← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[خريدة العجائب وفريدة الغرائب]ـ المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي (المتوفى: ٨٥٢هـ) المنسوب خطأ: للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي المحقق: أنور محمود زناتي - كلية التربية، جامعة عين شمس الناشر: مكتبة الثقافة الإسلامية، القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

خريدة لعجائب وفريدة الغرائب لسراج الدين ابن لوردي ابن الوردي (الجد) : كانت عائلة ابن الوردي نقطة بارزة في تاريخ الحضارة الاسلامية نشأت بمدينة معرة النعمان (١) ، ورائدها شاعر المعرة وعالمها ومؤرخها القاضي سراج الدين بن الوردي المعري صاحب اللامية الشهيرة: اِعتزل ِذِكرَ الأغاني والغَزَل ... وقُلِ الفَصْلَ وجانب من هَزَلْ ودَعِ الذكرى لأيام الصبا ... فلأيام الصبا نجم أفل واهجرالخَمرَةَ إن كنت فتى ... كيف يسعى في جُنُونٍ من عَقَلْ؟ ليس مَن يَقطَعُ طُرقاً بطلا ... إنما مَن يتقي الله البطلْ جَانِبِ السلطانَ واحذر بَطشَه ... لا تُعَانِدْ مَن إذا قال فَعَل وقد نُسِبَ مخطوط "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" خطأ للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي، (الجد) وهو في الحقيقة لسراج الدين عمر بن الوردي البكري القرشي (الحفيد) ، والفضل يعود في كشف هذه المسألة في المقام الأول إلى الباحث الأكاديمي السوري محمود السيد الدغيم حيث قال: -. وهذه النسبة المغلوطة تشكل دليلا على أن أكثرية الناشرين والمحققين والمفهرسين والباحثين العرب لم يصلوا مرتبة الاجتهاد في تحقيق التراث كغيرهم من

стр. 3

أبناء الأمم الأخرى، ولكن العرب اكتفوا بالتقليد والاجترار، وقد تكرَّرت الأخطاء في نسبة الكتب إلى غير مؤلفيها في كتب تراثية اخرى جَراء التدليس والتصحيف والتحريف وأخطأ في نسبة كتاب خريدة العجائب إلى القاضي ابن الوردي يوسف سركيس في الصفحة ٢٨٢ من المجلد الأول من معجم المطبوعات العربية والمعربة. وأخطا في نسبة كتاب خريدة العجائب إلى القاضي ابن الوردي عبد الجبار عبد الرحمن في الصفحة ٢٧٨ من المجلد الأول من فهرس ذخائر التراث العربي الإسلامي الصادر في العراق سنة ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م. سرج الدين ابن الوردي (الحفيد صاحب المخطوط) هو: سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي، المتوفى سنة (٨٥٢ هـ/١٤٤٧ م) وقيل سنة (٨٦١ هـ/١٤٥٧ م) . كان ابن الوردي الحفيد عالما زراعياً وجغرافيا، وقد ألف كتابا بعنوان: منافع النبات والثمار والبقول والفواكه، وله كتاب بعنوان: فرائض وفوائد، وأشهر كتبه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" ولكن هذا الكتاب منسوب إلى جده القاضي عمر بن الوردي (ت ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٨ م) . وقد ألف ابن الوردي هذا الكتاب حسب ما ذكره المؤلف سنة ٨٢٢ هـ/ ١٤١٩ م، أي بعد وفاة ابن الوردي الكبير بمدة إحدى وسبعين سنة شمسية.

стр. 4

والدليل قول المؤلف في مقدمة الكتاب: "فحينئذٍ أشار إلى الفقير الخامل مَن إشارتُهُ الكريمة محمولة بالطاعة على الرؤوس، وسفارته المستقيمة بين الإمام المعظم والسودان الأعظم قد سطرت في التواريخ والطروس، وهو المقر الأشرف العالي المولوي الأميني الناصحي السيِّدي المالكي المخدومي السيفي شاهين المؤيد، مولانا نائب السلطنة الشريفة بالقلعة "الحلبية" المنصورة الجليلة، أعز الله أنصاره، ورفع درجته وأعلى مناره: أن أضع له دائرةً مشتملة على دائرة الأرض، صغيرةً توضح ما اشتملت عليه من الطول والعرض، والرفع والخفض؟ ظنا منه- أحسن الله إليه- أني أقوم بهذا الصعب الخطير؟ وأنا والله لست بذلك، والفقير في دائرة هذا العالم أحقر حقير. فأنشدت: إنَّ المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجزَ بالحازمِ"

стр. 5

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب. عالم الغيب، راحم الشيب، منزل الكتاب. ساتر العيب، كاشف الريب، مزلل الصعاب. مغيث الملهوف، دافع الصروف، رب الأرباب. خالق الخلق، باسط الرزق، مسبب الأسباب. مالك الملك، مسخر الفلك، مسير السحاب. رافع السبع الطباق مخيمة على الآفاق تخييم القباب. ساطح الغبراء، على متن الماء، ممسكة بحكمته عن الاضطراب. منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم يوم الحشر والمآب. أحمده وهو المحمود بكل لسان ناطق، وأشكره وهو المشكور في المغارب والمشارق. وأشهد ان لا إله إلا الله لا شريك له، شهادة ركن الإيمان أركانها، وشيد الإتقان بنيانها، ومهد الإذعان أوطانها، وأكد البرهان إدمانها. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. المستولي على شانئه بشأنه، ونبيه المفضل بمعاني علومه وبدائع بيانه، ورسوله الصادع بدليله وبرهانه، القائل: زينت لي مشارق الأرض ومغاربها كشفاً واطلاعاً بسره وعيانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه، صلاة تبلغ من آمن به غاية أمنه وأمانه، وتسكن روعته في الدارين، بعفو الله وغفرانه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6

وبعد: فإن خالق الخلق والبريئة، ومن له الإرادة والمشيئة، قد ميز الملوك والرعاة عمن دونهم من الرعية، فلذلك قد خصوا بالهمم العلية، والأخلاق السامية الزكية، ورغبوا في الاطلاع على الأمور الغامضة الخفية، ليكونوا فيما ندبوا له من الاسترعاء على بيضاء نقية، ويحصلوا من أخبار العالم على الأشياء الصادقة الجلية، فحينئذ أشار إلى الفقير الخامل من إشارته الكريمة محمولة بالطاعة على الرؤوس، وسفارته المستقيمة بين الإمام المعظم والسودان الأعظم قد سطرت في التواريخ والطروس وهو المقر الأشرف العالي المولوي الأميني الناصحي السيدي المالكي المخدومي السيفي شاهين المؤيد، مولانا نائب السلطنة الشريفة بالقلعة المنصورة الجليلة، أعز الله أنصاره؛ ورفع درجته وأعلى مناره إن أضع له دائرة مشتملة على دائرة الأرض، صغيرة توضح ما اشتملت عليه من الطول والعرض، والرفع والخفض؛ ظناً منه أحسن الله إليه أني أقوم بهذا الصعب الخطير؛ وأنا والله لست بذلك، والفقير في دائرة هذا العالم أحقر حقير. فأنشدت: إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم وتوسلت إلى رب الأرباب ومذلل الصعاب؛ وابتهلت إليه ابتهال المستغيث المصاب. ففتح سبحانة من فيضان لطفه أحسن باب؛ وسهل بامتناع عطفه ذلك الصعب المهاب؛ ويسر برأفته ما لم يخطر في بال وحساب؛ فنهضت مبادراً إلى السجود شاكراً لذي الإنعام والجود. ثم أقبلت على مطالعة حكماء الأنام، وتصانيف علماء الهيئة الأعلام؛ كشرح التذكرة لنصر الدين الطوسي، وجعفر الأنبياء

стр. 7

لبطليموس، وتقويم البلاد للبلخي؛ ومروج الذهب للمسعودي، وعجائب المخلوقات لابن الأثير الجزري والمسالك والممالك للمراكشي؛ وكتاب

стр. 8

الابتداء، وغيرها من الكتب المعينة على تحصيل المطلوب. ومعلوم أن الكتب الموضوعة بين الناس في هذا الغرض لم تخل من خلل والتباس؛ فإن ذلك أمر موهوم، لكنه وهم حسن. وكما قيل: بين اليقين والوهم بون كما بين اليقظة والوسن. والله سبحانه هو المتجاوز عن الخطأ والخلل والخطل، والموفق لصالح القول والعمل. وقد وضعت دائرة، مستعيناً بالله تعالى، على صورة شكل الأرض في الطول والعرض، بأقاليمها وجهاتها، وبلدانها، وصفاتها وعروضها وهيئاتها، وأقطارها وممالكها، وطرقها ومسالكها، ومفاوزها ومهالكها، وعامرها وغامرها، وجبالها ورمالها، وعجائبها وغرائبها، وموقع كل مملكة وإقليم من الأخرى، وذكر ما بينهما من المتالف والمعاطب براً وبحراً، وذكر الأمم المقيمة في الجهات والأقطار طراً، وسد ذي القرنين في سالف الأحقاب على يأجوج ومأجوج كما في نص الكتاب، وسميته: خريدة العجائب وفريدة الغرائب. وبالله سبحانه الاعتصام، وهو حسبي على الدوام، ومنه أسأل السداد والتوفيق، فإنه أهل الإجابة والتحقيق. وهذه الدائرة المذكورة.

стр. 9

وهذه رسالة لطيفة باهرة كالشرح في توضيح ما في هذه الدائرة، تبين للناظر فيها أحوال الجبال، والجهات، والبحار والفلوات، وما اشتملت عليه من الممالك، مستوعباً فيها لذلك، إن شاء الله تعالى. ولنشرع أولاً في ذكر جبل قاف: قال الله في كتابه العزيز " ق، والقرآنِ المَجيدِ " وفي تفسير " ق " ستة أقوال للمفسرين، منها: أنه جبل من زبرجدة

стр. 10

خضراء، قاله أبو صالح عن ابن عباس ﵄. وروى عكرمة عن ابن عباس أيضاً ﵄ قال: خلق الله جبلاً يقال له قاف، محيطاً بالعالم السفلي، وعروقه متصلة بالصخرة التي عليها الأرض، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ﵇ حيث قال: " يا بُنّي إنها إن تك مثقالَ حبّةٍ من خردلٍ فتكُنْ في صخرة أو في السموات أو في الأرض " الآية. فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية في الأرض أمر ذلك الجبل أن يحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فتزلزل في الوقت. وقال مجاهد: هو جبل محيط بالأرض والبحار. وروي عن الضحاك أنه زمردة

стр. 11

خضراء، وعليه كنفا السماء كالخيمة المسبلة. وخضرة السماء منه. والله أعلم. وأما ذكر البحار: فأعظم بحر على وجه الأرض: المحيط المطوق بها من سائر جهاتها، وليس له قرار ولا ساحل إلا من جهة الأرض، وساحله من جهة الخلو البحر المظلم، وهو محيط بالمحيط كإحاطة المحيط بالأرض، وظلمته من بعده عن مطلع الشمس ومغربها، وقرب قراره. والحكمة في كون ماء البحر ملحاً أُجاجاً لا يذاق ولا يساغ، لئلا ينتن من تقادم الدهور والأزمان، وعلى ممر الأحقاب والأحيان، فيهلك من نتنه العالم الأرضي، ولو كان عذباً لكان كذلك. ألا ترى إلى العين التي ينظر بها الإنسان الأرض والسماء والعالم والألوان، وهي شحمة مغمورة في الدمع، وهو ماء مالح، والشحم لا يصان إلا بالملح فكان الدمع مالحاً لذلك. المعنى: قاف محيط بالكل، كما تقدم. وفي الظلمات: عين الحياة، التي شرب الخضر ﵇ منها، وهي في القطعة بين المغرب والجنوب.

стр. 12

وفي المحيط: الأرض التي فيها عرش إبليس اللعين، هو في التي بين المشرق والمغرب والجنوب، وهو إلى المشرق أقرب في مقابلة الربع الخراب من الأرض. والله أعلم. وأما الخلجان الآخذة من المحيط فهي ثلاثة: أعظمها وأهولها بحر فارس، وهو البحر الآخذ من المحيط الشرقي من حد أرض بلاد الصين إلى لسان القلزم الذي أغرق الله فيه فرعون، وضرب لموسى وقومه فيه طريقاً يبساً، ثم بحر

стр. 13

الروم الآخذ من المحيط الغربي من حد الأندلس والجزيرة الخضراء، إلى أن يخالط خليج قسطنطينية. فأما إذا قطعت من لسان القلزم إلى حد الصين على حد مستقيم، كان مقدار تلك المسافة نحو مائتي مرحلة. وكذلك إذا شئت أن تبقطع من القلزم إلى أقصى حد بالمغرب على خط مستقيم، كان نحو مائة وثمانين مرحلة، وإذا

стр. 14

قطعت من القلزم إلى حد العراق في البرية على خط مستقيم، وشققت أرض السماوة، ألفيته نحو شهر. ومن العراق إلى نهر بلخ نحو شهرين، ومن نهر بلخ إلى آخر بلاد الإسلام في حد فرغانة نيف وعشرون مرحلة، ومن هذا المكان إلى بحر المحيط من آخر عمل الصين نحو شهرين، هذا في البر. وأما من أراد قطع هذه المسافة من القلزم إلى الصين في البحر طالت المسافة عليه، وحصلت له المشقة العظيمة، لكثرة المعاطف والتواء الطرق واختلاف الرياح في هذه البحور، وأما بحر الروم فإنه يأخذ من المحيط الغربي، كما تقدم بين الأندلس وطنجة. حتى ينتهي إلى ساحل بلاد الشام، ومقدار ما ذكر في المسافة أربعة أشهر. وهذا البحر أحسن استقامة واستواء من بحر فارس، وذلك أنك إذا أخذت من فم هذا الخليج، يعني من مبدئه، إلى المحيط أتتك ريح واحدة إلى أكثر هذا البحر. وبين القلزم الذي هو لسان بحر فارس وبين بحر الروم، على سمت القبلة، أربع مراحل. وزعم بعض المفسرين في قوله تعالى: " بينهما برزَخٌ لا يَبْغيان " أنه هذا الموضع.

стр. 15

فصل في ذكر المسافات فمن مصر إلى أقصى الغرب نحو مائة وثلاثين مرحلة، فكان ما بين أقصى المغرب وأقصاها بالمشرق نحو أربعمائة مرحلة. وأما عرضها من أقصاها في حد الشمال إلى أقصاها في حد الجنوب فإنك تأخذ من ساحل البحر المحيط حتى ينتهي إلى يأجوج ومأجوج ثم يمر على الصقالبة وتقطع أرض البلغار

стр. 16

الداخلة وتمضي في بلاد الروم إلى الشام وأرض مصر والنوبة، ثم تمتد في برية بين بلاد السودان وبلاد الزنج حتى تنتهي إلى البحر المحيط. فهذا خط ما بين جنوب الأرض وشمالها. وأما مسافة هذه الأرض وهذا الخط فمن ناحية يأجوج ومأجوج إلى بلغار وأرض الصقالبة نحو أربعين مرحلة، ومن أرض الصقالبة في بلد الروم إلى الشام نحو ستين مرحلة، ومن أرض الشام إلى أرض مصر نحو ثلاثين مرحلة، ومنها إلى أقصى النوبة نحو ثمانين مرحلة حتى تنتهي إلى هذه البرية. فذلك مائتان وعشر مراحل كلها عامرة. وأما ما بين يأجوج ومأجوج والبحر المحيط في الشمال، وما بين براري السودان والبحر المحيط في الجنوب، فقفر خراب، فليس فيه عمارة ولا حيوان ولا نبات ولا يعلم مسافة هاتين البريتين إلى المحيط كم هي. وذلك أن سلوكها غير ممكن لفرط البرد الذي يمنع من العمارة والحياة في الشمال وفرط الحر المانع من العمارة والحياة في الجنوب. وجميع ما بين الصين والغرب فمعمور كله والبحر المحيط محتف به كالطوق ويأخذ البحر الرومي من المحيط ويصب فيه ويأخذ البحر الفارسي من المحيط أيضاً ولكن لا يصب فيه.

стр. 17

وأما بحر الخزر فليس يأخذ من المحيط ولا من غيره شيئاً أصلاً غير أنه مخلوق من مكانه من غير مادة، لكن يصب المحيط بواسطة خليج القسطنطينية. وهو بحر هائل لو سار السائر على ساحله من الخزر على أرض الديلم وطبرستان وجرجان ومفازة سياه كوه لعاد إلى المكان الذي سار منه من غير أن يمنعه مانع إلا نهراً يقطع فيه. وأما بحيرة خوارزم فكذلك غير أن لا مصب لها في المحيط فهذه الأبحر الأربعة العظام التي على وجه الأرض. وفي أراضي الزنج وبلدانهم خلجان تأخذ من المحيط، وكذلك من وراء أرض الروم خلجان وبحار لا تذكر لقصورها عن هذه البحار وكثرتها. ويأخذ من البحر

стр. 18

المحيط أيضاً خليج حتى ينتهي على ظهر أرض الصقالبة نحو شهرين ويقطع أرض الروم على القسطنطينية حتى يقع بحر الروم. وأما أرض الروم فحدها من هذا البحر المحيط على بلاد الجلالقة وافرنجة ورومية وأشيناس إلى

стр. 19

القسطنطينية ثم إلى أرض ويشيدان يكون نحو مائة وسبعين مرحلة. وذلك أن من حد الثغور في الشمال إلى أرض الصقالبة نحو شهرين، وقد بينت لك أن من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مائتي مرحلة وعشر مراحل. وأما الروم المحض من حد رومية إلى حد الصقالبة وما ضمته إلى بلاد الروم من الأفرنجية والجلالقة وغيرهم فإن ألسنتهم مختلفة، غير أن الدين واحد والمملكة واحدة، كما أن في مملكة الإسلام ألسنة مختلفة والملك واحد، وأما مملكة الصين على ما زعم أبو إسحق الفارسي وأبو إسحق إبراهيم بن السكيت حاجب ملك خراسان فأربعة أشهر في ثلاثة أشهر الساكيت فإذا أخذت من فم الخليج حتى تنتهي إلى ديار الإسلام مما وراء النهر فهو نحو ثلاثة أشهر، وإذا أخذت من حد المشرق حتى تقطع إلى حد المغرب في أرض التبت. وتمتد في أرض التغزغز وخرخير وعلى ظهل كيماك إلى البحر فهو نحو شهر، ثم في أرض الصين ومملكته السنة مختلفة

стр. 20

وجميع الأتراك من التغزغز وخرخير وكيماك والغزية وإلى الخزلجية ألسنتهم واحدة، وبعضهم يفهم عن بعض، ومملكة الصين كلها منسوبة إلى الملك المقيم بالقسطنطينية، وكذلك مملكة الإسلام كانت منسوبة إلى المقيم ببغداد، ومملكة الهند منسوبة إلى الملك المقيم بقنوج، وفي بلاد الأتراك ملوك متميزون بممالكهم. وأما الغزية فإن حدود ديارهم ما بين الخزر وكيماك وأرض الخزلجية وأطراف بلغار، وحدود الديلم ما بين جرجان إلى فاراب واسبيجاب وديار الكيماكية. وأما يأجوج ومأجوج فهم في ناحية الشمال إذا قطعت ما بين الكيماكية، والصقالبة، والله أعلم بمقاديرهم، وبلادهم شاهقة لا ترقاها الدواب ولا يصعدها إلا الرجالة. قال: ولم يخبر أحد عنهم خبراً أوجه من أبي إسحق صاحب خراسان فإنه أخبر أن تجارتهم إنما تصل إليهم على ظهور الرجال وأصلاب المعز، وأنهم ربما أقاموا في صعود الجبل ونزوله الأسبوع والعشرة أيام، وأما خرخير فإنهم ما بين التغزغز وكيماك والبحر المحيط وأرض الخزلجية والغزية. وأما التغزغز فقوم من أطراف التبت وأرض الخزلجية وخرخير وأرض الصين. والصين ما بين البحر المحيط والتغزغز والتبت والخليج الفارسي. وأما أرض الصقالبة فعريضة طويلة نحو شهرين في شهرين.

стр. 21

وبلغار مدينة صغيرة ليس لها أعمال كثيرة وكانت مشهورة لأنها كانت ميناء وفرضة لهذه الممالك فاكتسحتها الروس وأتل وسمندر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة فأضعفتها. والروس قوم بناحية بلغار فيما بينها وبين الصقالبة، وقد انقطعت طائفة من الترك عن بلادهم فصاروا ما بين الخزر والروم، ويقال لهم اليخياكية. وليس موضعهم بدار لهم على قدم الأيام. وأما الخزر فإنهم جنس من الترك على هذا البحر المعروف بهم. وأما أتل فهم طائفة أخرى قديمة وسموا باسم نهرهم أتل الذي يصب في هذا البحر، وبلدهم أيضاً تسمى أتل وليس لهذا البلد سعة رزق ولا خفض عيش ولا اتساع مملكة، وهو بلد بين الخزر واليخياكية والسرير. وأما التبت: فإنه بين أرض الصين والهند وأرض التغرغر الخزلجية وبحر فارس، وبعض بلاده في مملكة الهند وبعضها في مملكة الصين ولهم ملك قائم بنفسه يقال إن أصله من التبابعة ملوك اليمن. والله أعلم. وأما جنوبي الأرض من بلاد السودان التي في أقصى المغرب على البحر المحيط فبلاد منقطعة ليس بينها وبين شيء من الممالك اتصال، غير أن حداً لها ينتهي إلى المحيط، وحداً لها ينتهي إلى برية بينها وبين أرض المغرب، وحداً لها إلى برية بينها وبين بلاد مصر على الواحات، وحداً لها إلى البرية التي ذكرنا أن لا نبات بها ولا حيوان ولا عمارة لشدة الحر، وقيل إن طول أرضهم سبعمائة فرسخ في مثلها غير أنها من البحر إلى ظهر الواحات وهو طولها وهو أطول من عرضها. وأما أرض النوبة: فإن حداً لها ينتهي إلى بلاد مصر، وحداً لها إلى هذه البرية المهلكة التي

стр. 22

ذكرناها، وحداً لها ينتهي بين بلاد السودان وبلاد مصر المتقدم ذكرها أيضاً، وحداً لها إلى أرض البجة. وأما أرض البجة فإن ديارهم صغيرة وهم فيها بين الحبشة والنوبة وهذه البرية التي لا تسلك. وأما الحبشة فإنها على بحر القلزم وهو بحر فارس فينتهي حد لها إلى بلاد الزنج، وحد لها إلى البرية التي بين النوبة وبحر القلزم، وحد لها إلى البجة، والبرية لا تسلك. وأما أرض الزنج فإنها أطول أراضي بلاد السودان ولا تتصل بمملكة من الممالك أصلاً غير بلاد الحبشة وهي في مجاورة اليمن وفارس وكرمان في الجنوب إلى أن تحاذي أرض الهند.

стр. 23

وأما أرض الهند: فإن طولها من عمل مكران في أرض المنورة والبدهة وسائر بلاد السند إلى أن ينتهي إلى قنوج، ثم تحوزه إلى أرض التبت، نحو من أربعة أشهر، وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو من ثلاثة أشهر. وأما مملكة الإسلام: فإن طولها من حد فرغانة حتى تقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب إلى سواحل اليمن فهو نحو خمسة أشهر، وعرضها من بلاد الروم حتى تقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شاطئ بحر فارس نحو أربعة أشهر. وإنما تركت في ذكر طول مملكة الإسلام حد المغرب إلى الأندلس لأنه مثل الكم في الثوب، وليس في شرقي المغرب ولا في غربيه إسلام، لأنك إذا جاوزت شرقي أرض المغرب كان جنوبي المغرب بلاد السودان وشماله بحر الروم ثم أرض الروم. ولو صلح أن يجعل من أرض فرغانة إلى أرض المغرب والأندلس طول الإسلام لكان مسيرة مائتي مرحلة وزيادة، لأن من أقصى المغرب إلى مصر نحو تسعين مرحلة، ومن مصر إلى العراق نحو ثلاثين مرحلة، ومن العراق إلى بلخ نحو ستين مرحلة، ومن بلخ إلى فرغانة نحو عشرين مرحلة. والله أعلم.

стр. 24

فصل في صفة الأرض وتقسيمها من غير الوجه الذي تقدم ذكره قال الله : " ألم نَجعلِ الأَرْضَ مِهاداً والجِبالَ أوْتاداً " وقال عز من قائل: " الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ". وقال : " والله جعل لكم الأرض بساطاً " قال قوم من المفسرين: معنى المهاد والبساط: القرار عليها والتمكن منها والتصرف فيها. وقد اختلف العلماء في هيئة الأرض وشكلها: فذكر بعضهم أنها مبسوطة مستوية السطح في أربع جهات المشرق والمغرب والجنوب والشمال. وزعم آخرون أنها كهيئة المائدة. ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل. وذكر بعضهم أنها تشبه نصف الكرة كهيئة القبة وأن السماء مركبة على أطرافها. والذي عليه الجمهور أن الأرض مستديرة كالكرة وأن السماء محيطة بها من كل جانب كإحاطة البيضة بالمحة، فالصفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة الماء وجلدها بمنزلة السماء، غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة المستوية الخرط، حتى قال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض لأدى إلى الوجه الآخر، ولو نقب مثلاً بأرض الأندلس لنفذ الثقب بأرض الصين. وزعم قوم أن الأرض مقعرة، وسطها كالجام.

стр. 25

واختلف في كمية عدد الأرضين قال الله وهو أصدق القائلين: " الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرضِ مثلهنّ " فاحتمل هذا التمثيل أن يكون في العدد والطباق. فروي في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض، وغلظ كل أرض مسيرة خمسمائة عام، حتى عدد بعضهم لكل أرض أهلاً على صفة وهيئة عجيبة، وسمى كل أرض باسم خاص، كما سمى كل سماء باسم خاص. وزعم بعضهم أن في الأرض الرابعة حيات أهل الدنيا وفي الأرض السادسة حجارة أهل النار، فمن نازعته نفسه إلى الاستشراف عليها نظر في كتب وهب بن منبه وكعب ومقاتل. وعن عطاء بن يسار في قول الله : " سبع سموات ومن الأرض مثلهن " قال: في كل أرض آدم مثل آدمكم، ونوح مثل نوحكم، وإبراهيم مثل إبراهيمكم. والله أعلم.

стр. 26

وليس هذا القول بأعجب من قول الفلاسفة: إن الشموس شموس كثيرة والأقمار أقمار كثيرة ففي كل اقليم شمس وقمر ونجوم. وقال القدماء الأرض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الإقليم، لا على المطابقة والمكابسة. وأهل النظر من المسلمين يميلون إلى هذا القول، ومنهم من يرى أن الأرض سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقي. ويزعم بعضهم أن الأرض مقسومة خمس مناطق وهي: المنطقة الشمالية والجنوبية والمستوية والمعتدلة والوسطى، واختلفوا في مبلغ الأرض وكميتها، فروي، عن مكحول أنه قال: مسيرة ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها خمسمائة سنة، مائتان من ذلك في البحر، ومائتان ليس يسكنها أحد، وثمانون فيها يأجوج ومأجوج، وعشرون فيها سائر الخلق. وعن قتادة قال: الدنيا أربعة وعشرون ألف فرسخ، منها اثنا عشر ألف فرسخ ملك السودان، وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ، وملك العجم والترك ثلاثة آلاف فرسخ، وملك العرب ألف فرسخ، وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس.

стр. 27

وقد حدد بطليموس مقدار قدر الأرض واستدارتها في المجسطي بالتقريب، قال: استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف اسطاربوس؛ والاسطاربوس أربعة وعشرون ميلاً فيكون هذا الحكم مائة ألف ألف وأربعمائة وأربعين ألف فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف ذراع بالملكي، والذراع ثلاثة أشبار، وكل شبر اثنا عشر أصبعاً، والأصبع الواحد خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض، وعرض الشعيرة الواحدة ست شعيرات من شعر بغل. والإسطاربوس اثنان وسبعون ألف ذراع، قال: وغلظ الأرض وهو قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلاً فيكون ألفين وخمسمائة فرسخ وخمسة وأربعين فرسخاً وثلثي فرسخ. قال: فبسط الأرض كلها مائة واثنان وثلاثون ألف ألف وستمائة ألف ميل فيكون مائتي ألف وثمانية وثمانين ألف فرسخ، فإن كان ذلك حقاً فهو وحي من الحق سبحانه أو إلهام، وإن كان قياساً واستدلالاً فقريب أيضاً من الحق. والله أعلم.

стр. 28

وأما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقين الذي يقطع على الغيب به. واختلفوا في البحار والمياه والأنهار، فروى المسلمون أن الله خلق ماء البحار مراً زعافاً وأنزل من السماء ماء عذباً كما قال الله تعالى: " أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المُزْن أم نحن المُنْزِلون، لو نشاء لجعلناه أجاجاً فَلَوْلا تشكرون " وقال تعالى " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " فكل ماء عذب من بئر أو نهر أو عين فمن ذلك الماء المنزل من السماء، فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكاً معه طست لا يعلم عظمته إلا الله تعالى فجمع تلك المياه فردها إلى الجنة. وزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة: الفرات وسيحان وجيحان ودجلة. وذلك أنهم يزعمون أن أهل الجنة في مشارق الأرض. وروي أن

стр. 29

الفرات جزر في أيام معاوية ﵁، فرمى برمانة مثل البعير البارك، فقال كعب: إنها من الجنة. فإن صدقوا فليست هي بجنة الخلد ولكنها من جنان الأرض. وعند القدماء أن المياه من الاستحالات، فطعم كل ماء على طعم أرضه وتربته؛ وأما نحن فلا ننكر قدرة الله تعالى على إحالة الشيء على ما يشاء كما تحول النقطة علقة والعلقة مضغة، ثم كذلك حالاً بعد حال إلى أن يفنيه كما يشاء وكما أنشأه. فسبحان من قدرته صالحة لكل شيء. واختلفوا أيضاً في ملوحة البحر: فزعم قوم أنه لما طال مكثه وألحت الشمس عليه بالإحراق صار مراً ملحاً واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ لذلك. وزعم آخرون أن في البحر عروقاً تغير ماء

стр. 30

البحر ولذلك صار مراً زعافاً. واختلفوا في المد والجزر، فزعم أرسطاطاليس أن علة ذلك من الشمس إذا حركت الريح، فإذا ازدادت الرياح كان منها المد، وإذا نقصت كان منها الجزر. وزعم كيماويش أن المد بانصباب الأنهار في البحر والجزر بسكونها. والمنجمون منهم من زعم أن المد بامتلاء القمر والجزر بنقصانه. وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر؛ فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة. ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم. واختلفوا في الجبال. قال الله تعالى: " وألقى في الأرض رواسيَ أن تميدَ بكم " وقال تعالى: " ق، والقرآنِ المجيد ". قال بعض المفسرين. إن من جبل قاف إلى السماء مقدار قامة رجل طويل. وقال آخرون. بل السماء منطبقة عليه. وقال قوم: من وراء قاف عوالم وخلائق لا يعلمها إلا الله تعالى. ومنهم من يقول: ما وراءه فهو من حد الآخرة ومن حكمها، وأن الشمس تطلع منه وتغيب فيه وهو الساتر لها عن الأرض؛ ومنهم من يزعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها.

стр. 31

واختلفوا فيما تحت الأرض: أما القدماء فأكثرهم يزعمون أن الأرض يحيط بها الماء، وهذا ظاهر، والماء يحيط به الهواء؛ والهواء تحيط به النار، والنار تحيط بها السماء الدنيا ثم السماء الثانية ثم الثالثة إلى السبع، ثم يحيط بالكل فلك الكواكب الثابتة؛ ثم يحيط بالكل الفلك الأعظم الأطلس المستقيم، ثم يحيط بالكل عالم النفس، وفوق عالم النفس عالم العقل، وفوق عالم العقل عالم الروح وفوق عالم الروح والأمر الحضرة الإلهية " وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ". وعلى قاعدة مذهب القدماء يلزم أن تحت الأرض سماء كما فوقها. وروي أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة، فبعث الله ملكاً فهبط حتى دخل تحت الأرض فوضعها على كاهله ثم أخرج يديه، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها فاستقرت. ولم يكن لقدم الملك قرار، فأهبط الله ثوراً من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة فجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تصل قدماه إلى سنامه، فبعث الله تعالى ياقوتة خضراء من الجنة، غلظها مسيرة كذا ألف عام، فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدماً الملك وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض ممتدة إلى العرش، ومنخر الثور في ثقبين من تلك الياقوتة الخضراء تحت البحر، فهو يتنفس في كل يوم نفسين، فإذا تنفس مد البحر وإذا رد النفس جزر البحر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله كثيباً من رمل كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت عليه قوائم الثور، ثم لم يكن للكثيب مستقر، فخلق الله حوتاً يقال له البهموت فوضع الكثيب على وبر الحوت والوبر: الجناح الذي يكون في وسط ظهره وذلك الحوت مزموم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والأرض مراراً. قال: وانتهى إبليس لعنه الله إلى ذلك الحوت فقال له: ما خلق الله خلقاً أعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك؟ فهم بشيء من

стр. 32

ذلك فسلط الله عليه بقة في عينيه فشغلته. وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة وشغله بها فهو ينظر إليها ويهابها ويخافها. قيل: وأنبت الله من تلك الياقوتة جبل قاف، وهو من زمردة خضراء وله رأس ووجه وأسنان، وأنبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما أنبت الشجر من عروق الشجر. وزعم وهب ﵁ أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض في البحار، فلذلك لا تؤثر في البحور زيادة فإذا امتلأت أجوافها من المياه قامت القيامة. وزعم قوم أن الأرض على الماء والماء على الصخرة والصخرة على سنام الثور والثور على كثيب من الرمل متلبداً، والكثيب على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم والريح العقيم على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، ولا يعلم ما وراء ذلك أحد إلا الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وهذه الأخبار مما يتولع به الناس ويتنافسون فيه، ولعمري إن ذلك مما يزيد المرء بصيرة في دينه وتعظيماً لقدرة ربه، وتحيراً في عجائب خلقه، فإن صحت فما خلقها على الصانع بعزيز، وإن يكن من اختراع أهل الكتاب وتنميق القصاص، فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر. والله أعلم. وقد روى شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﵃ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى

стр. 33

عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان، هذه زوايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما الذي فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع، سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فوقه العرش وبينه وبين السماء كبعد ما بين سماءين أو كما قال ثم قال: أتدرون ما تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأرض، وتحتها أرض أخرى بينهما خمسمائة عام. ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم أُدليتم بحبل لهبطتم على الله. ثم قرأ ﷺ : " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " الآية: فهذا الخبر يشهد بصدق كثير مما يروون، إن صح. والله أعلم. ولنرجع الآن إلى ما نحن بصدده من ذكر شرح الدائرة المذكورة، وتفصيل البلدان وذكرها، وذكر عجائبها وأخبارها.

стр. 34

فهرست ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفصول المتضمنة ذلك: فصل في ذكر البلدان والأقطار. فصل في الخلجان والبحار. فصل في الجزائر والآثار. فصل في العجائب للاعتبار. فصل في مشاهير الأنهار. فصل في العيون والآبار. فصل في الجبال الشواهق الكبار. فصل في خواص الأحجار ومنافعها. فصل في المعادن والجواهر وخواصها. فصل في النباتات والفواكه وخواصها. فصل في الحبوب وخواصها. فصل في البقول وخواصها. فصل في حشائش مختلفة وخواصها. فصل في البذور وخواصها. فصل في الحيوانات والطيور وخواصها. خاتمة الكتاب في ذكر الملاحم وعلامات الساعة وظهور الفتن والحوادث، ولها فصول تذكر عند الشروع في كتابتها إن شاء الله تعالى. وبإتمامه يتم الكتاب، والله تعالى الموفق للصواب .

стр. 35

فصل في ذكر البلدان والأقطار أعلم وفقنا الله وإياك أن بين مطلع الشمس ومغربها مدناً وبلاداً وأنهاراً لا تحصى كثرةً، ولا يحصيها إلا الله . ولكن نذكر منها ما ذكره فائدة واعتبار من البلاد المشهورة، ونضرب صفحاً عن ذكر ما ليس بمشهور، ولا اعتبار ولا فائدة في ذكره خوفاً من التطويل والسآمة، والله تعالى المستعان. فنبتدئ أولاً بذكر بلاد المغرب إلى المشرق، ثم نعود إلى بلاد الجنوب وهي بلاد السودان، ثم نعود إلى بلاد الشمال وهي بلاد الروم والأفرنج والصقالبة وغيرهم، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى: أرض المغرب أولها البحر المحيط، وهو بحر مظلم لم يسلكه أحد ولا يعلم سر ما خلفه. وبه جزائر عظيمة كثيرة عامرة يأتي ذكرها عند ذكر الجزائر، منها جزيرتان تسميان الخالدتين، على كل واحدة منهما صنم طوله مائة ذراع بالملكي، وفوق كل صنم منها صورة رجل من نحاس يشير بيده إلى خلف، أي: ما ورائي شيء ولا مسلك. والذي وضعهما وبناها لم يذكر له اسم. فأول بلاد المغرب السوس الأقصى وهو إقليم كبير فيه مدن عظيمة أزلية وقرى متصلة وعمارات متقاربة، وبه أنواع الفواكه الجليلة المختلفة الألوان والطعوم، وبه قصب السكر الذي ليس على وجه الأرض مثله طولاً وغلظاً وحلاوة حتى قيل: إن طول العود الواحد يزيد على عشرة أشبار في الغالب، ودوره شبر،

стр. 36

وحلاوته لا يعادلها شيء حتى قيل: إن الرطل الواحد من سكره يحمل عشرة أرطال من الماء وحلاوته ظاهرة. ويحمل من بلاد السوس من السكر ما يعم جميع الأرض لو حمل إلى البلاد، وبها تعمل الأكسية الرفيعة الخارقة، والثياب الفاخرة السوسية المشهورة في الدنيا، ونساؤها في غاية الحسن والجمال والظرف والذكاء، وأسعارها في غاية الرخص، والخصب بها كثير. فمن مدنها المشهورة ما رودنت وهي مدينة العظماء من ملوك المغرب، بها أنهار جارية وبساتين مشتبكة وفواكه مختلفة وأسعار رخيصة. والطريق منها إلى أغمات أريكة في أسفل جبل، ليس في الأرض مثله إلا القليل في العلو والارتفاع وطول المسافة واتصال العمارة وكثرة الأنهار والتفاف الأشجار والفواكه الفاخرة التي يباع منها الحمل بقيراط من الذهب. وبأعلى هذا الجبل أكثر من سبعين حصناً وقلعة، منها حصن منيع هو عمارة محمد بن تومرت، ملك المغرب، إذا أراد أربعة من

стр. 37

الناس أن يحفظوه من أهل الأرض حفظوه لحصانته، اسمه تأتملت. ولما مات محمد بن تومرت المذكور بجبل الكواكب حمل ودفن في هذا الحصن. وأذكى: وهي أول مراقي الصحراء وهي مدينة متسعة، وقيل إن النساء التي فيها لا أزواج لهن، إذا بلغت إحداهن أربعين سنة تتصدق بنفسها على الرجال فلا تمتنع ممن يريدها. سجلماسة: من مدنها المشهورة، وهي واسعة الأقطار عامرة الديار رائعة البقاع فائقة القرى والضياع. غزيرة الخيرات كثيرة البركات. يقال إنه يسير السائر في أسواقها نصف يوم فلا يقطعها، وليس لها حصن بل قصور شاهقة وعمارات متصلة خارقة، وهي على نهر يأتي من جهة المشرق وبها بساتين كثيرة وثمار مختلفة، وبها رطب يسمى النوبي، وهو أخضر اللون حسن المظهر أحلى من الشهد

стр. 38

ونواه في غاية الصغر. ويقال إنهم يزرعون ويحصدون الزرع ويتركون جذوره وأصوله في الأرض على حالها قائمة، فإذا كان في العام المقبل وعمه الماء نبت ثاني مرة واستغله أربابه، من غير بذر، وبها يأكلون الكلاب والجراذين وغالب أهلها عمش العيون. ورفادة: وهي مدينة عظيمة حصينة خصيبة. ذكر أهل الطبائع أنه يحصل للرجال بها الضحك من غير عجب، والسرور من غير طرب، وعدم الهم والنصب، ولا يعلم لذلك موجب ولا سبب. أغمات: وهي مدينتان: أغمات أريكة وهي مدينة عظيمة في ذيل جبل كثير الأشجار والثمار والأعشاب والنباتات، ونهرها يشقها وعلى النهر أرحية كثيرة تدور صيفاً وفي الشتاء يجمد الماء ويجوز عليه الناس والدواب، وبها عقارب قتالة في الحال، وأهلها ذوو أموال ويسار ولهم على أبوابهم علامات تدل على مقادير أموالهم. وأغمات إيلان وهي مدينة كبيرة في أسفل جبل يسكنها يهود تلك البلاد.

стр. 39

فاس: وهي مدينة كبيرة ومدينة صغيرة يشقها نهر كبير يأتي من عيون صنهاجة وعليه أرحاء كثيرة. وتسمى إحدى هاتين المدينتين الأندلس ومياهها قليلة والأخرى القرويس وهي ذات مياه كثيرة يجري الماء في كل شارع منها، وسوق وزقاق وحمام ودار، وفي كل زقاق ساقية متى أراد أهل الزقاق أن يجروها أجروها وإذا أرادوا قطعها قطعوها. المهدية: مدينة حسنة حصينة بناها المهدي الفاطمي وحصنها وجعل لها أبواباً من حديد، في كل باب ما يزيد على مائة قنطار، ولما بناها وأحكمها قال: أمنت الآن على الفاطميين.

стр. 40

سبتة: مدينة في بر العدو قبالة الجزيرة الخضراء، وهي سبعة أجبل صغار متصلة عامرة ويحيط بها البحر من ثلاث جهاتها. وفيها أسماك عظيمة ليست في غيرها. وبها شجر المرجان الذي لا يفوقه شيء حسناً وكثرة، وبها سوق كبيرة لإصلاح المرجان، وبها من الفواكه وقصب السكر شيء كثير جداً. طنجة: هي في
следующие страницы →