← Акыда

Акыда · id 332

يسر العقيدة الإسلامية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (128 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

يُسْرُ العَقِيدة الإسْلامِية تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى (١٣١٢ - ١٣٨٦) تحقيق علي بن محمد العمران

стр. 2

مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. فهذه رسالة في العقيدة للشيخ العلامة المعلمي رحمه الله تعالى، أراد منها تسهيل العقيدة وتيسيرها كما أفصح عن ذلك في مقدمتها، وسيأتي نص كلامه، ولذلك أطلق عليها «دين العجائز أو يسر العقيدة الإسلامية» إلا أنه لم يتمكن من إتمامها ليتحقّق له مراده، وسنتحدّث عنها في عدة مباحث: * اسم الرسالة تردّد المؤلف في تسمية الرسالة، فكتب على رأس الصفحة الأولى منها «دين العجائز أو يُسر العقيدة الإسلامية» فكأنه لم يجزم بواحدٍ منهما فتركهما أملًا أن يستقرّ رأيه على واحدٍ منهما لو تمَّت الرسالة، لكنه لم يتمها فبقي الاسم على حاله. فاخترنا على الغلاف كتابة أوضحهما دلالةً على مقصود الكتاب وهو «يُسْر العقيدة الإسلامية». ولا أعتقد أن تقديم «دين العجائز» في الذكر يدل على تفضيل المؤلف له على الاسم الآخر، والله أعلم. * سبب تأليفها صرَّح المؤلف في صدر رسالته بسبب تأليفها، حيث ذكر اختلاف الناس في العقائد وتفرّقهم، وأنواع الكتب المؤلفة في العقائد، وأنها بأنواعها الثلاثة «المختصرة، والمتوسطة، والمطولة» لا تفضي إلى العلم اليقين

стр. 3

والاطمئنان، بل إلى الشك والحيرة والتقليد، ثم قال ص ٥: «فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، وتخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد». * موضوعات الرسالة بدأ المؤلف مقدمة رسالته بتمهيد بيَّن فيه اختلافَ الناس وتفرّقهم في العقائد، وأن كتب العقائد على ثلاث طبقات؛ مختصرات ومتوسطات ومطوّلات. وبيَّن ما في كل واحدة منها من عيوب، ثم خلص بمحصّلة من تلك الكتب وفائدتها لمن يطالعها بقوله (ص ٤): «وبالجملة، فلا يكاد الناظر في تلك الكتب يخلص منها إلا بإحدى ثلاث: التقليد المحض، أو الحيرة، أو الشك في أصل ... » ثم ذكر (ص ٥ - ٦) أن هذا هو السبب الداعي إلى تأليف رسالته هذه، وغرضه منها، وتجرّده للحق بغضِّ النظر عن أيّ انتماء لفرقة من الفرق، وأنه نَظَر نَظَر صِدْق للحق. - ثم بدأ المصنف كتابه بمقدمات ثلاث: المقدمة الأولى: في أصول لابدّ منها (ص ٧ - ٢١) وذكر فيها خمسة أصول. المقدمة الثانية: في التقليد والتحقيق (ص ٢٢ - ٣٩). ذكر فيها أن على المرء أن يسأل نفسه: هل تريد التقليد أو التحقيق؟ وأنه ينبغي على من اختار أحد الأمرين أن يقلّد الكتاب والسنة أو يحقق فيهما،

стр. 4

فهما أولى ما قُلّد وأولى ما حُقق، وأن المرء إذا رأى لنفسه النظر في كتب المتكلمين فعليه أن يحذر ما فيها ولا يغتر بما يزعمونه من حجج وبراهين. وكان المؤلف قد كتب فصلًا في الأسلحة التي يصول بها الفلاسفة، وكانت سببًا في ضلال كثير من الناس، ثم ضرب عليه، فأثبتُّه في موضعه في الهامش للفائدة. ثم عقد فصلًا ذكر فيه أن الخائضين في العقائد فِرَق، فذكر سبعًا منها إجمالًا، ثم تكلم عن كل واحدة بما يلخِّص طريقتها. ثم تكلم على ثلاثة من العلماء ممن جمع بين الكلام والفلسفة، وما وقع لهم من الرجوع للحق، وهم الجويني والغزالي والرازي. ولم يتمكّن من إتمام الكلام فيهم في هذه النسخة فترك بياضًا، أو أنه أراد نقله من الكتب الأخرى التي تكلم فيها على هؤلاء العلماء، فنقلتُ كلام المؤلف في المتن حينًا وفي الهامش أحيانًا أخرى بحسب ما يقتضيه السياق، مع الإشارة إلى كل ذلك. ثم عقد فصلًا في ذكر جنايات المتكلمين على الإسلام، وذَكَر المتصوّفة، وفلاسفة العصر. المقدمة الثالثة: في تقسيم العقائد (ص ٤٠ - ٤٦). قسَّم العقائد إلى قسمين: قسم لا يمكن في هذه الدار الوصول إلى معرفته، وقسم يمكنهم. فالأول (ما لا يمكنهم) لابدّ أن يكون الشارع قد حظر عليهم الخوض فيه لأسباب ثلاثة وذكرها. وأما القسم (الذي يمكنهم معرفته) فعلى ضربين، ما لم يكلفهم الشرع بطلبه، وما كلفهم به، وأن الأول على أقسام، محظور ومكروه ومباح. وأما

стр. 5

الثاني فينظر في الطريق الموصل إليه، وأن الطريق الموصل ليس كما يهواه الإنسان، وقد تكون محفوفة بالابتلاء لكنها موصلة، وضرب لذلك مثلًا بأحد الملوك ... ثم عقد فصلًا ذكر فيه أن المكلّف بطلب هذا القسم ينقسم بالنظر إلى درجة التكليف إلى أضْرب، فذكر أربعة. - بعد الانتهاء من المقدمات بدأ بالباب الأول في الضروريات، وذكر تحته أصولًا: الأصل الأول: وجود رب العالمين. قرّر فيه أن جميع الأمم من الأولين والآخرين كانوا مقرين بوجود رب العالمين، وأحال في استكمال الاستدلال بذلك إلى كتاب «العبادة» له. ثم ذكر فرقة «الدهرية» وحقق كونهم لا ينكرون وجود الربّ تعالى، ولا ينكرون كونه يهلكهم، وذكر احتمالين في المسألة. ثم عقد سبعة فصول نذكر موضوعاتها بإيجاز، فعقد فصلًا في سنة القرآن أن ما كان من الحق معروفًا لا يورد عليه الشبهات وإنما يؤخذ منه البرهان، وذكر أن البراهين على وجود رب العالمين كثيرة منها: الاستدلال بوجود الأثر على المؤثر، وتكلم عن هذا الدليل واختلاف الناس في تلخيصه. ثم عقد فصلًا فيما يجده الإنسان في نفسه من الاطمئنان بأن للعالم ربًّا ليس من جنس ما يراه ويشاهده، وما يعرض له حين تَصفُّح استدلال الفلاسفة أو أسلافه في النسب والتعليم. ثم أجاب عن اعتراض بعضهم بأن

стр. 6

بعض الناس قد يفزعون عند الشدائد إلى غير الله . ثم عقد فصلًا للجواب عن سؤال: كيف حصل للنفس هذا الإدراك النفسي؟ وفصلًا بعده في الدلالة الظنية، وأنه ينبغي للعاقل ألا يلغيها وضرب أمثلةً على ذلك. ثم عقد فصلًا فيمن نشأ على خلاف الحق ماذا ينبغي له أن يعمل. وفصلًا يليه في أن الله تعالى إنما خلق الناس ليبتليهم في الأخْذِ بما ظهر لهم من الحق والأحوط وما يكون لهم من التوفيق والسداد، بخلاف مَن أبى ما ظهر له من الحق. ثم عقد فصلًا في تدبُّر ما حول الإنسان من الآلات والصناعات، وفي خلق الإنسان والحيوان، وتفاصيل خلق الإنسان، وتدبر أمر الشمس والقمر .. وارتباط الموجودات ببعضها ... وأن هذه الأمور مجتمعة تضطرك إلى الإيمان بأن لها صانعًا وأن تدبيره لا يفتر. ثم عنون بقوله: «مبلغ علم الملحدين» (ص ٦٣ - ٦٧)، ذكر فيه أن من الأدلة على وجود الرب تعالى وأن الهداية بيده: النظر في حال الملحدين، وكيف أنهم مع تبحُّرهم في معرفة الأمور الكونية نظروا إليها لذاتها ولم يهتدوا بها إلى حق .. وشَرْح ذلك والرّد عليهم. ثم عاد إلى ذِكْر الفصول المتعلقة بالأصل الأول فذكر خمسة فصول. ذكر في الأول منها الأمور التي تبعث المتشككين في إصرارهم على دعوى الشك فذكر ثمانية منها. ثم عقد فصلًا ذكر فيه طائفة من الأدلة على وجود رب العالمين، فمنها

стр. 7

ما يُشاهَد من تعجيل العقوبة لكثير من أهل البغي والظلم، ومنها إجابة الدعاء، وغير ذلك. ثم عقد فصلين صغيرين في الموضوع، وفصلًا ثالثًا ذكر فيه أن ثمرة النظر في نفس الناظر تدل على وجود ربّ حقيقيّ، وليس هو ذاك الكوكب ولا تلك الشمس، وذَكَر أسباب ذلك. ثم ذكر الأصل الثاني: أنه واحد، وذكر الفِرَق التي قد تخالف هذا الأصل، فذكر ثلاث فرق وردّ عليها. ثم عقد فصلًا ذكر فيه اعتراضًا وردّ عليه، ثم عقد فصلًا ذكر فيه الشبهات التي تعترض الطلاب في هذا الزمان وتكاد تشككهم في ذلك، وذكر تحته مسائل (ص ٨٤ - ٩٥). الأولى: ما هو؟ الثانية: كيف؟ الثالثة: أين؟ وأطال في بسط هذه المسألة الثالثة، وذَكَر شُبَه المتكلمين والجواب عنها (ص ٩١ - ١٠٨). ثم قال: وهنا مباحث: المبحث الأول: المماثلة بين الشيئين تأتي على ثلاثة أضرب. وذكرها. المبحث الثاني: المماثلة في الوصف أو الأوصاف على أربعة أوجه. وذكرها.

стр. 8

المبحث الثالث: فيما بين هذه الأوجه من التلازم والتنافي. المبحث الرابع: في نفي المماثلة. وبه ينتهي ما وُجد من الكتاب. ثم ألحقتُ الكتاب بنصٍّ جاء في (ق ٤١ ب - ٤٢ ب) وقد كتب المؤلف فوقه: «هذا مع الورقة الآتية يؤخَّر إلى بحث توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى» إلا أن هذا المبحث لم نقف عليه فيما وُجد من الرسالة، فلا ندري أكتبه المؤلف أم لا؟ فألحقته في نهايتها للفائدة. * وصف النسخة للكتاب نسخة واحدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [٤٦٦٦] وتقع في ٦٢ ورقة في دفتر مسطّر من القطع العادي، وهي بخط مؤلفها المعروف. وهي نسخة مسوّدة كثيرة الضرب واللحق والتخريج، كتب المؤلف عنوانها في رأس الصفحة الأولى: «دين العجائز أو يُسر العقيدة الإسلامية» ثم بدأ بالبسملة فالمقدمة، وتنتهي الرسالة عند قوله: « ... هي الحاصلة على الوجه الأول». والحمد رب العالمين. وكتب علي بن محمد العمران في ٢٢/ ٥/ ١٤٣٣ هـ مكة المكرمة حرسها الله

стр. 9

نماذج من النسخة الخطية

стр. 10

الورقة الأولى من "يسر العقيدة"

стр. 11

الورقة الأخيرة من "يسر العقيدة"

стр. 12

يُسْرُ العَقِيدة الإسْلامِية تأليف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى (١٣١٢ - ١٣٨٦) تحقيق علي بن محمد العمران

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك على محمد خاتم النبيين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وسائر عباد الله الصالحين. أما بعد؛ فإن الناس تشعَّبوا في العقائد شعوبًا، وتفرَّقوا فيها فِرقًا، وأمْعَنت كلُّ فرقة في الانتصار لقولها ودفع ما عداه، وصارت كتب العقائد على ثلاث طبقات: الأولى: مختصرات، يسرد مؤلِّفوها عقائد سلفهم، ويُلْزمون أبناء تلك الفرقة بحفظها واعتقادها والاستيقان بها، ولا يذكرون حُجةً ولا دليلًا. والثانية: متوسّطات، يسوق مصنفوها عقائد فرقتهم وبعضَ ما احتجَّ به قدماؤها عليها، وعلى دفع ما خالفها، على وجهٍ لا يكادُ يثمر غلبةَ الظن، فكيف اليقين؟! والثالثة: مطوَّلات، يُبْسَط فيها الخلاف، مع ذِكْر كثير من الحُجج، مع تدقيق الكلام، بحيث يصعب المرام، ويعتاص على الأفهام، فيعجز الناظر عن استيفاء النظر فيها، ويخرج منها كما دخل فيها، بل أشدَّ حيرةً وارتباكًا. وربما ذكر الماتنُ (١) دليلًا، ثم ذكر اعتراضًا عليه، وأجاب عنه، ثم ذكر ردًّا لهذا الجواب ودفعه.

стр. 14

فيجيء الشارح فيذكر دفعًا لهذا الدفع وجوابًا عنه، وربما ذكر دفعًا لهذا الجواب ثم رده، فيجيء المُحَشِّي (١)، فيذكر دفعًا لذلك الرد ثم يجيب عنه. وهكذا لا تكاد هذه السلسلة تنقطع، وربما يقتصرون في الجواب على قولهم: "وهذا غير مسلَّم"، أو: "وفيه نظر"، أو دعوى بطلانه بالبديهة. وكثيرًا ما يُشَكِّكون في أجوبتهم، بقولهم: "قد يقال كذا"، أو: "فليتأمل" أو نحو ذلك. وكثيرًا ما يكون اعتمادهم على الإلزام للمخالف، أو الاستناد إلى دليل عقليّ قد اختلفوا فيه، أو الإحالة على مسألة أخرى مختلف فيها أيضًا. وكثيرًا ما يكون الناظر في تلك الكتب قد شدا شيئًا من العلم، فيظهر له ضَعْف بعض تلك الأجوبة، ولكنه لا يستطيع أن يفهم مِنْ ضَعْفه أنّ مقابِلَه حق. وغالب المؤلفين ينتسب أحدهم إلى فرقة خاصة، ويتقيَّد بها، ويلتزم الذَّبَّ عنها، وتسميتها (٢): أهلَ الحق، ويطلق على مخالفيها الأنباز الشنيعة. وذلك كله مما يزهِّد الناظرَ ــ إن كان طالب حق ــ في كلامه، ويسيء ظنه في حُجَجه، ولا يأتمنه على نقله عن الفرق المخالفة له، ويَحْدِس أن المؤلف لم يذكر من حُجَج مخالفيه وأجوبتهم إلا أضعفها. وبالجملة؛ فلا يكاد الناظر في تلك الكتب يخلص منها إلا بإحدى ثلاث: التقليد المحض، أو الحيرة، أو الشك في أصلٍ اتفق عليه المختلفون

стр. 15

في تلك المسألة إن لم يستظهر بطلانه. كمسألة الجهة للرب سبحانه، قد يتدبر الناظر الأدلة العقلية للفريقين، ثم يخرج بالشكِّ في وجود الله أو إنكاره، فيقول: ما كان في جهة فليس برب، وما لم يكن في جهة فهو معدوم (١)! فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، وتخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد. وهواي فيها إن شاء الله تعالى مع الحق، لا مع فرقة من الفرق، [ص ٢]

стр. 16

وتقيُّدي فيها بالإسلام، ليس لأنه ديني ودين قومي، وإنما هو لاستيقاني بعد صِدْق النظر أنه الحق. وسترى إن شاء الله تعالى تصديقَ قولي هذا بقدر ما تَسَعه هذه العُجالة.

стр. 17

مقدمات الأولى: في أصول لا بد منها الأصل الأول من المعلوم أن الإنسان يولد لا يعلم شيئًا، وإنما معه الإحساس بالألم ونحوه، أعني بحيث إذا قُرِص ظَهَر إحساسُه بألم القَرْصَة. وهذا الإحساس يلزمه منذ نفخ الروح، وليس هو بِعلمٍ، ومعه إلهامٌ فطري، به يلتقم الثدي ويمتصُّه. وهذا مع وضوحه لا أحفظ فيه خلافًا، وقد قال الله : [﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾] [النحل: ٧٨] (١). ثم عَقِب الولادة يشرع في إدراك المحسوسات بحواسه، ثم يتدرَّج بطريق القياس. تجري العادة بأن أمه إذا أرادت إرضاعه ترفعه من مَهْده، فإذا تكرر هذا أدرك بطريق القياس أنه إذا رفعته من مهده فإنها سترضعه، فتراه إذا مسَّه الجوع يبكي، فإذا أخذَتْه من مهده سكت، فإذا مضت هُنَيهةٌ ولم ترضعه عاد إلى بكائه. وهكذا تتربّى معلوماته بالإحساس والقياس، ويقوى القياس في نفسه بالتكرر، وذلك هو الاستقراء. ثم بالإحساس والقياس ترتسم في نفسه القضايا الأولية، مثل أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الشيء أعظم من جزئه، ويرتسم في

стр. 18

نفسه أن الحادث لا بد له من مُحْدِث. والمقصود أنّه إنما يدرك بحسه أو بقياسه على ما أدركه بحسه. غاية الأمر: أن العقلَ يتصرَّف في المحسوسات والمقيسات، فيحكم فيها بأن هذا صواب جزمًا أو رُجْحانًا، وهذا خطأٌ كذلك، وهذا محتمل. وهذه الحال تلازم الإنسان مدة حياته، إلا أنه كلما كبر وتعلَّم وتعقَّل وتفكر اتسعت دائرة معلوماته بكثرة الإحساس والتوسع في القياس وقوة العقل. [ص ٣] فإذا كان معك في البيت إنسان، فإنك تدرك وجودَه برؤيتك له، أو بسماع صوته أو حِسّه، أو بلمسك له (١)، أو شمك لرائحته. وتُدْرِك أنه إنسان باستقرائك السابق أن ذلك الشكل، أو ذلك الصوت، أو ذلك الملمس أو الرائحة إنما يكون للإنسان. وتدْرِك أنه فلانٌ باستقراء آخر، وهو أن ذلك الشكل والصوت والملمس والرائحة إنما يكون لفلان. وقد تخرج من حُجرتك ولا تدع بها أحدًا ثم تعود إليها عن قُرْب، فتجد حادثًا قد حدث فيها، فتعلم بسابق استقرائك مع حكم عقلك أنه إنما حدث عن سبب، فإذا أحببت معرفة السبب نظرتَ في ذلك الحادث مستعينًا باستقرائك السابق، فقد تكون ورقةٌ خفيفةٌ قد تحولت عن موضعها، فتُجوِّز أن يكون السبب هو الريح. وقد يكون كتابٌ كان في موضع غير متمكِّن فيه، فترى أنه

стр. 19

سقط، وإذا فكرت رأيت أنه لعدم تمكُّنه، كان مِن مدّة بسبب ثقله وعدم تمكُّنه يميل إلى الجهة التي سقط منها قليلًا قليلًا حتى سقط في ذلك الوقت. وإذا كان شيء معلّقًا بخيط ضعيف، فانقطع، وفكّرت، رأيتَ أن الخيط كان بسبب ثقل ما عَلِق به تَهِنُ قواه، وتتقطع شيئًا فشيئًا إلى أن انقطع. وإذا كان إناء فيه طعام، وهو متمكِّن في موضعه، فجئتَ وقد سقط، ظننتَ أن فأرة أو هرة أو نحوهما وثبت إليه فأسقطته. وإذا كان إناءُ طعام خفيف قد أُخِذَ من فوق مائدة، ووُضِع فوق مائدة أخرى بعيدة عنها، وكان في البيت أو جواره قِرْدٌ يمكن أن يكون دخل تلك الحجرة، جوَّزتَ أن يكون هو صنع ذلك. وإذا كان صندوق ثقيل، كان موضوعًا بالأرض، فحُوِّل عن موضعه إلى موضع آخر، رأيتَ أن إنسانًا دخل فصنع ذلك، وتَعْلَم مع ذلك أن ذلك الإنسان حي له قدرة على مثل ذلك الفعل. فإذا كانت عدة أشياء كانت في الحجرة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبَت ترتيبًا أحسن وأتقن مما كانت= علمتَ أن ذلك الإنسان حكيم أيضًا إلى الحدِّ الذي يقتضيه ذلك الترتيب. فإذا كانت الحجرة مُحكمة الإغلاق من داخل وأنتَ خرجتَ منها، ووقفت قريبًا من الباب، وتعلم أنه لا يمكن أن يكون دخلها إنسانٌ بعدك، ثم عدتَ إليها فوجدتَ الأمتعة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبت ترتيبًا آخر أبْدَع وأتقن مما كان، فإنك تُجَوِّز أحدَ أمرين: - إما أن إنسانًا له قدرة خارقة دخل إلى الحجرة من حيث لم تَجْرِ العادة بدخول الإنسان.

стр. 20

- وإما أن يكون [ص ٤] موجود حيٌّ عالمٌ قديرٌ حكيمٌ إلى ذلك الحد، خارجٌ عن نوع الإنسان، وعن سائر الأنواع التي شاهدْتَها قبل، ومع ذلك فإنما أدركتَ وجودَه بالقياس على وجود المحسوسات، وكذلك ما أدركته من صفاته، فتدبر. * * * * الأصل الثاني العلم المُكْتسب من الخبر لا يتحصَّل إلا بمعونة الحسّ والقياس، فإن الخبر يتضمن حُكمًا ومَحكومًا به ومحكومًا عليه، فلا يستفيد السامع حتى يكون قد عرف المحكوم به والمحكوم عليه وصورة الحكم بحسٍّ أو قياس. وأكثر الكلمات تتغير صورة المفهوم منها بتغيّر المنسوب إليه، فإذا قلت: "وجه زيد" تصوَّر السامع ــ إذا كان يعرف زيدًا ــ وجهه المخصوص. فإذا قلت: "وجه بكر" تصوَّر وجهًا آخر غير الأول. فإن قلت: "وجه رجل" تصور القَدْر المشترك بين وجوه الرجال. فإن قلت: "وجه إنسان" ازداد الاشتراك. فإن قلت: "وجه حِصان" تصوَّر شيئًا آخر، وهكذا: "وجه جمل"، "وجه صقر"، "وجه حيوان"، "وجه الدار"، و"وجه المسجد"، و"وجه الشهر"، و"وجه الأمر". وإذا قلت: "وجه ضيغم"، وصاحبك لا يدري ما الضيغم، لم يستطع أن يُثبت في ذهنه صورةً ما. فإن قلتَ له: الضيغم شيء حيٌّ مما على الأرض، قَرُب أن يتصوَّر صورة مبهمة مشتركة بين الإنسان والفيل والبعوضة وغيرها، وهو مع ذلك لا يستطيع أن يثبتها.

стр. 21

وإذا قلت: "وجه جِنّي، أو مَلَك" لم يستطع أن يثبت في نفسه صورة؛ لأنه لم يحس بملك أو جني، ولا بما يعلم مشابهته له في الشكل ولو في الجملة، إلا أن وهمه ينازعه إلى صورة الإنسان، إذا كان قد علم أن الملائكة والجن كالناس في أنهم عِبادٌ أحياء عقلاء. ولكن عقله يدفع ذلك بأن الملائكة والجن وإن شاركوا الناس في تلك (١) الصفات وغيرها فليسوا من جنس الناس، والمشاركة في بعض الصفات لا يستلزم المشاركة في كل شيء، كيف وقد عَلِم المفارقة في أصل الجنس؟ ! فإن أخبره صادقٌ بأن للملَك أجنحة، فله أحوال: الأولى: أن يكون يرى أن للملك ذاتًا مُشَخَّصة تقابل ما يسمَّى للحيوان الأرضي: جسمًا، فهذا يقع في وهمه أولًا أنها كأجنحة الطير المعروفة، ثم يدفع هذا [ص ٥] بما سمعه من صفات الملائكة: أنهم عِباد عُقلاء عُلْويون مقرَّبون إلى ربّ العالمين، أولو قدرة عظيمة، وغير ذلك، فيعلم أنهم ليسوا من جنس الطير المعروفة، فلعله إنما يستقرّ في ذهنه أنَّ للملك أطرافًا من ذاته لو رآها إنسان لأطلق عليها: أجنحة. الثانية: أن يكون يرى أن الملَكَ ذاتٌ مجردة عن المادة ألبتة، كما تقوله المتفلسفة؛ فإنه يتردد ويتحَيَّر، وأقصى ما عنده أن يتأوَّل الأجنحة على القُدْرة، أو نحو ذلك من التأويلات. الثالثة: أن يكون خالي الذهن عن التجسد والتجرد، وهذا إذا سمع الصفات التي إنما عرفها للأجسام يقع له ما يقع للأول.

стр. 22

الأصل الثالث كما أن العقل محتاج إلى الحِسّ والقياس في حُكْمه بالإثبات، فكذلك هو محتاج إليهما في حكمه بالنفي، سواءً أصاب أم أخطأ. أما الحس؛ فظاهر، كأن تكون بصيرًا، فتحكم بأنه ليس معك في حجرتك إنسانٌ آخر. وأما القياس؛ فكما تحكم أن تسع بيضات لا تمكن قسمتها ــ وهي سالمة ــ إلى قسمين متساويين في العدد، وكما يُكذِّب أناس بوجود الشياطين معهم، وكما يكذِّب كثير من الناس بخوارق العادات، وكما قد تكذِّب من يقول لك: وُلد لي ولد له ثلاث أعين. * * * * الأصل الرابع: الأغلاط أما أغلاط الحواسّ؛ فمنها رؤية الجسم البعيد صغيرًا، ورؤية من يغمز إحدى عينيه الشيءَ شيئين، وغير ذلك مما تراه في كتاب "المواقف" (١)، وغيره. وأما أغلاط القياس؛ فمنها أنك إذا جئت بإنسان لم تسبق له معرفة بالمذياع، فأوقفته خارج حُجرة فيها مِذْياع، ثم دخلتَ وفتحتَ المذياع، وعدت إلى صاحبك، فإنه إذا سمع المذياع حكم بأن في الحُجْرة إنسانًا يتكلّم، وأمثال هذا كثيرة.

стр. 23

وقال الله : ﴿ ... كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩]. وقال سبحانه: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤]. واعلم أن الأغلاط في النفي أكثر منها في الإثبات؛ وذلك لكثرة اعتماد الإنسان في الحكم بالنفي على استقرائه [ص ٦] الناقص، فلو لم يَثبُت عندك قطعًا تفاوتُ الناس في الإبصار لكنت إذا تراءيت الهلال أنت وآخرون فادَّعوا رؤية الهلال وأنت لا تراه تُكذِّبهم. وقِسْ على هذا سائر الحواس. ولهذا تجدنا نكذِّب ما يُحْكى عن زَرْقاء اليمامة (١)، ونكاد نكذِّب ما يحكيه أهلُ التجارب من قوة شمِّ الكلب، وكذلك يكذِّب كثيرٌ من الناس كثيرًا مما يُحكى من الغرائب الطبيعية. وكثيرٌ مما اكتشفه الناس كالكهرباء والراديو وغيرها لو حُكي لهم لوازمه قبل أن يُكْتَشَف لقطعوا باستحالتها. وهذه الاكتشافات اضطرت علماء الطبيعة إلى أن يجزموا أنه لا يزال في خبايا الكون أشياء لا تخطر لأحد على بال، سيرى الناس بعد اكتشافها كثيرًا مما يقطعون الآن باستحالته. هذا مع أن أرضنا هذه نقطة صغيرة من العالم، ولا نشكّ أنَّ فيه ما هو أرقى منها، وأن هناك ما ليس هاهنا، ولا يجد العقلُ مانعًا من أن يكون هنا وهناك حقائق لا تُدْرَك بحواسنا هذه، وإنما تُدرك بحواسّ أخرى، وقد صرَّح

стр. 24

بذلك المتفلسفون (١) من القدماء والعصريين (٢). قال بعض العصريين: إن للنحل حاسة سادسة (٣). وليس هناك ما يحصر الحواسّ الممكنة في الخمس، ولا في ست، ولا سبع، ولا أكثر. وهذا الحَبّ والنوى لو لم يتضح لنا بالحس والقياس والتواتر اتضاحًا قاطعًا أن الحبة والنواة تبقى سنين، ثم إذا وُضِعَت في الطين نبت منها مثل أصلها، ثم كبر، ثم أثمر مثل ذلك الثمر الأول، وهكذا أبدًا = لقطعنا باستحالته. وكذلك توالد الحيوان وما فيه من العجائب، لو أخذتَ بيض حمام، فولَّدته توليدًا صناعيًّا، بوضعه في التبن ونحوه في حرارة معتدلة، فلما خرجت الفراخ ربيتها بدون أن تخالط غيرها من الحمام، ثم أخذت منها ذكرًا وأنثى، وعزلتهما في موضع = لوجدتهما بعد أن يكبرا ويتسافدا يشرعان في جمع القَشّ، واتخاذ موضع صالح لوضع البيض فيه وحضنه (٤). فمن أعْلَمَهما أن السِّفاد سبب للتوالد؟ ومن أعلمهما أن الأنثى ستضع بيضًا يحتاج أن يُحْضَن؟ وقس على ذلك.

стр. 25

وطالع ما قاله علماء الحيوان في النحل والنمل (١). * * * * الأصل الخامس المقصود من وضع اللغات هو تسهيل سبيل التفاهم بين الأفراد ليتعاونوا على تحصيل معرفة ما يحتاجون إلى معرفته، فإن حسَّ الإنسان وقياسه بدون معونة غيره لا يكاد يكفيه، لما يحفظ به حياته. والإشارة محدودة الفائدة؛ إذ من المعلومات ما لا يُمكن إفهامها بمجرد الإشارة، ومنها ما يمكن على وجه إجمالي مشتبه، ومنها ما يمكن تحديده ولكن بعد تعب وعناء وصرف وقت طويل، وأما ما عدا ذلك فهو قليل. وجَرِّب ذلك بأن تدخل بلدًا لا تعرف لسانهم، ولا يعرفون لسانك، فانظر ما يكون حالك قبل أن تعرف كلماتٍ من لغتهم، على أنك في هذه التجربة [ص ٧] أحسن حالًا منك لو فرضت أنه لم توضع للناس لغة أصلًا. هذا، ولا يخفى أن فائدة التعاون إنما تحصل إذا كان المخبر حريصًا على إفهام المخاطَب ما هو الواقع، فإذا كلَّمْت رجلًا بكلام ترى أنَّ من شأن ذلك الكلام بحسب قانون تلك اللغة مع حال المخاطب أنه إذا سمعه فهم منه معنى، فذلك المعنى إن كان مطابقًا للواقع في اعتقادك؛ فقد تحرَّيت الصدق، وأتيت بالكلام فيما هو المقصود منه، وإن كان غير مطابق للواقع في اعتقادك،

стр. 26

بمعنى أنك لا تعتقد مطابقته للواقع، بل تعلم أو تظن مخالفته له أو تشك؛ فقد تحرَّيت الكذب، [وأتيت] (١) بالكلام فيما هو نقيض المقصود منه. ولا شكَّ أن قانون العربية [أن يكون] الكلام على ظاهره المفهوم منه، مع ما يكون هناك من القرائن التي [إن لم] يلاحظها المخاطَب كان مقصِّرًا. فإذا كنت مع رفيق لك في الهند مثلًا، وأهلكما في اليمن، ثم رجعت إلى وطنك، فسألك أهل رفيقك عنه فقلت لهم: قُتِلَ، قَتَلَه فلان، فهاهنا عدة أحوال: الأولى: أن تكون شَهِدْته قد (٢) قَتَلَه فلانٌ القَتْلَ الحقيقي. الثانية: أن تكون شَهِدْته قد جرحه فلان، فأغمي عليه، وقال من عنده: إنه مات، وسافرتَ عَقِبَ ذلك، ولا ترى إلا أنه مات الموتَ الحقيقي. الثالثة: أن تكون علمت بالجرح، ثم أخبرك من تثق به أنه مات. الرابعة: أن يكون رفيقك رجع معك وهو حاضر المجلس، وقد عرف أهله ذلك، ولكنهم سألوك عما كان حاله في الهند، فقلت: قتله فلان، وأردت أنه خَدَعه في معاملته، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل. الخامسة: أن يكون رفيقك باقيًا بالهند، وسئلت عنه، فقلت: قُتِل في الهند قَتَله فلان، وسمَّيتَ رجلًا يعرفون أنه لم يزل عندهم، وأردتَ أنه كَتَبَ إليه بكتابٍ أشار عليه فيه بما ضره ونقصه، فكأنه قتله، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل.

стр. 27

[ص ٨] السادسة: أن تكون علمتَ بأن فلانًا جرحه، وظننت أن ذلك الجرح قاتل، وسافرت قبل أن تعلم بالموت، أو أخبرك به من لا يوثق به. السابعة: أن يكون صاحبهم لم يرجع من الهند، وكذلك فلان، وقلت لهم: إنه قُتِل، قَتَلَه فلان، ولم تتأول شيئًا. الثامنة: مثل السابعة، إلا أنك تأولت، أردت: خَدَعَه، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل، زاعمًا أنه يكفي قرينة صارفة عن الظاهر: أن صاحبهم موجود على الأرض حيّ يُرْزَق، أو أن فلانًا سافر إلى أمريكا قبل التاريخ الذي زعمتَ أنه قَتَل صاحبهم فيه، ويستحيل رجوعه إلى الهند في تلك المدة، وهم لا يعلمون بذلك، أو أنه قد علم الله تعالى أن صاحبهم لا يُقْتل في الوقت الذي أخبرتهم بأنه قُتِل فيه، ويستحيل أن يقع خلاف ما سبق في علم الله، أو نحو ذلك من الأمور التي تنافي القتل، ولكنهم لا يعلمونها. ومن ذلك: أن يكون صاحبهم رجع مستخفيًا وهو موجود في المجلس بحيث لا يرونه، أو يكون عندك في بيتك، وجاءك أبوه وهو ضعيف البصر، فأدخلته إلى المكان الذي فيه ابنه ولم تخبره به، بل جلس بحيث لو كان صحيح البصر لرآه. فأما الصورة الأولى فهي الصدق المَحْض، إلا أنه في هذا المثال قد يحرم عليك إخبارهم إذا خشيت أن يَعْدوا فيقتلوا بعض أقارب القاتل. وأما الثانية فالظاهر أنه لا يلزمه قبح الكذب وإثمه، ولكن كان الأحوط أن تُفصِّل، فتَحْكي الواقعة كما هي لمكان الاحتمال وإن كان بعيدًا، ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لم يمت، كأن يكون أفاق بعدك ولم يبلغك ذلك.

стр. 28

وأما الثالثة فهي قريب من الثانية، إلا أن الملامة لك ألزم، إذ كان ينبغي لك أن لا تصرِّح بالقتل، بل تشرح الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه ــ أيضًا ــ أن يكون مات أو لا. وأما الرابعة فلا قُبْح فيها ولا إثم بالنظر إلى القتل؛ لأن صاحبهم حيّ أمامَ أعينهم، فكيف يتوهَّمون أنه قتل؟ ! وكذلك الخامسة؛ فإنهم يعلمون أن فلانًا لم يزل عندهم، فكيف يتوهمون أنه مع ذلك قَتَل صاحبهم بالهند؟ ! وأما السادسة فالقبح والإثم لازم لك؛ إذ لستَ بجازم في نفسك بأنه مات، فكيف تجزم بالقتل؟ وإنما سبيلك أن تقصّ عليهم الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لا. وأما السابعة فتحرِّيك الكذب ولزوم قبحه وإثمه لك ظاهر، سواءً أكنت تعلم بعدم القتل أو لا تعلم قتلًا ولا عدمه، وسواءً اتّفق أن كان في نفس الأمر أنه قتله أو لا؛ إذ المدار على جرأتك على الكذب وهي ثابتة على كل حال. [ص ٩] وأما الثامنة فهي كالسابقة (١)، فإن تأويلك في نفسك لا يغير من صورة الخبر ولا من فهم السامع شيئًا، وكذلك المنافيات التي لا يعلمها السامع لا تُغِّير من فهمه شيئًا. والقرينة التي اشترطها العلماء لصحَّة التجوُّز المرادُ بها ما يقترن بالخبر مما يَشعُر به السامعُ ليصرفه عن فهم ما لم يقصد. ومجرّد تأول المخبِر في

стр. 29

نفسه ووجود منافٍ لا يَشعُر به المخاطَب لا يغير من المفسدة التي لأجلها قَبُح الكذب وحُرِّم شيئًا. ألا ترى أنهم في الصورة الثامنة يفهمون مثل ما فهموه في السابعة، وتنبني على ذلك نفس المفاسد التي تنبني في الثامنة؛ كحزنهم وأسفهم واحتمال أن يبادروا فيقتلوا فلانًا أو بعض أقاربه، ثم يتسلسل القتل للأبرياء. وأن تموتَ أنتَ فُجاءَة، ولا يصل خبرٌ يخالف خبرك، فيقتسمون تَرِكَة صاحبهم، ويزوّجون نساءه، وغير ذلك. * * * * فصل الكذب في نفسه قبيح محرَّم، فإذا ترتبت عليه مفسدة كان أشدَّ قبحًا وإثمًا، ولا يخلو عن مفاسد تترتب عليه. ولا يُعْهَد في الشرع ولا العرف الترخيص في شيء منه، إلا إذا كان فيه دفع لمفسدة لا تندفع إلا به، وظهر أنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم منها. [ص ١٠] ولكن مثل هذا إن جاز لعامة الناس فلا أراه يجوز للأنبياء بعد النبوة؛ لأن مبنى الرسالة على الصدق المحض. فإن قيل: فقد ثبت في "الصحيح" (١): "لم يكذب إبراهيم ــ ﵇ ــ إلا ثلاث كذبات" (٢).

стр. 30

قلت: كلمات إبراهيم ــ ﵇ ــ تجمع أمورًا: الأول: التورية القريبة. الثاني: أنه كان في حاله ما يدعو إلى أن يُظَنّ أنه وَرَّى، وهذا شبه قرينة، وذلك كقوله لما سُئل (١) عن امرأته: "هي أختي"، وأراد الأخوَّة في الدين. فإنه كان من عادة الجبار: الذي دخل بلاده أنه إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل زوجها، ومن البيِّن أنّ الزوج إذا سُئل عن امرأته في مثل تلك الحال يحرص على تخليص نفسه من القتل، فإذا كان ممن لا يستحلّ صريحَ الكذب وَرَّى. فتلك شِبْه قرينة تصرف عن الظاهر، ونحو هذا يأتي في الكلمتين الأخريين. الأمر الثالث: أنه إنما بتلك (٢) الكلمات يدفع مفاسد عظيمة، ولهذا قال النبي ﵌: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كُلُّهنّ في ذات الله". وأقربها إلى حظ النفس قوله: "هي أختي"، ولم يقلها لمجرد حظ نفسه، بل حرص على بقائه حيًّا ليدعو إلى الله ، ودفع بها ظلم القتل عن أولئك القوم. ولا أستبعد أن تكون تلك الكلمات وقعت منه ــ ﵇ ــ قبل النبوة، ويدل على ذلك قول الله فيما حكاه عن قومه بعد تكسير

стр. 31

أصنامهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، والفتى: الشاب (١)، والغالب أن النبوة تكون بعد الأربعين. وعلى ذلك أدلة أخرى من كيفية محاورته مع قومه، فكأنه ــ ﵇ ــ أدرك التوحيد بصفاء فطرته وذكاء قريحته. ومع هذا كله فإن النبي ﵌ سماها: "كذبات"، وبيَّن أنه لم يقع من إبراهيم مما يطلق عليه الكذب غيرها. وثبت في "الصحيح" (٢) أن إبراهيم ــ ﵇ ــ يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة بهذه الكلمات، فيعدُّها يومئذٍ خطايا، كما يعتذر آدم بأكله من الشجرة، ويعتذر موسى بقتله نفسًا، وهذا مما يوضِّح شدة بُعدِ الأنبياء عن الكذب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. * * * *

стр. 32

[ص ١١] المقدمة الثانية: في التقليد والتحقيق ينبغي لطالب الحق من المسلمين أن يختبر نفسَه قبل البحث، ويسألها: التقليدَ تريد أم التحقيق؟ فإن كانت تريد التقليد؛ فأولى من قُلِّد في العقائد كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يكن أهلًا للنظر فيهما، فليبذل جهده في تحصيل التأهُّل. وإن كان يريد التحقيق؛ فالتحقيق في الكتاب والسنة أيضًا، فإنه لا أعلم بالله ــ ــ من نفسه، ثم من رسوله. فإن أبى إلا النظر في آراء المتكلمين والمتفلسفين، معتذرًا بأن كلامهم قد اختلط بالكتب العلمية على اختلاف أنواعها من تفسير، وشروح حديث، وتراجم رجال، وفقه وأصوله، وعلوم اللغة. وتلك العلوم لا بدّ منها لطالب العلم، ولا يجدها إلا في تلك الكتب التي قد خُلِط بها الكلام والفسلفة، فليجعل نُصْب عينه أنه إنما يريد التحقيق، وأن غاية التحقيق في الكتاب والسنة، وأنه إنما يريد بالنظر في الكتب التوصُّلَ إلى الكتاب والسنة. ثم ليحذر من تقليد المتكلمين والمتفلسفين، وليضع كلَّ أصلٍ يؤصِّلونه على أنه دعوى لا يقبلها بمجرد الاغترار بكثرة المدَّعين وجلالتهم في صدور الناس، وما اشتهروا به من علم ودقة نظر، وما يكررونه مِنْ زَعْمِ: أن بدائه العقول دالة عليها، وأنها قامت عليها البراهين القطعية، وأنه لا يخالفها إلا بليد أو معاند، أو غير ذلك (١).

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 34

[ص ١٣] فصل اعلم أن الخائضين في العقائد فرق: الفرقة الأولى: أهل الآثار المقتصرون على ما جاء في الكتاب والسنة، مستشهدين بما تقتضيه بدائه العقول وما يقرب منها في الوضوح. الثانية: فلاسفة اليونان.

стр. 35

الثالثة: قدماء المتكلمين من المسلمين. الرابعة: المتفلسفون من المسلمين الذين يقلدون فلاسفة اليونان، ثم يقابلون بين عقائدهم وبين الإسلام. الخامسة: الجامعون بين الكلام والفلسفة. السادسة: المتصوفة. السابعة: أهل الفلسفة العصرية. فأما أهل الآثار؛ فقد يقع لهم الخطأ بالاستشهاد بحديث لم يثبت، أو بفهم من آية أو حديث ثابت، فيخطئون في فهمه، أو بالاستشهاد بأثرٍ عن بعض الصحابة أو التابعين قد يكون مما أُخِذَ عن أهل الكتاب (١).

стр. 36

وأما فلاسفة اليونان ونحوهم؛ فالذي يستهوي النفوس لتقليدهم هو الوقوف على كثرة صوابهم في الطبيعيات والرياضيات، وما اشتهر من أنهم لم يكونوا متقيدين بهوى ولا دين، وإنما كانت نهمتهم تحقيق الحق. فعليك أن تعرف أن كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات إنما هو لأنها في متناول الإنسان؛ لأنها مما يهدي إليه الحس والقياس. فأما الإلهيات فإنما يتناول القياس منها طرفًا إجماليًّا، ويعجز عن التفصيل إثباتًا ونفيًا، فإن غَلَبْته شهوة الاطلاع، فخاض في ذلك، فإنما جَهْدُه (١) أن يقيس الغائب على الشاهد مع أنه ليس من جنسه، ويعمل باستقرائه الناقص، ويجحد ما لم يعرف له نظيرًا، وكلُّ ذلك غلط. وربما أوداه التوغُّل في ذلك، فيرجع فينقض ما يمكن إدراكه من الطرف الإجمالي. ذكر صاحب "المُعْتبر" (٢) البرهانَ على شمول علم الله

стр. 37

للكليات والجزئيات، وذكر شبهة النافين، وأنها ارتيابهم في الكيفية، ثم قال: "وصناعة النظر تأمر المتأمل بأنه إذا حقق أصلًا، وتيقَّن معلومًا، حصَّله بنظره، وحازه إلى سوابق علمه، وتأمَّلَ نسبته إلى ما هو مجهول حتى يكتسبه ويحصِّله بذلك المعلوم السابق، فإن قدر على كسبه فذاك، وإلا ثبت في علمه على معلومه، وترك المجهول في مُهْلة الطَّلَب، فأما إنْ نَقَضَ المعلومَ بالمجهول، وردَّ الحاصلَ بالمطلوب، فإنه لا يثبت له علم، ولا يصح له معنى في معلوم أبدًا، ويكون كمن ينقض الأساس لبناء الجدار، فلا يبقى الأساس ولا الجدار". (المعتبر ٣/ ٩٥). وإذا كان الأمر كذلك فهذا كله خبط عشواء، وخوض على غير هدى، فكيف يتوهَّم من كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات أن يكون حالهم في هذا كذلك؟ ! على أنه قد كثر خطؤهم في الطبيعيات أيضًا، على ما هو معروف فيما يرده عليهم علماء الإفرنج الذين تيسَّر لهم أن يعرفوا من الطبيعيات أكثر مما عرفه اليونان. وأما قدماء المتكلمين فلا يُعْلَم في عهد التابعين منهم إلا طائفتان: الأولى: كان كلامها قاصرًا على القَدَر والوعيد. الثانية: أفراد حُكِيَ عنهم الكلام في الصفات، فأولهم ــ فيما أعلم ــ الجَعْد بن درهم قتله خالد القَسْري يوم النحر، بدأ فصلى بالناس، وخطب، ثم قال: [ارجعوا فضحّوا تقبل الله منكم، فإني مضحٍّ بالجَعْد ابن دِرهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًّا كبيرًا

стр. 38

عما يقول الجَعْد بن درهم، ثم نزل فذبحه] (١). ثم تلاه الجَهْم بن صفوان، وقد رُوِي أن الجهم كان يأخذ الكلام عن الجعد، ذكر ذلك البخاري في "تاريخه" (٢). وللجهم آراء مشهورة، وعارضه مقاتل بن سليمان، فخالفه في آرائه، وتبع كلًا منهما طائفةٌ، ثم كثرت الزندقة في عهد المهدي العباسي، وأخذت تلتبس بالكلام، فتتبع المهدي من عُرف بالزندقة البحتة، وبقيت بقايا. وفي زمن الرشيد استولى الأعاجم على تدبير الحكومة، وخلا الجوّ للناس، فكثر فيهم الكلام؛ منهم من هو زنديق في نفس الأمر، ومنهم من عُرِف بالكلام ومزج به شيئًا من شبهات الزنادقة. وبالجملة فكان الكلام في ذلك العصر مباراة بين المتكلمين في الأسواق والمجامع، لا غرض لكلٍّ منهم إلا أن يظهر أنه غلب، وكان الأمراء والأغنياء يعقدون المجالس للمتكلمين، لا لطلَبِ حقٍّ ولا نصرته، بل على سبيل التفكُّه. وكان أئمة المسلمين ينهون عن ذلك، ويبالغون في الزجر عنه، كما هو معروف في محله. وفي هذا العصر بدأت فلسفة اليونان تنتشر بين المسلمين، ويتلقَّفها

стр. 39

المتكلمون، ويخوضون فيها، ويضمون إلى أقوالهم السابقة ما يضمون، واتصل طَرَفٌ من ذلك بالمأمون، فتعصَّبَ له كما هو مشهور. ومن هنا قويت شوكة المعتزلة الذين ضمُّوا ما نُقِل عن المعتزلة الأُوَل كعمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء إلى رأي جهم وما اتصل به. واحتاج علماء المسلمين إلى معارضتهم، فمنهم من اقتصر على دفعهم بالكتاب والسنة، ومنهم من أخذ بطرفٍ من الكلام، وكان من هؤلاء الحارث المُحَاسبي، وعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وتوسَّع ابنُ كلَّاب في الكلام مع عدم تبحُّره في الشريعة، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء الأشعري، [ص ١٥] وكان أول أمره معتزليًّا، ثم تبرأ عن الانتساب إليهم، وانتسب إلى أهل السنة، ونُقِلَ عنه قولان: أحدهما: التوسُّع في النظر والتأويل على نحو طريقة المعتزلة، مع مخالفتهم في بعض المسائل خلافًا لفظيًّا أو قريبًا من اللفظي، إلا مسائل معدودة الخلاف فيها معنوي. وفي هذا الضرب إحداث آراء وتوجيهات (١) يرى السلفيون أنها تخالف مذهب السلف، وفي بعضها تمحُّلات ألجأه إليها ما استولى على ذهنه من أقوال المعتزلة. والقول الآخر: التزام مذهب السلف، كما تراه في كتاب "الإبانة" (٢).

стр. 40

والنظرُ يقتضي صحةَ ما قيل: إن هذا هو قوله الأخير، ولكن عامة أتباعه لم يلتفتوا إليه. ثم انتشر الكلام، وساء ظن الناس بالكتاب والسنة وأقوال السلف، فصار كثير من الناس يتبع المعتزلة والجهمية، ويأخذ كلامهم، وينتصر له، وكثير منهم ــ وهم في الغالب ممن كان آباؤهم وشيوخهم على رأي السلف ــ يلتحقون بالأشعرية، على القول الأول للأشعري، وفي أثناء ذلك تتصل بالأشعرية مسائل من أصول المعتزلة أو آراء جديدة، وشهر الأشاعرةُ أنفسَهم بأنهم أهل السنة، وأنهم الذابون عن عقائد السنة. ولم تزل في المسلمين بقايا من أهل الحديث يرون أن الحق إنما هو في اتباع الكتاب والسنة، ويبدِّعون الأشعرية، كما يبدِّعون المعتزلة، ولكنهم كانوا يَقلِّون ويضعفون حتى صاروا غرباء يرميهم الأشعريةُ بكلّ عظيمة،
следующие страницы →