← Акыда

Акыда · id 32881

منهج القرآن في القضاء والقدر

محمود محمد غريب

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

وهذا النوع من الهداية قد أثبته الله لنبيه محمد ﷺ فقال تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢). أي تعلم وترشد. وغني عن البيان أن هداية الإرشاد سبب في هداية التوفيق . * * * هداية التوفيق فاز بها الذين سعدوا، فأوصلتهم إلى الجنة (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧). بعد أن عاشوا دنياهم في أمان (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢). وقد نالوا هداية التوفيق عندما قبلوا هداية الإرشاد، واستجابوا لله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥). وأثر هذه الهداية في عقيدتهم أن الله أورثهم فرقانا في قلوبهم يفرقون به بين

стр. 37

الحق - الذي هو منهج الله - وبين الأهواء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩). كما يسر لهم الطريق إلى الخير في الدنيا، فلم يجدوا عسرا في نفوسهم، عندما يعزمون على طاعة الله، أما مشقة التنفيذ فقد ذللها حبهم للخير، وإصرارهم عليه (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨). وإذا أغراهم الباطل بكل سلاح، عصمهم الفرقان الداخلي (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ). إن هداية التوفيق سر من أسرار الله، يمنحها لمن قبِل هداية الإرشاد. من هنا كانت هداية التوفيق من صنع

стр. 38

الله وحده (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ). وقد نفى الله عن النبي ﷺ القدرة على هداية التوفيق (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). فالنبي ﷺ يقدر على هداية الإرشاد، ولا يملك هداية التوفيق. وهداية التوفيق يهبها الله سبحانه لمن قبِل هداية الإرشاد. أما من كذَّب وتولَّى فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤). إن سائق السيارة إن قبِل إرشادك للطريق السوي، وشكر لك، ثم تعطلت مركبته، فأمله في عونك كبير. أما من رد إرشادك، وأصر على السير في الطريق الوعر، فلن ينال عونك، إن تعطلت مركبته. هذا ولله المثل الأعلى (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤).

стр. 39

إن الله يتمم لك ما عزمت عليه. فإن جادت نفسك بالخير خوفا من الله وتصديقا بلقائه، يسَّر الله طريقك إلى الخير (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧). إن وجد الله الخيرَ في قلبك أعطاك خيرا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠). معادلة ثابتة، والله أكرم (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا) إن شحت النفس، وتبجح العبد على ربه، هوى بقصده في النار. (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠). إن الزارع يضع البزر، والله ينبت النبات. فازرع حياتك خيرا. فالحياة فرصة، والله يتمم لك ما تريد. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩).

стр. 40

أو ازرع حياتك إن شئت شرا، ولكن عند قطف الثمر، لا تتهم القدر. * * * رابعاً: هداية المؤمنين لمنازلهم في الجنة الجنة واسعة، لأنها ظلال لرحمات الله التي وسعت كل شيء (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣). فكيف يعرف أهلها منازلهم؟ هذا هو مجال الهداية الرابعة، قال تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦). كيف يهديهم بعد أن استشهدوا؟ إن الهداية هنا هي إرشادهم إلى منازلهم في الجنة، وهو المشار إليه بقوله تعالى (عَرَّفَهَا لَهُمْ). هذه هي المعاني الأربعة للهداية في القرآن الكريم.

стр. 41

مفاهيم مظلومة أولاً: القضاء بين الأمس واليوم كان السلف الصالح يجعلون من الإيمان بالقدر زادا في معاركهم، فقد ولَّد هذا الإيمان إقداما وشجاعة. لقد غرس في قلوبهم الإيمان بأن العمر محدود والرزق مكفول، فخاضوا معاركهم آمنين على أنفسهم ومستقبلهم. إن شعارهم دائما (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا) وهذا الشعور ولد عندهم الإقدام آمنين قال شاعرهم: أي يومي من الموت أفر. . . يوم لا قُدِر أم يوم قدر يوم لا قُدِر لا أرهبه. . . ويوم قدر لا ينجي الحذر

стр. 42

هذه عقيدتهم، وأثرها في حياتهم، بها سادوا الدنيا، وقهروا الجبابرة. ثم خلف من بعدهم خلف ركنوا إلى الراحة ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وفسروا القضاء والقدر تفسيرا مثبِّطا لهمتهم، وملجأ يلجأون إليه عند الفرار من تحمل المسئولية. ثم من بعد هذا جعلوه عذرا يعتذرون به عندما يضيعون الفرصة. ونسمع من كلامهم: " أقام العباد حيث أراد " " هذا حظي " " المكتوب على الجبين لابد أن تراه العين " حتى أطلق بعضهم على البغاء اسم الوعد، ومنهم من قال: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له. . . إياك إياك أن تبتل بالماء سامح الله هذه الأمة - لقد أضاعت نفسها يوم أن ضيعت دينها، وتكاسلت باسم القدر، ونامت في النور،

стр. 43

بينما استيقظ غيرها في الظلام،وجد السير فوصلوا. سامح الله هذه الأمة - إن أكثرها يدافع عن الخرافات أكثر من دفاعهم عن دين الله. * * * ث انياً: أمر الله ومن المفاهيم المظلومة، قول بعض الغارقين في شهواتهم: هذا أمر الله، يدافعون بذلك عن انحطاطهم وقد كذَّب القرآن دعواهم (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). بهذه المكارم أمر الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى). فالله سبحانه لا يأمر بالفحشاء. إن الشيطان يأمر بالفحشاء. قال تعالى:

стр. 44

(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨). فأي إساءة للأدب، وفساد للفطرة، هذه التي تسمح لصاحبها أن ينسب إلى الله ما لا يليق به. وقد سألني بعض الشباب عن معنى قوله تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦). وحتى لا نخطئ فهم القرآن، لابد أن ندرس الآية الكريمة في ضوء السياق القرآني الذي ذكرت فيه، فقد سبقها ما يؤكد المسئولية الفردية (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤). والإنسان يتحمل نتيجة هدايته وضلاله (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا).

стр. 45

وكما أكد السياق الكريم المسئولية الفردية، رفع عن الناس عبء تحمل أوزار الآخرين، مهما كانت درجتهم من القرابة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والله سبحانه أرحم بعباده من أن يؤاخذهم على كفرهم من قبل إرسال الرسل إليهم (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥). في وسط هذا السياق جاءت الآية الكريمة تشرح قانون إهلاك القرى، بعد عصيان الرسل. والآن ما معنى الآية الكريمة؟ (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً) ظالمة بسبب تكذيبها للرسل لأن الله لا يهلك قرية حتى يبعث لها رسولا قال تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩). (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا). فاعل الفعل هو الله سبحانه، وما دام فاعل الأمر هو الله فإن الله لا يأمر بالفحشاء (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى).

стр. 46

(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ). هذه هي أوامر الله - كما وضحها القرآن - وبها نفسر قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) (فَفَسَقُوا فِيهَا) أي خالفوا الأمر، ومنه قوله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي خرج وخالف. (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وهذه سنة الله في الظالمين (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢). هذا هو تفسير القرآن للقرآن - حتى لا نخطئ فهم القرآن.

стр. 47

ثالثاً: إرادة الله وبنفس الأسلوب الهابط، يعتذرون عن معاصيهم بقولهم: هذه إرادة الله وهي كلمة حق أريد بها باطل، إن الله لم يقبل أن يُرغم عباده على طاعته فكيف يُرغمهم على معصيته؟ إنَّ جمع الناس على الهداية قهرا، يبطل رسالة الأديان، ويقعد الناس عن التسابق في الخير، والتنافس فيه. ويبطل الأجر على الطاعات، ويجعل عبادة الإنسان لا وزن لها في صحيفة عمله، قال تعالى (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨). إنَّ الجدل العقلي في هذا الموضوع لا نهاية له، ولا ثمرة منه. إنَّ الله أراد أن يجعل للإنسان إرادة يتحمل بها

стр. 48

نتائج فعله. وراكب القطار له حرية الحركة بين العربات، فإن أحدث مخالفة حوسب عليها؛ لأنه يتصرف باختياره. أما ما يتعلق بسير القطار، وتوقفه، ووصوله في الموعد، وتأخره فهذا شيء وإن كان له دخل بما قصدنا من السفر إلا أننا لا نستطيع تغييره. إن القرآن عندما سأل أصحاب النار عن سبب دخولها أجابوا بلا فلسفة ولا جدل (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧). اعترافات مرة، وحقائق بلا فلسفة ولا جدل. (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩).

стр. 49

أين فنون الجدل وفلسفة التنصل واتهام القدر؟!! لقد ذهب لهو الدنيا وبقي الحق. * * * علم الله لم يخع المبطلون أنفسهم بشيء كما خدعوها بأن معاصيهم حتمية الوقوع، لأنها سبقت في علم الله، ونحن نؤمن بأن الله بكل شيء عليم، وهذا الإيمان يدعو إلى الحياء من الله، الذي يراك حين تقوم، ويرقب حركاتك وسكناتك في الليل والنهار، فمن يرغب في المعصية، وهو يؤمن بعلم الله، فعليه أن يبحث عن مسرح لمعاصيه، لا يراه الله فيه. ويروى أن امرأة دفعتها الحاجة الشديدة إلى بيت رجل غني، وامتنع عن قضاء حاجتها حتى تمكنه من نفسها، وبعد تردد شديد، وخوف من الهلاك، أسلمت نفسها،

стр. 50

فقال لها مداعباً: إن الكواكب تحكي جمالك الفاتن. فقالت له: ترى الكواكب وأنا أرى موكب الكواكب، وهو غضبان، فانتفض الرجل خجلاً من الله - وقضى حاجتها، وأناب إلى ربه، فغفر له. فالإيمان بعلم الله حصن عن معاصيه، ولكن فنون الجدل العقيم، حولته إلى ستار لمعاصيهم. إن علم الله كالمرآة الصافية التي تعكس على كل إنسان حقيقة وجهه. فمن وقف أمام المرآة باسِم الوجه، طليق الملامح، يرى ابتسامة ونضرة. ومن وقف أمام المرآة عابس الوجه، كئيب الملامح، فلا يتهم المرآة. إن المدرس الماهر يعلم مصائر تلاميذه قبل الامتحان، وليس من حق تلميذ فاشل أن يقول: إن علمك برسوبي مسبقاً، هو السبب في رسوبي. إن المدرس أدى واجبه، فقد شرح ونصح، هذا - ولله المثل الأعلى.

стр. 51

إن الله يعلم بعلمه القديم ما سيختاره العباد من خير أو شر. فيسر كل إنسان لما عزم عليه، إقرارا ً لحريتهم، وتطبيقاً لقانون الجزاء العادل فيهم. ونسألهم: لماذا لا ينسبون فعل الخير الذي تعلمونه إلى علم الله، كما تنسبون المعاصي إلى علمه سبحانه؟ لماذا لا تقولون: إننا نتصدق، ونقضي حاجات الناس؛ لأنه جرى في علم الله أننا سنفعل هذا، فلا ثواب لنا؟ هل يتصورون علم الله خاصًّا بمعاصيهم؟ أم أن نفوسهم خلت من الخير، فلم يشغلوا أنفسهم به. إن صفة العلم بالنسبة لله سبحانه، صفة انكشاف، وليست صفة إجبار. إن الله سبحانه هداك النجدين، وأرسل الرسل، فتخيَّر زادك، فالسفر الطويل يحتاج إلى زاد. * * * خير من الجدل خير من الجدل - الذي لا ثمرة منه - أن نقرأ معا هذه

стр. 52

الآية الكريمة، التي تحدد ما يصح أن ينسب إلى الله، وما يصح أن ينسب إلى الناس (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠). وقوله تعالى (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١). فانسب المعصية إلى نفسك واترك الجدل، والجأ إلى ربك واعتذر، فسترى اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. وبعد: كل شيء في الكون يمارس نشاطه على وجه واحد، بدون اختيار، إلا الإنسان، فإنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يفعل النقيضين باختياره، ومن هنا كان الثواب والعقاب.

стр. 53

من تجارب الحياة جمعني عملي بالدعوة بعدد كبير من الشباب، فتحت لأكثرهم قلبي، وحاولت أن أرشدهم إلى الخير. وأفادتني هذه التجربة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي: أن أكثر الذين يحاولون نسبة انحرافاتهم إلى القدر، هم الغارقون في الشهوات - الذين تضعف إرادتهم عن تكاليف التوبة. إنهم بهذا الزعم يريدون إسكات صوت النفس اللوامة فيهم - وإيقاف سياطها، بل إن بعضهم يفرُّ إلى الإلحاد من أجل أن يُخدِّر ضميره، ويوهم نفسه، بأنه لا إله، ولا حساب، مع علمه الداخلي بكذب دعوته (١)

стр. 54

وقد جمعني مجلس - في بلد عربي - بأحد هؤلاء الناس. جادلني في موضوع الجبر والاختيار، وأسرف في الجدل مصرًّا على أن الإنسان مسيَّرٌ. فاستأذنت من الحاضرين في الانفراد به بعض الوقت؛ لأن المناظرات العامة مقبرة للحقيقة، وحين أفردت به، نظرت إليه في ترحم وقلت له: استغفارك الله، خير من هذا الجدل، الذي لا يكفر ذنبا، ولا يمحو خطيئة. فانفرط في البكاء وقال: ادع الله أن يغفر لي.