كانوا مجردين من فكرتي الضمير والخطيئة لا يكاد يبقى له أثر عند من يقرأ كتب بندارا وإسكلس وقد نشأت من اعتقاد اليونان بأنهم يعيشون في جو من الأرواح مئات من الخرافات لخصها ثيوفراستوس خليفة أرسو في جزء من كتابه الأخلاق فقال:
يبدو أن الإيمان بالخرافات ضرب من الجبن وخور العزيمة أمام القوة الإلهية … إن الرجل المخرف لا يعرف من داره أول النهار إلا بعد أن يغسل يديه ويرش نفسه بالماء من العيون التسع، ويضع في فمه قطعة من ورقة شجرة في معبد، فإذا ما اعترضت طريقه قطة لم يواصل السير حتى يمر به إنسان آخر، أو يقذف بثلاثة أحجار في الشارع. وإذا أبصر أفعى في بيته وكانت من النوع الأحمر استنجد بديونيسس، أما إذا كانت أفعى مقدسة فإنه يقيم لها ضريحاً من فوره في البقعة التي أبصرها فيها؛ وإذا مر بأحد الحجارة الملساء المقامة في مفترق الطرق صب عليه الزيت من قنينة ولم يواصل السير في طريقه إلا بعد أن ركع له ويتعبد، وإذا قرض فأر جعبة طعامه، توجه إلى الساحر وسأله ماذا يفعل، فإذا أشار عليه بأن "يرسل الجعبة إلى الإسكافي ليرقعها"، عمل بهذه النصيحة، وتخلص من النذير المشئوم بطقوس تمنع عنه الشر المرتقب. وإذا وقعت عينه على رجل مصاب بالجنون أو بالصرع، ارتجف وبصق على صدرهِ.
وكان اليونان السذج يؤمنون، ويعلمون أطفالهم أن يؤمنوا، بأنواع لا حصر لها من العفاريت. وكانت مدن بأكملها تروع بين الفينة والفينة بما تنذر به أحداث غريبة كمولد حيوانات مشوهة أو أناس مشوهين. وكان الاعتقاد بوجود أيام مشئومة منتشراً إلى درجة تجعل من المؤمنين بهذه العقيدة لا يقدمون في هذه الأيام على زواج ولا يعقدون فيها جمعية. ولا تجتمع فيها محكمة، ولا يبدءون فيها مشروعاً خطيراً. وكانت عطسة، أو عثرة قدم، تكفي في بعض الأحيان لحمل العاطس أو العاثر على العدول عن سفره أو عمل هام، وكان خسوف جزئي يكفي
стр. 1927
لوقف زحف الجيوش أو ردها على أعقابها، وقد يؤدي إلى ختام الحرب بكارثة مدلهمة. يضاف إلى هذا الاعتقاد بأن بعض الناس قد وهبوا قدرة عجيبة على إنزال النقمة ممن يشاءون، فالأب إذا أغضب قد يصب على من أغضبه، والسائل إذا أهمل قد يُصب على مَن أهمله، لعنة لا تقوم لها بعدها قائمة. وكان بعض الناس مهرة في فنون السحر، فكان في وسعهم أن يمزجوا شراباً للعشق أو دواء مقوياً للباه، وكان في وسعهم أن يضعفوا ببعض العقاقير السرية قدرة الرجل على الجماع أو يعقموا المرأة فلا تحمل أبداً. وقد رأى أفلاطون أن شرائعه لا تكمل إلا إذا تضمنت تشريعاً يعاقب من يؤذي الناس أو يقتلهم بسحرهِ. فليست الساحرات إذن من اختراع العصور الوسطى، فها هي ذي ميديا في روايات يوربديز، وسميثا Simactha في روايات ثيوكريتس وهما ساحرتان. وقصارى القول أن الخرافات من أقوى الظواهر الاجتماعية، وأنها بقيت في خلال أحقاب المدنية لا تكاد تتغير في قواعدها وأصولها ولا في صورها وأشكالها.
стр. 1928
الفصل السّادس
المتنبئون والمتنبآت
ولقد خيل إلى أهل ذلك الوقت الذين كانوا يعيشون في عالم مليء بالقوى العليا غير الطبيعية أن حوادث الحياة رهينة بإرادة الشياطين والآلهة، ولم يكن أمام اليونان الذين يريدون معرفة هذه الإرادة إلا أن يلجئوا إلى العرافين والمتنبئين يستشيرونهم في أمرهم، وكان هؤلاء ينبئون بالمستقبل بالنظر في النجوم: وتأويل الأحلام، وبحث أحشاء الحيوان، وزجر الطيور، وكان العرافون المحترفون يؤجرون أنفسهم للأسر والجيوش والدول من ذلك أن نسياس Nicias استخدم قبل أن يسير حملته على صقلية طائفة كبيرة من مقربي القرابين وزاجري الطيور وقارئي الغيب. ولسنا نقول إن القواد لم يبلغوا كلهم من التقى ما بلغه هذا القائد مالك العبيد؛ ولكنهم كلهم تقريباً لم يكونوا يقلون عنه إيماناً بالخرافات. وكان يظهر في البلاد في أوقات مختلفة رجال ونساء يدعون أنهم ممن يوحى إليهم أو ممن كشف الغطاء عن أبصارهم، وكان في أيونيا بنوع خاص نساء سبييلات) أي إرادة الله (يذعن نبوءات يصدقها ملايين اليونان، ويقال إن واحدة من أولئك السييلات Sibyls تدعى هرفيلا Herophila طافت ببلاد اليونان مبتدئة من إريثرا Erythra ثم استقرت في كومي بإيطاليا حيث أصبحت أشهر سيبيلات زمانها، وعاشت كما تقول الرواية المتواترة ألف عام، وكان في أثينة، كما كان في رومة، عدد كبير من المتنبئين والمتنبآت، وكانت الحكومة تحتفظ في بهو البلدية الأكبر برجال يحذقون تأويل أقوالهم.
وكان في كثير من الهياكل المنتشرة في جميع أنحاء اليونان متنبئون عموميون، ولكن أشهرهم وأجلهم قدراً في الأيام القديمة متنبئي زيوس في دودونا Dodone
стр. 1929
كما كان أشهرهم في العصور التاريخية متنبئي أبلو في دلفي. وكان اليونان و "البرابرة" يستشيرون هذا المتنبئ، وحتى رومة نفسها كانت ترسل الرسل ليعرفوا إرادة الإله أو يوحوا إليه بهذه الإرادة. وكانوا يظنون أن النساء أكثر استعداداً لتلقي الوحي من الرجال، ولذلك كانت ثلاث كاهنات لا تقل سن كل منهن عن نصف قرن يدربن على تعرف لإرادة أبلو وهن في غيبوبة، وكان غاز عجيب يخرج من فتحة في الأرض تحت الهيكل ويعزوه الناس إلى تحلل الأفعى التي قتلها أبلو في ذلك المكان. وكانت الكاهنة التي ستتلقى الوحي تجلس على نضد عالٍ ذي ثلاث قوائم موضوع فوق الشق، وتستنشق الرائحة الكريهة المقدسة، وتمضغ أوراقاً من تاج من أوراق الشجر المخدر، فتغيب عن وعيها ويتقلص جسمها، ثم ينزل عليها الوحي وهي في هذا الحال، فتنطق بألفاظ متقطعة يترجمها الكهنة للشعب المستمع وكثيراً ما كان الجواب النهائي يحتمل تأويلات مختلفة بل متناقضة، وبذلك تكون المتنبئة صادقة على الدوام مهما وقع من الحوادث. ولعل الكهنة هم والمتنبئة كانوا جميعاً ألعوبة في أيدي غيرهم، وكانوا في بعض الأحيان يقبلون الرشا لينطقوا بما يحب الراشون أن ينطقوهم بهِ، وكان صوت المتنبئة يتفق في أكثر الحالات مع صاحب النفوذ الأكبر في بلاد اليونان. أما إذا لم تكن هناك سلطة خارجية ترغم الكهنة على أن ينطقوا بما ترغب فيهِ، فإنهم كانوا يلقون على اليونان دروساً قيمة في الاعتدال والحكمة السياسية؛ فقد أعانوا على استقرار القانون وتثبيت دعائمه، وكان لهم أثر كبير في تحرير الرقيق، وقد اشتروا عدداً كبيراً من الأرقاء لكي يحرروهم من الرق؛ وإن كنا لا ننكر أنهم تغاضوا عن التضحيات البشرية بعد أن أخذ ضمير اليونان ينفر منها، ولم يرفعوا صوتهم بالاحتجاج على ما كان يحدث فوق جبل أولمبس من فساد خلفي. ذلك بأنهم لم يكونوا متقدمين على التفكير اليوناني، ولكنهم مع ذلك لم يقفوا في سبيل هذا
стр. 1930
التفكير ويعطلوه بالتعصب لمبادئ وآراء خاصة. وكانوا يخلعون على السياسة اليونانية التي تمليها على الحكام والضرورات الملحة ستاراً من رضاء القوى الإلهية، وخلقوا شيئاً من الضمير الدولي والوحدة الأخلاقية بين مدن اليونان المبعثرة.
وبفضل هذا الأثر الموحَّد نشأ أقدم حلف بين الدويلات اليونانية، وكانت جامعة المندوبين اليونان- الجامعة الأمفكتيونية Amphictyonic- أول أمرها حلفاً دينياً مؤلفاً من "المقيمين حول" هيكل دمتر القريب من ممر ترموبيلي. وكانت أهم الدول التي تتألف منها هذه الجامعة تساليا، ومجنيزيا، وفثيوتس، ودوريس، وفوسيس، وبؤوتية، وعوبية، وآخية. وكان مندوبوها يجتمعون مرة كل ستة أشهر، في الربيع في دلفي، وفي الخريف في ترموبيلي، وقد تعهدوا بألا يخرب بعضهم مدن بعض، وألا يسمحوا بأن يقطع الماء عن أية واحدة منها، وألا ينهبوا كنوز أبلو في دلفي أو يسمحوا نهبها، وأن يقاتلوا أية أمة لا تحترم هذه المواثيق. تلك مبادئ لعصبة أمم حال دون قيامها تغلب الثراء والسلطان بين الدول، وما طبع عليه الأفراد والجماعات من تنافس وتحاسد، فقد كونت تساليا جبهة من الدول الخاضعة لسلطانها، وفرضت على هذه العصبة سيطرتها الدائمة. ونشأت عصبة أخرى غيرها، فكانت أثينة مثلاً عضواً في عصبة كلوريا Calauria وكانت كل واحدة من هذه العصب المتنافسة تعمل لنشر السلام بين أعضائها. ولكنها أضحت على مر الزمن أداة لتدبير الدسائس وإثارة الحروب على غيرها من العصب.
стр. 1931
الفصل السّابع
الأعياد
إن لم يكن في مقدور الدين اليوناني أن يقضي على الحروب، فإنه قد أفلح في تخفيف متاعب الحياة الاقتصادية الرتيبة بما كان يقيمه من الأعياد الكثيرة قال فيها أرستوفانيز: "ألا ما أكثر ما يقدم إلى الآلهة من ضحايا؛ وما أكثر ما يقام لها من هياكل وتماثيل … ومواكب مقدسة! إنا لنشهد في كل ساعة من ساعات العام أعياداً دينية وضحايا عليها أكاليل من الزهر تقرب للآلهة". وكانت نفقات هذه الأعياد يقوم بها الأغنياء، أما الدولة فكانت تقدم الأموال المقدسة Theorika، ومنها تؤدي للشعب رسوم الدخول لمشاهدة الألعاب أو المسرحيات التي كانت تمتاز بها هذه الأيام المقدسة.
وكان التقويم الأثيني تقويماً دينياً في جوهره، وكانت شهور كثيرة تسمى بأسماء ما يقام فيها من أعياد دينية، ففي الشهر الأول شهر هكتمبيون Hecatombaion) يوليه- أغسطس (يقام عيد الكرونيا) المقابل لعيد الساتورناليا الروماني (، وفيه يجتمع السادة والعبيد في وليمة بهجة طربة. وكان يقام في هذا الشهر نفسه كل أربعة أعوام عيد الجامعة الأثينية، وتعقد فيه مباريات، وتقوم فيه ألعاب مختلفة الأنواع، تدوم أربعة أيام، يسير الأهلون جميعاً بعدها في موكب عام وقور، يحملون إلى كاهنة أثينة الثوب الفخم الموشى الذي كان يوضع فوق تمثال إلهة المدينة؛ والعالم كله يعرف أن هذا هو الموضوع الذي اختاره فدياس ليزين به طنف البارثنون. وفي الشهر الثاني المتاجيتنيون Metageitnion كان يقام المتاجيتنيا وهو عيد صغير يقام تكريماً لأبلو. وفي الشهر الثالث شهر بؤدرميون Boedromion كان سكان أثينة يخرجون إلى إلوسيس لإقامة الطقوس
стр. 1932
الكبرى الخفية. وفي الشهر الرابع شهر البيانبسيون Pyanepsion كان يحتفل بأعياد البيانبسيا والأسكوفوريا Oscophoria والثسموفوريا Thesmophoria وكانت نساء أثينة في هذا الشهر يعظمن دمتر ثسموروس) المشرعة (بإقامة طقوس أرضية عجيبة يعرضن فيها رموزاً لقضيب الرجل ويتبادلن فحش القول، ويمثلن الذهاب إلى الجحيم والعودة منها، ويبدو أن هذه الحفلات كانت رمزاً للإخصاب في الأرض وفي الآدميين. وكان شهر ميمكترون Maimakterion هو الشهر الوحيد الخالي من الأعياد.
وفي شهر بوسيديون Poseideon كانت أثينة تقيم عيد الإتالوا عيد بواكير الفاكهة، وفي شهر جمليون Gamelion تحتفل بعيد اللينيا Lenaea تكريماً لديونيسس. وفي شهر أنثسترن Anthesterion كانت تقام ثلاثة احتفالات هامة، الطقوس الخفية الصغرى أو التمهيدية، والديازيا أو التضحية لزيوس ملكيوس، والأنثستريا أو عيد الزهور، وهم أهم الأعياد الثلاثة. وفي هذا العيد الربيعي الذي يقام تكريماً لديونيسس ويدوم ثلاثة أيام كاملة كانت الخمر تجري كالأنهار، ولم تكن ترى إلا سكارى على درجات متفاوتة من السكر؛ وكان الناس يتنافسون أيهم يفوق غيره في كثرة الشراب، والشوارع تعج بالحياة والمرح. وكانت زوجة كبير الأركونيين تركب عربة بجوار تمثال ديونيسس وتتزوج به في الهيكل رمزاً إلى اتحاد الإله بأثينا. وكان يسري في هذه الطقوس المرحة قليل من الرهبة والعمل على استرضاء الموتى وكف أذاهم؛ وكان الأحياء يتناولون في وقار وهدوء وجبة من الطعام إحياء لذكرى آبائهم، ويتركون لهم آنية ملآى بالطعام والشراب، فإذا انقضى العيد أخذ الناس يطردون أرواح الموتى من الدور بصيغة يتلونها ويقولون فيها: "أخرجي من الباب أيتها الأرواح! لقد انتهى عيد أنثستريا"- وقد اصبحت هذه الألفاظ مثلاً يقال عندما يراد التخلص
стр. 1933
من المتسولين الكثيري الإلحاح (١).
وفي الشهر التاسع شهر إلافيبوليون Elaphebolion يقع عيد ديونيزيا الكبير الذي أوجده بيستراتس في عام ٣٤. وفي ذلك العام جعل ثسبيس المسرحية في أثينة جزءاً من هذا الاحتفال. وكان ذلك في أواخر شهر مايو والربيع مقبل والبحر هادئ صالح للملاحة، فأقبل التجار والزائرون حتى ازدحمت بهم المدينة وتضاعف عدد من يشاهدون الحفلات والمسرحيات. وأوقفت جميع الأعمال، وأغلقت دور القضاء، وأطلق سراح المسجونين ليستطيعوا الاشتراك في الحفلات. وخرج الأثينيون على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم في أزهى الملابس ليشتركوا في الركب الذي جاء بتمثال ديونيسس من إليوثيزا لوضعه في مقره. فركب الأغنياء العربات، وسار الفقراء راجلين، ومن ورائهم قافلة طويلة من الحيوانات لتهدي إلى الآلهة واشتركت في هذا الموكب فرق من المغنين أقبلت من مدن أتكا تتبارى في الغناء والرقص. وفي الشهر العاشر شهر منيكيون Munychion كانت أثينة تحتفل بعيد المنيكيا، وكانت تحتفل كل خمسة سنين بعيد البرورونيا Brauronia تكريماً لأرتميس. وفي شهر ثراجليون يقع الثراجليا أي عيد حصاد الحب. وفي الشهر الثاني عشر شهر سكروفريون Skirophorion كان يحتفل بأعياد اسكروفوريا، وأرتوفوريا Arretophoria، ودبوليا Dipolia وبوفنيا Bouphonia ولم تكن هذه الأعياد كلها أعياداً سنوية، ولكنها، حتى ما لم يكن يحتفل به منها إلا كل أربع سنين، كانت تخفف كثيراً من كدح الحياة اليومية.
وكان لغير أثينة أيام مقدسة شبيهة بهذه الأيام؛ وكان كل موسم من مواسم الزرع أو الحصاد في الريف يستقبل بمظاهرة البهجة والمرح. وكان أعظم من هذه الأعياد كلها أعياد الجامعة الهيلينية، والحفلات العامة الجامعة Panegyreis،
стр. 1934
ومن هذه الأعياد عيد الجامعة الأيونية Panionia في ميكالي Mycale وعيد أبلو ديلوس؛ والعيد البيثي Phthian في دلفي، وعيد البرزح Isthmiu في كورنثة، والعيد النميئي Nemean في أرجوس، والعيد الأولمبي في إليس. وكانت تقام في هذه الأعياد مباريات رياضية بين الدول المختلفة، ولكنها كانت في أساسها أياماً مقدسة. فقد كان من حسن حظ بلاد اليونان أن كان دينها من العناصر البشرية- وأن كان فيها في آخر أيامها من العناصر الإنسانية الرحيمة- ما يكفي لاقترانه بالفن، والشعر، والموسيقى، والألعاب، واقترانه آخر الأمر بالأخلاق اقتراناً جعله مصدر السرور والإبداع.
стр. 1935
الفصل الثامِن
الدين والأخلاق
يبدو لأول وهلة أن الدين اليوناني لم يكن ذا أثر كبير في الأخلاق، فقد كان في أصله طائفة من قواعد السحر لا من قواعد الأخلاق القويمة، وبقي إلى حد كبير على هذا النحو إلى آخر أيام اليونان. وكان لصحة المراسم والطقوس في هذا الدين شأن أكبر مما للسلوك القويم، ولم تكن الآلهة نفسها، الأولمبية منها والأرضية، مثلاً طيباً في الأمانة والعفاف ودماثة الأخلاق. وحتى الشعائر الإلوسينية الخفية، كانت تجعل التطهير بالمراسم والطقوس لا طهارة النفس وكرم الأخلاق هو العامل الأكبر في النجاة من العذاب وإن كنا لا ننكر أنها كانت تبعث في النفوس آمالاً كباراً. وفي ذلك يقول ديوجين الساخر: "سيكون اللص بتيكيون Pataikion بعد موته أسعد حالاً من أجسلوس Agesilaus أو أباميننداس لأن بتيكيون قد كرس في إلوسيس".
لكن الدين اليوناني، رغم هذا، كان عوناً خفياً للشعب وللدولة في أكثر الشؤون الأخلاقية حيوية. من ذلك أن مراسم التطهير وإن كانت كلها مظاهر خارجية كانت ترمز إلى الأخلاق القويمة. كذلك كانت الآلهة تعين على الفضيلة وإن كانت هذه المعونة عامة غير دقيقة، وغامضة، وغير مطردة. ذلك أنها كانت تغضب على الشرير وتنتقم من المتكبر، وتحمي الغريب، وتستجيب لمن يتوسل إليها، وتحمي بجبروتها قدسية الأيمان. فهم يقولون لنا إن ديكي Dike كانت تعاقب على كل ظلم، وإن يومنيدس Eumenides الرهيب كان يقتفي
стр. 1936
أثر القاتل، كما يفعل أرستيز، حتى يجن أو يموت. وكان الدين يخلع القدسية والكرامة على أهم أجداث الحياة الإنسانية وأنظمها- كالمولد، والزواج، والأسرة، والعشيرة، والدولة-، وينتشلها من فوضى الشهوات العاجلة. وكانت عبادة الموتى وتكريمهم يربطان الأجيال المتعاقبة برباط من الواجبات المستقرة المتصلة. وبفضلها لا تقتصر الأسرة على أن تكون زوجاً وزوجة معهما أطفال، أو مجموعة أبوية من الآباء والأطفال والأحفاد، بل تصبح فضلاً عن هذا اتحاداً مقدساً وتتابعاً مستمراً للدم والنار، ترجع أصولها إلى الماضي السحيق وتمتد أغصانها إلى المستقبل البعيد، وتربط الموتى والأحياء ومن لم يخرجوا بعد إلى هذا العالم برباط مقدس أقوى من رباط الدولة مهما قويت. وكان إنجاب الأطفال واجباً مقدساً موتي يفرضه الدين على الأحياء، ثم لا يكتفي بهذا بل يشجع على النسل بأن يدخل في روع من لا أبناء له أنه قد لا يجد من يواري جسمه التراب أو يعني بقبرهِ بعد وفاته. وقد ظل اليونان بكثرة خيارهم وشرارهم على السواء طالما كان للدين أثر في حياتهم، وكان من نتيجة هذه الكثرة مضافاً إليها الانتخاب الطبيعي الصارم أن احتفظ اليونان بقوتهم ومميزاتهم. وكان الدين والوطنية تربطهما مئات من الطقوس الرهيبة المؤثرة، فكإن أكثر الآلهة والإلهات احتراماً في الاحتفالات العامة بطل المدينة المؤله أو بطلتها المؤلهة؛ وكان كل قانون وكل اجتماع للجمعية أو لدور القضاء، وكل عمل خطير يقدم الجيش أو الحكومة، وكل مدرسة وجامعة، وكل هيئة اقتصادية أو سياسية، كانت هذه كلها تحيط بها الاحتفالات والتضرعات الدينية. وبهذه الوسائل كلها كان الدين اليوناني يستخدم لحماية المجتمع والشعب من أنانية الفرد الغريزية. وقوت الفنون والآداب والفلسفة هذا الأثر الديني في بادئ الأمر، ثم عملت بعدئذ
стр. 1937
على إضعافه؛ فقد أخذ بندار، وإسكلس، وسفكليز ينفثون حماستهم الأخلاقية أو فطنتهم في العقائد الأولمبية؛ ورفع فدياس من مقام الآلهة بما خلعه عليها من جمال وجلال؛ وجمع فيثاغورس وأفلاطون بين الفلسفة والدين، وأيدا عقيدة الخلود ليجعلا منها باعثاً قوياً على حسن الخلق. لكن بروتجراس كان يشك في الآلهة، وسقراط يتجاهلها ولا يأبه بها، ودمقريطس يجحدها، ويوربديز يسخر منها، وانتهى الأمر بأن دكت الفلسفة اليونانية، عن غير قصد منها، قواعد الدين الذي صاغ الحياة الأخلاقية في بلاد اليونان في القالب الذي وجدت فيهِ.
стр. 1938
الباب التاسع
الثقافة المشتركة لبلاد اليونان
في عهدها المبكر
الفصل الأول
فردية الدولة
بلغت الثقافة الأوربية قمة مجدها في بلدين: اليونان القديمة وإيطاليا في عهد النهضة. ولم تكن تعتمد في كلا العهدين على نظام سياسي أكبر من دويلات المدن. ويغلب على الظن أن الأحوال الجغرافية قد أعانت بلاد اليونان على أن تصل إلى هذه النتيجة. ذلك أن الجبال ومجاري المياه تعترض السائل فيها أينما ذهب؛ وكانت القناطر فيها قليلة والطرق وعرة وغير معبدة. نعم إن البحر كان طريقاً عاماً مفتح الأبواب، ولكنه كان يربط المدينة بأخواتها من المدن التجارية لا بما يجاورها من المدن. على أن الأحوال الجغرافية لا تفسر وحدها قيام دول المدن، فقد كان هناك من أسباب الانفصال بين طيبة وبلاتية القائمتين على نفس السهل البؤوتي بقدر ما كان بين طيبة وإسبارطة؛ وكان بين سيباريس وكروتونا القائمتين على نفس الساحل الإيطالي من دواعي الانفصال أكثر مما كان بين سيباريس وسرقوسة. إن علينا أن نضم إلى العوامل الجغرافية عوامل أخرى كثيرة، فاختلاف المصالح الاقتصادية والسياسية باعد بين المدن وجعلها يحارب بعضها بعضاً
стр. 1939
للحصول على الأسواق أو الحبوب، أو تكون أحلافاً متنافسة للسيطرة على المسالك البحرية. ومن العوامل الأخرى التي ساعدت على هذا الانفصال اختلاف أصول السكان. نعم إن اليونان كانوا يرون أنهم كلهم من عنصر واحد، ولكنهم كانوا شديدي الإحساس باختلاف القبائل التي كانوا ينتمون إليها - الإيولية، والأيونية، والآخية، والدُّورية - ومن أجل ذلك كانت أثينة وإسبارطة تحقد كلتاهما على الأخرى حقداً لا يقل عن حقد العناصر المختلفة في هذه الأيام. وقوى اختلاف الأديان الانقسامات السياسية، كما زادت هذه الانقسامات ما بين الأديان من اختلاف، فقد نشأ من الطقوس الدينية التي اختصت بها بعض الأماكن أو بعض القبائل أعياد خاصة، وتقاويم خاصة، وعادات، وشرائع، ومحاكم تختلف باختلاف المدن، بل إن هذه الطقوس قد أقامت في بعض الأحيان حدوداً بين المدن؛ وذلك لأن أحجار التخوم كانت فاصلاً بين ممالك الإله، كما كانت فاصلاً بين المجتمعات البشرية، لأن من الواجب المحتوم أن يكون دين الإقليم هو دين حاكمه cujus regio، ejus religio. وكانت هذه العوامل مجتمعة هي وعوامل أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هي التي أوجدت دول المدن اليونانية.
ولم يكن هذا طرازاً جديداً من النظم الإدارية، فلقد رأينا أنه كانت في بلاد سومر، وبابل، وفينيقية، وكريت، دول مدن قبل هومر وبركليز بمئات السنين أو آلافها، وكانت دولة المدينة من وجهة النظر التاريخية هي بعينها مجتمع القرية في مرحلة من الامتزاج أو التطور أعلى من مرحلته القروية - كان لها سوقها المشتركة، ومكان اجتماعها، ومجلس قضائها للفصل في منازعات الأهلين الذين يحرثون ما يجاورها من أرض زراعية؛ وكان أهلها من أصل واحد يعبدون إلهاً واحداً.
أما من الناحية السياسية فقد كانت دولة المدينة عند اليونان خير ما يستطيعون
стр. 1940
الوصول إليه من وسائل التوفيق بين العنصرين المتناقضين اللذين يتألف منهما المجتمع الإنساني، واللذين يتناوبان الغلبة عليه، ونقصد بهما عنصر النظام، وعنصر الحرية، فالمجتمع الصغير لا يأمن على نفسه من الاعتداء، والمجتمع الكبير يصبح مجتمعاً استبدادياً. وكانت أكبر أمنية للفلاسفة أن تتكون بلاد اليونان من دول - مدن مستقلة ذات سيادة تتعاون كلها داخل نظام فيثاغوري مؤتلف منسجم. وكانت فكرة أرسطو عن الدولة أنها جماعة من الأحرار يخضعون لحكومة واحدة، ويستطيعون الالتقاء في جمعية واحدة، وكان يرى أن الدولة إذا زاد عدد مواطنيها على عشرة آلاف تعجز على إدارة شئونها. ومن أجل هذا كان لفظ واحد - بوليس Polis- يطلق على المدينة والدولة في بلاد اليونان.
وما من أحد يجهل أن هذا التفتت السياسي قد جر على بلاد اليونان كثيراً من المآسي بسبب ما قام بين أهلها وهم إخوة من نزاع. فقد خضعت أيونيا لسيطرة الفرس لأنها عجزت عن أن تتحد للدفاع عن نفسها؛ وضاعت في آخر الأمر تلك الحرية التي كان اليونان يعتزون بها ويقدسونها، لأن بلاد اليونان لم تستطع الثبات متحدة في وجه أعدائها رغم ما أقامته من أحلاف وعصب. ولكننا نعود فنقول أنه لولا دول - المدن لما كانت بلاد اليونان، ولولا شعور اليونان بالفردية المدنية، واعتزازهم الشديد باستقلالهم، ولولا ما كان بين أنظمتهم وعاداتهم وفنونهم، وآلهتهم من تباين، لما كان ما بينهم من تسابق وتنافس حافزاً لهم على أن يحيوا حياة إنسانية كاملة فيها من الحماسة والإبداع ما لا نظير له في أي مجتمع آخر. وهل في وقتنا الحاضر نفسه رغم ما فيه من حيوية وتنوع، وما يمتاز به من آلات ضخمة وقوى جبارة، مجتمع في حجم المجتمعات اليونانية أو في عدد سكانها يستطيع أن يهب المدينة من النعم قدر ما وهبتها حرية اليونان المضطربة التي كانت هي والفوضى سواء؟
стр. 1941
الفصل الثاني
الكتابة والقراءة
على أنه كان في حياة هذه الدول، ذات النزعة الانفصالية القوية، عدة عوامل مشتركة، منها أننا نجد في شبه جزيرة اليونان كلها منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد لغة واحدة تنتمي إلى مجموعة اللغات "الهند- أوربية" التي تشمل الفارسية والسنكسريتية، والسلافونية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية. وإنا لنجد لآلاف الكلمات التي تعبر عن العلاقات الأولية في حياة الناس، أو عن الأدوات التي كانوا يستخدمونها، أصولاً مشتركة في هذه اللغات جميعها، وهي لا تدل فقط على قدم مسميات هذه الكلمات وانتشارها في البلاد التي تنطق بهذه اللغات، بل تدل كذلك على ما بين الشعوب التي كانت تستخدم هذه المسميات في فجر التاريخ من قرابة أو رابطة (١). نعم إن اللغة اليونانية قد تشعبت لهجات مختلفة- الإيولية، والدورية، والأيونية، والأتكية؛ ولكن الناطقين بهذه اللهجات المختلفة كان يفهم بعضهم بعضاً، ثم خضعت كلها في القرنين الخامس والرابع إلى لهجة مشتركة koine dialektos انبعث معظمها من أثينة، وكانت تنطق بها الطبقات المتعلمة كلها تقريباً في العالم اليوناني بأجمعه. وكانت اللغة اليونانية الأتكية لغة جزلة، قوية مرنة، حلوة النغم، فيها من الشذوذ مثل ما في أية لغة حية، ولكنها تقبل في يسر كل التراكيب التي تجعلها صالحة للتعبير عن أغراضها، وفيها التدرج والاختلاف الدقيق في المعاني، وفيها المدركات الفلسفية الدقيقة،
стр. 1942
وفيها جميع أنواع التعبيرات الأدبية السامية الرفيعة من شعر هومر الطنان الرنان إلى نثر أفلاطون الهادئ الواضح السلس (١).
وتعزو الرواية اليونانية المتواترة إدخال الكتابة في بلاد اليونان إلى الفينيقيين في خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وليس لدينا ما ينقض هذه الرواية، بل إن بين الكتابات اليونانية التي ترجع إلى القرنين الثامن والسابع وبين الحروف المنقوشة على حجر مؤاب في القرن التاسع تشابهاً كبيراً (٣). من ذلك أن النقوش اليونانية كتبت على الطريقة السامية من اليمين إلى اليسار؛ وفي القرن السادس كانت (كالنقش الذي وجد في جورتينا Gortyna) تنقش من اليمين إلى اليسار في أحد السطور ثم من اليسار إلى اليمين على الدوام، واستلزم هذا قلب وضع الحروف فصار حرفاً B، E يكتبان هكذا B، E. كذلك سميت الحروف بأسمائها السامية مع تعديلات طفيفة (٢)، ولكن اليونان أدخلوا على هذه الأسماء تغيرات أساسية، أهمها أنهم أضافوا إليها حروفاً للحركة لا نجدها عند الساميين، فاستخدموا بعض الحروف السامية الساكنة، وحروف التنفس لتمثيل الحركات التي تدل عليها u،o،i،e،a وأضاف الأيونيون فيما بعد حروف المد إيتا eta (e الممدوة)، أومجا o-mega (لتمثل o الممدوة أو o المزدوجة). وأخذت عشر أبجديات يونانية مختلفة ينازع بعضها بعضاً، فكان هذا النزاع
стр. 1943
جزءاً من الحروب القائمة بين دول- المدن؛ وتغلبت الحروف الهجائية الأيونية في بلاد اليونان ثم انتقلت منها إلى أوربا الشرقية وبقيت فيها إلى اليوم، أما رومة فقد اتخذت الحروف الكلسيدية Chalcidian من كومي وهي التي أصبحت الحروف اللاتينية والحروف الإنجليزية. وكانت الأبجدية الكلسيدية ينقصها حرف الـ e والـ o الممدودان، ولكنها فعلت ما لم تفعله الأبجدية الأيونية فاستبقت vau الفينيقية حرفاً ساكناً (وهي الـ v التي يقرب نطقها من نطق حرف w) ؛ ومن أجل هذا كان الأثينيون يسمون النبيذ oinos والكلسيديون يسمونه voinos والرومان يسمونه vinum والإنجليزية يسمونه wine. كذلك استبقى الكلسيديون حرف koppa أو q وانتقل منهم إلى رومة ثم إلى اللغة الإنجليزية؛ أما أيونيا فقد أهملته واكتفت بحرف k وكتبت أيونيا حرف l بهذه الصورة A، أما كلسيز فقد كتبته l؛ وعدلت رومة هذه الصورة الثانية فجعلتها معتدلة، وانتقلت منها على هذا النحو إلى أوربا؛ وكتب الأيونيون حرف R كما نكتب نحن حرف P؛ أما إيطاليا اليونانية فقد أضافت إلى P فأصبحت R.
والراجح أن أولى الأغراض التي استخدمت فيها الكتابة في بلاد اليونان كانت هي الأغراض التجارية أو الدينية، ويبدو أن الرقى والتعاويذ التي كان يتلوها القساوسة هي مبدأ الشعر، وأن ما يكتب في أوراق شحن السفن كان بداية النثر. ثم انقسمت الكتابة نوعين مختلفين أحدهما دقيق منتظم للنقوش وما إليها، والثاني هي الكتابة الدارجة التي تستخدم في الأغراض اليومية العادية. ولم يكن في كلا النوعين نبرات، ولم يكن يترك بين الكلمات فراغ، ولم تكن فيها علامات ترقيم (٥)؛ فإذا أريد الانتقال من موضوع إلى موضوع دلوا على ذلك بشرطة فاصلة أفقية يسمونها برجرافون Paragraphon أي علامة "تكتب إلى ناحية"، وكانت المواد التي تكتب عليها متنوعة
стр. 1944
فكانت في بادئ الأمر، إذا جاز لنا أن نأخذ بقول بلني، أوراق الأشجار أو لحاءها (٦)؛ فإذا أرادوا النقش استخدموا الحجارة أو البرونز أو الرصاص. وكانوا يستخدمون للكتابة العادية ألواح الطين كما كان يفعل أهل ما بين النهرين (١)، ثم استخدموا ألواحاً من الخشب تغطيها طبقة من الشمع، وكانت هذه شائعة بين التلاميذ قبل أيامهم (٧)؛ فإذا أرادوا أن يكتبوا شيئاً يبقى أمداً طويلاً استخدموا أوراقاً من البردى كان الفينيقيون يأتون بها من مصر؛ وفي العهد الذي انتشرت فيه حضارة اليونان في خارج بلادهم، وفي العهد الروماني، استخدم الرق المصنوع من جلود المعز والضأن أو أغشيتها الرقيقة، وكانوا يكتبون على ألواح الشمع بقلم معدني، وعلى ورق البردى والرق بقلم من الغاب يغمس في الحبر، وكانت الكتابة على الشمع تمحى بنهاية القلم المعدني السميكة، أما الحبر فكان يمحى بقطعة من الإسفنج؛ ولذلك أرسل الشاعر ماريتال إلى صديق له قطعة من الإسفنج مع قصائده لكي يمحوها "بضربة واحدة (٨) ". وإن كثيراً من النقاد في هذه الأيام ليحزنهم أن هذا الأدب الجم لم يبق له الآن وجود.
وليس ثمة ميدان وصلتنا من الألفاظ القديمة بالكثرة التي وصلتنا من ميدان الكتابة. فكلمة ورق بالإنجليزية paper مأخوذة من اسم نبات البردى papyrus، وقد أعادت دورة الفلك الطراز القديم لصنع هذه المادة من النبات المضغوط. وكان السطر من الكتابة يسمى باليونانية stichos أى صفا، وكان اللاتين يسمونه versus أي عودة إلى الوراء، ومنها اشتقت كلمة verse الإنجليزية. وكانوا يكتبون ما يريدون في صورة أعمدة على قطعة من ورق البردى أو الرق طولها من عشرين قدما إلى ثلاثين تلف حول عصا. وكانوا يسمون هذا الملف (٢) ببلوس biblos، وقد أخذوا هذا الاسم من المدينة الفينيقية المعروفة بهذا الاسم والتي
стр. 1945
كانت تمد بلاد اليونان بالورق المصنوع من نبات البردى. أما الملف الصغير فكان يسمى ببليون biblion. وكان الكتاب المقدس (bible) يسمى في أول الأمر biblia أي الملفات. فإذا كان الملف جزءاً من كتاب أكبر منه سمي tomos أي مقطعاً. وكان الجزء الأول من الملف يسمى بروتوكولون protocollon: أي الشريحة الأولى الملتفة بالعصا. وكان طرفا العصا يصقلان بحجر الخفاف ويلونان أحياناً؛ وكان الملف يوضع أحياناً في غشاء يسميه اليونان diphthera ويسميه اللاتين (١) vellum، إذا استطاع مؤلفه أداء ما يلزم ذلك من النفقات، أو كان ما كتب فيه ذا بال. وإذ كان من غير الميسور تداول الملف الكبير أو استخدامه في المراجعة، فقد كانت المؤلفات الأدبية تقسم عادة إلى عدة ملفات، وكانت كلمة biblos تطلق على كل ملف أو جزء من كتاب كبير. وقلما كان المؤلف نفسه هو الذي يقسم كتابه هذا التقسيم. فقد كان الناشرون المتأخرون هم الذين قسموا تواريخ هيرودوت إلى تسعة كتب، وكتاب توسيديدس في حرب البلوبونيز إلى ثمانية، وجمهورية أفلاطون إلى عشرة، والألياذة والأوذيسة إلى أربعة وعشرين جزءاً. وإذ كان نبات البردى غالي الثمن، وكانت كل نسخة من الكتاب تكتب باليد، فقد كان عدد الكتب قليلاً عند اليونان والرومان الأقدمين (٢). وكان التعلم في تلك الأيام الخالية أيسر منه في هذه الأيام، وإن يكن كسب الذكاء في الزمن القديم لا يقل صعوبة عن كسبه اليوم. ولم تكن معرفة القراءة ميزة عامة عند الأقدمين، ولذلك كان معظم العلم يؤخذ بالتلقين من جيل إلى جيل أو من صانع إلى صانع،
стр. 1946
وكان معظم الأدب يتلوه بصوت جهوري قراء مدربون على أشخاص يتعلمونه بالسماع (١). ولم يكن في بلاد اليونان قبل القرن السابع جمهور كبير من القارئين، ولم تكن في البلاد دور كتب قبل أن يجمع بوليكراتس Polycrates وبيسستراتس مكتبتيهما في القرن السادس (٩). فلما كان القرن الخامس بدأنا نسمع عن وجود مكتبة خاصة ليوربديز وأخرى للأركون يوكليدز Eucleides؛ ثم سمعنا في القرن الرابع عن مكتبة أرسطاطليس. ولم نسمع عن وجود مكتبة عامة قبل مكتبة الإسكندرية، كما لم نسمع بوجود مكتبة في أثينة قبل أيام هدريان (١٠). ولعل عظمة اليونان في أيام بركليز كان مرجعها إلى أن اليونان لم يكونوا يقرؤون كتباً كثيرة أو يقرؤون أي كتاب طويل.
стр. 1947
الفصل الثالث
الأدب
لقد كان الأدب من أسباب فرقة بلاد اليونان كما كان من أسباب وحدتها، شأنه في هذا شأن الدين سواء بسواء. ذلك أن الشعراء كانوا يغنون بلهجاتهم المحلية، وكثيراً ما كانوا يصفون مناظر أقاليمهم، ولكن هلاس كلها كانت تستمع إلى أكثر الأصوات فصاحة. وكانت من حين إلى حين تستحثهم على أن يطرقوا موضوعات أعم وأوسع من تلك الموضوعات المحلية الضيقة. ولقد عدا الدهر كما عدت الأهواء الضيقة على هذا الشعر المبكر فأبادت أكثره حتى لم يعد في وسعنا أن نحس بما فيه من ثراء، وبما كان يطرقه من موضوعات، وبما يعزى إليه من جزالة اللفظ وجمال الشكل؛ ولكننا حين نطوف بجزائر اليونان ومدنهم في القرن السادس قبل الميلاد لا يسعنا إلا أن نعجب بوفرة ما تطالعنا به هذه الجزائر والمدن من الأدب اليوناني قبل عصر بركليز، وبجودة هذا الأدب. وإن الشعر الغنائي في ذلك القرن لتنعكس فيه صورة مجتمع أرستقراطي كانت فيه المشاعر والأفكار والأخلاق حرة مادامت تراعى واجبات الأدب وحسن التربية. وقد أخذ هذا الأسلوب من الشعر الحضري المصقول يختفي شيئاً فشيئاً في عهد الديمقراطية. وكان مختلف المبنى متعدد الأوزان، ولكنه قلما كان يقيد نفسه عن إحساسه وخياله في لغة موزونة (١).
وبينما كان أصحاب الشعر الغنائي يتغنون بالحب والحرب، كان الشعراء الجوالون ينشدون في مجالس العظماء الملاحم في وصف ما قام به اليونان من
стр. 1948
جلائل الأعمال. ولقد أنشأت جماعات المغنين على توالي الأجيال طائفة من القصائد الغنائية تدور كلها حول حصار طيبة وطروادة وعودة المحاربين إلى أوطانهم. وكانت الأغاني شائعة مشتركة بين هؤلاء الشعراء، وكان كل واحد منهم يؤلف قصته من قطع متفرقة أقدم منها عهداً، ولم يكن منهم من يدعى أنه هو الذي ألف سلسلة متتابعة من هذه القصص. وقد وجدت في طشيوز جماعة من أولئك الشعراء أطلقوا على أنفسهم اسم الهومريدي Homeridae، وادعوا أنهم من نسل شاعر يدعى هومر، وهو في زعمهم مؤلف الملاحم التي كانوا ينشدونها في شرقي بلاد اليونان بأجمعه (١١). وقد يكون هذا الشاعر الضرير لا وجود له في الحقيقة بل كان أباً خيالياً لقبيلة أو طائفة من الناس، شأنه في هذا شأن هلن، ودورس وأبون (١٢). ولم يكن اليونان في القرن السادس يعزون إلى هومر الإلياذة والأوذيسة فحسب، بل كانوا يعزون إليه كذلك كل الملاحم المعروفة وقتئذ. والقصائد الهومرية أقدم الملاحم المعروفة في التاريخ، ولكن جودتها في حد ذاتها وما فيها من إشارات كثيرة إلى شعراء سابقين، لتوحيان إلينا بأن هذه الملاحم الباقية هي الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة بدأت بالقصائد البسيطة القصيرة ثم تطورت حتى وصلت إلى هذه الأغاني الطويلة "المحيطة" بعضها في بعض. وألف في أثينة في القرن السادس قبل الميلاد لجنة حكومية - قد تكون في عهد صولون (١٣)، وقد تكون وهو الأرجح في عهد بيستراتس- فانتقت الإلياذة والأوذيسة من بين الملاحم الأدبية الباقية من القرن الذي قبله، أو لعلها جمعتها بعد مقابلة النسخ الموجودة منها وقتئذ بعضها على بعض، ثم عزتهما إلى هومر، ثم نشرتهما- أو لعلها صاغتهما- في صورة هي في جوهرها صورتهما الحاضرة (١٤).
ومن المعجزات الأدبية أن تصل قصيدتان مستمدتان من أصول متعددة مختلفة إلى هذه الدرجة الفنية العالية. ولسنا ننكر أن الألياذة تقصر دون الغاية
стр. 1949
في مبناها وفي لغتها، وأن الصور الإيولية والأيونية تختلط فيها اختلاطاً لا يقدر عليه إلا رجل من أهل أزمير يتكلم عدة لغات، وأن أوزان شعرها مأخوذة من هذه اللهجة تارة ومن تلك اللهجة تارة أخرى، وأن حبكتها قد أفسدها كثرة ما فيها من تناقض، وتغيير في الخطة، وتوكيد أهمية حادثة ما في بعض المواضع ثم الاستخفاف بشأنها في البعض الآخر، وتعارض في أخلاق أشخاصها، وأن أبطالها يقتلون هم أنفسهم مرتين أو ثلاث مرات قبل نهاية القصة، وأن موضوعها الأصلي- وهو غضب أكليز ونتائجه- يقطعه ويطغى عليه عشرات القصص والحوادث المأخوذة على ما يظهر من قصائد أخرى أدمجت في الملحمة في أجزاء مختلفة منها؛ لسنا ننكر شيئاً من هذا ولكن القصة في مناحيها الكبرى قصيدة واحدة، ولغتها جزلة قوية حية، والقصيدة في جملتها "أعظم ما افترت عنه شفه بني الإنسان (١٥) " ولم يكن مستطاعاً أن تبدأ هذه الملحمة إلا في شباب اليونان الناضر النشيط، أو أن تختتم إلا في إبان نضوجهم الفني. وأشخاص الملحمة يكادون أن يكونوا كلهم من المحاربين أو من نساء المحاربين، وحتى الفلاسفة منهم أمثال نسطور يقاتلون بشجاعة يحسدون عليها. وكل شخصية من هذه الشخصيات كانت موضع تفكير وعطف من مصورها. ولعل أجمل ما في الأدب اليوناني كله هو نزاهته التي تجعلنا نعطف على هكتور تارة وعلى أكليز تارة أخرى. فأكليز في خيمته شخص قد تجرد من صفات البطولة، غير محبب إلى النفوس، يشكو إلى أمه أن حظه لا يتفق مع مقامه نصف الإلهي، وأن أجممنون قد سرق منه بريسيز البائسة وهي أعز ما يمتلك، ثم يترك اليونان يحصدهم الموت زمراً وهو غاضب في سفينته أو خيمته يأكل وينام، ويرسل بتركلوس ليلقى منيته دون أن يجد منه عوناً، ثم يملأ الجو عويلاً ونحيباً لا يليق بالرجال. وحين يذهب إلى المعركة آخر الأمر، لا يذهب إليها مدفوعاً بوطنيته بل لأن حزنه على فقد صديقه قد سلبه عقله، وينسيه غضبه جميع الصفات
стр. 1950
الإنسانية فينحدر إلى الدرك الأسفل من القسوة الوحشية في معاملة ليكاءون Lycaon وهكتور؛ فهو في حقيقته ذو عقل ناقص غير ناضج، غير مستقر ولا متزن، ولا سلطان له على نفسه، تنغص عليه حياته نبوءات الموت. انظر إلى ما يقوله لليكاءون بعد أن سقط على الأرض وأخذ يسترحمه: "لا يا صديقي، مت كما مات غيرك! ماذا يجديك بكاؤك الذي لا يرجى منه خير؟ لقد مات بتركلوس وهو خير منك. انظر إليَّ ألستُ وسيماً طويل القامة أنجبني أب كريم، وكانت أمي التي ولدتني إلهة؟ ولكن الموت رغم هذا يحوم حولي وتوشك المنية أن تنشب مخالبها فيَّ. ففي فجر يوم من الأيام أو ظهره أو مسائه تختطفني من بين الأحياء يد لا أعرفها" (١٦). ثم يطعن ليكاءون في عنقه دون أن يهم هذا بمقاومته، ويقذف بجسمه إلى النهر ثم يلقي خطبة من تلك الخطب الرنانة التي تزدان بها مذابح الإلياذة، ويضع بها أساس البلاغة الخطابة عند اليونان. وقد ظل نصف بلاد اليونان يعبد أكليز ويتخذه إلهاً (١٧)، أما نحن فنقبله على أنه طفل ونعفو عن ذنوبه بهذا الوصف، ومهما يكن ما يقال فيه فإنه أروع الصور التي أبدعها خيال الشعراء.
وليس الذي يحملنا على أن نواصل قراءة الإلياذة، حين لا نضطر إلى دراستها أو ترجمتها، مقصوراً على تلك الخصائص المتباينة التي يخطئها الحصر، وليس هو أيضاً مقصوراً على تسلسل القصة وصخبها وعجيجها، بل هو جلال شعرها وتدفقه. ولسنا ننكر أن هومر يكرر أقواله ويشير إليها، وأن من خطته أن يعيد بعض الصفات وبعض الأبيات كما يفعل المغنون، فتراه يكرر قوله الحبيب إلى نفسه: "حين بدت بنت الصباح، الفجر ذات الأصابع الوردية" (١٨). فإذا كانت هذه عيوباً فإنها تختفي وسط جمال اللغة ووفرة ما تحتويه من الاستعارات والتشبيهات التي تصف جمال الحقول الهادئة فتبعث بذلك في نفوسنا الطمأنينة والهدوء وسط ما يحيط بنا من عجيج الحرب وصخبها. انظر إلى هذه العبارة التي
стр. 1951
تصف تجمع الجيوش اليونانية: "واحتشد اليونان ذوو الشعر الطويل فوق السهل كما تحتشد أسراب الذباب في مذاود الرعاة زمن الربيع حين يملأ اللبن الجديد الدلاء"، أو إلى العبارة الآتية:
"كما تشق النار العظيمة طريقها في الأودية العميقة بين الجبال الجرداء، فتحترق أمامها الأشجار الضخمة السميكة، ويتمايل اللهب يمنة ويسرة حين تهب عليه الرياح من هذه الناحية أو تلك - هكذا كان ينتقل أكليز وهو غاضب ثائر من جانب إلى جانب في ميدان القتال، ويدرك ضحاياه أينما كانوا فلا يفلتون منه، ويخضب الأرض بدمائهم" (٢٠).
وتختلف الأوذيسة عن هذا كله أشد الاختلاف حتى ليظن الإنسان لأول وهلة أن مؤلفها غير مؤلف الإلياذة؛ وقد قال بهذا بعض علماء الإسكندرية أنفسهم، ولم يكم أفواه المتجادلين إلا أرستاركوس Aristarchus وما له من سلطان قوي بين الناقدين (٢١). وتتفق الأوذيسة مع الإلياذة في بعض العبارات القياسية "أثينة ذات العين الشبيهة بعين البومة" "اليونان الطوال الشعر" "قائم كلون النبيذ" "الفجر ذات الاصابع الوردية" - وهي ألفاظ يبدو أنها لم تستعمل إلا بعد جمع الإلياذة أو تأليفها (٢٢). ففي الملحمة الثانية يتكرر ذكر الحديد على حين أن الأولى تتحدث عن البرونز، كذلك نسمع فيها عن الكتابة، وعن الملكية الخاصة للأرض، وعن العبيد المحررين وتحرير العبيد، وهذه كلها لا يذكر منها شيء في الإلياذة؛ بل إن الآلهة وأعمالهم ليختلفون في إحداهما عنهم في الأخرى (٢٣). ووزن القصيدتين واحد وهو الوزن السداسي الأوتاد المكون كل وتد فيه من ثلاثة مقاطع وهو المتبع في جميع الملاحم اليونانية؛ ولكن أسلوب الملحمة وروحها ومادتها تختلف كلها عن نظائرها في الإلياذة اختلافاً لا يتسر معه لشاعر واحد على أن ينشئ الملحمتين إلا إذا بلغ الذروة في التعقيد، وكان صاحب السلطان الأعلى على جميع الأمزجة والحالات النفسية المتباينة. وما من شك في أن كاتب القصيدة
стр. 1952
الثانية أكثر تضلعاً في الأدب والفلسفة، وأقل عنفاً ونزعة حربية من كاتب الأولى؛ وهو أكثر منه تفكيراً وإدراكاً لذاتيته، وأملك منه لوقته وأكثر منه حضارة؛ وقد بلغ من رقته أن ظن بنتلي Bentley أن الأوذيسة إنما كتبت لفائدة النساء خاصة (٢٤).
ترى هل الأوذيسة من قول شاعر واحد أو عدة شعراء؟ إن الجواب عن هذا السؤال أصعب في حالة الأوذيسة منه في حالة الإلياذة. إن فيها هي الأخرى شواهد على الإضافة والتلفيق، ولكن هذه الإضافات كانت من عمل كتاب أعظم حذقاً من كتاب الملحمة القديمة؛ فحبكتها، وإن كانت كثيرة اللف والدوران، متناسقة تناسقاً عجيباً، خالية من التناقض، لا يستحي أن يكتبها كاتب قصصي حديث، يلمح الإنسان من بدايتها خاتمتها، وكل حادثة من حوادثها تقرب القارئ من هذه الخاتمة، وهي تربط كتبها الأربعة فتؤلف منها وحدة كاملة. وأكبر الظن أن الملحمة قد بنيت على قصائد كانت معروفة من قبلها شأنها في هذا شأن الإلياذة، ولكن عملية التوحيد فيها أتم وأقوى منها في الإلياذة. وفي وسعنا أن نحكم بشيء كثير من التردد والإحجام أن الأوذيسة أحدث من الإلياذة بقرن من الزمان، وأن الجزء الأكبر منها من وضع رجل واحد.
أما شخصياتها فأقل قوة وأقل وضوحاً من شخصيات الإلياذة، فبنلبي شبح غير واضح، ولا تبرز واضحة من خلف نسجها إلا في آخر الملحمة، حين تطوف بعقلها لحظة من لحظات الشك، أو لعلها من لحظات الندم، بعد عودة سيدها. أما هلن بطلة الإلياذة فأشد منها وضوحاً، وهي امرأة فذة منقطعة النظير؛ فهذه المرأة التي من أجلها أقلعت ألف سفينة ولاقى الموت في سبيلها عشرة آلاف من الرجال لا تزال "إلهة بين النساء"، ناضجة الجمال في سن الكهولة، أرق أخلاقاً وأهدأ طباعاً مما كانت من قبل، ولكنها لم تفقد شيئاً من كبريائها وزهوها، وتتقبل في لطف ورقة كل مظاهر الترحاب والتبجيل التي تحيط بربات التاج
стр. 1953
وتعدها حقاً لها تنعم بها دون سائر النساء (٢٥). وإن تصوير نسكا ليعد مقالة بديعة تنطق بمقدرة الذكور على فهم الإناث؛ والحق أننا لم نكن نتوقع أن يرسم يوناني هذه الشخصية الرقيقة الروائية. ولم يصور تلمكس تصويراً قوياً واضحاً، فهو مصاب بداء التردد كأن به مساً من هملت. أما صورة أوديسيس فهي أكمل صور الشعر اليوناني وأكثرها تعقيداً. وقصارى القول أن الأوذيسة رواية بديعة ساحرة في قالب شعري، مليئة بالعواطف الرقيقة والمغامرات المفاجئة، تستمتع بها النفس المسالمة التي في سن الكهولة أكثر مما تستمتع بالإلياذة الفخمة التي يراق فيها الكثير من الدماء.
وقد أضحت هاتان القصيدتان- وهما كل ما بقي من سلسلة طويلة من الملاحم- أثمن العناصر في تراث اليونان الأدبي كله. وبفضلهما صارت دراسة "هومر" العنصر الأساسي في نظام التعليم اليوناني، ومستودع الأساطير اليونانية، ومنبع ألف من المسرحيات، وأساس التدريب الخلقي؛ وأعجب من هذا كله أنه صار الكتاب المقدس الذي يستمد منه اليونان دينهم الصحيح.
وفي ذلك يقول هيرودوت- وأكبر الظن أن في قوله بعض المبالغة- إن هومر وهزيود هما اللذان خلعا على الآلهة الأولمبية صورة الأناسي، واللذان أدخلا النظام في مملكة السماء الكهنوتية (٢٦). وإنا لنجد في آلهة هومر كثيراً من أسباب العظمة والفخامة، ونحن نحبها لما نتبين فيها من نقائض، ولكن العلماء قد تبينوا من زمن طويل في الشعراء الذي صوروها تشككاً ومرحاً لا يليق وصفه في كتاب يعد بحق كتاب اليونان القومي المقدس. فتلك الآلهة تتنازع كما يتنازع الأقارب، وتفسق كما تفسق البراغيث، وتشترك مع بني الإنسان فيما خيل إلى الإسكندر أنه وصمة البشرية- ونعني بذلك حاجتها إلى الحب وإلى الندم؛ ويجوز عليها كل ما يجوز على الآدميين إلا الجوع والموت. وليس فيها
стр. 1954
كلها من يضارع أوديسيس في ذكائه، أو هكتور في بطولته، أو أندرمكا في رقتها وحنانها، أو نسطور في مهابته. ولم يكن في وسع إنسان أن يهزل بالآلهة هذا الهزل إلا شاعر في القرن السادس قبل الميلاد ملم كل الإلمام بتشكك الأيونيين (٢٧). ومن مضحكات التاريخ أن هاتين الملحمتين اللتين تخصان الآلهة الأولمبية بدور الهازلين، وتجعلان هذا الدور أهم أدوارها، إن من مضحكات التاريخ أن هاتين الملحمتين كانتا موضع الإجلال في بلاد اليونان كلها، وكانتا تعدان دعامة الخلق القويم والعقيدة المحترمة. ولكن هذا التناقض اتضح للناس آخر الأمر، وقضى ما فيها من هزل على ما توحيان به من عقيدة، وثارت أخلاق الناس بعد تطورها على أخلاق الآلهة وحلت محلها.
стр. 1955
الفصل الرابع
الألعاب
إذا كان الدين قد عجز عن توحيد بلاد اليونان، فإن الألعاب الرياضية الموسمية قد أفلحت في توحيدها. ذلك أن الناس لم يكونوا يذهبون إلى أولمبيا، ودلفي، وكورنثة، ونميا ليعظموا الآلهة - لأن الآلهة يمكن تعظيمها في أي مكان - بقدر ما كانوا يذهبون ليشاهدوا مباريات البطولة بين الرياضيين المختارين، والاجتماع العام لطوائف اليونان المختلفين. ومن الشواهد الدالة على أثر هذه المراكز في تاريخ اليونان أن الإسكندر - وهو الذي كان في وسعه أن يشاهد بلاد اليونان من خارجها - كان يعد أولمبيا عاصمة العالم اليوناني.
في هذه الأماكن نجد دين اليونان الحقيقي تسيطر عليه قواعد الألعاب الرياضية وتعاليمها، وهذا الدين هو عبادة الصحة والجمال، والقوة. وفي ذلك يقول سمنيدس: "إن أحسن ما يستطيع الإنسان أن يتمتع به هو الصحة الجيدة، ويأتي بعد الصحة جمال الشكل وحسن الطبع، ثم تلي ذلك الثروة ينالها الإنسان من غير غش أو خداع، ويأتي في المرتبة الرابعة أن يكون الإنسان في نضرة الشباب بين الأصدقاء والخلان" (٢٧ أ). وتقول الأوذيسة (٢٨): "ليس ثمة مجد يستطيع الإنسان أن يناله طوال حياته أعظم مما يناله بيديه وقدميه". ولعله كان من أوجب الواجبات على شعب أرستقراطي يعيش بين جماعات من الرقيق أكثر منه عدداً، ويطلب إليه المرة بعد المرة أن يرد عن حماه المغيرين من أمم أكثر منه، نقول لعله كان من أوجب الواجبات على هذا الشعب أن يحافظ على قوته الجسمية، ذلك أن الحرب في الزمن القديم كانت تعتمد على القوة والمهارة، ولقد كانت القوة والمهارة الغرض الأول من المباريات التي طبقت
стр. 1956
شهرتها الآفاق في جميع هيلاس. وإن من الخطأ أن نفكر في الرجل اليوناني العادي على أنه طالب مولع بإسكلس أو أفلاطون؛ ذلك أن هذا اليوناني العادي كان كالبريطاني أو الأمريكي العادي مولعاً بالألعاب، وكان أبطالها المحبوبون هم آلهته على هذه الأرض.
وكانت الألعاب اليونانية أنواعاً مختلفة - منها ألعاب خاصة، وألعاب محلية، وألعاب بلدية، وألعاب يونانية جامعة. وإن الآثار القديمة حتى المحطم منها لتكشف عن ثبت طويل ممتع من الألعاب الرياضية. ففي متحف أثينة حجر على أحد وجهيه نقش يصور مباراة في المصارعة، وعلى الوجه الآخر مباراة لعبة الهكي Hockey (٢٩) . أما السباحة، وركوب الخيل العارية الظهر، ورمى القذائف واتقاؤها أثناء الركوب، فكانت كلها من مستلزمات اليوناني المهذب أكثر منها ألعاباً ومباريات. كذلك أصبح الصيد من ضروب الرياضة بعد أن لم يعد من وسائل العيش الضرورية. ولم تكن ألعاب الكرة أقل تنوعاً أو انتشاراً مما هي في هذه الأيام. وكانت كلمتا شاب ولاعب كرة مترادفتين في إسبارطة. وكانت تبنى في ساحات التمرين حجرات خاصة بألعاب الكرة يسمونها اسفيرستيريا sphairisteria، وكان معلموها يسمون اسفيرستاي Sphairistai. ونشاهد على نقش آخر رجالاً ترتد إليهم الكرة من أرض الحجرة أو جدارها، ثم يردونها هم براحة اليد (٣٠)، ولسنا نعرف هل كان اللاعبون يفعلون ذلك بالتناوب كما نفعل نحن بكرة اليد في هذه الأيام. وكان من بين ألعاب الكرة لعبة تشبه لعبة اللاكرس Lacrosse الكندية وهي ضرب من لعبة الهكي تلعب بالمضارب ويصفها بولكس Pollecx، وهو كاتب من كتاب القرن الثاني بعد الميلاد، بعبارات كأنها من عبارات هذه الأيام فيقول:
"يجتمع بعض الشبان ويقسمون أنفسهم جماعتين متساويتين في العدد ويتركون في أرض منبسطة - أعدوها من قبل وقاسوها - كرة مصنوعة من
стр. 1957
الجلد، تقرب من حجم التفاحة؛ ثم يهجمون عليها، كأنها جائزة وضعت بينهم؛ من نقط الابتداء المحددة لهم، وفي يمين كل منهم مضرب rhabdon … ينتهي بانحناء مستو وسطه نسيج من خيوط مأخوذة من أمعاء الحيوان .. مجدولة كالشبكة. وتحاول كلتا الطائفتين أن تدفع الكرة من جزء الساحة المخصص لها إلى طرف الجزء المقابل لها (٣١) ".
ويصف هذا المؤلف نفسه لعبة أخرى تحاول فيها فرقة من اللاعبين أن تقذف بالكرة من فوق رؤوس الفرقة المضادة لها أو من بين لاعبيها، وتستمر في هذا "حتى يرد أحد الطرفين الطرف الآخر إلى ما وراء خط مرماه". ويصف أنتفانيز في جذاذة ناقصة من القرن الرابع قبل الميلاد أحد مهرة اللاعبين الممتازين فيقول: "ولما أخذ الكرة سره أن يعطيها إلى أحد اللاعبين، ثم تفادى لاعباً آخر؛ ثم استولى عليها من لاعب وضربها واستحث لاعباً آخر بأصواته العالية. وهاهي ذي خارج الملعب، ثم رمية طويلة، ثم تمر به من فوق رأسه، ورمية قصيرة .. " (٣٢).
ومن هذه الألعاب الخاصة نشأت ألعاب محلية، وأخرى في مناسبات معينة كما يحدث عقب وفاة بطل من الأبطال مثل بتركلوس أو نجاح مشروع عظيم كزحف رجال زنوفون العشرة آلاف إلى البحر. ثم نشأت بعدئذ ألعاب البلديات التي يمثل فيها المتبارون أماكن أو طوائف مختلفة في داخل إحدى دول المدن. أما ألعاب الجامعة الأثينية التي كانت تقام كل أربع سنين فهي أقرب ما تكون إلى الألعاب الدولية وإن لم ينطبق عليها هذا الوصف كل الانطباق. وقد أنشأها بيسستراتس في عام ٥٦٦؛ وكانت كثرة المشتركين فيها من أتكا، ولكن غير الأتكيين كان يرحب باشتراكهم فيها. وكانت تشمل، فضلاً عن الألعاب الرياضية المألوفة، سباق العربات، وسباق المشاعل، وسباق التجديف، ومباريات موسيقية في الغناء والعزف على القيثارة والمزمار والناي، والرقص،
стр. 1958
وإلقاء أكثر ما يكون من شعر هومر. وكان يمثل كل قسم من أقسام أتكا العشرة أربعة وعشرون رجلاً يختارون من بين أصح السكان أجساماً وأقواهم بنية وأجملهم منظراً، وكانوا يعطون جائزة للأربعة والعشرين الذي يكون لهم في النظارة أعظم الأثر، وتسمى جائزة "الرجولة الباهرة" (٣٣).
وإذ كانت الرياضة ضرورية للحرب، ولكنها تنعدم إذا لم تعقد لها مباريات، فقد أنشأت المدن اليونانية الألعاب اليونانية الجامعة لتكون أكبر حافز لليونان أجمعين على إتقان هذه الألعاب. وكانت أولى هذه المباريات الجامعة هي التي تقام بانتظام مرة كل أربع سنين في أولمبيا؛ وقد أقيمت للمرة الأولى في عام ٧٧٦ ق. م وهو أول تاريخ محدد في حياة اليونان بأجمعها. وكانت هذه الألعاب في أول أمرها مقصورة على الإيليين Eleans، وقبل أن يمضي قرن على بدايتها كان يشترك فيها لاعبون من جميع بلاد اليونان؛ ولم يحل عام ٤٧٦ حتى كان ثبت الظافرين فيها يشمل لاعبين من جميع البقاع الممتدة من سينوب إلى مرسيلية؛ وأصبح عيد زيوس على مر الزمان يوماً مقدساً دولياً، وكان الشهر الذي يقع فيه هذا العيد شهراً حراماً يتهادن فيه المحاربون في جميع بلاد اليونان، ويفرض فيه الإيليون غرامات على كل دولة يونانية يلحق في أرضها أذى بأي قادم إلى هذه الألعاب. وقد أدى فليب المقدوني هذه الغرامة عن يد وهو صاغر لأن بعض جنوده سرقوا مال أثيني وهو في طريقه إلى أولمبيا.
وفي وسعنا أن نتصور الحجاج واللاعبين يبدءون رحلتهم من المدن النائية قبل بدء المباريات بشهر كامل، فإذا ما حان الموعد المحدد اجتمعوا كلهم في صعيد واحد؛ وكانت أيام المباريات سوقاً عامة وعيداً في وقت واحد، وكانت الخيام تنصب في السهل لتقي الزائرين حر شمس يوليه اللافح، وإلى جانبها المظلات يستظل بها البائعون ويعرضون تحتها بضاعتهم على اختلاف ألوانها، من خمر وفاكهة وخيل وتماثيل؛ وترى اللاعبين على الحبال والمشعوذين يعرضون
стр. 1959
ألاعيبهم على الجماهير. فمنهم من يقذف بالكرة في الهواء ومنهم من يلعب ألعاباً تشهد بالخفة والمهارة، ومنهم من يأكل النار أو يبتلع السيوف. ذلك أن ضروب التسلية، كأنواع الخرافات، قديمة العهد يخلع عليها هذا القدم ثوباً من التقديس والإجلال. وكان أشهر الخطباء أمثال جورجياس، وأشهر الخطباء أمثال هبياس، وربما كان أشهر الكتاب أمثال هيرودوت، كان هؤلاء جميعاً يلقون خطبهم أو يتلون أقوالهم من أروقة هيكل زيوس. وكانت هذه الأيام أعياداً مقدسة للرجال خاصة لأن النساء المتزوجات لم يكن يسمح لهن بالحضور في هذه الساحة، بل كانت لهن ألعاب خاصة تقوم في عيد هيرا. وقد لخص منندر منظر هذه الألعاب في خمس كلمات جامعة فقال: "زحام، وسوق، ولاعبون، وتسلية، ولصوص" (٣٤).
ولم يكن يسمح لغير اليونان الأحرار بالاشتراك في مباريات الألعاب الأولمبية؛ وكان المتبارون (Athletes المشتقة من Athlos بمعنى مباراة) يختارون بعد اختبارات محلية وبلدية يستبعد بها غير اللائقين، ثم يدربون بعدئذ عشرة شهور كاملة تدريبا صارماً على أيدي مدربين محترفين يسمون بيدترباي paidotribai (ومعناها اللغوي مدلكو الشبان) ورياضيين يدعون gymnastai (أي العراة).
فإذا جاءوا إلى أولمبيا اختبرهم موظفون مختصون وأقسموا أن يراعوا جميع قوانين الألعاب. ولم يكن يحدث في الألعاب غش أو خروج على السنن الصحيحة إلا القليل النادر؛ منها ما قيل من أن يوبوليس Euopolis قد رشا الملاكمين حتى ينهزموا له (٣٥)؛ ولكن ما كان يفرض على هؤلاء المخادعين من عقاب، وما كان يلحقهم من مهانة، كان كبيراً إلى حد يحول بينهم وبين الإقدام على مثل هذا العمل؛ فإذا ما تم استعداد اللاعبين أخذوا إلى ميدان الألعاب؛ فإذا دخلوه نادى منادٍ أسماءهم وأسماء المدن التي بعثت بهم. وكان المتبارون جميعاً، أياً كانت سنهم ومنزلتهم، يجردون من الثياب إلا من منطقة تحيط بالحقوين
стр. 1960
في بعض الأحيان (٣٦). ولم يبق من هذا الملعب نفسه إلا الألواح الحجرية التي كانت توضع بين أصابع أرجل المتسابقين في بداية السباق. وكان النظارة البالغ عددهم ٤٥. ٠٠٠ يحتفظون بأماكنهم في الملعب طوال النهار يقاسون الأمرين من الحشرات والحر والظمأ؛ ولم يكن يسمح لهم بلبس قبعاتهم، وكان الماء الذي يسقون منه رديئاً غير صالح للشرب، كما كان الذباب والبعوض يملأ جو المكان كما يملأ أمثاله في هذه الايام. وكانت القرابين تقرب مراراً وتكراراً إلى زيوس طارد الذباب (٣٧).
وكانت أهم المباريات في هذه الألعاب هي التي يطلقون عليها اسم المباريات الخمس (١) (pentathlon) . وأراد اليونان أن يكون اللاعبون متمكنين في هذه الألعاب جميعاً، فكانوا يحكمون على من يتقدم للمباراة في واحدة منها أن ينازل غيره فيها جميعاً، ولا يعد اللاعب منتصراً إلا إذا فاز في ثلاث لعبات من خمس. وكانت أولاها هي القفز الواسع، فكان اللاعب يمسك بيديه ثقلين شبيهين بكتل الحديد المستديرة ويقفز بهما من موضع معين، ويؤكد لنا الكتاب الأقدمون أن بعض القافزين كانوا يقفزون إلى مسافة خمسين قدما (٣٨)، ولكنا غير ملزمين بأن نصدق كل ما نقرأ. واللعبة الثانية هي قذف القرص وهو لوحة مستديرة من المعدن أو الحجر تزن نحو اثني عشر رطلاً، ويقال إن أكبر القاذفات كانت تصل إلى مسافة مائة قدم (٣٩). وكانت اللعبة الثالثة هي قذف الحربة أو الرمح بالاستعانة بِشَرعة من الجلد متصلة بوسط السهم. وكانت المباراة الرابعة هي الجري مسافة قصيرة بأقصى سرعة في الملعب نفسه، وكانت هذه المسافة تبلغ نحو مائتي ميل في الغالب. وكانت المباراة الخامسة هي المصارعة، وهي من المباريات المحببة كثيراً إلى اليونان، ومنها اشتق لفظ Palaistra نفسه، وما أكثر ما يروى من القصص عن الأبطال المصارعين.
стр. 1961
وكانت الملاكمة من الألعاب القديمة، ونكاد نوقن أنها مأخوذة عن كريت المينوية وبلاد اليونان الميسينية. وكان المتبارون ينازل بعضهم بعضاً بكرات للكم معلقة بمحاذاة الرأس ومحشوة ببذور التين أو الدقيق أو الرمل. وفي عصر اليونان الزاهر (أي في القرنين الخامس والرابع) كان الملاكمون يلبسون "قفازات لينة" من جلد الثيران، معالجة بالدهن، وتكاد تصل إلى المرافق، وكانت الضربات مقصورة على الرأس ولكنهم لم تكن لديهم قواعد تحرم ضرب اللاعب إذا وقع على الأرض. ولم تكن هناك أشواط أو فترات للراحة، بل كان الملاكمان يواصلان اللعب حتى يستسلم أحدهما أو يعجز عن الملاكمة. ولم يكونوا يقسمون حسب أوزانهم، بل كان في مقدور أي إنسان مهما يكن وزنه أن يشترك في المباريات. ومن ثم كان ثقل الجسم ذا نفع كبير لصاحبه، وانحطت الملاكمة لهذا السبب في بلاد اليونان وتحولت من مباراة في المهارة إلى منازلة بالقوة العضلية.
وازدادت وحشية اللاعبين على مر الزمن فجمعوا المصارعة والملاكمة في مباراة جديدة سموها لعبة القوى مجتمعة (pankration) . وكان يسمح في هذه اللعبة بكل شيء عدا العض وفقأ العين، وحتى الركل في البطن كان مسموحاً به أيضاً (٤٠). وقد وصلت إلينا أسماء ثلاثة من أبطال هذه المباراة هزموا من نازلوهم لأنهم كسروا أصابعهم (٤١)، وكال أحدهم لغريمه ضربات وحشية بأصابعه الممدودة وأظافره الطويلة القوية التي اخترق بها جلده وانتزع بها أمعاءه من بطنه (٤٢). لكن ميلو الكروتوني كان ملاكماً أظرف من هؤلاء وأحب إلى النفوس، ويروى عنه أنه نمى قوة جسمه بحمل عجل صغير في كل يوم من حياته حتى كبر هذا العجل وأصبح ثوراً كامل النمو. وكان الناس يحبونه لحيله ودهائه، فقد كان يمسك في يده الرمانة ويقبض عليها بقوة لا يستطيع معها أي إنسان أن ينتزعها منه، ومع ذلك كانت الرمانة تبقى سليمة لا ينالها أذى؛ وكان يقف على قرص من الحديد مدهون بالزيت ويقاوم كل ما يبذل من الجهد لزحزحته عن مكانه؛
стр. 1962
ويربط حبلاً حول جبهته ثم يقطع الحبل بوقف نَفَسُه ودفع الدم إلى رأسه. وقضت عليه مواهبه هذه آخر الأمر "ذلك أنه التقى مصادفة بشجرة ذابلة كما يقول بوزنياس "دقت فيها أوتاد لتفصل خشبها بعضه عن بعض، فخيل إليه أن يفصل هذا الخشب بيديه، ولكن الأوتاد انخلعت من الشجرة وانطبق خشبها عليه، وافترسته الذئاب" (٤٣).
وكانت الألعاب تشمل فضلاً عن السباق السريع القصير المدى مسابقات أخرى في العدو، منها مسابقة طولها أربعون ياردة، وأخرى طولها أربعة وعشرون شوطاً (١) أو ميلان وثلثا ميل، ومنها سباق مسلح يحمل كل عداء فيه ترساً، وليس لدينا ما نستدل منه على الأرقام القياسية في هذه المسابقات. وكان الشوط يختلف باختلاف المدن، ولم يكن لدى اليونان آلات يقيسون بها أجزاء الزمن الصغيرة. وتحدثنا الأقاصيص عن عداء يوناني كان يسبق الأرنب، وعن آخر سابق جواداً من كرونيا إلى طيبة (حوالي عشرين ميلاً) وسبقه، وعن فيدبديس Pheidippides الذي جرى من أثينة إلى إسبارطة - ١٥٠ ميلاً - في يومين (٤٤)، ونقل إلى أثينة بشرى النصر في مرثون التي تبعد عنها أربعة وعشرين ميلاً، ثم مات متأثراً بما عاناه من التعب. ولكن بلاد اليونان لم تكن فيها "مسابقات مرثونية".
وقد أنشأت أولمبيا في السهل الواقع في أسفل الملعب مضماراً لسباق الخيل خاصة. وكان للنساء والرجال على السواء أن يتقدموا بخيولهم إلى هذا السباق، وكانت الجائزة في ذلك الوقت تعطى لصاحب الجواد - كما هي الحال في وقتنا هذا - لا لراكبه، وإن كان الجواد في بعض الأحيان يجازى بأن يقام له تمثال (٤٥)، وكانت آخر المباريات هي مباراة المركبات، وكان يجر كل مركبة
стр. 1963
جوادان أو أربعة جياد تسير جنباً إلى جنب. وكثيراً ما كان يشترك في المباراة الواحدة عشر مركبات في كل منها أربعة جياد، وكان على كل مركبة أن تدور حول الأنصاب المقامة في الحلبة ثلاثاً وعشرين دورة في آخر السباق، ولذلك فإن حوادث خطيرة كانت تحدث وقتئذ، وكانت هذه الحوادث أهم ما يثير المشاعر في الألعاب. وقد حدث في سباق منها بدأ بأربعين مركبة أن لم تتمه إلا مركبة واحدة. وفي وسعنا أن نتصور اهتياج النظارة وجدلهم حول من يناصرون، وأسفهم وهم منفعلون حينما يطوف الظافرون آخر طواف لهم حول الأنصاب.
فإذا انتهت هذه المباريات المجهدة بعد خمسة أيام كاملة، نالوا جوائزهم، ولف كل منهم عصابة من الصوف حول رأسه، ثم وضع المحكمون على هذه العصارة إكليلاً من أوراق الزيتون البري وأغصانه، ونادى مناد أسماء الظافرين وأسماء مدنهم. وكان هذا الإكليل النباتي هو الجائزة الوحيدة التي تعطى في الألعاب الأولمبية، ولكنه مع ذلك كان الشرف الذي يبذل المتبارون في بلاد اليونان أقصى جهودهم ليظفروا به. وقد بلغ من أهمية هذه الألعاب وحرص اليونان عليها أن الغزو الفارسي نفسه لم يحل بينهم وبين إقامتها، فبينما كانت حفنة من اليونان تقف في وجه خشيارشاي في ترموبيلي كانت آلاف مؤلفة منهم تشهد كعادتها ثيجنيس Theagenese الثاسوسي، في اليوم الذي دارت فيه المعركة، يظفر بإكليل ألعاب القوى المجتمعة. وصاح جندي فارسي في وجه قائده يقول: "رباه! أي صنف من البشر أولئك الأقوام الذي أتيت بنا لنقاتلهم؟ - إنهم رجال لا يقاتل بعضهم بعضاً من أجل المال بل من أجل الشرف! (٤٦) ". وما من شك في أن هذا الجندي الفارسي، أو اليوناني الذي اخترع القصة، قد جاوز الحد في الثناء على اليونان بقوله هذا، وليس ذلك لأنه كان من واجبهم أن يكونوا في ذلك اليوم في ترموبيلي بدل أن يكونوا في أولمبيا فحسب، بل لهذا السبب ولغيره من الأسباب؛ ذلك أن الظافرين كانوا يحصلون على جوائز أخرى كبيرة من طريق غير مباشر
стр. 1964
وإن كانت الجائزة المباشرة التي ينالونها في الألعاب نفسها كانت قليلة لا تسمن ولا تعني من جوع. لقد كانت مدن كثيرة تمنح الظافرين جوائز مالية كبيرة بعد أن يعودوا من الألعاب الأولمبية، وكان بعضها يعينهم قواداً لجيوشه، وكانت الجماهير تقدسهم تقديساً يحسدهم عليه الفلاسفة ويشكون منه (٤٧). وكان بعض الظافرين أو أنصارهم يستأجرون شعراء مثل سمنيدس أو بندار لينشئوا القصائد في مدحهم وتكريمهم، وكانت هذه الأشعار تغنيها جماعات من الغلمان في الموكب الذي يخرج لاستقبالهم، وكانت الأموال تدفع للمثالين ليخلدوا ذكراهم بالتماثيل البرونزية أو الحجرية، وكانوا في بعض الأحيان يطعمون بلا ثمن في ردهة المدينة. وفي وسعنا أن نقدر ما يتكلفه هذا الطعام إذا عرفنا - من مصدر مشكوك في دقته - أن ميلو أكل عجلة بنت أربع سنوات، وأن ثيجنيس أكل ثوراً، في يوم واحد (٤٨).
وكان القرن السادس هو العهد الذي بلغت فيه الألعاب الرياضية أعظم روعتها وتغلغل حبها في قلوب الشعب إلى أبعد حد. ففي عام ٥٨٢ أنشأ الحلف الاثنا عشري الألعاب الفيثية في دلفي تكريماً لأبلو. وفي تلك السنة نفسها أنشئت ألعاب البرزخ في كورنثة تكريماً لبوسيدن، وبعد ست سنوات من ذلك الوقت أنشئت الألعاب النيمية تكريماً لزيوس النيمي، وأضحت هذه المواسم كلها أعياداً يحتفل بها اليونان على بكرة أبيهم. وقد نشأت منها ومن الألعاب الأولمبية دورة (Periodos) ، وكان أعظم ما يطمع فيه اليوناني الرياضي أن ينال أكاليل فيها جميعاً. وقد أضيفت مباريات في الموسيقى والشعر إلى المباريات الجسمية في الألعاب الفيثية، والحق أن هذه المباريات الموسيقية كانت تقام في دلفي قبل إنشاء الألعاب الرياضية فيها بزمن طويل. وكان موضوع المباريات في بادئ الأمر أنشودة يخلد بها انتصار أبلو على الأفعى الدلفية؛ ثم أضيفت إليها في عام ٥٨٢ مباريات في الغناء وفي العزف على القيثارة والنفخ في الناي. وكانت مباريات
стр. 1965
موسيقية مثلها تقام في كورنثة، ونيميا، وديلوس، وغيرها من المدن؛ وذلك لأن اليونان كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون بهذه المباريات العامة أن ينموا مقدرة العازفين وذوق الجماهير في وقت واحد. وكانوا يسيرون على هذا المبدأ نفسه في كل فن من الفنون تقريباً - كصناعة الخزف، والشعر، والنحت، والتصوير، والغناء الجماعي، والخطابة، والتمثيل (٤٩). وبهذه الطريقة وغيرها من الطرق أصبح للألعاب أكبر الأثر في الفنون، والآداب، بل كان لها أيضاً أعمق الأثر في كتابة التاريخ نفسه؛ وذلك لأن أهم طريقة لحساب السنين في كتب التاريخ المتأخرة كانت هي التاريخ بالفترات الأولمبية، وكانت كل فترة تميز باسم الظافر في سباق الجري شوطاً واحداً. وكان الكمال الجسمي الذي بلغه الرياضيون البارعون في الألعاب جميعها في القرن السادس قبل الميلاد هو الذي أوحى إلى اليونان بالمثل الأعلى في نحت التماثيل، وهو المثل الذي بلغ غايته على يدي ميرون Meiron وبليكليتوس. وقد أتاحت ألعاب العراة في مضامير الألعاب وفي أثناء الأعياد للمثال فرصاً لدراسة جسم الإنسان في جميع أشكاله وأوضاعه، فأضحت الأمة هي نفسها نماذج لفنانيها على غير علم منها، وتعاونت الألعاب الرياضية اليونانية مع الدين اليوناني على إيجاد الفن اليوناني.