← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عسقلان، بيوت، صيدا، بيسان، غزة، لُدّ، حيفا، صفورية، معليا، الفولة، الطور، إسكندرونة، هفوس (١) ، يافا، أرسوف، قيسارية، جبل، نبل (١) ، معليكه (١) ، عفربلا، اللجون، لستمة (١) ، ياقون، مجدل يابا، تل الصافية، بيت نوبا، الطرون، الجيب البيرة، بيت لحم، أريحاء، قرا (١) ، واحصر (١) الدير، دمرا (١) ، قلقيلية (١) ، صرير الزيت (١) ، الوعر (١) ، الهرمس (١) ، تفليسا (١) ، العازرية، تفرع (١) ، الكرك، مجدل، الحارغير (١) في جبل عاملة، الشقيف، سبسطية ويقال: بها قبر زكريا، وجبيل، وكوكب، وأنطرطوس واللاذقية، وبكسرائيل، صهيون، جبلة، قلعة العبد، قلعة الجماهرية، بلاطنس، الشغر، بكاس، وسمر (٢) سامية، بزرية، ودربساك، وبغراس، وصفد. وله مصافات يطول شرحها. وافتتح كثيرا من بلاد النوبة من يد النصارى، وكانت مملكته من المغرب إلى تخوم العراق، ومعها اليمن والحجاز، فملك ديار مصر بأسرها مع ما انضم إليها من بلاد المغرب، والشام بأسرها مع حلب وما والاها، وأكثرها ديار ربيعة وبكر والحجاز بأسره واليمن بأسره، ونشر العدل في الرعية، وحكم بالقسط بين البرية، وبنى المدارس والخوانق، وأجرى الأرزاق على العلماء والصلحاء، مع الدين المتين والروع والزهد والعلم، وكان يحفظ القرآن والتنبيه والحماسة. وهو الذي ابتنى قلعة القاهرة على جبل المقطم التي هي الآن دار السلاطين، ولم يكن السلاطين يسكنون قبلها إلا دار الوزارة بالقاهرة. وفتح بلاد المسلمين حران، وسروج، والرها والرقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد. وملك حلب، والمواريخ وشهرز. وحاصر الموصل إلى أن دخل صاحبها تحت طاعته، وفتح عسكره طرابلس الغرب وبرقة من بلاد المغرب، وكسر

стр. 632

عسكر تونس، وخطب بها لبني العباس. ولو لم يقع الخلف بين عسكره الذين جهزهم إلى المغرب لملك الغرب بأسره، ولم يختلف عليه مع طول مدته أحد من عسكره على كثرتهم. وكان الناس يأمنون ظلمه لعدله، ويرجون رفده لكثرته، ولم يكن لمبطل ولا لصاحب هزل عنده نصيب. وكان إذا قال صدق، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد لم يخن. وكان رقيق القلب جدًّا، ورحل إلى الإسكندرية بولديه الأفضل والعزيز لسماع الحديث من السلفي، ولم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطأ. هذا كله كلام السبكي في الطبقات (١) . قال: ومن الكتب والمراسيم عنه في النهي عن الخوض في الحرف والصوت؛ وهو من إنشاء القاضي الفاضل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ﴾ (٢) الآية خرج أمرنا إلى كل قائم في صف، أو قاعد في إمام وخلف؛ ألا نتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف، ومن تكلم بعدها كان الجدير بالتكليم، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) ، ويسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحرير جواب، ولا يقبل عن هذا الذنب متاب. ومن رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان؛ وليس الخبر كالعيان، رجع أخسر من صفقة أبي غبشان (٤) ، وليعلن (٥) بقراءة هذا الأمر على المنابر، وليعلم به الحاضر، والبادي ليستوي فيه البادي والحاضر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (٦) .

стр. 633

ومن صنائع السلطان صلاح الدين أنه أسقط المكوس، والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس، فربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض أميرها ثمال إقطاعا بديار مصر، يحمل إليه منه في كل سنة ثمانية آلاف إردب غلة، لتكون عونًا له ولأتباعه، وقرر للمجاورين أيضا غلَّات تحمل إليهم وصلات، فرحمة الله عليه في سائر الأوقات، فلقد كان إمامًا عادلا، وسلطانا كاملا لم يل مصر بعد الصحابة مثله، لا قبله ولا بعده! وقد كان الخليفة المستضيء أرسل إليه في سنة أربع وسبعين خلعًا سنية جدًّا، وزاد في ألقابه "معز أمير المؤمنين". ثم لما ولي الخليفة الناصر في سنة ست وسبعين أرسل إليه خلعة الاستمرار، ثم أرسل إليه في سنة اثنتين وثمانين يعاتبه في تلقيبه بالملك الناصر، مع أنه لقب أمير المؤمنين، فأرسل يعتذر إليه بأن ذلك كان من أيام الخليفة المستضيء، وأنه إن لقبه أمير المؤمنين بلقب، فهو لا يعدل عنه، وتأدب مع الخليفة غاية الأدب. قال العماد: وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيًّا رضيعًا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجدًا شديدًا، واشتكت إلى ملوكهم؛ فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، فاذهبي إليه، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت، وشكت أمر ولدها، فرق لها رقة شديدة، ودمعت عيناه، فأمر بإحضار ولدها، فإذا هو بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفا حتى جيء بالغلام، فدفعه إلى أمه، وحملها على فرس إلى قومها مكرمة. واستمر السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة؛ من مثابرة الجهاد للكفار، ونشر العدل، وإبطال المكوس والمظالم، وإجراء البر والمعروف إلى أن أصيب به

стр. 634

المسلمون، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ليلة الأربعاء سادس عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة، وعمل الشعراء فيه مرائي كثيرة، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب، مائتان وثلاثون بيتا أولها: شمل الهدى والملك عم شتاته ... والدهر ساء وأقلعت حسناته (١) بالله أين الناصر الملك الذي ... لله خالصة صفت نياته أين الذي ما زال سلطانًا لنا ... يرجى نداه وتتقى سطواته أين الذي شرف الزمان بفضله ... وسمت على الفضلاء تشريفاته أين الذي عنت الفرنج لبأسه ... ذلا ومنها أدركت ثاراته أغلال أعناق العدا أسيافه ... أطواق أجياد الورى مناته قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد صوريِّ وستة وثلاثين درهما، ولم يترك دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة، ولا شيئًا من أنواع الأملاك، وترك سبعة عشر ولدا ذكرا وابنة واحدة. وكان متدينًا في مأكله ومشربه ومركبه وملبسه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، وكان يواظب الصلاة في الجماعة، ويواظب سماع الحديث، حتى إنه سمع في بعض المصافات جزءًا وهو بين الصفين ويتبجح بذلك، وقال: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثًا. وبالجملة فمناقبه الحميدة كثيرة لا تستقصى إلا في مجلدات، وقد أفرد سيرته بالتصنيف جماعة من العلماء والزهاد والأدباء، وكان به عرج في رجله، فقال فيه ابن عُنّين الشاعر: سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب

стр. 635

قال ابن فضل الله في المسالك: ومن غرائب الاتفاق أن الشيخ علم الدين السخاوي مدح السلطان صلاح الدين، ومدحه الأديب رشيد الدين الفارقي، وبين وفاتيهما مائة سنة. وذكر اليافعي في روض الرياحين أن السلطان صلاح الدين كان من الأولياء الثلثمائة، وأن السلطان محمودًا كان من الأولياء الأربعين. وقام بمصر من بعده ولده الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، وكان نائب أبيه بها في حياته مدة اشتغاله بفتح البلاد الشامية، فاستقل بها بعد وفاته، فسار سيرة حسنة بعفة عن الفرج والأموال، حتى إنه ضاق ما بيده، ولم يبق في الخزانة لا درهم ولا دينار، فجاءه رجل يسعى في قضاء الصعيد بمال فامتنع، وقال: والله لا بعتُ دماء المسلمين وأموالهم بملك الأرض. وسعى آخر قضاء الإسكندرية بأربعين ألف دينار، وحملها إليه فلم يقبلها، ولم يزل إلى أن مات في المحرم سنة خمس وتسعين، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة، ودفن في قبة الإمام الشافعي. فأقيم ولده ناصر الدين محمد، ولقب المنصور فاستمر إلى رمضان سنة ست وسبعين، ثم استفتى عم أبيه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شاذي الفقهاء في عدم صحة مملكته لكونه صغيرًا ابن عشر سنين، فأفتوا بأن ولايته لا تصح، فنزع وأقيم الملك العادل. وقيل: إن العادل أخذها من الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين، وكان الأفضل غلب عليها، وانتزعها من المنصور، وأرسل العادل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر والشام، فأرسله إليه مع الشهاب السهروردي، فكان يصيف بالشام ويشتي بمصر، وينتقل في البلاد إلى أن مات يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. ومن قول ابن عنِّين فيه:

стр. 636

إن سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع المال ضيق الإنفاق هو سيف كما يقال ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق والعادل أول من سكن قلعة الجبل بمصر من الملوك، سكنها في سنة أربعين وستمائة، ونقل إليها أولاد العاضد وأقاربه في بيت في صورة حبس، وكان ابنه الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد ينوب عنه بمصر في أيام غيبته، فاستقل بها بعد وفاته. وفي هذه السنة نزلت الفرنج على دمياط، وأخذوا برج السلسلة، وكان حصنًا منيعا، وهو قفل بلاد مصر، وصفته أنه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر؛ ومن هذا البرج إلى دمياط وهي على شاطئ البحر وحافة النيل سلسلة، ومنه إلى الجانب الآخر، وعلى الجسر سلسلة أخرى، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل؛ فلا يتمكن من البلاد، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شق ذلك على المسلمين بديار مصر وغيرها، ووصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرح الصفراء، فتأوه تأوها شديدًا، ودق بيده على صدره أسفا وحزنا، ومرض من ساعته مرض الموت. ثم في سنة ست عشرة استحوذ الفرنج على دمياط، وجعلوا الجامع كنيسة لهم، وبعثوا بمنبره وبالربعات ورءوس القتلى إلى الجزائر، فإنا لله وإنا إليه راجعون! واستمرت بأيديهم إلى سنة سبع عشرة. وكان الكامل عرض عليهم أن يرد إليهم بيت المقدس، وجميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد السواحل ويتركوا دمياط؛ فامتنعوا من ذلك (١) ؛ فقدر الله أنه ضاقت

стр. 637

عليهم الأقوات، فقدمت عليهم مراكب فيها ميرة، فأخذها الأسطول البحري، وأرسلت المياه على أراضي دمياط من كل ناحية، فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرفوا في أنفسهم، وحصرهم المسلمون من الجهة الأخرى؛ حتى اضطروهم إلى أضيق الأماكن، فعند ذلك أنابوا إلى المصلحة بلا معارضة، وكان يومًا مشهودًا، ووقع الصلح على ما أراد الكامل، ومد سماطا عظيما، وقام راجح الحلي فأنشد: هنيئاً فإن السعد أضحى مخلدًا ... وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحًا بدا لنا ... مبينًا وإنعاما وعزًا مؤيدا إلى أن قال: أعباد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعًا يخدمون محمدا وكان حاضرا حينئذا الملك المعظم عيسى، والملك الأشرف موسى ابنا الملك العادل. قال أبو شامة: وبلغني أنه لما أنشد هذا البيت، أشار إلى الملك المعظم عيسى والأشرف موسى، والكامل محمد؛ فكان ذلك من أحسن شيء اتفق، وتراجعت الفرنج إلى عكا وغيرها من البلدان. قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري لنفسه ببغداد، وقد ورد كتاب من ديار مصر إلى الديوان بانتصار المسلمين على الروم وفتح ثغر دمياط: أتانا كتاب فيه نسخة نصرة ... ألخص معناها لذي فطن جلد يقول ابن أيوب المعظم حامدًا ... لرب السماء الواحد الصمد الفرد أمرنا بحمد الله جل ثناؤه ... وعز أرى دفريس في طالع السعد تركنا من الأعلاج بالسيف مطعنًا ... ثلاثين ألفا للقشاعم والأسد ومنهم ألوف أربعون بأسرنا ... فكم ملك في قبضنا صار كالعبد

стр. 638

ودمياط عادت مثل ما بدأت لنا ... ويافا ملكناها، فيالك من جد! ونحن على أن نملك السيف كله ... على ثقة ممن له خالص الحمد ألا يا بن أيوب لقد نلت غاية ... من النصر ضاهت ما بلغت من المجد قهرت فرنج الروم قهرًا سماعه ... يقسم ذل الرعب في الترك والسغد (١) وما نلت أسباب العلا عن كلالة ... ولم يأتك المجد المؤثل من بعد ولكن ورثت الملك والفضل عن أب ... جليل وعن عم نبيل وعن جد لجأت إلى ركن شديد ومعقل (٢) ... منيع وكنز جامع جوهر المجد إلى فاتح باب الرشاد ببعثه ... وخاتم ميثاق النبوة والعهد إلى الشافعي المنجي الوجيه محمد ... فأحسنت في صدق التوجه والقصد فمهما تجد من كيد ضد مضاغن ... بوجه به تظفر وتنصر على الضد فلا صد عن عز سوابق مجدكم ... كلال ولا غالى الكلول شبا الحد إلى أن تذيق الروم في عقر دارهم ... زعافا وتسقي المؤمنين جنى الشهد ولما تولى المستنصر الخلافة أرسل إلى الكامل محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، ومعه كتاب عظيم فيه تقليده الملك، وفيه أوامر كثيرة مليحة من إنشاء الوزير نصير الدين أحمد بن الناقد؛ رأيت بخط قاضي القضاة عز الدين بن جماعة. قال: وقفت على نسخة تقليد من الخليفة المنصور أبي جعفر المستنصر بالله أمير المؤمنين بخط وزيره أبي الأزهر أحمد بن الناقد في رجب سنة نيف وعشرين وستمائة للملك الكامل. الحمد لله الذي اطمأنت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره

стр. 639

ووسعت كل شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودل على وحدانيته بعجائب ما أحكم صنعًا وتدبيرًا، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، ممد الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدًا؛ لا معقب لحكمه في الإبرام والنقض، ولا يئوده حفظ السموات والأرض، تعالى أن يحيط به الضمير، وجل أن يبلغ وصفه البيان والتفسير؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأحمد الله الذي أرسل محمدًا ﷺ بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وابتعثه هاديًا للخلق، وأوضح به مناهج الرشد وسبل الحق، واصطفاه من أشرف الأنساب وأعز القبائل، وجعله أعظم الشفعاء وأقرب الوسائل، فقذف ﷺ بالحق على الباطل، وحمل الناس بشريعته على المحجة البيضاء والسنن العادل؛ حتى استقام اعوجاج كل زائغ، ورجع إلى الخلق كل حائد عنه ومائل، وسجد لله كل شيء تتفيأ ظلاله على اليمين والشمائل؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الأفاضل، صلاة مستمرة بالغدوات والأصائل، وخصوصا على عمه وصنو أبيه العباس بن عبد المطلب الذي اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل، ودرت ببركة استسقائه (١) أخلاف السحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول ﷺ في الخلافة المعظمة بما لم يفز به أحد من الأوائل. والحمد لله الذي حاز مواريث النبوَّة والإمامة، ووفر من جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيه ومحيي شريعته وسنته. ولما وفق الله نصير الدين محمد بن سيف الدين أبي بكر بن أيوب من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، أنعم عليه بتقليد شريف إمامي، فقلده على خيرة الله الرعاية والصلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والضياع والصدقات والجوالي وسائر وجوه الجبايات، والقرض والعطاء، والنفقة في الأولياء، والمظالم

стр. 640

والحسبة في بلاده، وما يفتتحه ويستولي عليه من بلاد الفرنج الملاعين، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده من المارقين عن الإجماع المنعقد بين علماء المسلمين. ومنه أمره بتقوى الله تعالى التي هي الجنة الواقية؛ والنعمة الباقية، والملجأ المنيع، والعماد الرفيع، والذخيرة النافعة في السر والنجوى، والجذوة المقتبسة من قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) ؛ وأن يدرع شعارها في جميع الأقوال، ويهتدي بأنوارها من مشكلات الأمور والأحوال، وأن يعمل بها سرًّا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجبة صدرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٢) ، وأمره بتلاوة كتاب الله تعالى، متدبرًا غوامض عجائبه، سالكًا سبيل الرشاد، والهداية في العمل به، وأن يجعله مثالا يتبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدي بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه؛ فإنه النفل الأعظم، وسبب الله المحكم، والدليل الذي يهدي للتي هي أقوم؛ ضرب الله لعباده جوامع الأمثال، وبين لهم بهداه مسالك الرشد والضلال، وفرق بدلائله الواضحة ونواهيه الصادقة بين الحرام والحلال، فقال عز من قائل: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤) . أمره بالمحافظة على مفروض الصلوات، والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات، وأن يكون نظره في موضع نجواه من الأرض، وأن يمثل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي الله تعالى يوم العرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٦)

стр. 641

وألا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسبب عن إقامة سنتها الراتبة، فإنها عماد الدين التي سمت أعاليه، ومهاد الشرع الذي رست قواعده ومبانيه، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ (٢) . وأمره أن يسعى إلى صلاة الجمع والأعياد، ويقوم في ذلك بما فرضه الله عليه وعلى العباد، وأن يتوجه إلى المساجد والجوامع متواضعًا، ويبرز إلى المصليات الضاحية في الأعياد خاشعا، وأن يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب، ويعظم باعتماده ذلك شعائر الله التي هي من تقوى القلوب. وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكما نظره وإرعائه، بيوت الله التي هي محال البركات، وموطن العبادات، والمساجد التي تأكد في تعظيمها وإجلالها حكمه، والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأن يرتب لها من الخدم من يتبتل لإزالة أدناسها، ويتصدى لأذكاء مصابيحها في الظلام وإيناسها، ويقوم بما يحتاج إليه من أسباب الصلاح والعمارات، ويحضر إليها ما يليق من الدهن والكسوات. وأمره باتباع سنة رسول الله ﷺ التي أوضح جددها، وثقف ﵇ أودها، وأن يعتمد فيها على الأسانيد التي نقلتها الثقات، والأحاديث التي صحت بالطرق السليمة والروايات، وأن يقتدي بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب ﷺ إلى التمسك بسببها، ورغب أمته في الأخذ بها والعمل بأدبها،

стр. 642

قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) ، وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) . وأمره بمجالسة أهل العلم والدين، وأولي الإخلاص في طاعة الله واليقين، والاستشارة بهم في عوارض الشك والالتباس، والعمل بآرائهم في التمثيل والقياس؛ فإن في الاستشارة بهم عين الهداية، وأمنًا من الضلال والغواية، وألا يلقح عقم الأفهام والألباب، ويقتدح زناد الرشد والصواب، قال الله تعالى في الإرشاد إلى فضلها، والأمر في التمسك بحبلها: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣) . وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر في ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره، مستصلحًا شأنهم بإدامة التلطف والتعهد، مستوضحًا أحوالهم بمواصلة التفحص عنها والتفقد، وأن يسوسهم بسياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم، ويهيديهم في انتظامها واتساقها إلى الصراط المستقيم، ويحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتمسك منها بأقوى الأسباب وأمتن العصم، ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف، ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف، وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع، وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرفع؛ وأن يثيب المحسن وامتنانه، وأن يأخذ برأي ذوي التجارب منهم والحنكة، ويجتني بمشاورتهم ثمر البركة (٤) ؛ إذ في ذلك أمن من خطأ الانفراد، وتزحزح عن مقام الزيغ والاستبداد. وأمره بالتبتل لما يليه من البلاد، ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشرك والعناد؛ وأن يصرف مجامع الالتفات إليها، ويخصها بوفور الاهتمام بها، والتطلع عليها، وأن

стр. 643

يشمل ما ببلاده من الحصون، والمعاقل والأحكام والإتقان، وينتهي في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع والإمكان، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة والذخائر، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخير لحراستها من الأمناء الثقات (١) ، ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة، وأن يؤكد عليهم في استعمال أسباب الحيطة والاستظهار، ويوقظهم إلى الاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار، وأن يكون المشار إليهم ممن تربوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد، وتدربوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد، وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد، وكثرة العدد، والتوسعة في النفقة والعطاء، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم، وتفاوتهم في التقصير والعناء، إذ في ذلك حسم لمادة الأطماع في بلاد الإسلام، وردُّ لكيد (٢) المعاندين من عبدة الأصنام؛ فمعلوم أن هذا الفرض أولى ما وُجِّهت إليه العنايات وصرفت، وأحق ما قصرت عليه الهمم ووقفت؛ فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التي لزم القيام فيها بحقه، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه، فقال هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرضًا لعباده على قيامهم له بفرض الجهاد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ ... ﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (٣) ، وقال النبي ﷺ : "من نزل منزلا لا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر". وقال ﷺ : "غدوه في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس"، هذا قوله ﷺ في حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان قال

стр. 644

عليه السلام: "ألا أخبركم بخير الناس! ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيمة طار إليها". وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى في رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه؛ وأن يسلك في السياسة بهم سبيل الصلاح، ويشملهم بلين الكنف، وخفض الجناح، ويمد ظل رعايتهم على مسلمهم ومعاهدهم، ويزحزح الأقذاء والشوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم، وينظر في مصالحهم نظرًا يساوي فيه بين الضعيف والقوي، ويقوم بأودهم قيامًا تهتدي به، ويهديهم إلى الصراط السوي؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ... ﴾ (١) الآية. وأمره باعتماد أسباب الاستظهار، والأمنة واستقصاء الطاقة المستطاعة والقدرة الممكنة، في المساعدة على قضاء تفث حجاج بيت الله الحرام، وزوار نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يمدهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التخطف والأذى في حالتي الظعن والمقام؛ فإن الحج أحد أركان الدين المشتدة، وفروضه الواجبة المؤكدة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) . وأمره بتقوية أيدي العاملين بحكم الشرع في الرعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا، والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوي الاستحقاق، والشد على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق، وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعي الحكم، أو تقاعس في ذلك لما يلزم من الأداء والغرم، جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشرع، واضطره بقوة الأنصار إلى الأداء بعد المنع، وأن يتوخى عمال الوقوف التي تقرب المتقربون بها،

стр. 645

واستمسكوا في ظل ثواب الله بمتين سببها، وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة، وحسن المؤازرة والمعاضدة، في الأسباب التي تؤذن بالعمارة والاستنماء، ويعود عليها بالمصلحة، والاستخلاص والاستيفاء، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) . وأمره أن يتخير من أولي الكفاية، والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب؛ من أداء الأمانة والحراسة، والتمييز لبيت المال، وأن يكونوا من ذوي الاطلاع بشرائط الخدم المعينة وأمورها، والمهتدين إلى مسالك صلاحها (٢) . قال الصلاح الصفدي في تاريخه: حكى صاحب كتاب الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار، قال: كان الملك الكامل ليلة جالسا فدخل عليه مظفر الأعمى، فقال له أجز يا مظفر: قد بلغ الشوق منتهاه فقال مظفر: وما درى العاذلون ما هو فقال السلطان: ولي حبيب رأى هواني فقال مظفر: وما تغيرت عن هواه فقال السلطان: رياضة النفس في احتمال فال مظفر: وروضة الحسن في حلاه

стр. 646

فقال السلطان: اسمر لدن القوام ألمى فقال مظفر: يعشقه كل من يراه فقال السلطان: وريقه كله (١) مدام فقال مظفر: ختامه المسك من لماه فقال السلطان: ليلته كلها رقاد فقال مظفر: وليلتي كلها انتباه فقال السلطان: وما يرى أن أكون عبدًا فقام مظفر على قدميه، وقال: بالملك الكامل احتماه العالم العامل الذي في ... كل صلاة ترى إياه ليث وغيث وبدر تم ... ومنصب جل مرتقاه قال الحافظ عبد العظيم المنذري: أنشأ الملك الكامل دارَ الحديث بالقاهرة، وعمر القبة على ضريح الشافعي، وأجرى الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل، والسقاية على باب القبة المذكورة، ووقف غير ذلك من الوقوف على أنواع البر، وله المواقف المشهودة

стр. 647

بدمياط، وكان معظمًا للسنة وأهلها، قال الذهبي: وكانت له إجازة من السلفي، وخرج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثًا سمعها من جماعة. وقال ابن خلِّكان: اتسعت المملكة للملك الكامل، حتى قال خطيب مكة مرة عند الدعاء له: سلطان مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين. وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء حادي عشري رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة. وأقيم بعده ولده الملك العادل أبو بكر، وكان نائب أبيه بمصر مدة غيبته، فبلغ ذلك أخاه الأكبر الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا، فقدم، وبرز العادل إلى بلبيس قاصدًا للقتال، فاختلفت عليه الأمراء، فقيدوه، واعتقلوه، وأرسلوا إلى الصالح أيوب فوصل إليهم، فملكوه، وذلك في صفر سنة سبع وثلاثين. فأقام في الملك عشر سنين إلا أربعة أشهر. وكان مهيبًا جدًّا، دبر المملكة على أحسن وجه، وبنى المدارس الأربعة بين القصرين، وعمر قلعة بالروضة، واشترى ألف مملوك وأسكنهم بها، وسماهم البحرية، وهو الذي أكثر من شراء الترك وعتقهم وتأميرهم، ولم يكن ذلك قبله، فقام الشيخ عز الدين بن عبد السلام القومة الكبرى في بيع أولئك الأمراء، وصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، وقال بعض الشعراء: الصالح المرتضى أيوب أكثر من ... ترك بدولته، يا شر مجاوب!

стр. 648

قد آخذ الله أيوبًا بفعلته ... فالناس كلهم في ضر أيوب ولما تولى الخليفة المستعصم أنفذ الصالح إليه رسوله، يطلب تقليدًا بمصر والشام، فجاءه التشريف والطوق الذهب والمركوب، فلبس التشريف الأسود والعمامة والجبة، وركب الفرس، وكان يوما مشهودا. فلما كان سنة سبع وأربعين، هجمت الفرنج على دمياط، فهرب من كان فيها، واستحوذوا عليها، والملك الصالح مقيم بالمنصورة لقتالهم، فأدركه أجله ومرض ومات بها ليلة النصف من شعبان. فأخفت جاريته شجر الدر موته، وبقيت تعلم بعلامته سواه، وأعلمت أعيان الأمراء، فأرسلوا إلى ابنه الملك المعظم تورانشاه وهو بحصن كيفا، فقدم في ذي القعدة، وملكوه، فركب في عصائب الملك، وقاتل الفرنج وكسرهم، وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد. وكان في عسكر المسلمين الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكانت النصرة أولا للفرنج، وقويت الريح على المسلمين، فقال الشيخ عز الدين بأعلى صوته مشيرًا بيده إلى الريح: يا ريح خذيهم، عدة مرار، فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها، وكان الفتح، وغرق أكثر الفرنج، وصرخ من المسلمين صارخ: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد ﷺ رجلًا سخر له الريح، وكان ذلك في يوم الأربعاء ثالث المحرم. وأسر الفرنسيس ملك الفرنج، وحبس مقيدًا بدار ابن لقمان، ووكل بحفظه طواشي يقال له: صبيح. ثم نفرت قلوب العسكر من المعظم لكونه قرب مماليكه، وأبعد مماليك أبيه، فقتلوه في يوم الاثنين سابع عشر المحرم وداسوه بأرجلهم، وكانت مملكته شهرين. قال ابن كثير وقد رئي أبوه الصالح في النوم بعد قتل ابنه، وهو يقول: قتلوه شر قِتْلَهْ ... صار للعالم مثله

стр. 649

لم يراعوا فيه إلا ... لا ولا من كان قبله ستراهم عن قريب ... لأقل الناس أكله فكان كذلك، وقع بعد ذلك قتال بين المصريين والشاميين، وعدم من المصريين طائفة كثيرة (١) . واتفقوا بعد قتل المعظم على تولية شجر (٢) الدر أم خليل جارية الملك الصالح، فملكوها، وخطب لها على المنابر، فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم على المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها. ولما توليت تكلم الشيخ عز الدين بن عبد السلام في بعض تصانيفه على ما إذا ابتلي المسلمون بولاية امرأة، وأرسل الخليفة المستعصم يعاتبُ أهل مصر في ذلك ويقول: إن كان ما بقي عندكم رجل تولونه، فقولوا لنا نرسل إليكم رجلًا. ثم اتفقت شجر الدر والأمراء على إطلاق الفرنسيس، بشرط أن يردوا دمياط إلى المسلمين، ويعطوا ثمانمائة ألف دينار عوضًا عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا أسراء المسلمين. فأطلق على هذا الشرط، فلما سار إلى بلاده أخذ في الاستعداد والعود إلى دمياط، فندمت الأمراء على إطلاقه؛ وقال الصاحب جمال بن مطروح وكتب بها إليه:

стр. 650

قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من قؤول نصيح (١) آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد يسوع المسيح أتيت مصر تبتغي ملكها ... تحسب أن الزمر بالطبل ريح (٢) فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضريح تسعين ألفًا لا ترى منهم (٣) ... إلا قتيلًا أو أسيرًا جريح وفقك الله لأمثالها ... لعل عيسى منكم يستريح إن كان باباكم بذا راضيًا ... فرب غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثأر أو لعقد صحيح: دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح فلم ينشب الفرنسيس أن أهلكه الله، وكفى المسلمين شره، وأقامت شجر الدر في المملكة ثلاثة أشهر، ثم عزلت نفسها. واتفقوا على أن يملكوا الملك الأشرف موسى بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الملك الكامل، فملكوه وله ثماني سنين، وذلك في يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين. وجعل عز الدين أيبك التركماني مملوك الصالح أتابكه (٤) ، وخطب لهما، وضربت السكة باسمهما، وعظم شان الأتراك من يومئذ، ومدوا أيديهم إلى العامة، وأحدث وزيره الأسعد الفائزي ظلامات ومكوسا كثيرة.

стр. 651

ثم إن عز الدين خلع الملك الاشرف واستقل بالسلطنة في سنة اثنتين وخمسين، ولقب الملك المعز؛ وهو أول من ملك مصر من الأتراك، وممن جرى عليه الرق، فلم يرض الناس بذلك حتى أرضى الجند بالعطايا الجزيلة. وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك، ولم يزالوا يسمعونه ما يكره إذا ركب ويقولون: لا نريد إلا سلطانًا رئيسًا ولد على الفطرة، وكان المعز تزوج شجر الدر. ثم إنه خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت شجر الدر فقتلته في أواخر ربيع الأول سنة خمس وخمسين، وأقيم بعده ولده علي ولقب المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، فأقام سنتين وثمانية أشهر، وفي أيامه أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة. ثم إن الأمير سيف الدين قُطُز مملوك المعز قبض على المنصور، واعتقله في أواخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين؛ وتملك مكانه، ولقب بالملك المظفر بعد أن جمع الأمراء، والعلماء والأعيان، وأفتوا بأن المنصور صبي لا يصلح للملك، لا سيما في هذا الزمان الصعب الذي يحتاج إلى ملك شهم مطاع لأجل إقامة الجهاد، والتتار قد وصلوا البلاد الشامية، وجاء أهلها إلى مصر يطلبون النجدة؛ وأراد قطز أن يأخذ من الناس شيئًا ليستعين به على قتالهم؛ فجمع العلماء، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال: لا يجوز ان يؤخذ من الرعية شيء حتى لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منهم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ولم يكن قطز هذا مرقوق الأصل، ولا من أولاد الكفر. قال الجزري في تاريخه: كان قطز في رق ابن الزعيم، فضربه أستاذه فبكى، فقيل له: تبكي من لطمة! فقال: إنما أبكي من لعنة أبي وجدي، وهما خير منه، فقيل:

стр. 652

من أبوك! واحد كافر. قال: ما أنا إلا مسلم، أنا محمود بن مودود بن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك. وخرج المظفر بالجيوش في شعبان سنة ثمان وخمسين متوجهًا إلى الشام لقتال التتار وشاويشه (١) ركن الدين بيبرس البندقدارى، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف يوم الجمعة خامس عشري رمضان، فهزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون ولله الحمد، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر، فطار الناس فرحًا، ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدًا منصورا، فأحبه الخلق غاية المحبة، وقال بعض الشعراء في ذلك: هلك الكفر في الشام جميعا ... واستجد الإسلام بعد دحوضه (٢) بالمليك المظفر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه (٣) وقال الإمام أبو شامة ﵀ في ذلك شعرًا: غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركي يجود بنفسه بالشام أهلكهم وبدد شملهم ... ولكل شيء آفة من جنسه وساق بيبرس وراء التتار إلى حلب، وطردهم عن البلاد، ووعده السلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك، فتأثر بيبرس ووقعت الوحشة بينهما، فأضمر كل لصاحبه الشر، فاتفق بيبرس مع جماعة من الأمراء على قتل المظفر، فقتلوه في الطريق في سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين بين العرابي والصالحية، وتسلطن بيبرس، ولقب بالملك القاهر، ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الدين أن يغير هذا اللقب، وقال: ما تلقب به أحد فأفلح؛ فأبطل السلطان هذا اللقب، وتلقب بالملك الظاهر.

стр. 653

أرجوزة الجزار في الأمراء المصرية: وقد نظم الأديب جمال الدين المصري المعروف بالجزار الشاعر المشهور أرجوزة سماها "العقود الدرية في الأمراء المصرية"، ضمنها أمراء مصر من عمرو بن العاص إلى الملك الظاهر، هذا فقال: الحمد لله العلي ذكره ... ومن يفوق كل أمر أمره أحمده وهو ولي الحمد ... على توالي بره والرفد ثم الصلاة بعد هذا كله ... على أجل خلقه ورسله محمد خير بني عدنان ... ومن أتاه الوحي بالتبيان دامت عليه صلوات ربه ... ثم على عترته وصحبه يا سائلي عن أمراء مصر ... منذ حباها عمر لعمرو خذ من جوابي ما يزيل اللبسا ... واحفظه حفظ ذاكر لا ينسى أول من كان إليه الأمر ... مفوضًا بعد الفتوح عمرو وابن أبي سرح تولى أمرها ... وقيس ساس نفعها وضرها ثم تولى النخعي الأشتر ... وأبن أبي بكر كما قد ذكروا ثم أعيدت بعده لعمرو ... ثانية وعتبة في الأثر وعقبة ثم الأمير مسلمه ... وابن يزيد وهو نجل علقمه ثم تولى الأمر عبد الرحمن ... وبعده تأمر ابن مروان إذ كان ولاها له أبوه ... وهو بمصر حوله ذووه ثم لعبد الله تعزى الإمره ... وبعده نجل شريك قره

стр. 654

ثم تولى بعده عبد الملك ... نقلا صحيحا غير نقل مؤتفك وابن شرحبيل الأمير أيوب ... وبشر فالأمر إليه منسوب ثم أخو بشر الأمير حنظلة ... ثم غدا محمد والأمر له والحر نجل يوسف وحفص ... من بعده جاء بذلك النص ثم فتى رفاعة عبد الملك ... ثم الوليد صنوه كل ملك ثم أبن خالد يعد تاليه ... ثم ابن صفوان تولى ثانيه وحفص قد عاد إليها واليًا ... وقام حسان الأمير تاليا ثم تولى حفص وهي الثالثه ... وابن سهيل جاء فيها وارثه وابن عبيد واسمه المغيره ... دبر إقليمًا غدا أميره ثم ابن مروان ولي لخم ... وكان للدولة أي ختم وصالح أول من تولى ... ثم ابن عون وهو نعم المولى ثم أعيد صالح لمصر ... ثانية بنهيه والأمر ثم أبو عون لها أعيدا ... ثانية وأدرك المقصودا وجاء موسى بعده ابن كعب ... محكمًا في سلمها والحرب ثم أتى محمد بن الأشعث ... فاسمع لما حدثته وحدث ثم حميد وهو ابن قحطبه ... ثم يزيد نال أيضًا منصبه وقام عبد الله فيها يحمد ... ثم أخوه بعده محمد ثم غدا الأمير موسى بن علي ... وبعده عيسى بن لقمان ولي وواضح وكان مولى المنصور ... وبعد ذاك ابن يزيد منصور وجاء يحيى بعده ابن ممدود ... وسالم في الأمراء معدود وبعده إبراهيم نجل صالح ... ولم يزل ينظر في المصالح

стр. 655

وجاء موسى وهو نجل مصعب ... وبعده أسامة بها حبي والفضل نجل صالح أيضا ولي ... وبعده نجل سليمان علي ثم حوى موسى بن عيسى حرمه ... ثم تولاها ابن يحيى مسلمه وابن زهير واسمه محمد ... وجاء داود وهذا مسند وجاء موسى نجل عيسى ثانيه ... ونال في إمرتها أمانيه كذاك إبراهيم أيضًا ولي ... فيها كما قد قيل بعد العزل وحاز عبد الله منها الآفاق ... وابن سليمان المسمى إسحاق ثم أتى هرثمة وهو الملك ... وبعده ابن صالح عبد الملك ثم عبيد الله نجل المهدي ... وكان رب حلها والعقد وبعده موسى بن عيسى ثالثه ... حتى رأى من دهره حوادثه ثم عبيد الله نجل المهدي ... ثانية في حلها والعقد وجاء إسماعيل نجل صالح ... يأمر في الغادي بها والرائح وبعده سميه ابن عيسى ... تحدو إليه القاصدون العيسا ثم تولى الليث نجل الفضل ... وأحمد من بعده ذو الفضل وجاء عبد الله يقفو جنده ... ثم الحسين بن جميل بعده ثم تولى مالك ثم الحسن ... كلاهما أوضح في العدل السنن ثم غدا الأمير فيها حاتم ... وجابر بالأمر فيها قائم ثم لعباد غدت تنتسب ... وبعده أميرها المطلب ثم تولى أمرها العباس ... وفوض الأمر إليه الناس ثم أعيد الأمر للمطلب ... ثانية ثم السري فاعجب ثم سليمان له الأمر حصل ... ثم السري بعد ما كان انفصل

стр. 656

ثم تولى ابن السري الأمرا ... وطالما ساء بها وسرا ثم عبيد الله وهو ابن السري ... وبعده ابن طاهر فحرر وبعده عيسى فتى يزيد ... ثم عمير من بني الوليد قد كان ولاها له لما قدم ... على البلاد ابن الرشيد المعتصم وعاد عيسى وهو فيها والي ... وعبدويه ذو المحل العالي وقد تولى بعده ابن منصور ... عيسى وهذا الأمر أمر مشهور وعند ذاك قدم المأمون ... لمصر والدنيا له تدين في سنة تعد سبع عشرة ... ومائتين بعد عام الهجرة ثم تولى نصر وهو كيدر ... ثم تولاها ابنه المظفر ثم تولى ابن أبي العباس ... موسى بلا شك ولا التباس ومالك بن كيدر ثم علي ... وبعده عيسى بن منصور ولي وبعده هرثمة بن النضر ... وحاكم وكان رب الأمر ثم علي نجل يحيى ثانيه ... وجاء إسحاق بن يحيى تاليه وبعده الأمير عبد الواحد ... وهو ابن يحيى فارض بالفوائد وبعده عنبسة بن إسحاق ... ثم يزيد حاز منها الآفاق ثم تولى أمرها مزاحم ... ثم ابنه أحمد فيها القائم ونال أرجوز بها ما يقصد ... ثم ابن طولون الأمير أحمد ثم أبو الجيش ابنه من بعده ... ثم أتى جيش وليّ عهده ثم تولى بعده هارون ... وبعده من جده طولون وبعده عيسى فتى محمد ... ثم تكين صار رب السؤدد ثم تولاها ذكا الأعور ... ثم تكين وهو وقت آخر ثم هلال وهو ابن بدر ... أصب فيها وهو رب الأمر ثم تولى أحمد بن كيغلغ ... ثم تكين إذ له الأمر بلغ

стр. 657

ثم أتى محمد بن طغج ... وأحمد ثانيه في النهج ثم تولاها ابن طغج ثانيه ... ثم أبو القاسم جاء تاليه ثم أتى الإخشيد من بعد علي ... وبعد ذاك الأمر كافور ولي وبعد كافور تولى أحمد ... ثم أتى جوهر وهو أيد ثم تولاها المعز إذ أتى ... ثم العزيز نجله خير فتى ثم ابنه الحاكم ثم الظاهر ... وكلهم في المأثرات باهر ثم تولى أمرها المستنصر ... وهو لعمري يقظ مستبصر ثم تولى أمرها المستعلي ... وكان رب عقدها والحل وبعد ذلك قد حواها الآمر ... ولم تكد تعصي له أوامر ثم تولاها الإمام الحافظ ... وهو على تدبيرها محافظ وجاء إسماعيل وهو الظافر ... ثم ابنه الفائز وهو الآخر أعني بمن قلت الإمام العاضدا ... محررا فاغتنم الفوائدا وشيركوه مدة يسيره ... تناهز الشهرين منه السيره ثم تولاها الصلاح يوسف ... ثم العزيز وابنه مستضعف ثم أتى الأفضل نور الدين ... وبعده العادل ذو التمكين ثم ابنه الكامل ثم العادل ... كلاهما بالحكم فيها عادل ثم أتى الصالح وهو الأعظم ... ثم تولاها ابنه المعظم وبعده أم خليل ملكت ... وطابت الأفعال فيها وزكت والملك الأشرف كان طفلًا ... فلم يدبر عقدها والحلَّا ثم استبد الملك المعز ... ثم ابنه ووافقته الغز ثم حواها الملك المظفر ... وحظه من نصره موفر ثم حوى الأمر المليك الظاهر ... لا زال للأعداء وهو قاهر!

стр. 658

ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين: كان لانقراض الخلافة ببغداد وما جرى على المسلمين بتلك البلاد مقدمات نبه عليها العلماء: منها، أنه في يوم الثلاثاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة، هبت ريح عاصفة شديدة بمكة، فألقت ستارة الكعبة المشرفة، فما سكنت الريح إلا والكعبة عريانة، قد زال عنها شعار السواد، ومكثت إحدى وعشرين يوما ليس عليها كسوة. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: وكان هذا فألا على زوال دولة بني العباس؛ ومنذرًا بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم الله (١) . ومنها، قال ابن كثير في حوادث سنة سبع وأربعين: طغى الماء ببغداد، حتى أتلف شيئًا كثيرًا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت إقامة الجمعة بسبب ذلك (٢) . وفي هذه السنة هجمت الفرنج على دمياط؛ فاستحوذوا عليها وقتلوا خلقًا من المسلمين (٣) . وفي سنة خمسين وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمائة دار؛ فيقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيها قصدًا (٤) . وفي سنة اثنتين وخمسين، قال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: وردت الأخبار من مكة شرفها الله، بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث إنه يطير

стр. 659

شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار (١) ، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات (٢) . وفي سنة أربع وخمسين زادت دجلة زيادة مهولة، فغرق خلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدم، وركب الناس في المراكب، واستغاثوا بالله، وعاينوا التلف، ودخل الماء من أسوار البلاد، وانهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح (٣) . قال ابن السبكي في الطبقات الكبرى: وكان ذلك من جملة الأمور، التي هي مقدمة لواقعة التتار. وفي هذه السنة، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارًا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم ﷺ ، وأقلعوا عن المعاصي، واستمرت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، واشتد فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، ورد على الناس ما كان تحت يده من أموالهم (٤) .

стр. 660

وقال سيف الدين علي بن عمر بن قذل المشد في هذه النار: ألا سلما عني على خير مرسل ... ومن فضله كالسيل ينحط من عل واشرف من شدت إليه رحالنا ... لتورد هيم الشوق أعذب منهل تحملن منا كل أشعث أغبر ... فيا عجبا من رحلها المتحمل! إلى سيد جاءت بعالي محله ... ومعجزه آي الكتاب المنزل نبي هدانا للهدى بأدلة ... فهمنا معانيها بحسن التأول محمد المبعوث والغي مظلم ... فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل وقولا له: إني إليك لشيق ... عسى الله يدني من محلك محملي فتخمد أشواقي وتسكن لوعتي ... وأصبح عن كل الغرام بمعزل ولما نفى عني الكرى خبر التي ... أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبل ولاح سناها من جبال قريظة ... لسكان تيما فاللوى فالعقنقل وأخبرت عنها في زمانك منذرًا ... بيوم عبوس قمطرير مطول فقلت كلاما لا يدين لقائل ... سواك ولا يستطيعه رب مقول ستظهر نار بالحجاز مضيئة ... كأعناق عيس نحو بصرى لمخيل فكانت كما قد قلت حقا بلا مرى ... صدقت وكم كذبت كل معطل لها شرر كالبرق لكن شهيقها ... فكالرعد عند السامع المتأمل وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفًا ... وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وغابت نجوم الجو قبل غروبها ... وكدرها دور الدخان المسلسل وهبت سموم كالحميم فأذبلت ... من الباسقات الشم كل مذلل وأبدت من الآيات كل عجيبة ... وزلزلت الأرضون أي تزلزل وأيقن كل الناس أن عذابهم ... تعجل في الدنيا بغير تمهل

стр. 661

وأعولت الأطفال مع أمهاتها ... فيا نفس جودي، يا مدامعي أهملي جزعت فقام الناس حولي وأقبلوا ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل لعل إله الخلق يرحم ضعفهم ... وما أظهروه من عظيم التذلل وتاب الورى واستغفروا لذنوبهم ... ولاذوا بمنوال الكريم المبجل شفعت لهم عند الإله فأصبحوا ... من النار في أمن وبر معجل أغاثهم الرحمن منك بنفحة ... ألذ وأشهى من جنى ومعسل طفى النار نور من ضريحك ساطع ... فعادت سلاما لا تضر بمصطلي وعاش رجاء الناس بعد مماتهم ... فيالك من يوم أغر محجل! فيا راحلا عن طيبة إن طيبة ... هي الغاية القصوى لكل مؤمل قفا نبك ذكراها فإن الذي بها ... أجل حبيب وهي أشرف منزل دخلت إليها محرما وملبيا ... وأضربت عن سقط الدخول فحومل مواقف أما تربها فهي عنبر ... وأما كلاها فهو نبت القرنفل يفوح شذاها ثم يعقب نشرها ... لما راوحتها من جنوب وشمأل فيا خير مبعوث وأكرم شافع ... وأنجح مأمول وأفضل موئل عليك سلام الله بعد صلاته ... كما شفع المسك العبيق بمندل وقال بعضهم في ذلك (١) : يا كاشف الضر صفحًا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا رب بأساء نشكو إليك خطوبًا لا نطيق لها ... حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازلًا تخشع الصم الصلاب لها ... وكيف يقوى على الزلزال شماء أقام سبعا ترج الأرض فانصدعت ... عن منظر منه عين الشمس عشواء

стр. 662

بحر من النار تجري فوقه سفن ... من الهضاب لها في الأرض إرساء كأنما فوقه الأجبال طافية (١) ... موج عليه لفرط الهيج وعثاء (٢) ترى لها شررا كالقصر طائشة (٣) ... كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت (٤) ... رعباً، وترعد مثل السعف أضواء (٥) منها تكاثف في الجو الدخان إلى ... أن عادت الشمس منه وهي دهماء قد أثرت سفعةً في البدر لفحتها ... فليلة التم بعد النور ليلاء (٦) وقال آخر في هذه النار، وغرق بغداد: سبحان من أصبحت مشيئته ... جارية في الورى بمقدار (٧) أغرق بغداد بالمياه كما ... أحرق أرض الحجاز بالنار قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقد ... أحرق أرض الحجاز بالنار وذكر ابن الساعي أن النجاب لما جاء إلى بغداد بخبر هذه النار، قال له الوزير: إلى أي الجهات ترمي شررها؟ قال: إلى جهة الشرق (٨) . قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة، احترق المسجد الشريف النبوي، ابتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة (٩) ، ثم دبت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع،

стр. 663

ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها "وكل ذلك قبل أن ينام الناس" (١) ، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي ﷺ يخطب عليه. قال أبو شامة: وعد ما وقع من تلك النار وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرةً بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات (٢) . وقال أبو شامة في ذلك: نار أرض الحجاز مع حرق الم ... سجد مع تغرق دار السلام (٣) بعد ست من المئين وخمسي ... ن لدى أربع جرى في العام ثم أخذ التتار بغداد في أو ... ل عام من بعد ذاك وعام لم يعن أهلها وللكفر أعوا ... ن عليهم يا ضيعة الإسلام! وانقضت دولة الخلافة منها ... صار مستعصم بغير اعتصام فحنانًا على الحجاز ومصر ... وسلامًا على بلاد الشآم (٤) وفي تاريخ أبن كثير عن الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال أحد الزهاد، قال: كنت بمصر، فبلغني ما وقع ببغداد من القتل الذريع، فأنكرته بقلبي، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له! فرأيت في المنام رجلًا وفي يده كتاب فأخذته فإذا فيه: دع الاعتراض فما الأمر لك ... ولا الحكم في حركات الفلك ولا تسأل الله عن فعله ... فمن خاض لجة بحر هلك

стр. 664

قلت: أجرى الله تعالى عادته إن العامة إذا زاد فسادها وانتهكوا حرمات الله، ولم تقم عليهم الحدود أرسل الله عليهم آية في إثر آية، فإن لم ينجح ذلك فيهم أتاهم بعذاب من عنده، وسلط عليهم من لا يستطيعون له دفاعا؛ وقد وقع في هذه السنين ما يشبه الآيات الواقعة في مقدمات واقعة التتار، وأنا خائف من عقبى ذلك، فاللهم سلم سلم! فأول ما وقع في سنة ثلاث وثمانين حصول قحط عظيم بأرض الحجاز. وفي سنة خمس وثمانين لم يزد النيل القدر الذي يحصل به الري، ولا ثبت المدة التي يحتاج إلى ثبوته فيها، فأعقب ذلك غلاء الأسعار في كل شيء (١) . وفي سنة ست وثمانين في سابع عشر المحرم زلزلت مصر زلزلة منكرة لها دوي شديد، وقع بسببها قطعة من المدرسة الصالحية على قاضي الحنفية شمس الدين بن عيد، وكان من خيار عباد الله فقتلته. وفي ليلة ثالث عشر رمضان من هذه السنة، نزلت صاعقة من السماء على المسجد الشريف النبوي، فأحرقته بأسره وما فيه من خزائن وكتب، وأحرقت الحجرة الشريفة والمنبر والسقوف، ولم يبق سوى الجدران، واحترقت فيه جماعة من أهل الفضل والخير؛ وكان أمرًا مهولا. وفي هذه السنة وقع بالغربية برد كبار بحيث قتل كثيرا من الطير؛ وقيل: إن وزن البردة سبعون درهما. وفي سنة سبع وثمانين ورد الخبر بأن صاعقة نزلت بحلب، وبأن الفناء وقع ببغداد وبلاد الشرق عظيما جدًّا حتى قيل: إنه عد ببغداد من تأخر من الرجال؛ فكانوا مائتين واثنين وأربعين نفسا. وفي ذي الحجة وردت الأخبار بأنه حصل بمكة في يوم الأربعاء رابع عشر من ذي القعدة

стр. 665

سيل عظيم بحيث دخل البيت الشريف، فكان فيه قامة، وأخرب بيوتا كثيرة، وهدم جملة من أساطين الحرم، ووجد في المسجد من الغرقاء سبعين إنسانًا، وخارج المسجد خمسمائة نفس، واستمر الماء في المسجد إلى يوم السبت، ولم تصل الجمعة. وكتب القاضي برهان الدين بن ظهيرة إلى مصر كتابا بذلك يقول فيه: إن هذا السيل لم يعهد مثله لا في جاهلية ولا في إسلام، وإنه ذرع موضع وصوله في المسجد؛ فكان سبع أذرع وثلث ذراع؛ وقد قلت في ذلك هذه الأبيات: في عام ست أتى المدينة في ال ... مسجد نارًا فأفنته بالحرق وعام سبع أتى لمكة في ال ... مسجد سيل قد عم بالغرق وقبلها القحط بالحجاز فشا ... ومصر قد زلزلت من الفرق وانهبط النيل غير منتفع ... به وضاقت معايش الفرق فهذه جملة أتت نذرًا ... مستوجبات للخوف والقلق فليحذر الناس أن يحل بهم ... ما حل بالأولين من حنق ولما أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة، وجرى ما جرى، أقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف سنة؛ وذلك من يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ست وخمسين، وهو يوم قتل الخليفة المستعصم ﵀ إلى أثناء سنة تسع وخمسمائة؛ فلما كان في رجب من هذه السنة قدم أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وهو عم الخليفة المستعصم وأخو المستنصر، وقد كان معتقلًا ببغداد ثم أطلق، فكان مع جماعة من الأعراب بالعراق، ثم قصد الملك الظاهر حين بلغه ملكه، فقدم عليه الديار المصرية صحبة جماعة من أمراء الأعراب عشرة، منهم الأمير ناصر الدين مهنا، وكان دخوله إلى القاهرة في ثاني رجب

стр. 666

فخرج السلطان للقائه، ومعه القاضي تاج الدين والوزير، والعلماء والأعيان والشهود والمؤذنون فتلقوه، وكان يومًا مشهودا، وخرج اليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم، ودخل من باب النصر بأبهة عظيمة. فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب، جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل والقاضي والوزير والأمراء على طبقاتهم، وأثبت نسب الخليفة على القاضي تاج الدين؛ فلما ثبت قام قاضي القضاة قائمًا، وأشهد على نفسه بثبوت النسبة الشريفة. ثم كان أول من بايعه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، ثم السلطان الملك الظاهر، ثم القاضي تاج الدين، ثم الأمراء والدولة، وركب في دست الخلافة بمصر والأمراء بين يديه، والناس حوله، وشق القاهرة، وكان يوما مشهودًا ولقب المستنصر بالله بلقب أخيه، وخطب له على المنابر، وضرب اسمه على السكة، وكتبت بيعته إلى الآفاق، وأنزل بقلعة الجبل هو وحشمه وخدمه، فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، ركب في أبهة السواد، وجاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا للسلطان، ثم نزل فصلى بالناس، وكان وقتا حسنا ويوما مشهودًا. ثم في يوم الاثنين رابع شعبان ركب الخليفة، والسلطان والقاضي والوزراء والأمراء، وأهل الحل والعقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت ظاهر القاهرة؛ فألبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء وعمامة سوداء، وطوقًا في عنقه من ذهب، وقيدًا من ذهب في رجليه. وفوض إليه الأمور في البلاد الإسلامية، وما سيفتحه من بلاد الكفر، ولقبه بقيم أمير المؤمنين؛ وصعد فخر الدين بن لقمان رئيس الكتاب منبرا، فقرأ عليه تقليد السلطان، وهو من إنشائه وصورته: الحمد لله الذي أضفى (١) على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة درره وكانت

стр. 667

خافية بما استحكم عليها من الصدف، وشيد ما وهى من علائه حتى أنسي به ذكر من سلف، وقيض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمته التي رتعت (١) الأعين منها في الروض الأنف، وألطافه التي وقف الشاكر عليها، فليس له عنها منصرف. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة توجب من المخاوف أمنًا، وتسهل من الأمور ما كان حزنًا. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جبر من الدين وهنا، والذي أظهر من المكارم فنونًا لا فنًّا، صلى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا في الدين فاستحقوا الزيادة بالحسنى، وبعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا في تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى سعيه للحمد متقدما، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدًا ومتهما، وما بدت يد المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرم منه نارا، وأجرى منه دما. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني شرفه الله وأعلاه. ذكره الديوان العزيز النبوي الإمامي المستنصري أعز الله سلطانه تنويهًا بشريف قدره، واعترافًا بصنيعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره. وكيف لا، وقد أقام للدولة العباسية، بعد أن أقعدتها زمانة (٢) الزمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان، وعتب دهرها المسيء لها فأعتب (٣) ، وأرضى عنها

стр. 668

زمنها. وقد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربًا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق من أمورها واسعا رحبًا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوًّا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام بأمر الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل وصوله إليه، ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها يوم القيامة حسابه والسعيد من خفف من حسابه. فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحيفة صنعه، ومكرمة تضمنت لهذا البيت الشريف بجمعه، بعد أن حصل الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع؛ ويعترف أنه لولا اهتمامك لاتسع الخرق على الراقع، وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية، والديار البكرية والحجازية، واليمنية والفراتية، وما يتجدد من الفتوحات غورًا ونجدًا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت بالمكارم فردا، ولا جعل منها بلدًا من البلاد، ولا حصنا من الحصون يستثنى، ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في الأدنى. فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا، وخلص نفسك من التبعات اليوم ففي غد تكون مسئولا لا سائلا، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا، وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها حائلًا زائلًا؛ فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى؛ فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة. وابسط يدك بالإحسان، والعدل فقد أمر الله بالعدل وحث على الإحسان، وكرر ذكره في مواضع القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليها وآثاما، وجعل يومًا واحدا منها كعبادة العابد ستين عاما، وما سلك أحد سبيل العدل إلا واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمر به بعد تداعي أركانه، وهو مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث زمانه؛ والسعيد من تحصن من حوادث الزمان.

стр. 669

وكانت أيامه في الأيام أبهى من الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد. وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام؛ فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك، فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه في تصرفاته رقيبًا، واسأل عن أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسؤولا، وبما اجترم (١) مطلوبا. ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا. وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق؛ وألا يعاملوا أحدًا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعايا إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وألا يستحلوا حرماتهم إذا أستحل الزمان لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم ولو كان أميرا عليه وسلطانا. والسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، واستنوا (٢) بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله؛ ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيئ السنن، وجدد من المظالم التي هي من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالها المحامد، فإن المحامد رخيصة بأغلى ثمن. ومهما جبي منها من الأموال فإنما هي باقية في الدم حاصلة، وأجياد الخزائن وإن أضحت بها حالية؛ فإنما هي على الحقيقة منها عاطلة؛ وهل أشقى ممن احتقب (٣) إثما، وأكتسب بالمساعي الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم له يوم القيامة خصما، وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعماله، وقد خاب من حمل ظلما! وحقيق بالمقام الشريف المولوي السلطان الملكي الظاهري الركني أن تكون

стр. 670

ظلامات الأنام مردودة بعدله، وعزائمه تخفف ثقلا لا طاقة له بحمله؛ فقد أضحى على الإحسان قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لغيره ممن تقدم من الملوك وإن جاء آخرًا. فاحمد الله على أن وصل إلى جانبك إمام هدى أوجب لك مزية التعظيم، ونبه الخلائق على ما فضل الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه أمور يجب أن تلاحظ وترعى، وأن يوالي عليها حمد الله؛ فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا، وقد تبين أنك صرت في الأمور أصلًا وصار غيرك فرعا. ومما يجب أيضا تقديم ذكره أمر الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضًا، وهو العمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضًّا. وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم. وقد تقدمت لك في الجهاد يد بيضاء أسرعت في سواد الجهاد، وعرفت منك عزيمة هي أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، وأشهى إلى القلوب من الأعياد، وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، وبعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول؛ وسيفك أثر في قلوب الكافرين قروحًا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع من الخلافة ما كان عليه في الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا، وكن في مجاهدة أعداء الله إمامًا متبوعا لا تابعا، وأيد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعا سامعا (١) ، ولا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تبسم لك الثغور، واحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدما، وشيد منها كل ما غادره العدو منهدمًا؛ فهذه حصون بها يحصل الانتفاع، وهي على العدو داعية الافتراق والاجتماع، وأولاها بالاهتمام ما كان
следующие страницы →