جرير ومحمد بن المنذر؛ فجلسوا في بيت يكتبون الحديث؛ ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه؛ فاقترعوا فيما بينهم من يسعى لهم في شيء يأكلونه؛ ليدفعوا عنه ضرورتهم، فجاءت القرعة على أحدهم؛ فنهض إلى الصلاة، فجعل يصلي، ويدعو الله؛ وذلك وقت القيلولة، فرأى نائب مصر وهو نائم وقت القيلولة رسول الله ﷺ ، وهو يقول له: أنت هاهنا والمحمدون ليس عندهم شيء يقتاتونه! فانتبه الأمير من منامه؛ فسأل: من هاهنا من المحمدين؟ فذُكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة بألف دينار (١) .
ويشبه هذا ما حكاه ابن كثير أيضًا في ترجمة الحسن بن سفيان الفسوي محدث خراسان، قال: من غريب ما اتفق له أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم للحديث؛ منهم محمد بن خزيمة ومحمد بن جرير ومحمد بن هارون الروياني؛ فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون شيئًا؛ واضطرهم الحال إلى السؤال؛ فأنفت نفوسهم من ذلك؛ ثم ألجأتهم الضرورة إلى تعاطي ذلك؛ فاقترعوا فيما بينهم، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان، فقام فاختلى في زاوية المسجد الذي هم فيه فصلى ركعتين طال فيها، واستغاث بالله وسأله بأسمائه العظام؛ فما انصرف من الصلاة حتى دخل المسجد رجل، فقال: أين الحسن ورفقته؟ فقالوا: ها نحن، فقال: الأمير ابن طولون يقرأ عليكم السلام، ويعتذر إليكم في تقصيره؟ وهذه مائة دينار؛ لكل واحد منكم؛ فقالوا له: ما الحامل له على هذا؟ فقال: إنه أحب اليوم أن يختلي بنفسه؛ فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء، بيده رمح؛ فدخل عليه المنزل، ووضع عقب الرمح في خاصرته، فوكزه به، وقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه
стр. 317
قم فأدركهم، قم فأدركهم، قم فأدركهم؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني، فقال له: من أنت؟ قال: أنا رضوان خازن الجنان؛ فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا؛ فبعث بالنفقة في الحال؛ ثم جاء لزيارتهم، واشترى ما حول ذلك المسجد، ووقفه على الواردين إليه (١) .
٦٠- أبو عبيد بن حربويه علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي قاضي مصر. أحد الأئمة. تفقه على أبي ثور؛ وكان يوافقه في كثير من اختياراته، ويوافق الشافعي تارة، وله اختيارات انفرد بها في نفسه، ومن مذهبه أنه منع من تعجيل الزكاة، وأوجب اجتناب الحائض في جميع بدنها.
قال النووي: وقد خالف في ذلك إجماع المسلمين، ولي قضاء واسط، ثم إقليم مصر، فأقام بها مدة طويلة، وكانت الخلفاء تعظمه، ثم استعفى من القضاء فأُعفِيَ، وعاد إلى بغداد، فمات بها في صفر سنة تسع وثلاثمائة (٢) .
٦١- أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي. قال الذهبي في العبر: له مصنفات في المذهب، وهو صاحب وجه. توفي بمصر في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة (٣) .
٦٢- أبو إسحاق المروزي إبراهيم بن أحمد. أحد أئمة الدين، وأحد أصحاب الوجوه. تفقه على ابن سريج، وكان إماما جليلا غواصا على المعاني الدقيقة، بحرا خضما، ورعا زاهدا، انتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد، وشرح مختصر المزني، وصنف الأصول، ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر سنة القرامطة، وجلس في مجلس الشافعي، واجتمع الناس عليه، وضربوا إليه أكباد الإبل،
стр. 318
وسار في الآفاق من مجلسه سبعون إماما من أصحاب الحديث. توفي بمصر سابع رجب سنة أربعين وثلاثمائة، ودفن عند الإمام الشافعي (١) .
٦٣- أبو بكر بن الحداد محمد أحمد بن جعفر الكناني المصري. الإمام الجليل، أحد أصحاب الوجوه. ولد يوم موت المزني، وأخذ الفقه عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي وبشر بن نصر بن غلام الله عرف وجالس أبا إسحاق المروزي لما ورد مصر، ودخل إلى بغداد، فاجتمع بابن جرير، وأخذ العربية عن محمد بن ولاد، وروى الحديث عن جماعة؛ منهم أبو عبد الرحمن النسائي ولزمه، وتخرج به؛ يعرف الأسماء والكنى والنحو واللغة واختلاف الفقهاء وأيام
الناس وسائر الجاهلية والشعر والنسب، وكان كثير التعبد يصوم يوما ويفطر يوما، ويختم في كل يوم وليلة ختمة. ولي القضاء بمصر، وصنف الباهر في الفقه في مائة جزء، وكتاب جامع الفقه، وكتاب أدب القضاء في أربعين جزءا، وكتاب المولدات وهو مشهور. مات في المحرم -وقيل في صفر- سنة أربع -وقيل: خمس- وأربعين وثلاثمائة، ودفن بسفح المقطم (٢) .
٦٤- الماسرجسي أبو الحسن محمد بن علي بن سهل النيسابوري شيخ القاضي أبي الطيب. أحد أصحاب الوجوه. قال الحاكم: كان من أعرف أصحابنا للمذهب. أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وصحبه إلى مصر، ولازمه إلى أن توفي، فانصرف إلى بغداد، ودرس بها؛ ثم إلى خراسان، ومات بها يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهو ابن ست وسبعين سنة (٣) .
٦٥- ابن شعبان أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان. كان رأس فقهاء المالكية
стр. 319
بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، وكان شيخ الفتوى، حافظ البلد، انتهت إليه رياسة المالكية بمصر، وله تصانيف وأقوال وترجيحات. مات في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (١) .
٦٦- القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد البغدادي أحد الأعلام، وأحد أئمة المالكية المجتهدين في المذهب، له أقوال وترجيحات. تفقه على ابن القصار وابن الجلاب، وانتهت إليه رياسة المذهب. قال الخطيب: لم أر في المالكية مثله، ولا أفقه منه. ولي قضاء داريا ونحوها، وتحول إلى مصر لضيق حاله ببغداد، فأكرم بها، وتمول وسعد جدا فأدركه الموت، فكان يقول في مرضه: لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا! مات بمصر في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة عن ستين سنة (٢) .
٦٧- الحسن بن الخطير أبو النعماني الفارسي. كان فقيها حنفيا عالما بالتفسير والحساب والهيئة والطب، مبرزا في النحو واللغة والعروض والأدب والتاريخ، ألف تفسيرا، وشرح الجمع بين الصحيحين للحميدي، وكتابا في اختلاف الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار. أقام بالقاهرة مدة يدرس إلى أن مات بها سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وكان يقول: قد انتحلتُ مذهب أبي حنيفة، وأنتصرُ له فيما وافق اجتهادي (٣) .
٦٨ - الشيخ عز الدين بن عبد السلام بن عبد العزيز بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي أبو محمد. شيخ الإسلام، سلطان العلماء. ولد سنة سبع - أو ثمان - وسبعين وخمسمائة، وتفقه على الفخر بن عساكر، وأخذ الأصول عن السيف الأبذي، وسمع الحديث من عمر بن طبرزد وغيره، وبرع في الفقه والأصول العربية. قال
стр. 320
الذهبي في العبر: انتهت إليه معرفة المذهب، مع الزهد والورع، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقدم مصر، فأقام بها أكثر من عشرين سنة؛ ناشرا العلم، آمرا بالمعروف، ناهيا للمنكر، يغلظ على الملوك فمن دونهم. ولما دخل مصر بالغ الشيخ زكي الدين المنذري في الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، وقال: كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه. وألقى التفسير بمصر دروسا. وهو أول من فعل ذلك.
وله من المصنفات: تفسير القرآن، ومجاز الفرسان، والفتاوي الموصلية، ومختصر النهاية، وشجرة المعارف، والقواعد الكبرى والصغرى، وبيان أحوال الناس يوم القيامة.
وله كرامات كثيرة، ولبس خرقة التصوف من الشهاب السهروردي. وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي: قيل لي: ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وما على وجه الأرض مجلس في الحديث أبهى من مجلس الشيخ زكي الدين عبد العظيم، وما على وجه الأرض مجلس في علم الحقائق أبهى من مجلسك!
وقال ابن كثير في تاريخه: انتهت إليه رياسة المذهب، وقصد بالفتاوي من الآفاق، ثم كان في آخر عمره لا يتقيد بالمذهب، بل اتسع نطاقه، وأفتى بما أدى إليه اجتهاده. وقال تلميذه ابن دقيق العيد: كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء.
وقال الشيخ جمال الدين بن الحاجب: ابن عبد السلام أفقه من الغزالي. وحكى القاضي عز الدين البكاري أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرة بشيء، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له ابن عبد السلام بكذا، فلا يعمل به،
стр. 321
فإنه خطأ. قال القطب اليونيني: وكان مع شدته وصلابته حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، يحضر السماع ويرقص فيه.
وقال ابن كثير: كان لطيفا يستشهد بالأشعار، توفي بمصر عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة (١) .
٦٩- القرافي العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الصنهاجي البهنسي المصري. أحد الأعلام. انتهت إليه رياسة المالكية في عصره، وبرع في الفقه وأصوله والعلوم العقلية، ولازم الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي، وأخذ عنه أكثر فنونه، وألف التصانيف الشهيرة كالذخيرة والقواعد وشرح المحصول والتنقيح في الأصول وشرحه وغير ذلك. قال القاضي تقي الدين بن شكر: أجمع المالكية والشافعية على أن أفضل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة: القرافي، وناصر الدين بن المنير وابن دقيق العيد. مات في جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة (٢) .
٧٠- ابن المنير العلامة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندراني. أحد الأئمة المتبحرين في العلوم من التفسير والفقه والأصلين والنظر والعربية والبلاغة والأنساب. أخذ عن جماعة منهم ابن الحاجب. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد بقوص وابن المنير بالإسكندرية. ومن تصانيفه تفسير القرآن والانتصاف من الكشاف وأسرار الإسراء، ومناسبات تراجم البخاري، ومختصر التهذيب في الفقه. ولد سنة عشرين
стр. 322
وستمائة. ومات في أول ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين بالإسكندرية (١) .
٧١- أخوه زين الدين علي قاضي الإسكندرية بعد أخيه. قرأ على ابن الحاجب وغيره، وكان بعض الفضلاء يفضله على أخيه، وإن كان هو أشهر منه. وله شرح عظيم على البخاري. قال ابن فرحون (٢) : وكان ممن له أهلية الترجيح والاجتهاد في مذهب مالك.
٧٢- ابن دقيق العيد الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن الشيخ مجد الدين علي بن وهب بن مطيع القشيري القوصي. قال ابن السبكي في الطبقات: شيخ الإسلام الحافظ الزاهد الورع الناسك المجتهد المطلق ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين، والسالك سبيل السادة الأقدمين. أكمل المتأخرين. ولد بظهر البحر الملح قريبا من ساحل الينبع وأبواه متوجهان من قوص للحج يوم السبت خامس عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، ونشأ بقوص وتفقه بها، ثم رحل إلى مصر والشام، وسمع الكثير. وأخذ من الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وحقق العلوم، ووصل إلى درجة الاجتهاد، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وشدت إليه الرحال. قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجل منه فيمن رويت. وكان للعلوم جامعا، وفي فنونها بارعا؛ مقدما في معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردا بهذا الفن النفيس في زمانه، بصيرا بذلك، شديد النظر في تلك المسالك، أذكى ألمعية، وأزكى لوذعية، لا يشق له غبار، ولا يجري معه سواه في مضمار، وكان حسن الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب، بنُكَت تسحر الألباب، وفكر تستفتح له ما استغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم،
стр. 323
مبينا ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مبرزا في العلوم النقلية والعقلية، والمسالك الأثرية والمدارك النظرية، بحيث يقضى له من كل علم بالجميع، وسمع بمصر والشام والحجاز، على تحر في ذلك واحتراز، ولم يزل حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، وقف نفسه على العلوم وقصرها، ولو شاء العاد أن يحصر كلماته لحصرها؛ ومع ذلك فله بالتجريد تخلق، وبكرامات الصالحين تحقق، وله مع ذلك في الأدب باع، وكرم طباع، لم يخل في بعضها من حسن انطباع، حتى لقد كان الشهاب محمود الكاتب المحمود في تلك المذاهب، يقول: لم تر عيني آدب منه. وقال أبو حيان: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد.
قال الشيخ تاج الدين السبكي: ولم أر أحدا من أشياخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة، المشار إليه في الحديث؛ فإنه أستاذ زمانه علما ودينا.
وله مصنفات، منها الإلمام في الحديث وشرحه الذي لم يؤلف أعظم منه لما فيه من الاستنباطات العظيمة، وشرح العمدة، والاقتراح في مصطلح الحديث، وشرح العنوان في أصول الفقه، وكتاب في أصول الدين، وله ديوان خطب، وشعر حسن.
مات يوم الجمعة حادي عشر صفر سنة اثنتين وسبعمائة (١) .
ورثاه الشرف محمد بن محمد بن عيسى القوصي بقوله:
سيطول بعدك في الطلول وقوفي ... أروي الثرى من مدمعي المذروف
أبكي على فقد العلوم بأسرها ... والمكرمات بناظر مطروف
أمحمد بن علي بن وهب دعوة ... من قلب مشجون الفؤاد أسيف
لو كان يقبل فيك حتفك فدية ... لفديت من علمائنا بألوف
أو كان من جمر المنايا مانع ... منعتك سمر قنا وبيض سيوف
стр. 324
ما كنت في الدنيا على الدنيا إذا ... ولت بمحزون ولا مأسوف
سلمت عداتك لا عداتك كلها ... مذ كنت من مطل ومن تسويف
يا طالبي المعروف أين مسيركم ... مات الفتى المعروف بالمعروف
المشتري العليا بأغلى قيمة ... من غير ما بخس ولا تطفيف
ما عنف الجلساء قط ونفسه ... لم يخلها يوما من التعنيف
يا مرشد الفتيا إذا ما أشكلت ... طرق الصواب ومنجد الملهوف
من للضعيف يعينه أنى أتى ... مستصرخا يا غوث كل ضعيف
من لليتامى والأرامل كافل ... يرجونه في شتوة ومصيف
لم يثن عزمك من مواصلة العلا ... حسناء ذات قلائد وشنوف
أفنيت عمرك في تقى وعبادة ... وإفادة للعلم أو تصنيف
وسبحت في بحر العلوم مكابدا ... أمواجه والناس دون السيف
وبذلت سائر ما حويت فلم تدع ... لك من تليد في العلا وطريف
يا شمس مالك تطلعين ألم تري ... شمس المعارف غيبت بكسوف
ولأنت كنت أحق من بدر الحجى ... والعلم يا بدر الدجى بخسوف
لهفي على حبر بكل فضيلة ... علياء من زمن الصبا مشغوف
كان الخفيف على تقي مؤمن ... لكن على الفجار غير خفيف
تبكي العلوم كأنها ليلى على ... فقدانه وكأنه ابن طريف
أمنت أحاديث الرسول به من الـ ... ـتبديل والتحريف والتصحيف
والشرع يخشى عودة الداء الذي ... قد كان منه على يديه عوفي
عم المصاب به الطوائف كلها ... لما ألم وخص كل حنيف
ومضى وما كتبت عليه كبيرة ... من يوم حل بساحة التكليف
стр. 325
بشراك يابن علي العالي الذرا ... إذ بت ضيفا عند خير مضيف
وخلعت من كبد الحسود ورومة الـ ... ـجاني البغيض وجزت كل مخوف
ولقد نزلت على كريم غافر ... بالنازلين كما علمت رءوف
صبرا بنيه قوة من بعده ... صبر الكريم الماجد الغطريف
والله لو وفيتموه من حقه ... شيئا فليس الحزن فيه بموفي
٧٣- ابن الرفعة الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري. واحد مصر، وثالث الشيخين: الرافعي والنووي: في الاعتماد
عليه في الترجيح. قال الإسنوي: كان إمام مصر بل سائر الأمصار، وفقيه عصره في جميع الأقطار، لم يُخرج إقليم مصر بعد ابن الحداد مَنْ يدانيه، ولا يُعلم في الشافعية مطلقا بعد الرافعي من يساويه؛ كان أعجوبة في استحضار كلام الأصحاب؛ لا سيما من غير مظانه، وأعجوبة في معرفة نصوص الشافعي، وأعجوبة في قوة التخريج.
ولد بالفسطاط سنة خمس وأربعين وستمائة، وتفقه على السديد والظهير التزمنتي وعلى الشريف العباسي، ودرس بالمعزية بمصر، وولي حسبة مصر، وصنف التصنيفين العظيمين: الكفاية في عشرين مجلدا، والمطلب في ستين مجلدا. وله النفائس في هدم الكنائس، وتأليف في المكيال والميزان. مات بمصر في ثاني عشر رجب سنة عشر وسبع مائة (١) .
٧٤- ابن الزملكاني العلامة كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري. قال الذهبي: كان عالم العصر، وكان من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، تخرج به الأصحاب. مولده بدمشق في شوال سنة
стр. 326
سبع وستين وستمائة، وقرأ الأصول على الصفي الهندي، والنحو على بدر الدين بن مالك، وألف عدة تصانيف، وطلب لقضاء مصر، فقدم: فمات ببلبيس في سادس عشر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وحمل إلى القاهرة ميتا، ودفن قريبا من قبر الإمام الشافعي ﵁ (١) .
٧٤- السبكي العلامة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن تمام بن حماد بن يحيى بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري. قال ولده في الطبقات: الإمام الفقيه المحدث الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الأديب الجدلي الخلافي النظار، شيخ الإسلام بقية المجتهدين، المجتهد المطلق. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وتفقه على ابن الرفعة، وأخذ الحديث عن الشرف الدمياطي، والتفسير عن العلم العارقي، والقراءات عن التقي بن الصائغ، والأصول والمعقول عن العلاء الباجي، والنحو عن أبي حيان. وصحب في التصوف الشيخ تاج الدين بن عطاء الله، وانتهت إليه
رياسة العلم بمصر. قال الإسنوي: كان أنظر من رأيناه من أهل العلم ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة وأجلدهم على ذلك. وقال الصلاح الصفدي: الناس يقولون: ما جاء بعد الغزالي مثله، وعندي أنهم يظلمونه بهذا وما هو عندي إلا مثل سفيان الثوري، وقال ابنه في الترشيح: قال الشيخ شهاب الدين بن النقيب، صاحب مختصر الكفاية وغيرها من المصنفات: جلست بمكة بين طائفة من العلماء وقعدنا نقول: لو قدر الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدا عارفا بمذاهبهم أجمعين يركب لنفسه مذهبا من الربعة، بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها، لازدان الزمان به، وانقاد الناس، فاتفق رأينا على أن هذه الرتبة لا تعدو الشيخ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه.
стр. 327
وله من المصنفات الجليلة الفائقة التي حقها أن تكتب بماء الذهب، لما فيها من النفائس البديعة، والتدقيقات النفيسة؛ منها الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم، تكملة شرح المهذب للنووي وصل فيه إلى أثناء التفليس، الابتهاج في شرح المنهاج وصل فيه إلى الطلاق. الرقم الإبريزي شرح مختصر التبريزي، التحقيق في مسألة التعليق، رفع الشقاق في مسألة الطلاق، أحكام كل وما عليه تدل، بيان حكم الربط في اعتراض الشرط، شفاء السقام في زيارة خير الأنام، السيف المسلول على من سب الرسول، التعظيم والمنة، في "لتؤمنن به ولتنصرنه"، منية الباحث عن حكم دين الوارث، الرياض الأنيقة وقسمة الحديقة، الإقناع في إفادة "لو" للامتناع، وشي الحلا في تأكيد النفي بلا، الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ضرورة التقدير في تقويم الخمر والخنزير، كيف التدبير في تقويم الخمر والخنزير، السهم الصائب في قبض دين الغائب، الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق، فصل المقال في هدايا العمال، مختصره، نور المصابيح في صلاة التراويح، ضياء المصابيح، ضوء المفاليح، تقييد التراجيح؛ ومصنفان آخران في ذلك، تكملة سبعة أجزاء، إبراز الحكم من حديث رفع القلم، الكلام على حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، كشف الغمة في ميراث أهل الذمة، الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق، الطوالع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة، النقول والمباحث المشرقة، طليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر، القول الصحيح في تعيين الذبيح، القول المحمود في تنزيه داود، قطف النور مسائل الدور، الدَّوْر في الدور؛ وله فيه مؤلف ثالث ورابع وخامس، عقود الجمان في عقود الرهن والضمان، ورد الغلل في العلل، البصر الناقد في لا كملت كل واحد، الجمع في الحضر بعذر المطر، حسن الصنيعة في ضمان الوديعة، التهدي إلى معنى التعدي، بيان المحتمل في تعدية العمل، الحكم والأناه في إعراب قوله: "غير ناظرين إناه"، القول الجد
стр. 328
في تبعية الجد، الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض، المواهب الصمدية في المواريث الصفدية، تفسير ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية، كشف الدسائس في هدم الكنائس، تنزيل السكينة على قناديل المدينة، الطريقة النافعة في المساقاة والمخابرة والمزارعة، من أقسطوا ومن غَلَوا في حكم من يقول لو، نيل العلا في العطف بلا، حفظ الصيام عن فوت التمام، معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. القول المختطف في أدلة "كان إذا اعتكف"، كشف اللبس عن المسائل الخمس، غيرة الإيمان الجلي لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بيع المرهون في غيبة المديون، الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص، تسريح الناظر في انعزال الناظر، جزء في تعدد الجمعة؛ وغير ذلك. وله فتاوى كثيرة جمعها ولده في ثلاثة مجلدات.
توفي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل، يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة (١) .
ورثاه شاعر العصر الأديب جمال الدين بن نباتة بقوله (٢) :
نعاه للفضل والعلياء والنسب ... ناعيه للأرض والأفلاك والشهب
ندب رأيناه وجوب الندب حين مضى ... فأي حزن وقلب فيه لم يجب
نعم إلى الأرض ينعى والسماء علا ... فقيدكم يا سراة المجد والحسب
بالعلم والعمل المبرور قد ملئت ... أرض بكم وسماء عن أب فأب
مقدم ذكر ماضيكم ووارثه ... في الوقت تقديم بسم الله في الكتب
آها لمجتهد في العلم يندبه ... من بات مجتهدا في الحزن والحرب
بينا وفود العلا والعلم ينزلهم ... إذ نازلتنا الليالي فيه عن كثب
стр. 329
وأقبلت نوب الأيام ثائرة ... إذ كان عونا على الأيام والنوب
ففاجأتنا يد التفريق مسفرة ... عن سفرة طال فيها شجو مرتقب
وجاء من نحو مصر مبتدا خبر ... لكن به السمع منصوب على النصب
قالت دمشق بدمع النهر واخبرا ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وكلمتنا سيوف الكتب قائلة ... السيف أصدق إنباء من الكتب
وقال موت فتى الأنصار مغتبطا ... الله أكبر كل الحسن في العرب
لقد طوى الموت من ذاك الفريد حلى ... كانت جلا الدين والأحكام والريب
وخص مغنى دمشق الحزن متصلا ... بفرقتين أبانتها على وصب
بين وموت يئوب الغائبون ومن ... يجمع له مقسما بالله لم يؤب (١)
كادت رياح الأسى والشجو يعكسها ... حتى الغصون بها معكوسة العذب
والجامع الرحب أضحى صدره حرجا ... والنسر ضم جناحيه من الرهب
وللمدارس هم كاد يدرسها ... لولا تدارك أبناء له نجب
من للهدى والندى لولا بنوه ومن ... للفضل يسحب أذيالا على السحب
من للفتوة والفتوى يجالسه ... في الضيعتين وللآداب والأدب
من للتواضع حيث القدر في صعد ... على النجوم وحيث الحكم في صبب
أمضى من النصل في نصر الهدى فإذا ... سلت نصال العدى أوفى من النكب
من للتصانيف فيها رتبة وهدى ... ورجم باغ فيا لله من شهب
من للفضائل والإفضال قد جمعت ... متن السراة إلى دان بها درب
ذو همة في العلا والعلم قد بلغت ... شأو السماك وما ينفك في دأب
стр. 330
من للتهجد أو من للدعا بسطت ... به الوجود فينا راحتا تعب
حتى رأى العلم شفع الشافعي به ... فقال من ذا وذا أدركت مطلبي
من للمدائح فيه قد جلت وصفت ... كأنما افتر منها الطرس عن شنب
من للمدائح قد قامت خطابتها ... على معاليه في قاص ومقترب
لهفي وقد لبست حزنا لفرقته ... مدادها أسطر الأشعار والخطب
لهفي لمظلم مدح فكر أجمعهم ... بالهم لا بالذكا أمسى أبا لهب
كأن أيدي الورى تبت وقد قعدت ... من عي أقلامها حمالة الحطب
لهفي على الظهر في عرض وفي سعة ... وفي لسان وفي حلم وفي غضب
واقي الشريعة من تخليط من جهلوا ... فما يخوضون في جد ولا لعب
محجب غير ممنوع اللقا بسنا ... عليائه ومهيب غير محتجب
أضحى لسبك فخار من مناقبه ... على العراق فخار غير منتقب
لهفي لعلمين: مروي ومجتهد ... لهفي لفضلين: موروث ومكتسب
آها لمرتحل عنا وأنعمه ... مثل الحقائب والطلاب والحقب
إيمان حب على الأوطان حركه ... حتى قضى نحبه يا طول منتحب
لهفي لكل وقور من بنيه بكى ... وهو الصواب بصوب واكف السرب
وكل نادبة للحجب قلن لها ... يا أخت خير أخ يا بنت خير أب (١)
إلى الحسين انتهى مسرى علي فلا ... منيت يا خارجي الهم بالغلب
يا ثاويا والثنا والمجد ينثره ... بقيت أنت وأفنتنا يد الكرب
نم في مقام نعيم غير منقطع ... ونحن في نار حزن غير متئب
стр. 331
سهام حزن قسمناها عليك فإن ... تقسم برق وإن ترم الحشا تصب
ما أعجب الحال لي قلب بمصروفي ... دمشق جسم ودمع العين في حلب
من لي بمصر التي ضمتك تجمعنا ... ولو بطون الثرى فيها فيا طربي
بالرغم منا رثاء بعد مدحك لا ... يسلي ونحن مع الأيام في لجب
ما بين أكبادنا والهم فاصلة ... ولا نرى لصنيع الشعر من سبب
أما القريض فلولا نسلكم كسدت ... أسواقه وعدت مقطوعة الجلب
قاضي القضاة عزاء عن إمام تقي ... بالفضل أوصى وصاة المرء بالعقب
فأنت في رتبة عليا وما وسقت ... بحر يحدث عنه البحر بالعجب
ما غاب عنا سوى شخص لوالدكم ... وعلمه والتقى والجود لم يغب
جادت ثراك أبا السادات سحب رضا ... تزهى بذيل على مثواك منسحب
وسار نحوك منا كل شارقة ... سلام كل شجي القلب مكتئب
تحية الله نهديها ونتبعها ... فبعد فقدك ما في العيش من أرب
وخفف الحزن أنا لاحقون بمن ... مضى فامضي شباة الحارب الدرب
إن لم يسر نحونا سرنا إليه على ... أيامنا والليالي الدهم والشهب
إنا من الترب أشباح مخلقة ... فلا عجيب مآل الترب للترب
ورثاه الصلاح الصفدي بقوله:
أي طود من الشريعة مالا ... زعزعت ركنه المنون فمالا
أي ظل قد قلصته المنايا ... حين أعيا على الملوك انتقالا
أي بحركم فاض بالعلم حتى ... كان منه بحر البسيطة آلآ
أي حبر مضى وقد كان بحرا ... فاض للواردين عذبا زلالا
أي شمس قد كورت في ضريح ... ثم أبقت يضي وهلالا
стр. 332
مات قاضي القضاة من كان يرقى ... رتب الاجتهاد حالا فحالا
مات من فضل علمه طبق الأ ... رض مسيرا وما تشكى كلالا
كان كالشمس في العلوم إذا ما ... أشرقت أصبح الأنام ذبالا
كان كل الأنام من قبل ذا العص ... ر عليه في كل علم عيالا
كان فرد الوجود في الدهر يزهى ... بمعالي أهل العلوم جمالا
فمضوا قبله وكان ختاما ... بعدهم فاعتدى الزمان وصالا
كملت ذاته بأوصاف علم ... علم البدر في الدياجي الكمالا
وأنام الأنام في مهد عدل ... شمل الخلق يمنة وشمالا
فلمن بعده نسد رحابا ... ولمن بعده نشد رحالا
وهو إن رمت مثله في علاه ... لم تجد في السؤال عنه سوى لا
أحسن الله للأنام عزاهم ... فهمو بالمصاب فيه ثكالى
ومصاب السبكي قد سبك القلـ ... ـب وأودى منا الجلود انتحالا
خزرجي الأصول لو فاخر النجـ ... ـم علا مجده عليه وطالا
خلق كالنسيم مر على الرو ... ض سحيرا وعرفه قد توالى
ويد جودها يفوق الغوادي ... تلك ما أنعمت ودامت نوالا
أيها الذاهب الذي حين ولى ... صار منه عز الدموع مذالا
لو أفاد الفداء شخصا لجدنا ... بنفوس على الفدا لا تغالى
نفس طال ما تنفس عنها ... منك كرب يكظها واستحالا
أنت بلغتها المنى في أمان ... فاستفادت عزا وعزت منالا
من لنا إن درجت شجوا شكونا ... من أذاها في الدهر داء عضالا
كنت تجلو ظلامها ببيان ... حل من عقلنا الأسير عقالا
стр. 333
من يعيد الفتوى إلى كل قطر ... منه جاءت جوابها يتلالا
قد أصبت الصواب فيها وأهديـ ... ـت هداها وقد محوت الضلالا
فيقول الورى إذا ما رأوها ... هكذا هكذا وإلا فلالا
فليقل ما يشا أما جاء أن ال ... موت أردى الغضنفر الرئبالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الموت وحده والنزالا (١)
قد تقضي قاضي القضاة تقي الد ... ين سبحان من يزيل الجبالا
فالدراري من بعده كاسفات ... وإذا ما بدا نراها خجالى
كان طودا في علمه مشمخرا ... مد في الناس من بنيه ظلالا
فبه عزها ونعمة تاج ... فوق فرق العلاء رف اعتدالا
هو قاضي القضاة صان حماه ... من عوادي الزمان ربى تعالى
وهداه للحكم في كل يوم ... فيه يرعى الأيتام والأطفالا
وحباه الصبر الجميل ووفا ... هـ ثوابا يزجي سحابا ثقالا
ليفيد العدا جلادا ويعدو ... فيعيد الندى ويبدي الجدالا
٧٥- ولده قاضي القضاة تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب. ولد بمصر سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ولازم الاشتغال بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر وهو شاب، وصنف كتبا نفيسة، وانتشرت في حياته، وألف وهو في حدود العشرين. كتب مرة ورقة إلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة، وهو مقبول فيما قال عن نفسه.
ومن تصانيفه: جمع الجوامع ومنع الموانع، وشرح مختصر ابن الحاجب، وشرح منهاج البيضاوي، والتوشيح، والطبقات، ومفيد النعم وغير ذلك. مات عشية
стр. 334
يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة (١) .
٧٦- البلقيني شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، مجتهد عصره، وعالم المائة الثامنة.
ولد في ثاني عشر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن ابن عدلان والتقي والسبكي، والنحو عن أبي حيان، وبرع في الفقه والحديث والأصول، وانتهت إليه رياسة المذاهب والإفتاء، وبلغ رتبة الاجتهاد. وله ترجيحات في المذهب خلاف ما رجحه النووي، وله اختيارات خارجة عن المذهب، وأفتى بجواز إخراج الفلوس في الزكاة، وقال: إنه خارج عن مذهب الشافعي.
وله تصانيف في الفقه والحديث والتفسير منها، حواشي الروضة، وشرح البخاري، وشرح الترمذي، وحواشي الكشاف.
وولي تدريس الخشابية وغيرها، وتدريس التفسير بالجامع الطولوني.
وكان البهاء ابن عقيل يقول: هو أحق الناس بالفتوى في زمانه، مات في عاشر ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة.
وسمعت ولده شيخنا قاضي القضاة علم الدين يقول: ذكر الشيخ كمال الدين الدميري أن بعض الأولياء قال له: إنه رأى قائلا يقول: إن الله يبعث على رأس كل مائة لهذه الأمة من يجدد لها دينها، بدئت بعمر، وختمت بعمر.
قلت: ومن اللطائف أن شرط المبعوثين على رءوس القرون مصريون: عمر بن عبد العزيز في الأولى، والشافعي في الثانية، وابن دقيق العيد في السابعة، والبلقيني في الثامنة؛ وعسى أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة من أهل مصر.
وقال الحافظ ابن حجر يرثي البلقيني، وضمنها رثاء الحافظ أبي الفضل العراقي:
стр. 335
يا عين جودي لفقد البحر بالمطر ... واذري الدموع ولا تبقي ولا تذري
لو رد ترداد دمع ذاهبا سبقت ... شهب الدموع بعيني جرية النهر
تسقي الورى فمتى لام العذول أقل ... دعها سماوية تجري على قدر
يا سائلي جهرة عما أكابده ... عدتك حالي لا سري بمستتر (١)
لم يعل مني سوى أنفاسي الصعدا ... ولست أبصر دمعي غير منحدر
أقضي نهاري في غم وفي حزن ... وطول ليلي في فكر وفي سهر
وغاص قلبي في بحر الهموم أما ... ترى سقيط دموعي منه كالدرر
فرحمة الله والرضوان تشمله ... سلامة ما بكى باك على عمر
بحر العلوم الذي ما كدرته دلا ... من المسائل إن تشكل وإن تذر
والحبر كم حبرت طرسا براعته ... حتى تجانس بين الحبر والحبر
لم أنس حين يحف الطالبون به ... مثل الكواكب إذ يحففن بالقمر
فيقسم العلم في مفت ومبتدئ ... كقسمة الغيث بين النبت والشجر
ولم يخص ببشر منه ذا نسب ... بل عمهم فضله بالبشر والبشر
لقد أقام منار الدين متضحا ... سراجه فأضاء الكون للبشر
في القرن الأول والقرن الأخير لقد ... أحيا لنا العمران الدين عن قدر
في الاسم والعلم والتقوى قد اجتمعا ... وإنما افترقا في العصر والعمر
لكن أضاء سراج الدين منفردا ... وذاك مشترك في سبعة زهر
من للفضائل أو من للفواضل أو ... من للمسائل يلقيها بلا ضجر
من للفوائد أو من للعوائد أو ... من للقواعد يبنيها بلا خور
стр. 336
من للفتاوى وحل المشكلات إذا ... جل الخطاب وظل القوم في فكر
لمن يكون اختلاف الناس إن نعقت ... عمياء والحكم فيها غير مستطر
قالوا إذا عضلت نبه لها عمرا ... ونم فمن بعده للمشكل العسر
من لو رآه ابن إدريس الإمام إذا ... أقر أو قر عينا منه بالنظر
قد كان بالأم برا حين هذبها ... تهذيب منتصر للحق معتبر
ترى خوارق في استنباطه عجبا ... يردها العقل لولا شاهد البصر
قالت حواسده لما رأوا غررا ... من بحثه خبرها يربو على الخبر
الله أكبر ما هذا سوى ملك ... وحاش لله ما هذا من البشر
عهدي بأكبرهم قدرا بحضرته ... مثل البغاث لدى صقر من الصغر
محدث قل لمن كانوا قد اجتمعوا ... ليسمعوا عنه فزتم منه بالوطر
علوتم فتواضعتم على ثقة ... لما تواضع أقوام على غرر
محقق كم له بالفتح من مدد ... تحقيق رجوى نبي الله في عمر
حكى الجنيد مقامات بها فله ... تذكير ناس وتنبيه لمدكر
وبابه يتلقى فيه قاصده ... بشر وسهل ومعروف به وسرى
لو قال هذي السواري الخشب من ذهب ... قامت له حجج يشرقن كالدرر
وإن تكلم يوما في مناظرة ... يدق معناه عن إدراك ذي نظر
سل ابن عدلان عن تحقيقه وأبا ... حيان واعدل إذا حكمت واعتبر
مسدد الرأي حجاج الخصوم غدا ... في سعيه خير حجاج ومعتمر
كم حجة وغزاة قد سما بهما ... وكم حوى عمر الخيرات من عمر
أصم ناعيه آذانا، وقيد أذ ... هانا وأطلق أجفانا لمنكسر
سعى إلينا به يوم الوقوف فما ... أجابه الركب إلا بالثنا العطر
стр. 337
نعاه في يوم تعريف الحجيج فقد ... عجوا وضجوا أسى من حادث نكر
يا من له جنة المأوى غدت نزلا ... ارقد هنيئا فقلبي منك في سفر
حباك ربك بالحسنى ورؤيته ... زيادة في رضاه عنك فافتخر
أزال عنك تكاليف الحياة فما ... تتلو إذا شئت إلا آخر الزمر
أوحشت صحف علوم كنت تجمعها ... ومنزلا بك معمورا من الخفر
لم يستملك لشاد أو لغانية ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
لكن عكفت على استنباط مسألة ... أو حل معضلة أعيت على الفكر
بالنصر قمت لنص تستدل به ... كالسيف دل على التأثير بالأثر
طويت عنا بساط العلم معتليا ... فاهنأ بمقعد صدق عند مقتدر
كنانة لك مأوى وهي منتسب ... الدار مصر غدت والبيت في مضر
تحمي قسي ركوع مع سهام دعا ... تحل حاشاك من خاط ومن خطر
بضعا وستين عاما ظلت منفردا ... برتبة العلم فيها أي مشتهر
فما برحت مجدا للعلا يقظا ... ولا انتبهت إلى كأس ولا وتر
قد كنت تحمي حمى الإسلام مجتهدا ... حتى تقلد منه الجيد بالدرر
فرقت جمع عدو الدين حيث نجوا ... بجمعهم بين تأنيث ومنكسر
طعنت غير محاب في مقالتهم ... بالسمهرية دون الوخز بالإبر
طورا بسيف الهدى في الملحدين سطا ... تارة بسهام الذكر في التتر
رزء عظيم يسر الملحدون به ... كالإتحادي والشيعي والقدري
ليت الليالي أبقت واحدا جمعت ... فيه هداية أهل النفع والضرر
وليتها إذ فدت عمرا فدت عمرا ... يطالبيه وأولاهم بذي عمر
هيهات لو قبل الموت الفدا بذلت ... في الشيخ من غير ثنيا أنفس البشر
стр. 338
عجبي لقبر حواه إنه عجب ... إذ بان منه اتساع الصدر للبحر
لهفي على فقد شيخ المسلمين لقد ... جل المصاب وفيه عز مصطبري
لهفي عليه سراجا كان متقدا ... يسمو ذكا بذكاء غير منحسر
لولا نداه خشينا نار فكرته ... لكنه بنداه مطفئ الشرر
من ناره ظل بحر النيل محترقا ... حزنا ألا فاعجبوا من فطنة النهر
لهفي وهل نافعي إبداع مرثية ... وكيف يغني كبير القلب بالفقر
لهفي عليه لليل كان يقطعه ... نفلا وذكرا وقرآنا إلى السحر
لهفي عليه لعلم كان يجمعه ... يشق فيه عليه فرقه السهر
لهفي عليه لعان كان ينفعه ... فعلا وقولا فما يؤتى من الحصر
لهفي عليه لضد كان يدفعه ... عن الخلائق من بدو ومن حضر
نعم ويا طول حزني ما حييت على ... عبد الرحيم فحزني غير مقتصر
لهفي على حافظ العصر الذي اشتهرت ... أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر
علم الحديث انقضى لما قضى ومضى ... والدهر يفجع بعد العين بالأثر
لهفي على فقد شيخي اللذين هما ... أعز عندي من سمعي ومن بصري
لهفي على من حديثي من كمالهما ... يحيي الرميم ويلهي الحي عن سمر
اثنان لم يرتق النسران ما ارتقيا ... نسر السما إن يلح والأرض إن يطر
ذا شبه فرخ عقاب حجة صدقت ... وذا جهينة إن يسأل عن الخبر
لا ينقضي عجبي عن وفق عمرهما ... العام كالعام حتى الشهر كالشهر
عاشا ثمانين عاما بعدها سنة ... وربع عام سوى نقص لمعتبر
الدين تتبعه الدنيا مضت بهما ... رزية لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه ... بدر الدياجي زين الدين في الأثر
стр. 339
ما أظلم الأفق في عيني وقد أفلت ... شمس المنيرة عني وامحي قمري
قد ذقت من بين أحبابي العذاب وهم ... لاح النعيم فساروا سير مبتدر
يا قلب ساروا وما وافقتهم فعلوا ... إلى الرفيق لدى الجنات والنهر
وعشت بعد نواهم مظهرا جلدا ... تكابد الشوق ما أقساك من حجر
وأنت يا طرف لا تنظر لغيرهم ... ما أنت عندي إن تنظر بذي نظر
ولا يغرنك بشر من خلافهم ... ولو أنار فكم نور بلا ثمر
وقل لأسود عيني بعد أبيضه ... يا آخر الصفو هذا أول الكدر
ما بعدهم غاية يا موت تطلبها ... بلغت للأفق في المرقى فلا تطر
بدور تم خلت منهم منازلهم ... والقلب ذو كدر والطرف ذو سهر
غصون روض ذوت في التراب أوجههم ... واوحشتاه لذاك المنظر النضر
دمعي عليهم وشعري في رثائهم ... كالدر ما بين منظوم ومنتثر
دارت كئوس المنايا حين غبت على ... أحباب قلبي فليت الكأس لم تدر
خرجت أنى ألقاهم ففات، فقد ... زهدت في وطني إذ فاتني وطري
لقد رجونا لها قاضي القضاة جلا ... ل الدين حيث لنا أدى السفر
ولى عهد أبيه كان نص على اس ... تخلافه، فانتظر يا خير منتظر
فتى سن وفي المقدار شبه أب ... هذا اتفاق فتى السن والكبر
جارى أباه وأخلق أن يساويه ... والبدر في شفق كالبدر في سحر
له مناقب تسري ما سرى قمر ... وسيرة سار فيها أعدل السير
علم وحلم وعدل شامل وتقى ... وعفة ونوال غير منحصر
خلائق في العلا لما سمعت ونمت ... فاحت ولاحت لنا كالزهر والزهر
يا كامل الأصل داني الفضل وافره ... بسيط فضل العطايا غير منبتر
стр. 340
يا سيدا في المعالي طال مطلبه ... ملكتها عنوة بالحق فاقتصر
إن فهت بالفقه فقت الأقدمين ذكا ... وصلت بالحق صول الصارم الذكر
وإن تكلمت في الأصلين فاعل وطل ... وقل ولا فخر مالرازي بمفتخر
وإن تفسر تحقق كل مشتبه ... وسيف ذهنك شفاق على الطبري
وليس يرفع رأسا سيبويه إذا ... نصبت للنحو طرفا غير منكسر
ومن قديم زمان للحديث لقد ... رقيت في الحفظ والعليا إلى الزهر
مولاي صبرا فما يخفاك أن لنا ... في رزئنا أسوة في سيد البشر
واعذر محبك في إبطاء تعزية ... لغربة ظلت فيها أي معتذر
ولا تقولن لي في غير معتبة ... علي لما أطلت المكث في سفري
أبعد حول توافينا بمرثية ... هلا ونحن على عشر من العشر
وحق رأسك لولا القرب منك لما ... راجعت فكري ولا حققت في نظري
بأي ذهن أقول الشعر وبي ... غم يغم على الألباب والفكر
فكر وحزن بقلبي والحشا سكنا ... وغربة ظلت فيها أي منكسر
هذا على أن رزء الشيخ ليس له ... عندي انقضاء إلى أن ينقضي عمري
فقدت في سفري إذ مات منه دعا ... فالفقد أوجد ما لاقيت في سفري
دامت على لحده سحب الرضا ديما ... ما ناحت الورق في الآصال والبكر
أيقنت أن رياضا قبره فهمت ... عيني عليه بمنهل ومنهمر
ودم لنا أنت ما عن الهلال وما ... غنى المطوق في زاه من الزهر
ودام مجدك محروسا بأربعة ... العز والنصر والإقبال والظفر
٧٧- ترجمة مؤلف هذا الكتاب عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي.
стр. 341
وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي، فقل أن ألف أحد منهم تاريخا إلا وذكر ترجمته فيه؛ وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة، والحافظ تقي الدين الفارسي في تاريخ مكة، والحافظ أبو الفضل بن حجر في قضاة مصر، وأبو شامة في الروضتين؛ وهو أروعهم وأزهدهم، فأقول:
أما جدي الأعلى همام الدين؛ فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطريق، وسيأتي ذكره في قسم الصوفية، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة؛ منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجرا في صحبة الأمير شيخون، وبنى مدرسة بأسيوط، ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان متمولا، ولا أعرف منهم من خدم العلم حق الخدمة إلا والدي، وسيأتي ذكره في قسم الفقهاء الشافعية.
وأما نسبتنا بالخضيري، فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا بالخضيرية، محلة ببغداد؛ وقد حدثني من أثق به، أنه سمع والدي رحمه الله تعالى يذكر أن جده الأعلى كان أعجميا أو من الشرق؛ فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة، وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرك علي، ونشأت يتيما، فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين ثم حفظت العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك؛ وشرعت في الاشتغال بالعلم، من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي الذي كان
стр. 342
يقال إنه بلغ السن العالية وجاوز المائة بكثير، والله أعلم بذلك؛ قرأت عليه في شرحه على المجموع، وأُجِزتُ بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين.
وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته الاستعاذة والبسملة، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، فكتب عليه تقريظا، ولازمته في الفقه إلى أن مات؛ فلازمت ولده، فقرأت عليه من أول التدريب لوالده إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول الحاوي الصغير إلى العدد، ومن أول المنهاج إلى الزكاة، ومن أول التنبيه إلى قريب من باب الزكاة، وقطعة من الروضة من باب القضاء، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي؛ ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها، وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري.
فلما توفي سنة ثمان وسبعين لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي. فقرأت عليه قطعة من المنهاج، وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالس فاتتني، وسمعت دروسا من شرح البهجة، ومن حاشية عليها، ومن تفسير البيضاوي.
ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبته أربع سنين، وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجردا في حديث؛ فإنه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الجمرا في الإسرا، وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظنته، فلم أجده، فمررت على الكتاب كله، فلم أجده، فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم اجده؛ ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ وأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته، وأخذ القلم فضرب على لفظ ابن ماجه،
стр. 343
وألحق ابن قانع في الحاشية؛ فاعظمت ذلك وهبته لعظم منزله الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي، فقلت: ألا تصبرون، لعلكم تراجعون! فقال: لا، إنما قلدت في قولي ابن ماجه البرهان الحلبي. ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات.
ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة؛ فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك؛ وكتب لي إجازة عظيمة.
وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه، وتلخيص المفتاح، والعضد.
وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه.
وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، ولما حججت شربت من ماء زمزم، لأمور؛ منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.
وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين.
وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنتين وسبعين.
ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع؛ على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي؛ فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه؛ بل شيخي فيه أوسع نظرا، وأطول باعا؛ ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والتوسل والفرائض، ودونها
стр. 344
القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلًا أحمله.
وقد كملت عندي الآن آلات الجهاد بحمد الله تعالى؛ أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله تعالى لا فخرًا؛ وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر! ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئًا في علم المنطق، ثم ألق الله كراهته في قلبي. وسمعت أن أبي الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم.
وأما مشايخي في الرواية سماعًا وإجازة فكثير؛ أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مائة وخمسين؛ ولم أكثر من سماع الرواية لاشتغالي بما هو أهم وهو قراءة الدراية.
وهذه أسماء مصنفاتي لتستفاد:
فن التفسير وتعليقاته والقراءات: الإتقان في علوم القرآن، الدر المنثور في التفسير المأثور. ترجمان القرآن في التفسير. المسند، أسرار التنزيل يسمى قطف الأزهار في كشف الأسرار، لباب النقول في أسباب النزول، مفحمات الأقران في مبهمات القرآن، المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب، الإكليل في استنباط التنزيل، تكملة تفسير الشيخ جلال الدين المحلي، التحبير في علوم التفسير، حاشية على تفسير البيضاوي، تناسق الدرر في تناسب السور، مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع، مجمع البحرين ومطلع البدرين
стр. 345
في التفسير، مفاتيح الغيب في التفسير، الأزهار الفائحة على الفاتحة، شرح الاستعاذة والبسملة، الكلام على أول الفتح، وهو تصدير ألقيته لما باشرت التدريس بجامع شيخون بحضرة شيخنا البلقيني، شرح الشاطبية، الألفية في القراءات العشر، خمائل الزهر في فضائل السور، فتح الجليل للعبد الذليل في الأنواع البديعية المستخرجة من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وعدتها مائة وعشرون نوعًا، القول الفصيح في تعيين الذبيح، اليد البسطى في الصلاة الوسطى، معترك الأقران في مشترك القرآن.
فن الحديث وتعلقاته: كشف المغطى في شرح الموطا، إسعاف المبطا برجال الموطا، التوشيح على الجامع الصحيح، الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، شرح ابن ماجه، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، شرح ألفية العراقي، الألفية وتسمى نظم الدرر في علم الأثر وشرحها يسمى قطر الدرر، التهذيب في الزوائد على التقريب، عين الإصابة في معرفة الصحابة، كشف التلبيس عن قلب أهل التدليس، توضيح المدرك في تصحيح المستدرك، اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، النكت البديعات على الموضعات، الذيل على القول المسدد، القول الحسن في الذب عن السنن، لب اللباب في تحرير الأنساب، تقريب العزيب، المدرج إلى المدرج، تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي، تحفة النابه بتلخيص المتشابه، الروض المكلل والورد المعلل في المصطلح، منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال، المعجزات والخصائص النبوية، شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، والبدور السافرة عن أمور الآخرة، ما وراء الواعون في أخبار الطاعون، فضل موت الأولاد، خصائص يوم الجمعة، منهاج السنة، ومفتاح الجنة، تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش، بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال، مفتاح الجنة في الاعتصام
بالسنة، مطلع البدرين فيمن يؤتى أجرين،
стр. 346
سهام الإصابة في الدعوات المجابة، الكلم الطيب، القول المختار في المأثور من الدعوات والأذكار، أذكار الأذكار، الطب النبوي، كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة، الفوائد الكامنة في إيمان السيدة آمنة، ويسمى أيضًا التعظيم والمنة في أن أبوي النبي ﷺ في الجنة، المسلسلات الكبرى، جياد المسلسلات، أبواب السعادة في أسباب الشهادة، أخبار الملائكة، الثغور الباسمة في مناقب السيدة آمنة، مناهج الصفا في تخريج أحاديث الشفا، الأساس في مناقب بني العباس، در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة، زوائد شعب الإيمان للبيهقي، لم الأطراف وضم الأتراف، أطراف الأشراف بالإشراف على الأطراف، جامع المسانيد، الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة، الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، تخريج أحاديث الدرة الفاخرة، تخريج أحاديث الكفاية يسمى تجربة العناية، الحصر والإشاعة لأشراط الساعة، الدرر المتنثرة في الأحاديث المشتهرة، زوائد الرجال على تهذيب الكمال، الدر المنظم في الاسم المعظم، جزء في الصلاة على النبي ﷺ ، من عاش من الصحابة مائة وعشرين، جزء في أسماء المدلسين، اللمع في أسماء من وضع، الأربعون المتباينة، درر البحار في الأحاديث القصار، الرياضة الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة، المرقاة العلية في شرح الأسماء النبوية، الآية الكبرى في شرح قصة الإسرا، أربعون حديثًا من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، فهرست المرويات، بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد، أزهار الآكام في أخبار الأحكام، الهبة السنية في الهيئة السنية، تخريج أحاديث شرح العقائد، فضل الجلد، الكلام على حديث ابن عباس: "احفظ الله يحفظك"، هو تصدير ألقيته لما وليت درس الحديث بالشيخونية، أربعون حديثًا في فضل الجهاد، أربعون حديثًا في رفع اليدين في الدعاء، التعريف بآداب التأليف، العشاريات، القول الأشبه في حديث: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، كشف النقاب عن الألقاب، نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير،
стр. 347
من وافقت كنيته كنية زوجة من الصحابة، ذم زيارة الأمراء، زوائد نوادر الأصول للحكيم الترمذي، تخريج أحاديث الصحاح يسمى فلق الصباح، ذم المكس، آداب الملوك.
فن الفقه وتعلقاته: الأزهار الغضة في حواشي الروضة، الحواشي الصغرى، مختصر الروضة يسمى القنية، مختصر التنبيه، يسمى الوافي، شرح التنبيه، الأشباه والنظائر، اللوامع والبوارق في الجوامع والفوارق، نظم الروضة يسمى الخلاصة، شرحه يسمى رفع الخصاصة، الورقات المقدمة، شرح الروض، حاشية على القطعة للإسنوي، العذب السلسل في تصحيح الخلاف المرسل، جمع الجوامع، الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع، مختصر الخادم؛ يسمى تصحين الخادم، تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع، شرح التدريب، الكافي، زوائد المهذب على الوافي، الجامع في الفرائض، شرح الرحيبة في الفرائض، مختصر الأحكام السلطانية للماوردي.
الأجزاء المفردة في مسائل مخصوصة على ترتيب الأبواب: الظفر بقلم الظفر، الاقتناص في مسألة التماص، المستطرفة في أحكام دخول الحشفة، السلالة في تحقيق المقر والاستحالة، الروض الأريض في طهر المحيض، بذل العسجد لسؤال المسجد، الجواب الحزم عن حديث التكبير جزم، القذاذة في تحقيق محل الاستعاذة، ميزان المعدلة في شأن البسملة، جزء في صلاة الضحى، المصابيح في صلاة التراويح، بسط الكف في إتمام الصف، اللمعة في تحقيق الركعة لإدراك الجمعة، وصول الأماني بأصول التهاني، بلغة المحتاج في مناسك الحاج، السلاف في التفصيل بين الصلاة والطواف، شد الأثواب في سد الأبواب في المسجد النبوي، قطع المجادلة عند تغيير المعاملة، إزالة الوهن عن مسألة الرهن، بذل الهمة في طلب براءة الذمة، الإنصاف في تمييز الأوقاف، أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب، الزهر الباسم فيما يزوج فيه الحاكم، القول المضي في الحنث في المضي، القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق، فصل الكلام في ذم الكلام، جزيل المواهب
стр. 348
في اختلاف المذاهب، تقرير الإسناد في تيسير الاجتهاد، رفع منار الدين وهدم بناء المفسدين، تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء، ذم القضاء، فضل الكلام في حكم السلام، نتيجة الفكر في الجهر بالذكر، طي اللسان عن ذم الطيلسان، تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، أدب الفتيا، إلقام الحجر لمن زكى سباب أبي بكر وعمر، الجواب الحاتم عن السؤال الخاتم، الحجج المبينة في التفضيل بين
مكة والمدينة، فتح المغالق من أنت طالق، فصل الخطاب في قتل الكلاب، سيف النظار في الفرق بين الثبوت والتكرار.
فن العربية وتعلقاته: شرح ألفية ابن مالك، يسمى البهجة المضية في شرح الألفية، الفريدة في النحو والتصريف والخط، النكت على الألفية والكافية والشافعية والشذور والنزهة، الفتح القريب على مغني اللبيب، شرح شواهد المغني، جمع الجوامع، شرحه يسمى همع الهوامع، شرح الملحة، مختصر الملحة، مختصر الألفية ودقائقها، الأخبار المروية في سبب وضع العربية، المصاعد العلية في القواعد النحوية، الاقتراح في أصول النحو وجدله، رفع السنة في نصب الزنة، الشمعة المضيئة، شرح كافية ابن مالك، در التاج في إعراب مشكل المنهاج، مسألة ضربي زيدًا قائمًا، السلسلة الموشحة، الشهد، شذا العرف في إثبات المعنة للحرف، التوشيح على التوضيح، السيف الصقيل في حواشي ابن عقيل، حاشية على شرح الشذور، شرح القصيدة الكافية في التصريف، قطر الندا في ورود الهمزة للندا، شرح تصريف العزي، شرح ضروري التصريف لابن مالك، تعريف الأعجم بحروف المعجم، نكت على شرح الشواهد للعيني، فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد، الزند الوري في الجواب عن السؤال الكندري.
فن الأصول والبيان والتصوف: شرح لمعة الإشراق في الاشتقاق، الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع، شرحه، شرح الكوكب الوقاد في الاعتقاد، نكت على
стр. 349
التلخيص يسمى الإفصاح، عقود الجمان في المعاني والبيان، شرحه، شرح أبيات تلخيص المفتاح، مختصره، نكت على حاشية المطول لابن الفنري رحمه الله تعالى، حاشية على المختصر، البديعية، شرحها، تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، تشييد الأركان في ليس في الإمكان أبدع مما كان، درج المعالي في نصرة الغزالي على المنكر المتغالي، الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال، مختصر الإحياء، المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة، النقاية في أربعة عشر علمًا، شرحها، شوارد الفوائد، قلائد الفرائد، نظم التذكرة، ويسمى الفلك المشحون، الجمع والتفريق في الأنواع البديعية.
فن التاريخ والأدب: تاريخ الصحابة وقد مر ذكره، طبقات الحفاظ، طبقات النحاة: الكبرى والوسطى والصغرى، طبقات شعراء العرب، تاريخ الخلفاء، تاريخ مصر هذا، تاريخ سيوط معجم شيوخي الكبير يسمى حاطب ليل وجارف سيل، المعجم الصغير يسمى المنتقى؛ ترجمة النووي، ترجمة البلقيني، الملتقط من الدرر الكامنة، تاريخ العمر؛ وهو ذيل على إنباء الغمر، رفع الباس عن بني العباس، النفحة المسكية والتحفة المكية، على نمط عنوان الشرف، درر الكلم وغرر الحكم، ديوان خطب، ديوان شعر، المقامات، الرحلة الفيومية، الرحلة المكية، الرحلة الدمياطية، الرسائل إلى معرفة الأوائل، مختصر معجم البلدان، ياقوت الشماريخ في علم التاريخ، الجمانة، رسالة في تفسير ألفاظ متداولة، مقاطع الحجاز، نور الحديقة من نظم القول، المجمل في الرد على المهمل، المنى في الكنى، فضل الشتاء، مختصر تهذيب الأسماء للنووي، الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية، رفع شأن الحبشان، أحاسن الأقباس في محاسن الاقتباس، تحفة المذاكرة في المنتقى من تاريخ ابن عساكر، شرح بانت سعاد، تحفة الظرفاء بأسماء الخلفاء، قصيدة رائية، مختصر شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل.
стр. 350
ذكر من كان بمصر من حفاظ الحديث:
١، ٢، ٣- أبو ذر، عبد الله بن عمرو بن العاص، عقبة بن عامر الجهني؛ الثلاثة صحابة؛ ذكرهم الذهبي في طبقات الحفاظ؛ وقد مروا (١) .
٤، ٥، ٦، ٧، ٨- أبو الخير مرثد، مكحول، نافع مولى ابن عمر، يزيد بن أبي حبيب، عبيد الله بن أبي جعفر؛ مروا (٢) .
٩- الأعرج عبد الرحمن [[بن هرمز أبو]] أبو داود المدني صاحب أبي هريرة "ع"؛ أحد الحفاظ والقرء، أخذ القراءة عن أبي هريرة وابن عباس، وأكثر من السنن عن أبي هريرة. أخذ القراءة عنه نافع بن أبي نعيم، وعنه، قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال الذهبي في طبقات القراء: كان الأعرج أول من برز في القرآن والسنن، وقالوا: هو أول من وضع العربية بالمدينة؛ أخذ عن أبي الأسود، وله خبرة بأنساب قريش، وافر العلم، مع الثقة والأمانة؛ خرج إلى الإسكندرية؛ فأدركه أجله بها. مات في سنة سبع عشرة ومائة (٣) .
١٠- عقيل بن خالد الأيلي أبو خالد "ع"، مولى عثمان؛ عن عكرمة ونافع، وعنه ابن لهيعة والليث. مات بمصر سنة إحدى وأربعين ومائة (٤) .
١١- يونس بن يزيد الأيلي أبو يزيد (٥) الرقاشي "ع". عن الزهري ونافع. مات بالصعيد سنة تسع وخمسين ومائة (٦) .
стр. 351
١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦- عمرو بن الحارث، حيوة بن شريح، يحيى بن أيوب الغافقي، الليث بن سعد بن لهيعة، المفضل بن فضالة، مروا (١) .
١٧- بكر بن مضر بن حكم بن سليمان أبو محمد المصري "خ، م، د، ت". عن يزيد بن أبي حبيب وغيره. كان ثقة عابدًا صالحًا؛ ولد سنة اثنتين ومائة؛ ومات يوم عرفة سنة أربع وسبعين (٢) .
١٨، ١٩، ٢٠- ابن وهب، ابن القاسم، الإمام الشافعي، مروا (٣) .
٢١- أسد السنة أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الآمدي المصري. عن شعبة وروح، وعنه الربيع الجيزي، وأحمد بن صالح ولد بمصر سنة اثنتين وثلاثين ومائة؛ ومات بها في المحرم سنة اثنتي عشرة ومائتين (٤) .
٢٢- سعيد بن أبي مريم الحكم بن محمد بن سالم الجمحي المصري الحافظ المصري، أبو محمد "ع". عن مالك والليث؛ قال ابن يونس: كان فقيهًا، ولد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين (٥) .
٢٣- عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني مولاهم أبو صالح؛ "ح، د، ت"؛ كاتب الليث، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٦) .
٢٤- عبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد الدمشقي "خ، د، ت، هـ". قال البخاري: كان من أثبت الشاميين، مات بمصر سنة ثماني عشرة ومائتين؛ عن ثمانين سنة (٧) .
стр. 352
٢٥- عبد الله بن الزبير الحميدي أبو بكر "خ، م، د، ت". أحد الأئمة، صاحب المسند، كان بمصر ملازمًا للإمام الشافعي، فلما مات رجع إلى مكة يفتي بها إلى أن مات سنة تسع عشرة ومائتين. قال أبو حاتم: هو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام (١) .
٢٦- نعيم بن حمار المروزي أبو عبد الله "خ، م، د، ت". نزيل مصر. أول من جمع المسند، أخرج منها في فتنة القول بخلق القرآن، فحبس بسامرا سنة ثمان وعشرين ومائتين (٢) .
٢٧- يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري "خ، م". راوي الموطأ؛ صنف التصانيف. مات في صفر سنة إحدى وثلاثين ومائتين (٣) .
٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١- أصبغ بن فرج، سعيد بن عفير، حرملة، أحمد بن صالح المصري، مروا (٤) .
٣٢- أبو عبد الله محمد بن رمح بن مهاجر التجيبي مولاهم "م، هـ". المصري الحافظ. سمع من الليث وابن لهيعة. قال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد. وقال ابن يونس: ثقة ثبت؛ كان من أعلم الناس بأخبار بلدنا، مات في شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٥) .
٣٣، ٣٤- الحارث بن مسكين، يونس بن عبد الأعلى، مرا (٦) .
٣٥- الحسن بن عبد العزيز الوزير الجذامي أبو علي الجروي المصري "خ".
стр. 353
روى عن بشر بن بكر، وعنه البخاري؛ وقال الدارقطني: لم يُر مثله فضلًا وزهدًا؛ حمل من مصر إلى العراق؛ فلم يزل بها حتى مات سنة سبع وخمسين ومائتين (١) .
٣٦- محمد بن سنجر أبو عبد الله الجرجاني الحافظ "م". صاحب المسند؛ عن أبي نعيم وطبقته. قال في العبر: مات بصعيد مصر في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين (٢) .
٣٧- محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، مر (٣) .
٣٨- الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم "ع". أبو محمد المصري، صاحب الإمام الشافعي وراوي كتبه، والمؤذن بجامع الفسطاط. روى عنه أصحاب السنن الأربعة، والطحاوي وأبو زرعة وغيرهم. وأملى الحديث بجامع طولون؛ وهو أول من أملى به، ووصله ابن طولون يومئذ بجائزة سنية؛ ولد سنة أربع وسبعين ومائتين، ومات يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة سبع ومائتين (٤) .
٣٩- قبيطة الحافظ الثقة، أبو علي الحسن بن سليمان البصري. نزيل مصر. عن أبي نعيم، وعنه ابن خزيمة. مات سنة إحدى وستين ومائتين (٥) .
٤٠- أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي "د، ن". عن أسد السنة، وعنه أبو داود والنسائي. وثقه ابن يونس، وذكره ابن فرحون في طبقات المالكية، وقال: له تصانيف في الحديث وغيره. مات سنة تسع وأربعين ومائتين (٦) .
٤١- ابن أخت غزال الإمام أبو بكر محمد بن علي بن داود البغدادي نزيل مصر. قال ابن يونس: كان ثقة في الحديث، مات بها في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائتين.
стр. 354
٤٢- محمد بن حماد الطهراني الرازي؛ أحد من رحل إلى عبد الرازق. حدث بمصر والشام والعراق. وكان ثقة. مات سنة إحدى وسبعين ومائتين؛ قاله في العبر (١) .
٤٣- يحيى بن عثمان بن صالح البهمي المصري. روى عن أبيه وأصبغ بن فرج وخلف، وعنه ابن ماجه وآخرون. قال ابن يونس: كان حافظًا للحديث. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
٤٤- عبدان أبو محمد بن محمد بن عيسى المروزي الفقيه الحافظ، مفتي مرو وعالمها وزاهدها. أقام بمصر سنين، وقرأ على المزني والربيع، ثم انتقل؛ وهو الذي أظهر مذهب الشافعي بخراسان؛ تفقه به ابن خزيمة وأبو إسحاق المروزي وخلق صاروا أئمة، وصنف كتاب المعرفة في مائة جزء، وكتاب الموطأ، وكان يرجع إليه في الفتاوي والمعضلات. ولد ليلة عرفة سنة عشرين ومائتين، ومات ليلة عرفة سنة ثلاث وتسعين (٢) .
٤٥- النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن يحيى القاضي الحافظ الإمام شيخ الإسلام. أحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المثقفين والأعلام المشهورين، جال البلاد، واستوطن مصر، فأقام بزقاق القناديل. قال أبو علي النيسابوري: رأيت من أئمة الحديث أربعة في وطني وأسفاري: النسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن أبي طالب بنيسابور. وقال الحاكم: كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح
والسقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال. وقال الذهبي: هو أحفظ من مسلم. له من المصنفات السنن الكبرى والصغرى
стр. 355
وهي إحدى الكتب الستة، وخصائص علي، ومسند علي، ومسند مالك. ولد سنة خمس وعشرين ومائتين. قال ابن يونس: كان خروجه من مصر سنة اثنتين وثلاثمائة، ومات بمكة -وقيل بالرملة- في صفر سنة ثلاث وثلاثمائة (١) .
٤٦- علي بن سعيد بن بشير مهران الحافظ البارع أبو الحسن الرازي. يعرف بعلبك. نزيل مصر ومحدثها. قال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ. مات في ذي القعدة سنة سبع وتسعين ومائتين (٢) .
٤٧- يحيى بن زكريا بن النيسابوري أبو زكريا الأعرج. أحد الحفاظ، وهو عم محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة، روى عن قتيبة وابن راهويه. قال في العبر: دخل مصر على كبر السن، ومات بها سنة سبع وثلاثمائة (٣) .
٤٨- محمد بن محمد بن النفاح بن بدر الباهلي أبو الحسن. قال في العبر: بغدادي حافظ متعفف، روى عن ابن إسرائيل (٤) وطبقته. توفي بمصر في ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثلاثمائة (٥) .
٤٩- الطحاوي الإمام العلامة الحافظ. صاحب التصانيف البديعة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن مسلمة الأزدي المصري الحنفي، ابن أخت المزني. تفقه بالقاضي أبي حازم، وكان ثقة ثبتًا، فقيهًا لم يخلف بعده مثله، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر. وله معاني الآثار، وأحكام القرآن، والتاريخ الكبير، واختلاف العلماء، وكتاب الشروط. ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (٦) .