة وهم مع ذلك يؤلِّهون الحجارة والموتى؟ قلت: تفكَّرْ أنت في وجه ذلك، وسأذكره بعدُ إن شاء الله تعالى (١).

стр. 714

والمتأخرون الذين بُعث فيهم نوح ﵇ لِم كانوا يعظِّمون تلك التماثيل؟ أتعظيمًا لأصحابها أولئك الرجال الصالحين؟ أم عبادة لله زاعمين أنه يرضى لهم ذلك وينفعهم به؟ [٣٥٢] الأول هو الظاهر كما مرَّ في أوائل فصل الأصنام من دلالة قوله : ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ على أنهم كانوا يعظِّمونها ويعظِّمون أصحابها, فراجعه, ولأنه سبيل عبادة الأوثان في كلِّ زمانٍ، وقد مرَّ بيان ذلك وشهادة المحقِّقين به، والله أعلم. قوم هود وقوم صالح لم يأت في القرآن ما يدلُّ أنه كانت لهم أصنام، ولكن أهل التواريخ يثبتون ذلك، فإن صح فإنها كانت تماثيل للأشخاص الغيبيِّين التي كانوا يعبدونها, كما سيأتي عند ذكر الأشخاص المتخيَّلة والملائكة إن شاء الله تعالى. قوم إبراهيم غالب ما جاء في القرآن في التصريح بعبادة الأصنام هو في قوم إبراهيم, حتى إنه ظهر لي أوَّلًا أنه لم يكن لهم تأويلٌ في عبادتهم أكثر من التقليد لآبائهم، ثم تبيَّن لي خلاف ذلك. فقد جاء في محاورة إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)

стр. 715

[٣٥٣] إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. فالاستثناء في هاتين الآيتين يدلُّ على أنَّ القوم كانوا يعبدون الله تعالى ويعبدون غيره؛ إذ الأصل في الاستثناء الاتِّصال. وقال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٣ - ٦٨]، فقولهم: ﴿مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ مثل قول أهل المعاني: ما أنا فعلت هذا. وقد صرَّحوا أنه يفيد الحصر، فيُفهم من مقالهم: بل فعله غيري (١)، فكذا يُفهم من قول قوم إبراهيم ــ ﴿مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ــ: بل الذي ينطق غيرهم. وهذه إشارة منهم ــ والله أعلم ــ إلى أشخاصٍ كانت الأصنام تماثيل لها بغير واسطة أو بواسطة على ما سيأتي. وقول إبراهيم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦)﴾ يتناول الأصنام والأشخاص التي أشاروا إليها، فتدبَّرْ. [٣٥٤] وقال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٤].

стр. 716

قال ابن جرير: "وفي الكلام متروك استُغنِي بدلالة ما ذُكر عما تُرك، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾، فكان جوابهم إياه: لا، ما يسمعوننا إذا دعوناهم ولا ينفعوننا ولا يضرون، يدلُّ على أنهم بذلك أجابوه قولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وذلك أنَّ (بل) رجوعٌ عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا، بل كذا وكذا. ومعنى قولهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجدنا مَن قبلنا مِن آباءنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداءً بهم واتباعًا لمناهجهم" (١). وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ [٣٥٥] قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٦]. قال الشيخ زاده في حواشيه على تفسير البيضاوي: "وعبدة الأوثان وإن كانوا يعتذرون في عبادتها بأنها تماثيل الكواكب المدبرة لهذا العالم أو أنها تماثيل أشخاص معظَّمة عند الله يصلحون أن يكونوا شفعاء ونحو ذلك من الأعذار الفاسدة، فما ذكره إبراهيم ﵊ في حق التماثيل بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئًا من الإغناء لا يُبطل

стр. 717

أعذارَهم بحسب الظاهر, إلا أنه ﵊ احتجَّ عليهم بذلك بناءً على أنهم يزعمون أنَّ عبادتها تنفعهم وأنَّ طريقتهم مقبولة مستحسنة, فبيَّن لهم ﵊ فسادَ زعمهم" (١). أقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف. وعندي أجوبة أخر. [٣٥٦] الأول: أن الأعذار التي ذكرها لا تدفع كون المشركين يعبدون الأصنام حقيقة، فإنه يقال لهم: لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر؟ فيقولون: نعبده تقربًا إلى أشخاص يسمعون ويبصرون وينفعون ويضرون، فيقال لهم: لنفرضْ أنَّ هناك أشخاصًا بهذه الصفة، ولكن هل أمروكم بعبادة الأصنام؟ فيقولون: لا، ولو كانوا أمرونا بذلك لما أطلقنا على الأصنام آلهة، ولا قلنا: إننا نعبدها, وهذا كما كان مشركو العرب يعظِّمون الكعبة والحجر الأسود نحوًا مما يعظِّمون الأصنام، بل من بعض الوجوه أشدَّ من تعظيم الأصنام كما يأتي, ولم يسمُّوا الكعبة إلهًا، ولا قالوا: إننا نعبدها، وإنما ذلك لأنهم كانوا يعظِّمونها طاعة لله لما علموه مِن أمره بذلك بما بلَّغه خليله إبراهيم ورسوله إسماعيل وتواتر إليهم، بخلاف الأصنام وغيرها مما كانوا يعبدونه فإنهم يعلمون أنهم اخترعوه بأهوائهم، وسيأتي تحقيق هذا وتوجيهه إن شاء الله تعالى. [٣٥٧] وعلى هذا فإنهم يقرُّون بأنهم اتَّخذوا الأصنام آلهة وعبدوها، وبهذا الاعتبار قد سوَّوها برب العالمين، فكيف يسوَّى برب العالمين ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن عابده شيئًا؟ وأعذارهم في عبادة الأصنام لا تدفع هذا.

стр. 718

الجواب الثاني: أن يقال: إنَّ في كلام إبراهيم إبطالًا لجميع أعذارهم. وبيان ذلك: أنَّ أباه إن اعتذر بأنَّ الأصنام تماثيل للكواكب فالكواكب أيضًا لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئًا، وما فيها من المنافع الموجودة كالإضاءة ونحوها ليس باختياريٍّ منها، والناس في ذلك سواء، يستوي فيه مَن يعبدها ومَن يجحدها. فإن قال: لعلَّ للكواكب حياةً وتصرُّفًا, أو ذَكَر الروحانيين، قيل له: هذا كله تخرُّص بغير برهان، وقد نبَّه إبراهيم ﵇ على هذا بقوله: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]. الثالث: أنه وقع إجمال في سورة مريم يبيِّنه ما في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ [٣٥٨] فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [٧٤ - ٨٢]. قدَّم هنا إنكاره على أبيه

стр. 719

عبادة الأصنام، فكأنَّ أباه ذكر له علاقتها بالكواكب، فدعاه ذلك إلى النظر في الكواكب، فنظر فيها [٣٥٩] وقال ما قال، ثم كأنَّهم ــ والله أعلم ــ ذكروا له شأن الروحانيِّين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، فأجابهم بما ذكره الله تعالى، وسيأتي الكلام على هذه الآيات عند ذكر الكواكب (١) إن شاء الله تعالى. وأمّا ما ذكره الله تعالى من قول إبراهيم للأصنام: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾، وما روي أن القوم كانوا يقرِّبون لها الأطعمة فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يقولون: إنها تأكل، وإنما كانوا يقربون لها الأطعمة ثم يأكلها سدنتها، كما هو المعروف من حال المشركين لهذا العهد. وقال إبراهيم ما قال استهزاءً بالأصنام وبمن يعبدها، وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾، وقد علم أن قومه يعرفون أنها لا تنطق كما قالوا هم أنفسهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، فكذلك قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ مع علمه أن قومه يعرفون أنها لا تأكل، والله أعلم. المصريُّون في عهد يوسف ﵇ الذي يدل عليه القرآن أنهم كانوا يعبدون الروحانيِّين وينعتونهم بنعوت باطلة، وآثارهم الموجودة تدلُّ أنهم كانوا يعبدون الأصنام وغيرها. وبعض البحاثين [٣٦٠] يعلِّل ذلك بأنهم إنما كانوا يعبدون المخلوقات على أنها مظاهر للباري . وهذا الرأي مجمل، وسيأتي الكلام على ديانتهم

стр. 720

عند ذكر الأشخاص المتخيَّلة إن شاء الله تعالى (١). فأما الأصنام فالظاهر أنها كانت عندهم تماثيل أو رموزًا للأشخاص المتخيلة، والله أعلم. المصريُّون في عهد موسى ﵇ ذكر بعض المفسرين أنه كان لقوم فرعون أصنام يعبدونها معه، ذكروا ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، وسيأتي تحقيق الحال في بيان تأليه الأناسي الأحياء إن شاء الله تعالى (٢). بنو إسرائيل في قول الله : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠]. لا يخفى أنَّ القوم وإن بلغوا من الجهل أقصى غاياته لم يكونوا ليطلبوا من موسى أن يجعل لهم جمادًا من هذه الجمادات يكون هو واجب الوجود أو يكون خالقًا رازقًا، هذا ما لا سبيل إلى احتماله. [٣٦١] ولو كان الأمر كذلك لجاء في جواب موسى ما يدفع ذلك الظن, بل لا يبعد فيمن يجوِّز ذلك ألا يكون مكلَّفًا أصلًا.

стр. 721

فالظاهر أحد احتمالين: الأول: أن يكونوا أرادوا التقليد المحض، واستحسنوا تلك الأفعال الظاهرة مع قطع النظر عن المقصود منها وما فائدتها. والاحتمال الثاني: أن يكونوا أرادوا: اجعل لنا جمادًا يكون رمزًا لله فنعظِّمه تعظيمًا لله كما يعظِّم هؤلاء أصنامهم على أنها رموز للروحانيِّين، وقد يُشعر بهذا قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ولم يقولوا: اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة، كأنهم قد علموا أن العبادة لا تكون إلا لله ، ولكن توهموا أن عبادة جماد من الجمادات على أنه رمز لله وأنه إنما يعظم تعظيمًا لله لا ينافي التوحيد. وقد تقدم (١) حديث الإمام أحمد وغيره، وفيه: فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، كان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر! هذا كما قالت بنو [٣٦٢] إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة". فلم يعتقد هذا القائل في السدرة شيئًا، ولكنه على أحد الاحتمالين السابقين، والله أعلم. العرب قد تقدَّم ما يتعلق بعبادتهم الأصنام عند سياق الآيات في ذلك، وفي المقدمة الثانية للكلام على آيات النجم. وعُلِم من ذلك أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام على أنها تماثيل للإناث الخياليات، أعني ما زعموه أنَّ لله بناتٍ وأنهنَّ هنَّ الملائكة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

стр. 722

فإن قيل: قد قدَّمتَ أنَّ اللَّات والعُزَّى ومناة أسماء سمَّوا بها تلك الإناث ثم أطلقوا اسم اللَّات على التمثال أو التذكار الذي جعلوه باسم اللَّات وهكذا. وقد كان في أصنامهم ما يسمى باسمٍ مذكَّر، كهُبل ومناف وإساف، وهذه معروفة في أهل مكة، وأما بقية العرب فلهم أصنام كثيرة مسمَّاة بأسماء [٣٦٣] مذكَّرة. قلت: لعلَّ تلك الأسماء ليست في الأصل أسماء للإناث الخياليات كاللَّات والعُزَّى ومناة، وإنما هي أسماء للأصنام أنفسها، فذكَّروا الاسم نظرًا لقولهم: صنم أو وثن أو تمثال أو حجر، وهذا لا ينافي أن يكونوا إنما يعبدونها على أنها تماثيل أو تذاكير للإناث الخياليَّات، ويجوز أن يكون الشيطان أوحى إليهم أنهم كما جعلوا تماثيل أو تذاكير للملائكة فالله أولى بذلك، فجعلوا بعض تلك الأصنام رمزًا لله ولم يطلقوا عليها اسم الله تعظيمًا له أن يطلقوا اسمه على حجر. ومما يؤيِّد هذا في هُبل خاصة أنه لم يبلغنا أنهم سمَّوا عبد هُبل كما سمَّوا عبد اللَّات وعبد العُزَّى، كأنهم استغنوا عن ذلك بتسميتهم عبد الله، والله أعلم. ويؤيِّد ذلك أيضًا في هُبل أنه كان عندهم أعلى من غيره، ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: "اعلُ هبل"، فخصَّه بالذكر في ذلك المقام، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجيبوه: "الله أعلى وأجلُّ". ويظهر أن هذا الجواب يتضمن إبطال هبل إذا كان وضع على أنه تمثال لله ، أي: إن الله أعلى وأجل من أن يكون له تمثال من الحجر. وكأنه لهذا عدل أبو سفيان إلى قوله: "لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم". [٣٦٤] كأنه يقول: لنا شفيع ولا شفيع

стр. 723

لكم. فأمرهم النبي ﷺ أن يجيبوه: "الله مولانا ولا مولى لكم"، أي: إن الله تعالى مولانا وناصرنا ومعيننا، فلا حاجة بنا إلى الشفعاء، وأنتم لا ناصر لكم؛ لأنَّ تلك الإناث لا وجود لها، ولو فُرض وجودها فأنتم تعترفون أنه ليس لها من الأمر شيء وأنَّ الأمر كله لله ، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩]. وقصَّة أحد في صحيح البخاري (١). واتِّخاذ الأصنام على أنها تماثيل لله معروف بين أمم الشرك في الهند وغيره (٢). والنصارى يقولون: إن الله ــ ﵎ عن قولهم ــ ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس. ويجعلون للأب صورة ويسجدون لها، والأب عندهم هو ذات الله تعالى. أما ما يحكى عن المشركين أنهم كانوا ربما يسمعون كلامًا من الأصنام فلم أقف على أثر صحيح يثبت أن ذلك كان يقع، ولا أنهم كانوا يزعمون ذلك. وقد كان قوم إبراهيم أهلك الناس في شأن [٣٦٥] الأصنام، بدليل أن غالب ما جاء في القرآن في عبادة الأصنام وارد فيهم، ومع ذلك فقد حكى الله عنهم قولهم لإبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، واعترافهم بأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ولا تسمع، كما تقدَّم ذلك (٣) في

стр. 724

الكلام على قوله تعالى حكاية عن خليله ﵇: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾. ومثل هذه الحكايات شائعة بين جهلة الوثنيين في الهند، وعقلاؤهم ينكرونها. وذكر البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقوله مقبولة في العقل أو مرذوله" (١) أنَّ البراهمة كتبوا إلى أرسطو أنه بلغهم أن اليونانيين يزعمون أن الأصنام تكلِّمهم، فأجابهم أرسطو أنه لا يعلم بذلك. وقد تقدَّمت عبارة البيروني (٢). والذي يزعم ذلك من الوثنيين يوجِّهونه بأنَّ الروحاني الذي جُعل الصنم تمثالًا له قد يتقمَّص ذلك الصنم ويتكلَّم منه، وليسوا يزعمون أنَّ الصنم نفسه يتكلَّم. والموحِّدون يحملون ذلك ــ على فرض صحته ــ بأنَّ الشيطان قد يدخل في جوف الصنم فيتكلَّم منه، وقد [٣٦٦] علمت مما تقدَّم في الكلام على اللات والعزى ومناة أنَّ الشياطين يرون أنه ليس في الوجود إناث غيبيات إلَّا من الشياطين، فادَّعوا أنَّ المشركين إنما يعبدون إناثًا من الشياطين. فأما الأعمال الظاهرة التي يفعلها عُبَّاد الأصنام بها، فمنها: العكوف عليها. جاء في القرآن في قوم إبراهيم: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ , وفي القوم الذين مر عليهم بنو إسرائيل: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وفي الحديث

стр. 725

في ذات أنواط: "كان الكفار ينوطون أسلحتهم بها ويعكفون حولها" (١). ومنها: تقريب الزاد لها. يُفهم من قول إبراهيم ﵇ للأصنام: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. ومنها: التمسُّح بها. جاء في حديثٍ في المستدرك عن زيد بن حارثة أنه كان يطوف مع النبيِّ ﷺ بالبيت قبل النبوة، فمرَّ زيدٌ على بعض الأصنام فمسح بها، فنهاه النبيُّ ﷺ ، ثم عاد فنهاه (٢). وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلمٍ"، وأقرَّه الذهبيُّ (٣). [٣٦٧] ومنها: الذبح عندها. وَرَدَ أنَّ المشركين كانوا ينحرون عند مناة، وقد كان للعرب أنصاب يذبحون عليها ويرشُّون عليها الدَّم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: "حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية". وعن ابن عباس قال: أنصاب كانوا يذبحون ويهلُّون عليها. وعن مجاهد قال: "كان حول الكعبة حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها إن شاؤوا بحجر هو أحبُّ إليهم منها" (٤). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر في قصة إسلامه ورجم المشركين له

стр. 726

بالحجارة: "فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُب أحمر" (١). يعني مما سال منه من الدماء. قال بعض أهل العلم: ولعلَّ ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى. أقول: وكانت من معالم دينهم، وكان ذبحُهم عليها عبادة، ولذلك كانوا يُقسمون بها وبما يُراق عليها من الدماء. قال المتلمِّس: أَطْرَدْتني حَذرَ الهجاء ولا ... والله والأنصاب لا تئل (٢) وقال النابغة: فلا لعمر الذي مسَّحْت كعبته ... وما أريق على الأنصاب من جسد والجسد: الدم، كما في الصحاح (٣). ومنها: تضميخها بالطيب. ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].

стр. 727

ومنها: [٣٦٨] الدعاء. ورد ذكره في هذه الآية، وقد مرَّ الكلام عليها في سياق الآيات في الأصنام (١)، فراجعه. وجاء في قوم إبراهيم ﵇ قوله ﵇ لهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ... ﴾ ما ينفي ذلك، أي ينفي سماعها وما معه، كما تقدم (٢). وعليه فكأنهم إنما كانوا يدعون الروحانيين، ولكن الخليل بنى على الصورة الظاهرة من دعائهم عند الأصنام، حتى إذا أجابوا بما هو قصدهم اتبعهم ببيان بطلانه أيضًا، وهكذا حتى ينقطعوا، وكأنهم كانوا يدعون الأصنام تجوُّزًا، إما على حذف مضاف وإما بغيره، فإذا قالوا: (أيها الصنم انفعنا)، أرادوا: يا صاحب الصنم، يريدون الروحاني الذي جعلوه رمزًا له، أو كما يقول الخائف لطفل في المهد: أجرني، يريد أن يسمع ذلك أبوه فيجيره. ومثل هذا يقال في دعاء مشركي العرب للأصنام إن ثبت، والله أعلم. ومنها: الانحناء لها والسجود. وهذا معروف بين الوثنيين إلى زماننا هذا. فأما مشركو العرب فلم أجد نقلًا بذلك، بل هناك ما يدلُّ على أنهم لم يكونوا يسجدون للأصنام. وفي صحيح مسلم عن [٣٦٩] أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو

стр. 728

جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم, فقال: واللات والعزى! لئن رأيته فعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى النبي ﷺ ، زعم ليطأ على رقبته، فما فَجِئَهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لَك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال النبي ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (١). يؤخذ من هذا الحديث أنهم كانوا ينكرون السجود، ولو كانوا يسجدون للأصنام لما أنكروا السجود لله ؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون أن يعبد الله تعالى، وإنما كانوا يشركون به، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وقد روي عن بعض أكابر قريش أنه كان يعترف بأن الإسلام حقٌّ، ولكن كره أن تعلو استه رأسه، يعني السجود. رواه الإمام أحمد من حديث أمير المؤمنين عليٍّ ﵇، ولفظه: عن حَبَّة العُرني، قال: رأيت عليًّا ﵁ ضحك على المنبر، لم أره ضحك ضحكًا أكثر منه حتى بدت نواجذه، ثم قال: ذكرت [قول] (٢) أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله صلى الله وآله وسلم، ونحن نصلي ببطن نخلة، فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﵌ إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تصنعان بأس، أو بالذي تقولان بأس، ولكن والله

стр. 729

لا تعلوني استي أبدًا! وضحك تعجُّبًا لقول أبيه ... (١). [٣٧٠] وهذا أيضًا يدلُّ أنهم لم يكونوا يسجدون للأصنام. عُبَّاد النار قال الشهرستاني: "والمجوس إنما يعظِّمون النار لمعانٍ، منها: أنها جوهر شريف عُلْويٌّ. ومنها: أنها ما أحرقت إبراهيم الخليل ﵊. ومنها: ظنهم أنَّ التعظيم ينجيهم في المعاد من عذاب النار. وبالجملة هي قبلة لهم ووسيلة وإشارة" (٢). عجل السامري من الواضح بسياق الآيات أن القوم يعلمون أن العجل لم يكن شيئًا مذكورًا حتى ألقوا ما كان معهم من الحُليِّ فصاغ السامري منه العجلَ، فأنَّى يتسرَّب إلى أذهانهم أنَّ ذلك العجل هو الله الذي خلق العالم وخلقهم ويدبِّر العالم أجمع. هذا ما لا سبيل إليه، اللهم إلا أن يكون وسوس إليهم الشيطان [٣٧١] بأنَّ الله ﵎ حلَّ في ذلك العجل، تعالى الله عما يقولون. ولعل هذا أقرب إلى ظاهر الآيات من أن يقال: اتَّخذوا العجل على أنه رمزٌ لله وظنوا أنَّ عبادته تقرِّب إلى الله على نحو ما مرَّ في

стр. 730

قولهم لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وعلى هذا المعنى الثاني فالمعنى في قولهم في العجل: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]: فنسي موسى أن يتخذه لكم لمَّا طلبتم منه ذلك بقولكم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾. وقولهم: ﴿إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ ربما يؤيد الثاني؛ إذ لم يقولوا: ربكم ورب موسى. وكذا قول هارون في نصحهم: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ يأبى احتمال اعتقادهم الحلول؛ إذ لو اعتقدوه لما كان في ذلك ردٌّ عليهم؛ لأنهم يقولون: نعم، ربنا الرحمن، وهو حلَّ في هذا العجل. وكذلك قول موسى في توبيخهم: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ فإنه قصر للألوهية على الله تعالى، أي: إن إلهكم الله لا غيره، فتدبَّرْ وتأمَّلْ. الأناسي الأحياء وأرواح الموتى قد تقدَّم الكلام على قوم نوح وأنهم كانوا يعبدون تماثيل أولئك الأشخاص الصالحين وأرواحهم، ولعلهم كانوا يعتقدون في أرواحهم قريبًا مما يعتقده عُبَّاد الملائكة في الملائكة على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. ولكن استبعاد قوم نوح أن يكون البشر رسلًا، وقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤]. يدلُّ على أنَّ القوم لم يكونوا يرفعون أرواح الموتى إلى درجة الملائكة. وعلى كل حال فالظاهر أنهم كانوا يزعمون أنَّ أولئك الموتى يشفعون لمن يعبدهم، أو أنَّ الله يثيب مَنْ يعبد أولئك الموتى لما كانوا عليه من الصلاح، والله أعلم.

стр. 731

[٣٧٢] فأما فرعون فأخَّرنا البحث في شأنه إلى البحث في شرك أسلافه من المصريِّين، وسيرد ذلك في الكلام على تأليه الأشخاص المتخيَّلة إن شاء الله تعالى. وأما الذي حاجَّ إبراهيم في ربه فالمشهور أنه من قومه، وأنه كان ملِكَهم, وقوم إبراهيم كانوا يعبدون الأصنام والكواكب والروحانيين ويعترفون بوجود الله تعالى وربوبيته على ما مرَّ، وسيأتي بسطه في الكلام على عبادة الكواكب إن شاء الله. ومن البعيد أن يكون الملك يدَّعي الربوبية العظمى، أو أنه لا إله لرعيته إلا هو، ويكون رعيته كما سمعت. فأما قوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فليس بنصٍّ في دعوى الإحياء والإماتة مطلقًا، بل يحتمل أنه إنما ادَّعى الإحياء الذي هو تخلية مَن يستحقُّ القتل والإماتة التي هي القتل، ويعيِّن هذا الاحتمال أمور: الأول: ما سمعت من ديانة قومه. الثاني: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، فقوله: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ بيان لعلَّة محاجته لإبراهيم، والمُلْك إنما يكون علَّةً [٣٧٣] لدعوى القدرة على تركه قتلَ مَن استحقَّ القتل وقتلِه مَن أراد قتلَه. الثالث: ما ورد في الآثار أنه برهن على دعواه بأنْ دعا رجلًا فقتله، ودعا آخر يستحقُّ القتل فأطلقه (١)، ولو كان إنما فعل هذا لإثبات أنه الذي يحيي

стр. 732

ويميت مطلقًا لأجابه إبراهيم ﵇ بما يثبت أنَّ ما صنعه لا يدلُّ على دعواه، كأن يقول له: إن الإحياء يكون بالتوليد، والإماتة تكون بغير القتل، فإن كنت أنت فاعلَ ذلك فامنع رعيَّتك أنْ يُولد فيهم مولود وأن يموت منهم ميت شهرًا مثلًا، أو: أخبِرْنا كَمْ مولودًا وُلد وكَمْ ميتًا مات في مدينتك اليوم، وسمِّهم بأسمائهم ومواضعهم؛ فإنه لا يجوز أن تكون أنت فاعل ذلك وأنت تجهله، فكيف ترك إبراهيم ﵇ هذا القبيل وانتقل إلى الشمس؟ فالذي يظهر لي أنَّ هذا الطاغية كلَّم الخليل ﵇ في أن يطيعه، وقال له: إن أطعتني فأنا أطلقك، وإن أبيتَ قتلتُك، فأجابه الخليل ﵇ بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: إنك لا تقدر على قتلي ما لم يسلِّطك الله عليَّ، ولا على تركي حيًّا ما لم يكن الله [٣٧٤] يريد ذلك، فجحد الطاغية ذلك، كأنه يقول: إني طيلة ملكي أقتل من أريد وأطلق من أريد، ولا مانع يمنعني عما أريد من ذلك، وها أنا الآن أدعو هذا المستحق للقتل فأطلقه، وأدعو هذا الآخر فأقتله. وليس هذا بدليل على إنكار الطاغية ربوبية الله ، بل يجوز أن يكون يزعم أن الله فوض أمر الرعيَّة إلى مَلِكهم يصنع فيهم ما أراد، فلم يكن للخليل ﵇ في الجواب إلا طريقان: الأولى: أن يدعو الله فيميت الذي أطلقه الطاغية فورًا ويحول بينه وبين الذي أراد قتله. الطريق الثانية: أن يعدل إلى أمر لا تتناوله قدرة الخلق، ولعله إنما عدل عن الأولى لوجوه:

стр. 733

الأول: أنه يحتاج إلى إظهار خارق، وإنما يلجأ الأنبياء ﵈ إلى الخارق فيما لا يتيسر الاحتجاج عليه ببرهان عاديٍّ، كإثبات رسالتهم. ومن الحكمة في ذلك: بُعد البراهين العادَّية عن الشبهة. ومنها: أن استنباط الحجة أعظم أجرًا للأنبياء من حدوث الخارق. ومنها: أن في المحاجة بالحجج العادية إرشادًا لأتباع [٣٧٥] الأنبياء ممن لا يظهر على يده الخارق، وغير ذلك. الوجه الثاني: أن الغالب أن الله إذا أظهر الخارق لقومٍ فلم يؤمنوا عقَّبه بالعذاب، ولم يكن الخليل ﵇ يريد تعجيل العذاب رجاء أن تفيد المطاولة في القوم أو بعضهم أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. الوجه الثالث: لعلَّ الخليل ﵇ لم يكن حينئذ قد نُبِّئ، وإنما محاجته مع قومه ومع طاغيتهم بإيمانه الذي هداه له الله تعالى من طريق عقله ونظره، ويشهد لهذا قول قومه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، والفتى: الشاب (١)، وقد اشتهر أن الله لم يبعث نبيًّا إلا بعد أربعين سنةً من عمره (٢). بقي علينا أن نبين وجه دلالة عجزه عن الإتيان بالشمس من مغربها على أنه إنما يقتل ويطلق بإذن الله ، وأن الله قد يأذن له وقد يمنعه، فأستعين الله وأستهديه، ثم أقول:

стр. 734

[٣٧٦] إن العاقل إذا تفكر في خلق الله تعالى الشمسَ جارية بمصالح عباده وأنشأ بها التغيرات الجوية والأرضية التي لها دخل عظيم في حياة الحيوان وطعامه وشرابه وتنفُّسه وغير ذلك مما لا يحصى، وبعضه يعرفه الناس جميعًا, ومن كان له إلمام بعلم الطبيعة كان علمه بذلك أوسع. وقد كان لقوم إبراهيم ﵇ معرفة بأحوال الشمس وغيرها من الكواكب؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وعبادتها تدعو إلى تعرف شؤونها، وكذلك كانوا يستدلون بأحوالها على الحوادث الأرضية كما يدل عليه قوله في إبراهيم: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾، أي: أوهمهم بأنه استدلَّ بأحوال النجوم على أنه سيسقم، وإنما يعني ﵇ بهذا الخبر أنَّ كلَّ إنسان لا بدَّ أن يعتريَه السَّقَم، والله أعلم. أقول: إذا تفكَّر العاقل في ذلك عَلم شدَّة عناية الله تعالى بالخلق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يدَعُهم مع ذلك هملًا يعمل فيهم بعضُهم ما يشاء في غير مصلحة يعلمها الله ويُقدِّرها؟ وأبعدُ من ذلك أن يدَع مَن يوحِّده [٣٧٧] فريسة لمن يشرك به بدون قضاء منه لحكمة يعلمها. فالإنسان الذي يزعم أنه يفعل في الخلق ما يشاء بدون قدَرٍ من الله تعالى ولا قضاء كأنه ينكر وجود الشمس وجَرْيَها في مصالح العباد، أو يزعم أنه هو الذي يجريها. ومما يشبه هذا الاستدلال قولُ الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]. قال أبو السعود: "فإنَّ مَن تدبَّرها حقَّ التدبُّر أيقن ... , وأنَّ لهذه

стр. 735

التدبيرات المتينة عواقبَ وغاياتٍ لا بدَّ من وصولها .... " (١). أقول: وإيضاحه والله أعلم: أنكم إذا تدبرتم هذه الآيات علمتم أنَّ الخالق الذي دبَّر العالم هذا التدبير لم يكن ليخلقكم عبثًا ولا ليدَعَكم سُدى. وإذا كان الأمر كذلك فلا بدَّ من البعث، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. قال أبو السعود: "فإنَّ خلقكم بغير بعثٍ من قَبيل العبث" (٢). وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) ... أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. وعلى هذا فإنما بُهت الذي كفر لقيام الحجة على عجزه عن قتل أحد أو استحيائه بغير قضاء الله تعالى وقدَره، فأما الإتيان بالشمس من مغربها فإنه لم يدَّع القدرة عليه أصلًا، ولو كان يدَّعيه لأمكنه أن يعاند فيقول: لا أريد الإتيان بالشمس من المغرب؛ فإن ذلك منافٍ لحكمتي ومصالح رعيتي، وقد أقمت أنا الحجة على قدرتي على الإحياء والإماتة وأنت الجاحد لذلك، فأنت المطالَب بما يدفع حجتي، أو نحو ذلك، والله أعلم. وهناك معانٍ أخر حُملت عليها القصَّة ليس فيها أقرب مما مرَّ. وقد رُوي أن المحاجَّة كانت قبل (٣) إلقاء إبراهيم ﵇ في النار (٤)؛ فإن صحَّ فيكون الله جعل في ذلك برهانًا حسِّيًّا [٣٧٨] على

стр. 736

تكذيب الطاغية في زعمه أنه هو الذي يطلق من أراد إطلاقه ويقتل مَن أراد قتله، والله ﵎ أعلم. وعلى ما تقدَّم فلم يدَّع الطاغية الربوبية العظمى وإنما ادَّعى أن أمر رعيَّته مفوَّض إليه يصنع فيهم ما يشاء، لا يمنعه الله عما يريده بهم, فيرجع النزاع إلى ضرب من النزاع في القدر، والله أعلم. تفسير تأليه المسيح وأمه ﵉ رأيُ النصارى في المسيح ﵇ مضطرب، ويظهر بالتأمُّل أن أول ما تخيَّله العامَّة أن عيسى هو ابن الله حقيقة، حملهم على ذلك أمور: منها: أنهم سمعوا أنه وُلد من غير أبٍ. ومنها: أنه كان يقال له: ابن الله، وقد كان هذا المجاز شائعًا في بني إسرائيل، وقد ورد في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب الآن في داود أنه ابن الله البكر، وورد فيها نحوه في مواضع كثيرة. وقد قال ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. [٣٧٩] ومنها: أنهم سمعوا كثيرًا من الأمم يدَّعون في رجال منهم أنهم أبناء الله لأنهم وُلدوا من عذارى، وقد نبَّه الله على هذا بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. وفي كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" للتَّنِّير (١) بيان مَن قال

стр. 737

هذه المقالة من الأمم قبل النصارى، وكأن بعض رؤوس الضلال أشاعوا في عامَّة النصارى تلك العقيدة مروِّجين إفكهم بالأمور السابقة، وبما كان يجري على يد المسيح ﵇ من الخوارق. ولعلَّ الذي تولَّى كِبر ذلك بولس (١)، وكان من مكره أن أعلن بالإباحة ورفع الأحكام التكليفية، فعل ذلك إفسادًا للدين وتقرُّبًا إلى العامة واجتذابًا لهم، وكان مَن بقي من أهل الحق يخافون على أنفسهم، ولا يكاد الناس يسمعون قولهم؛ لأنهم إذا جهروا بشيء قال الناس: هؤلاء يبغضون المسيح ويحقرونه ويجحدون فضائله ويطعنون على من يحبه ويعظمه، ورؤوس الضلال يصوِّبون قول العامَّة ويوجِّهون أقوالهم، وإذا حوققوا قالوا: إن العامة إنما يقولون في المسيح ما [٣٨٠] يقولون على سبيل التجوُّز والاستعارة، وأيُّ عاقل يخفى عليه أن الله لا يكون له ابن حقيقة؟ وكان بعض بقايا أهل الحق يجْبُن أن يصرِّح به خوفًا من أن يُفهم من كلامه تحقير للمسيح، ثم نشأ في القوم مَن أخذ بنصيب من الفلسفة وأحبَّ

стр. 738

أن يطبِّق تلك العقيدة على العقل فاستشنع ما كان يعتقده العامَّة من أنَّ الله تعالى وقع على مريم فأحبلها, تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًّا. فمنهم مَن زعم أن الله تعالى هو نفسه حلَّ في مريم لأنهم يجدون كثيرًا من الأمم قد تورَّطت في اعتقاد الحلول. ومنهم مَن زعم أن الذي حلَّ في بطن مريم بعضٌ من الله. والعاقل يعلم أن ما استشنعه المتفلسفون من قول العامة ليس بأشنع مما قالوه هم أعني المتفلسفين. والمقصود هنا إنما هو بيان معنى تأليههم المسيح وأمه ﵉ فأقول: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [٣٨١] وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٦]. ليس المراد بالثلاثة هنا ما اشتهر عن النصارى من أن الله تعالى ثلاثة أقانيم، وإنما المراد بالثلاثة: الله تعالى وعيسى وأمه. ويدلُّ على ذلك أمران:

стр. 739

الأوَّل: أنه قال: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ فدلَّ أن الاثنين الآخرين غيره، والنصارى لا يقولون ذلك في مسألة الأقانيم، بل يقولون: إن مجموع الثلاثة الأقانيم هو الله تعالى. الأمر الثاني: أنه ذكر في الرد عليهم حقيقة المسيح وحقيقة أمه، وليس لأمه دخل في الأقانيم، وإنما الأقانيم عندهم عبارة عن الأب والابن وروح القدس، فالأب هو الذات، والابن هو الصفة التي فارقته، ودخلت في بطن مريم فكانت المسيح، وروح القدس صفة ثانية نزلت على المسيح في صورة حمامة. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ [٣٨٢] لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. فعُلم بهاتين الآيتين أن النصارى يؤلِّهون مريم ويعبدونها كما يؤلِّهون عيسى ويعبدونه، وقد عُلم أنهم لم يقولوا في مريم إنها واجبة الوجود ولا قديمة ولا أنها جزء من الله تعالى، ولا أنها تخلق وترزق وتنفع وتضرُّ وتغفر الذنوب، فثبت بذلك أنَّ التأليه والعبادة لا يتوقَّفان على اعتقاد شيء من هذه الصفات في المعبود, وأنَّ اعتقادهم هذه الصفات في عيسى أمر زائد على التأليه والعبادة. (١) فأما قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا

стр. 740

لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، فأكثر المفسرين وغيرهم حمل قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ على قولهم: الله وعيسى وأمُّه ثلاثة آلهة. قال السعد التفتازاني في المطوَّل: "أي: لا تقولوا: لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة, فحُذِف الخبر ثم الموصوف أو المميَّز, أو لا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي: مستوون في استحقاق العبادة والتربية" (١). وقال المحقِّق عبد الحكيم في حواشيه على حواشي الخيالي على شرح العقائد النسفية في الكلمة (٢) على تكفير النصارى: "فالعمدة في تكفيرهم ما ذكره بقوله: على أن قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني أنهم إنما كفروا لإثبات الآلهة الثلاثة لا لأنهم أثبتوا القدماء الثلاثة. ومعنى إثباتهم الآلهة الثلاثة أنهم سوَّوا الثلاثة في الرتبة واستحقاق العبادة على ماصرَّح به الشارح في بحث حذف المسند من شرح التلخيص، لا أنهم يثبتون وجوب وجودٍ لكلٍّ من الثلاثة، كيف وقد صرَّح في إلهيَّات المواقف أنه لا مخالف في مسألة توحيد واجب الوجود إلا الثنويَّة دون الوثنية ــ أي النصارى (؟ ) (٣) فما ذكره المحشِّي: "كانوا يقولون بآلهة وذواتٍ ثلاثة" (٤) محلُّ بحث؛ إذ الاشتراك في الألوهيَّة بمعنى استحقاق العبادة لا يدلُّ على كونها ذواتٍ مع أنه لا حاجة إليه؛ إذ القول بتعدُّد المعبود كافٍ في تكفيرهم،
следующие страницы →