← Акыда

Акыда · id 328

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (503 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث (الاجتهاد والتقليد، السنة والبدعة، العقيدة) تأليف عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٣٨٦) تحقيق علي بن محمد العمران و محمد عزير شمس

стр. 2

راجع هذا الجزء عبد الرحمن بن صالح السُديس سليمان بن عبد الله العُمير

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فبين أيدينا الآن كتاب من أعظم كتب الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى، حقّق فيه الكلام على مسائل كبرى تتعلق بالعقيدة، والسنة والبدعة، والاجتهاد والتقليد، فدقّق وحقّق، وناقش واستدلّ وتعمّق، وأطال وتوسّع وأغْدَق، وناقش المخالفين وأنصفهم وتحقّق. والعجب أنه ألّف هذا السِّفر النفيس في مقتبل شبابه، وعلى حين غُربة عن وطنه، وبُعدٍ عن كتبه، وعلى جناح سفر! وقد دلّت تلك المعطيات جميعًا على براعة المؤلف المبكّرة، وامتلاكه لناصية علوم الاجتهاد في تلك السن، ودلت أيضًا على صفاء مشربه، ووضوح طريقته، وانتهاجه نهج السلف الصالحين والعلماء المحققين؛ في قضايا الاعتقاد، ومسالك السنة والبدعة، ومسائل الاجتهاد والتقليد. وهذه المسائل الثلاث هي المسائل الرئيسة التي ناقشها في الكتاب على ما سيأتي مفصلًا. وقد كان إخراج الكتاب بهذه الصورة عملًا مضنيًا شاقًّا نحتسب أجره وتعبه، وذلك لأمور اكتنفت نسخَه ومخطوطاتِه كما سيأتي شرحه، فالحمد لله على ما يسّر ووفق وأعان. وقد كان العمل في تحقيقه من أوله إلى ص ١٧١ من نصيب محمد عُزير شمس، ومن ص ١٧٢ إلى ٤٥٤ من نصيب علي بن محمد العمران.

стр. 4

بالإضافة إلى ملاحق خمسة متعلقة بالكتاب اشتركنا فيها. ولنتحدّث عن الكتاب بما يكشف عن مضمونه ويعرّف به في النقاط الآتية: - موضوع الكتاب. - اسم الكتاب. - تاريخ تأليفه. - سبب تأليفه. - عرض مفصّل لموضوعات الكتاب. - العثور عليه ومعاناة ترتيبه والعمل عليه. - وصف النسخة الخطية. - طريقة العمل في الكتاب. - ترجمة الشيخ أحمد السوركتي. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. المحققان علي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس في ٢٠ من رمضان ١٤٣٣ هـ

стр. 5

- موضوع الكتاب الكتاب عبارة عن جواب لسؤال سائل عن كتاب (المسائل الثلاث) للشيخ أحمد بن محمد السوركتي، فإن السوركتي ألف رسالة بهذا العنوان ناقش فيها ثلاث قضايا هي: بعض قضايا الاعتقاد، وبعض الأمور البدعية، ومسائل الاجتهاد والتقليد. وكان تأليف السوركتي لهذه الرسالة إبّان اشتداد الخلاف بينه وبين بعض السادة العلويين في إندونيسيا حول قضايا في العقيدة والاجتهاد والتقليد والسنة والبدعة (١)، فيبدو أن قدوم المؤلف إلى هذا البلد كان في وقت اشتداد الخلاف في هذه القضايا وغيرها بين الفريقين. فطلب هذا السائل من المؤلف ثلاثة أمور: أن يبدي رأيه في هذه الرسالة إجمالًا، ثم في مؤلفها، ثم يتكلم على مسائلها تفصيلًا. فلبّى الشيخ الأمرين الأولين واعتذر عن الأخير، فألحّ عليه السائل، فاستعان بالله وكتب هذا الكتاب. وسيأتي تفصيل مباحثه في عرض موضوعات الكتاب. - اسم الكتاب لم نقف على تسمية للكتاب في أي من الأوراق التي عثرنا عليها مما هو متعلق بهذا الكتاب، ولا في أوراق المؤلف الأخرى التي وقفنا عليها، _________ (١) انظر طرفًا منه في كتاب «حضرموت وعدن وإمارات الجنوب الغربي» للبكري، و «تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا» لأحمد أبو شوك.

стр. 6

وحيث كان موضوع الكتاب كما أسلفنا هو الكلام على رسالة الشيخ أحمد السوركتي (المسائل الثلاث) استوحينا اسمًا من هذه المناسبة، فرأينا أن نطلق عليه اسم «تحقيق الكلام في المسائل الثلاث» كعنوان رئيس، وذكرنا تحته بخط أصغر الموضوعَ الرئيسَ لهذه المسائل إجمالًا؛ فقولنا: (تحقيق الكلام) مناسبته أن المؤلف نحا في كتابه نحو التحقيق والاجتهاد في كل المباحث التي عرض لها، فناسب أن نقول (تحقيق الكلام)، وقولنا: (المسائل الثلاث) لأنه عنوان رسالة السوركتي، ويصلح أيضًا أن ينطلق على المسائل التي حقّقها المؤلفُ هنا وأدارَ الكلام في الكتاب عليها. - تاريخ تأليفه أسلفنا أن هذا الكتاب ألفه الشيخ في مقتبل شبابه، فقد ألَّفه سنة ١٣٤٤ هـ في إندونيسيا وهو في الثانية والثلاثين من عمره. يدلّ على ذلك أمران: ١ - ما ذكره المؤلف في المجموع رقم ٤٦٥٧ (ص ٢٢) فقال: «مما يحتاج إلحاقه في رسالة الاجتهاد والتقليد: الأم جزء ١ ص ١٣٢». وتحته فائدة قُيّدت في يوم الخميس جمادى الثانية ٤٤. أي سنة ١٣٤٤ هـ. ٢ - أن الشيخ السوركتي من سكان إندونيسيا ــ كما سيأتي في ترجمته ــ، وطبعت رسالته هناك، وصار بسببها لغط ونقاشات من بعض المتصوفة والمخالفين للسنة، فقُدّمت هذه الرسالة للشيخ المعلمي أثناء مقامه هناك إبان قدومه من اليمن. وهل رجع المؤلف إلى كتابه بعد هذا التاريخ للإضافة والتنقيح؟ الجواب: أن المعروف من طريقة المؤلف أنه يعتبر كتبَه، وينقّحها

стр. 7

ويضيف إليها، بل يكتب نسخًا عدةً بغرض الوصول لنسخة منقحة، وما عثرنا عليه من أوراق الكتاب تدلّ أنه كتبه مرة واحدة، لكنه كان يكتب بعض المباحث مرتين، وربما أضاف بعض الفوائد أو المراجع التي لم يكن وقف عليها وقت تأليفه للكتاب كإحالته على «فتح الباري» لابن حجر، فإنا نرجّح أنه لم يكن بين يديه وقت تأليف الكتاب؛ لأنه ينقل عنه بواسطة ثم وقف عليه بعد ذلك وألحق الإحالة. - سبب تأليفه ذكر المؤلف في صدر كتابه أن مناسبة تأليف الكتاب: أن بعض الإخوان أطْلَعه على كتاب بعنوان «المسائل الثلاث» للشيخ أحمد بن محمد سوركتي، وطلب من الشيخ ثلاثة أمور: ١ - أن ينظر فيه ويقدِّر حيثية مؤلفه؛ لأن كثيرًا من المخالفين له آنذاك كانوا يجهِّلونه ويبدِّعونه. فطالعه الشيخ ووصف مؤلفه بأنه على مكانة من العلم والدين والفهم الصحيح في الكتاب والسنة، لا يُنكِر هذا إلا مَن كان ناظرًا من وراء حجاب الهوى والتقليد. ٢ - وطلب منه السائل أن يبيِّن ما يجب التنبيه عليه في الكتاب المذكور، فذكر ملاحظةً حول رأي المؤلف في علة النهي عن الجلوس على القبور، وعقَّب عليه بما رآه راجحًا في ضوء الأحاديث. ٣ - وطلب منه السائل أيضًا الكلام على تلك المسائل الثلاث، فاعتذر منه، ولمَّا لم يعذره شرع في كتابة ما تيسر مستعينًا بالله ومرجئًا البسط إلى وقت آخر.

стр. 8

- عرض مفصّل لموضوعات الكتاب حقق الشيخ في هذا الكتاب الكلام على المسائل الثلاث: (الاجتهاد والتقليد، والسنة والبدعة، ومباحث من العقيدة). * المسألة الأولى: في الاجتهاد والتقليد بعد الخطبة وبيان مناسبة التأليف قدم له بمقدمة في بيان التكليف وما يتصل به، وذكر في أثنائها أن بقاء التكليف لما كان متوقفًا على بقاء الكتاب والسنة واللسان الذي وردا به، تكفَّل الله بذلك. بيَّن المؤلف طريقة حفظ القرآن والسنة واللغة، وأن بحفظها حصل حفظُ الدين، وقامت الحجة على العالمين. ثم عقد فصلًا لبيان الدليل القطعي والظني، وأن الأحكام أيضًا على قسمين: قطعي وظني، وأحال للتفصيل إلى أصول الفقه، ثم عقد فصلًا لبيان حقيقة الظنّ، وحكم العمل بالدليل الظنّي، وما هو الظنّ الذي ذمّه الله سبحانه في القرآن الكريم، وأجاب عنه بجوابين: إجمالي وتفصيلي، بحيث تناول كل آية، وبيَّن معناها، وذكر الأدلة الموجبة للعمل بالظن بشرطه، ثم عقد فصلًا لبيان أن الله تعالى خلق بني آدم على الفطرة، وركَّب فيهم العقول، وأمدّهم بآلات توصلهم إلى المطلوب منهم من السمع والأبصار والأفئدة وغير ذلك من الحواس الظاهرة والباطنة. ثم أرسل إلى كل قوم رسولًا بلسانهم، وأرسل محمدًا ﷺ إلى الخلق كافة وأنزل عليه الكتاب وأمدَّه مع ذلك بالسنة بيانًا للقرآن وإيضاحًا له، واختار له أصحابًا أمناء حفظ الله بهم كتابه وسنة نبيه. ثم فصَّل القول في طريقة تلقي الصحابة الأحكام عن النبي ﷺ ، وكيف كان عوامُّ القرن الأول يستفتون العلماء ويعملون، وكيف كان

стр. 9

حالهم في زمن التابعين وأتباعهم ومن بعدهم. ثم عقد فصلًا ذكر فيه أنه لما كان معرفة الدليل من الكتاب والسنة متوقفًا على العلم بهما، وجب أحد أمرين: إما أن تكون معرفة ذلك فرض عين على كلِّ مكلَّف، أو تكون فرض كفاية. وعليه فما هو فرضُ القاصر؟ أتقليد أحد المجتهدين أم غيره؟ ومن هنا ينشأ الكلام على المسألة الأولى في هذا الكتاب، وهي الاجتهاد والتقليد. وطريقة المؤلف فيها ذكر حجج الفريقين غالبًا بقوله: «قال المقلدون» و «قال المانعون»، ليطلع القارئ على ما أدلى به الفريقان، فيتيسر له الحكم بينهما. بدأ المؤلف كلامه في الاجتهاد والتقليد بذكر أن تحصيل العلم مراتب: ١ - تحصيل علوم اللسان العربي. ٢ - العلم بأصول الفقه. ٣ - العلم بالكتاب والسنة. وفرض المجتهد هو الاجتهاد في كل ما يعرض له، وفرض من لم يحصّل المرتبة الثالثة سؤال المجتهد، فيتلو عليه المجتهد الآية أو يروي له الحديث، ويُخبره أنه قد اجتهد فلم يجد ما يعارض ذلك، ويفسّر للعامي أو الأعجمي الآية أو الحديث بلغته. وعقد فصلًا بعنوان «سؤال المجتهد» بيَّن فيه كيف كان العمل في حياة رسول الله ﷺ وفيما بعد من القرون الثلاثة، ثم بدأ الحوار بين المقلدين

стр. 10

والمانعين، يذكر وجهة نظر كل طائفة وأدلتها، وأشار في أثنائه إلى نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وبيَّن أن إفتاءهم للناس على طريقة السلف من إجابة السائل بتلاوة الآية أو رواية الحديث وتفسير ذلك وبيان دلالته. وذكر أجوبة المانعين عن خمسة أسئلة للمقلدين، وهي: (١) أأنتم أعلم أم الأئمة الأربعة، فإن قلتم: هم أعلم، فكيف يسوغ لكم مخالفتُهم؟ (٢) أأنتم أعلم أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم مقلِّدين لهم؟ فإن قلتم: هم أعلم، فلِمَ لا تقلِّدون كما قلَّدوا؟ (٣) ما تعتقدون في المقلِّدين من علماء وغيرِهم وهم جمهور الأمة، أهم على حقّ أم على ضلالة؟ (٤) ما تعتقدون في مشايخكم الذين أخذتم عنهم العلم ومشايخهم وهلمَّ جرًّا؟ (٥) ما تعتقدون في مؤلفي هذه الكتب التي تأخذون عنها العلم. وبالرد على هذه الأسئلة بتفصيل من قبل المانعِين تنتهي المسألة الأولى المتعلقة بالاجتهاد والتقليد. * المسألة الثانية: السنة والبدعة كتب المؤلف تمهيدًا في نحو عشرين صفحة، ذكر فيه أولًا معنى السنة والبدعة والمحدثة لغةً واصطلاحًا وشرعًا، وقرر أن كل فعل من الأفعال إما أن يكون موافقًا للكتاب والسنة وإما أن يكون مخالفًا. ولا واسطة بينهما. والموافق ما دلَّ على موافقته دليلٌ معتبر منهما، فهو من السنة، والمخالف ما

стр. 11

دلَّ على مخالفته دليلٌ منهما، فإن كان موجودًا من أول الإسلام فهو حرام أو مكروه ولا يُسمَّى بدعة ولا محدثة، وإن لم يكن موجودًا من أول الإسلام بل حدثَ بعد ذلك فهو محدثة بدعة. وليس المراد بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أن يكون كل شيء بنص خاص، وإنما المراد أنه ما من شيء إلّا وحكم الله فيه مبيَّن في كتابه، إن لم يكن بالمطابقة فبالتضمن أو الالتزام أو المفهوم. ثم ذكر المؤلف أمثلة لذلك في المأمورات والمباحات والوسائل. وتكلم على معنى حديث «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات»، فإن ظاهره إثبات الواسطة. وردّ عليه بأن المشتبهات ما تعارضت فيه دليلا الحل والحرمة، فإنه عند من لم يظهر له الترجيح ــ وهم كثير من الناس ــ مشتبه، فأرشد النبي ﷺ بأن يُعمل فيه ما يقتضي الاحتياط، مع أنه في نفس الأمر إما حلال وإما حرام. فالحديث دليل على عدم الواسطة عند التأمل. ثم إن الأشياء الحادثة بعد عصر النبوة نوعان: الأول: ما كان فيما يتعلق بمصالح الدنيا مما لا يضر بالدين، فهذا جائز لدخوله تحت عمومات الإباحة، فليس بدعة في الشرع ولا محدثة، لموافقته للشرع. الثاني: ما كان فيما يتعلق بالأمور الدينية خاصةً، فهذا على قسمين: وسائل ومقاصد. فأما الوسائل فإنه يجوز العمل بما أُحدِث منها بشرط تعذُّر أو تعسُّر الوفاء بمقصدها الديني بوسيلته التي كان العمل عليها في عهده ﷺ . ومن هذا إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد. وأما المقاصد فالمحدث منه كلُّه بدعة ضلالة، وليس منه صلاة التراويح كما يظن

стр. 12

بعضهم، فإنها من السنة. وقد أطال الكلام في بيان ذلك. ثم ذكر أن اختراع قواعد اللغة العربية صالح لأن يكون من النوع الأول، فإن الناس محتاجون إلى اللغة في أمور دنياهم، وأن يكون من النوع الثاني، فإن الدين محتاج إلى معرفة اللغة، وعلى هذا فهو من الوسائل. وفي ضوء ما ذكر شرح معنى الحديث المشهور: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها ... »، وبيَّن أن المراد بالسنة فيه معناها اللغوي، أي من عَمِل في الإسلام عملًا حسنًا يتبعه فيه الناس، كما يدل عليه سبب الحديث. ثم ذكر أمثلةً من المخالف الموجود من أول الإسلام: شرب الخمر ودعوى الجاهلية والنياحة، وبيَّن أن من المخالف المبتدع غلوُّ بعض الفرق بالخوض في آيات الصفات إلى صريح التشبيه، أو تأويل ما ورد في الكتاب والسنة منها، وردَّ على من يرى ضرورة الخوض في علم الكلام لإبطال شبه المبتدعة، ويجعله من القسم الأول من النوع الثاني مثل جمع القرآن ونحوه. وقرَّر أن جميع البلايا التي فرَّقت أهل الإسلام ومزَّقت شملهم ناشئة عن سببين: أحدهما: الخوض في آيات الصفات وأحاديثها، والرغبة في إدخالها تحت القوانين الفلسفية. والثاني: إحياء ما أماته الدين من العصبيات القومية. وقد حرص الشارع على بقاء دين الإسلام دينًا واحدًا لا اختلاف ولا افتراق فيه، ولما كان الاختلاف في الدين قد يكون في الأصول وقد يكون في الفروع، جاء الشرع بمنع الخوض في الأصول، بل ما كان منها ظاهرًا فأمره واضح، وما كان بخلاف ذلك فالواجب الإيمان به فقط دون الخوض

стр. 13

فيه. وقد أورد المؤلف الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك، وذكر أن الأشعري رجع عن الخوض فيه إلى مذهب السلف، وكذا غيره من أكابر المتكلمين. ولكن بعدما تمزَّقت الجامعة الإسلامية سلكت كل فرقة مذهبًا، وحصل الاختلاف الذي ورد النهي عنه، والتنازع والفشل الذي حذَّر الله ورسوله منه. أما الفروع فقد جاء الإسلام فيها بما يمنع الاختلاف، وهو ردُّ ما اختُلف فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولكن البلاء دخل على المسلمين من هذه الجهة أيضًا، بحملهم على تقيُّد كل فرقة منهم بمذهب مخصوص، مع الإعراض عن أدلة الحق ونصوصه من الكتاب والسنة، وآل بهم الأمر إلى العصبية المنهي عنها، فصار كلُّ أحد يتعصب للمذهب الذي ينتمي إليه ويقدح فيما عداه. وهكذا تجزأت العصبية الدينية. وبعد هذا التمهيد الذي قرَّر فيه معنى السنة والبدعة حدد ستة مباحث تتعلق بمسائل من العقيدة والتوحيد تكلم فيها عن حكم هذه المسائل بالدليل والحجة وما يجوز منها وما لا يجوز، وناقش المخالفين وفنَّد أدلتهم وشبهاتهم. البحث الأول: البناء على القبور لم يصلنا من هذا البحث إلا مسوّدته، وهذا ظاهر من خلال سياق المؤلف للأحاديث بأسانيدها ــ على خلاف عادته ــ. وأيضًا نقص المادة العلمية في البحث، فأكثر البحث في سرد الروايات وتلخيصها. وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مؤلَّف مفرد حافل سماه «عمارة القبور في الإسلام» وهو مطبوع ضمن هذه الموسوعة، فليراجع.

стр. 14

البحث الثاني: اتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور كتب المؤلف صدر هذا البحث عدة مرات رجّحنا أن ما أثبتناه هو أكملها وآخرها. فذكر أولًا حجة من يجيز البناء من القرآن وهو استدلالهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، ثم أجاب عن هذا الاستدلال من أوجه عديدة سواء على المنع من التسليم بالاستدلال أو بالتسليم. ثم نظر المؤلف إلى السنة فذكر الأحاديث الواردة في المنع من ذلك، فذكر جملة صالحة منها عن عدد من الصحابة، وأن فيها الكفاية لمن هداه الله. ثم ذكر وجه الدلالة منها على المسألة، ثم ذكر اعتراضًا وأجاب عليه. ثم عنون بقوله «تنبيهات»، فذكر تنبيهين يتعلقان بالاستدلال بالآية، والثالث كلام لابن حجر الهيتمي في عدّ الشافعية البناء على القبور من الكبائر. ثم نقل نصًّا عن يحيى بن حمزة من أئمة الزيدية يجيز فيه بناء القباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك ... مع الجواب عليه. والنص والجواب ذكرهما العلامة الشوكاني في رسالته «شرح الصدور» كما بينَّا في التعليق. وختم المؤلف البحث بنص لابن القيم من «زاد المعاد» في البناء على القبور وتحريمه ... ثم عنون بـ «تتمّة» ذكر فيها الجمع بين نهي النبي ﷺ عن البناء على قبره، وبين إدخال قبره الشريف في المسجد وهل هو من البناء عليه؟

стр. 15

البحث الثالث: زيارة القبور ذكر أولًا ما يُحتجّ به في المسألة من القرآن مع نقاش الاستدلال به، ثم ذكر ما يحتج به من السنة على المسألة، فذكر أحاديث الباب المتعلقة بزيارة القبور. ثم ذكر عدة فروع في المسألة وهي: ١ - علة النهي أولًا. ٢ - الحكمة من استحباب زيارة القبور. ٣ - في النساء هل يزرن القبور؟ ٤ - هل تُزار قبور الكفار؟ ٥ - كيفية الزيارة. ثم عقد فصلًا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين. فذكر أن الأصل مشروعية زيارة القبور عامة للأنبياء والصالحين وسائر المسلمين وإنما النزاع في شيئين: ١ - في شدّ الرحال. ٢ - الغرض المقصود من الزيارة. فذكر المسألة الأولى، وناقش دليلها المشهور «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... » ووجه الدلالة منه، والتحقيق في مسألة شدّ الرحال والمقصود منها. ثم خلص إلى مسألة الغرض من زيارة القبور، وهي المسألة الثانية، وعقد فيها مناظرة بين المانعين من شدّ الرحل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين وبين المجيزين لها بناءً على استدلالهم بخصوصية زيارة قبور الأنبياء والصالحين على غيرها من القبور، وأطال وأطاب في المناظرة بين

стр. 16

الفريقين، وخلص إلى المنع منها. البحث الرابع: التبرك بدأ هذا البحث بتمهيد قرر فيه أن كل عاقل يعلم أن النفع والضر بيد الله تعالى، ومن اعتقد في غيره قدرةً مستقلّة على النفع والضر فذلك هو الكفر. وأن هذا مما لا خلاف بين المسلمين فيه. ثم قرر أن المقاصد الدينية (التي يراد بها رضوان الله تعالى) والمقاصد الدنيوية التي لا يقدر عليها إلا الله، أو تتناولها قدرة البشر بالأسباب العادية وأريد تحصيلها بغيرها= كل ذلك لا يكون سببه إلا شرعيًّا، أي يفتقر ثبوته في الشرع إلى دليل معتبر. وإذا تقرر ذلك فالتبرك هو التسبُّب لحصول البركة، والمقصود به أحد الأمور الثلاثة السالفة، فثبوته مفتقر إلى دليل معتبر من الشرع. ثم ذكر بعض ما ثبتت بركتُه بالأدلة الشرعية؛ فذكر بركة ماء زمزم، وبركة القرآن الكريم والأدعية الشرعية، ثم خلص إلى الحديث عن الرقى وحكمها، ثم تكلم على التمائم والتِّوَلة وحكمها. ثم عاد إلى ذكر ما ثبت التبرك به، فذكر التبرّك بآثار النبي ﷺ وأدلته وأطال فيها، ثم ذكر الاختلاف في حكم التبرّك بوضع اليد على منبره ﷺ . ثم عقد مسألة هي معقد هذا البحث، وهي: هل للمسلمين أن يتبركوا بصلحائهم كما يتبرّك الصحابة برسول الله ﷺ استنادًا إلى تلك الأحاديث؟ فتكلم في المسألة في عشرين صفحة (ص ٢٣٩ - ٢٥٩) وجعلها على هيئة مناظرة بين المجيزين والمانعين، وجعل محور البحث والمناظرة في بيان الفرق بين النبي ﷺ وبين الصالحين والأولياء، فقياسهم التبرّك عليه لا يصح

стр. 17

مع الفارق، وكذلك قياس ذريته عليه لا يصح مع الأدلة على ذلك، ودفع الاعتراضات التي أوردها المجيزون. ثم عنون بـ «خاتمة» ذكر فيها أنه رأى في بعض الكتب بحثًا في فضل العلم والشرف أيهما أعظم ... ؟ فذكر كلامه وناقشه فيه، واختار أن العلم هو الأفضل. ثم ذكر ما بقي من أقسام التبرك، فذكر مسألة التبرك بالقبور والمشاهد وما بُني عليها، واختار التحريم، وذكر أدلة ذلك وفصَّل فيها بما لا مزيد عليه. البحث الخامس: التوسُّل ذكر معنى التوسّل، وقرّر أنه لا يُتقرَّب إلا بشيء قد أقرّه الشرع، أما التقرّب إليه بسؤاله والإقسام عليه بحق شيء من الأشياء فهو على أقسام، فذكر ثلاثة أقسام وحكم كل قسم منها. ثم ذكر حديث أن النبي ﷺ علّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسّل إليك بنبيك نبي الرحمة ... »، وذكر من استدل به على جواز التوسّل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وذكر حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ... ». فتكلم على الحديثين من حيث الثبوت، ورجَّح ضعفهما وعدم الاحتجاج بهما، وأجاب عن اعتراضات المجيزين ــ بعد أن تبسّط في عرضها ــ على تضعيف الحديث والاستدلال به. ثم عنون بـ «فصل» صدّره بأن المجيزين للتوسل المتعارَف لم يثبت لهم دليل صريح في ذلك، وذكر بعض حججهم وأجاب عنها ... ثم ختم البحث بقوله: «والذي أختاره لنفسي: أن أُكْثِر من الصلاة على النبي ﵌ أوّل الدعاء وأثنائه وآخره، وأتتبّع الأدعية الواردة في الكتاب والسنة

стр. 18

والإرشادات التي جاءت عن النبي ﵌ في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملًا بحديث الحسن السبط ﵁: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط ﵁، وما في معناه من الأحاديث. وأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه. فمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى». وهنا انتهى الكلام على البحوث الخمسة التي عنون لها. وقد أتبعنا هذه البحوث الخمسة بحثًا في حكم اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، لم يتحرّر لنا مكانه في الكتاب ولم يعنونه المؤلف بعنوان، فرأينا أن هذا الموضع هو اللائق بسياق موضوعاته. وقد بدأه بقوله: «قال المانعون: ومن المحدَث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا»، ثم ذكر أول مَن أحدث ذلك، ثم بدأ البحث ــ كما سبق في البحوث السالفة ــ على شكل مناظرة بين المجيزين لذلك والمانعين منه، فبدأ بقول المجيزين ثم المانعين وهكذا، وتطرق في أثنائه لحكم العمل بالحديث الضعيف وشروطه ... وأطال في الرد على من أجاز الاحتفال بهما والتشنيع عليهم.

стр. 19

ثم ختم البحث بذكر نص وقع له في «تاريخ المحبّي» فيه رأي لبعض العلماء بجواز ضرب الطبل في المسجد قياسًا على الجهاد، وأجاب عن ذلك بكلام طويل وتقرير ماتع. * المسألة الثالثة: النداء للغائبين والموتى وغيرهم تكلم على هذه المسألة في تمهيد وثلاث مقامات. أما التمهيد فلم نعثر منه إلا على بضعة أسطر، أفادتنا بذكر المقامات الثلاثة وهي: المقام الأول: في الاطلاع على الغيب (١) ذكر أولًا العلم القطعي وأقسامه الثلاثة، ثم عرَّف الغيب وذكر قسميه، ثم ذكر الصور الست لـ «علم الغيب» الناتجة عن الأقسام السالفة، ثم تكلم على الصور الستّ، لكن لم نعثر إلا على كلامه على الصورة الخامسة، أما باقي الصور (الأربع الأول والسادسة) فلم نقف عليها في قطع الكتاب التي وقفنا عليها. وفي الصورة الخامسة ــ وهي: العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق ــ ذكر أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور، فذكرها، ثم ذكر ما الذي يقع منها للأنبياء والملائكة والبشر وما الذي لا يقع. ثم شرع في الكلام على القسم الأول من الغيب، وذكر بعض ما يستدل به أهل الأرض على الغيب وهو لا يحصّل إلا الظن، فذكر: _________ (١) صدر هذا المقام (من ص ٣١٢ إلى ص ٣٢٧) وجدناه في المجموع رقم [٤٧٠٧].

стр. 20

١ - الرؤيا، وهل يلزم منها علم الغيب؟ (٣٢٨ - ٣٤٠). وقع في أول هذا المبحث نقص، وأول الموجود منه في حجج مَن يرى أن في الرؤيا دليلًا على علم الغيب ثم أجاب عنها فيما بعد. وتكلم على الرؤيا وأقسامها وصورها بكلام طويل نفيس، ورؤية النبي في النوم وتمثّل الشيطان به. ثم عقد فصلًا في مسألة مفارقة الروح للجسد عند النوم فذكر المذهبين وأدلتهما، واختار المؤلف الوقف والرد في علم ذلك إلى الله تعالى. ثم تكلم عن التنويم المغناطيسي ومعناه، وما يقاس عليه من أنواع السحر وتحضير الأرواح وغيرها، وهل تفارق الروح الجسد فيه، وتعرّض الروح لتلاعب الشيطان في تلك الأحوال. ثم ذكر عدة أشياء مما يَستدلُّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول وهو في حقيقته لا يُحَصِّل إلا الظنَّ، فذكر: ٢ - التحديث (٣٤١ - ٣٤٣). ٣ - والكهانة (٣٤٣ - ٣٤٨). ٤ - والنظر في النجوم (٣٤٨ - ٣٥١)، وذكر من متعلّقاتها. ٥ - ومعرفة الأنواء (٣٥١ - ٣٥٢). ٦ - ومعرفة أحوال النجوم المتعلقة بذواتها (٣٥٢ - ٣٥٣). ٧ - والخط في الرمل (٣٥٣ - ٣٥٤). ٨ - والعرافة (والفأل والطيرة) (٣٥٤ - ٣٥٥).

стр. 21

٩ - والطّرْق بالحصى (٣٥٦). ١٠ - والتفاؤل بالقرآن وغير ذلك (٣٥٦). ثم تكلم المصنف في فصلين متتاليين الأول عن استقلال الله سبحانه بعلم الغيب وأنه لا يشركه معه نبيّ ولا ولي، وساق النصوص والأدلة على ذلك. والثاني في علم النبي بالغيب، ذكر فيه حجة مَن قال بذلك وأجاب عنها، وذكر الأدلة على عدم علمه بالغيب من الكتاب والسنة وأنها في حقيقة الأمر لا تُحصى. ثم ذكر حديث حذيفة: أن النبي ﷺ قام مقامًا ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا حدَّث به ... » وأجاب عمن استدل به على علم النبي ﷺ للغيب وأطال في ذلك. ثم تكلم عن القسم الثاني من علم الغيب، وهو ما يكون غيبًا بالنسبة إلى بعض الخلق دون بعضهم، فذكر أنواعه الثلاثة، وهي: ما يختص بمشاهدته الملائكة، وما يختص بمشاهدته الجنّ، وما يشاهده البشر. وذكر أشياء مما يستدلون به على هذه الأنواع، فذكر منها الكهانة ووسوسة الشياطين، والنظر في النجوم والعرافة والطرق والخط والتنويم المغناطيسي وغير ذلك. وذكر مما يدخل في هذا الباب: ما يُؤثر عن أهل الرياضيات كالإشراقيين من الفلاسفة والبراهمة وبعض المتصوّفة ... فتكلم عن هذا النوع وما يصيب أولئك في تلك الأحوال، وما تُخيّله الشياطين لهم، ثم نقل نصًّا طويلًا عن ابن عربي الطائي نقله عنه الآلوسي في بعض كتبه ما يُفصح

стр. 22

عن هذه الخيالات والوساوس. ثم عرض لما يزعمه بعض المتصوّفة من أنهم يرون النبي ﷺ يقظةً ... وسبب زعمهم هذا والرد عليهم. وختم البحث بـ «خاتمة» ذكر فيها أنه أتى على جل ما يُستدل به على المغيبات، وأنه بقي كشف الصوفية وهو لا يخرج في جملته عما ذُكِر آنفًا. ثم خرج إلى موضوع متعلّق بكشف الصوفية وهو دعوى الإلهام عند بعض المتصوّفة، وكلامهم في حجيّته، ونقل كلام الشوكاني في «إرشاد الفحول» في الموضوع ثم علق عليه وردّ من زعم حجيّة الإلهام وأطال في نقاش حججهم بما لا مزيد عليه (٣٧١ - ٣٨٥). وبهذا يكون انتهى الكلام على المقام الأول وهو علم الغيب. المقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون ذكر أولًا قسميه، وهما: ما جرت به العادة، وهذا ثابت للأحياء، وما لم تجر به العادة، وهو ما يمكن أن يكون معجزة لنبي أو كرامة لولي، وذلك بحسب ما يتفق مع الحكمة الربانية. ثم ذكر حال النبي ﷺ وما ملّكه الله إياه مما هو داخل تحت قدرة البشر أما ما فوق ذلك فيملك الدعاءَ به فقط وقد يملك شيئًا منه على سبيل خرق العادة. ثم ذكر أنه من المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن متصرفًا في الكون وحجّة ذلك، وذكر قصة الخضر وما يمكن أن يستدلّ بها على قضية التصرف في الكون والجواب عن ذلك، واستطرد إلى قضية الإنكار على المخالفين في

стр. 23

تلك المسألة استدلالًا بفعل موسى مع الخضر. ثم ذكر أن الأدلة صريحة واضحة في إبطال ادِّعاء أن بعض الصالحين يملك التصرف في الكون، والذي غرّ أولئك المدّعين أمور تتعلّق بالتزوير وانتحال الفضل أو التقشّف أو أصحاب سوء يتأكّلون باسم الشيخ وغير ذلك. ثم انفصل إلى ذكر أن حالات أولئك المشايخ المتصوفة لا تخلو من أربع حالات: ١ - أن يكونوا من أهل الزيغ والإلحاد تستّروا باسم التصوّف وإظهار الزهد والتقشف ليكيدوا للإسلام. ٢ - أن يكونوا من أهل الإسلام لكن تلاعب بهم الشيطان. ٣ - أن يكونوا من أهل الخير والصلاح، لكنهم أرادوا أن يتكلموا بما ظاهره الكفر استدعاء لذم الناس لهم؛ ليكتسبوا بذلك كسر نفوسهم والأجرَ للاعتداء عليهم. ٤ - أن يكون لهم في كلامهم مرادات صحيحة، لكنهم عمّوها على الناس فجعلوها من قبيل الإلغاز، كما هو شائع في كلامهم .. واختار المؤلف أن كل أمر من هذه الأمور يوجد عند طائفة منهم، لكن الذي يدين الله به حُسن الظن بأشخاصهم وأنهم لا يعتقدون ما تدل عليهم مقالاتهم وإنما قالوها لغرض من الأغراض ظنوها حسنة، وذلك لا يمنعنا من انتقادهم وإنكار المنكر وبيان أن اعتقاد الظاهر منه فسق أو كفر أو جهل بحسب رتبته. مع النصيحة بالإعراض عن كتب هؤلاء ومؤلفاتهم.

стр. 24

ثم تكلم على الصوفية وكتبهم ودعاواهم أن أناسًا دسّوا عليهم فيها ... وكيف ركّبوا من كل أولئك خطة محكمة لترويج باطلهم ونشر خرافاتهم. ثم ذكر أن بعض من يُنسب إلى التصوّف يعدّ من أئمة الهدى كالجنيد، وأن بعض الصالحين ثبتت لهم كرامات، لكن ليس كل ما يدّعيه القصاصون صحيحًا بل كثير من حكاياتهم منقطعة ورواتها مجاهيل ... وأنه ينبغي أن توزن أمور الناس بميزان العدل، (فإن كان الشخص ملازمًا للطاعات، عاملًا بالكتاب والسنة معظمًا لهما ... فالظاهر أن الخارقة الواقعة على يده كرامة ... وإن كان بخلاف ذلك فالأمر بالعكس). وبهذا انتهى هذا المقام الثاني. المقام الثالث: النداء والطلب فذكر أولًا ما تقرر من أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده أو ما يُطْلِع عليه بعض خلقه، وأن المخلوق لا يملك شيئًا ولا يتصرف إلا بما جرت عليه عادة الخلق عليه، وبنى على ذلك أن كل نداء للغائب باعتقاد أنه يسمع أو يُبلّغ كل شيء أو بعض الأشياء لا يسوّغ نداءَه ولا الطلب منه. ثم ذكر المؤلف أن دعاء النبي قد لا يُستجاب لسَبْق الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وذكر آيات وأحاديث أخرى تدل على ذلك. ثم قرر أن كل من له اطلاع على السنة علم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ينادون غائبًا ولا حتى النبي ﷺ ، وإنما كانوا يطلبون منه ما يمكنه تحصيله بالأسباب العادية، وإلا سألوه الدعاء ... وذكر جملة من الأحاديث في ذلك، ثم قال: والأحاديث أكثر من أن تُحصى.

стр. 25

أما عند موته فلم يُنقل عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنه طلب منه شيئًا البتة، بل غاية أمرهم إن حضروا إلى قبره أن يسلموا عليه وعلى صاحبيه، ولا يطلبوا منه شيئًا، وحديث الاستسقاء بالعباس صريح في أنهم كانوا لا يرون الطلب منه إلا في حياته، أما بعد قبضه فلا. ثم أدار المؤلف حوارًا بين المجيزين للطلب منه حال موته، وبين المانعين من ذلك وأطال في تقرير حجج المانعين. ثم ذكر حجة المجيزين بأنهم يجتهدون في الدعاء فلا يجدون إجابة حتى إذا ذهبوا إلى القبر ودعوا استجيب لهم ... وذكر كثيرًا من الأمثلة على ذلك مثل حمل النساء، وإنزال الأمطار، والوفاء بالنذر، وشفاء المريض، ووقع الكثير من الخوارق للعادات. فأجاب المؤلف عن ذلك بجواب تأصيلي، ثم ذكر أن الخوارق قد قسمها العلماء إلى أقسام: معجزات للأنبياء، وكرامات للأولياء (وقد سلف التفصيل فيها)، ومنها ما هي من قبيل: الاستدراج، أو السحر والشعبذة والكهانة وغيرها. والكلام على هذه الخوارق من وجهين: ١) إنكار وقوعها مطلقًا وأنها لا تثبت إلا عن مشاهدة أو تواتر، ثم إن ثبتت فيمكن أن تكون شعبذة أو سحرًا أو مخرقة .. فيجب وزنها بميزان الشرع كما سلف، وهي وإن ثبتت فلا يبنى عليها شيء مخالف للشرع. ٢) الكلام على هذه الخوارق التي ذكروها واحدة واحدة بالتفصيل وبيان الحكم فيها وتلاعب الشياطين بعامة الناس في نسجها والتضليل بها.

стр. 26

ثم ذكر تنبيهًا أجاب فيه عما استَبْعَد به الناس من وجود الشياطين عند قبور الصالحين. ثم عاد إلى حوار المجيزين والمانعين وقد ناقش فيها مسائل مهمة في الاستعانة والاستغاثة، والطلب من المخلوقين، واعتقاد الضرر والنفع، والتوسّل، والتمسّح بالأضرحة، والنذر لها والذبح وغيرها. وفي نهاية البحث عقد عنوانًا بـ «الميزان» دعا فيه علماء الأمة للاستيقاظ من الغفلة والاجتماع وتأليف كتاب يكون ميزانًا في الاعتقاد، وبيَّن منهج وطريقة ذاك التأليف، وأن هذا هو الطريق الوحيد في ضم شمل الإسلام وأهله والتأليف بين قلوبهم. ثم ذكر جماع القول في تلك المسائل وهو: أن الله إنما يُعبد بما شرع، وتلك الأمور إما محدثة قامت الأدلة على بطلانها، أو فيها خلاف ونزاع فهي دائرة بين الحرام والمكروه أو المباح، فالسلامة منحصرة في ترك تلك الأشياء، فمن تركها فهو سالم لا محالة، والمسلم من حَرَص على السلامة بأيّ تقدير كان، ولا أسلم ولا أعلم ولا أفضل مما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وتابعوهم. وبه ينتهي الكلام عن المقام الثالث وينتهي الكتاب. ثم أتبعنا الكتاب بعدّة ملاحق وهي: ١، ٢ - ملحقان يتعلقان بمباحث الاجتهاد والتقليد. ٣، ٤ - ملحقان يتعلقان بالسنة والبدعة. ٥ - ملحق يتعلق بالرؤيا في المنام وعلاقتها بعلم الغيب.

стр. 27

وهي مباحث متفرقة بمسائل تتعلق بكتابنا، لم نجدها كاملة، ووقعت فيها خروم عديدة، وإدخالُها في متن الكتاب يشوّش ترتيبه ولا يتسق مع جملة مباحثه فألحقناها لتستفاد وأملًا في العثور على مكمّلاتٍ لها، يسّر الله ذلك بمنّه. - العثور على الكتاب ومعاناة ترتيبه والعمل عليه ذكرنا في مقدمة المشروع أننا عمدنا إلى كتب المؤلف فنسخناها تمهيدا لمعرفتها ومن ثم تحقيقها، غير أن رسالتنا هذه ورسالة المواريث لم تُنسخا لالتباس ترتيب أوراقها وعدم معرفة موضوعها .. وفي آخر الأمر استقر رأينا على النظر في شأن هذه الرسالة وبدأنا بنسخ ما كان لدينا مصورا على الورق ورقة ورقة، ثم ما كان مصورًا على القرص المدمج ورقة ورقة أيضًا، ثم بدأنا بترتيب الأوراق من خلال السياق واتصال الكلام، فكان الاستدلال على اتصال الكلام يسهل حينا ويتعسر أحيانًا كثيرة، لكننا استطعنا بحمد الله ترتيب صفحات الكتاب إما يقينًا وهو الأغلب، أو اجتهادًا في بعض الصفحات. - وصف النسخة الخطية وصلنا الكتاب في أربعة دفاتر وأوراق متفرقة في مكتبة الحرم المكي، فمقدّمته التي تبيِّن حقيقة الكتاب ومناسبة تأليفه تُوجد في صفحة ضمن المجموع رقم (٤٧٠٧) وفي المجموع نفسه أوراق تتعلق بمباحث متفرقة من موضوع علم الغيب، كمعنى علم الغيب، وكونه مختصًّا بالله تعالى، وأنه لا يطلع على الغيب أحد حتى النبي ﷺ ، والرؤيا وهل يلزم منها علم الغيب.

стр. 28

ثم وجدنا مسودة المقدمة وبعض الفصول الأولى من الكتاب بعد الانتهاء من تحقيقه ضمن الأوراق والدفاتر غير المفهرسة التي عثرنا عليها في مكتبة الحرم المكي أخيرًا. ومعظم مباحث الكتاب في دفترين مضطربي الأوراق الأول برقم [٤٦٧٤] في ٢٤٦ ورقة، والثاني برقم [٤٨٥٣] في ٧٧ ورقة، وقد رُقّمت أوراق هذين الدفترين ترقيمًا حديثًا جدًا بعد تشتتها واضطرابها، وجلّد الدفتر الأول، فزاد الأمر إشكالًا في استخراج ترتيب الكتاب وتخليصه. وكنّا قبل الحصول على الكتاب في أقراص مدمجة قد حصلنا على صورة ورقية غير مرقمة مصورة عن الميكروفلم بالمكتبة، وقد نسخنا كثيرا من المباحث منها، وكانت مع وعورة استخراج الكتاب منها ومع تشتت أوراقها باهتة التصوير، بل لم تظهر لنا بعض كلماتها إلا بمزيد من تكرار النظر والتأمل وتكبير الحروف .. فكان نسخ هذا الكتاب وتخليصه من أصعب الأمور وأشقّها. وقد قمنا بنسخ كل ورقة منه كما هي، حتى إذا اكتمل النسخ قسَّمنا المنسوخ حسب أقسام الكتاب الثلاثة الرئيسة، ثم تأملنا في المنسوخ من كل قسم لمعرفة الترتيب واتصال الكلام بعضه ببعض، حتى اهتدينا إلى الوضع الذي ينشر عليه الآن. - طريقة العمل في الكتاب كانت طريقة العمل في الكتاب كطريقته في بقية كتب المشروع وهي بين أيدي الباحثين، وما كان لنا فيه من تصرف خاص بالكتاب فهو فيما يتعلق

стр. 29

بترتيب بعض المباحث التي لم يتبين ترتيبها، فاجتهدنا في وضعها في مكانها المناسب من الكتاب، وقُل مثل ذلك في ترتيب صفحات المخطوط التي شرحناها سابقًا فقد اجتهدنا في ترتيب بعض الأوراق التي لم يتبين لنا ترتيبها لا من خلال التعقيبة ولا من خلال ترتيب أوراق المخطوط بقطعه المختلفة، وما كان من إضافة إلى نصّ المؤلف من قِبَلنا فإنا نضعه بين معكوفتين [] بإشارة غالبًا وبدونها في الأقل، وقد كنا ــ كما سلف ــ وجدنا قطعة من مسودة الكتاب في الأوراق التي عثرنا عليها مؤخرًا فقارناها ووضعنا زيادات هذه القطعة بين معكوفتين، وذلك خاص بمبحث الاجتهاد والتقليد فحسب. وقد ختمنا الكتاب بفهارس لفظية صنعها الشيخ نبيل بن نصار السِّندي الباحث في المشروع، ثم بفهرس موضوعي مفصل. والحمد لله حق حمده.

стр. 30

ترجمة الشيخ السوركتي (١) تقدم في أول المقدمة أن سبب تأليف هذا الكتاب سؤال وجهه بعضهم إلى المؤلف عن كتاب المسائل الثلاث للشيخ أحمد السوركتي، فناسب أن نلقي الضوء على طرف من ترجمته فنقول: هو: الشيخ أحمد بن محمد السوركتي الأنصاري. ونسبة السوركتي: لقب لأحد أجداده، وهي من لغة أهالي تلك البلاد، ومعناها: كثير الكتب، والسبب: أن جدّه رحل إلى مصر لطلب العلم، وعاد من سفره بكتب كثيرة فلقب بهذا اللقب؛ لأن «سور» عندهم الكتاب، و «كتي» للمبالغة في الكثرة. ولد الشيخ أحمد في جزيرة أَرْقُو بالولاية الشمالية في السودان عام ١٨٧٦ م=١٢٩٤ من أسرة مشهود لها بالورع والصلاح والعلم، حفظ القرآن بخلاوي منطقة دُنْقُلا، ودرس مبادئ الفقه على والده. ثم رحل إلى الحجاز عام ١٨٩٧ م في سبيل العلم والمعارف ورغبة في أداء الفريضة. وبعد أداء فريضة الحج أقام في المدينة المنورة أربع سنوات ونصف، درس في هذه المدة علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية _________ (١) من مصادر ترجمته: «حضرموت وعدن وإمارات الجنوب الغربي» (ص ٢٣٦ - ٢٦١)، و «تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا» للدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك. و «جهود الشيخ أحمد بن محمد السوركتي الأنصاري في الدعوة إلى الله في إندونيسيا» للطالب شفيق ريزا حسن، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية نوقشت سنة ١٤٢٨ هـ.

стр. 31

على علماء المدينة، أمثال المحدث عمر بن حمدان المغربي، والفقيه المالكي أحمد بن الحاج علي المجذوب، والعالم اللغوي الشيخ أحمد البرزنجي. ثم رحل إلى مكة المكرمة وجاور لمدة عشر سنوات حيث واصل طلب العلوم والمعارف النقلية والعقلية على كبار مشايخ الحرم المكي أمثال العلامة أسعد بن عبد الرحمن الدهان، والشيخ محمد بن يوسف الخياط، والشيخ شعيب بن موسى المغربي. وبعد هذه الأربعة عشرة عامًا ونصف من السياحة في حلقات العلم والمعرفة بالحرمين الشريفين حصل المترجم له على الإجازة العالمية من علماء الحجاز، وقيد اسمه في سجل علماء أم القرى، ثم صودق له بالتدريس في الحرم المكي. وافتتح مدرسة أهلية في مكة وصار لها إقبال منقطع النظير. وفي سنة ١٣٢٩ هـ طلبته جمعية خير في جاكرتا لإدارة التعليم في مدرستها، وكان الواسطة لذلك العلامة الشيخ محمد بن يوسف الخياط والعلامة الشيخ حسين بن محمد الحبشي، فسافر السوركتي إلى إندونيسيا وبصحبته معلمون ومندوب جمعية خير: السيد عبد الله بن عبد المعبود الموصلي، ووصل إلى مدينة جاكرتا بصحبة الشيخين محمد الطيب المغربي ومحمد عبد الحميد السوداني في شهر ربيع الأول عام ١٣٢٩ هـ ثم نزل ثلاثتهم ضيوفا على السادة العلويين الذين رحبوا بمقدمهم باعتبارهم أول هيئة علماء تصل من الأراضي المقدسة للعمل في مدارس جمعية خير.

стр. 32

وفور وصولهم عُين الأستاذ السوركتي مديرًا لمدرسة باكوجان ومفتشًا للتعليم، والشيخ محمد الطيب معلمًا بمدرسة كروكت، والشيخ محمد عبد الحميد بمدرسة بوقور. لما وصلوا جاكرتا قابلهم السادة العلويون وغيرهم من العرب بكل إجلال واحترام، واحتفلوا بهم احتفالًا بالغًا .. إلا أن ذلك لم يدم طويلًا ففي السنة الثانية وقعت خلافات بين الشيخ السوركتي وبعض السادة العلويين، واشتد النزاع وطال، وقد دفع هذا النزاع الشيخ السوركتي إلى تقديم استقالته في السادس من سبتمبر سنة ١٩١٤ م إلى إدارة جمعية خير. ويبدو من هذه الاستقالة أن السوركتي كان عازمًا على العودة إلى مكة المكرمة دون الدخول في صراع مكشوف مع السادة العلويين، إلا أن بعض وجهاء الحضارمة غير العلويين ثَنَوه عن هذا المسعى وشجعوه على إتمام المشوار التعليمي والإصلاحي الذي وضع لبناته في إندونيسيا. واستجابة لنداء هؤلاء عدَل السوركتي عن رأيه وفتح مدرسة خاصة في أحد بيوت نقيب العرب عمر بن يوسف منقوش بحارة جاتى، سماها مدرسة الإرشاد الإسلامية. وهذا هو أول نشوء لجمعية الإصلاح والإرشاد التي كان لها دور كبير بعد ذلك في نشر العلم والأخلاق والعقيدة، وافتُتح لها فروع كثيرة في كافة أرجاء إندونيسيا، وكثر انتفاع الناس بها، ومن أبرز مبادئ هذه الجمعية التي صاغها الأستاذ السوركتي ومن معه ما يلي:

стр. 33

- توحيد الله توحيدًا خالصًا بعيدًا عن مظان الشرك الظاهر والخفي في الاعتقاد والأفعال والأقوال. - المحافظة على الأخلاق الإسلامية التي جماعها: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتحافظ على عزة النفس وشرف العمل وعدم الخنوع لغير الله. - المحافظة على العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها وعدم التهاون فيها. - إحياء السنة الصحيحة وترك البدع وعدم المشايعة لها. - التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. - نشر العلوم الدينية والعصرية واللغة العربية. وقد أثنى عليها العلامة رشيد رضا في مجلته المنار بقوله: إن جمعية الإصلاح والإرشاد «غرضها إنشاء المدارس ونشر التعليم الديني والمدني الذي تقتضيه حالة العصر من الاستقلال وإحياء هدي الكتاب والسنة ومقاومة الخرافات الفاشية من طرق الابتداع في الدين». وقد كان للشيخ السوركتي تأثير بالغ في الحياة العلمية والدينية في إندونيسيا في العصر الحديث، فقد ذكر البروفيسور يوسف الخليفة في مقابلة صحفية أن «أثر الشيخ أحمد سوركتي في إندونيسيا معروف هنالك فهو الذي أيقظ العلماء، حتى طرده الاستعمارُ الهولنديُّ الذي كان يستعمر إندونيسيا.

стр. 34

ويذكر الشيخ محمد عبد الرحيم المؤرخ الذي كان مراسل الشيخ أحمد السوركتي أن الرئيس سوكارنو عندما خرج من السجن وقبل أن يكون رئيسًا لإندونيسيا، زار الشيخ أحمد السوركتي وكان قد فقد بصره فقال له الرئيس سوكارنو: «يؤسفني أن أزورك وقد فقدت بصرك ولكنك فتحت بصائرنا». ومن آثاره نجد عددًا من الرسائل العلمية «الماجستير والدكتوراه» قدِّم بعضها إلى الجامعات الغربية وبعضها إلى إندونيسيا. أهم رسائل السوركتي وفتاويه هي: ١ - «صورة الجواب» وهو رد على بعض من كتب من السادة العلويين في مسألة الكفاءة في النكاح يقرر فيها الكفاءة الدينية. ٢ - «المسائل الثلاث» وهو الكتاب الذي أيّده وعلق عليه الشيخ المعلمي في كتابنا هذا. ٣ - «أمهات الأخلاق». ٤ - «الآداب القرآنية». وفاته: توفي الشيخ أحمد السوركتي سنة ١٣٦٣ هـ في إندونيسيا. ﵀ وغفر له.

стр. 35

نماذج من النسخة الخطية

стр. 36

مقدمة (تحقيق الكلام)

стр. 37

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث (الاجتهاد والتقليد، السنة والبدعة، العقيدة) تأليف عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٣٨٦)

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ١ - ٢]. وأنزل عليه في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وأشهد أن لا إلـ? هـ إلا الله وحده لا شريك له، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. اللهمَّ صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمد وأزواجه وذريته كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد أطلعَني بعض الإخوان على رسالةٍ عنوانها: (المسائل الثلاث) التي قُدِّمت للأستاذ الشيخ (١) أحمد محمد سوركتي في سورابايا،

стр. 39

وسألني أن أقدِّر حيثية مؤلفها، لأن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يُجهِّلونه ويُبدِّعونه، ثم أُبدِي ما أراه من انتقاد في كلامه [لكونه أذن في ذلك] (١)، ثم أتكلم على تلك المسائل بما أدينُ الله تعالى به بقدر وُسْعي. وبعدَ مطالعتي للرسالة أجبتُ عن السؤال الأول: أن هذه الرسالة على صِغَرها تُمثِّل مؤلفَها بمكانٍ من العلم [الصحيح والفضل الحقيقي] والدين [الراسخ] والفهم السديد في الكتاب والسنة، [وأنه من البقية المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ (٢) [هود: ١١٦]، والطائفة المذكورة في قوله ﵊] (٣). لا يُنكِر هذا كلُّ مَن يفهم كلامه إلا مَن كان ناظرًا من وراء حجاب الهوى والتقليد. وأما السؤال الثاني فلم يظهر لي في تلك الرسالة ما يجب التنبيه عليه سِوى قوله في (ص ٤٣) بعد ذكر الأحاديث الواردة في النهي عن الجلوس على القبور ما لفظه: "والجلوس المنهيُّ عنه على ما يظهر هو الجلوس عليها للتبرك والاستشفاع أو للعبادة والدعاء، وأما الجلوس على القبر بغير قراءةٍ ولا نيةِ تبرُّك ولا لعبادةٍ، بل للاستراحة ريثَما يُدفَن الميتُ أو تُقضَى الحاجة، أو لوعظِ الحاضرين= فلا بأس [به] ... " إلخ. [ص ٢] وهذا يقتضي أن ظاهر تلك الأحاديث النهي عن الجلوس عند القبور، وفي ذلك نظرٌ، بل ظاهرها هو النهي عن القعود على القبر نفسه، لأنه

стр. 40

هو الحقيقة، ولا صارفَ عنها. وحديث أبي هريرة (١): "لأن يجلسَ أحدكم على جَمْرةٍ ... " إلخ كالنصِّ في ذلك. وقد ذكر في الرسالة حديث مسلم (٢) عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُجصَّص القبر وأن يُبنَى عليه وأن يُقعَد عليه". ويُوضح المراد منه أن لفظه عند الترمذي (٣): "أن تُجصَّص القبور وأن يُكتَب عليها وأن تُوطأ". [وفي "المسند" (٤) عن عمرو بن حزم قال: رآني النبي ﵌ متكئًا على قبر، فقال: "لا تؤذِ صاحبَ هذا القبر، أو لا تُؤذِه"]. وأما حديث البراء (٥) فالمراد: جلس عند القبر، إذ من المعلوم أن القبر المحفور لا يمكن أن يُجلَس عليه. ومثله حديث البخاري (٦) عن أنس قال: "شهدنا بنتَ رسول الله ﵌ تُدفَن ورسول الله ﵌ جالس على القبر ... " الحديثَ، فالمراد قطعًا جالسٌ عند القبر كما مرَّ.
следующие страницы →