← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذه القطعة هي المسوَّدة الأولى للكتاب، تُبين لنا طريقة تأليف الشيخ له، وقد بدأها بترجمة الدارقطني، ثم أحمد بن الحسن بن خيرون، ثم عثمان بن سعيد الدارمي، ثم ابن أبي داود ... وهكذا بدون ترتيب في الغالب، وأحيانًا بشيء من الترتيب بداخل حرف معين، وآخر ترجمة فيها: ترجمة عمرو بن سعيد بن سالم. وكأن الشيخ كان ينشط للبحث في ترجمة معينة ومراجعتها في المصادر ثم الكتابة عنها، وينتقل إلى ترجمة أخرى، وكلما انتهى من ترجمة رجلٍ شطب على اسمه في فهرس الرجال المتكلم فيهم في «التأنيب». ثم رأى الشيخ أن الكشف عن ترجمة شخص معين في هذه المسوَّدة يصعب، ويحتاج إلى تقليب كثير من الصفحات فيها، فصنع فهرسًا للتراجم على الحروف بقيد الصفحات في آخرها (في تسع صفحات). ولما أراد تبييض هذه المسوَّدة استفاد منها في الترتيب، وزاد ونقص في كل ترجمة، وصاغها صياغةً جديدة، وأدمج بعض التراجم في بعض، وكتب التراجم التي كان يريد أن يطيل فيها أكثر، مثل ترجمة الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، والخطيب البغدادي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومسعود بن شيبة، وغيرهم، فليس في المسوَّدة من تراجمهم شيء، وكأنه أرجأ الكتابة فيها إلى وقت آخر. وبعد مقابلة الفهرس الذي صنعه الشيخ بالفهرس في النسخة المطبوعة نجد أن هناك تراجم ذُكرت في المسوَّدة لا توجد في المطبوع، فإما أنها أُدمجت في تراجم أخرى، أو حذفها الشيخ ولم يَرَ داعيًا للكلام فيها عند تبييض المسوَّدة. وهذه التراجم فيما يلي مع ذكر الصفحات:

стр. 37

٣٤ سعد بن مرزوق. ١٤٨ سلم بن سالم. ١٤٨ سلم بن عبد الله. ٤١ سليم بن عيسى. ٣٨ سليمان بن الحسان الحلبي. ٤٣ سوَّار بن عبد الله. ١٥٤ عبد الرحمن بن داور. ١٥٤ عبد الملك بن محمد. ١٥٤ عتيبة الدباب. ١٥٥ عمر بن مطرف. ١٥٥ عمر بن الهيصم. ٤٤ عمرو بن أبي عثمان الشمري. ٨٧ القاسم بن أبي صالح. ١٤٩ محمد بن أحمد بن إبراهيم الحليمي. ٨٩ محمد بن أحمد بن سهل. ١٦٢ محمد بن إسماعيل التمار. ١٦٢ محمد بن أيوب الذارع.

стр. 38

٩٠ محمد بن بشر الرقي. ٩٢ محمد بن حيويه. ١٦٢ محمد بن جعفر الخزاعي. ٩٦ محمد بن سعيد الباهلي. ٩٨ محمد بن شجاع ابن الثلجي. ٤٣ محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو بكر الشافعي. ٩٩ محمد بن عبد الوهاب الفراء الحافظ. ٧٦ محمد بن علي البلخي. ١٠٢ محمد بن مسلمة. ٥٧ محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. ١٧٠ نوح بن أبي مريم. ١٧٢ الهيثم بن خلف الحافظ. ٥٠ أبو عاصم العباداني. ١٠٧ أبو محمد. ٣٤ ابن سختويه. ١٣٠ ابن أبي يعلى. ٧٣ البربهاري.

стр. 39

وعلى كلٍّ فهذه المسوَّدة تفيدنا كيف بدأ الشيخ كتابة قسم التراجم، وما هي التعديلات والزيادات التي قام بإدخالها في المبيضة، وما هي التراجم التي حذفها أو أدمجها في تراجم أخرى. ويمكن الاستئناس بكلامه فيها، والاستفادة منها عند دراسة هذه التراجم، ولا يغني المطبوع عنها. ٣) دفتر برقم [٤٦٨١] كتب عليه أحد المفهرسين «بعض المسائل الفقهية الجنائية»! وهو في الواقع مسوَّدة القسم الثاني من «التنكيل» (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية) في ١١٥ ورقة، ويختلف ترتيبها ومادتها عن النسخة المطبوعة، وفيما يلي ذِكْر عناوين المسائل من المسودة ورقمها في المطبوع: ١ - أقل ما يقطع سارقه: الورقة ١ - ٧٣ (= رقم ١٤). ٢ - القتل بالمثقّل: الورقة ٩ ب- ٢٣ ب (= رقم ١٢) كتب في صفحات (ب) منها فقط، أما (أ) فالكلام فيها مستمر على المسألة السابقة. ٣ - المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخف، ولا فدية عليه: الورقة ٧٤ (= رقم ٥). ٤ - العقيقة: الورقة ٧٤ (= رقم ١٠). ٥ - الطلاق قبل النكاح: الورقة ٧٦ (= رقم ٩). ٦ - درهم وجوزة بدرهمين: الورقة ٧٩ (= رقم ٦)، وفي آخر الدفتر صفحتان في هذه المسألة، وقد شطب على كثير منهما. ٧ - القضاء بشاهد ويمين: الورقة ٨٢ - ١١١ (= رقم ١٥). ٨ - لا تعقل العاقلة عبدًا: الورقة ١١٢ - ١١٥ (= رقم ١٣).

стр. 40

وبهذا الاستعراض يظهر أن المؤلف لم يتكلم في هذه المسوّدة على جميع المسائل السبع عشرة المذكورة في المطبوع، وإنما تناول ثمانيًا منها، وأطال الكلام في مسألتي أقل ما يقطع فيه السارق، والقضاء بشاهد ويمين. وكثير من صفحات المسوَّدة مضروب عليها، وفي مواضع منها إشارة إلى اللحق والتكملة. وقد كتب الشيخ في أكثر المسائل من جديد، وصاغها صياغةً تختلف اختلافًا كبيرًا عن المسوَّدة بالزيادة والنقص، ولذا ينبغي الاعتماد على ما أقرَّه أخيرًا وطُبع. إلّا أن هذا لم يمنعنا من مراجعة هذه المسوّدة في مواضع عديدة كان فيها خطأ أو خلل في المطبوع، فاستفدنا التصحيح منها ونبَّهنا عليه غالبًا. ٤) قطعة برقم [٤٧٠٦] تحتوي على مباحث البابين الأول والثاني من «القائد»، في أولها سبع ورقات متفرقة من الباب الأول (٢/ ٢١٠ - ٢٣١)، ثم ١٢ صفحة من أول الباب (= ٢/ ٢٠٣ - ٢١٠)، ثم ٧ ورقات (= ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٤)، ثم أوراق متفرقة ومتناثرة من البابين (= ٢/ ٢٤٥ - ٢٦١). وفي أثنائها بعض الأوراق التي لا علاقة لها بالكتاب، مثل الورقتين (٢٧ و ٤٨) اللتين من «أصول التصحيح»، والأوراق (٢٨ - ٣١) من «التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي». وقد كتب المفهرس في المكتبة عنوان هذه القطعة: «أوراق من كتاب العبادة ورسائل متفرقة»! وهو غلط محض، فلا علاقة لها بكتاب «العبادة». ٥) دفتر برقم [٤٦٧٥] تتعلق عشرون صفحة منه بالقسم الرابع من الكتاب (القائد)، وتشتمل على تمهيد ومقدمة وفصل بعنوان «نصوص

стр. 41

الكتاب والسنة وما كان عليه السلف». تبدأ هذه القطعة بعد البسملة بقول المؤلف: «الأستاذ مولع بالطعن في عقيدة أهل الحديث، فتعرَّض في «التأنيب» لذلك في مواضع، تارةً لأنه جاء في بعض الروايات نسبة ما يخالف ذلك إلى أبي حنيفة، فزعم الأستاذ أن الطعن إنما يلزم الطاعن. وتارةً في القدح في بعض الرواة بقوله «مجسّم»، «زائغ»، «حشوي» ونحو ذلك. فأحببتُ أن ألخّص شيئًا من ذلك، راجيًا أن يوفقني الله تعالى للاعتصام بالحق، وينفع بذلك مَن شاء مِن خلقه». ثم عنون بقوله «مقدمة» ذكر فيها أن الاعتقاد هو جزم الإنسان في نفسه بثبوت أمر أو انتفائه، وهذا الجزم على ثلاثة أضرب: الأول ما يحصل للناس عادةً بدون حاجة إلى فضل نظر. الثاني: ما يحصل بفضل نظر تكفي في مثله العقول الفطرية. الثالث: ما يحصل بنظر دقيق لا تكفي لمثله العقول الفطرية، بل لابد من تربية العقل وتمرينه شيئًا فشيئًا حتى يتأهل لذلك النظر. فصَّل المؤلف الكلام على هذه الأقسام، وبيَّن ضرر القسم الثالث، وانتقد منهج المتكلمين. ثم عنون بقوله «نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف». ذكر فيه منهج السلف في الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة في العقيدة، وقرَّر ذلك من ستة وجوه، وبيَّن الفرق بين منهجهم ومنهج المتكلمين. وبه تنتهي هذه القطعة. وفي هذا الدفتر أيضًا ٤٥ ورقة تبدأ بعنوان «الخاتمة في الاعتقاديات» قال فيه: «تعرَّض الأستاذ في «التأنيب» للكلام في مسائل من العقائد، وطعن بها في جماعة من الأئمة وحفّاظ الآثار ونَقَلَتها، ووعدتُ النظر في ذلك. فها

стр. 42

أنا أتجشم الوفاء بما وعدتُ، سائلًا الله ﵎ أن يعصمني بالحق بفضله ورحمته». ثم كتب «مقدمة فيها فوائد»، وشطب على «مقدمة فيها». ذكر فيها تسع فوائد، منها الكلام على قول أهل العلم: لا يجوز التقليد في العقائد، وأن المطلوب في العقائد اليقين القاطع، وبيان منهج المتكلمين في دفع حجة المخالف، وادعاؤهم الاعتماد على البراهين القاطعة. ثم ذكر ستة فصول تحدث فيها عن منهج السلف ومنهج المتكلمين في تقرير العقيدة، وبيَّن أن الله تعالى لم يكلِّف عبادَه الخوض في المعقولات والتعمق فيها، واستعرض تاريخ نشوء البدع إلى زمن المأمون وما وقع في عهده من المحنة وآثارها فيما بعد، وتأليف كتب السنة للرد على الجهمية وغيرهم وغرض المؤلفين فيها. ثم عنون بقوله: «مطالب: آرَاء الخائضين في الاعتقاديات في نصوص الكتاب والسنة هل يُحتجُّ بها فيها»، ذكر فيه رأي ابن سينا والفخر الرازي وغيرهما، وردَّ عليهم بتفصيل. وفي آخر الدفتر أوراق في الكلام على مسألة العلو والاستواء وكلام الله تعالى. ويبدو أن ما في هذا الدفتر كتابة أولية لبعض المباحث المتعلقة بالعقائد وبيان منهج السلف فيها، والفرق بينه وبين منهج المتكلمين الخائضين في المعقولات. ثم أراد الشيخ أن يبسط هذه الموضوعات ويتوسع في الكلام عليها، فألَّف القسم الرابع من الكتاب (القائد)، ووفّى الموضوعات السابقة حقَّها من الدراسة والبحث. وفيه مناقشة آراء الفلاسفة والمتكلمين في

стр. 43

الاحتجاج بنصوص الكتاب والسنة في مباحث العقيدة، مثل ابن سينا والغزالي والرازي وغيرهم. * طبعات الكتاب طبع الكتاب أول مرة سنة ١٣٨٦ في المكتب الإسلامي بدمشق، وقام على طبعه وتحقيقه والتعليق عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، كما سبق. وقد طبعت معه طليعة التنكيل أيضًا. ثم صدرت عدة طبعات من الكتاب مصورة من الطبعة الأولى أو مأخوذة عنها، دون إذن من ناشره ومحققه، غير أن إحداها جعلته بتحقيق الشيخ الألباني والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وأثبتت الاسمين على الغلاف، كما ذكر الشيخ الألباني في مقدمة الطبعة الثانية الصادرة من مكتبة المعارف بالرياض. وفي سنة ١٤٠٦ أخرج المكتب الإسلامي بدمشق الطبعة الثانية من الكتاب، مع التغيير في ملامحه الخارجية والتصرف في محتواه الداخلي على الوجه الآتي: ١ - أثبت على الغلاف الخارجي بعد عبارة «مع تخريجات وتعليقات» ثلاثة أسماء في سطر واحد على هذا الترتيب: محمد ناصر الدين الألباني، زهير الشاويش، عبد الرزاق حمزة. لكن الغريب أن هذا الترتيب انقلب في الغلاف الداخلي للجزء الأول هكذا: عبد الرزاق حمزة، محمد ناصر الدين الألباني، زهير الشاويش؛

стр. 44

فصار الشيخ عبد الرزاق حمزة هو المحقق الأول! ٢ - أضيف إلى هذه الطبعة شيئان: الأول مقال للشيخ محمد بهجة البيطار نشره في مجلة الرابطة العربية بمصر سنة ١٣٥٧ بعنوان «الكوثري وتعليقاته». والثاني رسالة «المقابلة بين الهدى والضلال حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه» للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة بتحقيق عبد الله صالح المدني الفقيه، بعد حذف مقدمته. وقد أشار إلى ذلك الأستاذ زهير الشاويش في مقدمته لهذه الطبعة قائلا: «فهذه الطبعة الثانية من التنكيل ... أقدمها للقراء بعد العناية المتوجبة لهذا الكتاب القيم، الذي بذل فيه مؤلفه وأساتذتي العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي، والعلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة، والعلامة الشيخ محمد بهجة البيطار، والمحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ما بذلوه فيه من جهد، مضيفًا إلى جهدهم الكريم بعض التيسير والتعليق والإضافة، مع إعادة صف الكتاب بحروف جديدة واضحة، وتصحيح وترتيب يتناسب والأهمية التي يستحقها». ٣ - حذف من الكتاب الباب الرابع منه، وهو الذي عنوانه: «القائد إلى تصحيح العقائد» بحجة «أنه بحث خاص، وعمل غير مرتبط بما سبق». وقد أشار الشيخ الألباني إلى هذه التغييرات التي حصلت في هذه الطبعة التي صدرت دون استئذان منه، ثم قال: «وأما ما يتعلق بما في داخلهما (يعني هذه وطبعة أخرى ذكرها) من الأخطاء المطبعية، فهذا بحر لا ساحل له، فإنها من طبيعة الطبعات التجارية المسروقة».

стр. 45

وهذا ما دفع الشيخ لإعادة طبع الكتاب في جهة أخرى، فطبعته مكتبة المعارف في الرياض مصورًا من الطبعة الأولى، وسميت بالطبعة الثانية مع التنبيه على كونها «مصححة منقحة»، وصدرت في سنة ١٤٠٦، وهي السنة التي صدرت فيها طبعته «الثانية» من المكتب الإسلامي. ثم صدرت الطبعة الثالثة من مكتبة المعارف بالرياض سنة ١٤٢٦، وهي مصورة من الثانية، فلا فرق بينهما. وقد جاءت طبعتا مكتبة المعارف على غرار الطبعة الأولى، فاشتملت بعد مقدمة المحقق على ترجمة المؤلف (ص ٩ - ١٤) بقلم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، وعليها تعليقات للشيخ محمد نصيف؛ ثم كتاب «طليعة التنكيل» (١٥ - ٧٧)، ثم كتاب «التنكيل» الذي استغرق مع الفهرس من الجزء الأول ٥٤٨ صفحة، ومن الجزء الثاني ٤١٤ صفحة. ونبَّه الشيخ الألباني ﵀ في مقدمته على أنه ميَّز تعليقاته على الكتاب بالرمز لها بحرف النون، وأن في القسم الرابع من الكتاب تعليقات للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وقد رمز لها بحرفي (م ع)، وربما صرَّح باسمه. أما التعليقات التي لا رمز لها، فذكر الشيخ أنها للمؤلف غالبًا. قد استعمل الشيخ كلمة «غالبا»، فهل بعض التعليقات الغُفْل لشخص مجهول غير المؤلف والمحقق والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة؟ أو يقصد أن بعضها له هو، ولكن فاته وضع الرمز في آخرها؟ مثل هذه التعليقات التي ليست للمؤلف وليس في آخرها رمز النون

стр. 46

يبلغ عددها نحو ثلاثين تعليقًا بين طويل وقصير. وكثير منها لا يخفى أنها للشيخ الألباني فإنه أشار فيها إلى بعض مؤلفاته، ومنها ما يقطع نصه بأنه ليس للمؤلف، ولكن لا يدل على صاحبه. ومنها ما قد يشتبه أمرها على القارئ، فلا يبعد أن ينسبه إلى المؤلف. ومن أمثلة هذه التعليقات الغفل: تعليقان في أول الكتاب (١/ ٥): التعليق الأول على كلمة «يعيد» الواردة في كلام المؤلف: «بل يعيد الملحدون الإسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من روى ... »، فقال المعلق: «كذا في الأصل، ولعله (يتخذ)». لا شك أن هذا التعليق للمحقق، لا للمؤلف. والتعليق الثاني على قول المؤلف في وصف «تأنيب الخطيب»: «ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة». قال المعلق: «مع أنه يشير في صفحة ١٤ من (الترحيب) إلى كتب ابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويقول: «طبع كثير منها تحت ظلال الحرية ... بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها تمهيدًا للإضلال بأقاويلهم»! ». هذا التعليق يجوز أن يكون للمؤلف، ولكن نرجح أنه للمحقق، فإنه ختم التعليقات التي قبل هذين في ص ٣ وص ٧ بكلمة «المؤلف» بين هلالين صغيرين، فكأنه أراد في بداية أمره أن يميز بهذه الطريقة تعليقات المؤلف، ويترك تعليقاته هو دون رمز. ثم غيَّر رأيه، وعكس الأمر، فختم تعليقاته بحرف النون، وترك تعليقات المؤلف دون رمز. ولكن ليته التزم منهجه، فلم يترك نحو ثلاثين تعليقًا منها غُفْلًا! ثم إن كان فاته وضع الرمز في الطبعة الأولى، فما الذي منعه من استدراك الأمر في الطبعة الثانية «المصححة المنقحة»؟

стр. 47

فإن قيل: إن التعليقات الغفل المذكورة ظاهرة الدلالة على أنها للمحقق، لا للمؤلف، ومن ثم لا يضرها عدم وجود الرمز. قلنا: ليس الأمر كذلك، بل قد يشتبه بعضها على القارئ كما سبق، ثم إن التعليقات التي حرص الشيخ على إثبات الرمز في آخرها، كثير منها أشد ظهورًا من تلك الغفل على كونها للمحقق. وقد بذل الشيخ الألباني ﵀ جهدَه في تصحيح النص، ومع ذلك لا يستغرب أن تندّ أخطاء من أخطاء الطبع وغيره، وإليكم نماذج منها: - المجلد الأول ص ٣٨ س ١٤ «إلى صدقه». الصواب: لي صدقُه. وقد صحح هذا الخطأ في الطبعة الثانية الصادرة من المكتب الإسلامي. - ص ٦٤ س ٤: «على ابن معين». الصواب: عن ابن معين. - ص ٦٥ س ١٣: «سئل عن إسحاق». الصواب: سئل عن ابن إسحاق. - ص ٨١ س ١٤: «عاصم وغيره عن قتادة». الصواب: عاصم وغيره عن معاذة. - ص ١١٠ س ٢: «عبد الله أبان الهيتي». الصواب: عبد الله بن أبان الهيتي. - ص ١٣٠ السطر الأخير: «دخل بغداد نخلًا». الصواب: نخَلَ بغداد نخلًا. - ص ١٣٣ السطر الأخير: نقل المؤلف عبارة من «تذكرة الحفاظ»

стр. 48

جاء فيها: «دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي». «الحسن» تحريف طريف لكلمة «الجنّ». انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٨٢. - ص ١٥٤ س ١٠: «من طريق ابن عبد الحكيم». الصواب: من طريق ابن عبد الحكم. وقد تكرر هذا التحريف في عدة مواضع. انظر هذا المجلد ص ١٥٥ س ١٥، ص ٢٩١ س ٩، ص ٤٥٤ س ٨. - ص ١٧٣ س ١٥ «وبذلك علل [و] أمر ابنه بالكتابة عنه». زاد المحقق واو العطف بين معكوفين، إذ ظن «أمر» فعلًا ماضيًا، وهو مصدر مفعول به للفعل «علَّل» مضاف إلى «ابنه». - ص ٢٠٢ س ٢: «كتب عن الحسن بن محمد الخلال». الصواب: كتب عنه الحسن .... - ص ٢٣٩ س ٢١: «من أقال نادمًا عثرته». سقط هنا بعد «نادمًا»: أقال الله. - ص ٢٨٨ س ٤: «سمعت هبة الدين ... ». الصواب: هبة الله. - ص ٣٠٣ س ٩: «يبالغون في سبيل ... ». الصواب: يبالون .... - ص ٣٥٠ س ٨: «علي بن جرير البارودي». الصواب في نسبه: الباوردي، بتقديم الواو على الراء. - ص ٣٥٠ س ١٣: «بن قهزاز». الصواب: بن قهزاد، بالدال مكان الزاي الثانية. - ص ٤١١ س ٩: «أبي عمر الزاهي». الصواب: أبي عمر الزاهد.

стр. 49

- المجلد الثاني ص ١٠٣ س ٥: «وفي (مسند أحمد) ج ٢ ص ١٨». والصواب: «ج ٢ ص ١٨٠». - ص ١٠٨ س ١٢: «سفيان عن الحكم». والصواب: «سفيان عن منصور عن الحكم». - ص ١٠٩ س ٩: «عن أيمن بن أم أيمن ــ قال أبو الوليد ... ». سقط بعد «أيمن بن أم أيمن» سطران لانتقال النظر، فاستدركناهما من المخطوط. - ص ١١٦ س ٦ - ٧: «لأن ابن عيينة كان يحدّث من كتابه». والصواب: «كان يحدث من حفظه، وشجاع كان يحدث من كتابه». وهذا السقط استدركناه من المخطوط. - ص ١٤٣ س ٧: «وذلك يدرء الحدَّ ... ». والصواب: «وذلك بِدَرْء الحدِّ ... ». - ص ١٦٥ س ١٨: «ولكن هل قلتم ... ». والصواب: «ولكن هلَّا قلتم ... ». - ص ١٨٩ س ١٣: «وملجأ الهدى ... ». والصواب: «وملجأ الهوى». - ص ٣٠٠ س الأخير: «لو كانت لما يزعم». والصواب: «كما يزعم». - ص ٣٤٧ س ٧: «لم يعتمدوا الباطل». والصواب: «لم يتعمَّدوا الباطل». وقد بقيت هذه الأخطاء دون تصحيح في الطبعة الثانية «المصححة المنقَّحة» أيضًا.

стр. 50

* منهج التحقيق اشتركنا نحن الثلاثة في تحقيق الكتاب والتعليق عليه، وقد قام أولًا محمد أجمل الإصلاحي بمقابلة النص على الطبعة الأولى للكتاب وضبطه، ووضع علامات الترقيم وتغيير الفقرات، ثم قام ثانيًا علي بن محمد العمران بتحقيق المجلد الأول منه بمراجعة نصوصه في المصادر وتخريج أحاديثه والتعليق عليه بما يلزم، وقام محمد عزير شمس بتحقيق المجلد الثاني كذلك، وشارك في التصحيح والمقابلة والمراجعة أخونا الشيخ نبيل بن نصار السندي. ومنهجنا في التحقيق هو الذي سِرنا عليه في بقية الكتب التي أصدرناها في هذه الموسوعة وغيرها، من الاهتمام بتحقيق النصّ وضبطه بالاعتماد على الأصول، مع الإشارة إلى ما فيه من وهم أو خطأ، والتعليق عليه بما يفيد، وتخريج الأحاديث والأخبار والأشعار والنصوص من المصادر باختصار، وربط كلام المؤلف بعضه ببعض، وغير ذلك من الأمور التي تدعو إليها الحاجة. ولما لم نجد مبيضة المؤلف للكتاب اعتمدنا على طبعة الكتاب الأولى، مع الاستفادة من المسوَّدات التي سبق وصفها، والتي تختلف اختلافًا كبيرًا عن المطبوع. وقد كان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني علَّق على الكتاب تعليقات قليلة متفرقة، وعزا بعض الأحاديث وحكم عليها، وعلَّق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة على مواضع من «القائد»، فأبقينا من هذه التعليقات ما ينسجم مع المنهج الذي سرنا عليه، ونسبناه لصاحبه.

стр. 51

وكان في مواضع من النصّ بين معكوفين زيادات على كلام المؤلف، لم نُثبت أكثرها، لأن النصّ واضح ويُعطي المعنى بدونها، إلّا في بعض المواضع التي لا يستقيم الكلام بدونها، وقد قمنا بمراجعة المسوَّدات فيها واستفدنا منها في التصحيح. وقد جعلنا كلام الكوثري الذي ينقله المؤلف بين هلالين ( ... ) بخط أصغر لتمييزه عن كلام المؤلف، وقمنا بمراجعة كتاب «التأنيب» للتأكد من نصّه المنقول، وصححنا بعض التطبيعات الواقعة فيه. وقد كان المؤلف ﵀ يضيف بعض التصحيحات أو التنبيهات في كلام الكوثري ويجعلها بين معكوفين [ ... ] هكذا. وهكذا صنع أيضًا في النقول التي ينقلها من «تاريخ بغداد»، وكنا نحن بدورنا نراجع «التاريخ» بطبعتيه: القديمة، والطبعة التي بتحقيق د. بشار عوّاد، وننبّه إلى ما يقتضيه المقام. وكان عزو الكوثري والشيخ إلى الطبعة الأولى من الكتاب قبل إضافة التعليقات إلى المجلد الثالث عشر الذي فيه ترجمة أبي حنيفة، فألحقنا بين معكوفين [ ... ] أرقام الصفحات للطبعة المتداولة، وهي تزيد على الطبعة الأولى بنحو ١٠ إلى ٢٥ صفحة تقريبًا. وقد اقتضى كل قسمٍ من الأقسام الأربعة للكتاب عنايةً خاصّة، فالقسم الأول (القواعد) احتاج إلى مراجعة كتب المصطلح والرجال، لتوثيق أقوال أئمة الجرح والتعديل ونقّاد المحدثين في هذه الموضوعات، وزيادة توضيحها، وتأييد كلام المؤلف فيها. أما قسم (التراجم) فقد قمنا فيه بمراجعة جميع المصادر التي أحال إليها المؤلف، وغيرها من كتب الجرح والتعديل والتاريخ والتراجم، واستفدنا منها في التصحيح والتعليق، وبيَّنا إذا

стр. 52

كان في الكتاب أو في المصادر خطأ أو وهم. وفي قسم (الفقه) تمت مراجعة كتب الفقه والحديث للمحدثين والحنفية، للتأكد من صحة النصّ وسلامته من التصحيف والتحريف. أما القسم الرابع (القائد) فقد تطلَّب منا الرجوع إلى كتب الفلاسفة والمتكلمين وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، بالإضافة إلى المصادر التي نقل منها المؤلف. وبعد الفراغ من تحقيق الكتاب أُعِدّت له فهارس لتيسير الاستفادة منه، وسرعة الوصول إلى المطلوب، وهو مليء بالأبحاث والتحقيقات النادرة التي قلّما توجد في غيره بهذا التحرير والتنقيح. وفي الختام نرجو أننا قد وُفِّقنا لخدمة هذا الكتاب الجليل وإخراجه كما ينبغي، وندعو الله أن ينفع به طلّاب العلم وأهله، ويهدينا جميعًا إلى الحق والصواب فيما اختُلف فيه، إنه سميع مجيب.

стр. 53

نماذج من المخطوطات

стр. 54

مقدمة التنكيل، نماذج من النسخ الخطية

стр. 55

التَّنْكِيلُ بِما في تَأنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأباطِيل تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٨٦ تحقيق علي بن محمد العمران

стр. 56

[١/ ٣] (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. أما بعد: فهذا كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، تعقّبتُ فيه ما انتقدته من كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري مما يتعلق بالكلام في أئمة السنة ورواتها، غير عامد إلى ذبٍّ عن الإمام أبي حنيفة ولا خلافه. ورتبتُه على أربعة أقسام: الأول: في تحرير قواعد خلط فيها الأستاذ. الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين تكلّم فيهم الأستاذ، وأفرادٍ حاول الدفاع عنهم. الثالث: في النظر في مسائل فقهية تعرّض لها. الرابع: في تثبيت عقيدة السلف التي طعن الأستاذ فيها وفي المعتصمين بها، ومسائل اعتقادية تعرّض لها.

стр. 57

وقد قدَّمتُ قبل هذا نموذجًا من مغالطاته طبع بمصر بعنوان "طليعة التنكيل" (١)، [١/ ٤] وأجاب عنها برسالة سماها "الترحيب بنقد التأنيب" (٢)، سأنظر فيما يُلتفت إليه مما فيها في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وأسأل الله التوفيق. وأقدِّم فصولًا.

стр. 58

١ ــ فصل المقصود الأهمّ من كتابي هذا هو ردُّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات رواتها. والذي اضطرني إلى ذلك أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها، ومعرفة العربية، وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه= إنما مدارها على النقل، ومدارُ النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضرابِهم؛ فالطعنُ فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله، بل في الدين من أصله. وحسبك أنَّ مِن المقرّر عند أهل العلم: أنه إذا نُقِل عن جماعة من الصحابة القولُ بتحريم شيء، ولم يُنقَل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قولٌ بالحِلِّ، عُدَّ ذاك الشيء مُجمعًا على حُرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حِلِّه. فإن ذهب إلى حِلِّه غافلًا عن الإجماع كان قوله مردودًا، أو عالمًا بالإجماع فمِن أهل العلم من يضلِّله، ومنهم من قد يكفِّره. لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قولٌ بحلِّ ذلك الشيء كانت المسألة خلافية، لا يُحظَر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذلك الصحابي، أو بقول مفصّل يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء؛ ولا يحرم على المقلد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل، إما على سبيل الترجيح والاختيار إن كان أهلًا، وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه. وثبوتُ ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقَّف على ثقة رجال السند إليه، والعلمُ بثقتهم يتوقّف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكلٍّ منهم، والاعتدادُ بتوثيق الموثِّق يتوقَّف على العلم بثقته في نفسه وأهليته، ثم على

стр. 59

صحة سند التوثيق إليه، وثقتُه في نفسه تتوقف على أن يوثّقه ثقةٌ عارف، وصحةُ سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والثقة لرجاله، وهلم جرًّا. والسعيُ في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق، أو الطعنُ فيه بغير حق سعيٌ في إفساد [١/ ٥] الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه. فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية، أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين كان الأمر أشدَّ جدًّا كما يعلم بالتدبر. ولولا أن أُنسب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة، يترتب على الطعن فيهم ــ زيادةً على محاولة إسقاط رواياتهم ــ محاولةُ توثيق جمٍّ غفير ممن جَرّحوه، وجرحُ جمٍّ غفير ممن وثّقوه. ففي "التأنيب" الطعن في زُهاء ثلاثمائة رجل، تبيّن لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظًا، وجماعةٌ من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟! على أن الأمر لا يقف عندهم، فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتهم غير محصورة، فيمكن كلَّ من يهوى ردَّ شيء من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثّقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك. بل يعدُّ (١) الملحدون الإسلامَ نفسَه ذريعةً لاتهام كلّ مَن روى مِن المسلمين ما يثبت النبوة والقرآن ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض.

стр. 60

ولو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان الخطب، ولكنه من رجل مشهور ينعتُه أصحابه بأمثال ما كُتِب على لوح كتابه "تأنيب الخطيب" الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه: "تأليف الإمام الفقيه المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... ". ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (١). ويتبعه الحنفية وهم ــ كما يقول ــ السواد الأعظم، ويتابعه في الجملة كلّ مَن تخالف السنةُ هواه من غلاة المقلدين وأتباع المتكلمين وعُبّاد القبور، ويعتضد بكلامه الملحدون. بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ، ولكن تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها. والله المستعان. * * * *

стр. 61

[١/ ٦] ٢ ـ فصل من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل. ومِن أمضى أسلحته: أن يرمي الغالي كلَّ من يحاول ردَّه إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم. يرى بعضُ أهل العلم أن النصارى أولَ ما غلوا في عيسى ﵇، كان الغلاة يرمون كلَّ من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك، فكان هذا من أعظم ما ساعد على انتشار الغلوّ؛ لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نُسبوا إلى ما هم أشدُّ الناس كراهيةً له، من بغض عيسى وتحقيره، ومَقَتهم الجمهور، وأوذوا؛ فثبَّطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان. وقريب من هذا حال الغلاة الروافض، وحال القبوريين، وحال غلاة المقلّدين. وعلى هذا جرى الأمر في هذه القضية. فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه وفي أئمة الحديث وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين، وأسْكَتَ أهلَ العلم في مصر وغيرها برمي كلّ من يهمُّ أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته. ولما اطلع الأستاذ على "الطليعة" جرَّد على صاحبها ذلك السلاح. ومَن تصفَّح "الترحيب" علم أن ذلك ــ بعد المغالطة والتهويل ــ هو سلاحه الوحيد، فهو يبدئ فيه ويعيد، ونفسه تقول: هل من مزيد! ومع ذلك يضطرب، فمن جهةٍ يقول في "الترحيب" (ص ١٥): "أخبار الآحاد على فرض ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلًا عن المتواتر، وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأمة بالتواتر".

стр. 62

ويقول بعد ذلك: "خبر الآحاد يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلًا عن مصادمته لما تواتر". ويقول (ص ١٧): "وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيُرَدُّ، حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر، على تقدير سلامة رجاله من المآخذ". ويقول (ص ٣٩): "من المقرّر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن". ويعدُّ حسناتي ذنوبًا، فيقول (ص ٩٩): "وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، [١/ ٧] فلو ذكرها كلّها مع كلام الكوثري (١) في موضوع المسألة لنبذ السامعُ نقدَ هذا الناقد في أول نظرة، لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مُسقط، فيكون ذكر المتون قاصمًا لظهره". ويقول (ص ٢٥): "ولو كان الناقد ذكر في صلب متنه الخبر المتحدَّث عنه، كان القارئ يحكم بكذب الخبر بمجرّد سماعه، لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاءً لحاله". ومن جهة أخرى يقول (ص ١٩): "وعادتي أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلُّب ضعفاء بين رجال السَّنَد (٢) بادئ ذي بدء، ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات ".

стр. 63

ويقول (ص ١٩): "ومن المضحك تظاهره بأنه لا يعادي النعمان، مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح، ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله، مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها". وأقول: أما الباعث لي على تعقُّب "التأنيب" فقد ذكرته في أول "الطليعة" (١)، وتقدم شرحه في الفصل الأول (٢). وهب أن غرضي ما زعمه الأستاذ، وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات، فلا يخلو أن يكون كلامي مبنيًّا على الأصول المألوفة والقواعد المعروفة، أو يكون على خلاف ذلك. فإن كان الأول، فلازم الحقِّ حقٌّ. وإن كان الثاني، ففي وُسْع الأستاذ أن يوضّح فساده بالأدلة المقبولة. فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين "طليعتي" و"ترحيبه" حتى يتبين لهم أقام بنقض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم أم أردف ما في "التأنيب" من تهويل ومغالطة وتمحُّل بمثلها؟ ولم يكد يضيف إلى ذلك إلا رمي مؤلف "الطليعة" ببغض أبي حنيفة! كأنَّ الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تُتّقى إلّا بالهوى، فأثاره ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمه شأنهم، ليضرب به بينهم وبين "الطليعة" و"التنكيل" حجابًا لا تمزِّقه حجة، ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدّة. [١/ ٨] والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق، ولذلك أهملتُ ذِكْر المتون لأنها خارجة عن مقصودي. ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:

стр. 64

الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة، وهو أن يطّلع عليها حنفيٌّ متحمّس، فيحمله ذكرُ المتن على أن يعرض عن كلامي البتة، ولا يستفيد إلا بُغض من نُسِب إليه المتن من الأئمة. الثانية: أن يطلع عليها رجلٌ من خصوم الحنفية، فيجتزئ بذاك المتن، ويذهب يعيب أبا حنيفة غير مبال أصحّ ذاك المتن أم لم يصح. الثالثة: أن يطلع عليها عامّي لا يميز، فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض، ويكبر ذلك عليه، ويسيء الظنَّ بهم جميعًا. فإهمال ذكر المتن يمنع هذه المفاسد كلها، ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشتُ فيها الأستاذ. والواقع أيضًا أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذمّ، ولا يلزمني قصد ذلك. ومن تأمّل عبارات الأستاذ في الجهة الأخرى كما قدَّمتها بان له صحة قولي. وأزيدُ ذلك إيضاحًا وشرحًا وتتميمًا، فأقول: وعامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في بعض رجال تلك الأسانيد، وقد وافقته على ضعف جماعة منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقةَ رجلٍ مِن رجال السند، ثبوتُ ثقةِ غيره. بل الأمر أبعد من ذلك، فإن المقالة المسندة، إذا كان ظاهرها الذم أو ما يقتضيه، لا يثبت الذمُّ [بها] (١) إلا باجتماع عشرة أمور: الأول: أن يكون هذا الرجل المعيَّن الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.

стр. 65

الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلّهم ثقات. الثالث: ظهور اتصال السند ظهورًا تقوم به الحجة. الرابع: ظهور أنه ليس هناك علة خفية يتبين بها انقطاع، أو خطأ، أو نحو ذلك مما يوهن الرواية. الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد تُوقع فيه الروايةُ بالمعنى. [١/ ٩] السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره. السابع: ظهور أن الذامَّ بنى ذمه على حجة، لا نحو أن يبلِّغه إنسان أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا، وهو كاذب أو غالط. الثامن: ظهور أن الذامَّ بنى ذمه على حجة، لا على أمر حمله على وجه مذموم، وإنما وقع على وجه سائغ. التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر، أو تأويل فيما أنكره الذام. العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذمّ لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة. وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية. فهذه الأمور إذا اختلّ واحدٌ منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل. والذي تصدّيتُ لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم

стр. 66

من تثبيته تثبيت الثاني، فضلًا عن الجميع. وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني، لكن لا يلزم من ذلك تثبيت الثالث، فضلًا عن الجميع. وما قد يتفق في بعض المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف، فالمقصود من ذلك كشف مغالطته، ولا يلزم من ذلك تثبيت تلك الأمور كلها. وقد يتهم الأستاذ رجلًا في رواية مع علمه بأنه قد توبع متابعة تبيِّن صدقه في تلك الرواية، فيضطرني إلى التنبيه على تلك المتابعة. وقد يشنِّع على الخطيب بإيراده روايةَ مَن فيه كلام في صدد ما زعم أنه المحفوظ عنده، ويتبين لي سقوط الشناعة من هذه الناحية، إما لأنه إنما ذكر رواية ذلك الراوي في المتابعات، وإما لأن الراوي إنما غُمز بأنه يخطئ أو يَهِم، وليس تلك الرواية مما يُخشى فيه الخطأ أو الوهم، فأحتاج إلى بيان ذلك. وكلّ هذا لا يلزم منه تثبيت تلك الأمور كلها، وأذكر هنا مثالًا واحدًا: قال إبراهيم بن بشّار الرمادي: "سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله من أبي حنيفة. ولقد أتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها. قال: هاتها. فهل سمعتم أحدًا أجرأ على الله من هذا! ". هذه الحكاية [١/ ١٠] أول ما ناقشت الأستاذ في بعض رجال سندها في "الطليعة" (ص ١٢ - ٢٠) فإنه خبط في الكلام في سندها إلى الرمادي بما ترى حاله في "الطليعة". وتكلم في الرمادي، وستأتي ترجمته. وزاد في "الترحيب" فتكلم في ابن أبي خيثمة بما لا يضره. وذكر ما قيل أن ابن عيينة اختلط بأخرة، وهو يعلم ما فيه، وستأتي ترجمته. وقد ذكر الأستاذ في

стр. 67

"التأنيب" جوابًا معنويًّا جيدًا، ولكنه مزجه بالتخليط، فقال بعد أن تكلّم في السند بما أوضحت ما فيه في "الطليعة": "وابن عيينة بريء من هذا الكلام قطعًا بالنظر إلى السند". كذا قال. ثم قال بعد ذلك: "وأما من جهة المتن فتكذِّب شواهدُ الحال الأخلوقةَ تكذيبًا لا مزيد عليه ... رجل يبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها، ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبُّث ولا تريّث". كذا قال. وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسألة واحدة، فضلًا عن مائة ألف. ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألة واحدة، فضلًا عن مائة ألف، فضلًا عن أن يكون ذلك كلّه بين عشية وضحاها. وكان يمكن الأستاذ أن يجيب بجواب بعيد عن الشَّغَب كأن يقول: يبعد جدًّا أو يمتنع أن تُجمع في ذاك العصر مائة ألف مسألة، ليأتي بها رجل من خُراسان، ليسأل عنها أبا حنيفة. وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون السائل إنما أراد: أتيتك بمسائل كثيرة، فبالغ. وإما أن يكون بطَّالًا لم يأت ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد إظهار التشنيع والتعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذاك الجواب الحكيم. فإن كان الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز، ففي ذاك الجواب إرغامه. وإن كان عنده مسائل كثيرة نظر فيها أبو حنيفة على حسب ما يتسع له الوقت، ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب. فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بين الأستاذ ذلك في "التأنيب" (١)) فكأنه كره قول أبي حنيفة: "هاتها"، لما يشعر به من

стр. 68

الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة. وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم ــ إذا سئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه ــ أن يفتي، للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلّا يبقى الناسُ حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في [١/ ١١] قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما فيه فساد العلم والدين. ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني، وإن حمدنا الفريق الأول حيث يكفّ أحدُهم عن الفتوى مبالغةً في التورُّع واتكالًا على غيره حيث يوجد. فأما الجرأة فمعناها الإقدام، والمقصود هنا كما يوضّحه السياق وغيره: الإقدام على الفتوى؛ فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله. وهذا إذا كان عن معرفةٍ موثوقٍ بها فهو محمود، وإن كرهه المبالغون في التورُّع كابن عيينة. وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: "لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمتُ أنه أوتي علمًا" (١). وعنه أيضًا أنه قال: أكثر أبو هريرة. فقيل له: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (٢)؟ راجع "الإصابة" (٣) (ترجمة ابن عباس وترجمة أبي هريرة). وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود. وقد روى الخطيب نفسه ... الحكايتين اللتين ذكرهما الأستاذ في "التأنيب". فهذا وغيره يدلّ على

стр. 69

بُعد أبي حنيفة عن الجرأة المذمومة. فأما إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة، فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى باب عظيم النفع في فهم ما يُنقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض. وحاصله: أن أكثر الناس مُغْرَون بتقليد من يعظُم في نفوسهم والغلوِّ في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ، والدليل قائم على خلاف قوله في كذا، فدلَّ ذلك على أنه أخطأ، ولا يحلّ لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه= قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه، فالظاهر أنه قد عَرف ما يدفع دليلَكم هذا. فإن زاد المنكرون فأظهروا حُسْن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلوّ متبعيه. خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفَّهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة، فقال: "والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي". أخرجه البخاري في "الصحيح" (١) من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار. [١/ ١٢] فلم يؤثِّر هذا في كثير من الناس، بل رُوي أن بعضهم أجاب قائلًا: "فنحن مع من شهدْتَ له بالجنة يا عمار" (٢). فلهذا كان من أهل العلم والفضل مَن إذا رأى جماعةً اتبعوا بعض

стр. 70

الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه ــ إمّا لأنّ حالهم غير حاله، وإما لأنه يراه أخطأ ــ أطلق كلمات يظهر منها الغضُّ مِن ذاك الفاضل، لكي يكفَّ الناس عن الغلوِّ فيه الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه. فمِنْ هذا ما في "المستدرك" (٢ ص ٣٢٩) " .... عن خيثمة قال: "كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في نفر، فذكروا عليًّا، فشتموه، فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله ﷺ ... فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك ويُسَمِّيك (١) "الأخنس". فضحك سعد حتى استعلاه الضحك، ثم قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلغ ذلك أمانته .... ". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، وأقرَّه الذهبي. وفي "الصحيحين" (٢) وغيرهما عن عَليّ ﵁ قال: "ما سمعت النبي ﵌ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد ارمِ فداك أبي وأمي". وتُروى عن عَليّ كلمات أخرى من ذا وذاك. وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة، فكان عَليّ إذا كان في جماعة يخشى أن يتّبعوا سعدًا في القعود ربما أطلق غير كاذب كلماتٍ تُوهم الغضَّ من سعد. وإذا كان مع مَن لا يخشى منه القعود، فذكر سعدًا، ذَكَر فضله. ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكًا من إطلاق كلمات فيها غضٌّ من مالك، مع ما عُرف عن الشافعي من تبجيل

стр. 71

أستاذه مالك. وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: "مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين" (١) كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى (٢). ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدمة "صحيحه" (٣) مما يظهر منه الغضُّ الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عُرِف عن مسلم تبجيلُه للبخاري. وأنت إذا تدبّرتَ تلك الكلمات وجدتَ لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد (٤). وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حيّ من "تهذيب التهذيب" (٥) كلمات قاسية أطلقها بعض [١/ ١٣] الأئمة فيه مع ما عُرِف من فضله، وفيها: "قال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن (بن صالح) بن حيّ، فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم؛ ومن أطراهم كان أضرَّ عليهم". أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى

стр. 72

معذورون مأجورون فيما أخطؤوا فيه، كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحرِّي الحق؛ لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلوِّ في تقليدهم. على أن الأستاذ إذا أحبَّ أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأن ابن عيينة كان يعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعلّ ابن عيينة رأى أناسًا قاصرين عن رتبة أبي حنيفة، يتعاطَون مثل ما كان يقع منه من الإكثار من الفتوى والإسراع بها، غير معترفين بقصورهم، اغترارًا منهم بكثرة ما جمعوا من الأحاديث والآثار؛ فاحتاج ابن عيينة في ردعهم إلى تلك الكلمة القاطعة لشغبهم. والله أعلم. * * * *

стр. 73

٣ ــ فصل حاول الأستاذ في "الترحيب" (١) التبرّؤ مما نُسِب إليه في "الطليعة" من الكلام في أنس ﵁ وفي هشام بن عروة بن الزبير، وفي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. فأما كلامه في أنس، فتراه وما عليه في "الطليعة" (ص ٩٨ - ١٠٦) (٢) ويأتي تمامه في ترجمته إن شاء الله تعالى (٣). وينبغي أن يُعلَم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومَن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة؟ كما أشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص ٢٤) إذ قال: "وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في "المؤمل" لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحرِّيًا بالغًا في المرويات يدلّ على عقلية أبي حنيفة الجبارة". [١/ ١٤] فزادنا مع أنس جماعةً من الصحابة ﵃، وإلى ما غالط به من الترجيح الذي دفعتُه في "الطليعة" (ص ١٠٥ - ١٠٦) (٤) التصريحَ بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعضُ أولئك الصحابة.

стр. 74

هذا مع أن رواية أنس في الرَّضْخ (١) تشهد لها أربع آيات من كتاب الله ، بل أكثر من ذلك كما يأتي في "الفقهيات" (٢) إن شاء الله تعالى، ومعها القياس الجلي. ولا يعارض ذلك شيء إلّا أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدَّم قوله على ذلك كله. وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في "التأنيب" (ص ١٣٩) عند كلامه على ما رُوي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. قال الأستاذ هناك: "ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل. ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة، حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا ففرَّع عليه الفروع ... ". إلا أن يقول الأستاذ: إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب، وإنما قلّد فيها بعضَ التابعين كشريح وإبْراهيم. فعلى هذا يختصّ تقديم العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة القَوَد على هذه القاعدة. أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعيّ الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول: لعل أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحد من الصحابة، بل هو موافق لغيره في أن

стр. 75

انفراد الصحابيّ مقبول على كلّ حال؛ وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث، لأنه لم يبلغه من وجهٍ يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه. وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين، فيجعله أصلًا لباب عظيم من أبواب الشرع، كشريح في الوقف، وإبْراهيم في المزارعة= فكيف يرغب عن سنة لتفرّد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت "المؤمل" (١) فرأيت عبارته تُشعر بأن الكلام فيما تفرّد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان روايةً عن النبي ﷺ . فأما التحرّي البالغ، فإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه أن يُقبَل ورَدِّ ما حقُّه أن يُرَدَّ، [١/ ١٥] فلا موضع له هنا. وإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه الردُّ، كرأي شريح في الوقف، ورأي إبْراهيم في المزارعة؛ وإلى ردِّ ما حقُّه القبول، كما يتفرّد به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كردِّ حديث الرّضْخ مع شهادة القرآن والقياس الجليّ له= فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة المخالفة له أو ذَهَل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله. وإن وقع ممن عرف ذلك كلّه، فهو تجرٍّ بالجيم لا تحرٍّ بالحاء، أو قل: تحرٍّ للباطل، لا للحق. فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يردُّ انفرادَ الصحابي ــ
следующие страницы →