← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ابن معاذ قال لرسول الله ﷺ : ألا نبني لك عريشا، فتكون فيه، وننيخ لك ركائبك ونلقى عدونا، فإن أظهرنا الله عليهم فذاك، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا. فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، ويوادونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له. فبني لرسول الله ﷺ عريش، فكان فيه وأبو بكر ما معهما غيرهما. وقال البخاري (١): حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، سمع ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه كان أحب إلي مما عدل به: أتى النبي ﷺ ، وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك، قال: فرأيت رسول الله ﷺ أشرق لذلك، وسره. وقال مسلم (٢) وأبو داود (٣): حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه فانطلق إلى بدر، فإذا هم بروايا قريش، فيها عبد أسود لبني الحجاج، فأخذه أصحاب النبي ﷺ فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟ فيقول: والله مالي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت، فيهم أبو جهل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. قال: فإذا قال لهم ذلك ضربوه. فيقول: دعوني دعوني أخبركم. فإذا تركوه قال كقوله سواء. والنبي ﷺ يصلي وهو يسمع ذلك. فلما انصرف قال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم. هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان. قال أنس: وقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان غدا؛ ووضع يده على

стр. 387

الأرض. وهذا مصرع فلان؛ ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان، ووضع يده على الأرض. قال: والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم عن موضع يده ﷺ . قال: فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخذ بأرجلهم، فسحبوا فألقوا في قليب بدر. صحيح. وقال حماد أيضا، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة - كذا قال، والمعروف ابن معاذ - فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا. وساق الحديث المذكور قبل هذا. أخرجه مسلم (١). ورواه أيضا (٢) من حديث سليمان بن المغيرة أخصر منه عن ثابت، عن أنس: حدثنا عمر قال: إن رسول الله ﷺ ليخبرنا عن مصارع القوم بالأمس: هذا مصرع فلان - إن شاء الله - غدا، هذا مصرع فلان - إن شاء الله - غدا. فوالذي بعثه بالحق، ما أخطأوا تلك الحدود، وجعلوا يصرعون حولها. ثم ألقوا في القليب. وجاء النبي ﷺ فقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقلت: يا رسول الله أتكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يردوا علي. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت سمرة يصلي ويبكي، حتى أصبح.

стр. 388

وقال أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال: أخبرني إسماعيل بن عون بن عبيد الله (١) بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت لأنظر إلى رسول الله ﷺ ما فعل، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد عليها. فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول أيضا. غريب (٢). وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: ما سمعت مناشدا ينشد حقا أشد من مناشدة محمد ﷺ يوم بدر؛ جعل يقول: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، ثم التفت وكأن شق وجهه القمر؛ فقال: كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية (٣). وقال خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال وهو في قبته يوم بدر: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا. فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو في الدرع. فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر أخرجه البخاري (٤). وقال عكرمة بن عمار: حدثني أبو زميل سماك الحنفي، قال: حدثني ابن عباس، عن عمر قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا. فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه، مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله

стр. 389

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة. فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم (١) أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري، فحدث ذاك رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثةفقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين. أخرجه مسلم (٢). وقال سلامة بن روح، عن عقيل، حدثني ابن شهاب قال: قال أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال أبو أسيد الساعدي بعدما ذهب بصره: يا ابن أخي، والله لو كنت أنا وأنت ببدر، ثم أطلق الله لي بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة، غير شك ولا تمار. وقال الواقدي (٣): حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس. وحدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا بكر أبشر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض. فلما نزل إلى الأرض، تغيب عني ساعة ثم طلع، على ثناياه النقع يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته. وقال عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب. أخرجه البخاري (٤). وقال موسى بن يعقوب الزمعي: حدثني أبو الحويرث، قال: حدثني محمد بن جبير بن مطعم أنه سمع عليا ﵁، خطب الناس فقال: بينما أنا أمتح (٥) من قليب بدر إذ جاءت ريح شديدة لم أر مثلها ثم ذهبت،

стр. 390

ثم جاءت ريح شديدة كالتي قبلها. فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة، وكانت الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة. وجاءت ريح ثالثة كان فيها إسرافيل في ألف. فلما هزم الله أعداءه حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فجرت بي، فوقعت على عقبي، فدعوت الله فأمسكت. فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى اختضب هذا، وأشار إلى إبطه (١). غريب. وموسى فيه ضعف. وقوله: حملني على فرسه لا يعرف إلا من هذا الوجه. وقال يحيى بن بكير. حدثني محمد بن يحيى بن زكريا الحميري، قال: حدثنا العلاء بن كثير، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال: حدثني أبو أمامة بن سهل قال: قال أبي: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف (٢). وقال ابن إسحاق (٣): حدثني من لا أتهم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا. ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا. وجاء في قوله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا؛ ذكر الواقدي (٤)، عن إبراهيم بن أبي حبيبة؛ حدثه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس، يثبتونهم، فيقول: إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا. إلى غير ذلك من القول. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي قال: لما قدمنا المدينة، أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك. فكان النبي ﷺ

стр. 391

يتخبر عن بدر. فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله ﷺ إلى بدر - وهي بئر - فسبقنا المشركين إليها. فوجدنا فيها رجلين: رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط. فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه. حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ فقال له: كم القوم؟ قال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجهد أن يخبره كم هم فأبى. ثم سأله: كم ينحرون كل يوم من الجزور؟ فقال: عشرة. فقال نبي الله ﷺ : القوم ألف، كل جزور بمائة وتبعها. ثم إنه أصابنا من الليل طش (١) من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف (٢) نستظل تحتها. وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض. فلما طلع الفجر نادى رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة. فجاء الناس من تحت الشجر والحجف والجرف (٣) فصلى بنا رسول الله ﷺ وحض على القتال. ثم قال: إن جمع قريش عند هذه الضلع الحمراء من الجبل. فلما دنا القوم منا وضايقناهم إذا رجل منهم يسير في القوم على جمل أحمر، فقال رسول الله ﷺ : يا علي ناد لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين (٤) - من صاحب الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟ ثم قال رسول الله ﷺ : إن يك في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال ويقول: يا قوم إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير. يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة، وقد تعلمون أني لست بأجبنكم. فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول

стр. 392

هذا لأعضضته. قد ملئت جوفك رعبا، فقال: إياي تعني يا مصفر استه؟ ستعلم اليوم أينا أجبن؟ فبرز عتبة وابنه الوليد وأخوه حمية. فقال: من يبارز؟ فخرج من الأنصار شببة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بني عمنا. فقال رسول الله ﷺ : قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة بن الحارث. فقتل الله عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. وجرح عبيدة. فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين. فجاء رجل من الأنصار قصير برجل من بني هاشم أسيرا فقال الرجل: إن هذا والله ما أسرني، ولقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها، على فرس أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم. قال: فأسر من بني عبد المطلب: العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث (١). وقال إسحاق بن منصور السلولي: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لقد قلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. فأسرنا رجلا فقلت: كم كنتم؟ قال: ألفا (٢). وقال سلميان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله عرضها السموات والأرض؟ فقال: نعم. قال: بخ بخ! قال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تميرات من قرنه (٣) فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بهن، ثم قاتل حتى قتل. أخرجه مسلم (٤). وقال عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه؛ قال:

стр. 393

قال رسول الله ﷺ حين اصطففنا يوم بدر: إذا أكثبوكم؛ يعني إذا غشوكم، فارموهم بالنبل، واستبقوا نبلكم. أخرجه البخاري (١). وروى عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة بن الزبير قال: جعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. وسمى خيله: خيل الله (٢). أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام، وابنة عمه ست الأهل بنت علوان - سنة ثلاث وتسعين (٣) - وآخرون قالوا: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا الحسين بن طلحة، قال: أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن مهدي، قال: حدثنا الحسين بن إٍسماعيل، قال: حدثنا محمود بن خداش، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو هاشم عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر ﵁ يقسم قسما: هذان خصمان اختصموا في ربهم؛ أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث ﵃ وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة. أخرجه البخاري (٤) عن يعقوب الدورقي وغيره. ومسلم (٥) عن عمرو بن زرارة، عن هشيم، عن أبي هاشم يحيى بن دينار الرماني الواسطي، عن أبي مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري. وهو من الأبدال العوالي. وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي، أمه ثقفية، وكان أسن من النبي ﷺ بعشر سنين، أسلم هو وأبو سلمة بن عبد الأسد وعثمان بن مظعون في وقت. وهاجر هو وأخواه الطفيل والحصين. وكان عبيدة كبير المنزلة عند النبي ﷺ ، وكان مربوعا مليحا، توفي بالصفراء. وهو الذي بارز عتبة بن ربيعة، فاختلفا ضربتين، كلاهما

стр. 394

أثبت صاحبه، كما تقدم. وقد جهزه النبي ﷺ في ستين راكبا من المهاجرين أمره عليهم؛ فكان أول لواء عقده النبي ﷺ لواء عبيدة. فالتقى بقريش وعليهم أبو سفيان عند ثنية المرة، فكان أول قتال في الإسلام. قاله محمد بن إسحاق (١). وقال ابن إسحاق (٢) وغيره عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن المستفتح يوم بدر أبو جهل. قال لما التقى الجمعان: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف (٣)، فأحنه (٤) الغداة. فقتل، ففيه أنزلت: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح. وقال معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، سمع أنسا يقول: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. متفق عليه (٥). وعن ابن عباس في قوله: وما لهم ألا يعذبهم الله، قال: يوم بدربالسيف. قاله عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عنه (٦). وبه عنه في قوله: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين قال: أقبلت عير أهل مكة تريد الشام - كذا قال - فبلغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدون العير. فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا السير، فسبقت العير رسول الله ﷺ ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين. وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم، وأيسر شوكة وأحضر مغنما.

стр. 395

فسار رسول الله ﷺ يريد القوم، فكره المسلمون مسيرهم لشوكة القوم، فنزل رسول الله ﷺ والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنط يوسوسهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم كذا. فأنزل الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا. فأذهب الله عنهم رجز الشيطان. وصار الرمل - يعني ملبدا - وأمدهم الله بألف من الملائكة. وجاء إبليس في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجال بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله ﷺ يده فقال: يا رب إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا. فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب. فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم. فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه، فولوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين نزع يده وولى مدبرا وشيعته. فقال الرجل: يا سراقة، أما زعمت أنك لنا جار؟ قال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله (١). وقال يوسف بن الماجشون، أخبرنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما. فتمنيت أن أكون بين أضلع (٢) منهما. فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي مثلها. فلم

стр. 396

أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه. ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. قال: فنظر في السيفين، فقال، كلاهما قتله. وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو، والآخر معاذ بن عفراء. متفق عليه (١). وقال زهير بن معاوية: حدثنا سليمان التيمي، حدثني أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: أنت أبو جهل؟ فأخذ بلحيته. فقال: هل فوق رجل قتلتموه، أو قتله قومه؟ أخرجه البخاري ومسلم (٢). وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عبد الله أنه أتى أبا جهل فقال: قد أخزاك الله. فقال: هل أعمد (٣) من رجل قتلتموه؟ أخرجه البخاري (٤). وقال عثام بن علي: حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع، وعليه بيضة، ومعه سيف جيد، ومعي سيف رث. فجعلت أنقف (٥) رأسه بسيفي، وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة، حتى ضعفت يده، فأخذت سيفه. فرفع رأسه فقال: على من كانت الدبرة، لنا أو علينا؟ ألست رويعينا بمكة؟ قال: فقتلته. ثم أتيت النبي ﷺ فقلت: قتلت أبا جهل. فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ فاستحلفني ثلاث مرار (٦). ثم قام معي إليهم، فدعا عليهم (٧).

стр. 397

وروي نحوه عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق. وفيه: فاستحلفني وقال: الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق فأرنيه. فانطلقت فأريته. فقال: هذا فرعون هذه الأمة. وروي عن أبي إسحاق أن النبي ﷺ لما بلغه قتله خر ساجدا. وقال الواقدي (١): وقف رسول الله ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال: يرحم الله ابني عفراء، فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر. فقيل: يا رسول الله، ومن قتله معهما؟ قال: الملائكة، وابن مسعود قد شرك في قتله. وقال أبو نعيم: حدثنا سلمة بن رجاء، عن الشعثاء؛ امرأة من بني أسد، قالت: دخلت على عبد الله بن أبي أوفى، فرأيته صلى الضحى ركعتين، فقالت له امرأته: إنك صليت ركعتين. فقال: إن رسول الله ﷺ صلى الضحى ركعتين حين بشر بالفتح، وحين جيء برأس أبي جهل (٢). وقال مجالد، عن الشعبي أن رجلا قال للنبي ﷺ : إني مررت ببدر، فرأيت رجلا يخرج من الأرض، فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج، فيفعل به مثل ذلك مرارا. فقال رسول الله ﷺ : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة (٣). وقال البخاري ومسلم (٤) من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس، عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال. فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها، ثم مشى واتبعه أصحابه، فقالوا: ما نراه إلا ينطلق لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي (٥) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء

стр. 398

آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة. صحيح (١). وقال هشام، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وقف على قليب بدر فقال: إنهم ليسمعون ما أقول. قال عروة: فبلغ عائشة فقالت: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ، إنما قال: إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق. إنهم قد تبوؤوا مقاعدهم من جهنم. إن الله يقول: إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير أخرجه البخاري (٢). ما روت عائشة لا ينافي ما روي ابن عمر وغيره، فإن علمهم لا يمنع من سماعهم قوله ﵇، وأما إنك لا تسمع الموتى، فحق لأن الله أحياهم ذلك الوقت كما يحيي الميت لسؤال منكر ونكير. وقال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: بدلوا نعمة الله كفرا؛ قال: هم كفار قريش. وأحلوا قومهم دار البوار؛ قال: النار يوم بدر. أخرجه البخاري (٣). وقال إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من القتلى قيل له: عليك العير ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو في الوثاق: إنه لا يصلح لك. قال: لم؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك (٤). هذا إسناد صحيح (٥)، ورواه جعفر بن محمد بن شاكر، عن أبي نعيم، عنه.

стр. 399

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني خبيب بن عبد الرحمن قال: ضرب خبيب بن عدي يوم بدر فمال شقه، فتفل عليه رسول الله ﷺ ، ولأمه ورده، فانطبق. أحمد بن الأزهر: حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس أو غيره قال: شهد عمير بن وهب الجمحي بدرا كافرا، وكان في القتلى. فمر به رجل فوضع سيفه في بطنه، فخرج من ظهره. فلما برد عليه الليل لحق بمكة فصح. فاجتمع هو وصفوان بن أمية فقال: لولا عيالي وديني لكنت الذي أقتل محمدا. فقال صفوان: وكيف تقتله؟ قال: أنا رجل جريء الصدر جواد لا ألحق، فأضربه وألحق بالجبل فلا أدرك. قال: عيالك في عيالي ودينك علي. فانطلق فشحذ سيفه وسمه. وأتى المدينة، فرآه عمر فقال للصحابة: احفظوا أنفسكم فإني أخاف عميرا إنه رجل فاتك، ولا أدري ما جاء به. فأطاف المسلمون برسول الله ﷺ ، وجاء عمير، متقلدا سيفه، إلى النبي ﷺ فقال: أنعم صباحا. قال: ما جاء بك يا عمير؟ قال: حاجة. قال: فما بال السيف؟ قال: قد حملناها يوم بدر فما أفلحت ولا أنجحت. قال: فما قولك لصفوان وأنت في الحجر؟ وأخبره بالقصة. فقال عمير: قد كنت تحدثنا عن خبر السماء فنكذبك، وأراك تعلم خبر الأرض. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. بأبي أنت وأمي، أعطني منك علما يعلم أهل مكة أني أسلمت. فأعطاه. فقال عمر: لقد جاء عمير وإنه لأضل من خنزير، ثم رجع وهو أحب إلي من ولدي (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢) قال: حدثنا عكاشة الذي قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: قاتل بهذا. فلما أخذه هزه فعاد سيفا في يده، طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة. فقاتل بها، حتى فتح الله على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ ، حتى قتل في قتال أهل الردة وهو عنده. وكان ذلك السيف يسمى القوي.

стр. 400

هكذا ذكره ابن إسحاق بلا سند. وقد رواه الواقدي (١) قال: حدثني عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، عن عمته قالت: قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي يوم بدر، فأعطاني رسول الله ﷺ عودا، فإذا هو سيف أبيض طويل. فقاتلت به. وقال الواقدي (٢): حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن داود بن الحصين، عن جماعة قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين، فقال: اضرب به. فإذا هو سيف جيد. فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد. ذكر غزوة بدر من مغازي موسى بن عقبة فإنها من أصح المغازي (٣) قد قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثني مطرف ومعن وغيرهما أن مالكا كان إذا سئل عن المغازي قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنه أصح المغازي. قال محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب. (ح). وقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة - وهذا لفظه - عن عمه موسى بن عقبة قال: مكث رسول الله ﷺ بعد قتل ابن

стр. 401

الحضرمي شهرين. ثم أقبل أبو سفيان في عير لقريش، ومعه سبعون راكبا من بطون قريش؛ منهم: مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص، وكانوا تجارا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف بعير. ولم يكن لقريش أوقية فما فوقها إلا بعثوا بها مع أبي سفيان؛ إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك تخلف عن بدر فلم يشهدها. فذكروا لرسول الله ﷺ وأصحابه، وقد كانت الحرب بينهم قبل ذاك، فبعث عدي بن أبي الزغباء الأنصاري، وبسبس بن عمرو، إلى العير، عينا له، فسارا، حتى أتيا حيا من جهينة، قريبا من ساحل البحر، فسألوهم عن العير، فأخبروهما بخبر القوم. فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه. فاستنفر المسلمين للعير. في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوف من المسلمين، فسألهم فأخبروه خبر الراكبين، فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيريهما. ففته فوجد النوى فقال: هذه علائف أهل يثرب. فأسرع وبعث رجلا من بني غفار يقال له: ضمضم بن عمرو إلى قريش أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه. وكانت عاتكة قد رأت قبل قدوم ضمضم؛ فذكر رؤيا عاتكة، إلى أن قال: فقدم ضمضم فصاح: يا آل غالب بن فهر انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان. ففزعوا، وأشفقوا من رؤيا عاتكة، ونفروا على كل صعب وذلول. وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة؟ سيعلم أنمنع عيرنا أم لا؟ فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارها للخروج. فأشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وأخاه عقيلا، إلى أن نزلوا الجحفة. فوضع جهيم بن الصلت بن مخرمة المطلبي رأسه فأغفى، ثم نزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفا. قالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقف علي فارس فقال: قتل أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري، وأمية بن خلف، فعد جماعة. فقالوا: إنما لعب بك الشيطان. فرفع حديثه إلى أبي جهل فقال: قد جئتمونا بكذب بني المطلب

стр. 402

مع كذب بني هاشم، سترون غدا من يقتل. وخرج رسول الله ﷺ في طلب العير، فسلك على نقب (١) بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع. فنفر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وأبطأ عنه كثير من أصحابه وتربصوا. وكانت أول وقعة أعز الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان ومعه المسلمون على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد. وكان زميل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، ليس مع الثلاثة إلا بعير واحد. فساروا، حتى إذا كانوا بعرق الظبية (٢) لقيهم راكب من قبل تهامة، فسألوه عن أبي سفيان فقال: لا علم لي به. فقالوا: سلم على رسول الله ﷺ . قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. وأشاروا إليه. فقال له: أنت رسول الله؟ قال: نعم. قال: إن كنت رسول الله فحدثني بما في بطن ناقتي هذه. فغضب سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري فقال: وقعت على ناقتك فحملت منك. فكره رسول الله ﷺ ما قال سلمة فأعرض عنه. ثم سار لا يلقاه خبر ولا يعلم بنفرة قريش. فقال رسول الله ﷺ : أشيروا علينا. فقال أبو بكر: أنا أعلم بمسافة الأرض. أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا (٣). وقال عمر: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت. والله لتقاتلنك، فتأهب لذلك. فقال: أشيروا علي. قال المقداد بن عمرو: إنا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون. فقال: أشيروا علي.

стр. 403

فلما رأى سعد بن معاذ كثرة استشارته ظن سعد أنه يستنطق الأنصار شفقا أن لا يستحوذوا معه، أو قال: أن لا يستجلبوا معه على ما يريد، فقال: لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك. ولا يرونها حقا عليهم، إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم. وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذته منا أحب إلينا مما تركته علينا. فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن لسرنا معك. فقال رسول الله ﷺ : سيروا على اسم الله فإني قد أريت مصارع القوم. فعمد لبدر. وخفض (١) أبو سفيان فلصق بساحل البحر، وأحرز ما معه، فأرسل إلى قريش، فأتاهم الخبر بالجحفة. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم بها. فكره ذلك الأخنس بن شريق وأشار بالرجعة، فأبوا وعصوه. فرجع ببني زهرة فلم يحضر أحد منهم بدرا. وأرادت بنو هاشم الرجوع فمنعهم أبو جهل. ونزل رسول الله ﷺ على أدنى شيء من بدر. ثم بعث عليا والزبير وجماعة يكشفون الخبر. فوجدوا وارد قريش عند القليب، فوجدوا غلامين فأخذوهما فسألوهما عن العير، فطفقا يحدثانهم عن قريش، فضربوهما. وذكر الحديث، إلى أن قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: أشيروا علي في المنزل. فقام الحباب بن المنذر السلمي: أنا يا رسول الله عالم بها وبقلبها؛ إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة، فتنزل عليها وتسبق القوم إليها ونغور ما سواها. فقال: سيروا. فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين. فوقع في قلوب ناس كثير الخوف. فتسارع المسلمون والمشركون إلى

стр. 404

الماء، فأنزل الله تلك الليلة مطرا واحدا؛ فكان علي المشركين بلاء شديدا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبد لهم الأرض، فسبقوا إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل. فاقتحم القوم في القليب فماحوها (١) حتى كثر ماؤها. وصنعوا حوضا عظيما ثم غوروا ما سواه من المياه. ويقال: كان مع رسول الله ﷺ فرسان، على أحدهما: مصعب بن عمير، وعلى الآخر سعد بن خثيمة. ومرة الزبير بن العوام، والمقداد. ثم صف رسول الله ﷺ على الحياض. فلما طلع المشركون قال رسول الله ﷺ - فيما زعموا - اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك. واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لهم. فنزل المشركون وتعبؤوا للقتال، ومعهم إبليس في صورة سراقة المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءه قد أقبلوا لنصرهم. قال: فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال: هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت؟ قال: فأفعل ماذا؟ قال: تجير بين الناس وتحمل دية ابن الحضرمي، وبما أصاب محمد في تلك العير، فإنهم لا يطلبون من محمد غيرها. قال عتبة: نعم قد فعلت، ونعما قلت، فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها. فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك. وركب عتبة جملا له، فسار عليه في صفوف المشركين فقال: يا قوم أطيعوني ودعوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل ينظر إلى قاتل أخيه أو ابنه أو ابن أخيه أو ابن عمه، فيورث ذلك فيكم إحنا وضغائن. وإن كان هذا الرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم. وإن كان نبيا لم تقتلوا النبي فتسبوا به. ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادكم، ولا آمن أن تكون لهم الدبرة عليكم.

стр. 405

فحسده أبو جهل على مقالته. وأبى الله إلا أن ينفذ أمره. وعتبة يومئذ سيد المشركين. فعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي - وهو أخو المقتول - فقال: هذا عتبة يخذل بين الناس، وقد تحمل بدية أخيك، يزعم أنك قابلها. أفلا تستحيون من ذلك أن تقبلوا الدية؟ وقال لقريش: إن عتبة قد علم أنكم ظاهرون على هذا الرجل ومن معه، وفيهم ابنه وبنو عمه، وهو يكره صلاحكم. وقال لعتبة: انتفخ سحرك (١). وأمر النساء أن يعولن عمرا، فقمن يصحن: واعمراه وا عمراه؛ تحريضا على القتال (٢). وقام رجل فتكشفوا؛ يعيرون بذلك قريشا. فأخذت قريش مصافها للقتال. فذكر الحديث إلى أن قال: فأسر نفر ممن أوصى بهم رسول الله ﷺ أن لا يقتلوهم إلا أبا البختري، فإنه أبى أن يستأسر، فذكروا له أن رسول الله ﷺ قد أمرهم أن لا يقتلوه إن استأسر، فأبى. ويزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختري. ويأبى عظم الناس إلا أن المجذر هو الذي قتله. بل قتله أبو داود المازني. قال: ووجد ابن مسعود أبا جهل مصروعا، بينه وبين المعركة غير كثير، مقنعا في الحديد واضعا سيفه على فخذيه ليس به جرح، ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا، وهو منكب ينظر إلى الأرض. فلما رآه ابن مسعود أطاف حوله ليقتله وهو خائف أن يثور إليه، وأبو جهل مقنع بالحديد، فلما أبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحا، فأراد أن يضربه بسيفه، فخشي أن لا يغني سيفه شيئا، فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيفه فاستله وهو منكب، فرفع عبد الله سابغة البيضة عن قفاه فضربه، فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه. فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح، وأبصر في عنقه خدرا (٣)، وفي يديه

стр. 406

وفي كتفيه كهيئة آثار السياط، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : ذلك ضرب الملائكة. قال: وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين، فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر. وكان ذلك يوم الفرقان؛ يوم فرق الله بين الشرك والإيمان. وقالت اليهود: تيقنا أنه النبي الذي نجد نعته في التوراة. والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت. وأقام أهل مكة على قتلاهم النوح بمكة شهرا. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فدخل من ثنية الوداع. ونزل القرآن فعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، وثلاث آيات معها. ثم ذكر موسى بن عقبة الآيات التي نزلت في سورة الأنفال في هذه الغزوة وآخرها. وقال رجال ممن أسر: يا رسول الله، إنا كنا مسلمين، وإنما أخرجنا كرها، فعلام يؤخذ منا الفداء؟ فنزلت: قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا، مما أخذ منكم ويغفر لكم. حذفت من هذه القصة كثيرا مما سلف من الأحاديث الصحيحة استغناء بما تقدم (١). وقد ذكر هذه القصة - بنحو قول موسى بن عقبة - ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة، ولم يذكر أبا داود المازني في قتل أبي البختري. وزاد يسيرا (٢).

стр. 407

وقال هو وابن عقبة: إن عدد من قتل من المسلمين ستة من قريش، وثمانية من الأنصار. وقتل من المشركين تسعة وأربعون رجلا، وأسر تسعة وثلاثون رجلا (١). كذا قالا. وقال ابن إسحاق: استشهد أربعة من قريش وسبعة من الأنصار. وقتل من المشركين بضعة وأربعون، وكانت الأسارى أربعة وأربعين أسيرا (٢). وقال الزهري عن عروة: هزم المشركون وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر مثل ذلك. ويشهد لهذا القول حديث البراء الذي في البخاري (٣)؛ قال: أصاب النبي ﷺ وأصحابه من المشركين يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. وأصابوا منا يوم أحد سبعين. وقال حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنته رقية أيام بدر. فجاء زيد بن حارثة - على العضباء - ناقة رسول الله ﷺ بالبشارة. قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا أبي قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى. فضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه (٤). وقال عبدان بن عثمان (٥): حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن - رجل من أهل صنعاء - قال: أرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت، عليه خلقان جالس على التراب. قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال. فقال: أبشركم بما يسركم؛ إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ وأهلك عدوه، وأسر فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي - رجل

стр. 408

من بني ضمرة - إبله. فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب، ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق (١)؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى ﵇ أن حقا على عباد الله أن يحدثوا تواضعا عندما ما أحدث لهم من نعمته. فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت له هذا التواضع. ذكر مثل هذه الحكاية الواقدي في مغازيه بلا سند (٢). فصل في غنائم بدر والأسرى قال خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: من فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا. قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات. فلما فتح الله عليهم قالت المشيخة: كنا ردءا لكم، لو انهزمتم، فئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى. فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا. فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال إلى قوله: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يقول: فكان ذلك خيرا لهم. فكذلك أيضا أطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم. أخرجه أبو داود (٣). ثم ساقه من وجه آخر عن داود بإسناده. وقال: فقسمها رسول الله ﷺ بالسواء. وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر (٤). وقال عمر بن يونس: حدثني عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل،

стр. 409

قال: حدثني ابن عباس، قال: حدثني عمر قال: لما كان يوم بدر، فذكر القصة. قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ : ما ترون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله لا أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم؛ فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان - نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر تبكيان. قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكيان، فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا تباكيت لبكائكما. فقال: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرة قريبة من نبي الله ﷺ . وأنزل الله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، فأحل الله لهم الغنيمة. أخرجه مسلم (١). وقال جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه قال: لما كان يوم بدر قال لهم رسول الله ﷺ : ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال عبد الله بن رواحة: أنت في واد كثير الحطب فأضرم نارا ثم ألقهم فيها. فقال العباس: قطع الله رحمك. فقال عمر: قادتهم ورؤوسهم قاتلوك وكذبوك، فاضرب أعناقهم. فقال أبو بكر: عشيرتك وقومك. ثم دخل رسول الله ﷺ لبعض حاجته. فقالت طائفة: القول ما قال عمر. فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ إن مثل هؤلاء كمثل

стр. 410

إخوة لهم كانوا من قبلهم؛ قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، وقال موسى: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم، وقال إبراهيم: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، وقال عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك الآية. وأنتم قوم بكم عيلة، فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو بضربة عنق. فقلت: إلا سهيل بن بيضاء فإنه لا يقتل، قد سمعته يتكلم بالإسلام. فسكت. فما كان يوم أخوف عندي أن يلقي الله علي حجارة من السماء من يومي ذلك، حتى قال رسول الله ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء (١). وقال أبو إسحاق عن البراء أو غيره قال: جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره إلى رسول الله ﷺ . فقال العباس: ليس هذا أسرني. فقال رسول الله ﷺ : لقد آزرك الله بملك كريم. وقال ابن إسحاق: حدثني من سمع عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو السلمي. فقال النبي ﷺ : كيف أسرته؟ قال: لقد أغلق (٢) عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد، هيئته كذا وكذا. فقال: لقد أعانك عليه ملك كريم. وقال للعباس: افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث. فأبى وقال: إني كنت مسلما وإنما استكرهوني. قال: الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك. وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافد نفسك. وكان قد أخذ معه عشرون أوقية ذهبا. فقال: يا رسول الله احسبها لي من فدائي. قال: لا، ذاك شيء أعطانا الله منك. وقال عبد العزيز بن عمران الزهري؛ وهو ضعيف: حدثني محمد بن موسى، عن عمارة بن عمار بن أبي اليسر، عن أبيه، عن جده قال: نظرت

стр. 411

إلى العباس يوم بدر، وهو قائم كأنه صنم وعيناه تذرفان، فقلت: جزاك الله من ذي رحم شرا، تقاتل ابن أخيك مع عدوه؟ قال: ما فعل، أقتل؟ قلت: الله أعز له وأنصر من ذلك. قال: ما تريد إلي؟ قلت: إسار، فإن رسول الله ﷺ نهى عن قتلك. قال: ليست بأول صلته. فأسرته. وروى ابن إسحاق، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فبعثت قريش في فداء أسراهم. وقال العباس: إني كنت مسلما. فنزل فيه إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم. قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقية عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من المغفرة. وقال أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، عن علي؛ وبعضهم يرسله؛ قال: قال النبي ﷺ في الأسارى يوم بدر. إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهم. وكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة (١). هذا الحديث داخل في معجزاته ﷺ ، وإخباره عن حكم الله فيمن يستشهد، فكان كما قال. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني نبيه بن وهب العبدري قال: لما أقبل رسول الله ﷺ بالأسارى فرقهم على المسلمين، وقال: استوصوا بهم خيرا. قال نبيه: فسمعت من يذكر عن أبي عزيز، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: استوصوا بالأسارى خيرا. فإن كان ليقدم إليهم الطعام فما تقع بيد أحدهم كسرة إلا رمى بها إلى أسيره، ويأكلون التمر. فكنت أستحي فآخذ الكسرة فأرمي بها إلى الذي رمى بها إلي، فيرمي بها إلي. أبو عزيز هو أخو مصعب بن عمير، يقال: إنه أسلم. وقال ابن الكلبي وغيره: إنه قتل يوم أحد كافرا.

стр. 412

وعن ابن عباس قال: جعل النبي ﷺ فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة. أخرجه أبو داود من حديث شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء عنه (١). وقال أسباط، عن إسماعيل السدي: كان فداء أهل بدر: العباس، وعقيل ابن أخيه، ونوفل، كل رجل أربعمائة دينار (٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس أن رسول الله قال يوم بدر: إني قد عرفت أن ناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا منهم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها. فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وإخواننا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. فبلغت رسول الله ﷺ ، فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فكان أبو حذيفة بعد يقول: والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت، ولا أزال منها خائفا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة. فاستشهد يوم اليمامة. قال ابن إسحاق: إنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة (٣). وكان العباس أكثر الأسرى فداء لكونه موسرا، فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهب. وقال ابن شهاب: حدثني أنس أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله

стр. 413

• ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا فداءه. فقال: لا والله لا تذرن درهما. أخرجه البخاري (١). وقال إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قالوا: يا رسول الله؛ بعد ما فرغ من بدر؛ عليك بالعير ليس دونها شيء. فقال العباس وهو في وثاقه: لا يصلح. قال: ولم؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. وقد ذكر إرسال زينب بنت رسول الله ﷺ بقلادتها في فداء أبي العاص زوجها ﵄. وقال سعيد بن أبي مريم: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا ابن الهاد، قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة - أو ابن كنانة - فخرجوا في أثرها. فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها وأهريقت دما. فتحملت. فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية. فقالت بنو أمية: نحن أحق بها. وكانت تحت أبي العاص، فكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة. وكانت تقول لها هند: هذا من سبب أبيك. قالت: فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتأتي بزينب! فقال: بلى يا رسول الله. قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه. فانطلق زيد، فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص. قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد. فسار معه شيئا ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إياه، ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم. وانطلق الراعي حتى دخل فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته. فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا. فسكتت، حتى إذا كان الليل خرجت إليه. فقال لها: اركبي بين يدي. على بعيره. فقالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدي. وركبت وراءه حتى أتت المدينة.

стр. 414

فكان رسول الله ﷺ يقول: هي أفضل بناتي، أصيبت في. قال: فبلغ ذلك علي بن الحسين، فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه تتنقص به فاطمة؟ فقال عروة: والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أتنقص فاطمة حقا هو لها، وأما بعد فلك أن لا أحدثه أبدا (١). أسماء من شهد بدرا جمعها الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد في جزء كبير (٢). فذكر من أجمع عليه ومن اختلف فيه من البدريين، ورتبه على حروف المعجم. فبلغ عددهم ثلاثمائة وبضعة وثلاثين رجلا، وإنما وقعت هذه الزيادة في عددهم من جهة الاختلاف في بعضهم. وقد جاء في فضلهم حديث سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد الغنوي، والزبير، والمقداد؛ وكلنا فارس، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، وهو موضع بين مكة والمدينة. فذكر الحديث، ومكاتبة حاطب بن أبي بلتعة قريشا. فقال عمر: دعني أضرب عنقه فقد خان الله ورسوله. فقال: أليس هو من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة. أو قد غفرت لكم. فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. متفق عليه (٣). وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء يشكوه فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال: كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية. أخرجه مسلم (٤).

стр. 415

وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي - وكان أبوه بدريا - أنه كان يقول لابنه: ما أحب أني شهدت بدرا ولم أشهد العقبة. قال: سأل جبريل النبي ﷺ : كيف أهل بدر فيكم؟ قال: خيارنا. قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة هم خيار الملائكة. أخرجه البخاري (١). ذكر طائفة من أعيان البدريين أبو بكر، وعمر، وعلي، واحتبس عنها عثمان يمرض زوجته رقية بنت النبي ﷺ . فتوفيت في العشر الأخير من رمضان يوم قدوم المسلمين المدينة من بدر. وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره. ومن البدريين: سعد بن أبي وقاص. وأما سعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، فكانا بالشام، فقدما بعد بدر وأسهم لهما النبي ﷺ . الزبير بن العوام، أبو عبيدة بن الجراح، عبد الرحمن بن عوف، حمزة بن عبد المطلب، زيد بن حارثة، عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه: الطفيل، والحصين، وابن عمه: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب؛ وأربعتهم لم يعقبوا، مصعب بن عمير العبدري، المقداد بن الأسود، عبد الله بن مسعود، صهيب بن سنان، أبو سلمة بن عبد الأسد، عمار بن ياسر، زيد بن الخطاب أخو عمر. ومن أعيان الأنصار؛ من الأوس: سعد بن معاذ. ومن بني عبد الأشهل: عباد بن بشر، محمد بن مسلمة، أبو الهيثم ابن التيهان. ومن بني ظفر: قتادة بن النعمان. ومن بني عمرو بن عوف: مبشر بن عبد المنذر، وأخوه: رفاعة. ولم يحضرها أخوهما أبو لبابة، لأن النبي ﷺ رده فاستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره.

стр. 416

ومن بني النجار: أبو أيوب خالد بن زيد، عوف (١)، ومعوذ، ومعاذ بنو الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن عوف. وهم بنو عفراء، أبي بن كعب، أبو طلحة زيد بن سهل، بلال مولى أبي بكر، عبادة بن الصامت، معاذ بن جبل الخزرجي، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، عتبان بن مالك الخزرجي، عكاشة بن محصن، كعب بن عمرو أبو اليسر السلمي، معاذ بن عمرو بن الجموح، حشرنا الله في زمرتهم. وقد ذكرنا من استشهد منهم. وقتل من المشركين: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعبيد بن سعيد بن العاص، وأخوه: العاص، وعتبة، وشيبة، ابنا ربيعة، وولد عتبة: الوليد، وعقبة ابن أبي معيط، قتل صبرا، والحارث بن عامر النوفلي، وابن عمه طعيمة بن عدي، وزمعة بن الأسود، وابنه: الحارث، وأخوه: عقيل، وأبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد - واسمه العاص - ونوفل بن خويلد أخو خديجة، والنضر بن الحارث، قتل صبرا بعد يومين، وعمير بن عثمان التيمي عم طلحة بن عبيد الله، وأبو جهل، وأخوه: العاص بن هشام، ومسعود بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة، وأبو قيس أخو خالد بن الوليد، والسائب بن أبي السائب المخزومي، وقيل لم يقتل، بل أسلم بعد ذلك، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، ومنبه ونبيه: ابنا الحجاج بن عامر السهمي، وولدا منبه: الحارث (٢)، والعاص. وأمية بن خلف الجمحي، وابنه: علي. وذكر ابن إسحاق (٣) وغيره سائر المقتولين، وكذا سمى الذين أسروا. تركتهم خوفا من التطويل. وفي رمضان: فرض الله صوم رمضان، ونسخ فرضية يوم عاشوراء. وفي آخره: فرضت الفطرة.

стр. 417

وفي شوال: دخل النبي ﷺ بعائشة، وهي بنت تسع سنين. وفي صفر: توفي أبو جبير المطعم بن عدي بن نوفل - ونوفل هو أخو هاشم بن عبد مناف بن قصي - توفي مشركا عن سن عالية، وكان من عقلاء قريش وأشرافهم. وهو الذي قال رسول الله ﷺ : لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لأجبته. وكانت له عند النبي ﷺ يد؛ لأنه قام في نقض الصحيفة. وفيها: توفي أبو السائب عثمان بن مظعون ﵁ ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي، بعد بدر بيسير. وقد شهدها هو وأخواه: قدامة، وعبد الله. وعثمان هذا أحد السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ولما قدم أجاره الوليد بن المغيرة أياما. ثم رد على الوليد جواره. وكان صواما قواما قانتا لله. وفيها: توفي أبو سلمة (ت ق) (١) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ﵁، مرجع رسول الله ﷺ من بدر. وهو ابن عمة النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة. وأمه: برة بنت عبد المطلب. من السابقين الأولين، شهد بدرا، وتزوجت أم سلمة بعده بالنبي ﷺ ، وروت عنه القول عند المصيبة. وقيل: توفي سنة ثلاث بعد أحد أو قبلها. وفيها: ولد عبد الله بن الزبير، بالمدينة. والمسور بن مخرمة. ومروان بن الحكم: بمكة.

стр. 418

قصة النجاشي من السيرة (١) ثم إن قريشا قالوا: إن ثأرنا بأرض الحبشة. فانتدب إليها عمرو بن العاص، وابن أبي ربيعة. قال الزهري: بلغني أن مخرجهما كان بعد وقعة بدر. فلما بلغ النبي ﷺ مخرجهما، بعث عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي. وقال سعيد بن المسيب وغيره: فبعث الكفار مع عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة للنجاشي، ولعظماء الحبشة هدايا. فلما قدما على النجاشي قبل الهدايا، وأجلس عمرو بن العاص على سريره. فكلم النجاشي فقال: إن بأرضكم رجالا منا ليسوا على دينك ولا على ديننا، فادفعهم إلينا. فقال عظماء الحبشة للنجاشي: صدق، فادفعهم إليه. فقال: حتى أكلمهم. قال الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، قالت: نزلنا الحبشة، فجاورنا بها خير جار، النجاشي. أمنا على ديننا وعبدنا الله ، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي مع رجلين بما يستطرف من مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها: الأدم. فجمعوا له أدما كثيرا. ولم يتركوا بطريقا عنده إلا أهدوا له. وبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص وقالوا: ادفعا إلى كل بطريق هديته قب أن تكلما النجاشي. فقدما، وقالا لكل بطريق: إنه قد ضوى (٢) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، خالفوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم. وقد بعثنا أشرافنا إلى الملك ليردهم، فإذا كلمناه فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا. فقالوا: نعم.

стр. 419

ثم قربا هداياهما إلى النجاشي فقبلها، فكلماه. فقلت بطارقته: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله أبدا، لا أرسلهم إليهم. قوم جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على سواي. حتى أدعوهم فأسألهم عما يقولون. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ . فلما جاء رسوله اجتمعوا، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا الله، وأمرنا به نبينا، كائن في ذلك ما كان. فلما جاؤوه وقد دعا النجاشي أساقفته، ونشروا مصاحفهم حوله؛ سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل. قالت: فكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء إلى الجار ويأكل القوي منا الضعيف. كنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعا إلى الله لنعبده وحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. وعد أمور الإسلام. قال: فصدقناه واتبعناه. فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، وآثرناك على من سواك فرغبنا في جوارك: ورجونا أن لا نظلم عندك. قال: فهل معك شيء مما جاء به عن الله؟ قال جعفر: نعم فقرأ عليه: كهيعص. قالت: فبكى النجاشي وأساقفته حتى أخضلوا لحاهم، حين سمعوا القرآن. فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا.

стр. 420

قالت: فلما خرجنا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له ابن أبي ربيعة؛ وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا. قال: فوالله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد، قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما. فأرسل إلينا ليسألنا. قالت: ولم ينزل بنا مثلها. فقال: ما تقولون في عيسى؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا: عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، وأخذ منها عودا، وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا المقدار. قال: فتناخرت (١) بطارقته حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله. ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا آمنين. ما أحب أن لي دبر ذهب، وأني آذيت واحدا منكم - والدبر بلسان الحبشة: الجبل - ردوا عليهما هديتهما، فلا حاجة لنا فيها. فوالله ما أخذ الله في الرشوة فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فوالله إنا لعلى ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزنا قط أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر عليه من لا يعرف حقنا. فسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من يخرج حتى يحضر الوقعة ويخبرنا؟ فقال الزبير بن العوام: أنا أخرج. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، وسبح عليها إلى الناحية التي فيها الوقعة. ودعونا الله للنجاشي. فوالله إنا لعلى ذلك، متوقعون لما هو كائن، إذ طلع علينا الزبير يسعى ويلوح بثوبه. ألا أبشروا، فقد ظهر النجاشي، وأهلك الله

стр. 421

عدوه. فوالله ما علمنا فرحة مثلها قط. ورجع النجاشي سالما، واستوسق له أمر الحبشة. فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ بمكة. أخرجه أبو داود (١) من حديث ابن إسحاق عن الزهري. وهؤلاء قدموا مكة، ثم هاجروا إلى المدينة. وبقي جعفر وطائفة بالحبشة إلى عام خيبر. وقد قيل إن إرسال قريش إلى النجاشي كان مرتين. وأن المرة الثانية كان مع عمرو، عمارة بن الوليد المخزومي أخو خالد. ذكر ذلك ابن إسحاق أيضا. وذكر ما دار لعمرو بن العاص مع عمارة بن الوليد من رميه إياه في البحر، وسعي عمرو به إلى النجاشي في وصوله إلى بعض حرمه أو خدمه. وأنه ظهر ذلك في ظهور طيب الملك عليه، وأن الملك دعا بسحرة فسحروه ونفخوا في إحليله. فتبرر (٢) ولزم البرية، وهام، حتى وصل إلى موضع رام أهله أخذه فيه، فلما قربوا منه فاضت نفسه فمات. وقال ابن إسحاق (٣)؛ قال الزهري: حدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر عن أم سلمة، فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه؟ قلت: لا. قال: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي. وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة. فقالت الحبشة: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه لتوارث بنوه ملكه بعده، ولبقيت الحبشة دهرا. قالت: فقتلوه وملكوا أخاه. فنشأ النجاشي مع عمه. وكان لبيبا حازما، فغلب على أمر عمه. فلما رأت الحبشة ذلك قالت: إنا نتخوف أن يملكه بعده، ولئن ملك ليقتلنا بأبيه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين

стр. 422

أظهرنا. فقال: ويكلم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم؟ بل أخرجه. قال: فخرجوا به فباعوه من تاجر بستمائة درهم. فانطلق به في سفينة. فلما كان العشي، هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته. ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق (١) ليس في ولده خير. فمرج على الحبشة أمرهم وضاق عليهم ما هم فيه. فقال بعضهم لبعض: تعلموا، والله، إن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم. قال: فخرجوا في طلبه وطلب الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه. ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التاج وأجلسوه على سرير الملك. فجاء التاجر فقال: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه في ذلك. فقالوا: لا نعطيك شيئا. قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بستمائة درهم، حتى إذا سرت به أدركوني، فأخذوه ومنعوني دراهمي. فقال النجاشي: لتعطنه غلامه أو دراهمه. قالوا: بل نعطيه دراهمه. قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه وعدله. قال ابن إسحاق (٢): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال على قبره نور. قال: وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه. فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته. ثم جعله في قبائه (٣) وخرج إلى الحبشة. وصفوا له، فقال: يا معشر

стр. 423

الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا: هو ابن الله. فوضع يده على صدره، على قبائه، وقال: هو يشهد أن عيسى ابن مريم. لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني على ما كتب. فرضوا وانصرفوا. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلما مات صلى عليه واستغفر له، ﵁، وإنما ذكرنا هذا بعد بدر استطرادا (١)، والله أعلم. سرية عمير بن عدي الخطمي ذكر الواقدي (٢) أن رسول الله ﷺ بعثه لخمس بقين من رمضان، إلى عصماء بنت مروان؛ من بني أمية بن زيد؛ وكانت تعيب الإسلام، وتحرض على النبي ﷺ ، وتقول الشعر. فجاءها عمير بالليل فقتلها غيلة. غزوة بني سليم قال ابن إسحاق (٣): لم يقم رسول الله ﷺ ؛ منصرفه عن بدر بالمدينة، إلا سبعة أيام. ثم خرج بنفسه يريد بني سليم. واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل: ابن أم مكتوم. فبلغ ماء يقال له: الكدر. فأقام عليه ثلاثا، ثم انصرف. ولم يلق أحدا.

стр. 424

سرية سالم بن عمير لقتل أبي عفك (١) وذكر الواقدي (٢) أن أبا عفك اليهودي، كان قد بلغ مائة وعشرين سنة، وهو من بني عمرو بن عوف، كان يؤذي النبي ﷺ ، ويقول الشعر، ويحرض عليه. فانتدب له سالم بن عمير، فقتله غيلة، في شوال منها. غزوة السويق في ذي الحجة قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان أبو سفيان بن حرب، حين بلغه وقعة بدر، نذر أن لا يمس رأسه دهن ولا غسل، ولا يقرب أهله، حتى يغزو محمدا ويحرق في طوائف المدينة. فخرج من مكة سرا خائفا، في ثلاثين فارسا، ليحل يمينه. حتى نزل بجبل من جبال المدينة يقال له: نبت (٣). فبعث رجلا أو رجلين من أصحابه، وأمرهما أن يحرقا أدنى نخل يأتيانه من نخل المدينة. فوجدا صورا (٤) من صيران نخل العريض. فأحرقا فيها وانطلقا. وانطلق أبو سفيان مسرعا. وخرج رسول الله ﷺ ، حتى بلغ قرقرة الكدر (٥) ففاته أبو سفيان، فرجع (٦). وذكر مثل هذا ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة وقال: وركب المسلمون في آثارهم، فأعجزوهم وتركوا أزوادهم فسميت غزوة أبي سفيان: غزوة السويق.

стр. 425

وقال ابن إسحاق (١): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، ويزيد بن رومان، وحدثني من لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، قالوا: لما رجع أبو سفيان إلى مكة، ورجع فل قريش من يوم بدر، نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا. فخرج في مائتي راكب، إلى أن نزل بجبل يقال له: نبت، على نحو بريد من المدينة. ثم خرج من الليل حتى أتى حيي بن أخطب، فضرب عليه بابه، فلم يفتح له وخافه. فانصرف إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير، فأذن له وقراه، وأبطن له من خبر الناس. ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا، فأتوا ناحية العريض، فوجدوا رجلين من المسلمين، فقتلوهما وردوا ونذر بهم الناس. فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم، حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، قد رموا زادا لهم في جرب، وسويقا كثيرا، يتخففون منها للنجاء. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ فقال: نعم. قال: وذلك بعد بدر بشهرين. وفي هذه السنة: تزوج عثمان ﵁ بأم كلثوم. وفيها تزوج علي ﵁ بفاطمة الزهراء ﵂. قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن (٣) علي ﵁، قال: قد خطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت لي مولاة لي: علمت أن فاطمة خطبت إلى رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا. قالت: فما يمنعك أن تأتيه فيزوجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ قالت: إنك إن جئته زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجيني، حتى دخلت على رسول الله ﷺ وكان لرسول الله ﷺ جلالة وهيبة. فأفحمت،
следующие страницы →