← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فواتح سورة الشورى [(١) - (١٢)]. ومن نظائر هذه الآيات في الجملة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: (١٦)]. وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ [٢/ ٢٧٣] أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: (٣١) - (٣٢)]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا

стр. 1332

بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: (٥٩) - (٦٠)]. وقوله تبارك اسمه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: (٨٤) - (٩٢)]. الآيات في هذه المواضع وأمثالها مسوقة لإقامة الحجة على المشركين الذين يتخذون من دون الله تعالى وبغير سلطان منه أولياء يعبدونهم، أي يخضعون لهم طلبًا للنفع الغيبي. فالقرآن يبيِّن أن مناط استحقاق العبادة أن يكون المعبود مالكًا للتدبير الغيبي، قادرًا مختارًا أن ينفع به ويضر كما يشاء، لا على وجه الطاعة منه لمن هو أعلى منه، ولا مفتقرًا إلى إذن خاص ممن هو أعلى منه. فإن هذا المالك هو الذي يكون خضوعُ مَن دونه له سببًا لأن ينفعه، وإعراضُه عنه مظنةً أن يضرَّه، فحينئذ يحق لمن دونه أن يخضع له. فأما من ليس كذلك فلا يمكن أن ينال من دونه منه نفع ولا ضر. نعم، إن الله يأمر الملائكة بما يريد فيفعلونه، ويأذن لهم في الشفاعة لمن يحب فيشفعون. وهم كما قال تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا

стр. 1333

يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: (٢٦) - (٢٨)]. فإذا أمرهم سبحانه بنفع عبد فعلوا ذلك طاعةً لربهم فقط، وإذا أذن لهم في الشفاعة شفعوا رغبةً في رضا ربهم. ولو فُرِض أنهم لم يشفعوا بعد الإذن فلم يأذن لهم ربهم إلا وقد [٢/ ٢٧٤] ارتضى الأمرَ الذي أذن لهم أن يشفعوا فيه، فهو كائن لا محالة وإن لم يشفعوا. وبهذا يتضح يقينًا أن سؤال العبد من الملائكة أو خضوعَه لهم عبثٌ من جهة، وسببٌ لغضب الله على السائل، فتغضب الملائكة لغضب ربهم من جهة أخرى. ولو كان الملائكة يتصرفون بأهوائهم لاختلفوا، إذ قد يهوى هذا نصرَ أحد الجيشَين المقتتلين، ويهوى الآخر نصرَ الجيش الآخر، فيعمل كلٌّ منهما بحسب هواه، ويبذل جهده في التصرف بكل ما يمكنه. هذا مع عِظَم قوة الملائكة وقدرتهم، فتختلُّ الأمور، ويفسُد النظام. قال الله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)]. وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: (٧١)]. ولما أذن الله للبشر إذنًا قدريًّا عامًّا في عمل ما يريدون ــ لأن مقصود التكليف لا يتم في حقِّهم إلا بذلك ــ جعل قدرتهم محدودة، فيقع من الفساد ما يناسب قدرتهم، كما هو مشاهد. وكلما زادت قدرتهم بواسطة الآلات والمخترعات زاد الفساد، كما تراه في هذا العصر. ولولا أنَّ الله يكفكف شدةَ ذلك بقدره لكان الفساد أعظم. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: (٢٥١)]. وإن كان الله يأذن لأرواح الصالحين الموتى بأمر يتعلق

стр. 1334

بالأحياء، فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء. بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرُّف (١) [٢/ ٢٧٥] بأهوائها، فإنها في غير دار

стр. 1335

تكليف لا تخشى عقوبةً على ما يقع منها، بخلاف الملائكة. وبعض المسلمين يتردد في عصمة بعض الملائكة. والقائلون بالعصمة يقولون بالتكليف مع شدة الخشية، كما تقدم في بعض الآيات السابقة. والمشركون الذين يزعمون أن الملائكة يتصرفون بأهوائهم، يزعمون أنهم غير معصومين، بل يجعلون حالهم كحال البشر مع عظم القدرة. ويقولون: كما أن للإنسان أن يسأل إنسانًا آخر أغنى أو أقدر منه ويخضع له، فكذلك له أن يسأل الملائكة ويخضع لهم؛ لأنهم يعملون ما يشاؤون، ويشاؤون ما يهوون كالبشر، وقدرتُهم أعظم. وهذا الشرك يوجد في بعض مشركي الهند وغيرهم، وعليه كان أكثر الأمم المشركة. أما مشركو العرب فإنهم قلَّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط، كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبَّثون بالشفاعة فقط، مع تردُّد فيها. ولما حاجَّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله . وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًّا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامةُ المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشدَّ جدًّا مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما البشر الأحياء، فقدرتهم معروفة، ولا تكون لهم قدرة غير عادية. نعم، قد يتفق قدرة عادية غريبة، كما يقع لبعض المرتاضين والسحرة، وسيأتي الكلام فيها. فأما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فليست

стр. 1336

بقدرتهم ولا في ملكهم. قال الله لمحمد ﵌: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: (١٧)]. وكان الصحابة إذا احتاجوا إلى نفع [٢/ ٢٧٦] غيبي إنما يسألون النبي ﵌ الدعاءَ كما في الاستسقاء، وقلة الأزواد في السفر، وغير ذلك؛ والدعاءُ داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى. وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا، على ما جرت به العادة. فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: اللهم أخبِرْ عنَّا رسولَك، كما قال عاصم بن ثابت (١)، وجاء نحوه عن خبيب بن عدي (٢). وما يُحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت، ولو ثبتَ وجبَ حملُه على المعنى المعروف. ودعاؤهم مرجوُّ الإجابة، وليس ذلك بحَتْم. قال الله لنبيه ﵌: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: (٥٦)] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: (٣٥)] والنصوص في هذا المعنى كثيرة. وأما الجن، فإنه مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في الوسوسة لبني آدم، وذاك كالأمر الطبيعي لهم، إنما يُستدعَى بمعصية الله والغفلة عن ذكره، ويُستدفَع بطاعته سبحانه والتعوذ به. فأما أن ينفعوا الناس أو يضرُّوهم، فلو

стр. 1337

كان مأذونًا لهم فيه إذنًا قدريًّا عامًّا يُشبِه الإذنَ للناس، لفسدت الدنيا. فإن كان قد يقع شيء من ذلك، فإنما يكون بإذن قدري خاص لا يُفسِد قواعد الدنيا. والإنسان لا يحتاج إلى الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك، لأن الله قد أغنى الناس بالأسباب العادية، وبدعائه سبحانه. أوَ ليس أن تسأل المالكَ الحقيقيَّ القادرَ على كلِّ شيء أقربَ وأولى من أن تسأل جنيًّا على أمل أن يأذن له الله إذنًا قدريًّا خاصًّا في فعل مطلوبك؟ فإن فُرِضَ أن إنسانًا رغب إلى الجن، فحصل له نفع، أو اندفع عنه ضرٌّ؛ فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه، فإنهم قد ينفعونه. وليس ذلك بعذر له، بل الأمر أبعد؛ فإن المشركين مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في النفع والضر على ما جرت به العادة. وحال السحر كحال الجن. قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ [٢/ ٢٧٧] اللَّهِ﴾ [البقرة: (١٠٢)] أي ــ والله أعلم ــ إذنًا قدريًّا خاصًّا، وإنما يقع ذلك نادرًا. نعم، قد يُعَدُّ من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب، كالتنويم المغناطيسي، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة، فيحسبه الجاهل كرامة. هذا، وإذا أمر الله بطاعة أحدٍ، أو الخضوعِ له، أو بفعلٍ هو في الصورة خضوعٌ له؛ ففعَلَ المأمورُ ذلك طلبًا للنفع الغيبي من الله = فهذه عبادة لله . وهذا كسجود الملائكة لآدم. وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله ، كاستقبالِ الكعبة، والطوافِ بها، وتقبيلِ الحجر الأسود، وغير ذلك مما أمرهم الله به، ففعلوه طاعةً لله غيرَ مجاوزين ما حدَّه لهم. وكذلك توقيرُ النبي، وإكرامُ الأبوين وأهلِ العلم والصلاح،

стр. 1338

بدون مجاوزة ما حدَّه الله تعالى من ذلك. والحاصل أن الخضوع طلبًا للنفع الغيبي عبادة. فإن كان عن أمرٍ من الله تعالى ثابتٍ بسلطان، فهو عبادة له سبحانه، ولو كان في الصورة لغيره كالكعبة؛ وإلا فهو عبادةٌ لغيره. ويتعلق بهذا الباب مباحث عديدة قد بسطتُ الكلام عليها في كتاب «العبادة» (١)، وإنما ذكرتُ هنا شذرةً منه. وأصل المقصود هنا تفسير الآية، فأقول: إن القرآن يذكر التدبير الغيبي جملةً، أو يذكر بعض أنواعه تفصيلًا، ويبيِّن أن المالك له القادر عليه المختار فيه، بدون توقُّفٍ على أمرِ آمرٍ أو إذنِ آذنٍ أو تسليطِ مسلِّطٍ، هو الله وحده لا شريك له، وأن ذلك هو مناط استحقاق العبادة. فإذا كان سبحانه هو المتفرد بذلك، فهو المتفرد باستحقاق العبادة. فتدبَّر الآيات المتقدمة تجدها على ما وصفت. وتدبَّر آيات الشورى التي فيها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: (١١)] تجدها من هذا القبيل. فإذا كان الأمر هكذا فالظاهر أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نفيُ [٢/ ٢٧٨] المثل فيما ذُكر في السياق من أنه تعالى يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن إليه الحكم، وأنه فاطر السماوات والأرض، إلى غير ذلك. وجِماعُ ذلك كلِّه ملكُ التدبيرِ الغيبيِّ، والقدرة عليه، والاختيار فيه، على ما تقدم وصفه. والمقصود بذلك إثبات أنه لا إله إلا الله.

стр. 1339

وهَبْ أنه يسوغُ حملُ قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على ما يخالف تلك الظواهر التي يفِرُّ منها المتكلمون، فهو احتمال مرجوح. وهَبْه مساويًا أو راجحًا، فهل يصح أن يُعتدَّ بها قرينةً تَصرِف عن ظواهر تلك النصوص التي لا تحصى، منها الظاهر البيِّن، ومنها الصريح الواضح، ومنها المؤكَّد المثبت، ومعها عقل المخاطبين الأولين من الصحابة وغيرهم وجمهور الناس؟ وهل هذا إلا قلبٌ للمعقول الواضح؟ هذا، والقائلون إن ذات الله تعالى مجرَّدة أكثرهم يُثبتون أو يجوِّزون وجودَ ذوات كثيرة مجردة من عقول ونفوس وأرواح غيرها! فليتدبر مَن له عقلٌ: أليسوا أولى بزعمِ أن لله مثلًا بل أمثالًا ممن لا يقول بالتجرد المحض الذي يزعمونه؟ فإن الذوات المخلوقة غيرَ المجردة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا جدًّا، فما الظنُّ بذات الخالق ﵎؟ فأما المجردة على فرض وجودها، فكيف يُعقل التفاوت العظيم بينها حتى تكون هذه ذات رب العالمين، وهذه ذات روح بعوضة؟ وما قيل إن التجرد أمر عدمي لا يدفع ذلك، على أنه عندهم براءة لأمر وجودي احتيج إليه؛ لأنه ليس في اللغات لفظ يدل على ذاك المعنى، لأن اللغات تابعة للعقول الفطرية، والعقولُ الفطرية لا تَعقل وجودَ ذات مجردة ذاك التجرد، وإنما تعبِّر عن ذاك المعنى بقولها: «معدوم» (١). قال السلفي: وأقتصر من النظر في تلك الآية على ما ذكرت راجيًا أن يكون فيه الكفاية لمن لم يستحوذ عليه الهوى. فأما من خُتِم على قلبه فلا مطمع فيه. والله الموفق.

стр. 1340

وأما اسم الله تعالى «الواحد»، فلفظ «واحد» يراد به في اللغة ما يقابل المتعدد، ومن تتبع مواقعه في القرآن وغيره من الكلام العربي الفصيح وجده يأتي وصفًا لموصوف، ويكون هناك شيء محكوم عليه بالموصوف مع وصفه، فعدم التعدد يكون للمحكوم عليه باعتبار [٢/ ٢٧٩] الموصوف. قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] حكم على الناس فيما كانوا عليه بقوله «أمة واحدة»، فعدم التعدد ثابت للناس باعتبار «أمة»، أي لم يكونوا أمتين أو أكثر. وقد يُصرَّح في الكلام بالمحكوم عليه وبالموصوف كما رأيت، وقد يُطوى ذكرُ أحدهما، فيُعرف بالتدبر. ولا أطيل بأمثلة ذلك. وعلى كل حال، فإنه يأتي على أحد معنيين: الأول: نفي التعدد في المحكوم عليه نفسه كالمثال السابق، نفَى أن يكون الناس كانوا أمتين أو أكثر. المعنى الثاني: نفي أن يكون مع المحكوم عليه مثلُه أو مثلاه أو أمثاله باعتبار الموصوف، فيكون المجموع متعددًا. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: (١٦٣)] أي: ليس معه إلاه آخر أو أكثر فيكون المجموع متعددًا. ومن هذا الثاني قولهم: فلان واحد في فنه، أو واحد زمانه، أي: لا نظير له في ذلك. إذا تقرر هذا فلنذكر الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. قال تعالى فيما قصَّه عن يوسف ﵇: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: (٣٩) - (٤٠)].

стр. 1341

وقال : ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: (١٦)]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ خواتيم سورة إبراهيم. [٢/ ٢٨٠] وقال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: (٦٥) - (٦٦)]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: (٣) - (٤)]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: (١٦)]. هكذا جاء هذان الاسمان الكريمان «الواحد القهار» في القرآن مقترنين معرَّفَيْنِ في المواضع كلها، وكلُّ ذلك في سياق إقامة الحجة على المشركين

стр. 1342

في الألوهية الزاعمين أن لله شركاء في استحقاق العبادة. فالكلام جارٍ على المعنى الثاني، وهو نفي التعدد الحاصل بوجود مثلِه معه في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة. وسياق الآيات واضح جدًّا في ذلك، وإنما ادعى بعضُهم المعنى الأول في آية (الزمر) فقال: إن إمكانَ أن يكون له ولد يستدعي التركيب والانفصال، والوحدةَ تنافي التركيب. والتركيب الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون ليس من التعدد الذي تعقله العقول الفطرية في شيء. و «الواحد» بالمعنى الثاني ينفي الولد بدون تكلُّف، فإنه لو كان له سبحانه ولد لكان نظيرًا له في القدرة وغيرها، فيكون ربًّا مستحقًّا للعبادة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: (٩٢) - (٩٣)]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: (١١٦)]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: (٢٦)]. فحصل المقصود مع بقاء الاسم «الواحد» على معناه المعروف الموافق لسائر الآيات. [٢/ ٢٨١] هذا، ولما كان الاسم «الواحد» إنما هو صريح في نفي النظير في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة، وليس بالصريح في نفي المشارك في ذلك مشاركةً تقتضي استحقاق العبادة في الجملة= أردف في الآيات

стр. 1343

كلِّها بالاسم «القهار» ليتمِّم المعنى المقصود. وجاء الاسمان معرَّفين لأن ذلك معروف مسلَّم عند المشركين، كما يوضحه الآيات الأخرى التي تقدم ذكرُ بعضها في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والله الموفق. وأما سورة الإخلاص، ففي «صحيح البخاري» (١) وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: «قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم، ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني ... وأمَّا شتمُه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا, وأنا الأحد الصمد, لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤا أحد». وفي رواية (٢): «وأنا الصمد الذي لم ألد ... ». وقال الترمذي (٣): «حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو سعد ــ هو الصاغاني ــ، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله ﵌: انسُبْ لنا ربك. فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، فالصمد: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، ولا شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء».

стр. 1344

ثم قال الترمذي (١): «حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية أن النبي ﵌ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك. فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصحُّ من حديث أبي سعد». [٢/ ٢٨٢] أقول: أبو سعد قال فيه الإمام أحمد: «صدوق، ولكن كان مرجئًا»، وقال أبو زرعة: «كان مرجئًا ولم يكن يكذب». وضعَّفه الباقون، قال ابن معين في رواية: «ضعيف»، وفي أخرى: «كان جهميًّا وليس هو بشيء»، وفي ثالثة: «صاحب ابن أبي دؤاد كان هاهنا وليس هو بشيء»، وفي رابعة: «جهمي خبيث». وقال البخاري في موضع: «فيه اضطراب»، وفي آخر: «هو متروك الحديث»، وفي ثالث: «ليس بثقة ولا مأمون». لكن لم ينفرد أبو سعد بوصل الحديث، فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (ج ٢ ص ٥٤٠): «أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن علي قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا: يا محمد، انسُبْ لنا ربَّك، فأنزل الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قال: الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد ... » بمثل حديث أبي سعد. ومحمد بن سابق ثقة جليل إلا أن في ضبطه شيئًا حتى قال أبو حاتم: «يُكتَب حديثه ولا

стр. 1345

يُحتَجُّ به». وقد صحح ابن خزيمة (١) والحاكم هذا الحديث (٢). وأخرج ابن جرير (٣) من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن جابر قال: «قال المشركون: انسُبْ لنا ربَّك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». وأخرج عن قتادة (٤) قال: «جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك، فنزلت ... ». وعن سعيد بن جبير (٥) نحوه مطولًا. وعن عكرمة (٦): أن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبِرْنا عن ربِّك، صِفْ لنا ربَّك، ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». والذي يصح في الباب حديث البخاري، ثم يليه حديث أبي العالية، وقد شهد له حديث جابر، وسنده صالح للمتابعة. [٢/ ٢٨٣] وحديث البخاري يدل على أن أشدَّ ما كان المشركون يعتَدُون فيه في حق الله ﵎ هو شكُّهم في قدرته على البعث، وقد أخبَرَ به، ونسبتُهم إليه الولد. والقرآنُ يؤيد ذلك، فإنه كرَّر تثبيتَ البعث ونفيَ الولد في مواضع كثيرة.

стр. 1346

فأما شركهم في الألوهية، فكان عندهم مرتبطًا بدعوى الولد، كما هو بيِّنٌ من عدة آيات. وقد أوضحتُ ذلك في كتاب «العبادة». وتبيَّن لي أن أولَ ما سرى إلى العرب نسبةُ الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى أنهم مقرَّبون إليه. ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه، فقالوا: بنات الله؛ لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن. ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يُثبتون أن لله صاحبةً. ولذلك احتجَّ عليهم القرآن بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: (١٠١)]، فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلَّم. وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعةٌ معه إلى أبي بكر، فقال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزَّى، فقال أبو بكر: وما اللات والعزى؟ فقال طلحة: بنات الله. فقال أبو بكر: ومن أمهم؟ فأُسْكِتَ طلحة، ثم قال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فأُسْكِتوا، فأسلم طلحة (١). فأما قول الله : ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: (١٥٨)]، فالمراد بالجنة هاهنا: الملائكة، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بناتٍ له. وما روي أنهم كانوا يقولون: إن أمهاتهم بناتُ سَرَوات الجن (٢)، لم يصح. ولو صحَّ لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة. واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماءً لتلك الإناث التي زعموا أنها الملائكة وأنها بنات الله، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسمَّوها بأسمائها، كما جرت به عادة

стр. 1347

المشركين في أصنامهم، بل عادة الناس جميعًا في إطلاقهم على التمثال والصورة اسمَ من يرون أن ذلك تمثال أو صورة له. وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم، وقد أوضحتُ ذلك في كتاب «العبادة» بما يُثلج الصدر. والحمد لله. [٢/ ٢٨٤] والمقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي ﵌ لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله، ويزعمون أنها الملائكة، وأنها بنات الله، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظِّمونها تعظيمًا لها، وصارحهم بتنزيه الله عن الولد= قالوا: انسُبْ لنا ربك، طمعًا منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهةً يشُدُّون بها قولهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة. فأما تحقيق معناها، فلفظ «أحد» زعم ابن سينا ومن وافقه أنه الواحد من جميع الوجوه، المنزَّه «عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة». هذا ما نقلوه من عبارته المموهة. وهو ومن وافقه يوهمون أنهم إنما يجتهدون في تنزيه الله ، وهو في نفس الأمر بعيد عن ذلك، كما يُعلم من نفيهم صفاتِ الكمال عنه. وإنما غرضهم توجيه وجوب وجوده تعالى، أي وجوده من غير علة. وبعبارة أوضح في العقول الفطرية: توجيهُ وجوده من دون أن يُوجده موجِد. وذلك أن الفطرة والعقل قاضيان بأن الموجود من هذه الأشياء التي نراها لابد له من موجِد، وأنه مهما كان لبعضها صانع منها، فإن فوقها جميعًا ربًّا هو الموجِد الحقيقي. ولكن كثيرًا من النفوس لا تَقنَع بهذا حتى تقول: فهذا الموجِد الحقيقي من أوجده؟ فإن قيل: لا موجد له. قالت: وكيف وُجد من غير موجِد؟

стр. 1348

فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي فيما ثبت أو جاز أنه لم يكن ثم كان. وذلك كأن تمرَّ ببقعة لا بيت فيها، ثم تمرَّ بها وفيها بيت. وكالشمس فإن العقول الفطرية حتى الساذجة تُجيز أن يخلق الله تعالى شمسًا أخرى غير هذه الشمس، وتجيز أن يكون قد مضى زمان لا شمس فيه، ثم خلق الله تعالى هذه الشمس. وهكذا سائر المخلوقات. وإنما قد تتوقف العقول الفطرية في بعض الأشياء التي لا ضيرَ في التوقف فيها من جهة العقل. وذلك كالفضاء والزمان، فإنهما إنْ كانا أمرين عدميين كما عليه المتكلمون فالأعدام أزلية، [٢/ ٢٨٥] وإن كانا وجوديين فلا يصلحان ولا واحد منهما أن يكون ربًّا أوجد هذه الموجودات. والمقصود أنه في مثل البيت والشمس يأتي ذاك السؤال فيقال: لم يكن موجودًا، فمَن أوجده؟ فأما الموجود الحق الذي ثبت أنه لم يزل، فلا يأتي في حقِّه ذاك السؤال أصلًا. = فقد لا تطمئنُّ النفس (١) لهذا حقَّ الاطمئنان. وقد نبه الشرع على هذا وعلى علاجه. ففي «الصحيحين» (٢) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة: قال رسول الله ﵌: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فَلْيستعِذْ بالله وَلْيَنْتَهِ» لفظ البخاري في «بدء الخلق». وفيهما (٣) من حديث أنس: قال رسول الله ﵌: «لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلَقَ

стр. 1349

الله؟ » لفظ البخاري في «الاعتصام». وفي «مسند أحمد» (١) من حديث عائشة عن النبي ﵌ نحو الأول، وفيه: «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنتُ بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه». فمن أيقن بما قدَّمناه أولَ الرسالة من مرتبة الشرع فزع إليه، فوجد الشفاء من تلك الوسوسة. ومن لم يفزع إليه وحاول الاكتفاء بذلك الجواب، وهو أن ذلك السؤال لا يرِدُ أصلًا، جاءه الشيطان من طريق أخرى، فقال: إن كان هذا الذي تقول: إنه الموجد الحقيقي أو إنه واجبُ الوجود شبيهًا بهذه المحسوسات، فحكمُه حكمُها، وإلا فماذا عساه أن يكون؟ [٢/ ٢٨٦] فإذا دفع ذلك بنفي المشابهة المقتضية للافتقار، وكفَّ نفسَه عن التفكّر في تلك الذات المقدسة بحجة أنه لم يرها، ولا رأى ما تكون من جنسه، وما كان هكذا فلا سبيل إلى تصوره، فالأكمه لا يتصور الألوان حتى إنه لا يحلُم في نومه بأنه أبصر شيئًا= جاءه الشيطان من جهة أخرى، فاستعرض ما يُثبته العقل والشرع لله ، فيعمِد إلى أمرٍ من ذلك فيقول: إن ثبت هذا لتلك الذات كانت شبيهةً بهذه المحسوسات، فيلزم الافتقار. فأما من وفَّقه الله ، فإنه لا يعدَمُ مخلصًا. وأما المخذول فإنه يرى أنه مضطر إلى نفي ذلك الأمر، ثم يعمِد الشيطان إلى أمر آخر فيقول: وهذا كالأول، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور، ومنها لوازم الوجود، فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد انتفاء لوازمه.

стр. 1350

وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له: وكيف تعقل مثل هذا؟ وما تظنه حجةً على الوجود قد جرَّبتَ أمثالَه في تلك الأمور. فليس هناك حجة، وإنما هي شبهاتٌ نسجتْهَا الأوهامُ والأغراضُ في العصور المظلمة. فكن حرَّ الفكر قويَّ الإرادة، وخلِّص نفسَك من تلك القيود والأغلال، فإنك في عصر العلم! فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موَّه ابن سينا عبارته عنها. فإنه يزعم أن ذات الله ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، ليست خارجةً عنه ولا هي فيه، ليست مباينةً له ولا محايثةً، لم تُوجد الذوات الأخرى حين وُجِدت خارجَ ذات الله قريبًا أو بعيدًا، ولا داخلَ ذاته. والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل، ثم يقع [٢/ ٢٨٧] الخلاف في التفريع. فابن سينا وموافقوه يقولون: لا قدرة لله ولا إرادة ولا علم بالجزئيات. واستحيا بعضهم فقال: يعلم ذاته. وعندهم أنه لا شأن لله بخلق ولا تقدير ولا اختيار ولا تدبير، بل عندهم أنه سبحانه ليس بربٍّ للعالم، وإنما هو السبب الأول لوجوده في الجملة. وذلك أن أصول الموجودات عندهم أشياء قديمة: أحدها: وجود محض هو عندهم الواجب لذاته، أو قل: «الله». الثاني: شيء نشأ عن الأول بدون قدرة للأول ولا إرادة ولا علم! ويسمون هذا الثاني «العقل الأول». قالوا: ونشأ عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك، وهكذا إلى عشرة عقول، وتسع أنفس، وتسعة أفلاك! قالوا: والعقل العاشر هو العقل الفعال، وهو المدبِّر للعالم السُّفلي بواسطة الكواكب وتغيُّر مواضعها. ولا شأن عندهم لله تعالى بالموجودات البتة، خلا أنه كان في القدم سببًا محضًا

стр. 1351

لوجود العقل الأول بدون قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولا علم! ومَن تدبَّر هذا علِمَ أن البعوضة فما دونها تملك من العلم والقدرة والإرادة والاختيار والتصرف ما لا يسمحون لله بملْكِ عُشْرِ مِعشاره! تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. هذا مع ما في ترتيبهم المذكور ممّا هو على أصولهم ــ فضلًا عن غيرها ــ بغاية الاختلال، بل هو هوسٌ محض يخجَل العاقلُ من نسبة القول به إلى من يشاركه في الإنسانية! وقولهم: إن ذات الواجب وجود محض، أُورِدَ عليه أن الوجود عندهم من المعقولات الثانية، وهي عندهم أمور معدومة؛ فعلى هذا تكون ذاته عندهم عدمًا، والعدم لا يكون سببًا لوجود. أجاب بعضهم بأن الوجود الذي هو ذات الواجب في زعمهم وجود خاص، وهو موجود؛ وإنما المعدوم الوجود المتعارف. قالوا: والداعي لهم إلى القول بأن ذات الواجب وجود خاص: أنها لو كانت شيئًا آخر احتاجت إلى ما يفيدها الوجود، فإن كان غيرها كانت ممكنة، أو بلسان الجمهور: مخلوقة. وإنْ كانت هي أوجدتْ نفسَها، فهذا محال. وقد أطال المتكلمون البحث في هذا. ويمكن أن يقال على وجه الإلزام: ذاك الوجود الخاص إن لم [٢/ ٢٨٨] يكن متصفًا بهذا الوجود المتعارف، اتصف ضرورةً بنقيضه وهو العدم، والمعدوم مفتقر في أن يوجَد إلى غيره حتمًا. وإن كان متصفًا به وقعتم فيما فررتم منه! وفي «حواشي عبد الحكيم» على «شرح المواقف» (١): «الصواب

стр. 1352

عندي أن لا إيجاد هاهنا بل هو اقتضاء الماهية للوجود، والمقتضي لا يلزم أن يكون موجِدًا. ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها ... كيف والإيجاد الخارجي لابد له من موجود وموجِد في الخارج، وليس في الخارج هاهنا إلا الماهية المقتضية للوجود. واعتبارُ التعدد فيها باعتبار أنها من حيث هي موجِد، ومن حيث الاتصاف بالوجود موجَد، إنما هو في الذهن». أقول: فمن فهم هذا وقنع به فذاك، وإلا فينبغي أن يدع التعمقَ، ويرجع إلى اليقين، وهو أن الله هو الحق الذي لم يزل، وأنه خالق كلِّ شيء، وَلْيَستعِذ بالله وَلْيَنْتَهِ. وقد سمعتُ بعض الأكابر يذكر عن جدِّ أبيه ــ وهو من المشهورين ــ أنه كان إذا ذُكِر له ما يسمِّيه المتأخرون «علم التوحيد» قال: «إنما هو علم التوحيل». أقول: وتلك المناقضات والمعارضات والوساوس بحر من الوحل لا ساحل له إلا من جهة [٢/ ٢٨٩] واحدة، فمن جاء من تلك الجهة فخاض في ذاك الوحل لم يزده الإمعانُ فيه إلا تورطًا. فالسعيد من أعانه الله على الرجوع إلى الساحل. والمقصود هنا أن المتفلسفين لما أصَّلوا ذاك الأصل، وهو أن ذات الله تعالى ليست منفصلةً عن العالم ولا متصلةً به، أمعنوا في النفي كما تقدم. فأما المتكلّمون الذين وافقوا على هذا الأصل، فيضطربون في التفريع، يُثبت أحدُهم أمرًا، فيجيء الذي بعده، فيجد أنه مضطَرٌّ إلى نفيه بمقتضى الاعتراف بذاك الأصل، وهكذا.

стр. 1353

وعلى كل حال، فابن سينا نفسه معترف بأن تلك الوحدة تأباها العقول الفطرية ــ وهي عقول الجمهور ومنهم الصحابة والتابعون ــ وتقطع بأنَّ حاصلها العدم المحض. ويعترف بأن الشرائع جاءت بضد تلك الوحدة، وقد مرَّ كلامه. ويوافق عليه من يتعانى التحقيق من المتكلمين كما يأتي في مسألة الجهة عن الغزالي والتفتازاني. وإذا كان الأمر هكذا فلا ريب أنه لا وجه لحمل قولِ الله «أحد» على تلك الوحدة، فلنطلب معنى آخر. قال بعض السلفيين: إنه «الواحد في الربوبية والألوهية، لا ربَّ سواه، ولا إله إلا هو». وهذا المعنى محتاج إلى التطبيق على السياق، وسبب النزول. وذلك ممكن بنحو ما مرَّ في «الواحد»، لكن يبقى هنا سؤال وهو: لماذا جاء الاسم «الواحد» في القرآن معرَّفًا، وجاء «أحد» غير معرَّف؟ وهاهنا معنى ثالث. في كتب اللغة (١) أنه يُقال «رجل وَحَد: لا يعرف نسبُه وأصلُه». وعن ابن سيده أنه يقال: «رجل أحد» بهذا المعنى. وفي «القاموس» (٢): «رجلٌ وَحَدٌ وأَحَد ــ محرَّكتَيْن ــ ووَحِد ووَحِيد ومتوحِّد: منفرد». قال شارحه (٣): «وأنكر الأزهري قولهم: رجل أحد، ... لأن أحدًا من صفات الله التي استخلصها لنفسه». وفي «القاموس» (أح د) (٤): «الأحد بمعنى الواحد، أو الأحد لا يوصف به إلا الله ». قال

стр. 1354

الشارح (١) بعد قوله: الأحد: «أي: المعرَّف باللام الذي لم يُقصد به العدد المركب كالأحدَ عشرَ ونحوه». ثم قال الشارح أخيرًا: «وهو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر. وقيل: أحديته معناها أنه لا يقبل [٢/ ٢٩٠] التجزِّي لنزاهته عن ذلك. وقيل: الأحد الذي لا ثاني له في ربوبيته، ولا [في] ذاته، ولا في صفاته». أقول: فالظاهر أن «وَحِد وأحد» الذي قالوا: إنه بمعنى لا يُعرف نسبُه وأصلُه، إنما حقيقته أنه بمعنى: منفرد. ثم لوحظ فيه التقييد، أي: «منفرد عمن يكون من نسبه وأصله»، أي لا يوجد من يكون نسيبًا له. ولكن لما كان هذا ممتنعًا في الرجل، إذ لابد في غير آدم وعيسى من أن يكون له أب، ويغلب أن يكون له عم وابن عم وإن بعد وغير ذلك، وإنما غايته أن لا يَعرف نسبَه وأصله= عبَّروا بهذا. والمعنى الحقيقي ثابت لله ﵎، فإنه لا نسيبَ له ولانسبَ البتة. وبهذا يتضح موافقة سبب النزول، وهو قول المشركين للنبي ﵌: انسُبْ لنا ربَّك. ولما كان هذا الوصف قد يطلق على غيره تعالى، بمعنى أنه لا يُعرف نسبه، وقد يطلق على آدم بمعنى أنه لا أب له وإن كان مخلوقًا من الطين، وكذلك عيسى وإن كان له نسب من جهة أمه، ونحو هذا يقال في الملائكة وأبي الجان= لما كان الأمر كذلك قيل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ولم يقل: «الأحد». وأكَّد ذلك أن المشركين لما قالوا: انسُبْ لنا ربَّك، اقتضى ذلك أنهم يزعمون أن الله ليس أحدًا بذاك المعنى، بخلاف «الواحد» في الربوبية، فإنهم يعترفون به كما تقدم. وهذا المعنى هو المناسب لسبب النزول كما مرَّ، ومناسبته للسياق واضحة أيضًا.

стр. 1355

وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ تقدَّم في حديث البخاري (١) في رواية: «شتمُه إياي قولُه: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد ... ». وفي حديث أبي العالية (٢): «فالصمد الذي لم يلد ولم يولد .. ». وأخرج ابن جرير (٣) عن محمد بن كعب: «الصمد الذي لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد». ويظهر أن المراد أن الصمد يستلزم أنه لم يلد ولم يولد. وتوجيه ذلك يُعلم مما يأتي: أخرج ابن جرير (٤) من وجهين صحيحين عن مجاهد قال: «الصمد: المُصْمَت الذي لا جوف له». ومِنْ وجه صحيح عن الحسن البصري (٥) قال: «الصمد: الذي لا جوف له». ومن وجه صحيح عن سعيد بن جبير (٦) سئل عن الصمد فقال: «الذي لا جوف له». ومن وجه صحيح عن عكرمة (٧) قال: «الصمد: الذي لا جوف له». ومن وجه آخر صحيح عن عكرمة (٨) أيضًا قال: «الصمد: الذي [٢/ ٢٩١] لا يخرج منه شيء». زاد في رواية (٩):

стр. 1356

«لم يلد ولم يولد». ومن وجه صحيح عن الشعبي (١) قال: «الصمد: الذي لا يطعم الطعام». وفي رواية (٢): «الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب». ومن وجه فيه ضعف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (٣)، قال عبد الله: «لا أعلمه إلا قد رفعه (يعني إلى النبي ﵌ قال: الصمد: الذي لا جوف له». ومن وجه فيه ضعف عن ابن عباس (٤) قال: «الصمد: الذي ليس بأجوف». ومن وجه ضعيف عن ابن المسيب (٥) قال: «الصمد: الذي لا حِشْوةَ له». هذه الأقوال كلها تعود إلى مثل قول مجاهد، واستلزامُ هذا المعنى لنفي الولد والوالد ــ كما في حديث البخاري وحديث أبي العالية وقول محمد بن كعب ــ ظاهر. وذلك أن من يكون كذلك لا يمكن أن يكون له ولد على الوجه المعروف في التناسل أو نحوه؛ لأن ذلك يتوقف على أن يخرج من جوف الأب شيء يتكون منه الابن. وهكذا من كان كذلك لا يكون له أب، لأن الأب لابد أن يكون شبيه الابن في الذات، ففرضُ أبٍ للمصمَت الذي لا جوف له يستلزم نفيَ الأبوة. وهذا المعنى مع صحته عن أكابر من التابعين ــ كما رأيت ــ واضح المناسبة للسياق، ولحديثي البخاري وأبي العالية، ولتقديم «لم يلد»؛ فإن دلالة هذا المعنى على أنه لم يلد أقربُ من دلالته على

стр. 1357

أنه لم يولد، كما لا يخفى. لكن أخرج ابن جرير (١) من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: «الصمد: السيد الذي قد انتهى سؤدده». وقال (٢): «حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ يقول: السيد الذي قد كمُلَ في سُؤدده، والشريف الذي قد كمُلَ في شرفِه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار [٢/ ٢٩٢] الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد. وهو الله سبحانه، هذه صفته التي لا تنبغي إلا له». والسند عن أبي وائل فيه الأعمش، وهو مدلِّس مشهور بالتدليس، وربما دلَّس عن الضعفاء (٣). والسند عن ابن عباس فيه كلام، وهو مع ذلك منقطع.

стр. 1358

علي بن أبي طلحة أجمع الحفاظ ــ كما في «الإتقان» (١) عن الخليلي ــ على أنه لم يسمع من ابن عباس. وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أو سعيد بن جبير. ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما. والثابت عنهما في تفسير الصمد خلاف هذا، [٢/ ٢٩٣] كما مرَّ. لكن ابن جرير قال (٢): «الصمد عند العرب هو السيد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقه، وبذلك تُسمِّي به أشرافَها. ومنه قول الشاعر (٣):

стр. 1359

ألا بكَرَ الناعي بخيرَي بني أسَدْ ... بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصَّمَدْ وقال الزِّبْرِقان (١): ............................. ... ولا رهينةَ إلا سيِّدٌ صمدُ فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام مَن نزل القرآن بلسانه. ولو كان حديث ابن بريدة صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة، لأن رسول الله ﵌ أعلم بما عنى الله جل ثناؤه وبما أنزل عليه». أقول: الذي يدل عليه البيتان مع مراعاة الاشتقاق أن «صمد» بمعنى: مصمود إليه كثيرًا. فأما زيادة «الذي لا أحد فوقه»، فتؤخذ في الآية من القصر الذي يقتضيه تعريفُ الجزئين. وهذا المعنى وإن كان كأنه أشهر في العربية، فالمعنى الأول معروف فيها، والاشتقاق يساعد المعنيين. وفي «اللسان» (٢): «قال أبو عمرو: الصمد من الرجال: الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب، وأنشد:

стр. 1360

وساريةٍ فوقَها أسوَدٌ ... بكفَّي سَبَنْتَى ذفيفٍ صَمَدْ السارية: الجبل المرتفع الذاهب في السماء كأنه عمود، والأسود: العَلَم بكفِّ رجل شجاع». أقول: وهذا على المبالغة، أي كأنه لا جوف له فيجوع ويظمأ. وكفى دلالةً على صحة المعنى الأول ثبوتُ القول به عن أئمة التابعين، ثم هو الأوضح مناسبةً للسياق وسبب النزول. وذهب بعض الأجلة (١) إلى تصحيح كلا المعنيين. وهذا إما مبني على صحة استعمال اللفظ [٢/ ٢٩٤]

стр. 1361

المشترك في معنييه معًا، وإما على ما يشبه التخيير الإباحي، كأنه قيل: مَن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب، ومن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب. والمتكلمون يقولون: إن المعنى الأول محال على الله ، لأن ذلك من صفات الأجسام. ولا شأن لنا الآن بهم، وإنما الكلام هاهنا فيما فهمه المخاطبون الأولون، وقد سمعتَ قول كبار التابعين المروي عن بعض الصحابة. ومن الواضح أنه لا ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون من آيات الصفات وأحاديثها. وكذلك المعنى الثاني لا ينافيها، وإنما حاصله أن الله سبحانه هو الذي يَعمِدُ الخلقُ إلى قصده فيما يهمُّهم. وحاصله أنه سبحانه المنفرد بالربوبية واستحقاق الألوهية. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ واضح، ليس فيه ما ينافي تلك المعاني. قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ مرَّ في حديث أبي العالية (١): «ولم يكن له شبيه ولا عِدْل وليس كمثله شيء». وأخرج ابن جرير (٢) من نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «ليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار». وأخرج (٣) من وجه صحيح عن مجاهد قال: «صاحبة». والمعنى الأول متضمن للثاني، والمنفي هاهنا هو الكفء. والمشاركة الإجمالية في الوجود والعالمية والقادرية وغيرها ليست مكافأة،

стр. 1362

إذ الواقع إنما هو وجود ذاتي واجب كامل، ووجود مستفاد ممكن ناقص، وقِسْ على ذلك. فلو فُرِض أن تلك المشاركة يصح أن يطلق عليها مشابهة، فالمنفي هنا هو الشبيه المكافئ، فليس في هذا أيضًا ما ينافي المعاني التي ينكرها المتعمِّقون. * * * *

стр. 1363

[٢/ ٢٩٥] المقصد الرابع المتكلم: أمهِلوني حتى أعيد النظر في المقاصد الثلاثة الأولى، وأفكِّر فيها. الناقد: فليتكلم السلفي في بقية المقاصد: الرابع فما بعده. السلفي: كان العرب الذين خوطبوا بالقرآن والسنة أولًا ــ كغيرهم من الناس ــ يعلمون بعقولهم الفطرية وما توارثوه عن الشرائع أن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فكانوا يعلمون أنه سبحانه ليس بحجر ولا شجر ولا كوكب ولا إنسان ولا طائر ولا جنِّي ولا ملَك ولا مخلوق من المخلوقات التي عرفوها والتي لم يعرفوها، بل هو ربُّ كلِّ شيء وخالقُه. وقد شهد لهم القرآن بأنهم كانوا يعتقدون وجود الله وربوبيته، وأنه الذي يرزق من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبِّر الأمر كلَّه، وله الأرض وما فيها. ربُّ السماوات السبع، وربُّ العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه. خلَقَ السماوات والأرض، وسخَّر الشمس والقمر. يبسط الرزق لمن يشاء ويَقدِر له. ينزِّل من السماء ماء، فيُحيي به الأرض. خلَقَ السماوات والأرض، وهو العزيز العليم. إلى غير ذلك. انظر سورة (يونس): ٣١، وسورة (المؤمنون): ٨٤ - ٨٩، وسورة (العنكبوت): ٦١ - ٦٣، وسورة (الزمر): ٣٨، وسورة (الزخرف): ٩ و ٨٧، وسورة (البقرة): ٢١ - ٢٢ و «تفسير ابن جرير» (ج ١ ص ١٢٦) (١).

стр. 1364

وكانوا كغيرهم من أصحاب العقول الفطرية يعقلون أن لله ذاتًا قائمة بنفسها، ولم يكن ذلك موجبًا أن يتوهَّموا أنه من جنس ما يرونه ويلمسونه، ولا مماثلًا لشيء من ذلك. فقد كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، وهم لا يرونها، ولا يسمعون كلامها، ولا يُحسُّون بمزاحمتها لهم. ويعلمون أن الله أعلى وأجلُّ وأبعدُ عن مماثلة ما يرونه ويلمسونه. وكانوا كغيرهم من الناس يعلمون أن الموجود القائم بنفسه حقيقةً لا يمكن أن يكون لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، لا قريبًا من غيره من [٢/ ٢٩٦] الذوات ولا بعيدًا عنها. فكانوا يعتقدون أن الله ﵎ فوق عرشه الذي فوق سماواته. ولم يكونوا إذا قيل لهم: يد الله ــ مثلًا ــ ليفهموا من ذلك يدًا كأيديهم، فإنهم يعلمون أن المضاف يختلف باختلاف المضاف إليه. يقال: رأس نحلة، رأس جرادة، رأس حمامة، رأس إنسان، رأس حصان؛ فيختلف كما ترى، فما بالك بنحو «يد الله»؟ مع ما قدَّمنا أنهم كانوا يعلمون أنه تعالى ليس بإنسان ولا جنِّي ولا ملَك، ولا مماثل لشيء من ذلك ولا لغيرها من مخلوقاته؛ وأنه أعلى وأجلُّ وأكبر من ذلك كلِّه، وأنهم كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم، لا يرونها ولا يسمعون كلامها ولا يدركون لها حسًّا ولا أثرًا. ويعلمون أن الله ﵎ أعلى وأجلُّ وأبعد عن مماثلة المحسوسات. والإنسان إذا كان يعرف المضاف إليه أو مثلَه أمكنه تصوُّرُ المضافِ تحقيقًا أو تقريبًا، يتأتى معه أن يقال: مثل، أو شبيه، وإلَّا لم يبقَ هناك إلا أمر إجمالي. فإذا كان المضاف إليه هو الله لم يتصور من يده مثلًا إلا ما

стр. 1365

يليق بعظمته وجلاله وكبريائه. فلا يلزم من تلك المشاركة الإجمالية أن تكون يدُه مثلَ المخلوق ولا شبيهةً بها بمقتضى لسان العرب الفطري، فإنه لا يُطلق في مثل ذلك «ذاك شبيه بهذا». وقد سبق في أواخر الكلام على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ما ينبغي تذكُّره. فينبغي استحضار هذا، لئلا يُتوهَّم أن العرب كانوا يعتقدون أن لله يدين: يَدَيْ إنسان أو مثلهما، أو يجوِّزون ذلك، أو فهموا ذلك من قول الله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وقِسْ على هذا، فإن كان في بعض النصوص ما يُوهم ظاهرُه المماثلةَ، فعقول القوم كانت قرينة كافية لصرفه عن ذلك، إلا أن تكون مماثلةٌ في مطلق أمر، فهذه قد تقدَّم تحقيقُها في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال السلفي: وليست جميعُ النصوص المتعلقة بالعقائد موافِقةً لما كان عليه العرب، فقد كانوا ينسبون إلى الله تعالى الولد، وينكرون البعث، إلى غير ذلك مما ردَّه عليهم القرآن. * * * *

стр. 1366

[٢/ ٢٩٧] المقصد الخامس إلى الثامن قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمَّق فيه، بل نقول: كلُّ ما كان حقًّا في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكلُّ ما كان باطلًا في نظرهما فهو باطل. وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بُني عليها. وحاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله ﵎ في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه. فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانَه ما هو ظاهر بيِّن، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت؛ مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن يُعدّ قرينةً تَصرف أفهامَ المخاطبين الأولين ومن كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيهما ما هو واضح كلَّ الوضوح في تثبيت تلك الظواهر. ولا يقتصر أمرهم على هذا، بل يلزمه أن يتناول الكذبُ في زعمهم جميعَ النصوص الواردة في الثناء على الله ، وعلى رسوله، وعلى كتابه، وعلى دين الإسلام= بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحو ذلك، كقول الله : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وغير ذلك مما لا يحصى. ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة تنزيهُ الله عن الكذب، وتنزيه أنبيائه عن الكذب عليه، أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزُّههم عن تعمُّدِ الكذب فيما عدا ذلك. فإن ثبت

стр. 1367

أن كلمات إبراهيم ﵇ مما يُطْلَق عليه اسمُ الكذب، فالظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مرَّ. وبالجملة فهي أشدُّ ما حكي عن الأنبياء، فقد سمَّاها إبراهيم ومحمد ﵉ «كذبات»، وسُمِّيت في الحديث (١) «خطايا»، ويرى إبراهيم ﵇ أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحيي من ربِّه . وأرى أن أوازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمِّقون بطلانَ معانيها [٢/ ٢٩٨] الظاهرة، ليتضح للناظر أنه يلزمهم أن يكون إبراهيم أصدقَ من ربِّ العالمين ــ لا من محمد فحسب ــ بدرجات لا نهاية لها. وذلك من وجوه: الأول: أن كلمات إبراهيم ثلاث فقط، لم يقع منه طول عمره غيرُها. وتلك النصوص تبلغ آلافًا، على أنهم يزعمون أن نصوص التوراة وسائر كتب الله كذلك. الثاني: أن كلمات إبراهيم في مقاصد موقتة، وتلك النصوص تعُمُّ الأزمنةَ إلى يوم القيامة. الثالث: أن كلمات إبراهيم تتعلق بالذين خاطبهم فقط، وتلك النصوص تعُمُّ حاجةَ الناس إليها إلى يوم القيامة. الرابع: أن كلمات إبراهيم في مقاصد دنيوية، ليس فيها إخبار عن الله ولا عن دينه؛ وتلك النصوص في أصل الدين وأساسه. الخامس: أن إبراهيم لم يكن عند الذين خاطبهم نبيًّا، فيشتدَّ وثوقُهم

стр. 1368

بخبره، وفي الحديث (١): «كبرتْ خيانةً أن تحدِّث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب». وتلك النصوص مخاطَب بها المسلمون الذين يؤمنون بأن القرآن كتاب الله وأن محمدًا رسول الله. السادس: أن إبراهيم لم يكن قد التزم لمخاطبيه أن لا يحدِّثهم إلا بالصدق، وتلك النصوصُ في الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] وغير ذلك. السابع: أن كلمات إبراهيم قريبةُ الاحتمال للمعنى الواقع، وتلك النصوصُ أكثرها بغاية البعد عما يزعم المتعمِّقون أنه الواقع. الثامن: أنَّ كلمات إبراهيم لم تؤكَّد، وتلك النصوص كثير منها مؤكَّدة فيما هي ظاهرة فيه غايةَ التأكيد. التاسع: أنَّ كلمات إبراهيم لم تُكَرَّر، وتلك النصوص تكرَّر كثيرٌ منها في الكتاب والسنة. [٢/ ٢٩٩] العاشر: أن حال إبراهيم كانت ظاهرةً للمخاطبين, مقتضيةً أن يترخَّص في إيهامهم. وتلك النصوصُ على خلاف ذلك، فلم تكن حالُ محمد ﵌ تقتضي إلا الصدق المحض، فأما ربُّ العالمين فما عسى أن يقال فيه!

стр. 1369

الحادي عشر: أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات، ولم يكن يمكنه قبلَ ذلك الاستعدادُ لتلك الحوادث بما يُغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها. وتلك النصوصُ على خلاف هذا لو لم تكن حقًّا. فإن الله إنما خلق الناس لعبادته، كما تقدَّم تقرِيرُه أوائلَ الرسالة، فلو كان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمِّقون لَخَلَق الله تعالى الناسَ على الهيئة التي تُرشِّحُهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة. وذلك بأن يزيد في عقولهم ويُهيِّئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرِّب إدراكَ الحق إلى أذهانهم، حتى إذا خاطبهم به في كتبه، وعلى ألسنة رسله، ونبَّههم على الدلائل القريبة في ذلك= أمكن مَن يُحِبُّ الحقَّ منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويُدركه. فنقول للمتعمِّقين: ألم يعلم الله ما يكون عليه حال الناس؟ أم علِمَ ولكن لم يَقْدِر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر؟ أم علِمَ وقَدَر، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة، فاضْطُرَّ سبحانه ــ وحاشاه ــ أخيرًا إلى الكذب والتلبيس الذي يُوقعُ الناسَ في نقيض ما خلقهم لأجله في الأصول، وحرصًا على أن يقبلوا بعض الفروع؟ (١) هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي. الثاني عشر: أن كلمات إبراهيم كان إبراهيمُ محتاجًا إليها حاجةً محقَّقة، وتلك النصوص ــ لو لم تكن حقًّا ــ على خلاف ذلك، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع. فلو بنى الشرعُ أولًا على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمِّقون أنه حقٌّ في نفس الأمر، وعلى ما يُشبهه ويقرُب منه، وسكت عن

стр. 1370

غيره مما تأباه عقولهم= لم يكن في ذلك ما ينفِّرهم عن قبول الشرع، فأيُّ حاجة دعت إلى أن يخاطَبوا بما يزعم المتعمِّقون أنه باطل؟ بل أقول: لو جاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمِّقون، وهو أن الله [٢/ ٣٠٠] ليس داخلَ العالم ولا خارجه، ثم كرَّر الدعوةَ والاستدلالَ كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله على حشر الأجساد، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو تُوجبه من أن لله ولدًا= لكان فيهم من يخضع لذلك، ثم لا يزالون يزدادون. وأنت ترى من لا يحصى من المنتسبين إلى العلم وطلبه قبلوا ذاك الأصل الجامع وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظنَّ من المتكلمين، فقلَّدوه في ذلك، وتعصبوا له، وعادَوا من يخالفه، غير مبالين بعقولهم، ولا بنصوص الكتاب والسنة، ولا بمخالفة من هو أجلُّ عندهم ممن قلَّدوه. وقد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية، ويردُّها النظر المتعمَّق فيه، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى. والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية، وكان النبي ﵌ عندهم أوسطهم نسبًا، وأفضلهم خلقًا، معروفًا بينهم بالصدق والأمانة والعدل وحبِّ الحقِّ والحرصِ عليه، لا يريد رياسةً ولا جاهًا. ثم جاءهم بالمعجزات، فلو جاءهم بذاك الأصل ونحوه، أما كان يجد منهم من يقلِّده ويتَّبعه، كما وَجَد المتعمِّقون والأفراد الآخرون، بل كما وَجَد الرسولُ نفسُه في نفي نسبة الولد إلى الله ، وفي إثبات حشر الأجساد؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر زيادة على هذا. وهَبْ أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصلَ
следующие страницы →