← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أقول: الذي يظهر من كلام القادحين وما استدلوا به أنهم لم يزعموا أن النظر الصحيح في الإلهيات لا يترتب عليه نتيجة صادقة، ولا أنه لا يمكن فيها نظر صحيح في نفس الأمر. وإنما زعموا أنه لا يمتاز فيها النظر الصحيح من غيره لشدة البعد والغموض والاشتباه والإشكال، فلذلك لا تُعْلَم صحةُ النظر علمًا يوثَقُ به، فلا تُعْلَم صحة النتيجة، فلا يفيد علمًا. وعلى هذا، فلهم أن يقولوا: التصوُّر بعارض يكون هو مناطَ الحكم محلُّ غموضٍ واشتباه شديد، لاحتمال مخالفة الإلهيات لغيرها في العوارض وما يترتب عليها. والعُسْرُ وشدةُ إشكال تمييز النظر الصحيح من غيره في شأن الهوية، وكونُه في الإلهيات أشدَّ وأشدَّ= كافٍ في القدح، إذ غاية ما قد يحصل للناظر أن يجزم، وقد تقدم مرارًا أن الجزم كثيرًا ما يكون خطأً وغلطًا. إذا كان قد يقع ذلك في الحِسّيات ونحوها، فما الظن بما هو من البُعْد والإشكال بالدرجة القصوى؟ هذا، ويردُّ على القادحين أن من أحوال الإلهيات ما هو على خلاف ما ذكروا، كالعلم بوجود الخالق ، وبأنه حيٌّ عليم قدير حكيم. لكن لهم أن يقولوا: أما ما كان من هذا القبيل، فهو من الضروريات، كعلم الإنسان بوجود هويَّته وبعض صفاتها، أو أوضح من ذلك. وإنما دخل التشكك من جهة النظر المتعمَّق فيه، وتجاهل وهنِه، حتى جرَّ أصحابه إلى إنكار الضروريات، كما وقع للسوفسطائيين وغيرهم. [٢/ ٢٢٥] أقول: فعلى هذا يختص القدح بالنظر المتعمَّق فيه. فأما السلفيون فإنما يعتمدون المأخذ السلفي الأول لإثبات جلائل الأمور التي أعدَّه الخالق لإدراكها. وبذلك يثبت الشرع يقينًا، فيسلِّمون أنفسهم لخبر من يمتنع عليه الجهل والخطأ والكذب والتلبيس والتقصير في البيان.

стр. 1262

فقد اتضح بحمد الله أن النظر العقلي المتعمَّق فيه كثيرًا ما يُوقِع في الغلط، إما بأن يبنيَ على إحساس غلط لم يتنبه لغلطه، وإما بأن يبنيَ على قضية وهمية يزعمها بديهية عقلية، وإما بأن يبنيَ على شُبهة ضعيفة فيردَّ بها البديهية العقلية زاعمًا أنها وهمية، وإما بأن يبنيَ على لزوم باطل يراه حقًّا. وقد تبيَّن بالفلسفة الحديثة المبنية على الحسّ والتجربة وتحقيق الاختبار بالطرق والآلات المخترعة غَلَطُ كثير من نظريات الفلسفة القديمة في الطبيعيات. وكثير من تلك النظريات كانت عند القوم قطعية يبنُون عليها ما لا يُحْصَى من المقالات حتى في الإلهيات، فما ظنك بغلطهم في الإلهيات؟ وهم إنما يعتمدون فيها على قياس الغائب على الشاهد، فقد يقع الغلط في اعتقاد مشاركة الغائب للشاهد في بعض الأمور، أو في اعتقاد مخالفته له، أو في اعتقاد اللزوم في الشاهد لبنائه على استقراءٍ ناقص أو غيره من الأدلة التي لا يؤمَن الغلط فيها، أو في اعتقاد أنه غير محقَّق إذا لزم في الشاهد لزم في الغائب، أو في تركيب القياس، أو غير ذلك مما يشتبه ويلتبس، كما يتضح لمن طالع كتب الكلام والفلسفة المطوَّلة، ولاسيما إذا طالع كتب الفريقين المختلفين كالأشاعرة والمعتزلة. فالنظر العقلي المتعمَّق فيه مع أنه لا حاجة إليه في معرفة الحق ــ كما تقدم ــ فهو مظنة أن يشكِّك في الحقائق، ويُوقع في اللبس والاشتباه والضلال والحيرة. وتجد في كلام الغزالي وغيره ما يصرِّح بأن النظر العقلي المتعمَّق فيه لا يكاد ينتهي إلى يقين، وإنما هي شُبهات تتقارع، وقياسات تتنازع. فإما أن ينتهي الناظر إلى الحَيْرة، وإما أن يعجز فيرضى بما وقف عنده ولاسيما إذا كان موافقًا لهواه، وإما أن لا يزال يتطوَّح بين تلك المتناقضات حتى يفاجئه الموت.

стр. 1263

وقد قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ٤٣): "أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا، وسكنت إليها، فلها ثلاثة أحوال: [٢/ ٢٢٦] أحدها: أن تتيقن وتقطع به. وينضاف إليه قطعٌ ثانٍ، وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس. فلا تجوِّز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لو حُكِي لها عن نبيّ من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها، فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبيّ وأن ما ظُنّ أنه معجزة فهي مَخْرَقة. فلا يؤثّر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خَطَر ببالها إمكانُ أن يكون الله قد أطْلَع نبيًّا على سرٍّ به انكشف له نقيضُ اعتقادها، فليس اعتقادها يقينًا. مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة، وشخص واحد لا يكون في مكانين، والشخص الواحد لا يكون قديمًا حادثًا، موجودًا معدومًا، ساكنا متحرِّكًا، في حالٍ واحدة. الحال الثانية: أن تصدِّق بها تصديقًا جزمًا، ولا تشعر بنقيضها البتة. ولو أُشعِرتْ بنقيضها تعسَّر إذعانُها للإصغاء إليه. ولكنها لو ثبتت، وأصغَتْ، وحُكي لها نقيضُ معتقدها عمن هو أعلى (١) الناس عندها كنبيّ أو صدِّيق [أو جمعٍ من الفلاسفة وكبار المتكلمين أو المتصوفة] (٢) = أورث ذلك فيها

стр. 1264

توقفًا. ولنسمِّ هذا الجنس اعتقادًا جزمًا، وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم، بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم. فإنهم قَبِلوا المذهب والدليل بحسن الظنّ في الصِّبا، فوقع عليه نَشْؤهم. فإن المستقلّ بالنظر الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز. الحال الثالثة: أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به. وهي تُشعر بنقيضه أو لا تُشعر، ولكن لو أُشْعِرت لم ينفِر طبعُها عن قبوله. وهذا يسمى ظنًّا، وله درجات ... ". أقول: إذا قُرِن هذا بما تقدم في حال النظر المتعمَّق فيه في الإلهيات تبيَّن بيانًا واضحًا أن غالب أقيسته أو عامتها خصوصًا ما يخالف المأخذين السلفيين لا تفيد اليقين، بل تَقْصُر عند النُّظَّار العارفين عن إفادة الاعتقاد الجازم. [٢/ ٢٢٧] فإن قيل: فكذلك أو قريب منه أدلة المأخذين السلفيين، لأنها تقبل التشكيك ولو بصعوبة. قلت: أما جلائل الأدلة من المأخذ السلفي الأول، وهي التي يتوقَّف عليها ثبوتُ أصل الشرع، فإنها تقبل التشكيك عند من ابتُلِي بالنظر المتعمَّق فيه. وهذا لا يضرُّنا، فإن من هؤلاء من شكَّ في البديهيات كلها، ومنهم من يشكّ في كل شيء، ومنهم من يجحد كلّ شيءٍ فيقول: ليس في نفس الأمر شيء بحقٍّ، كما تقدم. على أننا إن سلّمنا قبول التشكيك مطلقًا، فإننا نقول: إن ذلك إنما يكون في حقِّ من لم يقبل الشرع الحق ويمتثل أوامره. ووجوب قبول الشرع يكفي فيه العلم بأنه أولى بالحق والصدق والنجاة والسعادة،

стр. 1265

وهذا يحصل قطعًا لكل مكلَّف أصغى للحجة. فإذا قَبِل الإنسانُ الشرع وامتثل أوامره مع صدق رغبةٍ في الحق هيَّأ الله تعالى له اليقين بما شاء، إن لم يكن بدليل واحد فبمجموع أدلة كثيرة، وفوق ذلك العناية. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤]. كلمة "لمَّا" تؤذِن بأن المنفيّ بها هو بصدد أن يثبت قريبًا، فهذا وعد من الله بأن يُدْخِل الإيمان في قلوبهم جزاء لقبولهم الإسلام. وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا ... ﴾ قال بعض أهل العلم: المعنى إنكم إن أطعتم، رزقكم الله تعالى الإيمانَ، فتستحقون ثواب الأعمال. وقال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧]. وقد ذكر الغزاليّ نفسُه أنه كان في أول أمره يشكّ في كل شيء حتى البديهيات [٢/ ٢٢٨] الضرورية الأولية. قال (١): "حتى شفى الله تعالى عني ذاك المرض والإعلال، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية موثوقًا بها على أمن ويقين. ولم يكن ذلك بنظم دليل

стр. 1266

وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف". نقله عنه شارح "العقيدة الأصفهانية" (ص ٩٤ - ٩٥) (١)، ونقل عنه (ص ٩٨) (٢): "وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستُها والمسالك التي سلكتُها في تفتيشي عن صنفَي العلوم الشرعية والعقلية إيمانٌ يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، واليوم الآخر. وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرّر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها". أقول: وذاك النور الذي يقذفه الله تعالى في الصدور ليس لكل أحد، فإنه لم يحصل لمنكري البديهيات، وقد ذكر الغزالي أنه بقي نحو شهرين على الشكّ. بلى قد يقال: إنه في الأصل بالنسبة إلى الضروريات عامٌّ، ولكن من خاض في النظر المتعمَّق فيه وحاول اكتساب اليقين من جهة النظر احتجب عنه ذلك النور. فإن استمرَّ على ذلك استمرّ على الشك كالسوفسطائية، وإن رجع إلى القناعة بالفطرة عاد له ذلك النور كما وقع للغزالي. وكذلك ليس قذفُ النور محصورًا في الضروريات العقلية التي يعنيها (٣) الغزالي، بل يتناول جميع القضايا العقلية التي لا يثبت الشرع بدونها، ولكن حصوله فيها كلِّها موقوف على صدق الرغبة في الحق والخضوع لما ظهر منه، وإيثاره على كلّ هوى. والأسباب والقرائن والتجارب التي تُحصِّل الإيمانَ اليقيني بالله تعالى

стр. 1267

وبالنبوة واليوم الآخر ليست مقصورةً على النوع الذي ذكر الغزالي أنه اتفق له بممارسته للعلوم، بل ييسِّر الله تعالى لمن شاء ما هو أقرب منها وأقوى: بالنظر العادي في آيات الآفاق والأنفس، وتدبُّرِ الكتاب والسنة. وإنما الشأن في التعرُّض لفضل الله ، فمن اكتفى أوَّلًا برجحان صحة الشرع، فآثره على هواه، وأسلم له نفسَه، وخضع لما جاء به، ووقف عند حدوده، فقد تعرَّض لنيل ذلك النور وذلك اليقين على وجه هو أصفى مما قد يحصل بممارسته العلوم، وأضوأ وأبهى وأهنأ؛ لأن ممارسة المعقولات في شأن الإلهيات تعترض فيها الشبهات والتشكيكات. بل الأمرُ أشدُّ من ذلك، فإن الخوض في النظر المتعمَّق فيه طلبًا للهدى من جهته عدولٌ عن الصراط المستقيم، [٢/ ٢٢٩] وخروجٌ عن سبيل المؤمنين، فهو تعرُّضٌ للحرمان والخذلان والإضلال. لكن قد يعذر الله تعالى بعض عباده، فلا يَحرِمه فضلَه، إلا أن الشبهات تنغِّصه عليه، بل لا تزال تغالبه. وقد تكون العاقبة لها، والعياذ بالله. هذا، ومن حصل له اليقينُ بصحّة الشرع جملةً فقد حصل له اليقين بصدق جميع ما جاء به الشرع، وأنه لا يتطرق إليه اختلالٌ البتة، إذ يستحيل هاهنا الجهل، والخطأ، والكذب، والتلبيس، والتقصير في البيان. وهذا هو حال المأخذَين السلفيَّين. غاية الأمر أنه قد تعرِضُ لمن حصل له ذلك شبهةٌ يتعسَّر عليه حلُّها، فإذا رجع إلى إيمانه وتصديقه لربه لم يُبالِ بتلك الشبهة. وقد تقدّم عن النُّظَّار فيما أجابوا به عن الأمور التي أوردها القادحون في البديهيات قولهم: "لا نشتغل بالجواب عنها، لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبَّ عنها، وليس

стр. 1268

يتطرّق إلينا شكٌّ فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها". فهكذا يقول السلفي في دفع الشبهات المناقضة لِما أيقن به من صدق الشرع. والخائب الخاسر من نسي إيمانه ويقينه، واغتَّر بالشبهات، فهلك. قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٨]. أما قول الغزالي (١): "فإن المستقلّ بالنظر الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز"، فقد يُنكَر هذا عليه، ويقال: كيف يُمدَح من يستوي ميلُه في نظره إلى الباطل والحق؟! ويُجاب عن هذا بأن مقصوده أن أكثر المتكلّمين يميلون إلى الإسلام بدون استيقانٍ منهم أنه الحق، بل لأنهم نشأوا عليه، فألِفوه واعتادوه. ولذلك يُرى من نشأ على اليهودية أو النصرانية أو غيرهما يميلون إلى ما نشأوا عليه مع أنه باطل في نفس الأمر. لكني أقول: أما أئمة السنة الذين وَفَوا بشرط الله من التسليم والخضوع [٢/ ٢٣٠] والطاعة له، فلا شأن لهم في هذا؛ لأنهم قد تعرّضوا لأن يكتب الله في قلوبهم الإيمان، ويؤيدهم بروح منه، ويزيدهم هدًى، ويرزقهم

стр. 1269

النور واليقين. فقنعوا بالمأخذَين السلفيَّين، واهتدوا بهما (١) عن بصيرة ويقين. ومن اختار ما علم أنه الحق، وثبت عليه، وأعرض عن الشبهات، لا يقال: إنه غير مستقلٍّ بالنظر كما أن النظَّار المستقلّين قطعوا بالبديهيات، وأجابوا عن الأمور التي أوردها القادحون بما تقدّم. وكما أن الغزاليّ وهو يرى أنه مستقل بالنظر، قال: إنه أيقن بالضروريات بدون دليل، بل بنور قُذِفَ في صدره، وأنه حصل له الإيمان بالله تعالى وبالنبوة واليوم الآخر بدون دليل محرَّر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تُحْصَى. ولا ريب أنه لا يمكنه أن يشرح ما حصل له للخصم شرحًا وافيًا يُحصِّل للخصم اليقينَ. بل أقول: إن عامة المسلمين المحبِّين للحق، الخاضعين له، الذين يغلب عليهم التقوى والطاعة= هم ممن تعرَّض لذاك النور، وذلك التأييد، وتلك الهداية. وكثير منهم لهم من اليقين الحقيقي الناشئ عن الفطرة، والنظر العادي، واجتماع أمور كثيرة يفيد مجموعُها اليقين، مع عناية الله وتأييده= ما ليس لأكابر النظار (٢)، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 1270

فأما المتكلمون فلا يبعد أن يكون أكثرهم كما قال الغزالي (١)، وذلك أنهم لم يتعرّضوا لذلك النور والتأييد والهداية، بل تعرَّضوا للحرمان والإضلال بعُدولهم عن الصراط المستقيم وسلوكهم غير سبيل المؤمنين، فإذا حصل لأحدهم شيء من الاعتقاد حَمِد نفسه قبل ربه! وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. اقرأْ من سورة القصص [٧٨]، ومن سورة الزمر [٤٩]. وإذا قيل لهم: صدِّقوا بما جاءت به الرسل، قالوا: لا نُصدِّق فيما يتعلق بالمعقولات [٢/ ٢٣١] إلا بما أدركته عقولُنا أو كشفُنا، واستهزأوا بمن يأخذ دينه من النصوص، وسمَّوهم: الحشوية، والغُثاء، والغُثْر، وغير ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]. وإذا قيل لهم: آمنوا بالنصوص كما آمن بها السلف الصالح، قالوا: أولئك أعراب أُمِّيون جُفاة لا يدرون ما المعقول. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. وآل بهم الزيغ إلى نِسْبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يجيء في الباب الآتي، فأنَّى يهديهم الله تعالى؟ قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٤ - ١٠٥].

стр. 1271

فالقوم خالفوا كثيرًا من العقائد الإسلامية، ويوشك أن يكون حالهم فيما لم يصرِّحوا بمخالفته على نحو ما قال الغزالي، أي أنهم لم يحافظوا على تلك البقية عن إيمان ويقين، ولكن نشأوا على الإسلام، واعتزُّوا بالانتساب إليه، فكرهوا أن يقطعوا التعلُّق به البتة. والعلم عند الله . والتحقيق أن الاستقلال بالنظر محمود، ولكن الشأن في النظر. فالنظرُ بحسب المأخذين السلفيين ــ مع الوقوفِ عند الحدّ الذي حدَّه الشرع، وامتثالِ ما أرشد إليه وعمل به الصحابة وتابعوهم بإحسان من اتقاءِ الشبهات وتجنُّبِ الاختلاف في الدين وتفريقه ــ محمود. فالاستقلال فيه محمود، والنظر المتعمّق فيه مذموم؛ لأنه لا يكاد يُثمِر إلا التشكيكَ في الحقائق، والاختلافَ في الدين وتفريقَه. ويوشك أن يكون الحرص على الاستقلال بالنظر فيه من أمضى أسلحة الشيطان، فإنه قد يحصل للإنسان الإيمان واليقين بالقضايا الفِطرية والواضحة من المأخذ السلفي الأول، وبما ذكر الغزالي من اجتماع قضايا كثيرة ظنية يحصل اليقين بمجموعها، ومِن قَذْفِ الله في القلب؛ ثم يعرض له في النظر المتعمَّق فيه شبهة أو أكثر تُخالف ذاك اليقين وذاك الإيمان، فيتعذَّر عليه حلُّها، فيدعوه حبُّ الاستقلال بالنظر إلى اتباعها [٢/ ٢٣٢] وتركِ ذاك اليقين وذاك الإيمان، متّهمًا نفسَه بأنّ ثقتها ببطلان تلك الشبهة إنما هو لهواها في الإسلام. فمثله مثل القاضي يتباعد عن هواه، فيظلم أخاه، كما مرَّ في المقدمة. بل أقول: إن الاستقلال بالنظر على الحقيقة هو تركُ النظر المتعمَّق فيه رأسًا فيما يتعلق بالإلهيات، أو على الأقل تركُ الاعتداد بما خالف المأخذين السلفيَّين منه، كما يتضح لمن تدبَّر ما تقدَّم وما يأتي.

стр. 1272

وقد أبلغ الله ﵎ في إقامة الحجة على اختلال النظر المتعمَّق فيه في الإلهيات، بأن يسَّر لبعض أكابر النُّظَّار المشهورين بالاستقلال أن يرجعوا قُبيل موتهم إلى تمنِّي الحال التي عليها عامةُ المسلمين. فمنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري، وأبو المعالي ابن الجُويني الملقَّب إمام الحرمين، وتلميذه الغزالي، والفخر الرازي. أما الأشعري فكان أولًا معتزليًّا، ثم فارق المعتزلة وخالفهم في مسائل وبقي على التعمُّق، ثم رجع أخيرًا كما يظهر من كتابه "الإبانة" إلى مذهب أصحاب الحديث. وكتابه "الإبانة" مشهور، وقد طبع مرارًا، والأشعرية لا يكادون يلتفتون إليه. وأما ابن الجويني فصحَّ عنه أنه قال في مرض موته: "لقد قرأتُ خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خلَّيتُ أهلَ الإسلام بإسلامهم فيها، وعلومه الظاهرة، وركبتُ البحر الخِضَمَّ، وغُصْتُ في الذي نهى أهلُ الإسلام عنها= كلُّ ذلك في طلب الحق. وكنت أهربُ في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعتُ عن الكل إلى كلمة الحق: "عليكم بدين العجائز". فإن لم يُدرِكْني الحقُّ بلطف برِّه فأموتَ على دين العجائز، وتُختمَ عاقبةُ أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق، وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويلُ لابن الجويني! ". وقال: "اشهدوا عليَّ أني رجعتُ عن كل مقالة يُخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عجائز [٢/ ٢٣٣] نيسابور". إلى غير ذلك مما جاء عنه، وتجده في ترجمته من "النبلاء" (١) للذهبي، و"طبقات الشافعية" (٢) لابن السبكي وغيرها.

стр. 1273

فتدبَّرْ كلامَ هذا الرجل الذي طبَّقت شهرته الأرضَ يتضِحْ لك منه أمور: الأول: حُسْن ثقته بصحة اعتقاد العجائز وبأنه مقتضٍ للنجاة. الثاني: سقوط ثقته بما يخالف ذلك من قضايا النظر المتعمَّق فيه وجزمُه بأن اعتقاد تلك القضايا مقتضٍ للويل والهلاك. الثالث: أنه مع ذلك يرى أن حاله دون حال العجائز، لأنهن بَقِينَ على الفطرة وسَلِمن من الشك والارتياب، ولزمن الصراط، وثبتن على السبيل، فرجا لهنّ أن يكتب الله تعالى في قلوبهن الإيمان، ويؤيدهن بروح منه، فلهذا يتمنى أن يعود إلى مثل حالهن، وإذا كانت هذه حال العجائز، فما عسى أن يكون حال العلماء السلفيين؟ ! وأما الغزالي، فكان يغلب عليه غريزتان: الأولى: التوَقانُ إلى تحصيل المعارف. الثاني: شدة الحرص على حَمْل الناس على ما يراه نافعًا، لكنه نشأ في عصر وقطر كان يسود فيهما ــ ولاسيّما على علماء مذهبه وفرقته وخصوصًا أساتذته ــ أمور: الأول: اعتقاد أن المذاهب والمقالات قد تأسست، فما بقي على طالب العلم إلا أن يعرف مذهبه، ومقالة فرقته، ويتقن الأصول، والجدل، والكلام، ثم يتجرد للدفاع عن مذهبه، ومقالة فرقته. الأمر الثاني: اعتقاد أن النصوص الشرعية قد فُرِغَ منها، فما كان منها يتعلق بالفقه قد أحاط به المجتهدون، وقد زعم الغزالي أن الاجتهاد قد انقطع. وما كان متعلقًا بالعقائد قد لخَّصه وهذَّبه أئمة الكلام، مع ما اشتهر أن

стр. 1274

مدار العقائد على العقل، وإذا خالفته النصوص وجب تأويلها. وقد كثر فيها ذلك حتى استقرَّ عندهم أنه لا سلطان لها على العقائد، ولهذا كان هو وأستاذه إمام الحرمين من أبعد الناس عن معرفة السنة، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من"تلخيص الحبير" (١)، وفي الكلام على قول الله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٨٠]، [٢/ ٢٣٤] وفي ترجمة محمد بن مُحَيريز من "لسان الميزان" (٣) و" تخريج أحاديث الإحياء" (٤)، وغيرها. وبذلك يتبين أن هذين الإمامين كانا قليلَي الاعتداد بالنصوص، فإن احتاجا إلى ذكرها تعسَّفَا بدون مبالاة، لا يكاد يهمُّهما أن يحتجَّا بحديث لا يدريان لعله موضوع، ولا أن ينكرا وجود حديث في "الصحاح"، وهو فيها كلِّها! الأمر الثالث: اشتهار أن المذهب والمقالة اللذَين نشأ عليهما الغزالي هما أقوم المذاهب والمقالات. فاشتهر أن مذهب الشافعي هو المستوفي لجهتي الأثر والنظر، وأن ما عداه مخلّ بأحدهما؛ وأن مقالة الأشعرية هي المستوفية للنقل والعقل، وأن ما عداها مخلٌّ بأحدهما كمقالة المعتزلة ومقالة أصحاب الحديث.

стр. 1275

الأمر الرابع: اعتقاد أن مقالات الفلاسفة متينة جدًّا لبنائها على التحقيق البالغ في المعقول، مع البراءة من التقليد والتعصُّب. الأمر الخامس: توهم أن عند الباطنية علمًا غريبًا لمعرفتهم بالفلسفة، ودعواهم معرفة أسرار الدين، ونشاط دعاتهم في ذاك العصر. الأمر السادس: توهُّم أن عند الصوفية جليةَ الأمر، لدعواهم أنهم بتهذيبهم أنفسهم انكشفت لهم حقائق الأمور كما هي، مع ما يظهر منهم من شرح بعض الحقائق بأدقَّ مما يشرحها الفلاسفة والباطنية، وما يظهر لشيوخهم من الكشف عن الخواطر والإخبار عن بعض المُغَيَّبات والأحوال الغريبة، مع شهادة الفِرَق كلِّها أن لرياضة النفس وتهذيبها أثرًا بالغًا في ترقية مداركها. الأمر السابع: زعمُ أن متكلمي الأشاعرة قد فَرَغوا من الردّ على أصحاب الحديث وعلى المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، وبقي مقالة الفلاسفة والباطنية والصوفية. وهذا الأمر السابع هو كالنتيجة للأمور التي قبله، فكان هو المستولي على ذهن الغزالي، كما يتضح من شرح حاله في كتابه الذي سماه "المنقذ من الضلال"، وترى ملخَّص ذلك في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص ٩٤) (١) فما بعدها. [٢/ ٢٣٥] ومما ذكره: أنه كان أولًا يشكُّ في صحة الحِسّيات والبديهيات، ثم زال ذلك. قال (٢): "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،

стр. 1276

بل بنورٍ قذفَه الله تعالى في الصدور ... ولما كفاني الله تعالى هذا المرضَ انحصرتْ أصنافُ الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون ... والباطنية ... والفلاسفة ... والصوفية ... فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء السالكون سبيل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم فلا يبقى في دَرْك الحق مطمع ... فابتدأت (١) لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق". ثم ذكر أنه ابتدأ بتحصيل الكلام، فحصَّله، وعقَلَه، وصنَّف فيه. قال (٢): "فلم يكن الكلام في حقي كافيًا، ولا لدائي الذي أشكوه شافيًا ... فلم يحصل فيه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة". ثم ذكر تحصيله الفلسفة والتبحر فيها ثم قال (٣): "علمت أن ذلك أيضًا غير وافٍ بكمال الغرض، فإن العقل ليس مستقلًّا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات". ثم ذكر الباطنية إلى أن قال (٤): "فهؤلاء أيضًا جرَّبناهم وسَبَرنا باطنهم وظاهرهم". وذكر أنه لم يجد مطلوبه عندهم، قال (٥): "ثم إني لما فرغت من هذه أقبلتُ على طريق الصوفية ... " فذكرها وأطال في إطرائها، على عادته في إطراء ما يحصل له، كما أطرى الفلاسفة أولًا فقال: إن من لا يعرف المنطق لا ثقة له بعلمه (٦)، ولأنه كان يرى أن

стр. 1277

التصوف آخر ما يمكنه، فلم يكن له بدٌّ من محاولة إقناع نفسه به. ثم صار كلامه في كتبه ترددًا بين هذه الطرق، وكثيرًا ما يختلف كلامه في القضية الواحدة، يوافق هذه الفرقة في موضع، ويخالفها في آخر، حتى ضرب له ابن رشد (١) مثلًا قول عِمْران بن حِطَّان: يومًا يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ ... وإن لقيتُ مَعَدِّيًّا فعدناني وذلك يدل أن إحاطته بتلك الطرق لم تحصِّل مقصوده من الخروج عن الحَيْرة، بل أوقعته في التذبذب. وكأنّ ذلك مما بعثه على الرجوع في آخر عمره إلى ما كان أولًا يرغب عنه، ويرى أنه لا شيء فيه، فأقبل على حفظ القرآن، وسماع "الصحيحين"، فيقال: إنه مات و"صحيح البخاري" على صدره، لكن لم يُمَتَّع بعمره حتى يظهر أثر ذلك في تصنيفه. والله أعلم. [٢/ ٢٣٦] وأما الفخر الرازي، ففي ترجمته من "لسان الميزان" (٤/ ٤٢٩) (٢): "أوصى بوصية تدلّ على أنه حسُنَ اعتقاده". وهذه الوصية في ترجمته من كتاب "عيون الأنباء" (٢/ ٢٦ - ٢٨) (٣) قال مؤلف الكتاب: "أملى في شدّة مرضه وصيةً على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني ... وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول العبد الراجي رحمةَ ربه الواثقُ بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسين

стр. 1278

الرازي، وهو في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كلُّ قاسٍ، ويتوجَّه إلى مولاه كلُّ آبق ... إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلُّقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين: الأول: أنه إن بقي منه عملٌ صالح صار ذلك سببًا للدعاء، والدعاء له أثر عند الله. والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال ... . أما الأول، فاعلموا أني كنت رجلًا محبًّا للعلم. (أ) فكنتُ أكتب في كل شيء شيئًا، لا أقف على كمية وكيفية، سواء كان حقًّا أو باطلًا، غثًّا أو سمينًا! (ب) إلا أن الذي نظَّرته (نصرته! ) في الكتب المعتبرة لي: أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبِّرٍ منزَّهٍ عن مماثلة المتحيِّزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. (ج) ولقد اختبرتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم؛ لأنه يسعى في تسليم العَظَمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمُّق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحلُّ في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية. (د) فلهذا أقول: كلُّ ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به. وأمَّا ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة

стр. 1279

والغموض، فكلُّ ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين ... وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ... ". [٢/ ٢٣٧] فبيَّن في وصيته هذه أنه تدرَّج إلى أربع درجات: الأولى: الجري مع خاطره حقًّا كان أو باطلًا. الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة. الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخَلَفي وهو النظر الكلامي والفلسفي. الرابعة: ما استقرَّ وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكَّده الشرع. ثم قسم الباقي إلى قسمين: الأول: ما بيَّنه الكتاب والسنة، فهو كما بيَّناه. الثاني: ما عدا ذلك، فبيَّن عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحُسْن النية. فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمَّق فيه بما سمعتَ، بعد أن أفنَوا فيه أعمارهم من أوضح الحُجَج على من دونهم. هذا، والمشهورُ بعد الاعتراف بكفاية المأخذَين السلفيَّين والنهي عن الخوض في علم الكلام والفلسفة: الاعتذارُ عن الخائضين من المنتسبين إلى السنة بأنهم اضطُرُّوا إلى ذلك لدفع شبهات الكفار والزنادقة والملحدين

стр. 1280

والمبتدعة الذين يخوضون في دقائق المعقول، ثم يطعنون في الإسلام والسنة. قال المعتذرون: ولم يكن ذلك في عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدث أخيرًا بعد ضعف الإيمان وتشوُّف الناس إلى دقائق المعقول وإعجابهم بأهله، فالخوضُ محدَث، لكن لحدوثِ داعٍ إليه وباعثٍ عليه ومقتضٍ له. وأقول: أما من خاض وحافظ على العقائد الإسلامية كما تُعرَف من المأخذين السلفيين وكما كان عليه السلف، فعسى أن ينفعه ذاك العذر، وإن كنا نعلم أن في حجج الحق من المأخذين السلفيين ما يغني من يؤمن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وأما من خاض، فغيَّر وبدَّل، فهؤلاء هم المبتدعة وأتباعهم. فهَبْ أن منهم من يُعْذَر في خوضه، فما عذرُه في تغييره وتبديله؟ ولاسيّما من بلغ به التغيير والتبديل إلى القول بأن النصوص الشرعية لا تصلح حجةً في العقائد! حتى صرَّح بعضهم بزَعْم أن الله ﵎ أقرَّ الأممَ التي بعث [٢/ ٢٣٨] فيها أنبياءه على العقائد الباطلة، وقرَّرها في كتبه وعلى ألسنة رسله، وثبَّتها وأكَّدها وزادهم عليها أضعافها مما هو ــ في زعم هؤلاء ــ باطل! فهل هذا هو الذبُّ عن الإسلام وعقائده الذي يمتنُّ به عليه أولئك الخائضون؟ ! * * * *

стр. 1281

فصل وأما المأخذ الخَلَفي الثاني، وهو الكَشْف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف اسمًا ولا رسمًا، خلا أنه كان منهم أفراد صادقو الحبِّ لله تعالى والخشيةِ له، يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة. فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله بعض دعائه أو عنايته به على ما يقلُّ في العادة، ويُلَقَّى الحكمةَ في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير. وإذا كان من أهل العلم ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة، فقد يفهم من الآية أو الحديث معنىً صحيحًا، إذا سمعه العلماء وتدبروا وجدوه حقًّا، ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبَّههم ذلك العبد الصالح. ثم جاء القرن الثاني، فتوغَّل أفرادٌ في العبادة والعُزْلة، وكثرة الصوم والسهر، وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحالُ في عهد النبي ﵌، فوقعوا في طرف من الرياضة، فظهرت على بعضهم بعض آثارها الطبيعية كالإخبار بأن فلانًا الغائب قد مات أو سيقدم وقت كذا، وأن فلانًا يُضمِر في نفسه كذا، وما أشبه ذلك من الجزئيات القريبة، فكان الناس يظنون أن جميع [٢/ ٢٣٩] ذلك من الكرامات. والواقع أن كثيرًا منه كان من آثار الرياضة، وهي آثار طبيعية غريبة تحصل لكل من كان في طبعه استعداد، وتَعانَى الرياضة بشروطها، سواء أكان مسلمًا ــ صالحًا أو فاجرًا ــ أم كافرًا، فأما الكرامات الحقيقية فلا دخلَ فيها لقوى النفس. فلما وقعوا في ذلك وجد الشيطانُ مسلكًا للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنة، فمنهم من كان عنده من

стр. 1282

العلم ما دافع به عن دينه، كما نقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "ربما تقع في قلبي النُّكتة من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلَيْن: الكتاب والسنة". ذكرها ونحوَها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في "الاعتصام" (١٠٦ - ١٢١) (١). [٢/ ٢٤٠] ومنهم من سَلِم لهم أصل الإيمان، لكن وقع في البدع العملية. ومنهم من كان سلطانُ الشيطان عليه أشدَّ، فأوقعه في أشدَّ من ذلك، كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عَمْرو القيسي من "لسان الميزان" (٢). ثم صار كثيرٌ من الناس يتحرَّون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار، فقوي سلطانُ الشيطان عليهم. ثم نُقِلتْ مقالات الأمم الأخرى، ومنها الرياضة وشرحُ ما تُثمِره من قوة الإدراك والتأثير، فضمَّها هُواتُها إلى ما سبق، مُلْصِقين لها بالعبادات الشرعية، وكثر تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة. فمنهم من تعاطاها ليروِّج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام والوحي، ويتدرَّع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى. ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلًّا للشكوك والشبهات التي أوقعه فيها التعمّقُ في الكلام والفلسفة. ومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارثُ المحاسبي، ثم اشتدّ الأمر في الذين أخذوا عنه فمَن بعدهم. وكان من نتائج ذلك قضية الحلَّاج، ولعله كان في أقران الحلَّاج مَن هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم مَن هو أوغلُ

стр. 1283

منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلَّاجَ إلى إظهار ما أظهره حبُّ الرئاسة. وكذلك مَزْجُ الفلسفة بالتصوف كان معروفًا عند بعض الفلاسفة الأقدمين، وتجد في كلام الفارابي وابن سينا نُتفًا من ذلك. وكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره. وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوُّف، فلما جاء الغزالي نصب التصوفَ منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحقَّ لا يعدو هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهرًا للتصوف مع ذكره كغيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الإباحة المحضة، وفي ذلك نَبْذُ الشرائع البتة. ثم لم يزل الأمر يشتدُّ حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، ومقالاتهم معروفة. ومن تتبع ما كان عليه النبي ﵌ والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرِّح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعمَ النظرَ في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم= عَلِمَ يقينًا أنه لا يمكنه ــ إن لم يُغالطْ نفسه ــ[٢/ ٢٤١] أن يصدِّق الشرعَ ويصدِّقهم معًا. وإن غالط نفسَه وغالطتْه، فالتكذيب ثابت في قرارها ولابدَّ. هذا، والشرع يقضي بأنَّ الكَشْف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين ، ففي "صحيح البخاري" (١) من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "لم يبقَ من النبوة إلا المبشِّرات"، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".

стр. 1284

وورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذُكِر في "فتح الباري" (١)، منها: حديث ابن عباس عند مسلم (٢) وغيره، وحديث أمّ كُرْز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان (٣)، وحديث حُذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني (٤)، وحديث عائشة عند أحمد (٥)، وحديث أنس عند أبي يعلى (٦). وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يُعتدَّ به. فدلّ ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا، والسرُّ في ذلك أن الغيب على مراتب: الأولى: ما لا يعلمه إلا الله، ولم يُعْلِم به أحدًا أو أَعْلَم به بعض ملائكته. الثانية: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق.

стр. 1285

الثالثة: ما عليه قرائن ودلائل، إذا تنبه لها الإنسان عرفه، كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما. فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط، وفي معناه التحذير. والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية. وإنما الفرق بينها ــ والله أعلم ــ أن التحديث والإلهام من إلقاء المَلَك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان. والكشف قوة طبيعية غريبة، كما يسمى في هذا العصر: قراءة الأفكار. نعم قد يقال: إن الرياضة قد تؤهِّل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه، فيكون الكشف ضربًا من الرؤيا. [٢/ ٢٤٢] وأقول: إن صحَّ هذا، فقد تقدَّم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير. وفي "الصحيح" (١): أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكونُ من حديث النفس. والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قصّ من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة. ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تَصْلُح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجةً شرعية صحيحة، كما ثبت عن

стр. 1286

ابن عباس أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعضُ أصحابه رؤيا توافق ذلك، فاستبشر ابن عباس (١). هذا حال الرؤيا، فقِسْ عليه حالَ الكشف إن كان في معناها. فأما إن كان دونها فالأمر أوضح. وتجد في كلام المتصوِّفة أن الكشف قد يكون حقًّا، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيُّلًا موافقًا لحديث النفس. وصرَّحوا بأنه كثيرًا ما يُكْشَف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلًا. ولهذا تجد في المتصوِّفة من ينتسب إلى قول أهل الحديث، ويزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه. وهكذا تجد فيهم الأشعري والمعتزلي والمتفلسف وغيرهم، وكلٌّ يزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه، ومخالفُه منهم لا يكذِّبه ولكنه يكذِّب كَشْفَه. وقد يُكْشَف لأحدهم بما يوافق مقالات الفرقة التي ينتسب إليها، وإن لم يكن قد عرف تلك المقالات من قبل، كأنه لحسن ظنه بهم وحرصه على موافقتهم إنما تتجه هِمَّته إليهم، فيقرأ أفكارهم، وترتسم في مخيلته أحوالُهم. فالكشف إذن تبعٌ للهوى، فغايته أن يؤيّد الهوى، ويرسِّخه في النفس، ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار. فكأنّ الساعي في أن يحصل له الكشف، إنما يسعى في أن [٢/ ٢٤٣] يُضِلَّه الله ، ولا ريب أن من

стр. 1287

التمس الهدى من غير السراط المستقيم مستحقٌّ أن يُضِلَّه الله . وما يزعمه بعضُ غلاتهم من أن لهم علاماتٍ يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل= دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنة. لكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي كان يفهمها بها السلف الصالح. فأما ما عُرِف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية، فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضحَ شهادة بأنه من أبطل الباطل. أولًا: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة، فإذا شهدت ببطلان قولهم عُلِم أنه باطل. ثانيًا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاجٌ إلى شهادة الشرع، فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع، فالكشف شهد لنفسه، فمن يشهد له على تأويله؟ وأما التحديث والإلهام، ففي "صحيح البخاري" (١) وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر". وأخرجه مسلم (٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة، وفيه: "فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم". وجاء في عدة روايات تفسيرُ التحديث بالإلهام.

стр. 1288

وهذه سيرة عمر بين أيدينا، لم يُعْرَف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم استدلالٌ بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية، بل كان يَخْفى عليهم الحكمُ، فيَسألون عنه، فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي ﵌، فيصيرون إليه. وكانوا يقولون القول، فيخبرهم إنسان عن النبي ﵌ بخلافه، فيرجعون إليه. وأما الفراسة، فإن المتفرِّس يمكنه أن يشرح لغيره تلك الدلائل التي تنبَّه لها، فإذا شرحها عُرِفت، فإن كانت مما يُعتدُّ به عُمِل بها لا بالفراسة. [٢/ ٢٤٤] فصل مهما يكن في المأخذَين الخَلَفيين من الوهن، فإننا لا نمنع أن يُسْتند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفَّل ببيان ما ليس من الدين. وكذلك لا نرى كبيرَ حرجٍ في الاستئناس بما يوافق المأخذَين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما أن لا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يُسْتَدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيينِ ببيان الحق في الدين. ولم يقتصر المتعمّقون على هذا الزعم الباطل، بل صاروا إلى عزلهما عن بيان الحق في العقائد البتة، حتى آل بهم الضلال إلى نِسْبة الكذب إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل إلى رب العالمين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

стр. 1289

[٢/ ٢٤٥] الباب الثاني في تنزيه الله ورسله عن الكذب المتعمّقون يردُّون كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة في العقائد. فمنهم من ردَّها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يَحمِلُ إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع إنما أتى بها مجاراةً لعقول الجمهور ليمكن انقيادهم للشرع العملي. ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقًا، زاعمًا أن ظهورَها في معنى اعتقادي، أو صراحتَها فيه، أو مبالغَتها في تأكيده= كلُّ ذلك لا يمكن أن يُعلم به أن ذاك المعنى هو مراد المتكلم، لدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه أو الكشف التصوفي على بطلان كثير من تلك المعاني في زعمه، واحتمال مثل ذلك في الباقي. ومنهم من لم يصرِّح بما مضى، ولكنه قدَّم غيرَها عليها، وتعسَّف في تأويلها تعسُّفًا مُخرِجًا عن قانون الكلام، أو اقتصر ــ مع زعمه أن المعاني المفهومة منها باطلة ــ على زعم أن لها معاني أخرى صحيحة لا حاجة إلى معرفتها. فتحصَّل من كلامهم حملُهم لتلك النصوص على الكذب. أما القول الأول فواضح، وأما الثاني فقريب منه كما يأتي، وأما الثالث فيلزمه ذلك. * * * *

стр. 1290

تنزيه الله ﵎ عن الكذب مما عُلِم من الدين بالضرورة، وشهدت به الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة أن من المحال الممتنع أن يقع كذبٌ من رب العالمين. وكيف يُتصوَّر وقوعه منه، وهو عالم الغيب والشهادة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الحكيم الحميد الذي له الحمد كله؟ وإنما تخبَّط في ذلك متأخرو الأشعرية. وكأن المُوقِعَ لهم في التخبط ما ألزمهم به المعتزلةُ في مسألة القدر. [٢/ ٢٤٦] والخوضُ في القدر أمُّ كلِّ بلية، ولأمرٍ ما ورد في الشرع النهيُ عن ذلك، وشدَّد فيه السلف. وإيضاح هذا أن الأشعرية لما صار قولهم إلى أن العباد مجبورون على أفعالهم قال لهم المعتزلة: كيف يُجبِر الله تعالى خلقه على الكفر والفجور ثم يعاقبهم عليه، وهذا قبيح ومفسدة، والله تعالى منزَّه عن القبائح، وأفعاله مبنية على المصالح. فاضطرب الأشعرية في هذا، ثم لم يجدوا محيصًا إلا أن يجحدوا هذين الأصلين، فقالوا: الأفعال كلها سواء عند العقل لا يُدرِك منها حُسنًا ولا قبحًا، والله لا يفعل لشيء، ولا لأجل شيء، إنما يفعل ما يريده، وإرادته لا تُعلَّل بشيء البتة. فقال المعتزلة: فيلزمكم أن يجوز عقلًا أن يكذب الله تعالى، فحاول بعض الأشعرية التملُّصَ من هذا الإلزام بوجهين: الأول: أن الكذب نقص، والله سبحانه منزَّه عن النقص. الثاني: أنه لو جاز لكان قديمًا، وما ثبت قِدَمُه استحال عَدَمُه، فيمتنع الصدق. فلم ير بقية الأشعرية هذين الوجهين شيئًا.

стр. 1291

أما الأول، فلأنه لم يقم برهان عندهم ــ زعموا ــ على براءته تعالى من النقص، ومن قال منهم بالبراءة، إنما يقول به في الصفات لا في الأفعال، فأما النقص في الأفعال فهو القبح العقلي الذي ينكرونه. وأما الثاني، فلأنه لو تمَّ فإنه يختص بما يسمُّونه الكلام النفسي، والنزاع إنما هو في الكلام اللفظي. فصار الأشعرية إلى التزام أنه يجوز عقلًا أن يقع الكذب من الله ﵎. ثم حاولوا القول بأنه وإن جاز عقلًا فلا يقع، لأن النبي ﵌ أخبر بأن كلام الله تعالى كله صدق. فقالت المعتزلة: إنما ثبتت نبوة النبي بإخبار الله بأنه صادق، وذلك بإظهار المعجزة على يده إظهارًا مستلزمًا لذاك الإخبار؛ إذ هو بمنزلة أن يقول تعالى: صدَق في دعواه أنني أرسلته. قالوا: فإن كان العقل يجوِّز وقوعَ الكذب من الله تعالى جاز أن يكون هذا الخبر كذبًا، فلا يكون مدعي النبوة نبيًّا، فتجويزكم عقلًا أن يقع الكذب من الله تعالى [٢/ ٢٤٧] يلزمه أن لا تثبت نبوة محمد، فكيف يكون لكم أن تحتجوا على نفي وقوعه بخبره؟ أجاب الأشعرية بأن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة عادية، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقبها، قالوا (١): "فإن إظهار المعجز على يد الكاذب، وإن كان ممكنًا عقلًا، فمعلوم انتفاؤه عادة". قال العضد (٢): "وقد ضربوا لهذا مثلًا قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد

стр. 1292

الجمِّ الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال للملك: إن كنتُ صادقًا فخالِفْ عادتك، وقم من الموضع المعتاد لك من السرير، واقعد بمكان لا تعتاده، ففعل= كان ذلك بمنزلة التصديق بصريح مقاله، ولم يشكَّ أحد في صدقه بقرينة الحال، وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا للتفهيم". أقول: الذين شاهدوا المعجزات لم يوقنوا جميعًا، بل بقي كثيرون منهم مرتابين. وفي القرآن نصوص كثيرة تصرِّح بذلك، وهذا يدفع أن يكون الله أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقب المعجزة. فإن قيل: الذين بَقُوا مرتابين إنما ارتابوا لعدم علمهم بأن ذلك فعل الله ، بل جوَّزوا السحر. قلت: فإذا لم يقع العلم بالصدق إلا لمن علم أن ذلك فعلُ الله ، فهذا نظير المثال الذي ذكروه. فلو فرضنا فيه أن ذلك الجم الغفير كانوا يعتقدون أن الملك لا يبالي أصدق أم كذب، ولا أَفَعَل ما تقتضيه الحكمة أم ما تأباه= لم يحصل لهم بقيامه وقعوده أدنى ظن، فضلًا عن الظن الغالب، فضلًا عن العلم. فأما إذا كانوا يعتقدون أنه لا يفعل شيئًا لأجل شيء، فالأمر أشدُّ. فثبت أن الذين يعلمون أن المعجزة من فعل الله إنما يصدِّقون لاعتقادهم أن الله تعالى منزَّه عن أن يقع منه كذب أو فعل مناقض للحكمة، وهذا الاعتقاد هو مقتضى الفطر الزكية والعقول النقية، وهو اعتقاد كلِّ من يؤمن حق الإيمان بوجود الله تعالى وكمال علمه وقدرته حتى من الأشاعرة أنفسهم، يعتقدون ذلك بمقتضى فطرهم، وإن أنكروه بألسنتهم. * * * *

стр. 1293

[٢/ ٢٤٨] تنزيه الأنبياء عن الكذب من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله ، وأن من كذّب نبيًّا في خبر من ذلك فقد كفر. ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله ، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه. فإن قيل: قد جوَّز بعضُ الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوَّز أن يخطئ النبي، لكنه إن أخطأ نبَّهه الله فورًا. ولعل مَن يجيز مِن هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة. قلت: إن جاز الخطأ، فإنما يخبر النبيُّ بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق. فإن بان خطأُ ظنه لم يُقَلْ له: كذبتَ، وإن قيل: كذب ظنك. فأما الأمور الدنيوية، فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبرًا عن الله فكالأمور الدينية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمُّد الكذب فيها. وأُورِد على ذلك كلمات إبراهيم ﵇. وفي "الصحيحين" (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ... "، فذكر تلك الكلمات. وفي "مسند أحمد" (٢) من حديث ابن عباس نحوه. وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أنس مرفوعًا ذكر فزع الناس إلى الأنبياء

стр. 1294

يوم القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم، فنوحًا، فإبراهيم، فموسى؛ فيعتذر كلٌّ من هؤلاء بتقصيرٍ كان منه في الدنيا. فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: "فيقول: لستُ هناكم. ويذكر خطيئته". زاد مسلم: "التي أصابَ فيستحيي ربَّه منها". وفي رواية للبخاري (١) في كتاب التوحيد: "فيقول: لست هناكم. ويذكر خطاياه التي أصابها". وفي أخرى (٢): "ويذكر ثلاث كذبات كذبهن". وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه مِنْ قول إبراهيم في عذره: "إن ربي قد غضب اليوم ... وإني قد كنت كذبتُ ثلاثَ كذبات" لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء)، ولفظ مسلم: "إن ربي قد غضب اليوم ... ، وذكر كذباته". وقد جاء [٢/ ٢٤٩] الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة. فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات "كذبات" يدفع أن تكون من المعاريض التي لا رائحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديد التوقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. صح عنه أنه قال: "نحن أولى بالشك من إبراهيم ... " (٤). وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم" (٥). فكيف يُظَنُّ به أن يقول: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" وهو يعلم أنها ليست من الكذب في شيء، مع أنه تحرَّى

стр. 1295

في هذا الحديث الثناء على إبراهيم؟ فبيَّن أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث، ثم قال: "ثنتين منهن في ذات الله : قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتى على جبَّار من الجبابرة ... ". فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة (١): ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهن فلولٌ من قِراع الكتائب قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح الخروج من المستثنى منه، وليس الأمر هاهنا كذلك. وقد سمَّاها في الحديث الآخر "خطايا"، ونظَمها في سلك أكلِ آدم من الشجرة وقتلِ موسى للنفس. وحكَمَ إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتقتضي (٢) استحياءَه من ربه لأجلها. وبالجملة فالجواب عن تلك الكلمات بأنها ليست بكذب كما ترى. وثَمَّ جوابٌ آخر، وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم ﵇ قبل نبوته، كما أن قتل موسى للنفس كذلك، فقد قصَّ الله تعالى عنه أنه ذُكّر بتلك الفعلة فقال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠ - ٢١]. وقريب من ذلك حال آدم، فإنَّ أكلَه من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.

стр. 1296

وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وهي إحدى الكلمات: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٣]. [٢/ ٢٥٠] والكلمة الثانية وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، كانت قبل ذلك. فأما الثالثة، وهي قوله: "هي أختي"، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنها بعد ذلك، لكن في سياق القصة ما قد يُشعر بأنها كانت قبل النبوة. فإطلاقهم عليه "فتى" ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في "المصباح" (١)، وقد صرَّح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نُبِّئوا بعد بلوغ كلٍّ منهم أربعين سنة، كما وقع لنبينا ﵊. وجزم به القاضي أبو بكر ابن العربي وآخرون، وتأولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب. فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعو قبل النبوة؟ قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ثم ذكر القمر والشمس: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا

стр. 1297

رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ... ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٠]. فكان يُحاجُّ قومَه بما هداه الله إليه بنظره. فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشدّ. قلت: قد ذُكِر في بعض الروايات، لكن قيل: إنه خطأ من الراوي (١). وعلى هذا فقد يقال: إنما لم تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم، وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي ﵌: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذباتٍ" يعمُّ الطفولة. وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يُرِد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، وردَّه (٢). وروى عن ابن عباس (٣) ما ينص على أن الكلام على الإخبار، وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه. ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر [٢/ ٢٥١] وجَّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك

стр. 1298

أقربَ إلى جرِّهم إلى الحق. وعلى هذا فهذه الكلمة بل الكلمات أشدُّ من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك كما مرَّ. فإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقًا؟ قلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع، فإن إبراهيم ﵇ قال ذلك قبل أن تُعرَض عليه ــ فضلًا عن أن تقوم عليه ــ حجة بنظر ولا غيره، وهو حريص على معرفة الحق، باذلٌ وسعَه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق. فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح. فإن قيل: فعلى هذا أيضًا يبقى الإشكال بحاله أو أشدَّ. فإن قوله: "هذا ربي" يكون خبرًا مخالفًا للواقع ظاهرًا وباطنًا، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها مخالفًا الواقع، فظاهرًا فقط. قلت: تلك الثلاث كانت عمدًا أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع، وأمَّا قوله: "هذا ربي" فخطأ محض غير مؤاخذ به (١). والمتبادر من قولهم "لم يكذب فلان" نفيُ أن يكون وقع منه إخبار بخلاف الواقع يُلام عليه. وفي "صحيح مسلم" (٢) في أحاديث البكاء على

стр. 1299

الميت: "فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ". وفي رواية (١): "قالت: إنكم لتحدِّثون عن غير كاذبين ولا مكذَّبين، ولكن السمع يخطئ". وقولهم: "كذب فلان" المتبادر منه أنه تعمَّد أو أخطأ خطأً حقُّه أن يُلام عليه. ومن ذلك حديث: "كذب أبو السنابل" (٢)، وقول عبادة: "كذب أبو محمد" (٣)، وقول ابن عباس: "كذب نَوف" (٤)، وما أشبه ذلك. والكذب لغةً هو مخالفة الخبر ــ أي [٢/ ٢٥٢] ظاهره الذي لم تُنصَب قرينةٌ على خلافه ــ للواقع مطلقًا، لكن لشدة قبح الكذب وأن العمد أغلب من الخطأ كان قولنا: "كذَب فلانٌ" مُشعِرًا بذمِّه، فاقتضى ذلك أن لا يؤتى بذلك حيث ينبغي التحرُّز عن الإشعار بالذم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 1300

هذا، ولم يُرِد إبراهيم ﵇ بقوله: "هذا ربي" ربَّ العالمين، وإنما بنى على ما كان يقوله قومه في الكواكب: إن أرواح الملائكة متعلقةٌ بها، مدبِّرةٌ بواسطتها ما أقدرها الله عليه، أو شافعة إليه، ولما رأوا أن الكواكب لا تكون ظاهرةً أبدًا اتخذوا الأصنام تذكاراتٍ لها ولأرواحها. وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب تقربًا إلى تلك الأرواح، ويقولون: إن الله ربُّ الأرباب وإلهُ الآلهة. وقد أوضحتُ هذا بدلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف والآثار التاريخية والمقالات في كتاب "العبادة" ولله الحمد. وعلى كل حال، فتلك الكلمات إنْ ترجَّحَ أنها داخلةٌ فيما يسمَّى كذبًا، فهي من أخفِّ ذلك وأهوَنِه. ولنبيِّنْ ذلك في إحداها: دخل إبراهيم ومعه امرأته (سارة) بلدًا كان ملكه جبارًا، إذا سمع بامرأة جميلة أخذها، فإن كان لها زوج بطش به. فلما سمع الجبار بسارة أرسل إلى إبراهيم، فسأله عنها، فخاف أن يقول: امرأتي، فيبطش به؛ وأن يقول: أجنبية عني، فيقال: فما شأنك معها؟ فقال: هي أختي، وأراد الأخوة الدينية. فإطلاق أخ وأخت في الأخوة الدينية شائع ذائع، فاحتمال الخبر للمعنى الواقع قريب كما ترى. ومع ذلك فهناك قرينة من شأنها إذا تنبَّه لها المخاطب أن توهن الظاهر، وهي أن تلك الحال يحتاج مَن وقع في مثلها إلى التورية وإيهام خلاف الواقع، ليدفع عن نفسه الظلم، ويدفع عن مخاطبيه الوقوع في الظلم، ولا تترتب على ذاك الإيهام مفسدة. فقد يقال: إن هذه الحال إذا نُظِر إليها على هذا الوجه ولوحظ أن الخبر محتمل احتمالًا قريبًا لغير ظاهره، صار الخبرُ مجملًا محتملًا لكلٍّ من المعنيين على السواء، فعلى هذا لا يكون كذبًا. لكن قد يَرِد على هذا أن تلك الحال إذا لوحظت إنما تقتضي أن
следующие страницы →