← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

في جواب: أتتخذنا هزؤا يدلّ على أن الهازئ جاهل. قال أبو الحسن: زعم عيسى أنّ كلّ اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن العرب من يثقّله ومنهم من يخفّفه، نحو: العسر واليسر والحكم «١» والرّحم، فممّا يقوي هذه الحكاية أن ما كان على فعل من الجموع، مثل: كتاب، وكتب، ورسول ورسل، قد استمرّ فيه الوجهان، فقالوا: رسل، ورسل، حتى جاء ذلك في العين إذا كانت واوا نحو: ...... سوك الإسحل «٢» ونحو قوله: وفي الأكفّ اللامعات سور «٣»

стр. 562

وحكى أبو زيد: قوم قول. فأما فعل في جمع أفعل نحو: أحمر وحمر: فكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين. وقد جاء فيه التحريك في الشعر، وإذا كان الأمر على هذا يجب «١» أن يكون ذلك مستمرا في نحو: الجزء، والكفء، والهزء. إلّا أنّ من ثقّل فقال: رأيت جزؤا، وكفؤا، فجاء به مثقّل العين محقّق الهمزة، فله أن يخفّف الهمزة، فإذا خفّفها وقد ضمّ العين لزم أن يقلبها واوا فيقول: رأيت جزوا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص/ ٤]. فإن خفّف كما يخفف الرحم فأسكن العين، قال: هُزُواً وجزوا فأبقى الواو التي انقلبت عن الهمزة لانضمام ما قبلها، وإن لم تكن ضمة العين في اللفظ لأنها مرادة في المعنى، كما قالوا: لقضو الرجل، فأبقوا الواو ولم يردّوا اللام التي هي ياء من «٢» قضيت، لأن الضمة وإن كانت محذوفة من اللفظ مرادة في المعنى. وكذلك قالوا: رضي زيد، فيمن قال: علم ذاك، فلم يردّوا الواو التي هي لام لزوال الكسرة، لأنها مقدّرة مرادة، وإن كانت محذوفة من اللفظ. ومما يقوي أنّ هذه الحركة، وإن كانت محذوفة في اللفظ، مرادة في التقدير- رفضهم جمع كساء، وغطاء، ونحوه من المعتل اللام على فعل. ألا ترى أنّهم رفضوا جمعه على فعل لمّا كان في تقدير فعل، واقتصروا على أدنى العدد، نحو: أغطية وأكسية، وخباء وأخبية، فكذلك تقول: رأيت كفوا، فتثبت الواو وإن كنت قد حذفت الضمة الموجبة لاجتلابها.

стр. 563

فأما من أسكن فقال: (الجزء والكفء)، كما تقول: اليسر، فتكلّم به مسكّن العين، وخفّف الهمزة على هذا، فإنّ تخفيف الهمزة في قوله: أن يحذفها ويلقي حركتها على الساكن الذي قبلها. فيقول: رأيت جزا، كما يقول: يخرج الخب «١» في السماوات [النمل/ ٢٥] فإذا وقف على هذا في القول الشائع، أبدل من التنوين الألف كما تقول: رأيت زيدا، فإذا وقف في الرفع والجرّ، حذف الألف كما يحذف من يد، وغد، فيهما. وعلى ما وصفنا تقول: لبؤة، فإذا خففت الهمزة قلت: لبوة، فإن أسكنت العين في من قال: عضد، وسبع، قلت: لبوة فلم تردّ الهمزة لتقدير الحركة، وزعموا أنّ بعضهم قال: لباة، فهذا كأنّه «٢» كان: لبأة، ساكن العين ولم يقدّر فيها الحركة التي في لبؤة فخفّفها على قول من قال: «المراة والكماة» وليس هذا مما يقدح فيما حكاه عيسى. ألا ترى أنّهم قد قالوا: رضيوا، فجعلوا السكون الذي في تقدير الحركة بمنزلة السكون الذي لا تقدّر فيه الحركة، ولولا ذلك للزم حذف الياء التي هي لام كما لزم حذفها في قول من حرّك العين ولم يسكن. فإذا كان الأمر في هذه الحروف على ما ذكرنا، فقراءة من قرأ بالضم وتحقيق الهمز «٣» في الجواز والحسن، كقراءة من

стр. 564

قرأ بالإسكان وقلب الهمزة واوا، لأنه تخفيف قياسيّ. ويجوز أن يأخذ الآخذ باللغتين جميعا كما روى أبو زيد عن أبي عمرو، أنه خيّر بين التخفيف والتثقيل. فأمّا قراءة حمزة للحروف الثلاثة بالإسكان والهمز فعلى قول من قال: اليسر والرّحم. فأما اختياره في الوقف: هُزُواً بإسكان الزاي، وإثبات الواو بعدها، وبعد الفاء من كفو ورفضه الهمز في الوقف، فإنه ترك الهمز في الوقف هنا «١» كما تركه في غير هذا الموضع ووجه تركه الهمز في الوقف أن الهمزة حرف قد غيّر في الوقف كثيرا. ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون ساكنة أو متحركة، فإذا كانت ساكنة، لزمها بدل الألف إذا انفتح ما قبلها. وبدل الياء إذا انكسر ما قبلها، وبدل الواو إذا انضمّ ما قبلها في لغة أهل الحجاز، وذلك قولك: لم أقرأ، تبدلها ألفا، ولم أهني تبدلها ياء، وهذه أكمو، تبدلها واوا. فإذا كانت متحركة لزمها القلب في نحو: هذا الكلو، وبالكلي، ورأيت الكلا. فلما رأى هذه التغييرات تعتقب عليها في الوقف، غيّرها فيه. ألا ترى أن الهمزة الموقوف عليها لا تخلو من أن تكون في الوصل ساكنة أو متحركة، وقد تعاورها ما ذكرنا من التغيير في حال حركتها وسكونها، ألزمها التغيير في الوقف ولم يحقّقها فيه، لأن الوقف موضع يغيّر فيه الحروف التي لم تتغيّر تغيّر الهمزة فألزمها في الوقف التغيير، ولم يستعمل فيه التحقيق، لما رأى من حال الهمز في الوقف.

стр. 565

فإن قلت: فإنه قد غيّر ذلك في الوقف وإن لم يكن الهمز آخر الحرف الموقوف عليه: نحو يَسْتَهْزِؤُنَ [النحل/ ٣٤]. قيل: إن الوقف قد يغيّر فيه الحرف الذي قبل الحرف الموقوف عليه نحو: النقر والرّحل، فصار لذلك بمنزلة الموقوف عليه في التغيير. فإن قلت: إن الهمزة في يَسْتَهْزِؤُنَ ليس على حدّ النّقر. قيل: يجوز أن تكون النون لما كانت تسقط للجزم والنصب عنده لم يعتدّ بها كما لا يعتدّ بأشياء كثيرة لا تلزم. ويؤكد ذلك، أن النون إعراب وأنها بمنزلة الحركة من حيث كان «١» إعرابا مثلها، فلم يعتدّ بها كما لا «٢» يعتدّ بالحركة. فاختياره في الدّرج التحقيق، وفي الوقف التخفيف، مذهب حسن متجه في القياس. فأمّا وقفه على قوله: جزا بفتح الزاي من غير همز، فعلى قياس قوله: كفوا وهزوا «٣». ألا ترى أن (الجزء)، من أسكن العين منه فقياسه في الوقف في النصب جزا إذا وقف على قوله: وجعلوا له من عباده جزا [الزخرف/ ١٥] «٤» فإن وقف في الجرّ والرّفع، أسكن الزّاي في اللغة الشائعة فقال: هذا جز، ومررت بجز، وإن كان ممّن يقول: هذا فرجّ، فثقّل، لزمه أن يثقّل الحرف

стр. 566

الذي ألقى عليه حركة الهمزة. فإذا عضد هذا القياس أن يكون الكتاب عليه، جمع إليه موافقة الكتاب، وإنما جاء الكتاب فيما نرى على هذا القياس. وكذلك قراءة عاصم، وما روي عنه في ذلك، ليس يخرج من حكم التحقيق والتخفيف، والتخيير فيهما. وكذلك قول نافع ليس يخرج عما ذكرنا من حكم التحقيق والتخفيف. [البقرة: ٧٤] اختلفوا في التاء والياء في قوله «١»: وَمَا اللَّهُ «٢» بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة/ ٧٤]. فقرأ ابن كثير كلّ ما «٣» في القرآن من قوله «٤»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء، إلا ثلاثة أحرف: قوله «٥»: لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما يعملون [البقرة/ ٧٤] بالياء «٦» وقوله «٧»: يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما يعملون [البقرة/ ٨٥] بالياء. وقوله «٨»: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة/ ١٤٤]، بالياء. وقرأ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء [الأنعام/ ١٣٢ والنمل/ ٩٣]. وقرأ نافع من هذه الثلاثة الأحرف حرفين بالياء: قوله: إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون بالياء، وكذلك: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن بالتاء.

стр. 567

وكذلك قرأ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. بالتاء، وهما حرفان في آخر سورة هود، [الآية/ ١٢٣]، وآخر سورة النّمل [الآية/ ٩٣] فهما عنده بالتاء. وقرأ في سورة الأنعام: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء [الآية/ ١٣٢]. وقرأ ابن عامر كلّ ما جاء في القرآن من قوله: وما الله بغافل عما تعملون بالتاء. وقرأ في سورة الأنعام وآخر سورة هود وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء، وقرأ في آخر سورة النّمل، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء فهذه حروف كذلك في كتابي عن أحمد بن يوسف عن ابن ذكوان. ورأيت في كتاب «١» موسى بن موسى الختّلي «٢» عن ابن ذكوان: بالتاء. وفي آخر النمل: بالتاء أيضا. وقال الحلوانيّ عن هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر ذلك كلّه بالتاء وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء في موضعين، قوله: يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء. وقوله: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن بالتاء.

стр. 568

وكلّ «١» ما في القرآن من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فهو بالياء، وهذا «٢» قول أبي بكر بن عيّاش عن عاصم. وقال حفص عن عاصم في رأس الأربع والأربعين والمائة: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة] بالياء، هذه وحدها، وسائر القرآن بالتاء. وقال حفص: قرأ عاصم في سورة الأنعام: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الآية/ ١٣٢] بالياء، وقرأ في آخر هود وآخر النّمل: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء مثل قراءة نافع. وقرأ أبو عمرو رأس الأربع والأربعين والمائة، والتسع والأربعين والمائة «٣»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وسائر القرآن من قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء. وما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فهو بالياء. وقرأ حمزة والكسائيّ كلّ ما كان من قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء «٤». وكلّ ما في القرآن من قوله «٥»: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ فهو ستّة مواضع. خمسة منها في سورة البقرة «٦»، وحرف في آل عمران عند المائة. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ ثلاثة مواضع «٧»: في الأنعام وآخر هود وآخر النّمل.

стр. 569

قال أبو عليّ: القول في جملة ذلك أنّ ما كان قبله خطاب جعل بالتاء، ليكون الخطاب معطوفا على خطاب مثله- كقوله «١»: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ [البقرة/ ٧٤] وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، فالتاء هنا «٢» حسن، لأنّ المتقدّم خطاب. ولو كان: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ على لفظ الغيبة. أي: وما الله بغافل عما يفعل هؤلاء الذين اقتصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون، لكان حسنا. وإن كان الذي قبله غيبة «٣»، حسن أن يجعل على لفظ الغيبة، ليعطف ما للغيبة على مثله، كما عطفت ما للخطاب على مثله. ويجوز فيما كان قبله لفظ غيبة الخطاب. ووجه ذلك أن تجمع بين الغيبة والخطاب، فتغلّب الخطاب على الغيبة، لأنّ الغيبة يغلب عليها الخطاب فيصير كتغليب المذكّر على المؤنّث، ألا ترى أنّهم قد بدءوا بالخطاب «٤» على الغيبة في باب الضمير، وهو موضع يردّ فيه كثير من الأشياء إلى أصولها؟ نحو: لك، ونحو قوله: فلا بك ما أسال ولا أغاما «٥» فلمّا قدّموا المخاطب على الغائب فقالوا: أعطاكه ولم

стр. 570

يقولوا: أعطاهوك. علمت أنه أقدم في الرّتبة. كما أن المذكّر مع المؤنث كذلك. فإذا كان الأمر على هذا، أمكن في الخطاب في هذا النحو أن يعنى به الغيب والمخاطبون، فيغلّب الخطاب على الغيبة ويكون المعنى: ما الله بغافل عمّا تعملون. أي فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. ويجوز في الخطاب بعد الغيبة وجه آخر، وهو أن يراد به: قل لهم أيها النبيّ: ما الله بغافل عمّا تعملون، فعلى هذا النحو تحمل هذه الفصول. [البقرة: ٨١] اختلفوا في قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١]، فقرأ نافع وحده: خطيئاته، وقرأ الباقون: خَطِيئَتُهُ واحدة «١». قال أبو علي: قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون المعنى أحاطت بحسنته خطيئته أي: أحيطتها من حيث كان المحيط أكبر «٢» من المحاط به فيكون بمنزلة قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت/ ٥٤]، وقوله أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف/ ٢٩]، أو يكون المعنى في: أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ: أهلكته، من قوله «٣»: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف/ ٦٦] وقوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس/ ٢٢] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف/ ٤٢] فهذا كلّه في معنى البوار والهلكة. ويكون للإحاطة معنى ثالث وهو: العلم. كقوله «٤»:

стр. 571

كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً [الكهف/ ٩١] و: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ [الجن/ ٢٨]. وقال: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ «١» [الأنفال/ ٤٧] أي: عالم. وأما «٢» الخطيئة: فقال أبو زيد: خطئت، من الخطيئة. أخطأ خطئا «٣» والاسم الخطء، وأخطأت إخطاء، والاسم الخطاء «٤». وقال أبو الحسن: الخطء: الإثم، وهو ما أصابه متعمّدا والخطأ: غير التعمّد. ويقال من هذا: أخطأ يخطئ وقال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب/ ٥] واسم الفاعل من هذا مخطئ. فأمّا خطئت: فاسم الفاعل فيه «٥»: خاطئ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [الحاقة/ ٣٧] وقد قالوا: خطئ في معنى أخطأ، قال: يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا «٦» المعنى: أخطأتهم، ويدلّك على هذا قول الأعشى:

стр. 572

فأصبن ذا كرم ومن أخطأنه ... جزأ المقيظة خشية أمثالها «١» يصف أيضا خيلا. ومما جاء فيه: خطئ في معنى أخطأ قول الشاعر «٢»: والناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصّواب ولا يلام المرشد فأما الخطيئة فتقع على الصغير وعلى الكبير، فمن وقوعها «٣» على الصغير قوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء/ ٨٢] ومن وقوعها «٣» على الكبير قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١]. فأمّا قولهم: خطيئة يوم لا أصيد فيه «٥»، فالمعنى فيه: قلّ يوم لا أصيد فيه. وأما قوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة/ ٢٨٦] فالمعنى أن يكون أخطأنا في معنى: خطئنا،

стр. 573

ونسينا في معنى تركنا. لأن الخطأ والنسيان موضوعان عن الإنسان وغير مؤاخذ بهما. فيكون أَخْطَأْنا بمنزلة خطئنا كما جاء خطئنا في معنى أخطأنا. ويجوز أن تكون أَخْطَأْنا في قوله: أَوْ أَخْطَأْنا على غير التعمّد. والنّسيان: خلاف الذّكر، وليس التّرك، ولكن تعبّدنا بأن ندعو لذلك، كما جاء في الدعاء: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء/ ١١٢] والله سبحانه لا يحكم إلا بالحقّ. وكما قال: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آل عمران/ ١٩٤] وما وعدوا به على ألسنة الرّسل يؤتونه. وكذلك قول الملائكة في دعائهم للمسلمين: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [غافر/ ٧] وكذلك قوله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة/ ٢٨٦] يكون على ما يكرثهم «١» ويثقل على طباعهم، وتكون الطاقة: الاستطاعة. وقد يكون: أخطأنا: أتينا بخطإ. كقولك: أبدعت: أتيت ببدعة. ونحو هذا مما يراد به هذا النّحو. وتقول: خطّأته فأخطأ. فيكون هذا كقولهم: فطّرته فأفطر. فأمّا ما روي عن ابن عباس من قوله: خطّ الله نوءها «٢».

стр. 574

فقال أبو عبد الله اليزيديّ وغيره. ليس ذلك من الخطأ، وإنّما هو خطّ «١» مثل ردّ، من الخطيطة قال: وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. السيئة في قوله «٢»: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة/ ٨١] يجوز أن يكون. الكفر. ويجوز أن يكون: كبيرا يوتغ «٣» ويهلك، ويجوز أن يكون: من للجزاء الجازم، ويجوز أن يكون «٤» للجزاء غير الجازم، فتكون: السيّئة. وإن كانت مفردة، تراد بها الكثرة فكذلك تكون خطيئة «٥» مفردة ... وإنما حسن أن تفرد لأنه مضاف إلى ضمير مفرد، وإن كان يراد به الكثرة كما قال «٦»: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة/ ١١٢] فأفرد الوجه والأجر، وإن كان في المعنى جمعا في الموضعين. فكذلك المضاف إليه: الخطيئة، لما لم يكن جمعا لم تجمع كما جمعت في قوله: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨]

стр. 575

لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحد منهم خطيئة. وكذلك قوله: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا [الشعراء/ ٥١] وقوله «١»: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه/ ٧٣] وكذلك قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨] لأن كل لفظة من ذلك مضافة إلى جمع. فجمعت كجمع ما أضيف إليه. فأمّا قوله: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. فمضاف إلى مفرد. فكما أفردت السيئة ولم تجمع، وإن كانت في المعنى جمعا، فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة، وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافا. ألا ترى أنّ في التنزيل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم/ ٣٤] فالإحصاء إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما أثر في الحديث من قوله: «منعت العراق درهمها وقفيزها. ومصر إردبّها» «٢» فهذه أسماء مفردة مضافة، والمراد بها الكثرة فكذلك الخطيئة. ومما يرجّح به قول من أفرد ولم يجمع لأنه مضاف إلى مفرد، فأفرد لذلك وكان الوجه: قوله: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة/ ١١٢]

стр. 576

فأفرد الأجر لما كان مضافا إلى مفرد، ولم يجمع كما جمع قوله: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء/ ٢٥] فكما لم يجمع الأجر في الإضافة إلى الضمير المفرد، كما جمع لمّا أضيف إلى الضمير المجموع، كذلك ينبغي أن تكون الخطيئة مفردة إذا أضيفت إلى الضمير المفرد، وإن كان المراد به الجميع «١». ومن قال «خطيئاته» فجمع، حمله على المعنى، والمعنى: الجمع والكثرة. فكما جمع ما كان مضافا إلى جمع كذلك جمع ما كان مضافا إلى مفرد، يراد به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أنّ المراد به الكثرة. فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خطيئة على المعنى لأن الضمير المضاف إليه جمع في المعنى. قوله: فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ [البقرة/ ٨١] فأولئك خبر المبتدأ الذي هو: مَنْ في قول من جعله جزاء غير مجزوم كقوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] أو مبتدأ في قول من جعله جزاء مجزوما. وفي كلا الوجهين يراد به: مَنْ في قوله: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة/ ٨١]. ومما يدلّ على أن مَنْ يراد به الكثرة فيجوز لذلك أن تجمع خطيئة لأنها مضافة إلى جمع في المعنى. قوله بعد هذه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة/ ٨٢]، ألا ترى أن الَّذِينَ جمع، وهو معادل به من. فكذلك المعادل به يكون جمعا مثل ما عودل به.

стр. 577

[البقرة: ٨٣] اختلفوا في التاء والياء من قوله تعالى «١»: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة/ ٨٣] فقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ: لا يعبدون بالياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم «٢» وابن عامر لا تَعْبُدُونَ بالتاء «٣». قال أبو علي: الألفاظ التي جرت في كلامهم مجرى القسم، حتى أجيبت بجوابه. تستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون كسائر الأخبار التي ليست بقسم، فلا يجاب كما لا يجاب «٤». والآخر: أن يجري مجرى القسم فيجاب كما يجاب القسم. فممّا لم يجب بأجوبة القسم قوله: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٥» [الحديد/ ٨]. ومنه قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة/ ٦٣] وقال «٦»: فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ، وَيَحْسَبُونَ. فما جاء بعد من ذلك فيه ذكر الأوّل «٧» ممّا يجوز أن يكون حالا احتمل ضربين: أحدهما: أن يكون حالا، والآخر:

стр. 578

أن يكون قسما، وإنما جاز أن تحمله على الحال دون جواب القسم، لأنه قد جاز أن يكون معرّى من الجواب، وإذا جعلت ما يجوز أن يكون حالا، فقد عرّيتها من الجواب. فمما يجوز أن يكون حالا قوله تعالى «١»: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ... [البقرة/ ٦٣] فقوله: وَرَفَعْنا يجوز أن يكون حالا وتريد فيه قد. وإن شئت لم تقدّر فيه الحال. ومما يجوز أن يكون ما بعده فيه حالا غير جواب، قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة/ ٨٣] فهذا يكون حالا كأنه أخذ ميثاقهم موحّدين، وكذلك «٢»: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة/ ٨٤] أي: غير سافكين، فيكون حالا من المخاطبين المضاف إليهم. وإنما جاز كونهما لما ذكرنا من أجل أن هذا النحو قد تعرّى من أن يجاب بجواب القسم. ألا ترى أن قوله (خذوا) في الآية ليس بجواب قسم، ولا يجوز أن يكون جوابا له؛ وكذلك من قرأ: «لا تعبدوا» فجعل لا للنهي كما كان: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [آل عمران/ ١٨٧] قسما- وكذلك: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ [النحل/ ٣٨] فكما أن لَتُبَيِّنُنَّهُ لا يكون إلا جوابا، كذلك يكون قوله: لا تَعْبُدُونَ ولا تَسْفِكُونَ. يجوز أن يكون جوابا للقسم. ويجوز أن يكون «لا تَسْفِكُونَ» ونحوه في تقدير: أن لا تسفكوا كأنّ تقديره: أخذنا ميثاقهم بأن لا يسفكوا. ولا يكون ذلك جواب

стр. 579

قسم كما كان فيمن قدّره حالا غير جواب قسم. إلا أنه لما حذف (أن) ارتفع الفعل. واعلم أن ما يتصل بهذه الأشياء الجارية مجرى القسم في أنّها أجيبت بما يجاب به القسم. لا يخلو من أن يكون لمخاطب أو لمتكلم، أو لغائب جاز أن يكون على لفظ الغيبة من حيث كان اللفظ لها. وجاز أن يكون على لفظ المخاطب. وإنما جاز كونه على لفظه «١»، لأنّك تحكي حال الخطاب، وقت ما يخاطب به، ألا ترى أنهم قد قرءوا: «٢» قل للذين كفروا سيغلبون ويحشرون إلى جهنم [آل عمران/ ١٢] على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب على حكاية حال الخطاب في وقت الخطاب، فإذا كان هذا النحو جائزا، جاز أن تجيء القراءة بالوجهين جميعا، وجاز أن تجيء بأحدهما، كما جاء قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ [البقرة/ ٨٣] بالوجهين كما جاء سيغلبون، ويحشرون بالوجهين «٣»، ويجوز في قياس العربية في قوله: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال/ ٣٨] على الوجهين اللذين قرئ بهما في «سيغلبون، وستغلبون» «٤». وإن كان الكلام على الخطاب لم يجز فيما يكون في تقدير ما يتلقّى به القسم إلا الخطاب، كقوله:

стр. 580

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة/ ٨٤] فهذا لا يجوز أن يكون إلا على الخطاب، لأن المأخوذ ميثاقهم مخاطبون ولأنّك إن حكيت الحال التي يكون الخطاب فيها فيما يأتي لم يجز أن تجعل المخاطبين كالغيب، كما جاز في الغيب الخطاب من حيث قدّرت الحال التي يكون فيها الخطاب فيما تستقبل، ألا ترى أنّه لا يجوز أن تجعل المخاطبين غيبا، فتقول:" أخذنا ميثاقكم لا يسفكون" لأنك إذا قدّرت الحكاية، كان التقدير: أخذنا ميثاقكم فقلنا لكم: لا تسفكون، كان بالتاء ولم يجز الياء، كما لا يجوز أن تقول للمخاطبين: هم يفعلون، وأنت تخاطبهم. وإن لم تقدّر الحكاية فهو بالتاء، فلا مذهب إذن في ذلك غير الخطاب. فقوله «١»: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ [البقرة/ ٨٣] لا يخلو قوله: تَعْبُدُونَ من أن يكون حالا، أو يكون تلقّي قسم، أو يكون على لفظ الخبر. والمعنى معنى الأمر، أو تقدّر الجارّ في (أن) فتحذفه ثم تحذف أن فإن جعلته حالا جعلته على قول من قرأ بالياء فقال: لا يعبدون ليكون في الحال ذكر من ذي الحال. فإن قلت: وإذا قرئ بالياء فالمراد به هو بنو إسرائيل، والحال مثل الصفة، وقد حملت الصفة في هذا النحو على المعنى. فإن هذا قول، والأول البيّن. وإن جعلته تلقّي قسم، فإنّ هذا اللفظ الذي هو: أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ

стр. 581

مجاز ما يقع بعده على ثلاثة أضرب: أحدها: أن لا يتبع شيئا مما يجري مجرى الجواب كقوله: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد/ ٨] والآخر: أن يتلقّى بما يتلقّى به القسم. نحو: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [آل عمران/ ١٨٧] والثالث: أن يكون أمرا نحو: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا. ولم يجيء شيء من هذا النحو فيما علمنا «١» تلقّي بجواب قسم، ووقع بعده أمر فإن جعلت: لا تَعْبُدُونَ جواب قسم وعطفت عليه الأمر جمعت بين أمرين لم يجمع بينهما. فإن قلت: لا أحمل الأمر على القسم، ولكن أضمر القول كأنّه: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا يعبدون إلّا الله ... وقلنا لهم: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فالقول: إن إضمار القول في هذا النحو لا يضيق، وقلنا على هذا معطوف على: أخذنا، وأخذ الميثاق قول، وكأنّه: قلنا لهم كذا، وقلنا لهم كذا. فإن جعلته على أنّ اللفظ في: لا تَعْبُدُونَ لفظ خبر. والمعنى معنى الأمر، فإن ذلك يقويه ما زعموا من أنّ في إحدى القراءتين: ولا تعبدوا «٢» ومثل ذلك قوله: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الصف/ ١١] يدلّك على ذلك قوله يَغْفِرْ لَكُمْ [الصف/ ١٢] وزعموا أن في بعض المصاحف آمنوا، ويؤكد ذلك أنه قد عطف عليه بالأمر، وهو قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، [البقرة/ ٨٣]

стр. 582

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة/ ٤٣] وإن حملته على أن المعنى: أخذنا ميثاقهم بأن لا تعبدوا، فإن هذا قول، إن حملته عليه كان فيه حذف بعد حذف. وزعم سيبويه أن حذف (أن) من هذا النحو قليل. وحجة من قرأ: «لا تَعْبُدُونَ» بالخطاب، قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ. ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [آل عمران/ ٨١]. فجاء على الخطاب وقولوا. قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران/ ١٨٧]. ومما يقوّيه قوله: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة/ ٨٣] فإذا كان خطابا لا يحتمل غيره، وهو عطف على ما تقدّم، وجب أن يكون المعطوف عليه في حكمه. ومن قرأ: لا يعبدون بالياء فإنه يدل عليه قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال/ ٣٨] فحمله على لفظ الغيبة فكلّ واحد من المذهبين قد جاء التنزيل به. [البقرة: ٨٣] اختلفوا في ضم الحاء والتخفيف وفتحها والتثقيل من قوله «١»: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة/ ٨٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر، حُسْناً بضم الحاء والتخفيف. وقرأ حمزة والكسائيّ «٢» حُسْناً بفتح الحاء والتثقيل.

стр. 583

وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائيّ في سورة الأحقاف إِحْساناً [الآية/ ١٥] بألف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر حُسْناً خفيفة بغير ألف «١». قال أبو علي: من قرأ حُسْناً احتمل قوله وجهين: يجوز أن يكون الحسن لغة في الحسن، كالبخل والبخل والرّشد والرّشد، والثّكل والثّكل، وجاء «٢» ذلك في الصفة، كما جاء في الاسم، ألا تراهم قالوا: العرب والعرب، وهو صفة يدلّك على ذلك: مررت بقوم عرب أجمعون. فيكون الحسن على هذا صفة، كالحسن ويكون: كالحلو والمرّ، ويجوز أن يكون الحسن مصدرا كالكفر والشّكر والشّغل، وحذف المضاف معه كأنّه: قولا ذا حسن. ويجوز أن تجعل القول نفسه الحسن في الاتّساع، وعلى هذا «٣»: زورة وعدلة، فأنّثوا كما يؤنّثون الصفة التي تكون إياها، نحو: ظريفة وشريفة وحسنة، والدّليل على أن زورا مصدر، وليس كراكب وركب ما أنشده أحمد بن يحيى «٥»: ومشيهنّ بالخبيب «٤» مور ... كأنهنّ الفتيات الزور

стр. 584

يسألن عن غور وأين الغور والغور منهنّ بعيد جور ومن قال: حسنا جعله صفة، وكان التقدير عنده: وقولوا للنّاس قولا حسنا. فحذف الموصوف وحسن ذلك في حسن لأنها ضارعت الصفات التي تقوم مقام الأسماء. نحو الأبرق، والأبطح، وعبد، ألا تراهم يقولون: هذا حسن، ومررت بحسن، ولا يكادون يذكرون معه الموصوف. ومثل ذلك في حذف الموصوف قوله: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ١٢٦] أي متاعا قليلا. يدلك على ذلك قوله: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء/ ٧٧] وقوله: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمران/ ١٩٧] فحسن هذا وإن كان «١» قد جرى على الموصوف في قوله: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء/ ٥٤] فكذلك يحسن في قوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. فأمّا قوله: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [النمل/ ١١] فينبغي أن يكون اسما، لأنه قد عودل به ما لا يكون إلا اسما وهو «السّوء». وأمّا قوله: وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف/ ٨٦] فيمكن أن يكون أمرا ذا حسن، ويمكن أن يكون الحسن مثل الحلو. وأما قراءة الكوفيين «٢» في الأحقاف إِحْساناً وهو قوله «٣»: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً [الآية/ ١٥] فيدل عليه قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [البقرة/ ٨٣] والتقدير:

стр. 585

وأحسنوا بالوالدين إحسانا. كأنّه لما قال: أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ قال: وقلنا لهم أحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قال: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة/ ٦٣] فالجارّ متعلق «١» بالفعل المضمر، ولا يجوز أن يتعلّق بالمصدر، لأن ما يتعلّق بالمصدر لا يتقدّم عليه، وأحسن: يصل بالباء كما يصل بإلى، يدلّك «٢» على ذلك قوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف/ ١٠٠] كما تعدّى بإلى في قوله: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص/ ٧٧] والتقدير أنه لمّا قال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ، فكان هذا الكلام قولا صار كأنّه قال: وقلنا أحسن أيّها الإنسان بالوالدين إحسانا. وممّا يؤكّد ذلك ويحسّنه قوله في الأخرى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ... [النساء/ ٣٦]. ووجه من قرأ في الأحقاف: بِوالِدَيْهِ حُسْناً [الآية/ ١٥] أن يكون أراد بالحسن الإحسان، فحذف المصدر وردّه إلى الأصل كما قال الشاعر «٣»: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري أي: تقديري.

стр. 586

ويجوز أن يكون وضع الاسم موضع المصدر كما قال: وبعد عطائك المائة الرّتاعا «١» والباء في هذين الوجهين متعلق «٢» بالفعل المضمر كما تعلّقت به في قول الكوفيين في قراءتهم إحسانا، ويدلّك على ذلك قولهم: عمرك الله. فنصب المصدر محذوفا كما ينصبه غير محذوف. ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب وَصَّيْنَا ويكون حُسْناً محمولا على فعل كأنه «وصيناه» فقلنا: اتّخذ فيهم حسنا، واصطنع حسنا. كما قال: وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف/ ٨٦] وحكى أبو الحسن: حسنى ولا أدري أهي قراءة أم لغة غير قراءة. إلا أنّه يحتمل ضربين: أحدهما: أن تكون فعلى الأفعل، إلا أنّه استعمل استعمال الأسماء، فأخرج منها لام المعرفة حيث صارت بمنزلة الأسماء نحو قوله: في سعي دنيا طال ما قد مدّت «٣» والآخر: أن يكون بمنزلة: الرّجعى والشّورى والبشرى. [البقرة: ٨٥] اختلفوا في تشديد الظّاء وتخفيفها من قوله تعالى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ [البقرة/ ٨٥]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ مشددة الظاء بألف،

стр. 587

وكذلك في سورة الأحزاب والتحريم. وروى عليّ بن نصر عن أبي عمرو تَظاهَرُونَ بفتح التاء والظاء خفيفة. [وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ تَظاهَرُونَ خفيفا] «١». وفي التحريم تَظاهَرا عَلَيْهِ [الآية/ ٤] خفيفة أيضا. وفارقهما عاصم في التي في سورة الأحزاب فقرأ: تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ [الآية/ ٤] بضم التاء مع التخفيف. وقرأ حمزة والكسائيّ تَظاهَرُونَ بفتح التاء مع التخفيف مثل سورة البقرة «٢». قال أبو علي: تظّاهرون: تعاونون. وإن تظّاهرا عليه: إن «٣» تتعاونا عليه. وقال الأصمعي: اتخذ معك بعيرا، أو بعيرين ظهريّين. يقول: عدّة «٤» وقال: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم/ ٤] أي معين، فالتقدير فيه الجمع، واللفظ على الإفراد من التنزيل: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء/ ٦٩]. وقال رؤبة: دعها فما النّحويّ من صديقها «٥»

стр. 588

أي: من أصدقائها. وقال: قالوا ساحران تظاهرا [القصص/ ٤٨] أي: تعاونا على سحرهما، وسِحْرانِ تَظاهَرا «١» [القصص/ ٤٨] أي: تعاون أصحابهما، لأنه إنما يتعاون السّاحران لا السّحران. وأما قوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [الفرقان/ ٥٥]. فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: وكان الكافر على أولياء ربه معينا. أي يعادونهم ولا يوالونهم. كما قال «٢»: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [الحج/ ٧٢] وقال: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [القلم/ ٥١]. والآخر: أن يكون هينا «٣» عليه لا وزن له ولا منزلة. وكأنه من قولهم: ظهرت بحاجتي: إذا لم تعن بها قال الشاعر: تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي ... بظهر ولا يعيا عليّ جوابها «٤» المعنى: لا يعيا عليّ جواب ردّها، فحذف المضاف.

стр. 589

ويمكن أن يكون من هذا قوله «١»: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي: تلك شكاة هي عنك بظهر فلا يعبأ بها. والكافر في قوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [الفرقان/ ٥٥] كقولهم: كثر الشاه والبعير، في أنه يراد به الكثرة، وقد جاء ذلك في اسم الفاعل، كما جاء في سائر أسماء الأجناس. أنشد أبو زيد: إن تبخلي يا جمل أو تعتلّي ... أو تصبحي في الظاعن المولّي «٢» وقال «٣»: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [الصف/ ١٤] أي غالبين لهم. قاهرين. ومنه ظهر المسلمون على دور الحرب. فأما قول الشاعر: مظاهرة نيّا عتيقا وعوططا ... فقد أحكما خلقا لها متباينا «٤»

стр. 590

فمن قولهم: ظاهر بين درعين. إذا لبس إحداهما فوق الأخرى. وكذلك مظاهرة نيّا. أي: كأنّها قد لبست الجديد على العتيق، وقال «١»: هل هاجك الليل كليل على ... أسماء من ذي صبر مخيل ظاهر نجدا فترامى به ... منه توالي ليلة مطفل ظاهر نجدا، أي: علا نجدا، وتوالي السحاب: أواخره، ومطفل، أي: مطر لنتاج ليلته، أي: نشأ الغيم فيها ومطر. فقراءة الفريقين من ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، ومن عاصم وحمزة والكسائي، في البقرة وفي التحريم في المعنى سواء. ألا ترى أن الكلمة: تتفاعلون في المعنى، فأما في اللفظ، فمن قال: تَظاهَرُونَ أدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها، ومن قال: تَظاهَرُونَ حذف التاء التي أدغمها الآخرون من اللفظ فكلّ واحد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة. فمن قال: تَظاهَرُونَ خفّف بالإدغام. ومن قال:

стр. 591

تَظاهَرُونَ خفّف بالحذف. فالتاء التي أدغمها ابن كثير، ومن قرأ كقراءته، حذفها عاصم وصاحباه، والدليل على أنها هي المحذوفة: أنها كما اعتلّت بالإدغام اعتلّت بالحذف. قال سيبويه «١»: الثانية أولى بالحذف لأنها هي التي تسكن وتدغم في نحو: فَادَّارَأْتُمْ [البقرة/ ٧٢]، وَازَّيَّنَتْ [يونس/ ٢٤] وممّا يقوّي ذلك أن الأولى لمعنى، فإذا حذفت لم يبق شيء يدلّ على المعنى. والثانية من جملة كلمة إذا حذفت دلّ ما بقي من الكلمة عليها. وتفاعل مطاوع فاعل، كما أنّ تفعّل مطاوع فعّل. فتفاعل نحو: تضارب، وتمادى. وفعّل نحو: قطّعته فتقطّع، وملّأته فتملّأ. وقد جاء (ظاهر) متعديا. قال: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ [الأحزاب/ ٢٦] والتي في البقرة والتحريم في المعنى واحد، وإنّما هما من المعاونة. فأما التي في الأحزاب فليس من المعاونة لكنّها «٢» من الظّهار. قال أبو الحسن: قالوا: ظاهر من امرأته. ومعنى الظّهار أن يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي. أو يشبهها «٣» بعضو منها غير الظّهر مما يحرم على الرجل من أمّه. وخالف عاصم الفريقين في ما معناه الظّهار. فقرأ الذي معناه: الظّهار على فاعل. وزعموا أنه قراءة الحسن، وكذلك قرأ هذا المعنى في المجادلة على فاعل فقال:

стр. 592

الَّذِينَ يُظاهِرُونَ بضم الياء وبالألف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو في المجادلة: الذين يظهرون [الآية/ ٢] بغير ألف. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: يظاهرون بفتح الياء بألف «١» مشدّدة الظّاء. فمن قرأ يظهرون جعله مطاوع ظهّر. ومن قال يُظاهِرُونَ جعله مطاوع ظاهر. فإن قلت: فإن (ظهّر) لم يتعدّ، فكيف يكون له مطاوع؟. فإنّه قد يجيء على لفظ المطاوع ما لا يكون منه فعل متعد نحو: انطلق وفعّل وفاعل قد يستعملان بمعنى كقولهم: ضاعف وضعّف. فكذلك ظاهر وظهّر. فأمّا من ذهب من المتأخّرين إلى أنّ الظهار لا يقع في أول مرّة حتى يعيد لفظ الظّهار مرة أخرى، فيقول: «أنت عليّ كظهر أمّي»، لأن ذلك عنده هو الظاهر لقوله: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة/ ٣] فليس في ذلك ظاهر كما ادّعاه، وذلك أنّ قوله: يعودون «٢» العود على ضربين: أحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل- فتركه ثم صار إليه، والآخر: أن يصير إلى شيء وإن لم يكن على ذلك قبل. وكأن هذا الوجه غمض على هذا القائل. وهذا عند من خوطب بالقرآن مثل الوجه

стр. 593

الأول في الظّهور، وفي أنّهم يعرفونه كما يعرفون ذاك «١». فمن ذلك ما أنشده أبو عثمان أو الرّياشيّ «٢»: إذا التّسعون أقصدني سراها ... وسارت في المفاصل والعظام وصرت كأنني أقتاد عيرا ... وعاد الرأس مني كالثّغام ومنه قول الهذلي «٣»: وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحقّ شيئا واستراح العواذل المعنى: وصار لون الرأس كلون الثّغام، ولم يكن ثمّ لون ثغام عاد إليه. وإنما المعنى صار لون الرأس كلون الثّغام. فكذلك قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة/ ٣] أي: يصيرون إليه، ومن ذلك قول العجّاج:

стр. 594

وقصب حنّي حتى كادا يعود بعد أعظم أعوادا «١» وسمّيت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها ثمّ صار إليها. فالمعاد كقوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة/ ٢٨٥] في المعنى. وقال ساعدة أو غيره: فقام ترعد كفّاه بمحجنه ... قد عاد رهبا رذيّا طائش العدم «٢» وقال امرؤ القيس: وماء كلون البول قد عاد آجنا ... قليل بها الأصوات ذي كلأ مخلي «٣» وقال آخر: فإن تكن الأيام أحسنّ مرّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب «٤» وهذا إذا تتبّع وجد كثيرا. وفي بعض ما ذكر منه كفاية تدلّ على غلط من ذهب إلى: أنّ العود لا يكون إلا أن يفارق

стр. 595

شيئا كان عليه ثم يصير إليه بعد. وقد قيل في الآية قولان: يجوز أن يكون في كلّ واحد منهما على غير ما قاله هذا القائل. قال أبو الحسن: تقديرها: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم. وقال عبيد الله بن الحسين. تأويلها: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا المعنى: ثم يعودون إلى المقول فيه. والمقول فيه هو النساء. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: فتحرير رقبة لكفّارة التحريم الواقع من الزوج. فتقدير قول أبي الحسن الأخفش: والذين يظّاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما قالوا أي: لما نطقوا به من لفظ التحريم الموجب الامتناع من الوطء إلّا بعد التكفير، فيكون قوله: لِما قالُوا الجارّ فيه متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ- والجارّ قد يتعلق بالمعنى. وإن تقدم عليه لكونه بذلك مثل الظرف «١» في نحو: أكلّ يوم لك ثوب. ومعنى: يعودون إلى نسائهم، أي: إلى وطئهنّ الذي كانوا حرّموه على أنفسهم بالظّهار منهنّ. فأمّا التقديم والتأخير الذي قدّره في الآية فهو كثير جدا. فمثل الآية قوله: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا، فَأَلْقِهْ «٢» إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ [النمل/ ٢٨]

стр. 596

فالمعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم فكما قدم قوله: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ والتقدير به التأخير، كذلك في آية الظّهار، التقدير بثمّ وما تعلّق به التأخير. وقال أبو الحسن عبيد الله بن الحسين: التأويل: والذين يظّاهرون ثمّ يعودون [لِما قالُوا] «١» أي: يعودون إلى المقول فيه، والمقول فيه: هو القول. فما قالوا والمقالة والقول بمعنى، والمراد بقوله: لِما قالُوا هو المقول فيه. كما أنّ قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، يراد به مضروبه. وهذا الثوب نسج اليمن. يراد به منسوج «٢» اليمن. وهذا النحو كثير في كلامهم، كأنّهم وصفوا المفعول في هذا النحو بالمصدر كما وصفوا الفاعل به في قولهم: «رجل عدل» يراد به عادل. وماء غور أي غائر، فسوّوا بين الفاعل والمفعول في هذا كما سوّوا بينهما في إضافة المصدر إليهما. وفي بناء الفعل لكل واحد منهما. ومما جاء فيه- المقالة يراد به القول قول «٣» كثير: وإنّ ابن ليلى فاه لي بمقالة ... ولو سرت فيها كنت ممّن ينيلها فالمقالة هنا يراد بها: المقول فيه. ألا ترى أنّ المعنى ولو سرت في طلبها، كنت ممن ينيله إيّاها. فإنما يسأل ويطلب

стр. 597

ما تعد به الملوك من صلاتها وجوائزها لا ما تلفظ به. وكان أبو الحسن يقول: إنّ ذلك بمنزلة قوله: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» «١» أي: العائد في موهوبه. قال: ألا ترى أن العود لا يكون إلى الهبة التي هي نطق بلفظ يوجب التمليك مع القبض. فإذا لم يجز ذلك، كان المراد الموهوب. قال: ومن ثمّ لم يوجب أبو حنيفة الكفّارة على من حلف بعلم الله ثم حنث، لأن العلم صار في تعارف الناس: المعلوم «٢»، ألا تراهم يقولون: غفر الله لك علمه فيك، وإنما يراد معلومه. فكذلك قوله: لما قالوا يراد به المقول فيه. ومن ذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم/ ٢٧] والخلق هنا المخلوق، فهذا في المعنى كقوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف/ ٢٩] ألا ترى أن الذي يعاد هو الأجسام المنشرة. فاللّام في قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة/ ٣] على قول أبي الحسن عبيد الله بن الحسين بمعنى إلى. وإلى واللام يتعاقبان في هذا النحو. ويقع كلّ واحد منها موقع الآخر. قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف/ ٤٣] وقال فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٢٣] وقال: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ

стр. 598

[يونس/ ٣٥] فوصل الفعل مرة باللام ومرة بإلى كما قال: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] وقال: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [هود/ ٢٦]. فأمّا قوله: يَعُودُونَ في الآية، فهو في القولين يجوز على كلّ واحد من المذهبين اللّذين ذكرناهما في العود، من «١» أنّه يكون للحال التي يكون عليها الشيء، ثم ينتقل عنها «٢»، ثم يصير إليها «٣». ويكون للمصير إلى الشيء، وإن لم يكن فيه قبا. فقول أبي الحسن الأخفش «٤» تقديره: فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوه من لفظ الظهار الموجب للتحريم، ثم يعودون إلى نسائهم على ما كانوا عليه من قبل من وطئهنّ، ويجوز أن يكون: فتحرير رقبة لما قالوا، ثمّ يصيرون إلى استباحة وطئهنّ الذي كان قد حرم عليهم. وكذلك قول أبي الحسن: أي يصيرون إلى الحالة التي كانوا عليها من فعل الوطء. كما كانوا من قبل أن يحدثوا التحريم بالظّهار. ويجوز أن يكون المعنى: ثمّ يصيرون «٥» إلى استباحة الوطء برفع الكفّارة التحريم الحادث ويخرجون عنه. فإذا أمكن في الآية كلّ واحد من التأويلين اللذين تحتملهما الكلمة، لم يجز أن يدّعى: أنّ أحدهما هو الظاهر دون الآخر.

стр. 599

[البقرة: ٨٥] اختلفوا في: أسارى تفدوهم [البقرة/ ٨٥] في إثبات الألف في الحرفين وإسقاطها وفي فتح الراء وإمالتها. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: أسارى تفدوهم. وقرأ نافع وعاصم والكسائيّ: أُسارى تُفادُوهُمْ بألف فيهما. وقرأ حمزة: أسرى تفدوهم بغير ألف فيهما. وكان أبو عمرو وحمزة والكسائيّ يكسرون الراء، وكان ابن كثير وعاصم يفتحان الراء. وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر. قال أبو علي «١»: أسير، فعيل، بمعنى مفعول. ألا ترى أنّك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول، لم يجمع بالواو والنون كما لم يجمع فعول بهما، ولكن يكسّر على فعلى، نحو لديغ ولدغى. وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وعقير وعقرى. فإذا كان كذلك، فالأقيس: الأسرى وهو أقيس من أسارى، كما كان أقيس من قولهم: أسراء، ألا ترى أنّهم قد قالوا: أسراء، فشبّهوه بظرفاء، كما قالوا في جمع قتيل: قتلاء، فكما أن أسراء وقتلا في جمع قتيل، وأسير، ليس بالقياس، كذلك أسارى ليس بالقياس. ووجه قول من قال: أُسارى أنّه شبّهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسا عن كثير من تصرّفه للأسر، كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته السيّئة شبّه به، فقيل في جمعه: أسارى كما قيل: كسالى، وأجري عليه هذا الجمع للحمل «٢»

стр. 600

على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى «١» وهلكى ووجيا. لما كانوا مبتلين بهذه الأشياء ومدخلين فيها مكرهين عليها مصابين بها، فأشبه في المعنى فعيلا الذي بمعنى مفعول. فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول، كما قالوا: امرأة حميدة فألحقوها الهاء، وإن كان بمعنى مفعول لمّا كان «٢» بمعنى رشيدة ورشيد- فهذه الأشياء مما تحمل على المعنى. وإن لم يكن حملها على المعنى الأصل. عند سيبويه، قال: ولو كان أصلا قبح: هالكون وزمنون، وكذلك أسارى ليس بالأصل «٣» في هذا الباب، ولكنه قد استعمل كثيرا في هذا النحو، وإن لم يكن مستمرا كاستمرار فعلى في جمع فعيل الذي بمعنى مفعول. قال سيبويه: وقالوا كسلى، فشبّهوه بأسرى، كما قالوا: أسارى، فشبّهوه بكسالى. فهذا يعلم منه أنّ الأصل في فعيل الذي يراد به مفعول أن يجمع على فعلى، وأنّ فعلان نحو: سكران، وكسلان «٤»، يجمع على فعالى أو فعالى. وقالوا: كسالى. وكسالى، فكأنّهم جمعوه على فعالى، وإن كانت من أبنية الآحاد نحو: حبارى ورخامى، لما كان فعال قد جاء في بعض أبنية الجموع نحو: رخال وظؤار «٥» وثناء، وقد لحقته تاء التأنيث فقالوا في جمع نقوة نقاوة، كما قالوا: الحجارة والذّكارة «٦»، فكما لحق التاء في هذا النحو الّذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في
следующие страницы →