← Баляга

Баляга · id 3334

خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني

محمد محمد أبو موسى

Полный текст (350 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في اضطراب تركيب الكلمات، قال يمدح إبراهيم المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك: "من الطويل". وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه وأصل العبارة: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، فتعسف في التركيب، والتوى في التعبير، وقدم وأخر، وأجهدنا في فهم هذا المعنى الذي لا يساوي شيئا، وأحسب أن الفرزدق وهو شاعر فحل يعرف طبائع اللغة، وعوائد التراكيب إنما فعل ذلك تهكما بالمدح والممدوح، وولاء الفرزدق للعلويين، وعداؤه لبني أمية والممدوح منهم يغير بهذا الظن، وقد جرت عادة الشعراء على تثقيف الشعر، وصقله في خطاب الملوك ومن في طبقتهم. وهذا الضرب يسميه البلاغيون التعقيد اللفظي، وهو يقابل التعقيد المعنوي الذي يراد هو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني هو المعنى المراد، ومن الضروري أن تكون العلاقة بين الصورة، والمراد منها علاقة بينة مكشوفة، فإذا قلت: فلان كثير الرماد انتقل الذهن إلى معنى الكرم بسرعة، وكذلك إذا قلت: فلانة نئومة الضحى انتقل الذهن إلى معنى الرفاهية، وهكذا لم يتوقف الإدراك عند الدلالة المباشرة، ولكنه يثب منها إلى المراد، فإذا سمع من يألف اللغة قول ذي الرمة: "وساق الثريا في ملاءته الفجر" فهم منه انبساط ضوء الصبح، وإذا سمع قول الغنوي في ناقته: يقتات شحم سنامها الرحل، فهم منه كثرة الأسفار، وإذا سمع قول البحتري ليعقوب بن أحمد: تجرح أقوال الوشاة فريصتي، فهم منه أنه أوذي بقالة السوء، أو قوله: "من الطويل": ولما نبت بي الأرض عدت إليكم ... أمت بحبل الود وهو رمام لم يفهم من: نبت بي الأرض إلا معنى القلق والاضطراب، ولم يفهم من حبل الود الرمام إلا صداقة قديمة يعول عليها. وهكذا لم يقف عند الدلالة الصريحة القريبة، أو النصيبة كملاءة الفجر التي

стр. 37

يسوق فيها الثريا، أو الرحل الذي يقتات من شحم السنام، أو الأقوال التي تجرح لحمة الكتف، وإنما يقع خاطر بسرعة على المراد، وذلك؛ لأن المسافة بين المعنى النصي، والمعنى المجازي مسافة وضيئة يسلك العقل فيها سبيلا مسيرا، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، فيقع الشاعر في تعقيد، والتواء حين يستخدم صورة لمعنى غير واضحة الدلالة عليه، مثال ذلك أنهم استعملوا جمود العين للدلالة على بخلها بالدموع عند إرادة البكاء، فلما استعملها الشاعر في الدلالة على ذهاب الحزن، وقرار العين وسرور النفس كان ذلك تعقيدا؛ لأن الذهن لا ينتقل من جمود العين إلى معنى السرور، وإنما ينتقل من جمود العين إلى معنى الضيق، والامتلاء بالحزن وهذا هو سبب عيبهم لقول العباس بن الأحنف: "من الطويل": سأطلب عد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا أراد أن يقول: سأطلب فراقكم لأنعم بقربكم، وسأبكي عليكم لأنعم بلقائكم ولتقر عيني بهذا اللقاء، بجعل قوله: "لتجمدا" كناية عن قرار النفس باللقاء والسرور، وهذا لم تألفه طرائق التعبير؛ لأن الجمود -كما قلنا- معناه البخل عند الحاجة، قالوا: ناقة جماد أي لا لبن فيها، وسنة جماد أي لا خير فيها، وكذلك العين الجمود، قال ابن يسار: "من الطويل": ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود فالجمود إذن لا يشير إلى السرور، ولا يحمل إلى النفس شيئًا في معنى الغبطة باللقاء، ولهذا كان ظله في البيت ظلا وخيما، وطريقه إلى المعنى طريقا كدرًا. أما فصاحة المتكلم فهي: تلك الموهبة التي يستطيع بها المتكلم أن يعبر تعبيرا صادقا قويا عن أفكاره، وأغراضه ومشاعره، وهذه الموهبة تكتسب بكثرة المران والدرابة، والمعايشة للأساليب الممتازة، وحفظ كثير من الشعر والنثر حفظا واعيا يستوعب معانيه، ويستغرق في آماده، ويذهب في أوديته، وهذا الوعي، وهذا الاستغراق هو الوسيلة لتربية النفس التي تشعر شعورًا صحيحًا

стр. 38

وصادقًا، وتتتامل تأملا مستبطنا، وتتلقى الأشياء والتجارب، والأحداث تلقيا واعيا، فإذا وصفت ما تجد جاء وصفها قويا واضحا. أما البلاغة فإنها لا تأتي وصفا للمفرد، فلا يقال: كلمة بليغة إذا أريد بالكلمة لفظ مفرد، وإنما يقال: كلمة بلغية إذا أريد بالكلمة القصيدة أو الخطبة، ويصح أن نطلق الكلمة على القصيدة، فنقول: كلمة الحويدرة، أو كلمة زهير. وتقع البلاغة وصفا للكلام والمتكلم، فبلاغة الكلام أن يكون مطابقا لمقتضى الحال مع فصاحته، أي أن يكون التعبير فيه خصائص في الصياغة، وأوضاع في التراكيب، تدل هذه الخصائص وهذه الأوضاع على معان يكون بها الكلام وافيا، ومطابقا لما يتطلبه الموقف الداعي. فحين يكون المقام داعيا الى التنويه برجل تتحدث عنه، أي حين تنفعل نفسك بمآثره وأخلاقه تقول: هو الرجل، فتذكره معرفا بهذه الأداة التي تكسبه في سياق العناية به وصف الرجولة الصادقة والكاملة، وكأنك توهم أن الرجولة بكل أوصافها، تتحقق فيه ويشتهر بها، حينئذ نقول: إن التعريف جاء مطابقا لمقتضى الحال أي مقتضى المقام: لأن المقام يتطلب التنويه، والإشادة لما هتفت دواعي النفس بذلك، فوقع الكلام وفيه خصوصية تعين على إفادة هذا المعنى، ومثل ذلك أنك تجد الطريق، وقد ملأه الناس سائرين فيه، فيقع في نفسك أن هذا الطريق كأنه هو الذي يسير، فلا تقول: سار الناس في الطريق، وإنما تقول: سار بهم الطريق، والتعبير الثاني أكثر ملاءمة لحالة نفسك التي أحست، أو خيل إليها أن الطريق سير، لا أريد لك أن تكذب في التعبير، وأن تدعي أنك تحس هذا، وإنما أقول لك: إنك حين تحس أن الطريق يمور، ويتحرك يكون قولك: سار بهم الطريق، مطابقا لما يتطلبه حال النفس الداعي إلى الوصف الصادق، وإذا قلت: سار الناس في الطريق، لا تكون العبارة مستوفية لإحساسك بكثرة السير حتى كأن كل بقعة في الطريقة عليها إنسان يسير، والعبارة إذن ليست مطابقة لمقتضى الحال، وعكس هذا إذا كنت

стр. 39

لم تحس هذا الإحساس، وإنما رأيت ناسًا يسيرون، ولم يقع في نفسك شيء وراء ذلك يكون من الكذب في الوصف أن تقول: سار بهم الطريق؛ لأن الطريق لم يسر بهم، أو؛ لأن نفسك لم تحسب سير الطريق بهم، والتعبير الملائم أن تقول: سار الناس في الطريق، تصف وصفا تقريريا لا عاطفة فيه؛ لأن الذي رأيته ليس له بعد وراء هذا، والذي أريد أن أقرره أن المطابقة تعني أولا المطابقة لحال النفس والشعور، ولذلك يكون التهويل، والكذب على النفس مخالفا للمطابقة، وخارجا عن حد البلاغة، المطابقة إذن تعني الصدق، والوفاء بما في النفس، أو كما قال العلوي: "أن تصل عبارتك كنه ما في قلبك". والحال عند البلاغيين هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى أن يعتبر في كلامه خصوصية ما، أي هو ذلك الداعي الذي يهتف بالفطرة الصادقة إلى أن تجري صياغة العبارة على طريق دون آخر، فالخنساء لما استعر في ضميرها الحزن الكارب على موت صخر قالت: "من البسيط": فما عجول لدى بو تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار أودى به الدهر يوما فهي مرزمة ... قد ساعدتها على التحنان أظآر ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللعيش إحلاء وإمرار السليقة البيانية ألهمت الخنساء هذه الخصوصيات في أداء تجربتها الحزينة، فأسكبت حزنها على هذه الصورة الماثلة في الناقة التي فقدت ولدها، ثم خدعت فصنع لها ولد من جلد، فأخذت تطوف حوله في حنين دافق يعلو ويهبط، وهناك نوقف يحاوبنها التحنان، فيشجيها ذلك الترجيع فتحمي وتندفع، إذا غفلت هذه الناقة قليلًا رعت، فإذا ما تذكرت حركها الحزن حركة طائفة، فتصير لفرط هذه الحركة كأنها الإقبال والإدبار. علم تقل الخنساء فهي مقبلة مدبرة؛ لأنها أرادت التوكيد وبيان فرط الحركة،

стр. 40

ودعاها المقام إلى هذه الصورة، كما دعاها إلى هذه الخصائص، فأخبرت عنها بالإقبال، والإدبار لتصف إحساسها بالناقة، وأنها صارت إقبالا وإدبارًا، وكذلك قالت: "إنما هي إقبال وإدبار"، ولم تقل: فما هي إلا إقبال وإدبار لتومئ إلى أن صيرورتها إقبالا، وإدبارا عندها أمر واضح لا إنكار فيه، وتنكير يوما في قولها: "أودى به الدهر يومًا"؛ لأنها أرادت يوما حزينا مليئا بالهم والغم، فهو نوع خاص من أنواع الأيام ينكره حسها. إذن الحال، أعني المعاناة التي عانتها الخنساء، هو الذي ألهمها هذه الخصائص التي صاغت فيها معاناتها لتكون تلك الصياغة وافية مطابقة. والحال، في الأمثلة السابقة، هو الذي دعاك إلى التعريف في الرجل، وأن تقول: هو الرجل بدل هو رجل، وهو الذي دعاك إلى أن تقول: سار بهم الطريق بدل ساروا في الطريق، أما مقتضى الحال، فهو الأمر العام الذي يقتضيه الحال كالتعريف، والتنكير أو التقديم أو التجوز في النسبة، أو الحذف أو التشبيه أو غير ذلك من الأحوال المختلفة التي يرد عليها التعبير.... ومطابقة هذا لمقتضى الحال هو ما ترد عليه العبارة كالتعريف الوارد في قولك: هو الرجل، والتنيكر في قولها: يوما، والتجوز في قولها هي إقبال أي هو واحد من آحاد التعريف جاء عليه الكلام، أو واحد من آحاد التنكير إلى آخره، وهذه فروق دقيقة. قال الخطيب: "ومقتضى الحال مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام". والكلام الذي تتوفر فيه الخصائص المشيرة إلى ألوان المعاني هو الكلام الجيد الممتاز، وترتفع منزلته وتنخفض تبعا لهذه الحالة، فكلما كان الكلام بخصائص تراكيبه أكثر شمولا، واستيعابا للفكر والشعور كان أعلى، وواضح

стр. 41

أن كثرة الخصوصيات التي هي من عوامل ارتفاع شأن الكلام، والحكم عليه بالجودة هي الخصوصيات التي وراءها رصيد من الأفكار، والمعاني كما بينا. أما بلاغة المتكلم فهي مقدرته، أو موهبته التي يستطيع بها أن يعبر تعبيرًا بليغًا، أي يبلغ مواطن الحس، والشعور من النفس المتلقية. وقد تقسمت مباحث البلاغت في ثلاثة أقسام أو ثلاثة علوم، فهناك بحوث تعنى بالصياغة وأحواله، وموقع الكلمة المفردة، فتبحث التعريف والتنكير والتقديم والتأخير، والحذف والذكر والقصر والفصل، والوصل وغير ذلك مما له صلة بأحوال التراكيب، وهذه البحوث سماها البلاغيون علم المعاني. وهناك بحوث تعنى بدراسة التصوير البياني الذي يستعين به الأديب على البوح بما في نفسه، وإبرازه مثل التشبيه والمجاز والكناية، وهذه البحوث يسميها البلاغيون علم البيان. وهناك بحوث تعنى بما في النص من ألوان التحسين، ووجوه الصقل والتثقيف، فإن العرب يحبون أن تكون كلماتهم حلوة، تتفتح لها النفوس، وتستجيب لها القلوب، والضمائر وذلك لحرصهم على أفكارهم، ومعانيهم وخواطرهم، فالعناية باللفظ عندهم فرع العناية بالمعنى، يقول ابن جني: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، ونقحوا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غريبها وأرهفوها، فلا ترين أن العناية إذا ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها، وتشريف لها"، والبحثو التي تعنى بألوان التزيين والتحسين، كالسجع والجناس والطباق، والمقابلة بحوث سماها البلاغيون علم البديع. فعلوم البلاغة ثلاث هي: المعاني، والبيان، والبديع. وهناك مناقشات حول صواب هذا التقسيم وخطئه، وكذلك حول منشئه في تاريخ البلاغة، شغل بهذا كثير من المعاصرين، ولا نريد الخوض فيه؛ لأنه ليس مهما في سياقنا هذا.

стр. 42

علم المعاني: عرفه البلاغيون بقولهم: هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال. أي هو العلم الذي يبحث أحوال اللفظ مثل التعريف، والتنكير والذكر والحذف، والإظهار والإضمار، وغير ذلك، ويتبين كيف تكون هذه الأحوال واقعة في الكلام موقعا تطابق دواعي النفس؟ ولم تأت زائدة ثقيلة، ولا متكلفة كريهة، وهذه الأحوال هي التي نسميها الخصائص، أو الكيفيات أو الهيئات. وعلم النحو، قد درس هذه الأحوال، أعني الحذف والذكر وغيرها، ولكن دراسته لها تناولت جهة أخرى، فهو يبين جواز التقديم وامتناعه، ووجوبه، وجواز الحذف وامتناعه ووجوبه، وأنواع التعريف وأحكام التنكير، ولم يتناولها من حيث وقوعها مطلبا بيانيا يقتضيه المقام ويدعو إليه الحال، وقد حصر البلاغيون أبواب هذا العلم في ثمانية: ١- أحوال الإسناد الخبري. ٢- أحوال المسند إليه. ٣- أحوال المسند. ٤- أحوال متعلقات الفعل. ٥- القصر. ٦- الإنشاء. ٧- الفصل والوصل. ٨- الإيجاز والإطناب.

стр. 43

وهذه الأبواب تولدت من جولان نظرهم في العبارة، وارتبط بعضها ببعض وارتباط وثيقا. فالجملة تتكون من مسند إليه، ومسند، وإسناد، فهذه ثلاثة أبواب. وإذا كان المسند فعلا، أو شبهه تعلق به كلام آخر له أحوال، فهذا هو باب أحوال متعلقات الفعل، وقد يرد الكلام على طريقة القصر، ثم إن علاقة الجملة بالجملة قد تقتضي وصلها بها أو فصلها عنها، فهذا باب سادس، ثم إن مجموع الجمل ينظر ليها من ناحية طولها، أو قصرها بالنسبة للمعنى أعني وجازتها، أو إطنابها فهذا باب سابع، وقد يكون الكلام على طريقة الإنشاء أي ليست له نسبة تطابقه أولا تطابقه كالأمر، والنهي فهذا باب ثامن. وتتناول هذه الدراسة أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل.

стр. 44

الفصل الثاني: أحوال الإسناد الخبري مدخل ... الفصل الثاني: أحوال الإسناد الخبري: ١- أغراض الخبر. ٢- أضراب الخبر. ٣- التجوز في الإسناد. من الواضح أننا لا نستطيع أن ندرك من اللغة غرضًا، ولا أن نفيد منها معنى إلا إذا ارتبطت كلماتها بعضها ببعض، وصارت كل لفظة متصلة بالأخرى نوعا من الاتصال، وفي ضوء هذا الترابط، وهذه الصلات تكمن المعاني، والأفكار التي تحتويها النصوص اللغوية، وتحفظها في بنائها الحي، تراثا خالدا، وفكرا حيا، ومهارة الأديب، ونبوغ الشاعر، وعبقرية اللغة، كل هذا يكمن فيما بين الكلم من ترابط وصلات، فحذق الأديب والشاعر يظهر في مقدرته الفائقة على صياغة كلم اللغة، صياغة بصيرة واعية، تصف كل خاطرة من خواطر نفسه، وتفصح عن كل فكرة تومض في كيانه، أو شعور يختلج في مطاويه، وعبقرية اللغة تكمن في مرونتها، وطواعيتها وإفادتها دقيق المعاني، بوجوه وفنون الصياغة، فتصف بهيئة الكلمة وتشير بخصوصية التركيب، وليس هنا موضع التفصيل في هذا، ولكني قدمته لأقول: إن الإسناد أصل الفائدة ومناطها، فليست معاني الشعر وقضايا الفكر، وروايات التاريخ، وأصول العلوم كلها إلا فكرا ومعاني، ودلالات هي ولائد الإسناد وبناته، والإسناد يعني أن تثبت الشيء للشيء أو تنفيه عنه، كقولك: جاشت أشواقه، فقد أثبت الجيشان للأشواق فالجيشان مثبت، والأشوق مثبت له، فلو قلت: الأشواق.. الجيشان ... لم تفد شيئا، وإنما أفدت بالإثبات وبأن قلت: جائت أشواقه، فأثبت للأشواق فعلا وحدثا هو الجيشان.

стр. 45

وهذه الكلمات: كل-يطول-الصب-على-تمام-الليل-أم مالك-ليالي-يا- تنظر إليها، فلا تقع منها على شيء، فإذا مارتبها ابن خفاجة، وجعل كل واحدة منها، تتصل بالأخرى نوعا من الاتصال رأيت فيها معنى شعريا ممتازا عامرا بالشوق، والحنين والشجى، قال: "من الطويل": يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب فضل تمام والبلاغيون يسمون المثبت حديثا أو مسندا، والمثبت له محدثا عنه أو مسندا إليه، يقول عبد القاهر: "ومختصر كل أمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند إليه ومسند". والبلاغيون يدرسون في أحوال الإسناد الخبري ثلاث مسائل، الأولى: أغراض الخبر، الثانية: أحوال الخبر من حيث التوكيد، وعدمه أو أضربه، الثالثة، حال الإسناد من حيث هو حقيقة أو مجاز.

стр. 46

- أغراض الخبر: قالوا: إن قصد المخبر بخبره إما أن يخبرك مضمون الخبر، وفائدته مثل أن يقول لك: جاء فلان وأنت لا تعرف هذا، ويسمى هذا فائدة الخبر. وإما أن يخبرك لازم الفائدة، مثل أن يقول لك: اسمك محمد فأنت تعرف اسمك، ولكنه أراد أن يخبرك أنه يعرف اسمك، فهو لا يفيدك فائدة الخبر، وإنما يفيدك لازم الفائدة أي أنه يعرف الخبر. ثم إنهم حين قالوا: إن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم، أو لازمه، بينوا مرادهم بالمخبر وهو كما يقول سعد الدين: "من يكون بصدد الإخبار والإعلام لا من يتلفظ بالجملة الخبرية"، فهذا المخبر للذي هو بصدد الإعلام هدفه من التعبير بين واضح، وإحاطة العبارة بهذا الهدف أمر ميسور ما دام ذلك جاريا في أساليب التخاطب، أما المخبر الذي ينطق

стр. 47

بالجملة الخبرية أعني الذي يصطنع اللغة في أفقها الأوسع، ومجالاتها الرفيعة، فإن قصده بخبره يتعدد المثيرات التي تدفعه إلى القول وتحثه عليه، والمثيرات التي تحث على القول، أعني خواطر النفس وهواجسها، ولا يتصدى عاقل إلى حصرها، وإن كان يصح أن نقول في سياق العموم، والإطلاق أن غرض الشاعر بشعره في أغلب أحواله قد يكون الرغبة في إثارة انفعال مشابه لدى القارئ فتتحقق المشاركة النفسية والوجدانية، فيعيش القارئ طربه إن كان طروبا، أو أساه إن كان حزينا، وفي هذه المشاركة متعة الشاعر وهدفه، وقد يكون غرض الشاعر هو الشعر نفسه أي هو هذه الدندنة الشعرية التي يتسلى بها حين يفرغ على قيثارته ألحان نفسه، الذي يعينه هو أن يقول: وليس يعنيه أن يسمع، ونحن في دراستنا لشعره نقول: إنه يقصد كذا وأنه أراد أن يصف لنا كذا، مثل أن نقول في قول متمم بن نويرة: "من الطويل" وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا الشاعر هنا يتلهف على ما فات، وتوجعه ذكرياته التي لا سبيل إلى رجوعها، ومثل أن نقول في قول عمرو بن كثلوم: "من الوافر". إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا الشاعر هنا مدل بعظمته وقوته، ويكاد يتفجر نفاجة واقتدارًا، ومثل قولنا في قول ابن خفاجة: يطول على الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب فضل تمام أن الشاعر هنا يتدله، ويقصد إلى إظهار الوجد والصبابة. فنحن في دراسة الشعر، والنثر لانشغل بهذا الذي قالوه في قصد المخبر بخبره أي إفادة الفائدة أو لازمها. وقد نبه البلاغيون إلى هذا، أي إلى أن الخبر غالبا ما يقصد به أغراض تتجاوز حدود الفائدة، ولازمها، يقول سعد الدين: "كثيرا ما تورد الجملة

стр. 48

الخبرية لأغراض أخرى سوى إفادة الحكم، أو لازمه كقوله -تعالى- حكاية عن امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ١ إظهارا للتحسر على خيبة رجائها، وعكس تقديرها، والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا، وقوله -تعالى- حكاية عن زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ٢ إظهارًا للضعف والتخشع، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، الآية، إدراكًا لما بينهما من التفاوت العظيم، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، ومثله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٤ تحريكا لحمية الجاهل، وأمثال هذا أكثر من أن يحصى".

стр. 49

أضرب الخبر: يراد بالبحث في هذا الموضوع دراسة الخبر من حيث التوكيد وخلافه، والبلاغيون يقولون: إن المخاطب إذا كان خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه، استغنى في صياغة الجملة عن المؤكدات كقولك: جاءني زيد وأكرمت عمرا لخالي الذهن؛ لأن هذا الخبر يتمكن في نفسه من غير توكيد لمصادفته إياه خالياه، كما قالوا: وإن كان المخاطب متردد في إسناد أحد الطرفين إلى الآخر -أعني في النسبة- حسن في هذه الحالة تقوية الخبر بمؤكد مثل: لزيد قائم أو إن زيدا قائم. وقد لحظ البلاغيون أن وجود التردد في النفس يتقضي هذا الضرب من الصياغة المؤكدة، ولو كان الخبر على وفق ظن المخاطب، فأنت تقول: إنه صواب للمتردد الذي يميل إلى أنه صواب، وليس فقط للمتردد الذي يميل إلى

стр. 50

أنه ليس بصواب، وسبب التوكيد بالنسبة إلى الثاني ظاهر، أما بالنسبة إلى الأول، فإنه لوحظ أن النفس حين تتردد تصير في حاجة إلى قدر من التوثيق، وإن كان الحكم على وفق ظنها؛ لأن ما تظنه وتمثل إليه هي أيضا في حاجة إلى توكيده، وهذا ملحظ نفسي دقيق، وسوف يتضح من سياق الشواهد، أما إذا كان المخاطب منكرا، فإنه لا بد من التوكيد، وهذا التوكيد، يختلف قلة وكثرة على وفق أحوال الإنكار، فإن كان إنكاره إنكارًا غير مستحكم في نفسه أكد بمؤكد واحد، وإن كان مستحكمًا تضاعفت عناصر التوكيد بمقدار تصاعد حالة الإنكار؛ لأن وظيفة الخبر حينئذ هي تثبيت هذا المعنى في تلك النفس الرافضة له، فلا مفر من أن تكون قوة العبارة، ووثاقتها ملائمة لحال النفس قادرة على الإقناع، وخير شاهد يصور هذا الأصل النفسي الدقيق في بناء الأسلوب، تلك الآية الكريمة التي تصف لنا حوار المرسلين مع أصحاب القرية، قال سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ١. ترى خطاب الرسل ﵈ لأصحاب القرية مؤكدا في الصورة الأولى بأن واسمية الجملة، وذلك؛ لأنهم منكرون رسالتهم، كما يدل عليه قوله: فكذبوهما، وقد رد أصحاب القرية كلام الرسل بعد هذا الخطاب الأول بقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ، أي لستم رسلا؛ لأنهم يعتقدون أن الرسول لا يكون بشرا، وهو كما ترى أسلوب مؤكد بالنفي والاستثناء، ثم أردفوا ذلك بقولهم: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وهذا تأكيد ثان لنفي الرسالة عنهم بصورة أبلغ؛ لأنهم في هذه الجملة الثانية ينكرون أنه الله أنزل شيئا عليهم وعلى غيرهم، ثم أردفوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ،

стр. 51

فوسموا رسل الله المكرمين بالكذب بهذا الأسلوب المؤكد، فرد الرسل الكرام عليهم بعد هذا العناد، والإنكار والتطاول بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ، عادوا إلى القضية الأولى وكرروها -وهذا ضرب من التوكيد- ثم أضافوا إلى صياغتها ألوانا جديدة من التوثيق، والتوكيد فجاءت كما ترى مؤكدة بأن وإسمية الجملة، واللام ومصدرة بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ . فقد وضح إذن كيف تتكاثر عناصر التوكيد وفقا لتصاعد أحوال الإنكار في هذا الحوار القرآني الخصب الذي يحتاج إلى تأمل، ومراجعة تكتشف فيه طبيعة العقلية المعاندة؟ وكيف كانت تنحرف في حوارها عن طلب الحقيقة، ومنهج الاحتجاج القويم؟ فلم يطلبوا من الرسل ﵈ برهانا على دعواهم كما يفعل الراغبون في التعرف على الحق، وإنما رفضوا الدعوى وكان رفضهم مبنيا على مسلمة خاطئة هي رفض بشرية الرسول، وهكذا عقلية الجاهلية في كل زمان تعتقد مسلمات، وتحاول ترسيخها في عقول الجماعات من غير أن تأذن لنور البصيرة، والحجة بمناقشتها وتمحيصها، ثم تجعل هذه المسلمات أساس حوارها في بث الجاهلية، وتضليل الجماعات، ثم تأمل كيف جرى التناقض على ألسنتهم من حيث لا يشعرون؟ فهم يقولون: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فذكورا أن الله لم ينزل شيئا بهذا العموم وهذا الإطلاق، ثم ذكروا ذا الجلال بصفة الرحمة وهي صفة تقتضي إرسال الرسل ﵈؛ لأن رسالتهم رحمة، فكيف يمسك الرحمن عن هداية خلقه، ثم تأمل كيف يتركون قية الخبر، ويهاجمون شخص المخبر؟ ويقولون: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ، وكم يشيع الجبابرة، والطغاة قالة السوء عن دعاة الخير والحق؟ ثم تأمل الجانب الآخر ي الحوار تجد دعاة الحق لم يتأثروا بتلك الانحرافات في أسلوب تعاملهم مع الجاهلية الرافضة لعدل الله في الأرض، وإنما ظلوا محافظين على طريق الصواب، فكرروا القضية التي هي أساس الحوار، وواجهوهم بما يهربون منه، فقالوا في تصميم وإيمان:

стр. 52

﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ١، أقول: إن هذا ومثله مما يجب على دارس بلاغة القرآن، وآداب اللغة أن يطيل النظر فيه، وما أعظم هذا المثل وما أروع دلالته على ما نحن فيه، راجع وتأمل، وانظر حولك، واقرأ الواقع الحي كما تقرأ الكتاب. وانظر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ٢. تجد التوكيد بضمير الفصل في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ؛ لأنه يظن أن الناس يضحكون، ويبكون بالبناء للمعلوم، أي يسرون غيرهم ويحزنونهم، فأكد اختصاصه -سبحانه- بذلك ليبطل أن يكون لغيره سبحانه فاعلية في شئون عباده حتى الإضحاك والإبكاء، وهي أقرب الأفعال إلى أن تكون مظنة للشركة، وجاء بالضمير أيضا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ؛ لأنه قد يظن أن الإنسان يميت بالقتل أو يحيي بالقوت، هذا ما يفهم من كلام العلوي، ولا يبعدي عندي أن يكون للرد على من ينكرون الإحياء بعد الإماتة، ثم لم يأت بالضمير في الآية التي بعدها؛ لأن خلق الإنسان مما لا تظن الشركة مع الله في فعله، ثم إن المعاندين أنفسهم لم يتشددوا في إنكار مخلوقيتهم لله؛ لأنهم يقولون في السموات والأرض: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣؛ وأكد في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ؛ لأنه مما يظن فيه الشركة، وذلك واضح، فقد يعتقد الإنسان أنه يقني غيره، أو أنه يقني نفسه، فاستأصل ذلك ليقرر في الضمير أن العطاء، والمنع في قبضة واحد لا شريك له، وبذلك لا يتطلع المسلم إلا إلى السماء، هذا معنى لو تأملت آثاره في تكوين الذات لوجدته كبيرا جدا، ومعنى أقنى: أعطى القنية وهي

стр. 53

-كما يقول الزمخشري: "المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك"، ثم أكد: ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ؛ لأن خزاعة كانت تعبدها، فأكد بربوبيتها له سبحانه، وقال: رب الشعرى ولم يقل: إله الشعرى؛ لأن الربوبية فيها إشارة إلى أنها مخلوقة له سبحانه، فكيف تعبد من دونه؟ ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا﴾ من غير تقرير؛ لأن استئصال قوم مما لا تظن فيه الشركة، وهكذا نجد نبرة التوكيد تعلو، وتهبط في مراقبة دقيقة، وبالغة لمواقع المعاني في النفوس، وما تنطوي عليه دواخلها، وسبحان المحيط بالأسرار. واضح أن مراعاة هذه الأحوال الثلاثة في صياغة الجملة، أعني عدم التوكيد لخالي الذهن، والتوكيد للمتردد، والمنكر حسب إنكاره -أمر يجري على الأصل، ويوافق ما يقتضيه ظاهر حال المخاطب، والبلاغيون يسمون الأول الضرب الابتدائي، والثاني الطلبي والثالث الإنكاري، ومناسبة التسمية واضحة؛ لأنك في الأول تبتدئ به المعنى في النفس، والثاني تواجه تددا، وكأن النفس طالبة للخبر والثالث تواجه به إنكارًا. وقد يجري الكلام على خلاف الظاهر من حال المخاطب أي أن المتكلم لا يعتد بهذا الواقع في صياغته، وإنما يجري على أمور اعتبارية تنزيلية يلحظها هو، ويعتبرها مقامات يصوغ عبارته على مقتضاها، وذلك موطن دقيق، لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا ذكي النفس دقيق الحس واسع الخيال. فمن ذلك أن تكون الجملة، أو الجمل السابقة متضمنة إشارات، أو إيماءات تثير في النفس المتلقية تساؤلا، فتسعفها الجملة الثانية بما يزيل التردد، ويجيب عن هذا الهمس، فيدخل قدر من التوكيد في بناء العبارة ليواجه هذا التردد، ومن ذلك الجمل المؤكدة في الكلام الفصيح، والواقعة عقب الأمر والنهي، أو الإرشاد والتوجيه، انظر إلى قول ابن المقفع: "لا تكونن نزر الكلام والسلام، ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة، فإن إحداهما من الكبر، والأخرى من السخف، وقوله: فإن أحداهما من الكبر جاء مؤكدا؛ لأنه تعليل لهذا النصح، وكأنه حين

стр. 54

نهى عن النزر في القول، والإفراط في الهشاشة تطلعت النفس المتلقية إلى معرفة سبب ذلك، وصارت كأنها مترددة، فأسعفها بهذه الجملة المؤكدة، وتلك خصوصية بارزة في أسلوب ابن المقفع، وخاصة حين يجري قلمه بالتوجيهات الراشدة، والآداب النافعة، فمن ذلك وهو مثل سابقه: "احرص الحرص كله على أن تكون خبيرًا بأمور أعمالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك، قبل أن تصيبه، قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك، ليعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك أنك لا تعاجل بالثواب، ولا بالعقاب فإن ذلك هو أدوم لخوف الخائف، ورجاء الراجي". ومن المشهور في هذا الباب قصة أبي عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر مع بشار في بيته المشهور: "من الخفيف" بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير فقد قال له خلف لما سمع القصيدة: "لو قلت -يا أبا معاذ- مكان أن ذاك النجاح- بكرا، فالنجاح كان أحسن"، فقال بشار: "إنما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: إن ذاك النجاح، ولو قلت: فالنجاح كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة"، فقد أدرك بشار أن التوكيد في الأسلوب يجعله أشبه بالفطرة الأصيلة الصادقة، وذلك؛ لأنه لما أمر بالتبكير في صدر البيت أحس أن السامع صار في حاجة إلى أن يعرف علة هذا الأمر بصورة مؤكدة؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبوله فأكد، ولو قال: فالنجاح هكذا كلاما مرسلا من غير توكيد لم تكن الصياغة أشبه بالفطرة الواعية لأسرار النفس، عبارة بشار أفضت إلى اختلاجة النفس المتلقية، واستشفت حاجتها إلى التوكيد، وجاءت على مذهب الكلام الأول. ويكثر هذا الأسلوب في الكلام العزيز، انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ١، لما أمر بتقوى

стр. 55

الله، وحذر عقابه استشرقت النفس إلى معرفة السبب، وكأنها توقعت عقابا فأردفه بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١: لما نهاه عن الحزن اشترفت نفس صاحبه إلى معرفة السبب في هذا النهي؛ لأن الحزن له سلطان على النفوس في مثل هذا الموقف لقوة داعية، فكان النهي عنه أمرا غريبا يحتاج إلى بيان علته، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، فذكر ما يقتلع الخوف والقلق، ويبث الرضا واليقين. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٢، لما سوى بين إنفاقهم طائعين، وإنفاقهم مكرهين في أن كليهما مردود عند الله تطلعت النفس إلى معرفة علة هذا الموقف الغاضب، فقال: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ . قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ ٣، لما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تهيأت النفس؛ لأن تظن أنهم مغرقون، وذلك واضح جدا إذا نظرت إلى ما قبلها، اقرأ قول تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ ٤، فقد أشار في السياق إلى أنهم لم يؤمنوا، ثم أمره بصنع الفلك ثم قال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ، فأومأ هذا كله إلى أنهم سيغرقون، وإشارة الأمر بصناعة الفلك إلى الغرق إشارة ظاهرة، وهذه الأساليب، وخاصة هذه الآية الأخيرة توضح لنا ما نبهنا إليه من أن الخبر يؤكد في خطاب المتردد، ولو كان موافقا لظنه، ولهذا رد البلاغيون قول

стр. 56

عبد القاهر، أن الجواب يؤكد إذا وقع على خلاف ظن المخاطب؛ لأن مجرد التردد يحتاج إلى حسم بالتوكيد، هذا كله كما قلنا: يكون المخاطب فيه غير متردد، ولكنه يجعل في صياغة الكلام كأنه متردد؛ لأن الكلام السابق فيه ما يثير تساؤلًا حتى كأن النفس اليقظى، والفهم المتسارع يكاد ذلك ويلتفت إليه، كما يقول العلامة سعد الدين. وقد ينزل المنكر منزلة غير المنكر لعدم الاعتداد بإنكاره؛ لأنه ليس له دليل عليه، ولو أنصف، ونظر نظرة متأنية لعدل عن هذا الإنكار. الإنكار القائم في نفس المخاطب لم يلتفت إليه الأسلوب ولم يعبأ به، وساق الكلام كما يساق إلى النفس الخالية من الإنكار، وهذا مثل سابقه فن دقيق لا يهتدى إلى مسالكه إلا بصير بسياسة الكلام، ثم إن له أثره الغالب في النفس حين تجد الكلام الذي يواجه الرفض، والجحود خاليا من الاحتفال والتوكيد، خافت النبرة، هامسا بالحقيقة في غير جلجلة وضجيج، وتجد هذا في كتاب الله كثيرا جدا. انظر قوله يخاطب المؤمنين والمنكرين: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١ لا تجد في هذا الخبر العظيم الذي يفيد أن كل ما في السموات والأرض من ناطق، وصامت وجبال وبحار، وكواكب كل ذلك يسبح للملك القدوس، هذا خبر يرج النفوس رجا، ثم هو منكور عند الجاحدين، ولكن القرآن لم يعبأ بهذا، وساق الحقيقة الضخمة في هذا الهدوء الواثق الحكيم. ومثله قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٢، وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٣،

стр. 57

وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ ٢، وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا﴾ ٣ إلى آخر هذه القضايا التي دار حولها النظر وجهدت فيها العقول، وأنكرها المنكرون، القرآن يسوقها كما ترى ولها في هذا المساق سلطان غالب عند من يحسنون الإصغاء إلى الكلمة، والبلاغيون يذكرون من أمثلة هذا الوجه قولك لمن ينكر الإسلام: الإسلام حق، من غير توكيد؛ لأنك ترفض إنكاره حيث لم يكن له دليل عليه؛ ولأن بين يديه من الأدلة، ما إن تأملها رجع عن هذا الإنكار، وهذا من الكالم الحلو ويذكرون أيضا قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٤؛ لأن هذه الحقيقة -أعين نفي الريب عن كتاب الله- ينكرها كثير من المعاندين، ولكن القرآن لم يعتبر هذا الإنكار، وحين تفتح المصحف تجد مثل هذا الأسلوب يكثر في كتاب الله كثيرًا، ولست في حاجة إلى ذكر شواهد منه أكثر من ذلك، وعليك أن تتأمل، ورحم الله شيوخنا الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعلمون طلابهم، وإنما يعلمونهم كيف يتعلمون، ويذكرون الشاهد، ثم يقولون وعلى ذلك فقس. ويقرب من هذا في الشعر هذا الأساليب التي تصوغ الحقائق الضخمة صياغة خالية من التوكيد والاحتفال، تجدها تنفذ إلى القلوب نفاذا ربما لم يتهيأ لها إذا كانت في أسلوب التوكيد والتقرير، وكان زهير بارعًا في هذا الباب، انظر قوله: "من الطويل" تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذله يفدينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله

стр. 58

وقوله: "من الطويل": وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل وكل بيت من هذه الأبيات يصف فضيلة من الفضائل الكبيرة، وسوق مثلها يحتاج إلى توكيد، وتقرير حتى تأنس بها النفوس، ولكن الشاعر سلك طريقا آخر، فخيل بذلك أن الذين يسمعون هذه الخلائق منسوبة إلى هؤلاء الأقوام لا يستكثرونها، وذلك لما عرف عنهم من أنهم مظنة لكل فضيلة من فضائل الجود والشجاعة، والحكمة والعزم، وكأن الشاعر يقول فيهم ما يعرفه الناس عنهم، والمتنبي يقول لسيف الدولة في أمر بني كلاب: "من الوافر" وتملك أنفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب؟ فيعبر عن ملك سيف الدولة لأرواح الإنس، والجن بهذا الأسلوب المرسل من التوكيد، فيوهم أنها حقيقة مقررة لا ينكرها أحد، فيكف يسوقها في صيغة التوكيد؟ وقوله الحطيئة: "من الطويل" تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد كسوب ومتلاف، إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد البيت الأخير يجعل الممدوح خير أهل الأرض من غير تقرير واهتمام، وهذا كثير جدا. وقد ينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا بدأ عليه شيء من أمارات الإنكار، فيخاطب بأسلوب التوكيد في الأمر الذي لا ينكره، والبلاغيون يذكرون في ذلك قول حجل بن نضلة الباهلي: "من السريع"

стр. 59

جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح فالشاعر لما رأى شقيقا قد أقبل غير مكترث بالقوم؛ لأنه جاء عارضا رمحه، أي واضعه على عرضه وجاعله على فخذه غير متهيئ للقاء اعتبره الشاعر منكرا لقوتهم وسلاحهم؛ لأن هيئته هيئة المنكر، وإن كان في حقيته غير منكر، فقال له: إن بني عملك فيهم رماح، وتقول للمسلم المهمل في أداء الصلاة: إن الصلاة واجبة تنزله منزلة المنكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ١، فإتيان الساعة حقيقة غير منكرة، ولكن الموقف العملي للمسلمين من هذه الحقيقة كأنه إنكار لها؛ لأنهم يتصرفون تصرف من لا يؤمن بها، ومنه: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ٢، والمخاطب ﷺ لا ينكر أنه لا يستطيع إسماع الصم، ولكن الأسلوب جاء بالتوكيد تنزيلا له منزلة المنكر لهذه الحقيقة، والمعتقد أنه قادر على إسماع الصم، وذلك لمبالغته في الإلحاح عليهم بالدعوة. قال الخطيب: "ومما يتفرع على هذين الاعتبارين -أعين تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، وتنزيل المنكر منزلة غير المنكر- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٣، أكد إثبات الموت تأكيدين، وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة، والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: ميتون، دون تموتون، كما سيأتي الفرق بينهما، وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا، وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر بل إما أن يعترف به أو يرتدد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل".

стр. 60

تلخص لنا من هذا أن التوكيد، والإرسال كليهما ناظر إلى حال المخاطب من الإنكار، وعدمه في الحالتين التحقيقية والاعتبارية، أي أن المتكلم ناظر إلى مخاطبه يصوغ عبارته على ما يقتضيه حاله الحقيقي أو الاعتباري. وهناك ضروب من التوكيد لا ينظر فيها إلى حال المخاطب، وإنما ينظر فيها المتكلم إلى حال نفسه، ومدى انفعاله بهذه الحقائق، وحرصه على إذاعتها، وتقريرها في النفوس كما أحسها مقررة أكيدة في نفسه، وهذا اللون كثير جدا وله مذاقات حسنة. انظر إلى قول الفرزدق يخاطب جريرا: "من المتكامل". خالي الذي غصب الملوك نفوسهم ... وإليه كان جباء جفنة ينقل إنا لنضرب رأس كل قبيلة ... أبوك خلف أتانه يتقمل قوله: إنا لنضرب رأس كل قبيلة، لا يصح أن يقال: إنه فيه ملاحظ حال المخاطب؛ لأن ذلك ضعف في المعنى من حيث إنه يؤدي إلى أن هذه الحقيقة في تصور الشاعر يمكن أن تنكر، وأنه في حاجة إلى توكيدها عند من يلقيها إليه، والأنسب في هذا التوكيد أن الشاعر صاغه كما أحسه مؤكدًا مقررًا، وانظر إلى قوله: "أبوك خلف أتانه يتقمل"، وكيف واجه جريرا بما ينكره أشد الإنكار بهذا الأسلوب الخالي من التوكيد الموهم أنها حقيقة لا ينبغي لجرير أن ينكرها. وانظر قول نهشل المازني: "من البسيط" إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشربنا وقوله: إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا وقوله: إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكمأة ألا أين المحامونا

стр. 61

الشاعر يصوغ هذه المعاني كما تحسها نفسه مراعيا حال هذه النفس، فهو لم يشكل صياغة عبارته، بدوافع خارجية يلحظها عند مخاطبه. زن البين جدا في هذا قول ابن الرومي في دندنته الحزينة: "من الكامل" أبني إنك والعزاء معا ... بالأمس لف عليكما كفن تالله ما تنفك لي شجنا ... يمضي الزمان وأنت لي شجن وقول: "من الطويل" وإني وإن متعت بابني بعده ... لذاكره ما حنت النيب في نجد الشاعر -هنا كما قلنا- يصوغ نفسه، ويؤكد ما يجده فيها مؤكدا، ويرسل ما يجده فيها مرسلا؛ لأنه يغني أوجاعه وآلامه غير ناظر إلى مخاطب. ومثله قول محمد بن عبد الملك في رثاء أم ولده، وهو - كما يقول ابن رشيق- من جيد ما رثي به النساء، وأشجاه وأشده تأثيرا في القلب وإثارة للحزن: "من الطويل" ألا إن سجلا واحد قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد كفياني فلا تلحياني أن بكيت فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما ترياني وإن مكانا في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان أحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران؟ وقول متمم بن نويرة: "من الطويل" أبى الصبر آيات أراها وإنني ... أرى كل حبل بعد حبلك أقطعا وإني متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا وقوله: وإني وإن هازلتني قد أصباني ... من البث ما يبكي الحزين المفجعا

стр. 62

هذا وما شابهه كثير مما لا يلتفت فيه الشعر إلا إلى حال نفسه، وهو لا يخطئك حين تنظر في الشعر، وتمعن في خصائص صياغته. ثم إنه في كتاب الله كثير جدا، وفيه يبلغ الغاية في النفاذ والتأثير. انظر إلى قوله تعالى في ضراعة سيدنا إبراهيم ﵇ -لما أسكن ذريته بواد غير ذي ذرع: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ١، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ٢. واضح أن هذا التأكيد ينظر فيه إلى حال النفس الراجية، ويدل على مدى انفعالها بهذا الرجاء، وتأكيدها لهذا الدعاء ومثله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٣. ومما يتصل بهذا ما يذكر الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ٤. فقد لحظ فتور العبارة في قولهم للمؤمنين: آمنا، ووثاقتها في قولهم لإخوانهم: إنا معكم، وفسر ذلك في ضوء ضعف الاعتقاد في الأولى، وقوته في الثانية، قال في ذلك: "فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بإن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما؛ لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان منهم، ومنشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما؛ لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية، وصدق رغبة واعتقاد، وإما؛ لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وكيف يقولون ويطمعون

стр. 63

في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين، والأنصار الذين مثلهم في التوارة والإنجيل، ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ١ وأما مخاطبة إخوانهم فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية، والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد عن أن يزالوا عنه، على صدق رغبة، ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق"، وقد سبق ابن جني بإشارة نافذة في هذا الباب، فذكر أن التوكيد قد يكون مرجعة إلى اهتمام المتكلم بالمعنى، وأنه مستعظم له وأنه يريد أن ينقله إلى سامعه كما يجده في نفسه، قال في تحليله لبناء قولهم: "شر أهر ذا ناب"، وأنهم قدموا فيه النكرة وبنوا الكلام عليها، وأن ذلك التقديم متعين لإفادة ما قصدوا إليه قال: "وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع من حيث كان أمرا عانيا مهما، وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه، وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شر فقال: شر أهر ذا ناب، أي ما أهر ذا ناب إلا شر تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه، وليس هذا في نفسه كأن يطرق بابه ضيف، أو يلم به مسترشد، فلما عناه وأهمه وكد الإخبار عنه، وأخرج القول مخرج الإغلاظ به والتأهيب لما دعا إليه". تأمل قوله تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه تجد قسمة الكلام بين حالي المتكلم والسامع. وقد يكون داعي التوكيد هو رغبة المتكلم في تقوية مضمون الكلام عند المخاطب، وتقريره في نفسه، وإن كان غير منكر له، كقوله -تعالى- في مخاطبة النبي ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣، وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤،

стр. 64

فالمخاطب ﷺ ليس في نفسه إثارة شك في هذا، ولكن التوكيد يهدف إلى زيادة تقرير المعنى في نفسه ﷺ حتى يبلغ به عين اليقين، وفيه تعهد الإيمان الراسخ في يقينه ﷺ ، حتى ينهض بأثقال الدعوة، وهذا توجيه واضح لحملة الرسالة من بعده ﷺ ، وأنهم في حاجة مستمرة إلى أن يعودوا إلى دواخل نفوسهم يزكون إيمانهم، ويطهرون يقينهم مما قد يعلق به من عوائد الجاهلية؛ لتظل قلوبهم نبعًا طاهرًا يمدهم بالثبات، والإيمان في المواجهات العنيدة بينهم، وبين ضلالات العصور، وظلمات المادة. وتجد هذه الخصوصية تشيع في الأساليب التعليمية سواء كانت أدبية أو علمية، نقول: إن بحث التوكيد من البحوث الدقيقة، وأنه لذو فوائد جمة، وأنه لجدير بجد وجهد، فترد عباراتك مؤكدة؛ لأنك حريص على بث الفكرة، وتقويتها وإثارة اهتمام النفوس بها، وهكذا نجد أساليب العلماء تعلو نبرتها عند إرادة اللفت والإيقاظ، وتهيئة الذهن لما يلقون من مسائل، ومن مطالع فصولهم تلك العبارة المضيئة: اعلم وفقك الله أن الأمر كذا وكذا، وكان علماؤنا ﵏ وألحقنا بهم كرامة، ونفس وقرة عين- لا يهتمون فقط ببيان المعرفة لأجيال الأمة، وإنما يهتمون أيضا بإقناعهم بها حتى لا يكونوا حملتها فقط، وإنما يكونون حملتها وحماتها، وكان طلب العلم ولا يزال بابا من أبواب الجهاد والمجاهدة، وهذا المعنى الذي يصير به طلاب العلم، وشيوخهم مجاهدين مرابطين على ثغور الأمة مشار إليه إشارة لماحة في سورة التوبة التي ذكر فيها القتال، وذكر فيها مع القتال، وفي معمعة سياقه طلب العلم، فقد وقف السياق بعد ما بلغ الذروة في حض أهل الدين على ألا يختلفوا عن نصرة دين الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه صلوات الله وسلامه عليه، وقف السياق، وذكر الخروج في طلب العلم، وقال -سبحانه-:

стр. 65

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ١، وتأمل التعبير عن الخروج في طلب العلم بقوله: ﴿نفر﴾ ، وإنما يقال: نفر القوم إذا خرجوا في طلب العدو، وبعد هذا عاد إلى الخروج في الحرب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ٢. وهذا قاطع في أن حملة العلوم التي هي أصل حضارة الإسلام لا بد أن يكون حملهم لها حمل بصيرة، وفهم واقتناع حتى يكونوا قادرين على نقلها لأجيال الأمة لا على أنها معترفة فحسب، وإنما معرفة لها بصيرة ولها نور، وأنها دعائم الحضارة الإسلامية التي هي جوهر الكيان السياسي للأمة. وهذا يوجب الصبر على تجليتها، وإبراز تجلياتها حتى تكون موردًا عذبا يجري في القلوب، والعقول معا فيوجه السلوك، والثقافة والفكر، ويغلب كل ذلك في ديار الإسلام. وواضح أن الحرب الدائرة الآن في بلادنا يتوجه كثير منها إلى هذه الثقافة، وهذه العلوم التي هي أصول الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي تصر الحضارة المسيحية اليهودية، أو الإنجلوتوراتية على سحقها ومحقها، وينهض بذلك رجال هم منا لهذه الحضارة المسيحية اليهودية، وتقف معهم الأنظمة التي لا تستيطع إلا أن تكون ذات ولاء لهذه الحضارة المسيحية اليهودية، وتواجه هذه الأنظمة العميلة بوسائل إعلامها، ورجال الفكر التابعين لها تواجه بكل ذلك حضارة الإسلام تحت اسم مواجهة التطرف، والأصولية وغير ذلك من ألفاظ وضعها سادتهم في أفواهم وتحت أقلامهم، وكل هذا يوجب على علمائنا أن يتخذوا موقفا جديدا من حرب الإبادة هذه، وأن ينفضوا الغفلة، وأن يستنفروا أنفسهم وجموعهم، وألا يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، والله غالب على أمره، ولا تحسبن أني خرجت عن الموضوع؛ لأن

стр. 66

هذا هو الموضوع، والآن أخرج عن جوهره وأتكلم في حواشيه، وأقول: قلت إن هذه الخصوصية تشيع في الأساليب العلمية، وأقول: وكانت طريقة ابن المقفع في أساليبه الأدبية التعليمية، أو في أدبه الموجه تصطنع أسلوب التوكيد كثيرًا، من ذلك وهو كثير جدا: "اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم، فاختص به ذوي الحقوق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك، وإن دأبت فيهما وأنه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدعة، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك ... ". وقد يكون التوكيد لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٣، ومثله كثير جدًّا، ومقام الوعد من مقامات التوكيد لتزداد النفوس به يقينا واطمئنانًا، ومثله مقام الوعيد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ٤. وقد يكون التوكيد للإشارة إلى أن الذي كان لم يكن على وفق ظن المتكلم، فكأن نفس المتكلم تنكره فيؤكده لها، ومثاله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ٥، قال عبد القاهر: قد تدخل كلمة إن للدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان أنه لا يكون، كقولك للشيء وهو بمرأى، ومسمع من المخاطب: إنه كان من الأمر ما ترى وأحسنت إلى فلان، ثم

стр. 67

إنه فعل جزائي ما ترى، وعليه: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ١، ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ . وقد يكون التوكيد لغرابة الخبر، وحرص المتكلم على أن يؤنس به نفس المخاطب، وإن كانت لا تنكره، وإنما هي في حاجة إلى ما يهيئها لقبوله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فقد أكد أني أنا الله رب العالمين ليؤنس نفس موسى ﵇ بالخبر، ويحبط ما عساه يعلق بالنفس في مثل هذا الموقف، فقد انطلق ﵇ ليأتي أهله بخبر، أو جذوة من النار لعلهم يصطلون، وبينما هو ذاهب إلى هذا الغرض، فجأه نداء الحق سبحانه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، وهذا موقف غريب فاحتاج إلى التوكيد، ومثله قوله تعالى يخاطب موسى ﵇ لما رأى أفاعيل السحرة، وأوجس في نفسه خيفة قال له الحق: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ٣، فأكد قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ بجملة من التوكيدات كما قال البلاغيون، ليزل وحشة نفسه في هذا المقام، وإن كان موسى ﵇ مستوثق اليقين من وعد ربه. وقد يكون التوكيد إظهارًا لمعتقد النفس، وإبرازًا له لتزداد النفس يقينا به؛ لأن مقامها يقتضي ذلك ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٤، فإن المصيبة قد تقلق النفس وتهز اليقين، وعندئذ تلوذ النفس المؤمن بكينونتها لله ورجعتها إليه، فتعلن ذلك وتؤكده لتثبت في مواجهة الشدة. وقد يأتي التوكيد في الجمل التي كأنها نتائج لمقدمات، فيلفت التوكيد إلى هذه الجمل، وكأنها هي المقصودة الأهم وموضع العناية.

стр. 68

أقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ١. تجد الآيات الأولى تصف مراحل التكوين، وتبرز قدرة الله سبحانه من خلال هذا الوصف، ثم تقرب هذه الحقيقة بصورة محسوسة: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ، وحين نتأمل المثل نجده يومئ إيماءه قريبة إلى حالة التناسل التي وصفتها الجمل السابقة، فالأرض هامدة مسترخية، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت، وصار فيها جنين النبت، ثم تربو به كما تربو المرأة وتثقل بحملها، وبعد هذه اللمحة الدقيقة تأتي الجمل التي كأنها المقاصد الأساسية لهذا للفت الكاشف إلى آيات الله، وهذه المقاصد ترد هكذا، ذلك بأن الله هو الحق -وأنه يحيي الموتى- وأنه على كل شيء قدير -وأن الساعة آتية لا ريب فيها- وأن الله يبعث من في القبور. وهي كما ترى تتضمن أوصلا هامة في الشرائع كلها: فقوله: بأن الله هو الحق، هو ما جاهد الأنبياء في كفاحهم الطويل من أجل تعميقه في الوجدان الإنساني، وقوله: وأنه يحيي الموتى، يشير إلى فاعلية الحق سبحانه فيما هو معجز، وتحته الوعد والوعيد، وقوله: وأنه على كل شيء قدير، يشير إلى عموم هذه الفاعلية في الممكنات كلها ما كان معجزا

стр. 69

منها وغير معجز، وقوله: وأن الساعة آتية لا ريب فيها، من الحقائق التي إذا توثقت في الضمير الإنساني كان لها أثر كبير في سلوكه كله، وقوله: وأن الله يبعث من في القبور، هي القضية التي كثر فيها الجدل والإنكار. والمهم أن هذه الجمل التي تشير إلى تلك الحقائق الكبرى جاءت مؤكدة لذلك، ولوقوعها بعد تقديم ما هيأ للإقناع بها. وقد تجد في كثير من هذه الصور ما ذكرناه مثلًا في مقام التعليم، والتوجيه ما يصلح أن يكون التوكيد فيه لوقوعه في سياق الوعد أو غير ذلك، وهذا لا ضير فيه؛ لأن الخصوصية البلاغية في الكلام الممتاز صالحة، لأن تشير إلى أكثر من معنى، والمهم هو أن تعرف كيف توجه خصائص الأساليب، وتدرك منها ما لا ينبو عن مقامها، والله المستعان.

стр. 70

التجوز في الإسناد: قلنا: إن بحث الإسناد الخبير يتضمن ثلاثة موضوعات رئيسية هي: أغراض الخبر، وأضرب الخبر، والتجوز في النسبة، وقد أشرنا إلى الموضوعين الأولين إشارات موجزة تفتح باب العلم فيها. والتجوز في النسبة، أو المجاز العقلي كما هي الترجمة المشهورة لبابه يذكره بعض الباحثين في علم البيان من حيث إنه ضرب من المجاز، ويذكره البعض في أحوال الإسناد الخبري من حيث إنه حال من أحوال الإسناد الخبري، أو النسبة الخبرية. والمهم أن الإسناد الذي قلنا: إنه مناط الفائدة ومتعلق الغرض من العبارة لا يجري على أسلوب الحقيقة في كل حال، أي أن المتكلمين لم يلتزموا إسناد الأحداث، والأفعال لما هي له دائما، وإنما يتوسعون ويتجوزون انطلاقا مع الخيال واستجابة للحس، وتأنفا في أداء المعاني، فالدموع ويرقرقها نسيم الصبا الذي جاس خلال ديار الأحبة يحمل أنفاسهم، ووميض الغمام يهيج غوافي الأشواق، ويشعل لهيب الحنين، والبرق وغناء الحمام يشجي، ويستفز لواعج الهوى، وحمام بطن ودان يثير بلابل الشوق في نفس قيس بن الملوح، فيقول: "من الطويل". ألا يا حمامي بطن ودان هجتما ... علي الهوى لما تغنيتما ليا فأبكيتماني وسط أهلي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا والدمن الخوالي تهيج علل امرئ القيس، أو عقابيل علله وبقاياها في قوله: "من الطويل" أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان ذكرت بها الحي الجميع فهيجت ... عقابيل سقم من ضمير وأشجان والحجج جمع حجة وهي السنة، والزبور الكتاب، والمصاحف جمع مصحف، وهي: صحائف مكتوبة مجموعة بين دفتين، والعقابيل: جمع عقبول، وهي بقية العلة. والرياح السوافي تدرج بما دق من التراب، فتغير آيات ابن الدمينة في قوله: "من الكامل" دمن خلون وغيرت آياتها ... دق التراب مسفة الأذيال وذكريات حديث الصاحبة تهز ابن خفاجة في شيخوخته هزة تدير له الزمان كله والشباب، فيصبح ما مضى منه أمامه في قوله: "من الطويل" لقد هزني في ريطة الشيب هزة ... أرتني ورائي في الشباب أمامي كل هذه الصور من القول الممتاز لم تستند فيها الأحداث، والأفعال إلى ما ينهض ويتصف بها على وجه الحقيقة، فخفقه البرق لا شتعل الشجا حقيقة، وإنما هي سبب يثيره ومثلها نسيم الريح، وحمام بطن ودان، والدمن الخوالي،

стр. 71

ووميض الغمام وذكريات الصاحبة كل هذه مثيرات، وأسباب وليست فاعلة لهذه الأحداث والأفعال، ولو قلت: زفرت دموعي لما هب نسيم الريح، واشتقت لما أومض الغمام، وأشجى الله فؤادي بخفقه البرق، وهاجت علل امرئ القيس لما أبصر الدمن الدوارس، واهتز ابن خفاجة لما ذكر أحاديث الصحاب، لكان الكالم جاريا على أسلوب الحقيقة؛ لأنك أسندت الأفعال والأحداث إلى ما هي له، والعبارة قد ذهبت عنها خصائصها الشعرية، وانطفأ فيها وهج الحس، وصارت إلى الكلام بارد مغسول كما يقولون. ولما كانت الحقيقة العقلية شرطا في فهم المجاز العقلي، ومقدمة ضرورية له اعتاد الباحثون أن يذكروا شيئا عنها في صدر حديثهم عن التجوز في الإسناد، وقد عرفها الخطيب القزويني بقوله: "هي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر"، وأول ما يلاحظ في هذا التعريف أنه يتكلم إسناد الفعل أو معناه، ومعنى الفعل هو اسم الفاعل، واسم المفعول والزمان، والمكان واسم التفضيل، وندع هذا التحديد ومناقشته إلى مكانه من البحث. أما قوله: "إلى ما هو له"، فإنه يعني أن تسند الفعل إلى الفاعل الذي قام به، وفعله حقيقة كقولك: أنبت الله البقل، وكقولك: قام محمد، ورمى علي، وأنار القمر، وطلعت الشمس، وكالأفعال في قول الشاعر، وكان يتمثل بها عمر بن عبد العزيز ﵁: "من البسيط" من كان حين تمس الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا وألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا فقوله: "تمس الشمس جبهته" إسناد حقيقي؛ لأنه أسند المس إلى الشمس وهي فاعلة.

стр. 72

وقوله: "يخاف الشين والشعثا" كذلك إسناد حقيقي؛ لأنه أسند الخوف إلى هذا الفتى الذي يتكلم عنه، فقد كان نظيفا أنيقا مترفا يخاف من كل ما يشينه، ويشعث هيأته أي يغيرها ويثيرها، ومثله فسوف يسكن يوما؛ لأن فاعل يسكن هو ذلك الفتى بعد موته، الأفعال هنا مسندة إلى فاعليها الذين فعلوها، ولعلك تلحظ أن هذا الشاعر ذكر من مظاهر ترفه خوفه من الشمس، والشعث وحرصه على بقاء البشاشة، وماء الحياة الذي يترقرق في عوده، وهناك مظاهر كثيرة للترف سكت عنها الشاعر؛ لأنه أراد إلى ضرب خفي من المقابلة في العنى، فذكر الخوف من الشمس ليقابله بالدخول في التراب، والدفن فيه، وذكر الحرص على البشاشة، وماء الحياة ليقابله بيبس العود، وذهاب الحياة جملة بالموت المهيئ لدخول القبر. ولما كانت مسألة خلق الأفعال من المسائل التي شغلت المسلمين نبه أهل هذه الصناعة إلى أننا، وإن كنا نعتقد معتقد أهل السنة، وأن الأفعال كلها عند التحليل الباحث عن مصدرها، مخلوقة لله إلا أننا نقول: إن زيدا هو الفاعل الحقيقي في قولنا رمي زيد؛ لأن الرمي معنى قائم بزيد، ووصف له، وله فيه كسب وتحصيل، وهذا يكفي ليكون الإسناد حقيقيًّا، فقولنا: إن خالق الأفعال كلها هو الله، وأنه سبحانه هو الفاعل الحقيقي لكل شيء لا يعني أن تكون كل الصور التي تستند فيها الأفعال لغيره سبحانه صورا مجازية، وهذا لو قلناه لكان ضربا من الهذيان، ولقادنا إلى كبيرة حين نسند أفعال القيام، والقعود والأكل والشرب وغيرهما مما يتنزه عنه جلاله. وقد نبه العلامة ابن السبكي إلى أننا نقول: فاعل حقيقي ولا نريد به أنه هو الذي أثر وفعل حقيقة، وإنما نريد ما تعارف عليه القوم في أوضاعهم اللغوية، فإنهم لم يلاحظوا في قيام زيد غير نسبة القيام إليه، "وإن كان الله تعالى خالقه، ومن الأفعال التي خلقها الله ما لا يصح شرعًا أن تنسب إليه سبحانه كالأفعال المحرمة، وحاصل وجوه الإسناد الذي يوصف بأنه حقيقي تتلخص في إسناد الفعل لمن يقع منه الفعل الحقيقي، ويؤثر في وجوده، وذلك لا يكون

стр. 73

إلا لفاعل واحد هو الله، وأفعاله مثل خلق -زرق- وفي إسناد الفعل لمن يقع منه حكما مثل قام زيد، وفي إسناد الفعل إلى ما يتصف به مثل مرض زيد، وبرد الماء، وأمطرت السماء". وقول الخطيب -في التعريف- عند المتكلم في الظاهر قيد في التعريف يبين أن العبرة بما يعتقده المتكلم كما يظهر لنا من حاله، فالموحد أي المعتقد نسبة الأفعال إلى الله وحده، حين يقول: أنبت الله الزهر، يكون كلامه واردا على سنن الحقيقة في الإسناد؛ لأنه أسند الإنبات إلى الله أي إلا ما هو له عند المتكلم، فإذا قال: أنبت الربيع الزهر قلنا: أنه متجوز في كلامه؛ لأنه أسند الحدث لغير الخالق سبحانه جريا على سنن المجاز، أما إذا قال الملحد الذي يؤمن بفاعلية الطبيعة، وتأثيرها في الأحداث والأشياء، وينكر الحق -سبحانه-: "أنبت الربيع الزهر، فهو غير متجوز في كلامه، ويجري أسلوبه على سنن الحقيقة؛ لأن أسند الفعل إلى ما هو له عنده، وفي معتقده، وهذا الأسلوب يكون حقيقة وليس مجازًا، وإن كان باطلًا عندنا، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن هذه الطائفة الدهرية: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١، فقد أسندوا الإهلاك إلى الدهر وهم يعتقدون ذلك، وهو إسناد حقيقي، وإن كان باطلًا وشعراؤنا يسندون الأحداث إلا الأيام والدهر كثيرًا: فالدهر هو الذي فجع البارودي في حليلته، ولم يرحم ضناه وأفردهن: "قرحى العيون رواجف الأكباد"، ولم يقدح ذلك في إيمان البارودي؛ لأنه سلك في القول مسلك المجاز، والقرآن ينسب الأحدث للأيام في قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ٢، وغير كثير، وكل ذلك سالك مسلك المجاز ما دام قائله لا يعتقد ظاهره، والقرائن هي التي ترشدنا إلى أنه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد. وقول الخطيب: "في الظاهر" يريد به أن ذلك الإسناد يكون حقيقة، إذا كان

стр. 74

ظاهر حال المتكلم يدل على أنه يعتقده، أما مضمرات النفوس فلا سبيل لنا إلى معرفتها ما دام لم يدل عليها شيء في اللفظ، وبهذا يصير من الإسناد الحقيقي قول الملحد لمن لا يعرف إلحاده: أنبت الله البقل، فإن هذا وإن كان لا يطابق معتقد المتكلم في الحقيقة أي أنه إسناد إلى غير ما هو له عند المتكلم، فهو عندنا حقيقة مادمنا لا نعرف إلحاده. قال الخطيب: فهي -يعني صور الإسناد الحقيقي، أو الحقيقية العقلية- أربعة، أحدها: ما يطابق الواقع والاعتقاد، كقول المؤمن: أنبت الله البقل. والثاني: ما يطابق الواقع دون الاعتقاد، كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله، وهو يخفيها منه: خالق الأفعال كلها هو الله -والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والثالث: ما يطابق الاعتقاد دون الواقع كقول الجاهل: شفى الطبيب المريض، ومنه: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١. والرابع: ما لا يطابق شيئا منها كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد، وهو لم يأت، فإنه من قبيل الإسناد الحقيقي؛ لأن السامع لا يعلم أن هذا كذب؛ ولأن التركيب من شأنه أن يفيد هذا المعنى، فإذا كان السامع يعلم أنه كذب، فهل يكون علمه قرينة على صرف التركيب عن ظاهره أم لا؟ المسألة فيها مناقشات يتولد بعضها من بعض، وهذا مما لا نريد الاسترسال فيه، وحسبنا هنا أننا ذكرنا هذه الأقسام التي ذكرها الخطيب، وشرحنا تعريفه. أما التجوز في الإسناد، فقد عرفه الخطيب بقوله: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول، والألفاظ يتكرر أكثرها في التعريفين، ونجد هخنا قوله إلى ملابس له بدل قوله هناك إلى ما هو له؛ لأن هذا هو أصل

стр. 75

الفرق بين الحقيقة، والمجاز في هذا الباب، فالإسناد هنا ليس إلى ما هو له عند المتكلم، وإنما هو إلى ملابس للفعل أو ما في معناه، وفي كلام الخطيب ما يوهم تحديد الملابسة بما ذكره في قوله، وللفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر، والزمان، والمكان، والسبب"، وكأن هذه هي الدائرة التي لا يتجاوزها الإسناد، فالفعل أو ما في معناه يسند إلى المفعول، أو إلى المصدر أو الزمان إلى آخره ولا يتجاوز ذلك، وكأن هذا تحديد الملابسات والعلاقات، ويقول شراحه تعليقا على قوله: ويلابس الفاعل والمفعول به، قالوا: هذا استئناف بياني أتى به لتفصيل الملابس، ولم نجد من شراحه من يذكر أنه يريد بالملابسة ما هو أعم من هذه الملابسات المذكورة. وقد جرت كتب المتأخرين، ومنها الكتب التي كتبت في عصرنا على هذه السنن، فذكرت هذه العلاقات ولم تتجاوزها، وذكروا إسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول، وكذلك اسم الفاعل إلى المفعول مثل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ١، وفاعل راضية ضمير يعود على العيشة، وهي في الحقيقة ليست راضية، وإنما هي مرضية، والراضي هو صاحبها وأصل التعبير عيشة راض صاحبها، فأسند الرضى إلى العيشة ليست مرضية فحسب كما هو حقيقة التعبير، وإنما العيشة أيضا راضية، والعيشة هي النعم التي يتقلب فيها أهل الجنة، ورضي العيشة أي النعمة يعني أنها دائمة باقية تألف صاحبها ويألفها، وتحبه ويحبها، وليس هذا غريبًا على ألف اللغة، ويمكن أن يقرب إلينا هذا الخيال الذي يثيره هذا المجاز قول النبي ﷺ لبعض أزواجه: "أحسني جوار نعمة الله، فإنهما قلما نفرت عن قوم، فكادت ترجع إليهم"، ومثله يقال في ماء دافق ففاعل الدفق ليس هو الماء، وإنما هو الشخص الذي يوصف بالفعل أي الشخص الدافق، والماء مدفوق، وأصل التعبير ماء دافق صاحبه، ولكن الدفق أسند إلى الماء وهو مفعول، وذلك على سبيل التجوز في الإسناد،
следующие страницы →