← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، فخرجت إلى المسجد، فأسرع أبو جهل إلى النبي ﷺ يسبه، فأخبر حمزة، فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد، إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل، فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه، فعرف أبو جهل الشر في وجهه، فقال: ما لك يا أبا عمارة؟ فرفع القوس فضرب بها أخدعيه (١)، فقطعه فسالت الدماء، فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر، قال: ورسول الله ﷺ مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فانطلق حمزة فأسلم، وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي فقلت: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني، قلت: ومن هو؟ قال: أختك وختنك، فانطلقت فوجدت همهمة، فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته، فقامت إلي أختي فأخذت برأسه وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييت حين رأيت الدماء، فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب، فقالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقمت فاغتسلت، فأخرجوا إلي صحيفة فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم) قلت: أسماء طيبة طاهرة. (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) إلى قوله: (له الأسماء الحسنى)، فتعظمت في صدري، وقلت: من هذا فرت قريش، فأسلمت، وقلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: فإنه في دار الأرقم، فأتيت فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر، قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج فتشهد عمر، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ، وفرق بين الحق والباطل. وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن ابن

стр. 912

المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فلما أسلم ظهر الإسلام بمكة. وقال الواقدي: حدثنا معمر، عن الزهري أن عمر أسلم بعد أن دخل النبي ﷺ دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء، فلما أسلم نزل جبريل فقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: كان إسلام عمر بعد خروج من خرج من الصحابة إلى الحبشة. فحدثني عبد الرحمن بن الحارث (١)، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه ليلى قالت: كان عمر من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى الحبشة، جاءني عمر، وأنا على بعير، نريد أن نتوجه، فقال: إلى أين يا أم عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله. فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر بن الخطاب، فقال: ترجين أن يسلم؟ قلت: نعم، قال: فوالله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. يعني من شدته على المسلمين. قال يونس، عن ابن إسحاق: والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة (٢).

стр. 913

الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية قال يعقوب الفسوي في تاريخه (١): حدثني العباس بن عبد العظيم، قال: حدثني بشار بن موسى الخفاف، قال: حدثنا الحسن ابن زياد البرجمي - إمام مسجد محمد بن واسع - قال: حدثنا قتادة قال: أول من هاجر إلى الله بأهله عثمان بن عفان. قال: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة - يعني أنس بن مالك - يقول: خرج عثمان برقية بنت رسول الله ﷺ إلى الحبشة، فأبطأ خبرهم، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد، قد رأيت ختنك ومعه امرأته، فقال: على أي حال رأيتهما؟ قالت: رأيته حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة (٢)، وهو يسوقها، فقال رسول الله ﷺ : صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط. ورواه يحيى بن أبي طالب عن بشار. عن عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعروة، وعبد الله بن أبي بكر، وصلت الحديث عن أبي بكر، عن أم سلمة قالت: لما أمرنا بالخروج إلى الحبشة، قال رسول الله ﷺ حين رأى ما يصيبنا من البلاء: الحقوا بأرض الحبشة؛ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله مخرجا مما أنتم فيه. فقدمنا عليه فاطمأننا في بلاده … الحديث. قال البغوي في تاسع المخلصيات (٣): وروى ابن عون، عن عمير بن إسحاق، عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث. وقال البكائي: قال ابن إسحاق (٤): فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب

стр. 914

أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانة من الله، ومن عمه، وأنه لا يقدر أن يمنعهم من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون مخافة الفتنة وفرارا بدينهم إلى الله، فخرج عثمان بزوجته، وأبو حذيفة ولد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو، فولدت له بالحبشة محمدا، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير العبدري، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وزوجته أم سلمة أم المؤمنين، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى العامري، وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب الحارثي، فكانوا أول من هاجر إلى الحبشة. قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحبشة. ثم سمى ابن إسحاق (١) جماعتهم وقال: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة أو ولد بها ثلاثة وثمانين رجلا، فعبدوا الله وحمدوا جوار النجاشي، فقال عبد الله بن الحارث بن قيس السهمي: يا راكبا بلغن عني مغلغلة … من كان يرجو بلاغ الله والدين كل امرئ من عباد الله مضطهد … ببطن مكة مقهور ومفتون أنا وجدنا بلاد الله واسعة … تنجي من الذل والمخزاة والهون فلا تقيموا على ذل الحياة وخز … ي في الممات وعيب غير مأمون إنا تبعنا نبي الله، واطرحوا … قول النبي وعالوا في الموازين فاجعل عذابك في القوم الذين بغوا … وعائذ بك أن يعلوا فيطغوني وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف ابن عمه، وكان يؤذيه: أتيم بن عوف (٢) والذي جاء بغضة … ومن دونه الشرمان والبرك أكتع

стр. 915

أأخرجتني من بطن مكة أيمنا (١) … وأسكنتني في سرح بيضاء تقذع تريش نبالا لا يواتيك ريشها … وتبري نبالا ريشها لك أجمع وحاربت أقواما كراما أعزة … وأهلكت أقواما بهم كنت تفزع ستعلم إن نابتك يوما ملمة … وأسلمك الأرياش (٢) ما كنت تصنع وقال موسى بن عقبة: ثم إن قريشا ائتمروا واشتد مكرهم، وهموا بقتل رسول الله ﷺ أو إخراجه، فعرضوا على قومه أن يعطوهم ديته ويقتلوه، فأبوا حمية. ولما دخل رسول الله ﷺ شعب بني عبد المطلب، أمر أصحابه بالخروج إلى الحبشة فخرجوا مرتين؛ رجع الذين خرجوا في المرة الأولى حين أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان محمد يذكر آلهتنا بخير قررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من حالفه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ﷺ يتمنى هداهم، فأنزلت: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)، فألقى الشيطان عندها كلمات: وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن ترتجى (٣). فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها. وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا، فلما بلغ آخر النجم سجد ﷺ وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان

стр. 916

شيخا كبيرا رفع ملء كفيه ترابا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود رسول الله ﷺ ؛ عجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله ﷺ وأصحابه لما ألقي في أمنية رسول الله ﷺ ، وحدثهم الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السجدة، فسجدوا تعظيما لآلهتهم. وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين؛ عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا، وأن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعا، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأنزلت: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الآيات. فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم، وكان عثمان بن مظعون وأصحابه فيمن رجع، فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة إلا بجوار، فأجار الوليد بن المغيرة عثمان بن مظعون، فلما رأى عثمان ما يلقى أصحابه من البلاء، وعذب طائفة منهم بالسياط والنار، وعثمان معافى لا يعرض له، استحب البلاء، فقال للوليد: يا عم قد أجرتني، وأحب أن تخرجني إلى عشيرتك فتبرأ مني، فقال: يا ابن أخي، لعل أحدا آذاك أو شتمك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحد ولا آذاني. فلما أبى إلا أن يتبرأ منه أخرجه إلى المسجد، وقريش فيه كأحفل ما كانوا، ولبيد بن ربيعة الشاعر ينشدهم، فأخذ الوليد بيد عثمان وقال: إن هذا قد حملني على أن أتبرأ من جواره، وإني أشهدكم أني بريء منه، إلا أن يشاء. فقال عثمان: صدق، أنا والله أكرهته على ذلك، وهو مني بريء. ثم جلس مع القوم فنالوا منه. قال موسى: وخرج جعفر بن أبي طالب في رهط من المسلمين (١) فرارا بدينهم إلى الحبشة، فبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وأمروهما أن يسرعا ففعلا، وأهدوا للنجاشي فرسا وجبة ديباج، وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا، فقبل النجاشي هديتهم، وأجلس

стр. 917

عمرا على سريره، فقال: إن بأرضك رجالا منا سفهاء ليسوا على دينك ولا ديننا، فادفعهم إلينا، فقال: حتى أكلمهم وأعلم على أي شيء هم، فقال عمرو: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا، وإنهم لا يشهدون أن عيسى ابن الله، ولا يسجدون لك إذا دخلوا. فأرسل النجاشي إلى جعفر وأصحابه، فلم يسجد له جعفر ولا أصحابه وحيوه بالسلام، فقال عمرو: ألم نخبرك خبر القوم. فقال النجاشي: حدثوني أيها الرهط، ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من قومكم، وأخبروني ما تقولون في عيسى وما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا، قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل منا قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله كما بعث الرسل إلى من كان قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء والأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان وأمرنا أن نعبد الله، فصدقناه، وعرفنا كلام الله، فعادانا قومنا وعادوه وكذبوه، وأرادونا على عبادة الأصنام، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. فقال النجاشي: والله إن خرج هذا الأمر إلا من المشكاة التي خرج منها أمر عيسى. قال: وأما التحية فإن رسولنا أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، فحييناك بها، وأما عيسى فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه وابن العذراء البتول. فخفض النجاشي يده إلى الأرض، وأخذ عودا فقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود، فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت هذا الحبشة لتخلعنك، فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد إلي ملكي، فأنا أطيع الناس في دين الله! معاذ الله من ذلك. وكان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي صبي، فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك. فرغب أخوه في الملك، فباع النجاشي لتاجر، وبادر بإخراجه إلى السفينة، فأخذ الله عمه قعصا (١) فمات، فجاءت الحبشة بالتاج، وأخذوا النجاشي فملكوه، وزعموا أن التاجر قال: ما لي بد من

стр. 918

غلامي أو مالي. قال النجاشي: صدق، ادفعوا إليه ماله. قال: فقال النجاشي حين كلمه جعفر: ردوا إلى هذا هديته - يعني عمرا - والله لو رشوني على هذا دبر ذهب - والدبر بلغته الجبل - ما قبلته، وقال لجعفر وأصحابه: امكثوا آمنين، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق. وألقى الله العداوة بين عمرو وعمارة بن الوليد في مسيرهما، فمكر به عمرو وقال: إنك رجل جميل، فاذهب إلى امرأة النجاشي فتحدث عندها إذا خرج زوجها، فإن ذلك عون لنا في حاجتنا. فراسلها عمارة حتى دخل عليها، فلما دخل عليها انطلق عمرو إلى النجاشي فقال: إن صاحبي هذا صاحب نساء، وإنه يريد أهلك فاعلم علم ذلك. فبعث النجاشي، فإذا عمارة عند امرأته، فأمر به فنفخ في إحليله شحوة (١) ثم ألقي في جزيرة من البحر، فجن، وصار مع الوحش، ورجع عمرو خائب السعي (٢). وقال البكائي: قال ابن إسحاق (٣): حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع ما نكره، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي، فبعثوا بالهدايا مع عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص. وذكر القصة بطولها، وستأتي إن شاء الله، رواها جماعة عن ابن إسحاق. وذكر الواقدي أن الهجرة الثانية كانت سنة خمس من المبعث. وقال حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر وعثمان بن مظعون، وبعثت قريش عمارة وعمرو بن العاص، وبعثوا معهما بهدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له، وبعثا

стр. 919

إليه بالهدية، وقالا: إن ناسا من قومنا رغبوا عن ديننا، وقد نزلوا أرضك، فبعث إليهم، فقال لنا جعفر: أنا خطيبكم اليوم. قال: فاتبعوه حتى دخلوا على النجاشي فلم يسجدوا له، فقال: وما لكم لم تسجدوا للملك؟ فقال: إن الله قد بعث إلينا نبيه، فأمرنا أن لا نسجد إلا لله. فقال النجاشي: وما ذاك؟ قال عمرو: إنهم يخالفونك في عيسى، قال: فما تقولون في عيسى وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد، فتناول النجاشي عودا فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذا، فمرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه نبي، ولوددت أني عنده فأحمل نعليه - أو قال: أخدمه - فانزلوا حيث شئتم من أرضي. فجاء ابن مسعود فشهد بدرا. رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١) عن حديج. وقال عبيد الله بن موسى: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى الحبشة. وساق كحديث حديج. ويظهر لي أن إسرائيل وهم فيه، ودخل عليه حديث في حديث، وإلا أين كان أبو موسى الأشعري ذلك الوقت. رجعنا إلى تمام الحديث الذي سقناه عن أم سلمة قالت: فلم يبق بطريق من بطارقة النجاشي إلا دفعا إليه هدية، قبل أن يكلما النجاشي، وأخبرا ذلك البطريق بقصدهما، ليشير على الملك بدفع المسلمين إليهم، ثم قربا هدايا النجاشي فقبلها، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلادك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، فقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من أقاربهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. قالت: ولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم

стр. 920

أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم من دينهم، فأسلمهم إليهما. فغضب ثم قال: لاها الله إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما تقولان. فأرسل إلى الصحابة فدعاهم، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم، سألهم فقال: ما دينكم؟ فكان الذي كلمه جعفر، فقال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة، وأمرنا بالصدق والأمانة وصلة الرحم - وعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، وضيقوا علينا، فخرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال: وهل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدرا من (كهيعص) فبكى - والله - النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكاد. قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو: والله لآتينهم غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له ابن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال له ذلك فطلبنا، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله - ما قال الله كائنا في ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول: هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله فقال: وإن نخرتم - والله - اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم: الآمنون - من سبكم

стр. 921

غرم، ما أحب أن لي دبرا (١) من ذهب، وأني آذيت رجلا منكم، ردوا هداياهما فلا حاجة لي فيها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فإنا على ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. فسار إليه النجاشي، وكان بينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر الوقعة، ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير: أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، ودعونا الله تعالى للنجاشي، فإنا لعلى ذلك، إذ طلع الزبير يسعى فلمع بثوبه، وهو يقول: ألا أبشروا، فقد ظهر النجاشي، وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده. قال الزهري (٢): فحدثت عروة بن الزبير هذا الحديث فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة إلى آخره؟ قلت: لا، قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم من صلبه اثنا عشر رجلا، فقالت الحبشة: لو أنا قتلنا هذا وملكنا أخاه، فإنه لا ولد غير (٣) هذا الغلام، ولأخيه اثنا عشر ولدا، فتوارثوا ملكه من بعده بقيت الحبشة بعده دهرا، فعدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملكوا أخاه. فمكثوا حينا، ونشأ النجاشي مع عمه، فكان لبيبا حازما، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلب هذا على عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملك ليقتلنا بأبيه، فكلموا الملك، فقال: ويلكم، قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به فباعوه

стр. 922

لتاجر بستمائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به، حتى إذا كان آخر النهار هاجت سحابة، فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق ليس في ولده خير، فمرج الأمر، فقالوا: تعلموا، والله إن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتموه غدوة. فخرجوا في طلبه فأدركوه، وأخذوه من التاجر، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير ملكه، فجاء التاجر فقال: مالي. قالوا: لا نعطيك شيئا، فكلمه، فأمرهم فقال: أعطوه دراهمه أو عبده. قالوا: بل نعطيه دراهمه، فكان ذلك أول ما خبر من عدله، ﵁. وروى يزيد بن رومان، عن عروة قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان ﵁. أخبرنا إبراهيم بن حمد وجماعة، قالوا: أخبرنا ابن ملاعب، قال: حدثنا الأرموي، قال: أخبرنا جابر بن ياسين، قال: أخبرنا المخلص، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال: حدثنا أسد بن عمرو البجلي، عن مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه قال: بعثت قريش عمرا وعمارة بهدية إلى النجاشي ليؤذوا المهاجرين. وذكر الحديث، فقال النجاشي: أعبيد هم لكم؟ قالوا: لا، قال: فلكم عليهم دين؟ قالوا: لا. قال: فخلوهم، فقال عمرو: إنهم يقولون في عيسى غير ما تقول. فأرسل إلينا، وكانت الدعوة الثانية أشد علينا، فقال: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول. فقال: ادعوا لي فلانا القس وفلانا الراهب، فأتاه أناس منهم، فقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: أنت أعلمنا، قال: وأخذ شيئا من الأرض فقال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال: أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم، فنادى: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا، فأضعفها، قال: فلما ظهر النبي ﷺ وهاجر أخبرناه، قال: فزودنا وحملنا، ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وقل له يستغفر لي. فأتينا المدينة،

стр. 923

فتلقاني النبي ﷺ فاعتنقني وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أفرح أم بفتح خيبر، وقال: اللهم اغفر للنجاشي ثلاث مرات، وقال المسلمون: آمين (١). إسلام ضماد داود بن أبي هند، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم ضماد مكة، وهو من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح، فسمع سفهاء من سفهاء الناس يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: آتي هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي. قال: فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من يشاء، فهلم. فقال محمد: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد. فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، ولقد بلغن قاموس البحر (٢)، فهلم يدك أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول الله ﷺ وقال له: وعلى قومك. فقال: وعلى قومي. فبعث رسول الله ﷺ سرية، فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها عليهم

стр. 924

فإنهم قوم ضماد. أخرجه مسلم (١). إسلام الجن قال الله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) الآيات، وقال: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم)، وأنزل فيهم سورة الجن. وقال أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. قال: فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله وهو بنخلة (٢)، عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، فأنزلت: (قل أوحي إلي). متفق عليه (٣). ويحمل قول ابن عباس: إن النبي ﷺ ما قرأ على الجن ولا رآهم، يعني أول ما سمعت الجن القرآن، ثم إن داعي الجن أتى النبي ﷺ ، كما في خبر ابن مسعود، وابن مسعود قد حفظ القصتين، فقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر، عن عبد الله قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا سبعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله:

стр. 925

تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) الآيات (١). وقال مسعر، عن معن، قال: حدثنا أبي، قال: سألت مسروقا: من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة. متفق عليه (٢). وقال داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل، استطير، ما فعل؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح - أو قال: في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذي كانوا فيه، فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. رواه مسلم (٣). وقد جاء ما يخالف هذا، فقال عبد الله بن صالح: حدثني الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو عثمان بن سنة الخزاعي - من أهل الشام - أنه سمع ابن مسعود يقول: إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل. فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى سمعت ما أسمع صوته، ثم انطلقوا وطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب، ذاهبين، حتى ما بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال: ما فعل الرهط؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله. فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو بروث. أخرجه النسائي (٤) من حديث يونس. وقال سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر

стр. 926

زطاّ (١) في بعض الطريق فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الزّطّ، قال: ما رأيت شبههم إلاّ الجنّ ليلة الجن، وكانوا مستثفرين يتبع بعضهم بعضا. صحيح (٢). يقال: استثفر الرجل بثوبه، إذا أخذ ذيله من بين فخذيه إلى حجزته فغرزه. وكذا يقال في الكلب، إذ جعل ذنبه بين فخذيه، ومنه قوله للحائض: استثفري. وقال عثمان بن عمرو بن فارس، عن مستمر بن الرّيان، عن أبي الجوزاء، عن ابن مسعود قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ، حتى أتى الحجون فخطّ عليّ خطّا، ثم تقدّم إليهم، فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم يقال له وردان: إنّي أنا أرحّلهم عنك، فقال: إنّي لن يجيرني من الله أحد (٣). وقال زهير بن محمد التميميّ، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن، ثم قال: ما لي أراكم سكوتا، للجنّ كانوا أحسن ردّا منكم، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرّة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب، فلك الحمد. زهير ضعيف (٤). وقال عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن العاص، عن جدّه سعيد، قال: كان أبو هريرة يتبع رسول الله ﷺ بأداوة لوضوئه. فذكر الحديث، وفيه: أتاني جنّ نصيبّين فسألوني الزّاد، فدعوت الله لهم أن لا يمرّوا بروثة ولا بعظم إلاّ وجدوا طعاما. أخرجه البخاري (٥). ويدخل هذا الباب في باب شجاعته ﷺ وقوّة قلبه. ومنه حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: إنّ عفريتا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه،

стр. 927

فأخذته وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلّكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئا. وفي لفظ: فأخذته فذغته (١)، يعني خنقته. متفق عليه (٢). فصل فيما ورد من هواتف الجان وأقوال الكهّان. قال ابن وهب: أخبرنا عمر بن محمد، قال: حدّثني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قطّ إنّي لأظنّه كذا، إلا كان كما يظنّ، فبينا عمر جالس إذ مرّ به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظنّي، أو إنّ هذا على دينه في الجاهليّة، أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجل، فدعي له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظنّي أو أنك على دينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال فإنّي أعزم عليك إلاّ ما أخبرتني، فقال: كنت كاهنهم في الجاهلية، فقال: فما أعجب ما جاءتك به جنّيتك؟ قال: بينا أنا جالس جاءتني أعرف فيها الفزع قالت: ألم تر الجنّ وإبلاسها … ويأسها بعد وإبلاسها (٣) ولحوقها بالقلاص وأحلاسها … وإياسها من أنساكها قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء بعجل فذبحه، فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخا قط أشدّ صوتا منه يقول: يا جليح، أمر

стр. 928

نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلاّ الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلاّ الله. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، فأعاد قوله، قال: فقمت فما نشبت أن قيل: هذا نبيّ. أخرجه البخاري عن رجل عنه هكذا (١). وظاهره أنّ عمر بنفسه سمع الصّارخ من العجل، وسائر الروايات تدلّ على أنّ الكاهن هو الذي سمع. فروى يحيى بن أيّوب، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن سليمان، عن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن ابن عمر قال: بينما رجل مارّ، فقال عمر: قد كنت مرّة ذا فراسة، وليس لي رئي، ألم يكن قد كان هذا الرجل ينظر ويقول في الكهانة، ادعوه لي. فدعوه، فقال عمر: من أين قدمت؟ قال: من الشام، قال: فأين تريد؟ قال: أردت هذا البيت، ولم أكن أخرج حتى آتيك، قال: هل كنت تنظر في الكهانة؟ قال: نعم، قال: فحدّثني، قال: إنّي ذات ليلة بواد، إذ سمعت صائحا يقول: يا جليح، خبر نجيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلاّ الله، الجنّ وإياسها، والإنس وإبلاسها، والخيل وأحلاسها، فقلت: من هذا؟ إنّ هذا لخبر يئست منه الجنّ، وأبلست منه الإنس، وأعملت فيه الخيل، فما حال الحول حتى بعث رسول الله ﷺ (٢). ورواه الوليد بن مزيد العذريّ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن مسكين الأنصاريّ قال: بينا عمر جالس. وهذا منقطع. ورواه حجّاج بن أرطاة، عن مجاهد. ويروى عن ابن كثير أحد القرّاء، عن مجاهد موقوفا. ويشبه أن يكون هذا الكاهن هو سواد بن قارب المذكور في حديث أحمد بن موسى الحمّار الكوفي، قال: حدثنا زياد بن يزيد القصري، قال (٣): حدثنا محمد بن تراس الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن

стр. 929

أبي إسحاق، عن البراء قال: بينا عمر يخطب إذ قال: أفيكم سواد بن قارب؟ فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أفيكم سواد بن قارب؟ قالوا: وما سواد بن قارب؟ قال: كان بدء إسلامه شيئا عجبا، فبينا نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب، فقال له: حدثنا ببدء إسلامك يا سواد. قال: كنت نازلا بالهند، وكان لي رئي من الجن، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وأنجاسها … وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل أرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى راسها يا سواد، إن الله قد بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم قال: عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس قداماها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى نابها (١) فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال: عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها فوقع في قلبي حب الإسلام، وشددت رحلي، حتى أتيت النبي ﷺ ، فإذا هو بالمدينة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني قال: " مرحبا بسواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك " قلت: يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه مني: أتاني رئيي بعد ليل وهجعة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك نبي من لؤي بن غالب

стр. 930

فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت … بي الذعلب الوجناء عند السباسب (١) فأشهد أن الله لا شيء غيره … وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين شفاعة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب فضحك رسول الله ﷺ ، وقال لي: أفلحت يا سواد، فقال له عمر: هل يأتيك رئيك الآن؟ قال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله من الجن. هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما، وأخاف أن يكون موضوعا على أبي بكر بن عياش، ولكن أصل الحديث مشهور. وقد قال أبو يعلى الموصلي، وعلي بن شيبان: حدثنا يحيى بن حجر الشامي، قال: حدثنا علي بن منصور الأبناوي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر جالس إذ مر به رجل، فقال قائل: أتعرف هذا؟ قال: ومن هو؟ قال: سواد بن قارب، فأرسل إليه عمر فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم. قال: أنت الذي أتاه رئيه بظهور النبي ﷺ ؟ قال: نعم. قال: فأنت على كهانتك. فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت. قال عمر: سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم، قال: أخبرني بإتيانك رئيك بظهور رسول الله ﷺ . قال: بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب اسمع مقالتي واعقل، إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى عبادة الله، ثم ذكر الشعر قريبا مما تقدم، ثم أنشأ عمر يقول: كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح، وقد ذبحوا عجلا، والجزار يعالجه إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا هو

стр. 931

يقول: يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يشهد أن لا إله إلاّ الله (١). أبو عبد الرحمن اسمه عثمان بن عبد الرحمن، متفق على تركه، وعليّ بن منصور فيه جهالة، مع أنّ الحديث منقطع. وقد رواه الحسن بن سفيان، ومحمد بن عبد الوهاب الفرّاء، عن بشر بن حجر أخي يحيى بن حجر، عن عليّ بن منصور، عن عثمان بن عبد الرحمن، بنحوه. وقال ابن عديّ في كامله (٢): حدثنا الوليد بن حمّاد، بالرملة، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحكم بن يعلى المحاربيّ، قال: حدثنا أبو معمر عبّاد بن عبد الصّمد، قال سمعت سعيد بن جبير يقول: أخبرني سواد بن قارب قال: كنت نائما على جبل من جبال الشّراة، فأتاني آت فضربني برجله وقال: قم يا سواد أتى رسول من لؤيّ بن غالب، فذكر الحديث. كذا فيه سعيد يقول: أخبرني سواد، وعبّاد ليس بثقة يأتي بالطّامّات. وقال معمر، عن الزّهري، عن عليّ بن الحسين قال: أوّل ما سمع بالمدينة أنّ امرأة من أهل يثرب تدعى فطيمة، كان لها تابع من الجنّ، فجاء يوما فوقع على جدارها، فقالت: ما لك لا تدخل؟ فقال: إنّه قد بعث نبيّ يحرّم الزّنى، فحدّثت بذاك المرأة عن تابعها من الجنّ، فكان أول خبر تحدّث به بالمدينة. وقال يحيى بن يوسف الزّمي: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: أول خبر قدم عن النّبيّ ﷺ بالمدينة أنّ امرأة كان لها تابع، فجاء في صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل، قال: لا، إنّه قد بعث بمكة نبيّ يحرّم الزّنى، قد منع منّا القرار. وفي الباب عدّة أحاديث عامّتها واهية الأسانيد.

стр. 932

انشقاق القمر. قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال شيبان، عن قتادة، عن أنس: إنّ أهل مكة سألوا نبيّ الله ﷺ أن يريهم آيةّ، فأراهم انشقاق القمر مرّتين. أخرجاه (١) من حديث شيبان، لكن لم يقل البخاري مرّتين. وقال معمر، عن قتادة، عن أنس مثله، وزاد فانشقّ فرقتين مرّتين. مسلم (٢)، وللبخاري نحو منه، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة (٣). وأخرجاه من حديث شعبة، عن قتادة (٤). وقال ابن عيينة وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقّا شقّتين بمكة، قبل مخرج النّبيّ ﷺ شقّة على أبي قبيس، وشقّة على السّويداء، فقالوا: سحر القمر. لفظ عبد الرّزّاق، عن ابن عيينة، وأراد قبل مخرج النّبيّ ﷺ يعني إلى المدينة. أخرجاه (٥) من حديث ابن عيينة، ولفظه: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقّتين، فقال رسول الله ﷺ اشهدوا. وأخرجاه (٦) عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال: انفلق القمر، ونحن مع رسول الله ﷺ ، فصارت فلقة من وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 933

اشهدوا. وأخرجاه (١) من حديث شعبة، عن الأعمش. وقال أبو داود الطّيالسيّ في مسنده (٢): حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفّار، فإنّ محمدا لا يستطيع أن يسحر النّاس كلّهم، فجاء السّفّار فقالوا: ذلك صحيح. وقال هشيم، عن مغيرة نحوه. وقال بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ القمر انشقّ على زمان رسول الله ﷺ . متفق عليه من حديث بكر (٣). وقال شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النّبيّ ﷺ : اللهمّ اشهد. أخرجه مسلم (٤). وقال إبراهيم بن طهمان، وهشيم، عن حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدّه قال: انشقّ القمر، ونحن بمكة على عهد رسول الله ﷺ . وكذا رواه أبو كدينة، والمفضّل بن يونس، عن حصين. ورواه محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين، عن محمد بن جبير، عن أبيه (٥). والأول أصحّ.

стр. 934

باب: ويسألونك عن الرّوح. قال يحيى بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلاّ قليلا؟ وقد أوتينا التّوارة فيها حكم الله، ومن أوتي التّوارة فقد أوتي خيرا كثيرا، قال: فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية. وهذا إسناد صحيح (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق، حدّثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّ مشركي قريش، بعثوا النّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم علم ما ليس عندنا، فقدما المدينة، فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره ببعض قوله، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدّهر الأول، ما كان من أمرهم، فإنّه كان لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبؤه. وسلوه عن الرّوح ما هو، فقدما مكة فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، وسألوه، فقال: أخبركم غدا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولم يأته جبريل، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا غدا واليوم خمس عشر، وأحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي، ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب

стр. 935

الكهف فيها معاتبته إيّاه على حزنه، وخبر الفتية والرجل الطّوّاف وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (١) وأمّا حديث ابن مسعود (٢)، فيدلّ على أنّ سؤال اليهود عن الرّوح كان بالمدينة. ولعلّه ﷺ سئل مرّتين. وقال جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله: إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم، وإن شئت أن أستأني بهم لعلنا نستحيي منهم وأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ حديث صحيح (٣)، ورواه سلمة بن كهيل، عن عمران، عن ابن عبّاس، وروي عن أيّوب، عن سعيد بن جبير. ذكر أذيّة المشركين للنبي ﷺ وللمسلمين. الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التّيمي، قال: حدّثني عروة قال: سألت عبد الله بن عمرو قلت: حدّثني بأشدّ شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ . قال: أقبل عقبة بن أبي معيط والنّبيّ ﷺ يصلّي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه، فدفعه عن رسول الله ﷺ ثم قال:

стр. 936

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أخرجه البخاري (١). ورواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله. ورواه سليمان بن بلال، وعبدة (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمرو بن العاص. وهذه علّة ظاهرة، لكن رواه محمد بن فليح، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فهذا ترجيح للأول. وقال سفيان، وشعبة، واللّفظ له: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدّث عن عبد الله قال: بينما رسول الله ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش، وثَم سلى بعير، فقالوا: من يأخذ سلى هذا الجزور فيقذفه على ظهره، فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره ﷺ ، وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، ودعت على من صنع ذلك، قال عبد الله: فما رأيت رسول الله ﷺ دعا عليهم إلاّ يومئذ فقال: اللهمّ عليك الملأ من قريش، اللهمّ عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأميّة بن خلف - أو أبيّ بن خلف، شكّ شعبة، ولم يشكّ سفيان أنه أميّة - قال عبد الله: فقد رأيتهم قتلوا يوم بدر وألقوا في القليب (٣)، غير أنّ أميّة كان رجلا بادنا، فتقطع قبل أن يبلغ به البئر. أخرجاه (٤) من حديث شعبة، ومن حديث سفيان. وقال مسلم (٥): حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال: أخبرنا عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: بينما رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له

стр. 937

جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلى جزور فيضعه على كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم (١)، فأخذه فوضعه بين كتفيه، فضحكوا وجعل بعضكم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته، والنّبيّ ﷺ ما يرفع رأسه، فجاءت فاطمة، وهي جويرية فطرحته عنه وسبّتهم، فلما قضى صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: اللهمّ عليك بقريش ثلاثا، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضّحك وخافوا دعوته، ثم قال: اللهمّ عليك بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة (٢)، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه. فوالذي بعث محمدا بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر. وقال زائدة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: إنّ أوّل من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمّه أبي طالب. وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه. وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد، وأوقفوهم في الشمس، فما من أحد إلاّ وقد واتاهم على ما أرادوا غير بلال، فإنّه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد حد. حديث صحيح (٣). وقال هشام الدّستوائيّ، عن أبي الزّبير، عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ مرّ بعمّار وأهله، وهم يعذّبون، فقال: أبشروا آل عمار (٤) فإنّ موعدكم الجنة. وقال الثّوريّ، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أوّل شهيد في

стр. 938

الإسلام أمّ عمّار سميّة، طعنها أبو جهل بحربة في قبلها (١). وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكر أعتق ممّن كان يعذّب في الله سبعة، فذكر منهم الزّنيرة، قال: فذهب بصرها، وكانت ممّن يعذّب في الله على الإسلام، فتأبى إلاّ الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلاّ اللّات والعزّى، فقالت: كلاّ والله ما هو كذلك، فردّ الله عليها بصرها (٢). وقال إسماعيل بن أبي خالد وغيره: حدثنا قيس قال: سمعت خبّابا يقول: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسّد برده في ظلّ الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة شديدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمرّ وجهه فقال: إن كان من كان قبلكم ليمشّط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله . متفق عليه (٣)، وزاد البخاري من حديث بيان بن بشر: والذئب على غنمه. وقال البّكائيّ، عن ابن إسحاق (٤)، قال: حدّثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير: قلت لابن عبّاس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم يجيعونه ويعطّشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدّة الضّرّ الذي نزل له، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولون له: آللاّت والعزّى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إنّ الجعل

стр. 939

ليمرّ بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله، فيقول: نعم، افتداء منهم ممّا يبلغون من جهده. وحدّثني الزّبير بن عكاشة، أنّه حدّث، أنّ رجالا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا، منهم سلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخشوا شرّه: إنّا قد أردنا أن تعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدّين الذي قد أحدثوا فإنّا نأمن بذلك في غيره، قال: هذا فعليكم به فعاتبوه، يعني أخاه الوليد، ثم إيّاكم ونفسه، وقال: ألا لا تقتلنّ أخي عييش … فيبقى بيننا أبدا تلاحي احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلنّ أشرفكم رجلا، قال: فتركوه، فكان ذلك مما دفع الله به عنه. وقال عمرو بن دينار، فيما رواه عنه ابن عيينة: لما قدم عمرو بن العاص من الحبشة جلس في بيته فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال: إنّ أصحمة يزعم أنّ صاحبكم نبيّ. ويروى عن ابن إسحاق، من طريق محمد بن حميد الرّازي، أنّ النّبيّ ﷺ كتب إلى النّجاشيّ يدعوه إلى الإسلام، وذلك مع عمرو بن أميّة الضّمريّ، وأنّ النّجاشيّ كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله ﷺ من النّجاشيّ أصحمة بن أبجر، سلام عليك يا نبيّ الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنّك رسول الله، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك أريحا ابني، فإنّي لا أملك إلاّ نفسي، وإن شئت، أن آتيك فعلت، يا رسول الله (١). قال يونس، عن ابن إسحاق: كان اسم النّجاشيّ مصحمة، وهو بالعربية عطيّة، وإنّما النّجاشيّ اسم الملك، كقولك: كسرى وهرقل. وفي حديث جابر، أنّ النّبيّ ﷺ صلّى على أصحمة النّجاشيّ، وأمّا قوله: مصحمة، فلفظ غريب.

стр. 940

ذكر شعب أبي طالب والصّحيفة قال موسى بن عقبة، عن الزّهري قال: ثم إنّهم اشتدّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلمّا رأى أبو طالب عملهم جمع بني أبيه، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويمنعوه ممّن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّة، ومنهم من فعله إيمانا، فلمّا عرفت قريش أنّ القوم قد منعوه أجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل (١). فلبث بنو هاشم في شعبهم، يعني ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاء، وقطعوا عنهم الأسواق، وكان أبو طالب إذا نام النّاس أمر رسول الله ﷺ فاضطّجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله، فإذا نوم النّاس أمر أحد بنيه أو إخوته فاضطّجع على فراش رسول الله ﷺ . ويأتي رسول الله ﷺ فراش ذلك فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين، تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن بني قصيّ، ورجال أمّهاتهم من نساء بني هاشم، ورأوا أنّهم قد قطعوا الرّحم واستخفّوا بالحقّ، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه. وبعث الله على صحيفتهم الأرضة، فلحست كلّ ما كان فيها من عهد وميثاق، ويقال: كانت معلّقة في سقف البيت، فلم تترك اسما لله إلاّ لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم، فأطلع الله رسوله على ذلك،

стр. 941

فأخبر به أبا طالب، فقال أبو طالب: لا والثّواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطّلب، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فأنكروا ذلك، فقال أبو طالب: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح، فأتوا بها وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنّما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا للهلكة، قال أبو طالب: إنّما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني، أنّ الله بريء من هذه الصحيفة، ومحا كلّ اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإن كان كما قال، فأفيقوا، فوالله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا، دفعناه إليكم، فرضوا وفتحوا الصّحيفة، فلمّا رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إن كان هذا قطّ إلاّ سحرا من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لكفرهم، فقال بنو عبد المطّلب: إنّ أولى بالكذب والسّحر غيرنا، فكيف ترون، وإنّا نعلم أنّ الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسّحر من أمرنا، ولولا أنّكم اجتمعتم على السّحر لم تفسد الصّحيفة، وهي في أيديكم، أفنحن السّحرة أم أنتم؟ فقال أبو البختري، ومطعم بن عديّ، وزهير بن أبي أميّة بن المغيرة، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصّحيفة عنده، وهو من بني عامر بن لؤيّ، في رجال من أشرافهم: نحن برآء ممّا في هذه الصّحيفة، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل (١). وذكر نحو هذه القصّة ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وذكر ابن إسحاق (٢) نحوا من هذا، وقال: حدّثني حسين بن عبد الله أنّ أبا لهب، يعني حين فارق قومه من الشعب، لقي هندا بنت عتبة بن ربيعة، فقال لها: هل نصرت اللّات والعزّى وفارقت من فارقها؟ قالت: نعم فجزاك الله خيرا أبا عتبة.

стр. 942

وأقام بنو هاشم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلاّ سرّا مستخفى به. وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحا، يريد به عمّته خديجة ﵂، وهي في الشّعب فتعلّق به وقال: أتذهب بالطّعام إلى بني هاشم، والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختريّ بن هشام فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطّعام إلى بني هاشم! قال: طعام كان لعمّته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها، خلّ سبيل الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحي بعير، فضربه فشجّه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة يرى ذلك، يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه، فيشمتوا بهم. قال: ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، سرا وجهرا. وقال موسى بن عقبة: فلمّا أفسد الله الصّحيفة، خرج رسول الله ﷺ ورهطه، فعاشوا وخالطوا النّاس (١). باب إنّا كفيناك المستهزئين قال الثّوريّ، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قول الله : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزّهري، وأبو زمعة الأسود بن المطّلب من بني أسد بن عبد العزّى، والحارث بن عيطل السّهميّ، والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم النّبيّ ﷺ إليه، فأراه الوليد، وأومأ جبريل إلى أبجله (٢)، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه

стр. 943

الأسود، فأومأ جبريل إلى عينيه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه أبا زمعة، فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت؟ قال كفيته، ثم أراه الحارث، فأومأ إلى رأسه أو بطنه وقال: كفيته، ومر به العاص فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيته، فأمّا الوليد، فمرّ برجل من خزاعة، وهو يريش نبلا، فأصاب أبجله فقطعها، وأمّا الأسود فعمي. وأما ابن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأمّا الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه، حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها، وأمّا العاص فدخل في رأسه شبرقة (١)، حتى امتلأت فمات منها، وقال غيره: إنّه ركب إلى الطائف حمارا فربظ به على شوكة، فدخلت في أخمصه فمات منها. حديث صحيح (٢). دعاء رسول الله ﷺ على قريش بالسّنة. قال الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدّث في المسجد، إذ قال فيما يقول: يوم تأتي السّماء بدخان مبين، قال: دخان يكون يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزّكمة، فقمنا فدخلنا على عبد الله بن مسعود فأخبرناه فقال: أيّها النّاس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم الله أعلم، قال الله لرسوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وسأحدّثكم عن الدّخان: إنّ قريشا لمّا استعصت على رسول الله ﷺ وأبطؤوا عن الإسلام قال: اللهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة فحصّت كلّ شيء حتى أكلوا الجيف والميتة، حتى إنّ أحدهم كان يرى ما بينه وبين السّماء كهيئة الدّخان من الجوع، ثم دعوا فكشف عنهم، يعني قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾

стр. 944

قال: فعادوا فكفروا فأخرّوا إلى يوم بدر ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ قال عبد الله: يوم بدر فانتقم منهم. متّفق عليه (١). وقال عليّ بن ثابت الدّهّان، وقد توفّي سنة تسع عشرة ومائتين: أخبرنا أسباط بن نصر، عن منصور، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: لما رأى رسول الله ﷺ من النّاس إدبارا قال: اللهمّ سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وغيره فقال: إنّك تزعم أنّك بعثت رحمة، وإنّ قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا فسقوا الغيث (٢). قال ابن مسعود: مضت آية الدّخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وآية الرّوم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر. وأخرجا من حديث الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، قال عبد الله: خمس قد مضين: اللّزام (٣)، والروم، والدّخان، والقمر، والبطشة (٤). وقال أيّوب وغيره، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يستغيث من الجوع، لأنّهم لم يجدوا شيئا، حتى أكلوا العلهز (٥) بالدم، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾

стр. 945

ذكر الرّوم. وقال أبو إسحاق الفزاريّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون يحبّون أن تظهر الرّوم على فارس، لأنّهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبّون أن تظهر فارس على الروم، لأنّهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكره للنّبيّ ﷺ ، فقال: أما إنّهم سيظهرون. فذكر أبو بكر لهم ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلا، فجعل بينهم أجل خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال: ألا جعلته - أراه قال - دون العشرة، قال: فظهرت الروم بعد ذلك. فذلك قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١) قال سفيان الثّوريّ: وسمعت أنّهم ظهروا يوم بدر. وقال الحسين بن الحسن بن عطيّة العوفي: حدّثني أبي، عن جدّي، عن ابن عبّاس: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قال: قد مضى ذلك وغلبتهم فارس، ثم غلبتهم الروم بعد ذلك، ولقي نبيّ الله ﷺ مشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصر الله النّبيّ ﷺ على المشركين، ونصر الرّوم على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إيّاهم، ونصر أهل الكتاب. قال عطيّة: فسألت أبا سعيد الخدريّ عن ذلك، فقال: التقينا مع رسول الله ﷺ نحن ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على المشركين، ونصر الله أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصرنا ونصرهم (٢).

стр. 946

وقال اللّيث: حدّثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لمّا نزلت هاتان الآيتان - يعني أوّل الرّوم - ناحب أبو بكر بعض المشركين - يعني راهن قبل أن يحرّم القمار - على شيء، إن لم تغلب فارس في سبع سنين، فقال رسول الله ﷺ : لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشر بضع. فكان ظهور فارس على الروم في سبع سنين، فقال رسول الله ﷺ : لم فعلت، فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين (١). ثم أظهر الله الروم عليهم زمن الحديبية، ففرح بذلك المسلمون (٢). وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ قال: غلبهم أهل فارس على أدنى الشام، قال: فصدّق المسلمون ربّهم، وعرفوا أنّ الروم سيظهرون بعد، فاقتمر هم والمشركون على خمس قلائص، وأجلّوا بينهم خمس سنين، فولّي قمار المسلمين أبو بكر، وولّي قمار المشركين أبيّ بن خلف، وذلك قبل أن ينهى عن القمار، فجاء الأجل، ولم تظهر الروم، فسأل المشركون قمارهم، فقال رسول الله ﷺ : ألم تكونوا أحقاء أن تؤجّلوا أجلا دون العشر، فإنّ البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم ومادّوهم في الأجل ففعلوا، فأظهر الله الروم عند رأس السبع من قمارهم الأوّل، وكان ذلك مرجعهم من الحديبية، وفرح المسلمون بذلك. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا أسيد الكلابيّ، أنّه سمع العلاء بن الزّبير الكلابيّ يحدّث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق، كلّ ذلك في خمس عشرة سنة (٣).

стр. 947

ثمّ توفّي عمّه أبو طالب وزوجته خديجة. يقال في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنّها نزلت في أبي طالب ونزل فيه ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال سفيان الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عمّن سمع ابن عبّاس يقول في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ وينأى عنه. ورواه حمزة الزّيات، عن حبيب، فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس (١). وقال معمر، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النّبيّ ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، فقال له النّبيّ ﷺ : يا عمّ قل لا إله إلاّ الله أحاجّ لك بها عند الله. فقالا: أي أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطّلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملّة عبد المطّلب، فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيتين، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أخرجه مسلم (٢). وللبخاري مثله من حديث شعيب بن أبي حمزة (٣). وقد حكى عن أبي طالب، واسمه عبد مناف، ابنه عليّ، وأبو رافع مولى النّبيّ ﷺ . ابن عون، عن عمرو بن سعيد، أنّ أبا طالب قال: كنت بذي المجاز

стр. 948

مع ابن أخي، فعطشت، فشكوت إليه، فأهوى بعقبه إلى الأرض، فنبع الماء فشربت. وعن بعض التابعين قال: لم يكن أحد يسود في الجاهليّة إلاّ بمال، إلاّ أبو طالب وعتبة بن ربيعة. قلت: ولأبي طالب شعر جيّد مدوّن في السّيرة وغيرها. وفي مسند أحمد (١) من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن حبّة العرنيّ قال: رأيت عليّا ضحك على المنبر حتى بدت نواجذه، ثم ذكر قول أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله ﷺ نصلّي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فقال: ما بالذي تصنعان من بأس، ولكن والله لا تعلوني استي أبدا، فضحكت تعجّبا من قول أبي. وروى معتمر بن سليمان، عن أبيه أنّ قريشا أظهروا لبني عبد المطّلب العداوة والشّتم، فجمع أبو طالب رهطه، فقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله على من ظلمهم، وقال أبو طالب: إن أبى قومنا إلاّ البغي علينا فعجّل نصرنا، وحلّ بينهم وبين الذي يريدون من قتل ابن أخي، ثم دخل بآله الشّعب. ابن إسحاق (٢): حدّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عبّاس قال: لمّا أتى النّبيّ ﷺ أبا طالب قال: أي عمّ، قل لا إله إلاّ الله أستحل لك بها الشفاعة، قال: يا ابن أخي، والله لولا أن تكون سبّة على أهل بيتك، يرون أنّي قلتها جزعا من الموت، لقلتها، لا أقولها إلاّ لأسرّك بها، فلّما ثقل أبو طالب رؤي يحرك شفتيه، فأصغى إليه أخوه العبّاس ثم رفع عنه فقال: يا رسول الله قد والله قالها، فقال رسول الله ﷺ : لم أسمع. قلت: هذا لا يصحّ، ولو كان سمعه العبّاس يقولها لما سأل النّبيّ ﷺ وقال: هل نفعت عمّك بشيء، ولما قال عليّ بعد موته: يا رسول الله إنّ عمّك الشيخ الضّالّ قد مات. صحّ أنّ عمرو بن دينار، روى عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

стр. 949

نزلت في أبي طالب؟ قال: نعم. زيد بن الحباب، قال: حدثنا حمّاد، عن ثابت، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن العبّاس، أنّه سأل النّبيّ ﷺ ما ترجو لأبي طالب؟ قال: كلّ الخير من ربّي. أيّوب، عن ابن سيرين قال: لما احتضر أبو طالب دعا النّبيّ ﷺ فقال: يا ابن أخي إذا أنا متّ فأت أخوالك من بني النّجّار، فإنّهم أمنع النّاس لما في بيوتهم. قال عروة بن الزّبير: قال رسول الله ﷺ : ما زالت قريش كاعّة عنّي حتّى مات عمّي (١). كاعّة: جمع كائع، وهو الجبان، يقال: كعّ إذا جبن وانقبض. وقال يزيد بن كيسان: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه: قل لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال: لولا أن تعيّرني قريش، يقولون: إنّما حمله عليه الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية. أخرجه مسلم (٢). وقال أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العبّاس أنّه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنّه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من النّار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار. أخرجاه (٣). وكذلك رواه السّفيانان، عن عبد الملك. وقال اللّيث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ، أنه سمع رسول الله ﷺ : يقول - وذكر عنده عمّه أبو طالب فقال -: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. أخرجاه (٤).

стр. 950

وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله ﷺ قال: أهون أهل النّار عذابا أبو طالب منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه. مسلم (١). وقال الثّوريّ وغيره، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي ﵁ قال: لمّا مات أبو طالب أتيت النّبيّ ﷺ فقلت: إنّ عمّك الشيخ الضّالّ قد مات، قال: اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرّني أنّ لي بهنّ ما على الأرض من شيء. ورواه الطّيالسيّ في مسنده (٢) عن شعبة، عن أبي إسحاق فزاد بعد: اذهب فواره: فقلت: إنّه مات مشركا قال: اذهب فواره. وفي حديثه تصريح السّماع من ناجية قال: شهدت عليّا يقول. وهذا حديث حسن متّصل (٣). وقال عبد الله بن إدريس: حدثنا محمد بن إسحاق، عمّن حدّثه، عن عروة بن الزّبير، عن عبد الله بن جعفر قال: لمّا مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من قريش، فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته، فأتت بنته تمسح عن وجهه التراب وتبكي فجعل يقول: أي بنية لا تبكين، فإنّ الله مانع أباك، ويقول ما بين ذلك: ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب (٤). غريب مرسل. وروي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس أنّ النّبيّ ﷺ عارض جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم يا عمّ وجزيت خيرا. تفرّد به إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزميّ. وهو منكر الحديث يروي عنه عيسى
следующие страницы →