← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 339

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (505 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والراجح ما عليه الجمهور أن الكذب مخالفة الخبر للواقع، لكن المتبادر من قولك: كذب فلان، أو: فلان كاذب ونحو ذلك أنه تعمَّد، فمن ثَمَّ لا يقال ذلك للمخطئ، إلا أنه ربما قيل له ذلك تنبيهًا على أنه قصَّر (راجع كتاب «الرد على الإخنائي» ص ٢١). ولما أرادت عائشة أن تنفي عن عمر وابنه التعمّد والتقصير نفت عنهما الكذب البتة. ثم رأيتُ الطحاويّ ذكر هذه القضية في «مشكل الآثار»، فذكر كثيرًا من الروايات ثم قال (١: ١٧٣) (١) ما ملخَّصه: من كذب فقد تعمّد، وذِكْر «متعمدًا» في بعض الروايات إنما هو توكيد كقولك: نظرت بعيني وسمعت بأذني، وفي القرآن ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] لم يذكر في شيء من ذلك التعمّد، كأنّ هذه الأشياء لا تكون إلا عن تعمّد، لأنه (٢) لا يكون كاذبًا ولا يكون زانيًا ولا يكون سارقًا إلا بقصده إلى ذلك وتعمُّده». وقال أبو ريَّة ص ٤١: (حديث من كذب عليَّ ليس بمتواتر .. وقد قال الحافظ ابن حجر وهو سيد المحدّثين بالإجماع وأمير المؤمنين في الحديث ما يلي .. ) فذكر عن «فتح الباري» (١: ١٦٨) (٣) اعتراض بعضهم على تواتره، وسكت، [ص ٥٢] وفي «فتح الباري» بيان الجواب الواضح عن ذاك الاعتراض، فراجعه. وقال ص ٤٢: (الكذب على النبي قبل وفاته).

стр. 142

أقول: سأنظر في هذا وما يليه إلى ص ٥٣ بعد الكلام على عدالة الصحابة الذي ذكره ص ٣١٠، فانتظر.

стр. 143

الرواية بالمعنى قال أبو ريَّة ص ٨: (ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي، ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالحديث عن أصل لفظه استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى). أقول: أنزل الله ﵎ هذه الشريعة في أمة أُمية، فاقتضت حكمتُه ورحمته أن يكلّفهم (١) الشريعة، ويُكلِّفهم حفظها وتبليغها في حدود ما يتيسّر لهم. وتكفَّل سبحانه أن يرعاها بقدرته ليتمّ ما أراده لها من الحفظ إلى قيام الساعة. وقد تقدم شيء من بيان التيسير (ص ٢٠ و ٢١ و ٢٢) (٢). ومن تدبر الأحاديث في إنزال القرآن على سبعة أحرف وما اتصل بذلك بانَ له أن الله تعالى أنزل القرآن على حرفٍ هو الأصل، ثم تكرّر تعليم جبريل للنبي ﷺ لتمام سبعة أحرف، وهذه الأحرف الستة الزائدة عبارة عن أنواعٍ من المخالفة في بعض الألفاظ للفظ الحرف الأول بدون اختلاف في المعنى (٣) فكان النبي ﷺ يلقّن أصحابه فيكون بين ما يلقّنه ذا وما لقّنه ذاك شيء من ذاك الاختلاف في اللفظ، فحفظ أصحابه كلٌّ بما لُقِّن، وضبطوا ذلك في صدورهم ولقَّنوه الناس، ورُفِع الحرج مع ذلك عن المسلمين،

стр. 144

فكان بعضهم ربما تلتبس عليه كلمة مما يحفظه أو يشقّ عليه النطقُ بها فيكون له أن يقرأ بمرادفها. فمن ذلك ماكان يوافق حرفًا آخر ومنه ما لا يوافق، ولكنه لا يخرج عن ذاك القبيل. وفي «فتح الباري» (١): «ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له». فهذا ضَرْبٌ محدود من القراءة بالمعنى رُخِّص فيه لأولئك. وكتب القرآن بحضرة النبي ﷺ في قطع من الجريد وغيره، تكون في القطعة الآية والآيتان وأكثر، وكان رسم الخط يومئذ يحتمل ــ والله أعلم ــ غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة، إذ لم يكن له شَكْل ولا نَقْط، وكانت تحذف فيه كثير من الألفات ونحو ذلك كما تراه في رسم المصحف، وبذاك الرسم عينه نُقِل ما في تلك القطع إلى صحف في عهد أبي بكر، وبه كتبت المصاحف في عهد عثمان، ثم صار على الناس أن يضبطوا قراءتهم، بأن يجتمع فيها الأمران: النقل الثابت بالسماع من النبي ﷺ ، واحتمال رسم المصاحف العثمانية. وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغييرات التي كان يترخَّص بها بعض الناس، وبقي من الأحرف الستة المخالفة للحرف الأصلي ما احتمله الرسم [ص ٥٣] ولعله غالبها إن لم يكن جميعها، مع أنه وقع اختلاف يسير بين المصاحف العثمانية، وكأنه تبعًا للقِطَع التي كُتِب فيها القرآن بحضرة النبي ﷺ ، كأن توجد الآية في قطعتين كُتِبت الكلمة في إحداهما بوجه وفي الأخرى بالآخر، فبقي هذا الاختلاف في القراءات الصحيحة.

стр. 145

ونخرج مما تقدم بنتيجتين: الأولى: أن حفظ الصدور لم يكن كما يصوِّره أبو ريَّة بل قد اعتمد عليه في القرآن، وبقي الاعتماد عليه وحده بعد حفظ الله في عهد النبي ﷺ [وأبي بكر] وعمر وسنين من عهد عثمان، لأن تلك القطع التي كُتِب فيها في عهد النبي ﷺ كانت مفرَّقة عند بعض أصحابه لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم. ثم لمّا جُمعت في عهد أبي بكر لم تُنشر هي ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه في عامة المواضع التي يحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حين استقرَّ تدوينُ القراءات الصحيحة. النتيجة الثانية: أن حال الأميين قد اقتضت الترخيص لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن مع أن ألفاظه مقصودة لذاتها؛ لأنه كلام ربِّ العالمين بلفظه ومعناه، مُعْجِز بلفظه ومعناه، مُتعبَّد بتلاوته، فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟ وإذا علمنا ما تقدَّم أول هذا الفصل من التيسير مع ما تقدم (ص ٢٠ , ٢١ و ٣٢) (١) وعلمنا ما دلَّت عليه القواطع أن النبي ﷺ مبيِّن لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأن كلّ ما كان منه مما فيه بيان للدين فهو خالد بخلود الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابة مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته (راجع ص ١٢ و ٣٦ و ٤٥ و ٤٩) (٢) وأن النبي ﷺ لم يأمرهم

стр. 146

بكتابة الأحاديث، وأقرَّهم على عدم كتابتها، بل قيل إنه نهاهم عن كتابتها كما مرَّ بما فيه (١)، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لما علموه وفهموه، وعَلِمنا أنّ عادة الناس قاطبةً فيمن يُلْقى إليه كلام المقصود منه معناه، ويؤمر بتبليغه= أنه إذا لم يحفظ لفظَه على وجهه وقد ضبط معناه لزمه أن يبلِّغه بمعناه ولا يعدّ كاذبًا ولا شِبه كاذب، علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمِرُوا بالتبليغ على ما جرت به العادة: مَنْ بقي منهم حافظًا لِلَّفظ على وجهه فليؤدِّه كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا للفظ فليؤدِّه بالمعنى. هذا أمر يقينيّ لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته. فقول أبي ريَّة: (لما رأى بعض الصحابة .. استباحوا لأنفسهم) إن أراد أنهم لم يؤمروا بالتبليغ ولم يُبَحْ لهم أن يرووا بالمعنى إذا كانوا ضابطين له دون اللفظ، فهذا كذب عليهم وعلى الشرع [ص ٥٤] والعقل كما يُعْلَم مما مر. وتشديده ﷺ في الكذب عليه إنما المراد به الكذب في المعاني، فإن الناس يَبْعَثون رسلهم ونُوَّابهم ويأمرونهم بالتبليغ عنهم، فإذا لم يشترط عليهم المحافظة على الألفاظ فبلَّغوا المعنى فقد صدقوا. ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك. فذهب وقال له: والدي ــ أو الوالد ــ يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنَكْرَ العقلاء عليك ذلك. وقد قصَّ الله في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحدَّ المعْجِز، ومنه ما يكون عن لسان

стр. 147

أعجمي، ومنه ما يأتي في موضع بألفاظ وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر. فبالنظر إلى أداء المعنى كرَّر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب فقال: «نَضَّرَ الله امرءًا سمع مِنّا شيئًا فأدَّاه كما سمعه، فربّ مبلَّغٍ أوعى مِن سامع» (١)، جاء بهذا اللفظ أو معناه مطوّلًا ومختصرًا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجُبير بن مُطْعِم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعُمير بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعُبادة بن الصامت، منها الصحيح وغيره. وكان النبي ﷺ يتحرَّى معونتهم على الحفظ والفهم كما مرَّ (ص ٤٣) (٢). واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة. ومنها ما أصله قوليّ، ولكن الصحابي لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبيُّ ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذِنَ في كذا .. وأشباه هذا. وهذا كثير أيضًا. وهذان الضربان ليسا محلّ نزاع، والكلام في ما يقول الصحابي فيه:

стр. 148

قال رسول الله كيت وكيت، أو نحو ذلك. ومَن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حَكَوا قولَه ﷺ يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم مَن يحاول أن يؤدّيها، فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك. ومع هذا فقد عُرِف جماعة من الصحابة كانوا يتحرّون ضبط الألفاظ، وتقدم (ص ٤٢) (١) قول أبي رية: «إن الخلفاء الأربعة وكبار الصحابة وأهل الفتيا لم يكونوا ليرضوا أن يرووا بالمعنى». وكان ابن عمر ممن شدَّد في ذلك، وقد آتاهم الله مِنْ جودة الحفظ ما آتاهم. وقصة ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة مشهورة. ويأتي في ترجمة أبي هريرة ما ستراه. فعلى هذا ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفُّظ فهو بلفظ النبي ﷺ ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك، لأنهم كلهم كانوا يتحرّون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرُّف مَنْ بعدهم.

стр. 149

[ص ٥٥] الحديث ورواته ونقد الأئمة للرواة قال أبو ريَّة: (ثم سار على سبيلهم كلُّ مَن جاء من الرواة بعدهم. فيتلقى المتأخر عن المتقدِّم ما يرويه عن الرسول بالمعنى، ثم يؤديه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه). أقول: هذه حكاية من يأخذ الكلمات من هنا وهناك، ويقيس بذهنه بدون خبرة بالواقع. فإن كثيرًا من الأحاديث الصحيحة إن لم نقل غالبها يأتي الحديث منها عن صحابيين فأكثر، وكثيرًا ما يتعدد الرواة عن الصحابي، ثم عن التابعي، وهَلُمَّ جرًّا. فأما الصحابة فقد تقدم حالهم. وأما التابعون، فقد يتحفَّظون الحديث كما يتحفَّظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه «كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه» (١). هذا مع قوّة حفظه؛ ذكروا أن صحيفة جابر على كبرها قرئت عليه مرة واحدة ــ وكان أعمى ــ فحفظها بحروفها، حتى قرأ مرة سورة البقرة فلم يخطئ حرفًا ثم قال: «لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة» (٢). وكان غالبهم يكتبون ثم يتحفَّظون ما كتبوه، ثم منهم من يُبقي كتبه ــ راجع (ص ٢٨) (٣) ــ ومنهم من إذا أتقن المكتوب حفظًا محا الكتاب. وهؤلاء ونفر لم يكونوا يكتبون، غالبهم ممن رُزِقُوا جَودة الحفظ

стр. 150

وقوة الذاكرة، كالشعبي والزُّهري وقتادة. وقد عُرِف منهم جماعة بالتزام رواية الحديث بتمام لفظه، كالقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة. أما أتباع التابعين فلم يكن فيهم راوٍ مكثر إلا كان عنده كتب بمسموعاته يراجعها ويتعاهدها ويتحفَّظ حديثَه منها. ثم منهم من لم يكن يحفظ، وإنما يحدِّث مِنْ كتابه. ومنهم من جرّب عليه الأئمةُ أنه يُحدِّث من حفظه فيخطئ، فاشترطوا لصحة روايته أن يكون السماع منه مِنْ كتابه. ومنهم مَن عَرَف الأئمةُ أنه حافظ، غير أنه قد يقدِّم كلمة أو يؤخِّرها، ونحو ذلك مما عرفوا أنه لا يغيِّر المعنى، فيُوثّقونه ويبيّنون أن السماع منه من كتابه أثبت. فأما مَنْ بعدهم، فكان المتثبِّتون لا يكادون يسمعون مِن الرجل إلا مِن أصل كتابه. كان عبد الرزاق الصنعاني ثقة حافظًا، ومع ذلك لم يسمع منه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين إلا مِن أصل كتابه. هذا، وكان الأئمة يعتبرون حديثَ كلِّ راو فينظرون كيف حدَّث به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يحدِّث مرَّة كذا ومرَّة كذا بخلافٍ لا يُحْتَمل ضعَّفوه. وربما سمعوا الحديث مِن الرجل ثم يَدَعونه مدةً طويلة ثم يسألونه عنه. ثم [يعتبرون] (١) مرويّاته برواية مَن روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات حكموا عليه بِحَسَبها. وليسوا يوثّقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مرّ، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطئ ويغلط، وباضطرابه في حديثه، [ص ٥٦] وبمخالفته الثقات، وبتفرُّده، وهَلُمَّ جرًّا.

стр. 151

ونظرهم عند تصحيح الحديث أدقّ مِن هذا. نعم، إن هناك مِن المحدِّثين من يسهِّل ويخفّف، لكن العارف لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء. فإذا رأيت المحققين قد وثَّقوا رجلًا مطلقًا، فمعنى ذلك أنه يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل إذا روى بالمعنى لم يغيّر المعنى. وإذا رأيتهم قد صحَّحوا حديثًا، فمعنى ذلك أنه صحيح بلفظه أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه. فإنْ بان لهم خلاف ذلك نبَّهوا عليه كما تقدم (ص ١٨) (١). وذكر أبو ريَّة ص ٥٤ فما بعدها كلامًا طويلًا في هذه القضية. وذكر اعتقاد شيوخ الدين أن الأحاديث كآيات القرآن (من وجوب التسليم لها وفرض الإذعان لأحكامها بحيث يأثم أو يرتدّ أو يفسق من خالفها ويستتاب من أنكرها أو شك فيها). أقول: أما ما لم يثبت منها ثبوتًا تقوم به الحجة فلا قائل بوجوب قبوله والعمل به. وأما الثابت فقد قامت الحُجَج القطعية على وجوب قبوله والعمل به، وأجمع علماء الأمة عليه كما تقدم مرارًا. فمُنْكِر وجوب العمل بالأحاديث مطلقًا تُقام عليه الحجة، فإن أصرَّ بانَ كفرُه. ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور، وإلا فهو عاصٍ لله ورسوله، والعاصي آثم فاسق. وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقًا، وقد مرَّ. وذكر ص ٥٥ فما بعدها الخلافَ في جواز الرواية بالمعنى. أقول: الذين قالوا: «لا تجوز» إنما غرضهم ما ينبغي أن يُعْمَل به في عهدهم وبعدهم، فأما ما قد مضى فلا كلام فيه، لا يطعن في متقدِّم بأنه كان

стр. 152

[يروي] [*] بالمعنى، ولا في روايته. لكنْ إن وقع تعارض بين مرويِّه ومرويِّ مَنْ كان يبالغ في تحرِّي الرواية باللفظ فذلك مما يرجّح الثاني. وهذا لا نزاع فيه. ومدار البحث هو أن الرواية بالمعنى قد تُوقِع في الخطأ، وهذا معقول، لكنْ لا وجه للتهويل، فقد ذكر أبو ريَّة ص ٥٩: (قال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة). وكان ابن سيرين مِن المتشدِّدين في أن لا يروي إلا باللفظ، ومع هذا شهد للذين سمع منهم أنهم مع كثرة اختلافهم في اللفظ لم يخطئ أحد منهم المعنى. ولهذا لما ذُكر له أن الحسن والشعبي والنَّخَعي يروون بالمعنى اقتصر على قوله: «إنهم لو حدَّثوا كما سَمِعُوا كان أفضل» انظر «الكفاية» للخطيب (ص ٢٠٦). ومن تدبَّر ما تقدّم من حال الصحابة وأنهم كانوا كلهم يراعون الرواية باللفظ، ومنهم من كان يبالغ في تحرِّي [ص ٥٧] ذلك. وكذا في التابعين وأتباعهم، وأنَّ الحديث الواحد قد يرويه صحابيان فأكثر، ويرويه عن الصحابي تابعيان فأكثر وهَلُمَّ جرًّا، وأن التابعين كتبوا، وأن أتباعهم كتبوا ودوَّنوا، وأن الأئمة اعتبروا حال كلِّ راوٍ في روايته لأحاديثه في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يروي الحديث مرَّة بما يحيل معناه في روايته له مرة أخرى جرحوه، ثم اعتبروا رواية كلِّ راوٍ برواية الثقات، فإذا وجدوه يخالفهم بما يحيل المعنى جرحوه، ثم بالغ محققوهم في العناية بالحديث عند التصحيح، فلا يصحِّحون ما عرفوا له علة. نعم قد يذكرون في المتابعات والشواهد ما وقعت فيه مخالفة ما وينبهون عليه. من تدبَّر هذا ولم يُعْمِه الهوى اطمأنّ قلبُه بوفاء الله تعالى بما تكفَّل به من حفظ دينه، وبتوفيقه علماء الأمة للقيام بذلك، ولله الحمد. ويؤكِّد ذلك أن أبا ريَّة حاول أن يقدِّم شواهد

стр. 153

على اختلاف ضارّ وقع بسبب الرواية، فكان أقصى جهده ما يأتي: قال ص ٦: (صيغ التشهدات)، وذكر اختلافها. أقول: يتوهَّم أبو ريَّة ــ أو يوهم ــ أنَّ النبيّ ﷺ إنما علّمهم تشهّدًا واحدًا، ولكنهم أو بعضهم لم يحفظوه، فأتوا بألفاظ مِن عندهم مع نسبتها إلى النبيّ ﷺ . وهذا باطل قطعًا؛ فإن التشهد يُكرَّر كلَّ يوم بضع عشرة مرّة على الأقل في الفريضة والنافلة، وكان النبيّ ﷺ يُحفِّظ أحدهم حتى يحفظ. وقد كان النبي ﷺ يُقريء الرجلين السورة الواحدة هذا بحرف وهذا بآخر، فكذلك علّمهم مقدمة التشهُّد بألفاظ متعددة، هذا بلفظ وهذا بآخر. ولهذا أجمع أهل العلم على صحة التشهد بكلِّ ما صحّ عن النبي ﷺ . وأما ذِكْر عمر التشهد على المنبر (١)، وسكوت الحاضرين، فإنما وجهه المعقول: تسليمهم أن التشهد الذي ذكره صحيح مجزئ. وقد كان عمر يقرأ في الصلاة وغيرها القرآن ولا يَردُّ عليه أحد، مع أن كثيرًا منهم تلقّوا عن النبي ﷺ بحرف غير الحرف الذي تلقّى به عمر، ومثل هذا كثير. ومن الجائز أن يكونوا ــ أو بعضهم ــ لم يعرفوا اللفظ الذي ذكره عمر، ولكنهم قد عرفوا أنّ النبيّ ﷺ علَّم أصحابه بألفاظ مختلفة، وعمر عندهم ثقة. وأما قول بعضهم (٢) بعد وفاة النبي ﷺ : «السلام على النبي» بدل «السلام عليك أيها النبي» فقد يكون النبي ﷺ خيَّره بين اللفظين، وقد يكون

стр. 154

فَعَل ذلك باجتهاده خشية أن يتوهَّم جاهلٌ أنَّ الخطاب على حقيقته. أما الصلاة على النبي ﷺ فالتحقيق أنها موجودة في التشهدات كلها بلفظ «ورحمة الله» والقائل بوجوبها عقب التشهد بلفظ الصلاة لم يجعلها من التشهد بل هي عنده أمر مستقل. والكلام في ذلك معروف، لا علاقة له بالرواية بالمعنى. [ص ٥٨] قال أبو ريَّة ص ٦٤: (وكلمة التوحيد)، وذَكَر ما لا علاقة له بالرواية بالمعنى. ثم قال ص ٦٦: (حديث الإسلام والإيمان) فذكر عن «صحيح مسلم» (١) حديث طلحة: «جاء رجل من أهل نجد»، وحديث جبريل برواية أبي هريرة (٢)، وحديث أبي أيوب: «جاء رجل إلى النبي فقال: دلَّني على عمل الخ» (٣)، وحديث أبي هريرة: «أن أعرابيًّا جاء الخ» (٤). ثم ذكر عن النووي: «اعلم أنه لم يأت في حديث طلحة ذكر الحج، ولاجاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غير [هذا من] هذه الأحاديث لم يُذكر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكِر في بعضها صِلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس. ولم يقع في بعضها ذِكْر الإيمان ... وقد أجاب القاضي عياض وغيره ﵏ بجواب لخَّصه أبو عمرو ابن الصلاح وهذَّبه فقال: « ... هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصَّر

стр. 155

فاقتصر على ما حفظه ... » (١). أقول: أما هذه الأحاديث فلا يتعيَّن فيها ذاك الجواب بل لا يتَّجِه، فإن واقعة حديث جبريل لا علاقة لها ببقية الأحاديث، وذكر الإيمان فيه؛ لأن جبريل أراد بيان جمهرة الدين، وبقية الأحاديث ليس بواجب أن يُذْكَر فيها الإيمان اكتفاء بعلم السائل به، مع أن في (٢) ما ذكر له ما يستلزمه. وحديث طلحة وحديث أبي هريرة في الأعرابي، يظهر أنها واقعة واحدة يحتمل أنها وقعت قبل أن ينزل فرض الحج، فلذلك لم يذكر، وحديث أبي أيوب يحتمل أن يكون واقعة أخرى وقعت قبل فرض الحج والصوم، فلذلك لم يُذكرا فيه. وأما صلة الرحم وأداء الخُمُس فليسا من الأركان العظمى فلا يجب ذكرهما في كلِّ حديث. هذا، وحديث جبريل قد ورد من رواية عمر بن الخطاب، وثبت في بعض طرقه ذكر الحج، وصحَّح ابنُ حَجَر ذلك في «الفتح» (٣) بأنه قد جاء في رواية أنَّ الواقعة كانت في أواخر حياة النبي ﷺ . فعلى هذا فسقوطه في رواية أبي هريرة مِنْ عَمَل بعض الرواة، كأنه كان عنده أيضًا حديث أبي هريرة في الأعرابي وليس فيها ذكر الحج فحمل هذه عليها، والله أعلم. ومثل هذا ليس من الرواية بالمعنى، إنما هو من ترك الراوي لشيءٍ من الحديث نسيه أو شكَّ فيه، ولا يقتضي تركه إحالة لمعنى الحديث. وكثيرًا ما

стр. 156

يقع في الكتاب والسنة ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادًا على بيانه في موضع آخر، وليس هذا بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن، ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة. [ص ٥٩] قال ص ٦٨: (حديث زوجتكها بما معك) ذَكَر أنه رُوي على ثمانية أوجه: (١ - قد زوجتكها بما معك من القرآن، ٢ - زوجتكها على ما معك الخ، ٣ - أنكحتكها بما الخ، ٤ - قد ملكتكها بما الخ، ٥ - قد أملكتكها بما الخ، ٦ - قد أمكناكها الخ، ٧ - أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، ٨ - خذها بما معك الخ). أقول: الثامنة لم تُذْكر في «فتح الباري»، والسابعة سندها واهٍ، والسادسة صوابها على ما استظهره في «الفتح» (١): أمْلَكْناكها، والست الأولى معناها واحد، وكذا حكمها عند جمهور أهل العلم. وقال قوم: لا يصح العقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح كما في الثلاث الأولى، فأما الثلاث التي تليها فلا يصح التزويج بها. وأجابوا عن هذه الروايات بأن أرجحها وأثبتها عن النبي ﷺ هي التي بلفظ التزويج. فتحصَّل من هذا أن الرواية بالمعنى وقعت، ولكن لم يترتب عليها مفسدة، ولله الحمد. على أن المعنى الأهم في الحديث وهو التزويج بتعليم القرآن لم تختلف فيه الروايات. قال ص ٦٨: (حديث الصلاة في بني قريظة) ذكر أنه وقع عند البخاري: «لا يصلينّ أحدُكم العصرَ إلا ... » (٢) وعند غيره: «لا يصلينّ أحدُكم الظهرَ إلا ... » (٣) مع اتحاد المخرج.

стр. 157

أقول: في «الفتح» (١): إن الذي عند أهل المغازي «العصر» وكذلك جاء من حديث عائشة ومن حديث كعب بن مالك. ورواه جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر، فقال أبو حفص السلمي عن جويرية: «العصر»، وقال أبو غسان عن جويرية: «الظهر». ورواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية، فقال البخاري عنه: «العصر»، وقال مسلم وغيره عنه: «الظهر» فذكر ابن حجر احتمالين: حاصل الأول: بزيادة أن جويرية قال مرَّةً «العصر» كما رواه عنه أبو حفص السلمي، ومرَّةً «الظهر» كما رواه عنه أبو غسان، وكتبه عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية على الوجهين، فسمعه البخاريُّ مِن عبد الله على أحدهما، ومسلم وغيره على الآخر. وكأنَّ البخاريّ راجع عبدَ الله في ذلك ففتَّش عبدُ الله أصولَه فوجد الوجه الذي فيه «العصر» فأخذ به البخاري لعلمه أنه الصواب. الاحتمال الثاني: أن يكون البخاري إنما سمعه من عبد الله بلفظ «الظهر» ولم يكتبه البخاري إلا بعد مدَّة من حفظه فقال: «العصر» أخطأ لفظ شيخه وأصاب الواقع. أما ما ذكر أنّ البخاريّ كان يحفظ ثم يكتب مِن حفظه، فإن صحَّ ذلك فهذا صحيحه فيه آلاف الأحاديث، وقلَّ حديثٌ منها إلا وقد رواه جماعة غيره عن شيخه وعن شيخ شيخه، وقد تتبَّع ذلك المستخرجون عليه وشُرَّاحه، فإذا لم يقع له خطأ إلا هذا الموضع ــ على فَرْض أنه أخطأ ــ كان هذا من أدفع الحجج لتشكيك أبي ريَّة.

стр. 158

قال أبو ريَّة ص ٦٩: (وبلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى كتب السنة ... ). أقول: حاصله أن البيهقي يروي عن كتبه الأحاديث بأسانيده إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه ومَنْ فوقه، ويقع [ص ٦٠] في لفظه مخالفة للفظ البخاري مع اتفاق المعنى، ومع ذلك يقول: «أخرجه البخاري عن فلان» ولا يبين اختلاف اللفظ، وكذا يصنع البغوي. وأقول: العذر في هذا واضح، وهو اتفاق المعنى مع جَرَيان العادة بوقوع الاختلاف في بعض الألفاظ، وكتاب البخاري متواتر فأقلّ طالب حديث يشعر بالمقصود. وذكر قول النووي (١) في حديث: «الأئمة من قريش»: «أخرجه الشيخان» مع أن لفظهما: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» (٢). أقول: المعنى قريب، وقد يكون النووي ﵀ وهِم، ومثل هذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر، لأن «الصحيحين» متواتران. قال أبو ريَّة ص ٧٠: (ضرر رواية الحديث بالمعنى) وساق عبارة طويلة لابن السِّيْد البَطَلْيَوْسِيّ في «أسباب الاختلاف». وفيها (ص ٧٢ - ٧٣) ما يخشى منها، وقد قدمنا (ص ٢١ - ٢٢ - و ٥٥) (٣) ما فيه الكفاية. وذكر ص ٧٤ حديث: «إن يكن الشؤم ففي ثلاث». وسيأتي النظر فيه بعد النظر

стр. 159

في عدالة الصحابة الذي ذكره أبو ريَّة في كتابه ص ٣١٠ - ٣٢٧. وقال ص ٧٥: (ضرر الرواية بالمعنى من الناحية اللغوية والبلاغية ... ). أقول: قد قدمتُ ما يعلم منه أنّ مِن الأحاديث ما يمكن أن يَحْكم العارف بأنه بلفظ النبي ﷺ ، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه بلفظ الصحابي، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه على لفظ التابعي. فهذه يمكن الاستفادة منها في العربية، وما عدا ذلك ففي القرآن وغيره ما يكفي. وذكر ص ٧١ - ٧٨ فصولًا مِن فروع الرواية بالمعنى يُعلم جوابها مما تقدّم. وقال ص ٧٨: (تساهلهم فيما يُروى في الفضائل، وضرر ذلك). أقول: معنى التساهل في عبارات الأئمة هو التساهل بالرواية، كان مِنَ الأئمة مَنْ إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة. ومنهم مَن إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنَّة، إنما هو في فضيلةِ عَمَلٍ متفق عليه، كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك، لم يمتنع من روايته. فهذا هوالمراد بالتساهل في عباراتهم. غير أنَّ بعضَ مَن جاء بعدهم فهِم منها التساهل فيما يرد في فضيلةٍ لأمر خاصّ قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليلة معينة، فإنها داخلة في جملة ما ثبت مِنْ شَرْع قيام الليل. فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف، وقد بَيَّن الشاطبيّ في «الاعتصام» (١) خطأ هذا الفهم. ولي في

стр. 160

ذلك رسالة لا تزال مسوَّدة (١). [ص ٦١] على أنَّ جماعة من المحدّثين جاوزوا في مجاميعهم ذاك الحدّ، فأثبتوا فيها كلَّ حديث سمعوه ولم يتبين لهم عند كتابته أنه باطل. وأفرط آخرون فجمعوا كلَّ ما سمعوا، معتذرين بأنهم لم يلتزموا إلا أن يكتبوا ما سمعوه ويذكروا سنده، وعلى الناس أن لا يثقوا بشيء من ذلك حتى يعرضوه على أهل المعرفة بالحديث ورجاله. ثم جاء المتأخرون فزادوا الطين بلَّة بحذف الأسانيد. والخلاصُ مِن هذا أسهل، وهو أن تُبيَّن للناس الحقيقة، ويُرجَع إلى أهل العلم والتقوى والمعرفة. لكن المصيبة حقّ المصيبة إعراض الناس عن هذا العلم العظيم، ولم يبق إلا أفراد يُلمُّون بشيء من ظواهره، ومع ذلك فالناس لا يرجعون إليهم، بل في الناس مَنْ يمقتهم ويبغضهم ويعاديهم ويتفنَّن في سبّهم عند كلِّ مناسبة ويدَّعي لنفسه ما يدَّعي، ولا ميزان عنده إلا هواه لا غير، وما يخالف هواه لا يبالي به ولو كان في «الصحيحين» عن جماعة من الصحابة، ويحتج بما يحلو له من الروايات في أيِّ كتاب وُجد، وفيما يحتج به الواهي والساقط والموضوع، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من كتابي هذا، والله المستعان. * * * *

стр. 161

الوضع وقال أبو ريَّة ص ٨٠ ــ ٨٩: (الوضع في الحديث وأسبابه ... ). أقول: نقل عبارات في هذا المعنى، وهو واقع في الجملة، ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنَّة يطوِّلون في هذا ويهوِّلون ويهملون ما يقابله. ومَثَلُهم مَثَلُ من يحاول مَنْع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل والعقاقير، والحرير والصوف، والذهب والفضة، واللؤلؤ والياقوت، والمسك والعنبر، وغير ذلك= بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس، والتدليس والغشّ في هذه الأشياء، ويُطيل في ذلك. والعاقل يعلم أنّ الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرْفَع من الأرض، وأنّ في أصحابها وتجّارها أهل صِدْق وأمانة، وأنّ في الناس أهل خبرة ومهارة يميزون الحقيقيّ الخالص من غيره، فلا يكاد يدخل الضرر إلا على مَنْ لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصّر، ومن لا يُبالي ما أخذ. والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لابدّ أن تكون أتمَّ وأبلغ. ومن تتبَّع الواقع وتدبَّره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان. أما الصحابة، فقد زكَّاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله، والأحاديث إنما ثبتت مِن رواية مَنْ زكَّاه الله ورسوله عينًا، أو لا ريب في دخوله فيمن زكَّاه الله ورسوله جملة. نعم جاءت أحاديث قليلة عن بعض من قد يمكن الشكّ فيه، لكن أركان الدين من سلف هذه الأمة تدبَّروا أحاديث هذا الضرب واعتبروها، فوجدوها قد ثبتت هي أو معناها برواية غيرهم، وبعد طول البحث والتحقيق تبيَّن لأئمة السنَّة [ص ٦٢] أن الصحابةَ كلَّهم عدول في

стр. 162

الرواية. وسيأتي مزيد لهذا في فصل «عدالة الصحابة» (١). وأما التابعون، فعامة من وثَّقه الأئمة منهم ممَن كثرت أحاديثه هم ممن زكَّاه الصحابة، ثم زكَّاه أقرانه من خيار التابعين، ثم اعتبر الأئمة أحاديثه وكيف حدَّث بها في الأوقات المتفاوتة، واعتبروا أحاديثه بأحاديث غيره من الثقات، فاتضح لهم بذلك كلِّه صدقه وأمانته وضبطه. وهكذا مَنْ بعدهم. وكان أهل العلم يشدّدون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم ــ أظنه الحسن بن صالح بن حَيّ ــ أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث مِن رجل سألنا عن حاله حتى يقال: أتريدون أن تزوِّجوه؟ (٢). وجاء جماعة إلى شيخ ليسمعوا منه، فرأوه خارجًا وقد انفلتت بَغْلَتُه وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أنّ المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه. قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث. وذكروا أن شعبة كان يتمنّى لقاء رجل مشهور (٣) ليسمع منه. فلما جاءه وجده يشتري شيئًا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه. وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في «كفاية الخطيب» (ص ١١٠ - ١١٤). وكان عامة علماء القرون الأولى ــ وهي قرون الحديث ــ مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء، ولا يرضى بتولِّي القضاء، ومنهم مَنْ كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم

стр. 163

ينشرون العلم، فلا يستجيبون، بل يفرُّون ويستترون. وكان أئمة النقد لا يكادون يوثِّقون محدِّثًا يداخل الأمراء أو يتولَّى لهم شيئًا. وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة، ولم يوثِّقوا ممن دَاخَلَ الأمراءَ إلا أفرادًا عَلِم الأئمةُ علمًا يقينًا سلامةَ دينهم وأنه لا مَغْمَز فيهم البتة. وكان محمد بن بشر الزَّنْبري محدِّثًا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر فخرج الزَّنْبري يُشيّعه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزَّقوا ما كانوا كتبوا عنه (١). وكثيرًا ما كانوا يُكذِّبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحد يتَّهمونه فيه. وتجد مِنْ هذا كثيرًا في «ميزان الذهبي» وغيره. وكذلك إذا سمعوه حدّث بحديث ثم حدّث به بعد مدة على وجه ينافي الوجه الأول. وفي «الكفاية» (ص ١١٣) عن شعبة قال: «سمعت من طلحة بن مصرِّف حديثًا واحدًا وكنت كلما مررت به سألته عنه ... أردت أن أنظر إلى حفظه، فإنْ غيَّر فيه شيئًا تركته». وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (٢)، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور (٣). ومن تَتبَّع كتب التراجم [ص ٦٣] وكتب العلل بَانَ له مِن جِدِّهم واجتهادهم ما يحيِّر العقول.

стр. 164

وكان كثير من الناس يُحضِرون أولادَهم مجالسَ السماع في صغرهم ليتعوَّدوا ذلك, ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده، ثم يسافر إلى الأقطار ويتحمَّل السفر الطويل والمشاقَّ الشديدة، وقد لايكون معه إلا جراب من خبز يابس يحمله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلّها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع. ولهم في هذا قصص كثيرة، فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنُّه الثلاثين أو نحوها، فتكون أُمنيته من الحياة أن يقبله علماءُ الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عَرَف أنهم إن اتهموه في حديث واحد أسقطوا حديثَه وضاع مجهوده طول عمره، وربح سوء السمعة واحتقار الناس. وتجد جماعةً من ذرية أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة، وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسيين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا، مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث. ومن تتبع أخبارَهم وأحوالَهم لم يعجب مِنْ غَلَبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذَّابين منهم. ومن تتبَّع تشدُّد الأئمة في النقد لم يعجبْ مِن كثرة من جرَّحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشدُّد. وبالجملة، فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًّا. وأرجو أن يكون فيما ذكرتُه ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعُهم ــ بإفاضتهم في ذكر الوضع ــ من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أنّ الله تعالى أخلَّ بما تكفَّل به مِنْ حفظ دينه، وأنَّ سلف الأمة لم يقوموا بما عليهم أو عَجَزوا عنه فاختلط الحقُّ بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه. كلَّا بل حجة الله تعالى لم تزل ولن

стр. 165

تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحًا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد. وفي «تهذيب التهذيب» (١: ١٥٢): «قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيدُ زنديقًا فأراد قتله، فقال: أينَ أنتَ مِن ألفِ حديثٍ وضعتُها؟ فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا» (١). وفي «فتح المغيث» (ص ١٠٩) (٢): «قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]». وذكر ص ٩١ أحاديث قال: إنها موضوعة، ولم يذكر مَنْ حَكَمَ بوضعها من أهل العلم بالحديث. وذكر فيها حديث: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على [سائر] الطعام» وقد افترى مَنْ زَعَم هذا موضوعًا، بل هو في غاية الصحة، أخرجه الشيخان في «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري (٣)، ومن حديث أنس (٤) ﵄.

стр. 166

[ص ٦٤] معاوية والشام وقال ص ٩١: (معاوية والشام ... ). ذكر عن أئمة السنَّة: إسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل والبخاري والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله: أنه لم يصح في فضل معاوية حديث. أقول: هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضي أن يكون كلّ ما رُوي في فضله خاصّة مجزومًا بوضعه. وبعد، ففي القضية برهانٌ دامغ لما يفتريه أعداء السنَّة على الصحابة وعلى معاوية وعلى الرواة الذين وثَّقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد. أما الصحابة ﵃، ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي ﷺ ، وذلك أنّ معاوية كان عشرين سنة أميرًا على الشام، وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمعٌ كثير من الصحابة، منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أو بعده، وفيهم جماعةٌ من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصّب له والتزلّف إليه متوفِّرة، فلو كان ثَمَّ مَساغ لأنْ يكذب على النبيّ ﷺ أحدٌ لقيه وسمع منه مسلمًا لأقدَمَ بعضُهم على الكذب في فضل معاوية، وجَهَر بذلك أمام أعيان التابعين، فينقل ذلك جماعةٌ ممن يوثّقهم أئمة السنَّة فيصحّ عندهم ضرورة. فإذا لم يصح خبر واحد= ثبتَ صحةُ القول بأن الصحابة كلّهم عدولٌ في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد مهما خَفَّت منزلته وقويَ الباعثُ له محتملًا منه أن يكذب على النبي ﷺ . وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على

стр. 167

النبيّ ﷺ ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يُجْدِهِ ترغيبٌ ولا ترهيبٌ في حَمْل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وُسْعه أن يحدِّث هو عن النبي ﷺ ، فقد حدَّث عدد كثير من الصحابة عن النبي ﷺ بفضائل لأنفسهم وقَبِلَها منهم الناس ورووها وصحَّحها أئمة السنة. ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكِّر في أن يكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي ﷺ مهما اشتدّت حاجتُه إلى ذلك. ومن تدبَّر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدلّ على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث. وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم، كان في وُسْعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم، فيرووا عنه حديثًا أو أكثر في فضل معاوية [ص ٦٥] وينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث. فعدم وقوع شيء مِن ذلك يدلّ على أنّ الرواة الذين يوثّقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر. وأما أئمة الحديث، فهم معروفون بحُسْن القول في الصحابة عامة وخصومهم ينقمون عليهم ذلك، كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية (١)، ويرمونهم بالنَّصْب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم. وتلك القضية براءة لهم؛ فلو كانوا من أهل الهوى المُتَّبع لأمكنهم أن

стр. 168

يصحِّحوا عدةَ أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كلّ ما روي في ذلك غير صحيح. وأما قواعدهم في النقد، فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر ــ وهو مِن أشدّ معتركات الأهواء ــ مِن أقوى الأدلة على وفائها بما وُضِعَت له. وأما الشام، فلا ريب أن الموضوعات في فضلها كثيرة، ولكن ليس من الحق في شيء أن تُعد دلالة الخبر على فضلها دليلًا على وضعه، فإن فضلها ثابت بالقرآن، وكذلك الحال في بيت المقدس قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وأخبر الله عن الشام بقوله: ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧١] اقرأ (٧: ١٣٦) و (٢١: ٧١ و ٨١) وبقوله: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. وكذلك من الباطل أن تُعدّ دلالة الخَبَر على أمر بأنه سيقع دليلًا على وضعه ما دمنا نؤمن بأن محمدًا رسول الله يُطْلِعه الله مِن غَيبه على ما يشاء. فأما أن يكون مثل هذا مما يسترعي النظر ليبحث عن الخبر من جهة إسناده وما يتصل به ليحكم عليه بحسب ذلك فلا بأس. وحديث: «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» رواه هُشَيم (وهو ثقة يدلس) عن العوَّام بن حوشب (وهو ثقة) عن سليمان بن أبي سليمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٧٢) وقال: «صحيح على شرط مسلم» تعقبه الذهبي فقال: «سليمان وأبوه مجهولان» وهو في «تاريخ البخاري» (٢/ ٢/١٧) ذكر الجملة الأولى

стр. 169

فقط (١). وقال ص ٩٤: (أصل فِرْية الأبدال ... ). أقول: سترى الكلام على تلك الأخبار في «موضوعات الشوكاني» (٢) وتعليقي عليه إن شاء الله. قال: (روى الواقدي: أن معاوية لما عاد من الشام ... ). [ص ٦٦] أقول: كرهتُ إثبات الخبر لفَرْطِ سماجته، وأبو ريَّة يتظاهر بالشكوى من الموضوعات ثم يحتجّ بهذا الموضوع الذي إن لم يكن كذبًا فليس في الدنيا كذب. أما سنده فعزاه أبو ريَّة إلى «شرح النهج» (٣) لابن أبي الحديد، وابنُ أبي الحديد حاله معروفة، ولا ندري ما سنده إلى الواقدي، بل أكاد أقطع أنّ الواقديّ لم يقل هذا ولا رواه، على أنَّ الواقديّ نفسه متروك ولا يُدْرَى ــ على فَرْض أنه رواه ــ ما سنده. وأما الخبر نفسُه فكذبٌ مكشوف لا يخفى على من يعرف معاويةَ، وعقلَ معاوية، ودهاءَ معاوية، وتحفّظَ معاوية ولو معرفة بسيطة، وقد تقدَّم ما علمتَ. وقال ص ١٠١: (كيف استجازوا وضع الأحاديث ... ). ثم قال: (أخرج الطحاوي في «المشكل» عن أبي هريرة ... ).

стр. 170

أقول: لم أظفر به في «مشكل الآثار» للطحاوي المطبوع (١)، وإنما عُزِي في «كنز العمال» (٥: ٣٢٣) إلى الحكيم الترمذي، وقد ذكر أبو ريَّة هذا الخبر من مصدر آخر ص ١٦٤ كما ذكر الخبرين اللَّذَيْنِ عقبه، وسأنظر في ذلك هناك إن شاء الله تعالى (٢)، ويتبيَّن براءة أبي هريرة منها كلها. وقال ص ١٠٢: (الوُضّاع الصالحون ... وقالوا: نحن نكذب له لا عليه. وإنما الكذب على من تعمَّدَه). أقول: قوله: (وإنما الكذب على من تعمّده). ليست من قولهم ولا تتعلق بهم. وقال ص ١٠٤: (الوضع بالإدراج ... ) إلى أن قال: ( ... في حديث الكسوف وهو في الصحيح: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة .. » قال العراقي (٣): هذه الزيادة لم يصح نقلها فوجب تكذيب قائلها). أقول: تحصَّل من كلامه أن «فإذا رأيتم الخ» طَعَنَ فيها العراقي وقال ما قال. وهذا من تخليط أبي ريَّة، إنما الكلام في زيادة أخرى وقعت عند ابن ماجه لَفْظُها (٤): «فإن الله إذا تجلَّى لشيء خشع له» والطاعن فيها هو الغزالي

стр. 171

لا العراقي. راجع «توجيه النظر» (ص ١٧٢) (١) و «فتح الباري» (٢: ٤٤٥) (٢). وبهذا وغيره يتبين أن أبا ريَّة غير موثوق بنقله. ولم أتمكن من مراجعة جميع مصادره، مع أنه كثيرًا ما يهمل ذكر المصدر. وإنما ذكرت هذا لئلا يُغترّ بسكوتي عن بعض ما ينقله. ثم قال: (هل يمكن معرفة الموضوع؟ ذكر المحققون أمورًا كلية ... ). [ص ٦٧] أقول: كان عليه أن ينصّ على مَن ذكر هذه الأمور ويبيّن مصدرها. ومن الأمور التي ذكرها ما يحتاج إلى بيان وإيضاح، ومخالفة ظاهر القرآن قد تقدّم ما يتعلق بها (ص ١٤) (٣). والاشتمال على تواريخ الأيام المستقبلة علامة إجمالية تدعو إلى التثبّت لكثرة ما وُضِع في هذا الباب. وإلا فقد أَطْلَعَ اللهُ تعالى رسولَه على كثير من الغيب وأخبره به. وتجارب العلم الثابتة، إنما يعتدّ بها إذا كانت قطعية وناقضت الخبر مناقضةً محقَّقة، ولعله يأتي ما يتعلق بها. وقال ص ١٠٥: (وأخرج البيهقي بسنده ... ). أقول: لم يبيِّنْ أبو ريَّة من أيِّ كتاب أخذ هذا الأمر، وأحسب البيهقي نفسه قد بيَّن سقوطه من جهة السَّنَد (٤)، أما المتن فسقوطه واضح، راجع

стр. 172

(ص ١٤) (١). وذكر ص ١٠٥: (هل يمكن معرفة الموضوع بضابط)، ثم ذكر ص ١٠٦: (للقلب السليم إشراف الخ). أقول: ينبغي مراجعة الأصول التي نَقَلَ عنها (٢). * * * *

стр. 173

الإسرائيليات ذكرها أبو ريَّة ص ١٠٨ وذكر فيها كعب الأحبار ووهب بن منّبه، وسيأتي ما يتعلق بهما (١). ثم ذكر ص ١١٠ عن أحمد أمين: (اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبّه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج، وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل الخ). ثم قال أبو ريَّة: ( .. أخذ أولئك الأحبار يبثّون في الدين الإسلامي أكاذيب وترّهات يزعمون مرَّة أنها في كتابهم ومن مكنون علمهم، ويدَّعون أخرى أنها مما سمعوه من النبيّ ﷺ وهي في الحقيقة من مفترياتهم). أقول: أما عبد الله بن سلام فصحابيّ جليل أسلم مَقْدَمَ النبيّ ﷺ المدينة، وشهد له النبيُّ ﷺ بالجنة كما ثبت في «الصحيحين» (٢) وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقّاص وغيره، وحدَّث عن النبيّ ﷺ قليلًا جدًّا، وقلّما ذَكَر عن كتب أهل الكتاب، وما ثبت عنه من ذلك فهو مُصدَّق به حتمًا وإن لم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن، إذ قد ثبت أن كثيرًا مِن كتبهم انقرض. ولا يسيء الظنَّ بعبد الله بن سلام إلا جاهل أو مكذِّب لله ورسوله. وأما وهب بن مُنبِّه فولد في الإسلام سنة ٣٤ هـ وأدرك بعض الصحابة، ولم يُعْرَفْ أن أحدًا منهم سمع منه أو حكى عنه وإنما يحكي عنه مَنْ بعدهم. وسيأتي بيان حاله (٣). [ص ٦٨] وأما كعب فأسلم في عهد عمر، وسمع منه ومن غيره من

стр. 174

الصحابة وحكى عنه بعضهم وبعض التابعين، ويأتي بيان حاله (١). وأما ابن جُريج فيأتي ص ١٤٨ أنه «الذي مات سنة ١٥٠» وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وإنما هو من أتباع التابعين ولا شأن له بالإسرائيليات، وكأنَّ الدكتور (٢) اغتر باسم «جريج» فحشره في زمرة هؤلاء، فجاء حاطب الليل فقال ص ١٤٨: (وممن كان يبثّ في الدين الإسلامي مما يخفيه قلبه ابن جريج الرومي الذي مات سنة ١٥٠ وكان البخاري لا يوثّقه، وهو على حقّ في ذلك). وهذا مخالف للواقع فلم يُعرف ابن جريج بالإسرائيليات إلا أن يروي شيئًا عمن تقدَّمه وهو إمام جليل يوثّقه ويحتجّ به البخاري وغيره. ولم يجد أبو ريَّة ما يحكيه عنه مما زعمه. ومن العجائب قوله في حاشية ص ٢١٦: (ابن جريج كان من النصارى) (٣) هكذا يكون العلم! ثم قال ص ١١٠: ( ... وتلقَّى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه). أقول: وهذا مخالف للواقع، فقد علم الصحابة وغيرهم من كتاب الله أن أهل الكتاب قد حرَّفوا كتبهم وبدَّلوا. ورووا عن النبيّ ﷺ قوله: «لا

стр. 175

تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» كما في «صحيح البخاري» (١) عن أبي هريرة. وفيه (٢) عن ابن عباس أنه قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحْدَث، تقرؤونه محضًا لم يُشَب، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتابَ الله وغيَّروه». وفيه (٣): أن معاوية ذكر كعبَ الأحبار فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب». وكان عند عبد الله بن عَمرو بن العاص صحيفة عن النبيّ ﷺ كان يسمِّيها «الصادقة» (٤) تمييزًا لها عن صحف كانت عنده من كتب أهل الكتاب. وزعم كعبٌ أن ساعة الإجابة إنما تكون في السنة مرّة أو في الشهر مرّة، فردَّ عليه أبو هريرة وعبدُ الله بن سلام بخبر النبيّ ﷺ أنها في كل يوم جمعة (٥). وبلغ حذيفَة أنّ كعبًا يقول: إن السماء تدورعلى قطب كقطب الرحى، فقال حذيفة: «كذب كعب ... » (٦).

стр. 176

وبلغَ ابنَ عباس أنّ نوفًا البِكالي ــ وهو من أصحاب كعب ــ يزعم أن موسى صاحب الخضر غير موسى بن عمران، فقال ابن عباس: «كذب عدو الله ... » (١)، ولذلك نظائر. وأما ما رواه كعب ووهب عن النبيّ ﷺ فقليل جدًّا، وهو مرسل؛ لأنهما لم يدركاه، والمرسل ليس بحجة، وقد كان الصحابة ربما توقف بعضهم عن قبول خبر بعض إخوانه من الصحابة حتى يستثبت، فما بالك بما يرسله كعب! فأما وهب فمتأخِّر. وأما ما روياه عن بعض الصحابة أو التابعين [ص ٦٩] فإن أهل العلم نقدوه كما ينقدون رواية سائر التابعين، ويأتي لهذا مزيد. قال ص ١١١: (كعب الأحبار ... ). أقول: لكعب ترجمة في «تهذيب التهذيب» (٢)، وليس فيها عن أحد من المتقدّمين توثيقه، إنما فيها ثناء بعض الصحابة عليه بالعلم، وكان المزّي عَلَّم عليه علامة الشيخين (٣)، مع أنه إنما جرى ذكره في «الصحيحين» عَرَضًا لم يُسْنَد مِن طريقه شيء من الحديث فيهما. ولا أعرف له رواية يحتاج إليها

стр. 177

أهل العلم. فأما ما كان يحكيه عن الكتب القديمة فليس بحجة عند أحد من المسلمين، وإن حكاه بعضُ السلف لمناسبته عنده لما ذُكِر في القرآن. وبعد، فليس كلّ ما نُسِب إلى كعب في الكتب بثابت عنه؛ فإن الكذابين مِنْ بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها. وما صحَّ عنه من الأقوال ولم يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ليس بحجة واضحة على كذبه؛ فإن كثيرًا من كتبهم انقرضت نُسَخُها، ثم لم يزالوا يحرّفون ويبدّلون، وممن ذَكَر ذلك السيد رشيد رضا في مواضع من «التفسير» (١) وغيره. واتهامه بالاشتراك في المؤامرة على قتل عمر لا يثبت، وكعب عربيُّ النسب، وإن كان قبل أن يسلم يهوديّ النحلة. وقول أبي ريَّة: (فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه) مِن عنديّاته، والذي عند ابن سعد (٢) وغيره أنه سكن حمص حتى مات بها سنة ٣٢. وذكر أبو ريَّة في الحاشية: (قال لقيس بن خرشة: ما من الأرض شبر (٣) ... ). أقول: هذه الحكاية منقطعة، حاكيها عن كعب وُلِد بعده بنحو عشرين سنة (٤)، وأول الحكاية: أنّ كعبًا مرَّ بصِفِّين فوقف ساعة ثم قال: «لا إله إلا

стр. 178

الله، ليُهراقنّ بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يُهراق ببقعة في الأرض ... » وكان ذلك قبل وقعة صِفِّين بسنين، فهل يصدِّق أبو ريَّة هذا كما صدَّق بقية الحكاية؟ على أن فيها غريبة أخرى لا أراه يصدِّق بها (١). قال ص ١١٢: (افتجَرَ هذا الكاهن لإسلامه سببًا عجيبًا ... قد أخرج ابن سعد بسند صحيح ... فقال: إن أُبيّ كتب لي كتابًا من التوراة ... وختم على سائر كتبه ... ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته، فجئت الآن مسلمًا). أقول: أما السند فليس بصحيح، فيه علي بن زيد وهو كما قال ابن حجر في «التقريب»: «ضعيف» (٢) ولم يُخرج له أحد من الشيخين، إلا أن مسلمًا أخرج حديثًا عن حماد بن سلمة عن ثابت البُناني وعلي بن زيد، والاعتماد على ثابت وحده، [ص ٧٠] لكن لما وقع في سياق السند ذِكْر عليّ بن زيد لم ير مسلم أن يحذفه. ولمسلم من هذا نظائر. وأما القصة فلا أدري ما ينكر المسلم منها وهو يقرأ قول الله في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية (٣) [الأعراف: ١٥٧]، وقوله سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ

стр. 179

اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]، وآيات أخرى معروفة، فلينظر المسلم مَن الأولى بأن يقال: فجر وافتجر؟ ثم ذكر حكاية عن «حياة الحيوان» (١)، وحَسْبها أنه لم يجد لها مصدرًا إلا «حياة الحيوان»، على أن الحكاية نفسها ليس فيها ما ينكره المؤمن بالقرآن. ثم قال ص ١١٣: (ووهب بن منبه .. .. ). أقول: قد قدمت شيئًا من حال وهب، وقد وثَّقه بعض الحفاظ وضعَّفه عَمرو بن علي الفلَّاس، أخرج البخاري (٢) حديثًا من طريقه ثم قال: «تابعه مَعْمر». وله في «صحيح مسلم» (٣) شيء تابعه عليه مَعْمر أيضًا، ومعمر هو ابن راشد أحد الأئمة المجمع عليهم. وقال: (روى عنه كثير من الصحابة، منهم أبوهريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس وغيرهم). أقول: هذه من مجازفات أبي رية، وإنما ذكر أهلُ العلم أنَّ وهبًا روى عن هؤلاء، وإنما ولد سنة ٣٤ كما مرَّ، وإنما اشتهر بعد وفاة هؤلاء.

стр. 180

قال: «أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام ــ وهو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا ــ إنه مكتوب في التوراة في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة. وأخرج كذلك: مكتوب في التوراة صفة النبي، وعيسى ابن مريم يدفن معه». أقول: لم أجد الخبر الأول في «جامع الترمذي» (١)، ولا ذكره صاحب «ذخائر المواريث»، وسيأتي ما يتعلق به. وأما الثاني؛ ففي سنده عثمان بن الضحَّاك مجهول، ومحمد بن يوسف بن عبد الله، ولم يوثَّقا توثيقًا يُعتدُّ به، وقد ذكر البخاري في ترجمة محمد من «التاريخ» (١/ ١/٢٦٣) (٢) طرفًا من هذا الخبر وقال: «هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه». قال أبوريَّة: (وهذا ... قد أحكمه الداهية كعب، فقد روى الدارمي عنه في صفة النبيّ في التوارة قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام. [ص ٧١] وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الأسطورة حتى وجدناه في «سنن الدارمي» كذلك عن الداهية الأكبر كعب، فقد روى ذكوان عنه قال: في السطر الأول محمد رسول الله عبده المختار ... ، وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في «طبقاته» عن ابن عباس في جواب لكعب. وقد امتدت هذه الخرافة إلى أحد
следующие страницы →