← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فقتل يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر رسول الله ﷺ فقال: كأني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة. وأمر بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد. وقال ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: قال عبد الله بن جحش: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني بم ذاك، فأقول: فيك. قال سعيد بن المسيب: إني لأرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله (١). وروى الزبير بن بكار في الموفقيات (٢)، أن عبد الله بن جحش، انقطع سيفه، قال: فأعطاه النبي ﷺ عرجونا فصار في يده سيفا. فكان يسمى العرجون، ولم يزل يتناول حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار. وكان عبد الله من السابقين، أسلم قبل دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة هو وإخوته وشهد بدرا. وقال معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي: حدثنا أشياخنا أن عبد الله بن جحش جاء إلى رسول الله ﷺ يوم أحد وقد ذهب سيفه، فأعطاه النبي ﷺ عسيبا من نخل، فرجع في يد عبد الله سيفا. مرسل (٣). عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: بعثني النبي ﷺ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: إن رأيته فأقره مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة، فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف (٤). قال: وفاضت نفسه.

стр. 457

أخرجه البيهقي (١)، ثم ساقه فيما بعد من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المازني، منقطعا، فهو شاهد لما رواه خارجة. وقال موسى بن عقبة (٢): ثم انكفأ المشركون إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون. فقال النبي ﷺ : إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل، فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها، وإن كانوا ركبوا الأثقال وجنبوا الخيل فهم يريدون الفرار. فلما أدبروا بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في آثارهم. فلما رجع قال: رأيتهم سائرين على أثقالهم والخيل مجنوبة. قال: فطابت أنفس القوم، وانتشروا يبتغون قتلاهم. فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به، إلا حنظلة بن أبي عامر، وكان أبوه مع المشركين فترك لأجله. وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره برجله ثم قال: ذنبان أصبتهما، قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دبيس (٣)، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالد. ووجدوا حمزة بن عبد المطلب قد بقر بطنه وحملت كبده، احتملها وحشي وهو قتله، فذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر. فدفن في نمرة كانت عليه، إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، فغطوا قدميه بشيء من الشجر. وقال الزهري: فقال النبي ﷺ : زملوهم بدمائهم، فإنه ليس أحد يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة وجرحه يدمى، لونه لون الدم وريحه ريح المسك. وقال: إن المشركين لن يصيبوا منا مثلها. وقد كان أبو سفيان ناداهم حين ارتحل المشركون: إن موعدكم الموسم، موسم بدر. وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام. فقال رسول الله ﷺ : قولوا له: نعم.

стр. 458

قال (١): ودخل النبي ﷺ المدينة، وإذا النوح في الدور. قال: ما هذا؟ قالوا: نساء الأنصار يبكين قتلاهم. وأقبلت امرأة تحمل ابنها وزوجها على بعير، قد ربطتهما بحبل ثم ركبت بينهما، وحمل قتلى فدفنوا في مقابر المدينة، فنهاهم عن ذلك وقال: واروهم حيث أصيبوا. وقال لما سمع البكاء: لكن حمزة لا بواكي له. واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذ وابن رواحة وغيرهما، فجمعوا كل نائحة وباكية بالمدينة، فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله ﷺ . فلما سمع رسول الله ﷺ بالبكاء، قال: ما هذا؟ قال: فأخبر، فاستغفر لهم وقال لهم خيرا، وقال: ما هذا أردت وما أحب البكاء، ونهى عنه. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن نافع الأنصاري قال: انتهى أنس بن النضر إلى عمر، وطلحة، ورجال قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ . قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق (٣): وقد كان حنظلة بن أبي عامر التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود. فضرب حنظلة بالسيف فقتله. وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ قال: إن صاحبكم لتغسله الملائكة، يعني حنظلة، فسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته قالت: خرج وهو جنب حين سمع الهيعة. فقال النبي ﷺ : لذلك غسلته الملائكة. وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٤): وخلص العدو إلى رسول الله ﷺ فدث (٥) بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه،

стр. 459

وكلمت شفته. وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. فحدثني حميد الطويل، عن أنس، قال: كسرت رباعية النبي ﷺ يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: جرح رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وعلي يسكب الماء عليه بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير أحرقته، حتى إذا صار رمادا ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم. أخرجاه (١). ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم عن سهل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد أصيبت رباعيته وهشمت بيضته. وذكر باقي الحديث. وقال معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله؛ وهو يشير إلى رباعيته؛ اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله، متفق عليه (٢). وللبخاري مثله من حديث عكرمة، عن ابن عباس، لكن فيه: دموا وجه رسول الله، بدل ذكر رباعيته (٣). وقال ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله: أخبرني عيسى بن طلحة، عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى ثم قال: ذاك يوم كان كله يوم طلحة. ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء

стр. 460

يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه. وأراه قال: يحميه، فقلت: كن طلحة؛ حيث فاتني ما فاتني، قلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي. وبيني وبين المشرق رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أخطفه. فإذا هو أبو عبيدة. فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجهه حلقتان من حلق المغفر. قال رسول الله ﷺ : عليكما صاحبكما؛ يريد طلحة وقد نزف. فلم نلتفت إلى قوله، وذهبت لأنزع ذلك من وجهه. فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني. فتركته. فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي، فأزم عليهما بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين. ووقعت ثنيته مع الحلقة. وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني. ففعل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة. فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن النبي ﷺ ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار (١)، فإذا بضع وسبعون، أقل أو أكثر، من بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه. فأصلحنا من شأنه (٢). وروى الواقدي (٣) عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا، فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا. ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم تجاوزه. فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله أنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك. قال الواقدي: الثبت عندنا أن الذي رمى رسول الله ﷺ في وجنتيه: ابن قمئة، والذي رمى شفتيه وأصاب رباعيته: عتبة بن أبي وقاص.

стр. 461

وقال ابن إسحاق (١): حدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: والله ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص، وإن كان ما علمته لسيئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني منه قول رسول الله ﷺ : اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله. وقال معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة حين كسر رباعيته: اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا. فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار (٢). مرسل. ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث، قال: حدثني عمر بن السائب، أنه بلغه أن والد أبي سعيد الخدري لما جرح النبي ﷺ يوم أحد، مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له: مجه. فقال: لا والله لا أمجه أبدا. ثم أدبر فقاتل، فقال النبي ﷺ : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فاستشهد (٣). قال ابن إسحاق (٤): قال حسان بن ثابت: إذا الله جازى معشرا بفعالهم … ونصرهم الرحمن رب المشارق فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك … ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق بسطت يمينا للنبي تعمدا … فأدميت فاه، قطعت بالبوارق فهلا ذكرت الله والمنزل الذي … تصير إليه عند إحدى البوائق قال ابن إسحاق (٥): وعن أبي سعيد الخدري، أن عتبة كسر رباعية النبي ﷺ اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى. وأن عبد الله بن شهاب شجه في جبهته. وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في

стр. 462

وجنته، ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بيد رسول الله ﷺ ، ورفعه طلحة حتى استوى قائما. ومص مالك بن سنان؛ أبو أبي سعيد؛ الدم عن وجهه ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ : من مس دمه دمي لم تمسه النار. منقطع. قال البكائي: قال ابن إسحاق (١): وحدثني عاصم بن عمر، أن رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها (٢)، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده. وأصيبت يومئذ عين قتادة، حتى وقعت على وجنته. فحدثني عاصم بن عمر أن رسول الله ﷺ ردها بيده، وكانت أحسن عينيه وأحدهما. وقال الواقدي (٣): حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عمته، عن أمها، عن المقداد بن عمرو، قال: فربما رأيت رسول الله ﷺ قائما يوم أحد يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ كما هو في عصابة صبروا معه. هذان الحديثان ضعيفان، وفيهما أنه رمى بالقوس. وقال سليمان بن أحمد نزيل واسط: حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، يحدث عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، عن قتادة بن النعمان؛ وكان أخا أبي سعيد لأمه، أن عينه ذهبت يوم أحد، فجاء بها إلى النبي ﷺ فردها، فاستقامت (٤). وقال يحيى الحماني: حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن قتادة بن النعمان، أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: لا. فدعا به فغمز حدقته براحته. فكان لا يدري أي عينيه أصيبت (٥).

стр. 463

كذا قال ابن الغسيل: يوم بدر. وقال موسى بن عقبة: إن أبا حذيفة بن اليمان، واسمه حسيل بن جبير حليف للأنصار، أصابه المسلمون، زعموا، في المعركة لا يدرون من أصابه. فتصدق حذيفة بدمه على من أصابه. قال موسى: وجميع من استشهد من المسلمين تسعة وأربعون رجلا. وقتل من المشركين ستة عشر رجلا. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: حمل أبي بن خلف على النبي ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، فقتل مصعبا. وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي فطعنه بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج منها دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور (١). وروى نحوه الزهري عن ابن المسيب. وذكره الواقدي، عن يونس بن محمد، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه. قال الواقدي (٢): وكان ابن عمر يقول: مات أبي ببطن رابغ، فإني لأسير بطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج لي فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش. ورجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أبي بن خلف (٣). وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: ما نصر النبي ﷺ في موطن كما نصر يوم أحد. فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله تعالى يقول في يوم أحد: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه والحس: القتل حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون الآية. وإنما عنى بهذا الرماة. وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع. وقال: احموا ظهورنا،

стр. 464

فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. فلما غنم رسول الله ﷺ وانكفأ عسكر المشركين، نزلت الرماة فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التفت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا؛ وشبك أصابعه، والتبسوا. فلما خلى الرماة تلك الخلة (١) التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ ، فضرب بعضهم بعضا، والتبسوا. وقتل من المسلمين ناس كثير. وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة. وجال المسلمون جولة نحو الجبل. وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يشك فيه أنه حق. وساق الحديث (٢). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: كنت ممن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا. أخرجه البخاري (٣). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم أحد إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا الآية (٤). وقال يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير، قال: والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير، وإن النعاس ليغشاني ما أسمعها منه إلا كالحلم، وهو يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا (٥). وروى الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه عن

стр. 465

أبيه (١)، قال: ألقي علينا النوم يوم أحد (٢). وقال ابن إسحاق (٣)، عن عاصم بن عمر، والزهري وجماعة، قالوا: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحق به المنافقين ممن كان يظهر إسلامه بلسانه، ويوم أكرم الله فيه بالشهادة غير واحد، وكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران. وقال المدائني، عن سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أحد مرطا أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العقاب، وعلى الميمنة علي، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الساعدي، والزبير بن العوام على الرجال، ويقال المقداد بن عمرو، وحمزة بن عبد المطلب على القلب. ولواء قريش مع طلحة بن أبي طلحة فقتله علي ﵁، فأخذ اللواء سعد بن أبي طلحة فقتله سعد بن مالك، فأخذه عثمان بن أبي طلحة (٤)، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فأخذه الجلاس بن طلحة، فقتله ابن أبي الأقلح أيضا، ثم كلاب والحارث ابنا طلحة، فقتلهما قزمان حليف بني ظفر، وأرطاة بن عبد شرحبيل العبدري قتله مصعب بن عمير، وأخذه أبو زيد بن عمير العبدري، وقيل عبد حبشي لبني عبد الدار، قتله قزمان.

стр. 466

قال ابن إسحاق (١): وبقي اللواء ما يأخذه أحد، وكانت الهزيمة على قريش. وقال مروان بن معاوية الفزاري: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: حدثنا عبيد بن رفاعة الزرقي، عن أبيه، قال: لما كان يوم أحد انكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ : استووا حتى أثني على ربي. فصاروا خلفه صفوفا فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت. اللهم ابسط علينا من بركاتك، أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم عائذا بك من سوء ما أعطيتنا وشر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق. هذا حديث غريب منكر، رواه البخاري في الأدب (٢)، عن علي بن المديني، عن مروان. عدد الشهداء قد مر أن البخاري أخرج من حديث البراء، أن المشركين أصابوا منا سبعين. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: يا رب السبعين من الأنصار، سبعين يوم أحد، وسبعين يوم بئر معونة، وسبعين يوم مؤتة، وسبعين يوم اليمامة (٣).

стр. 467

وقال عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: قتل من الأنصار في ثلاثة مواطن سبعون سبعون: يوم أحد، ويوم اليمامة، ويوم جسر أبي عبيد (١). وقال ابن جريج: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: قد أصبتم مثليها، قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين (٢). وأما ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، فقال: جميع من قتل مع رسول الله ﷺ يوم أحد، من قريش والأنصار: أربعة، أو قال: سبعة وأربعون رجلا (٣). وجميع من قتل يوم أحد، يعني من المشركين تسعة عشر رجلا. وقال موسى بن عقبة: جميع من استشهد من المسلمين، من قريش والأنصار سبعة (٤) وأربعون رجلا. وقال ابن إسحاق (٥): جميع من استشهد من المسلمين، من المهاجرين والأنصار، يوم أحد، خمسة وستون رجلا. وجميع قتلى المشركين اثنان وعشرون. قلت: قول من قال سبعين أصح. ويحمل قول أصحاب المغازي هذا على عدد من عرف اسمه من الشهداء، فإنهم عدوا أسماء الشهداء بأنسابهم. قال ابن إسحاق (٦): استشهد من المهاجرين:

стр. 468

حمزة، وعبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، حليف بني عبد شمس، وهو ابن عمة سول الله ﷺ ، وقد دفن مع حمزة في قبر واحد. ومصعب بن عمير، وعثمان بن عثمان، ولقبه شماس، وهو عثمان بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي (١) بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي، ابن أخت عتبة بن ربيعة، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا. ولقب شماسا لملاحته. ومن الأنصار: عمرو بن معاذ بن النعمان الأوسي، أخو سعد، وابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ، والحارث بن أنيس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة، وعمرو، ابنا ثابت بن وقش. وعمهما: رفاعة بن وقش، وصيفي بن قيظي، وأخوه: حباب، وعباد بن سهل، وعبيد بن التيهان، وحبيب بن زيد، وإياس بن أوس، الأشهيلون. واليمان أبو حذيفة، حليف لهم. ويزيد بن حاطب بن أمية الظفري، وأبو سفيان بن الحارث بن قيس، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الراهب، ومالك بن أمية؛ وعوف بن عمرو، وأبو حية بن عمرو بن ثابت، وعبد الله بن جبير بن النعمان، أمير الرماة، وأنس بن قتادة، وخيثمة والد سعد بن خيثمة، وحليفه: عبد الله بن سلمة العجلاني، وسبيع بن حاطب بن الحارث، وحليفه: مالك بن أوس، وعمير بن عدي الخطمي. وكلهم من الأوس. واستشهد من الخزرج: عمرو بن قيس النجاري، وابنه: قيس، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، وعمرو بن مطرف، وإياس بن عدي، وأوس، أخو حسان بن ثابت. وهو والد شداد بن أوس، وأنس بن النضر بن ضمضم، وقيس بن مخلد. وعشرتهم من بني النجار. وعبد لهم اسمه: كيسان، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو، وهما من بني دينار بن الحارث. ومن بني الحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد بن أبي زهير، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير، وأوس بن أرقم بن زيد، أخو زيد بن أرقم. ومن بني خدرة: مالك بن سنان، وسعيد بن سويد، وعتبة بن ربيع.

стр. 469

ومن بني ساعدة: ثعلبة بن سعد بن مالك. وثقف بن فروة، وعبد الله بن عمرو بن وهب. وضمرة، حليف لهم من جهينة. ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني سالم: عمرو بن إياس، ونوفل بن عبد الله، وعبادة بن الحسحاس (١)، والعباس بن عبادة بن نضلة. والنعمان بن مالك. والمجذر بن ذياد البلوي، حليف لهم. ومن بني الحبلى: رفاعة بن عمرو. ومن بني سواد بن مالك: مالك بن إياس. ومن بني سلمة: عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام. وكانا متواخيين وصهرين، فدفنا في قبر واحد. وخلاد بن عمرو بن الجموح. ومولاه أسير، أبو أيمن، مولى عمرو. ومن بني سواد بن غنم: سليم بن عمرو بن حديدة. ومولاه عنترة، وسهيل بن قيس. ومن بني زريق: ذكوان بن عبد قيس، وعبيد بن المعلى بن لوذان. قال ابن إسحاق (٢): وزعم عاصم بن عمر بن قتادة أن ثابت بن وقش قتل يومئذ مع ابنيه. وذكر الواقدي جماعة قتلوا سوى من ذكرنا. وقال البكائي: قال ابن إسحاق عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد رفع حسيل بن جابر - والد حذيفة بن اليمان - وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه - وهما شيخان كبيران -: لا أبا لك، ما ننتظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار (٣)، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا الشهادة مع رسوله؟ فخرجا حتى دخلا في

стр. 470

الناس، ولم يعلم بهما. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فقتله المسلمون ولا يعرفونه (١). قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتي (٢) لا يدرى ممن هو، يقال له قزمان. وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار. فلما كان يوم أحد قتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفر، فجعلوا يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر. قال: بماذا أبشر؟ والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك لما قاتلت. فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما فقتل به نفسه. قال ابن إسحاق (٣): وكان ممن قتل يومئذ مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن العيطون (٤)، قال لما كان يوم أحد: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت. فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: مخيريق خير يهود. ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والآنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما (٥)، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطيع أن تسيغها فلفظتها. ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها: نحن جزيناكم بيوم بدر … والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر … ولا أخي، وعمه وبكري شفيت صدري وقضيت نذري … شفيت وحشي غليل صدري

стр. 471

وقتل من المشركين، - على ما ذكر ابن إسحاق - أحد عشر رجلا من بني عبد الدار، وهم: طلحة، وأبو سعيد، وعثمان: بنو أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى. ومولاهم: صؤاب (١)، وبنو طلحة المذكور: مسافع، والحارث، والجلاس، وكلاب. وأبو زيد (٢) بن عمير أخو مصعب بن عمير، وابن عمه: أرطاة بن شرحبيل بن هاشم، وابن عمهم: قاسط بن شريح، ومن بني أسد: عبد الله بن حميد بن زهير الأسدي، وسباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني أسد. وأربعة من بني مخزوم: أخو أم سلمة؛ هشام بن أبي أمية بن المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة، وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وحليفهم: خالد بن الأعلم. ومن بني زهرة: أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، حليف لهم. ومن بني جمح: أبي بن خلف. وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير. أمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبرا، وذلك أنه أسر يوم بدر، وأطلقه النبي ﷺ بلا فداء لفقره، وأخذ عليه أن لا يعين عليه. فنقض العهد وأسر يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين. وأمر به فضربت عنقه. وقيل لم يؤسر سواه. ومن بني عامر بن لؤي: عبيد بن جابر. وشيبة بن مالك. وقال سليمان بن بلال، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة، ورواه حاتم بن إسماعيل، عن عبد الأعلى - فأرسله مرة وأسنده مرة - عن أبي ذر عوض أبي هريرة، أن النبي ﷺ حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول - على طريقه - فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. ثم قال: أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم

стр. 472

وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه¬ السلام (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، وحدثنيه بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب قال: لما رأى رسول الله ﷺ ما بحمزة من المثل - جدع أنفه ولعب به - قال: لولا أن تجزع صفية وتكون سنة من بعدي ما غيب حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير. وحدثني بريدة، عن محمد بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم. فلما رأى أصحاب رسول الله ﷺ ما به من الجزع قالوا: لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد، فأنزل الله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، إلى آخر السورة. فعفا رسول الله ﷺ . وروى ابن إسحاق (٣) عن شيوخه الذين روى عنهم قصة أحد، أن صفية أقبلت لتنظر إلى حمزة - وهو أخوها لأبويها - فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها فقال: أي أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم؟ فقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فجاء الزبير فأخبره قولها، قال: فخل سبيلها. فأتته، فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر به فدفن. وقال أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد (٤)، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لما قتل حمزة أقبلت صفية، فلقيت عليا والزبير، فأرياها أنهما لا يدريان. فجاءت النبي ﷺ فقال: فإني أخاف على عقلها. فوضع يده على صدرها ودعا لها، فاسترجعت وبكت. ثم جاء فقام عليه وقد مثل به فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون

стр. 473

السباع. ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم سبع تكبيرات، ويرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بسبعة فيكبر عليهم سبعا، حتى فرغ منهم. وحديث جابر أن النبي ﷺ لم يصل عليهم أصح (١). وفي الصحيحين (٢) من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد صلاته على الميت (٣). فالله أعلم. عثمان بن عمر، وروح بن عبادة، بإسناد الحاكم في المستدرك (٤) إليهما؛ حدثنا أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس قال: لما كان يوم أحد، مر رسول الله ﷺ بحمزة وقد جدع ومثل به، فقال: لولا أن تجد صفية تركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع. فكفنه في نمرة. ولم يصل على أحد من الشهداء غيره … الحديث. وقال يحيى الحماني: حدثنا قيس - هو ابن الربيع - عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ يوم قتل حمزة ومثل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين منهم فنزلت: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به الآية. فقال رسول الله ﷺ : بل نصبر يا رب (٥). إسناده ضعيف من قبل قيس. وقد روى نحوه حجاج بن منهال، وغيره، عن صالح المري - وهو ضعيف - عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة. وزاد: فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه. أخبرنا محمد بن محمد بن صاعد القاضي؛ قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الزاهد ببيت المقدس سنة تسع وعشرين وستمائة، قال: أخبرنا

стр. 474

أحمد بن محمد السلفي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الفارسي، قال: حدثنا يعقوب الفسوي، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا عيسى بن عبيد الكندي، قال: حدثني ربيع بن أنس، قال: حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، وأصيب من المهاجرين ستة؛ منهم حمزة. فمثلوا بقتلاهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنربين عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، مرتين، فأنزل الله على نبيه ﷺ : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به. الآية. فقال النبي ﷺ : كفوا عن القوم (١). وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: جاءت صفية يوم أحد ومعها ثوبان لحمزة، فلما رآها رسول الله ﷺ كره أن ترى حمزة على حاله، فبعث إليها الزبير يحبسها وأخذ الثوبين. وكان إلى جنب حمزة قتيل من الأنصار، فكرهوا أن يتخيروا لحمزة، فقال: أسهموا بينهما، فأيهما طار له أجود الثوبين فهو له. فأسهموا بينهما، فكفن حمزة في ثوب والأنصاري في ثوب (٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٣): حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: لما أشرف رسول الله ﷺ على قتلى أحد قال: أنا الشهيد على هؤلاء، ما من جريح يجرح في الله إلا بعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك، انظروا أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه أمام صاحبه في القبر. فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر. قال ابن إسحاق (٤): وحدثني والدي، عن رجال من بني سلمة، أن رسول الله ﷺ قال حين أصيب عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن

стр. 475

حرام: اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا. قال أبي: فحدثني أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء، واستصرخنا عليهم وقد انفجرت عليهما في قبرهما، فأخرجناهما وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما. وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما كأنهما يتثنيان تثنيا كأنما دفنا بالأمس. وهذا هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم الأنصاري السلمي، سيد بني سلمة. قال ابن سعد (١) وغيره: شهد بدراً. وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي قطع رجل أبي جهل، وقضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ. وكان عمرو بن الجموح زوج أخت عبد الله بن عمرو بن حرام. ثابت البناني، عن عكرمة قال: كان مناف (٢) في بيت عمرو بن الجموح. فلما قدم مصعب بن عمير المدينة، بعث إليهم عمرو: ما هذا الذي جئتمونا به؟ قالوا: إن شئت جئنا وأسمعناك، فواعدهم فجاؤوا، فقرأ عليه الر تلك آيات الكتاب المبين، فقرأ ما شاء الله أن يقرأ. فقال: إن لنا مؤامرة في قومنا - وكان سيد بني سلمة - فخرجوا، فدخل على مناف فقال: يا مناف، تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ - قال: فقلده سيفاً، وخرج فقام أهله فأخذوا السيف، فجاء فوجدهم أخذوا السيف فقال: يا مناف أين السيف ويحك، إن العنز لتمنع استها، والله ما أرى في أبي جعار غداً من خير. ثم قال لهم: إني ذاهب إلى مالي فاستوصوا بمناف خيراً. فذهب فكسروا مناف وربطوه مع كلب ميت. فلما جاء رأى مناف، فبعث إلى قومه فجاؤوه فقال: ألستم على ما أنا عليه - قالوا: بلى، أنت سيدنا، قال: فإني أشهدكم أني قد آمنت بمحمد. فلما كان يوم أحد قال النبي ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض فقام وهو أعرج، فقاتل حتى قتل. أبو صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : نعم الرجل عمرو بن الجموح.

стр. 476

وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، وروى فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس، وإنا لنبخله. قال: وأي داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح. وقد قال الواقدي (١): لم يشهد بدراً، ولما أراد الخروج إلى أحد منعه بنوه وقالوا: قد عذرك الله وبك عرج، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: أما أنت فقد عذرك الله. وقال لبنيه: لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة. فخرج فاستشهد هو وابنه خلاد. إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، أن عمرو بن الجموح قال لبنيه: منعتموني الجنة يوم بدر، والله لئن بقيت لأدخلن الجنة. فكان يوم أحد في الرعيل الأول. وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد، وذلك حين أجرى معاوية العين، فأتيناهم فأخرجناهم تتثنى أطرافهم رطابا، على رأس أربعين سنة. قال حماد: وزادني صاحب لي في الحديث: فأصاب قدم حمزة فانثعب دما (٢). وقال ابن عيينة، عن الأسود، عن نبيح العنزي، عن جابر، أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم (٣). وقال أبو عوانة: حدثنا الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المشركين لقتالهم. فقال لي أبي: ما عليك أن تكون في النظارة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فوالله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي. فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة، لتدفنهما في مقابرنا، فجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها

стр. 477

في مصارعها. فبينما أنا في خلافة معاوية، إذ جاءني رجل فقال: يا جابر، قد والله أثار أباك عمال معاوية فبدت طائفة منه. قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته، لم يتغير منه شيء إلا ما لم يدع القتيل فواريته (١). وقال حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر قال: لما حضر أحد قال أبي: ما أراني إلا مقتولا، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن علي دينا فاقض واستوص بأخواتك خيرا. فأصبحنا فكان أول قتيل، فدفنت معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. أخرجه البخاري (٢). وقال الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب، ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. أخرجه البخاري (٣) عن قتيبة، عن الليث، عنه. وقال أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر قال: قالوا يوم أحد: يا رسول الله قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر؟ قال: احفروا وأوسعوا وأعمقوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا (٤). ومنهم من يقول: حميد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه. وقال شعبة، عن ابن المنكدر: سمعت جابرا يقول: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عنه، وجعل أصحاب النبي ﷺ ينهوني، ورسول الله ﷺ لا ينهاني، وقال لا تبكيه، أو ما تبكيه، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه. أخرجاه (٥).

стр. 478

وأخرج البخاري من حديث جابر أن رسول الله ﷺ أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. وكان يجمع بين الرجلين في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد (١). وقال علي بن المديني: حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري، سمع طلحة بن خراش، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراك مهتما؟ قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا. فقال: ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا، فقال له: يا عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا. فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء الآية (٢). ويروى نحوه عن عروة، عن عائشة. وكان أبو جابر من سادة الأنصار شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة. وأمه الرباب بنت قيس من بني سلمة. شهد معه العقبة ولده جابر. وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: أتي ابن عوف بطعام فقال: قتل مصعب بن عمير - وكان خيرا مني - فلم يوجد له إلا بردة يكفن فيها، ما أظننا إلا قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا. أخرجه البخاري (٣). وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من ذهب لم يأكل من أجره، وكان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة،

стр. 479

كنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (١). متفق عليه (٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٣): حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال: كانت امرأة من الأنصار من بني ذبيان قد أصيب زوجها وأخوها يوم أحد. فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا، يا أم فلان. فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشاروا لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل؛ أي هين. ويكون في غير ذا بمعنى عظيم. وعن أبي برزة أن جليبيبا كان من الأنصار. فقال النبي ﷺ ذات يوم لرجل: زوجني ابنتك. قال: نعم ونعمة عين. قال: لست أريده لنفسي. قال: فلمن؟ قال: لجليبيب. قال: حتى أستأمر أمها. فأتاها فأجابت: لرسول الله ﷺ قال: إنما يريد ابنتك لجليبيب. قالت: ألجليبيب؟ لا لعمر الله لا أزوجه. فلما قام أبوها ليأتي النبي ﷺ . قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني؟ قالا: رسول الله قالت: أفتردون عليه أمره؟ ادفعوني إلى رسول الله ﷺ فإنه لن يضيعني. فذهب أبوها إلى النبي ﷺ فقال: شأنك بها. فزوجها جليبيبا، ودعا لهما. فبينما رسول الله ﷺ في مغزى له قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا. قال: لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه، فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه. فقال رسول الله ﷺ : هذا مني وأنا منه. قتل سبعة ثم قتلوه. فوضعوه على ساعديه ثم حفروا له، ما له سرير إلا ساعدَا رسول الله ﷺ حتى وضعه في قبره (٤). قال ثابت البناني: فما في الأنصار أنفق منها.

стр. 480

أخرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة (١). وقال الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. قال: فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم. فقالوا: يا ربنا وما نسألك؟ ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا، فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا فنقتل في سبيلك. فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا. أخرجه مسلم (٢). وقال عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال النبي ﷺ : لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا ينكلوا عند الحرب ولا يزهدوا في الجهاد. قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزلت: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا (٣). وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا ذكر أصحاب أحد: أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل (٤)، يقول: قتلت معهم (٥).

стр. 481

وقال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم (١) وأنا شهيد عليكم. الحديث أخرجه البخاري (٢). وروى العطاف بن خالد: حدثني عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ زار قبور الشهداء بأحد (٣). وروى عبد العزيز بن عمران بن موسى: عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأتي قبور الشهداء، فإذا أتى فرضة الشعب يقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وكان يفعله أبو بكر ثم عمر بعده ثم عثمان. وذكر نحو هذا الحديث الواقدي في مغازيه (٤) بلا سند. وقال أبو حسان الزيادي: ومات في شوال يوم جمعة عمرُو بن مالك الأنصاري أحد بني النجار، فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد فصلى عليه في موضع الجبان. وكان أول من فعل به ذلك. غزوة حمراء الأسد. قال ابن إسحاق (٥): فلما كان الغد من يوم الأحد؛ يعني صبيحة وقعة أحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس لطلب العدو، وأذن مؤذنه: لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه قد خرج في أثرهم وليظنوا به قوة.

стр. 482

وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة قال: قدم رجل فاستخبره النبي ﷺ عن أبي سفيان. فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم. فأمر رسول الله ﷺ أصحابه - وبهم أشد القرح - بطلب العدو، ليسمعوا بذلك. وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبي: أركب معك؟ قال: لا. فاستجابوا لله والرسول على ما بهم من البلاء. فانطلقوا، فطلبهم النبي ﷺ حتى بلغ حمراء الأسد (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان؛ أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدا مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي فقال لي: تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟! ووالله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جراحة منه، فكان إذا غلب حملته عقبة (٣) ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد؛ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثا ثم رجع. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: يا ابن أختي كان أبواك - تعني الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. قال: لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي ﷺ وأصحابه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة، قال: فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين خرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم. وانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. قال: لم يلقوا عدوا. أخرجاه (٤).

стр. 483

وقال ابن إسحاق (١): حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن معبدا الخزاعي مر برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد. وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله ﷺ ، صفوهم معه لا يخفون عليه شيئا كان بها. ومعبد يومئذ مشرك. فقال: يا محمد، والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا حد أصحاب محمد وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك؟ قال: محمد قد خرج في طلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك ذاك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا. قال: وما قلت؟ قال: كادت تهد من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد (٢) الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة … عند اللقاء، ولا ميل معازيل (٣) فظلت عدوا أظن الأرض مائلة … لما سموا برئيس غير مخذول فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم … إذا تغطمطت البطحاء بالجيل (٤) إني نذرت لأهل البسل ضاحية … لكل ذي إربة منهم ومعقول (٥)

стр. 484

من جيش أحمد، لا وخش تنابلة … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل (١) قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر ركب من عبد القيس، فقال أبو سفيان: أين تريدون؟ قالوا: المدينة، لنمتار. فقال: أما أنتم مبلغون عني محمدا رسالة، وأحمل لكم على إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتموه؟ قالوا: نعم. قال: إذا جئتم محمدا فأخبروه أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم. فلما مر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد أخبروه. فقال هو والمسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل. فأنزلت: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم الآيات. وقال البكائي: قال ابن إسحاق (٢): وكان عبد الله بن أبي ابن سلول، كما حدثني الزهري، له مقام يقومه كل جمعة لا يتركه شرفا له في نفسه وفي قومه. فكان إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة يخطب قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم أكرمكم الله به وأعزكم به. فعزروه وانصروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع الناس، قام يفعل كفعله، فأخذ المسلمون ثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأني قلت هجرا أن قمت أشد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ما لك؟ ويلك! قال: قمت أشد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجبذونني ويعنفونني، لكأنما قلت هجرا. قال: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ . قال: والله ما أبغي أن يستغفر لي. فائدة: قال الواقدي: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه. وحدثنا سعيد بن محمد بن أبي زيد، قال: حدثنا يحيى بن عبد العزيز بن سعيد؛ قالوا: كان سويد بن الصامت قد قتل ذيادا. فقتله به المجذر بن ذياد، فهيج بقتله وقعة بعاث. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أسلم المجذر، والحارث بن سويد

стр. 485

ابن الصامت، فشهدا بدرا. فجعل الحارث يطلب مجذرا ليقتله بأبيه. فلما كان يوم أحد أتاه من خلفه فقتله (١). فلما رجع النبي ﷺ من حمراء الأسد أتاه جبريل فأخبره بأنه قتل مجذرا. فركب رسول الله ﷺ إلى قباء، فأتاه الحارث بن سويد في ملحفة مورسة. فلما رآه دعا عويم بن ساعدة وقال: اضرب عنق الحارث بمجذر بن ذياد. فقال: والله ما قتلته رجوعا عن الإسلام ولكن حمية، وإني أتوب إلى الله وأخرج ديته وأصوم وأعتق. وجعل يتمسك بركاب النبي ﷺ إلى أن فرغ من كلامه. فقال النبي ﷺ : قدمه يا عويم فاضرب عنقه. فضرب عنقه على باب المسجد، والله أعلم.

стр. 486

السنة الرابعة سرية أبي سلمة إلى قطن في أولها قال الواقدي (١): حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، وغيره قالوا: شهد أبو سلمة أحدا، وكان نازلا في بني أمية بن زيد بالعالية، حين تحول من قباء فجرح بأحد، وأقام شهرًا يداوي جرحه. فلما كان هلال المحرم دعاه رسول الله ﷺ وقال: اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها، وعقد له لواء وقال: سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم. وكان معه خمسون ومائة، فساروا حتى انتهوا إلى أدنى قطن - ماء من مياههم - فيجدون سرحا لبني أسد، فأغاروا عليه وأخذوا مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم. ثم رجع إلى المدينة فغاب بضع عشرة ليلة. قال عمر بن عثمان: فحدثني عبد الملك بن عبيد (٢)، قال: لما دخل أبو سلمة المدينة انتقض جرحه، فمات لثلاث بقين من جمادى الآخرة.

стр. 487

غزوة الرجيع وهي في صفر من السنة الرابعة، فيما ورخه الواقدي (١). وقال: هي على سبعة أميال من عسفان. فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود قال (٢): بعث رسول الله ﷺ أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه. قال إبراهيم بن سعد (٣)، عن ابن شهاب: أخبرني عمر (٤) بن أسيد ابن جارية الثقفي، أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة؛ بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام. فاقتصوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر، فقالوا: نوى يثرب، فاتبعوا آثارهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى قردد - أي فدفد من الأرض - فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا، فأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم: أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك، اللهم أخبر عنا نبيك. فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما في سبعة من أصحابه، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق: خبيب، وزيد بن الدثنة (٥)، وآخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى - فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة

стр. 488

بدر. فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا. وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر. فائدة: قال الدمياطي (١): هذا وهم، ما شهد خبيب بن عدي الأوسي بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، إنما الذي شهدها وقتله هو خبيب بن أساف الخزرجي. رجع، قال (٢): فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فأعارته. فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، فقالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد رأيته أو وجدته يأكل قطفا من عنب وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم: دعوني أركع ركعتين. فتركوه فركع ركعتين، ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع من القتل لزدت، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، وقال: فلست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع (٣) ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله. وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا؛ الصلاة. واستجاب الله لعاصم يوم أصيب؛ فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا منه بشيء يعرف، وكان قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله على عاصم مثل

стр. 489

الظلة من الدبر (١)، فحمته من رسلهم فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا. أخرجه البخاري (٢). وقال موسى بن عقبة، وغير واحد: بعث رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت وأصحابه عينا له، فسلكوا النجدية، حتى إذا كانوا بالرجيع. فذكروا القصة. قال موسى: ويقال: كان أصحاب الرجيع ستة منهم: عاصم، وخبيب، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق - حليف لبني ظفر - وخالد ابن البكير الليثي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي؛ حليف حمزة. وساق حديثهم (٣). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤)، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفرا من عضل والقارة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة بعد أحد فقالوا: إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك ليفقهونا في الدين ويقرئونا القرآن، فبعث رسول الله ﷺ معهم خبيب بن عدي. قال ابن إسحاق: بعث معهم ستة، أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وسماهم كما قال موسى. قال ابن إسحاق: فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع - ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدء (٥) - غدروا بهم. فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. فأما مرثد، وعاصم، وابن البكير فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. ثم قتلوا، وأرادت هذيل أخذ رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد، لئن قدرت على عاصم لتشربن

стр. 490

في قحفه الخمر، فمنعته الدبر، فانتظروا ذهابها عنه، فأرسل الله الوادي فحمل عاصما فذهب به. وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا. وأسروا خبيبا، وابن الدثنة، وعبد الله بن طارق، ثم مضوا بهم إلى مكة ليبيعوهم. حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران (١). وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني يحيى، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عقبة بن الحارث، سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبا، لأنا كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله. ثم ذكر ابن إسحاق (٣) أن خبيبا قال: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد … علي لأني في وثاق مضيع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم … وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي … وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيروني الكفر والموت دونه … وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت، إني لميت … ولكن حذاري جحم نار ببلقع ووالله لم أحفل إذا مت مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي فلست بمبد للعدو تخشعا … ولا جزعا إني إلى الله مرجعي وقال يونس بن بكير، وجعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل، حدثني جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه حدثه عن جده، وكان النبي ﷺ بعثه

стр. 491

عينا؛ قال: فجئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون، فأطلقته فوقع بالأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا، ثم التفت فلم أر خبيبا، فكأنما ابتلعته الأرض. زاد جعفر بن عون: فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة (١). غزوة بئر معونة قال ابن إسحاق (٢): بعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة في صفر، على رأس أربعة أشهر من أحد. وقال موسى بن عقبة: قال الزهري: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم، أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فأبى أن يسلم، وأهدى لرسول الله ﷺ هدية. فقال: إني لا أقبل هدية مشرك. فقال: ابعث معي من شئت من رسلك، فأنا لهم جار، فبعث رهطا، فيهم المنذر بن عمرو الساعدي؛ وهو الذي يقال له: أعنق ليموت، بعثه عينا له في أهل نجد. فسمع بهم عامر بن الطفيل، فاستنفر بني عامر، فأبوا أن يطيعوه، فاستنفر بني سليم فنفروا معه، فقتلوهم ببئر معونة، غير عمرو بن أمية الضمري، فإنه أطلقه عامر بن الطفيل، فقدم على رسول الله ﷺ (٣). وقال ابن إسحاق (٤): حدثني والدي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما، قالوا: قدم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ المدينة، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام. وقال: يا محمد لو بعثت معي رجالا من

стр. 492

أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. قال: أخشى عليهم أهل نجد. قال أبو البراء: أنا لهم جار. فبعث المنذر بن عمرو في أربعين رجلا، فيهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان؛ أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء ابن الصلت السلمي ورافع بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، بين أرض بني عامر وحرة بني سليم. ثم بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلم ينظر في الكتاب حتى قتل الرجل، ثم استصرخ بني سليم فأجابوه وأحاطوا بالقوم، فقاتلوهم حتى استشهدوا كلهم إلا كعب بن زيد، من بني النجار، تركوه وبه رمق فارتث (١) من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار، فلم يخبرهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا فنظرا، فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال. وقاتل حتى قتل، وأسروا عمرا. فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه. فلما كان بالقرقرة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وجوار لم يعلم به عمرو، حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما. فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره فقال: قد قتلت قتيلين، لأدينهما. ثم قال رسول الله ﷺ : هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا، فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر أبا براء، فحمل ربيعة ولد أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه فوقع من فرسه وقال: هذا عمل أبي براء؛ إن مت فدمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي (٢).

стр. 493

وقال موسى بن عقبة: ارتث في القتلى كعب بن زيد، فقتل يوم الخندق. وقال حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس أن ناسا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلموننا القرآن، والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء، وفيهم خالي حرام بن ملحان، يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعون ويشترون به الطعام لأهل الصفة، فبعثهم رسول الله ﷺ إليهم، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. قالوا: اللهم بلغ عنا نبيك أن قد لقيناك فرضيت عنا ورضينا عنك. قال: وأتى رجل خالي من خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وقالوا: اللهم بلغ عنا نبيك أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. رواه مسلم (١). وقال همام وغيره، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني أنس، أن رسول الله ﷺ بعث خاله حراما في سبعين رجلا فقتلوا يوم بئر معونة. وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال: فطعن (٢) في بيت امرأة من بني فلان، فقال: غدة كغدة البكر (٣) في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي، فركبه، فمات على ظهر فرسه. وانطلق حرام ورجلان معه أحدهما أعرج فقال: كونا قريبا مني حتى آتيهم فإن آمنوني كنت كفوا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فأتاهم حرام فقال: أتؤمنوني أبلغكم رسالة رسول الله ﷺ ؟ فجعل يحدثهم، وأومأوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه. قال همام: وأحسبه قال: فزت ورب الكعبة. قال: وقتل كلهم إلا الأعرج، كان في رأس الجبل.

стр. 494

قال أنس: أنزل علينا، ثم كان من المنسوخ، إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضيناه. فدعا رسول الله ﷺ سبعين (١) صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية عصت الله ورسوله. أخرجه البخاري، وقال: ثلاثين صباحا، وهو الصحيح (٢). وروى نحوه قتادة، وثابت، وغيرهما، عن أنس. وبعضهم يختصر الحديث. وفي بعض طرقه: سبعين صباحا. قال سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: كتب أنس في أهله كتابا فقال: اشهدوا معاشر القراء. فكأني كرهت ذلك، فقلت: لو سميتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ فقال: وما بأس أن أقول لكم معاشر القراء، أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنا ندعوهم على عهد رسول الله ﷺ القراء؟ قال: فذكر أنس سبعين من الأنصار كانوا إذا جنهم الليل أووا إلى معلم بالمدينة فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة فأصلحوها، فكان معلقا بحجر رسول الله ﷺ . فلما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﷺ فكان فيهم خالي حرام، فأتوا على حي من بني سليم، فقال حرام لأميرهم: دعني، فلأخبر هؤلاء أنا ليس إياهم نريد فيخلون وجوهنا، فأتاهم فقال ذلك، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به، قال: فلما وجد حرام مس الرمح في جوفه قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. قال: فانطووا عليهم فما بقي منهم مخبر. قال: فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء وجده عليهم، فقال أنس: لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول: هل لك في قاتل حرام؟ قلت: ما له، فعل الله به وفعل. فقال: لا تفعل، فقد أسلم (٣). وقال أبو أسامة: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان عامر

стр. 495

ابن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة، أخي عائشة لأمها؛ وكانت لأبي بكر منحة (١)، فكان يروح بها ويغدو، ويصبح فيدلج إليهما ثم يسرح فلا يفطن به أحد من الرعاء. ثم خرج بهما يعقبانه حتى قدم المدينة معهما. فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، وأسر عمرو بن أمية. فقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل. قال: هذا عامر بن فهيرة. فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض. وذكر الحديث. أخرجه البخاري (٢). قال ابن إسحاق (٣): فقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل: بني أم البنين ألم يرعكم … وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبي براء … ليخفره، وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي … فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء … وخالك ماجد حكم بن سعد ذكر الخلاف في غزوة بني النضير. وقد تقدمت في سنة ثلاث. ذهب الزهري إلى أنها كانت قبل أحد. وقال غير واحد: كانت بعد أحد، وبعد بئر معونة. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا الحسن بن علي بن الحسين بن البن، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا أبو القاسم المصيصي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا
следующие страницы →