ويزينون نضدهم ورفوفهم بمزهريات من صنع الأجانب (١). وكانوا مولعين بالعزف والغناء وبأنغام الناي والقيثار والنقر على الطبول والدفوف.
وكانت الجواهر كثيرة لديهم من تيجان وأقراط، إلى خلاخيل وأحذية مذهبة. وحتى الرجال أنفسهم كانوا يتباهون بحليهم يزينون بها أعناقهم وآذانهم وأذرعهم. وكانوا يستوردون اللؤلؤ، والياقوت، والزمرد، واللازورد من خارج بلادهم؛ أما الفيروز فكانوا يستخرجونه من المناجم الفارسية، وكان هو المادة التي تصنع منها الطبقة الموسرة أختامها. وكانت لهم حليّ ذات أشكال رهيبة غريبة تمثل في ظنهم ملامح الشياطين المعروفة لديهم. وكان ملكهم يجلس على عرش من ذهب تغطيه أكنان ذهبية مرفوعة على قوائم من الذهب (١٣٣).
ولم يكن للفرس طراز فني خاص إلا في العمارة. فقد شادوا في أيام قورش، ودارا الأول، وخشيارشاى الأول مقابر وقصوراً، كشف علماء الآثار القليل منها، وقد يستطيع المعول والمجرف- وهما المؤرخان اللذان لا ينقطعان عن البحث والتنقيب- أن يكشفا لنا في المستقبل القريب ما يعلي من تقديرنا للفن الفارسي (٢). ولقد أبقى لنا الإسكندر بفضل ما أثر عنه من كريم الشيم قبر قورش في بازار جادة، فأصبح طريق القوافل في هذه الأيام يمر بالطوار العاري الذي كان يقوم عليه من قبل قصر قورش وقصر ابنه المخبول. ولم يبق الآن من هذين القصرين غير عمد قليلة محطمة في مواضع متفرقة، أو كتف باب أو نافذة عليها نقوش تمثل ملامح قورش. وعلى مقربة من هذا الطوار في السهل المجاور له يشاهد القبر وقد
стр. 632
عدا عليه الزمان في خلال القرون الأربعة والعشرين، التي مرت به؛ فهو الآن ضريح حجري بسيط، يوناني في شكله وتحرج صانعه، يرتفع إلى ما يقرب من خمس وثلاثين قدماً فوق قاعدة مدرجة. وما من شك في أن هذا الأثر كان أعلى مما هو الآن وأنه كانت له قاعدة تتناسب مع ضخامته. أما الآن فإنه يبدو عارياً عطلاً من الزينة مهجوراً، توحي صورته بالجمال الذي لا يكاد يبقى منه أثر فيه؛ وكل ما يبعثه في النفس هو الأسى والحزن، لأن الجماد أبقى على الزمان من سواه. وإلى أقصى الجنوب عند نقش رستم غير بعيد من برسبوليس يقوم قبر دارا الأول منحوتاً في واجهة صخرة في الجبل كأنه ضريح هندوسي، وقد نقش مدخله ليمثل لمن يراه واجهة قصر لا قبر، وأقيمت عند هذا المدخل أربعة عمد دقيقة حول باب غير شامخ. ومن فوق هذا الباب شخوص قائمة كأنها فوق سقف يمثل أهل البلاد الخاضعة للفرس تحمل منصة رسم عليها الملك كأنه يعبد أهورا- مزدا والقمر. والفكرة التي أوحت بهذا الرسم وطريقة تنفيذها تسري فيهما روح البساطة والرقة الأرستقراطية.
والمباني الفارسية الأخرى التي نجت من الحروب والغارات والسرقات وفعل الأجواء مدى ألفين من الأعوام، هي خرائب القصور. فقد شاد ملوك الفرس الأولون في إكباتانا مسكناً لهم من خشب الأرز والسرو المصفح بالمعادن، كان لا يزال قائماً في أيام يوليبويس (حوالي ١٥٠ ق. م)، أما الآن فلم يبق له اثر. أما أروع الآثار الفارسية القديمة التي تنفرج عنها الأرض الكتوم يوماً بعد يوم فهي الدرج الحجرية والأرصفة والأعمدة التي كشفت في برسبوليس. ذلك أن دارا ومن جاء بعده من ملوك الفرس قد أقاموا لهم فيها قصوراً يحاولون بها أن يرجئوا الوقت الذي تنسى فيه أسمائهم. ولسنا نجد في تاريخ العمائر كلها ما يشبه الدرج الخارجية العظيمة التي كان القادم من السهل يرقاها إلى الربوة التي شيدت عليها القصور.
стр. 633
وأكبر الظن أن الفرس أخذوا هذا الطراز عن الدرج التي كانت توصل إلى الزجورات، أي أبراج أرض الجزيرة، وتلتف حولها، ولكنها كان لها مع ذلك خصائص لا يشاركها فيها غيرها من المباني. ذلك أنها كانت سهلة المرتقى واسعة يستطيع عشرة من ركاب الخيل أن يصعدوها جنبا إلى جنب (١). وما من شك في أن هذه الدرج كانت مدخلا بديعاً إلى الطور الفسيح الذي يعلو عن الأرض المجاورة له علواً يتراوح بين عشرين وخمسين قدماً، والذي يبلغ طوله خمسمائة وألف قدم، وعرضه ألفاً، والذي شيدت عليه القصور الملكية (٢). وكان عند ملتقى الدرج الصاعدة من الجانبين مدخل أمامي كبير نصبت على جانبيه تماثيل ثيران مجنحة ذات رؤوس بشرية كأبشع ما خلفه الفن الآشوري. وكانت في الجهة اليمنى بعد هذا المدخل آية العمائر الفارسية على الإطلاق، ونعنى بها الجهل- منار أو الردهة العظمى التي شادها خشيارشاى الأول، والتي كانت هي وغرفات الانتظار المتصلة بها تشغل رقعة من الأرض تربى مساحتها على مائة ألف قدم مربع، فهي أوسع- إذا كان للسعة قيمة- من معبد الكرنك الفسيح ومن أية كنيسة أوربية عدا كنيسة ميلان (١٣٨).
وكانت هناك مجموعة أخرى من الدرج تؤدي إلى هذه الردهة الكبرى، وتحف بها من كلا الجانبين جدر لزينتها قليلة الارتفاع، وعلى جوانبها نقوش بارزة قليلاً هي أجمل ما كشف من النقوش الفارسية القليلة البروز إلى هذا اليوم (١٣٩). ولا يزال ثلاثة عشر عموداً من الاثنين والسبعين التي كانت قائمة في قصر خشيارشاى باقية إلى اليوم بين خربات القصر، كأنها جذوع نخل في واحة مقفرة موحشة. وتعد هذه الأعمدة المبتورة من الأعمال البشرية القريبة من الكمال، وهي أرفع من
стр. 634
مثيلاتها في مصر القديمة أو اليونان، وتعلو في الجو علواً لا تصل إليه معظم الأعمدة الأخرى، إذ يبلغ ارتفاعها أربعة وستين قدماً، وقد خطت في جذوعها ستة وأربعون محزاً، وتشبه قواعدها أجراساً تغطيها أوراق أشجار مقلوبة الوضع، ومعظم تيجانها في صورة لفائف من الأزهار تكاد تشبه اللفائف "الأيونية"، يعلوها صدرا ثورين أو حصانين مقرنين يتصل عنقاهما من الخلف وترتكز عليهما عوارض السقف. ولسنا نشك في أن هذه العوارض كانت من الخشب، لأن أمثال هذه العمد المتباعدة السريعة العطب لا تقوى على تحمل الدعامات الحجرية الثقيلة. وكانت أكتاف الأبواب وكفافات النوافذ من حجارة سود مزخرفة براقة كالأبنوس. أما الجدران فكانت من الآجر يغطيها القرميد المصقول رسمت عليه صور زاهية تمثل حيوانات وأزهاراً. وكانت العمد والفصوص والدرج من حجر الجير الجميل أو الرخام الأزرق الصلد. وقام من خلف الجهل- منار، أي من شرقيها "بهو العمد المائة" ولم يبق من هذا البهو سوى عمود واحد والحدود الخارجة لتصميمه العام. ولعل هذين القصرين كانا أجمل ما شاده الإنسان في العالم القديم والحديث على السواء.
وأقام أرت خشتر الأول والثاني في مدينة السوس قصرين لم يبق منهما إلا أساسهما. ذلك أنهما شُيّدا من الآجر المكسو بأجمل ما عرف من القرميد ذي الطلاء الزجاجي. وفي السوس عثر المنقبون على "نقش الرماة" وهم في أكبر الظن "المخلدون" الأمناء حراس الملك. ويبدو للناظر إلى هؤلاء الرماة ذوي الطلعة المهيبة أنهم قد ازينوا لحضور حفلة في القصر وليسوا خارجين لقتال أو حرب. فجلابيبهم تخطف الأبصار بألوانها الزاهية، وشعورهم ولحاهم مجعدة تجعيداً عجيباً، وهم يمسكون بأيديهم في قوة وخيلاء رماحهم رمز مناصبهم الرسمية. ولم يكن التصوير والنحت في السوس وفي غيرها من العواصم فنين مستقلين، بل كانا تابعين لفن العمارة، كذلك كانت الكثرة الغالبة من التماثيل من صنع
стр. 635
فنانين جيء بهم من أشور وبابل وبلاد اليونان (١٤٠).
وفي وسع الإنسان أن يقول عن الفن الفارسي ما يستطيع أن يقوله عن الفنون كلها تقريباً، وهو أن عناصره كلها مستعارة من خارج البلاد. فقبر قورش استعير شكله الخارجي من ليديا، وعمده الحجرية الرفيعة منقولة عن مثيلاتها من العمد الآشورية مع شيء من التحسين، وبهو الأعمدة الضخمة والنقوش القليلة البروز تشهد بأنها قد أوحت بها أبهاء مصر ونقوشها، وتيجان الأعمدة التي على صورة الحيوان عدوى تسربت إليهم من نينوى وبابل. أما الذي جعل فن العمارة الفارسي فناً قائماً بذاته مختلفاً عن غيره من فنون العمارة فهو اجتماع هذه العناصر كلها والمواءمة بينها، وهو الذوق الأرستقراطي الذي رقق العمد المصرية المهولة وكتل أرض الجزيرة الثقيلة فأحالها بريقاً ورشاقة، وتناسباً وتناغماً، يطالعنا في برسبوليس.
وكان اليونان يستمعون إلى وصف هذه الأبهاء وقصورهم وهم أشد ما يكونون دهشة منها وإعجابا بها، لأن تجارهم المجدين العاملين وساساتهم المطلعين كانوا يحدثونهم عن فنون الفرس وترفهم بما يثير عواطفهم ويحفزهم على منافستهم. وسرعان ما استبدلوا برؤوس العمد المزدوجة وبالحيوانات ذوات الأعناق الجامدة المتصلبة القائمة فوق العمد الرشيقة، نقول سرعان ما استبدلوا بها الفصوص الملساء التي نراها في تيجان العمد الأيونية؛ ثم قصروا سوقها، وزادوها قوة لكي تتحمل أي عارضة ترتكز عليها سواء أكانت من الخشب أو الحجر. والحق أنه لم يكن بين فني العمارة في برسبوليس وأثينا إلا خطوة واحدة، فقد كان عالم الشرق الأدنى على بكرة أبيه، وقد أوشك أن يستغرق في سبات عميق كأنه الموت إلا أنه موت لا يدوم إلا ألف عام، كان عالم الشرق يتأهب ليستودع اليونان تراثه القديم.
стр. 636
الفصل التاسع
الانحطاط
كيف تموت الأمم - خشيارشاي - فقرة عن
التقتيل - أرت خشتر الثاني - قورش الأصغر -
دار الصغير - أسباب الانحطاط السياسية والحربية
والخلقية - الإسكندر - فتح فارس والزحف على الهند
لم تكن الإمبراطورية التي أقامها دارا تعمر إلا قرناً من الزمان. ذلك أن قواها الطبيعية المادية والأدبية قد تصدعت على أثر الهزائم التي منيت بها في مراثون، وسلاميس، وبلاتية. وأهمل الأباطرة شئون الحرب، وانغمسوا في الشهوات، وتردت الأمة في مهاوي الجمود والفساد. ويكاد اضمحلال فارس أن يكون في جملته وتفاصيله صورة معجلة من سقوط روما؛ فقد اقترن فيه عنف الأباطرة وإهمالهم بفساد أخلاق الشعب وانحلالهم، وحل بالفرس ما حل بالميديين قبلهم، إذ استحال ما كانوا يتصفون به من تقشف وزهد منذ أجيال قليلة إلى استمتاع طليق، وأصبح أكبر ما تهتم به الطبقات الأرستقراطية بملء بطونها بلذيذ المأكل والمشرب؛ وشرع هؤلاء الرجال الذين فرضوا على أنفسهم من قبل ألا يتناولوا إلا وجبة واحدة من الطعام في اليوم يفسرون معنى الوجبة الواحدة بأنها وجبة تمتد من الظهر إلى غسق الليل، فامتلأت مخازن مؤنهم بكل ما لذ وطاب، وكثيراً ما كانوا يقدمون الذبائح كاملة لضيوفهم، وملئوا بطونهم باللحوم السمينة النادرة، وتفننوا في ابتكار أنواع المُشَهّيات والحلوى (١٤٠ أ). وغُصّت بيوت الأثرياء بالخدم الفاسدين المفسدين، وأصبح السُّكْر الرذيلة الشائعة بين كل الطبقات (١٤٠ ب). وملاك القول أن قورش ودارا قد خلقا بلاد الفرس وأن خشيارشاي ورثها عنهما ثم جاء من خَلَفَهُم من الملوك فدمروها تدميرا.
стр. 637
وكان خشيارشاي الأول ملكاً اجتمعت فيه كل صفات الملوك- الجسمية -؛ كان طويل القامة، قوي الجسم، يقر له الملوك بأنه أجمل إنسان في الإمبراطورية كلها (١٤١). ولكن الرجل الوسيم غير المغتر لم يخلق بعد في هذا العالم، كما لم يخلق فيه بعد الرجل المغتر الذي لم تَقُدْهُ امرأة من أنفه. لقد كان خشيارشاي َنهِباً لسراريه، وما كان أكثرهن، وضرب أسوأ الأمثال لشعبه في الفسق والفجور. ولقد كانت هزيمته في سلاميس هزيمة طبيعية متوقعة؛ ذلك أن كل ما كان له من أسباب العظمة هو حب التعاظم لا قدرته على مغالبة الخطوب، والتحلي بصفات الملوك الحقة إذا دعا الداعي وتأزمت الأمور. وبعد أن قضى هذا الملك عشرين عاماً في غمرة الدسائس الشهوانية، والتراخي والإهمال في شئون الحكم، اغتاله أرتيان (١) أحد رجال حاشيته، ووري في قبره باحتفال ملكي مهيب واغتباط شامل.
وليس في التاريخ كله ما يماثل المجازر المروعة والدم المراق اللذين تطالعنا بهما سجلات الفرس الملكية إلا سجلات رومة بعد تيبيريوس. لقد اغتال أرت خشتر الأول مغتال خشيارشاي، وبعد أن حكم أرت خشتر حكماً طويلاً خلفه خشيارشاي الثاني، ثم اغتاله بعد بضعة أسابيع من حكمه أخ له غير شقيق يدعى سجديانوس، ثم قتله دارا الثاني بعد ستة أشهر كما أمر بقتل تريتتشميس فأخمد بقتله فتنة أثار عجاجها في البلاد، ثم أمر بتقطيع زوجته إربا ودفن أمه وأخوته وأخواته أحياء. وخلف دارا الثاني على العرش ابنه أرت خشتر الثاني، واضطر هذا الملك أن يقاتل في واقعة كونسكا أخاه قورش الأصغر قتالاً مريراً، لأن هذا الشاب حاول أن يغتصب الملك. وحكم أرت خشتر حكماً طويلاً، وقتل ابنه دارا لأنه ائتمر به، ثم مات بائساً حزيناً إذ وجد أن ابناً آخر له يدعى أوكوس يأتمر به ليقتله. وحكم أوكوس عشرين سنة ثم مات مسموماً على يد
стр. 638
قائده بجواس، وأجلس هذا القائد السفاح "صانع الملوك" ابناً لأوكوس يسمى أرسيس على العرش، واغتال أخاً لأرسيس ليثبت بذلك مركز صنيعته، ثم اغتال أرسيس وابناه الصغار، ورفع على العرش كودومانوس، وهو صديق له مخنث مطواع. وحكم كودومانوس ثماني سنين، وتسمى باسم دارا الثالث ثم مات وهو يحارب الإسكندر في واقعة إربل حين كانت بلاده تلفظ آخر أنفاسها. ولسنا نعرف في دولة من الدول حتى الدول الديمقراطية في هذه الأيام قائداً أقل كفاية وجدارة بقيادة الجيوش من هذا القائد.
أن الإمبراطوريات بطبيعة تكوينها سريعة الانحلال، وإن الذين يرثونها تعوزهم جهود الذين ينشئونها، وذلك في الوقت الذي تهب فيه الشعوب الخاضعة لسلطانها وتستجمع قواها لتناضل في سبيل ما فقدته من حريتها. كذلك ليس من طبيعة الأشياء أن تبقي الأمم التي تختلف لغاتها وأديانها وأخلاقها وتقاليدها متحدة متماسكة زمناً طويلاً. ذلك أن هذه الوحدة لا تقوم على أساس متماسك يحفظها من التصدع، ولا بد من الالتجاء إلى القوة مرة بعد مرة للاحتفاظ بهذه الرابطة المصطنعة. ولم يعمل الفرس في عهد إمبراطوريتهم التي دامت مائتي عام شيئاَ يخفف ما بين الشعوب الخاضعة لحكمهم من تباين، أو يضعف من أثر القوى الطاردة التي تعمل على تفكيك دولتهم، بل قنعت هذه الإمبراطورية بأن تحكم خليطاً من الأمم، ولم تفكر في يوم من الأيام في أن تنشئ منها دولة حقيقية. لذلك أخذ الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية يزداد صعوبة عاماً بعد عام، وكلما تراخى عزم الأباطرة قويت أطماع الولاة وزادوا جرأة، وأخذوا يرهبون أو يبتاعون بالمال قواد الجيش وأمناء الإمبراطور الذين أرسلوا إلى الولايات ليشتركوا مع الولاة في الحكم ويحدوا من سلطانهم. ثم أخذ الولاة يقودون مواردهم كما يحلو لهم، ويأتمرون بالملك المرة بعد المرة. وأوهنت الثورات والحروب المتكررة حيوية فارس الصغيرة، ذلك أن الحروب قد قضت على زهرة شبابها القوى حتى لم يبق من
стр. 639
أبنائها إلا كل حذر محتاط. فلما أن جند هؤلاء لمواجهة الإسكندر تبين أنهم لا يكاد يوجد فيهم إلا كل منخوب القلب جبان. ولم يكن شئ من التحسين قد أدخل على تدريب الجنود أو على عتادهم الحربي، ولم يكن قوادهم على علم بما يستجد من فنون القتال. فلما دارت رحى الحرب ارتكب هؤلاء القواد أشنع الأغلاط، وكانت عساكرهم المختلة النظام، والتي كان معظمها مسلحاً بالسهام، أهدافاً صالحة لرماح المقدونيين الطويلة وفيالقهم المتراصة (١٤٢). لقد كان الإسكندر يلهو ويعبث، ولكنه لم يكن يفعل ذلك إلا بعد أن يتم له النصر، أما قواد الفرس فقد جاءوا معهم بسراريهم، ولم يكن منهم من هو راغب في القتال، ولم يكن في الجيش الفارسي جنود جديرون بهذا الاسم إلا مرتزقة اليونان.
ولقد تبين منذ اليوم الذي فر فيه خشيارشاي بعد هزيمته في سلاميس أن اليونان سيتحدون الدولة الفارسية في يوم من الأيام. ذلك أن فارس كانت تسيطر على أحد طرفي الطريق التجاري العظيم الذي يربط غرب آسية بالبحر الأبيض المتوسط، وأن بلاد اليونان تسيطر على طرفه الثاني، وكان ما ركب من طباع الناس من أقدم الأزمنة من طمع وحرص على الكسب مما يجعل هذه الحال مثارا للحرب بين الأمتين، ولم يكن اليونان ينتظرون لبدء الهجوم إلا أن يقوم بينهم سيد منهم يضم شتاتهم ويؤلف بين قلوبهم.
واجتاز الإسكندر مضيق الدردنيل دون أن يلقى مقاومة، ومعه قوة من رجاله، خالها الآسيويون ضئيلة، إذ كانت مؤلفة من ثلاثين ألفاً من المشاة وخمسة آلاف من الفرسان (١). وحاول جيش فارسي مؤلف من أربعين ألف مقاتل أن يصد جيش الإسكندر عند نهر غرانيقوس، فخسر الفرس في الواقعة عشرين ألف مقاتل، ولم يخسر الجيش اليوناني إلا ١١٥ رجلاً (١٤٤). واتجه
стр. 640
الإسكندر جنوباً وشرقاً، يخضع بعض المدائن، ويستسلم له البعض الآخر؛ ودام على ذلك عاماً كاملاً. وجمع دارا الثالث في هذه الأثناء خليطاً من ٠٠٠ ر ٦٠٠ رجل بين جندي ومغامر. وتطلَّب عبورهم نهر الفرات على جسر من القوارب خمسة أيام، كما تطلَّب حمل أموال الملك ستمائة بغل وثلاثمائة جمل (١٤٥). ولما تقابل الجيشان عند أسوس، لم يكن مع الإسكندر إلا ثلاثون ألفاً من رجاله، ولكن دارا كان يتصف بكل ما تتطلبه تصاريف الأقدار من غباء، فاختار للقتال ميداناً لا يتسع إلا لجزء صغير من جيشه أن يقاتل اليونان على حين يبقى سائره معطلاً. فلما انتهت المجزرة وجد أن اليونان قد خسروا نحو ٤٥٠ رجلاً، وخسر الفرس ٠٠٠ ر ١١٠ رجل، قتل معظمهم وهم يفرون مذعورين. وطارد الإسكندر الجيوش المهزومة مطاردة طائشة عبر في أثنائها مجرى مائياً على جسر من جثث الفرس (١٤٦). وفر دارا من الميدان فرار الأنذال، وترك فيه أمه وزوجة من أزواجه وابنتين وعربة وخيمة مترفة. وعامل الإسكندر السيدات الفارسيات بشهامة أدهشت مؤرخين اليونان، واكتفى بأن تزوج إحدى ابنتي دارا. وإذا جاز لنا أن نصدق ما قاله كونتس كورتيس، فإن أم دارا أحبت الإسكندر حباً لم تر معه بدَّا من أن تقضي على حياتها بالامتناع عن الطعام حين علمت بوفاته (١٤٧).
وواصل الشاب الفاتح بعدئذ سيره في بطئ، يخيل إلى الإنسان أنه بطئ المستهتر، يريد أن يبسط سلطانه على غرب آسية بأجمعه. غير أن بطأه هذا لم يكن إلا ناشئاً من رغبته في ألا يتقدم قبل أن ينظم فتوحه، ويؤمن مواصلاته. وخرج سكان مدينة بابل على بكرة أبيهم، كما خرج أهل بيت المقدس من قبل، للترحيب به، وقدموا له مدينتهم وما فيها من ذهب؛ فتقبل منهم ما عرضوه في لطف وبشاشة، وسرّهم بأن أمر بإصلاح هياكلهم التي هدمها خشيارشاي من قبل دون تدبر وروية. وأرسل إليه دارا يعرض عليه الصلح، وكان مما عرضه أن يقدم للإسكندر
стр. 641
عشرة آلاف تالنت من الذهب (١)، إذا رد إليه أمه وزوجته وابنتيه، وأن يزوجه ابنته، وأن يعترف له بالسيادة على جميع بلاد آسية الواقعة في غرب الفرات، وأنه لا يطلب إليه في نظير هذا كله إلا أن يأمر الإسكندر بوقف القتال وأن يتخذه صديقاً له. وقال بارمنيو القائد الثاني لجيوش اليونان أنه لو كان الإسكندر لقبل هذه العروض الطيبة مسروراً بشرفه من شر هزيمة قد تكون ساحقة. فما كان جواب الإسكندر إلا أنه لو كان هو برمنيو لقبل هذه العروض، أما وهو الإسكندر فقد رد على دارا بأن عروضه لا معنى لها، لأنه (أي الإسكندر) يمتلك بالفعل ما يعرضه عليه من بلاد آسية، ولأن في وسعه أن يتزوج ابنة الإمبراطور متى شاء. ووجد دارا أن لا أمل له في عقد الصلح مع هذا المنطق المستهتر، فوجّه همه على كره منه لجمع جيش آخر أكبر من جيشه الأول.
وكان الإسكندر في أثناء ذلك قد استولى على صور، وضم مصر إلى أملاكه، ثم اخترق إمبراطوريته العظيمة متجهاً نحو حواضرها النائية. وبعد مسيرة عشرين يوماً بعد بابل وصل جيشه إلى مدينة السوس، واستولى عليها دون أن يلقى مقاومة، ثم تقدم إلى برسبوليس بسرعة لم تمكن حراس الخزائن الملكية من إخفاء ما فيها من أموال. وفيها أتى الإسكندر عملاً يعد وصمة عار في حياته الحافلة بجلائل الأعمال، وأتاه رغم نصيحة برمنيو ليكسب بذلك- كما يقول مؤرخوه- رضاء تييس إحدى سراريه (٢). ذلك أنه أحرق قصور برسبوليس عن آخرها، وأباح لجنوده نهب المدينة. فلما أن رفع روح جنوده المعنوية بما أباح لهم من السلب، وبما أغدقه عليهم من العطايا، اتجه نحو الشمال ليلقى دارا لآخر مرة.
وكان دارا قد جمع من الولايات الفارسية- وخاصة من ولاياته الشرقية-
стр. 642
جيشاً جديداً عدته ألف ألف مقاتل (١٤٨) - يتألف من فرس، وميديين، وبابليين، وسوريين، وأرمن، وكبادوشيين، وبلخيين، وأرخزيان، وساكى، وهنود. ولم يسلحهم بالقسى والسهام، بل جهزهم بالحراب، والرماح والدروع، وأركبهم الخيل والفيلة والعربات ذات الدواليب التي ركبت فيها المناجل لكي يحصد بها أعدائه حصد الحنطة في الحقول.
حشدت آسية العجوز هذه القوة الهائلة لتحاول بها مرة أخرى أن تدفع عن نفسها أوربا الناهضة الفتية. والتقى الإسكندر ومعه سبعة آلاف من الفرسان، وأربعون ألفا من المشاة بهذا الخليط المختل النظام غير المتجانس، ودارت رحى القتال عند كواكميلا (١). واستطاع بتفوق أسلحته وحسن قيادته وشجاعته أن يبدد شمله في يوم واحد- واختار دارا مرة أخرى أن يفر من الميدان، ولكن قواده ساءهم هذا الفرار المزري للمرة الثانية، فقتلوه غيلة في خيمته. وأعدم الإسكندر من استطاع أن يقبض عليهم من قاتليه، وأرسل جثة دارا مكرمة إلى برسبوليس في موكب حافل، وأمر أن تدفن كما تدفن أجسام الملوك الأكمينيين وسرعان ما انضوى الشعب الفارسي تحت راية الإسكندر إعجابا منه بكرم أخلاقه ونضرة شبابه. ونظم شئون فارس وجعلها ولاية من ولايات الدولة المقدونية، وترك فيها حامية قوية لحراستها، ثم واصل زحفه إلى الهند.
الباب الرابع عشر
آساس الهند
الفصل الأول
مكان المسرحية
إعادة كشف الهند - نظرة عجلى إلى الخريطة - المؤتمرات المناخية
ليس ثمة ما يجلل طلب العلم في عصرنا بعارٍ أكثر من حداثة معرفته بالهند ونقص هذه المعرفة، فهاهنا شبه جزيرة فسيحة الأرجاء يبلغ اتساعها ما يقرب من مليوني ميل مربع، فهي ثلثا الولايات المتحدة في مساحتها، وهي أكبر من بريطانيا العظمى- صاحبة السيادة عليها (١) - عشرين مرة، ويسكنها ثلاثمائة وعشرون مليوناً من الأنفس، وهو عدد أكبر من سكان أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية مجتمعتين، أو هو خُمسُ سكان الأرض جميعاً، وفيها اتصال عجيب في مراحل تطورها وفي مدنيتها من "موهنجو- دارو"، سنة ٢٩٠٠ ق. م أو قبل ذلك، إلى غاندي ورامان وطاغور، ولها من العقائد الدينية ما يمثل كل مراحل العقيدة من الوثنية البربرية إلى أدق عقيدة في وحدة الوجود وأكثرها روحانية، ولها من الفلاسفة من عزفوا مئات الأنغام على وتر التوحيد بادئين من أسفار "اليوبانشاد" في القرن الثامن قبل الميلاد، إلى شانكارا في القرن الثامن بعد الميلاد، ومنها من العلماء الذين تقدموا بالفلك منذ ثلاثة آلاف عام والذين ظفروا بجوائز "نوبل" في عصرنا هذا، ويسودها دستور ديمقراطي لا نستطيع أن نتعقبه إلى أصوله الأولى في القرى، كما سادها في العواصم حكام حكماء خيّرون مثل "أشوكا" و "أكبر" وأنشد لها من الشعراء من تغنى لهم بملاحم عظمى تكاد تعادل هومر في قدم العهد، ومن
стр. 645
يستوقف أسماع العالم اليوم، ولها من رجال الفن من شيدوا لها المعابد الجبارة لآلهة الهندوس، تراها منتشرة من التبت إلى سيلان؛ ومن كامبوديا إلى جاوة، أو مَن زخرفوا القصور الرائعة بالعشرات لملوك المغول وملكاتهم- تلك هي الهند التي يفتح لنا أبوابها البحثُ العلمي الدءوب، كأنها قارة عقلية جديدة يفتتحها البحث العلمي أمام العقل الغربي الذي كان بالأمس يظن أن المدنية نتاج أوربي خالص لا يشاركها فيه بلد آخر (١).
стр. 646
إن مسرح التاريخ مثلّث كبير تضيق جوانبه تدريجياً من ثلوج الهملايا الدائمة إلى حرارة سيلان التي لم تبرد منذ الأزل، وفي ركن من جهة اليسار تقع فارس التي تشبه الهند الفيدية شبهاً قوياً في أهلها ولغتها وآلهتها، فإذا ما تتبعت الحدود الشمالية متجهاً نحو الشرق، وقعت على أفغانستان، حيث ترى "قندهار"، وهي "جاندهار" قديماً، وفيها التقى النحت اليوناني الهندوسي (١) حيناً ثم افترقا بحيث لا يلتقيان إلى الأبد، وإلى الشمال ترى "كابل" التي أغار منها المسلمون والمغول تلك الإغارات الدموية التي مكنتهم من الهند مدى ألف عام؛ فإذا توغلْت في حدود الهند مسيرة يوم قصير وأنت راكب من "كابل" وصلت "بشاور" التي لا تزال على العهد القديم الذي ألفناه في أهل الشمال؛ وأعني به الميل إلى غزو الجنوب، والْحَظْ كم تقرب الروسيا من الهند عند جبال البامير وممرات هندوكوش، فها هنا سترى كثيراً من المشكلات السياسية يثور؛ وإلى الطرف الشمالي من الهند مباشرة يقع إقليم "كشمير" الذي يدل اسمه نفسه على مجلد تليد ظفرت به صناعات النسيج في الهند وجنوبيها يقع البنجاب، ومعناها (أرض الأنهار الخمسة) بمدينتيه العظيمتين "لاهور" و "شِمْلا" عاصمة الصيف عند سطح الهملايا، ومعناها (بيت الثلج).
ويجري نهر السند خلال الجزء الغربي من بنجاب، وهو نهر جبار طوله
стр. 647
ألف ميل، واسمه مشتق من اللفظة الإقليمية التي معناها "نهر" (وهي سندو)، وقد حورها الفرس إلى كلمة "هندو" ثم أطلقوها على الهند الشمالية كلها في كلمتهم "هندوستان" (أي بلاد الأنهار)، ومن هذه الكلمة الفارسية "هندو" نحت الإغريق الغزاة كلمة "الهند" وهي التي بقيت لنا إلى اليوم.
وينبع من البنجاب نهرا جمنة والكنج، اللذان يجريان في خطوٍ وتيد، إلى الجنوب الشرقي، أما "جمنة" فيروي العاصمة الجديدة "دلهي" ويعكس على صفحته "تاج محل" عند "أجرا"، وأما نهر الكنج فيزداد اتساعاً كلما سار نحو "المدينة المقدسة" بنارس، ويطَّهر بمائه مائة ألف عابد من عُبَّاده كل يوم، ويخصب بمصباته الاثنى عشر إقليم البنغال والعاصمة البريطانية القديمة كلكتا؛ فإذا ما ازددت إيغالاً في مسيرك ناحية الشرق، ألفيت "بورما" بمعابدها الذهبية في رانجون وطريقها المشرق بشمسه إلى مندلاي، وعد من مندلاي عابراً الهند إلى مطارها الشرقي في كراتشي. تجدك قد قطعت في الهواء طريقاً يكاد يقرب من المسافة التي تقطعها بالطائرة من نيويورك إلى لوس أنجلوس، وإذ أنت في طائرتك عائداً، سترى جنوبي السند إقليم راجبوتانا، وهو الإقليم الذي شهد مدن راجبوت المعروفة ببطولتها، والمشهورة على الدهر، وهي "جواليور" و "شيتور" و "جابور" و "آجمر" و "أورايبور"، وإلى الجنوب والغرب ترى "مكان الرئاسة" أو إقليم بمباي، الذي تموج مدائنه بأهليها: سورات، احمد أباد، بمباي، بونا، وإلى الجنوب والشرق تقع دويلتان متقدمتان يحكمهما حكام وطنيون، وهما حيدر أباد وميسور، بعاصمتيهما الرائعتين المسماتين بهذين الاسمين؛ وعلى الساحل الغربي تقع "جوا"، وعلى الساحل الشرقي تقع "بندشيري"، حيث ترك الغزاة البريطانيون للبرتغاليين وللفرنسيين- على هذا التوالي- بضعة أميال مربعة على سبيل التعويض، وعلى امتداد خليج البنغال تمتد "رئاسة مِدْرَاسْ" بمدينتها مِدْرَاسْ المعروفة بدقة الحكم فيها، مركزاً لها، وبمعابدها الفخمة في اكتئاب عند "نانجور" و "ترتشيفوبولي" و "مادورا" و "رامشفارام" تزين حدودها
стр. 648
الجنوبية، ثم يأتي "جسر آدم"- وهو خط من الجزائر الغائصة في الماء- يأتي بعدئذ فيشير لنا داعياً أن نعبر عليه المضيق إلى سيلان حيث ازدهرت المدينة منذ ستة عشر قرناً، وكل هذه الأرجاء لا تزيد عن جزء صغير من الهند.
فلا ينبغي إذن أن ننظر إليها نظرتنا إلى أمة واحدة مثل مصر أو بابل أو إنجلترا، بل لابد من اعتبارها قارة بأسرها فيها من كثرة السكان واختلاف اللغات ما في القارة الأوربية، وتكاد تشبه القارة الأوربية كذلك في اختلاف أجوائها وآدابها وفلسفاتها وفنونها؛ فالجزء الشمالي منها يتعرض للرياح الباردة التي تهب عليه من الهملايا، كما يتعرض للضباب الذي يتكون حين تلتقي هذه الرياح الباردة بشمس الجنوب؛ وفي البنجاب تكونت بفعل الأنهار سهول خصيبة عظيمة لا يدانيها في خصوبتها بلد آخر (٤)، لكنك إذا ما توجهت جنوبي وديان تلك الأنهار، وجدت الشمس تحكم حكم المستبد الذي لا يقف استبداده شيء، ولهذا جفت السهول وتعرّت، وتحتاج في زراعتها لكي تثمر، لا إلى مجرد الفلاحة، بل تحتاج من الجهود الشاقة إلى ما يكاد يدنو من العبودية المميتة (٥) ولذلك لا يقيم الإنجليز في الهند أكثر من خمس سنوات في المرة الواحدة،، فإذا رأيت مائة ألف إنجليزي يحكمون من الهنود عدداً يكبر عددهم ثلاثة آلاف مرة فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم لم يقيموا هناك مدة تكفي لصبغهم بصبغة الإقليم.
وتنتشر في أرجاء البلاد هنا وهناك غابات بدائية لم تزل باقية تكوّن خُمْس البلاد، ترتع فيها النمور والفهود والذئاب والثعابين، وفي الثلث الجنوبي من الهند يقع إقليم "دِكن" (١) حيث تزداد حرارة الشمس جفافاً إلا إذا لطفتها نسائم تهب عليها من البحر، لكن الحرارة هي العنصر الرئيسي السائد من
стр. 649
دلهي إلى سيلان، تلك الحرارة التي أضعفت الأبدان، وقصرت الشباب، وأنتجت للناس هناك ديانتهم وفلسفتهم المسالمتين، فليس يخفف عنك هذه الحرارة إلا أن تجلس ساكناً، لا تعمل شيئاً، ولا ترغب في شيء، أو قد تأتي أشهر الصيف فتأتي رياحها الموسمية برطوبة منعشة ومطر مخصب من البحر، فإذا امتنعت الرياح الموسمية عن هبوبها، تضورت الهند بالجوع، وطافت بها أحلام النرفانا.
стр. 650
الفصل الثاني
أقدم المدنيات
الهند قبل التاريخ - موهنجو دارو - عصرها القديم
في العهد الذي كان المؤرخون فيه يفترضون أن التاريخ قد بدأ سَيْره باليونان، آمنت أوربا إيماناً اغتبطت له، بأن الهند قد كانت مباءة وحشية حتى هاجر إليها "الآريون" أبناء أعمام الأوربيين، هاجروا من شُطئان بحر قزوين ليحملوا معهم الفنون والعلوم إلى شبه جزيرة وحشية يكتنفها ظلام الليل، لكن الأبحاث الحديثة قد أفسدت هذه الصورة الممتعة- كما ستغير أبحاث المستقبل من الصورة التي نرسمها على هذه الصفحات، ففي الهند- كما سائر أقطار الأرض- بدايات المدنية دفينة تحت الثرى، ويستحيل على فؤوس البحث الأثري كلها أن تستخرجها جميعاً، فبقايا العصر الحجري القديم تملأ خزانات كثيرة في متاحف كلكتا ومِدْرَاسْ وبمباي، كما وجدت أشياء من العصر الحجري الحديث في كل دولة تقريباً (٦)، ومع ذلك فقد كانت هذه ثقافات لم تصبح بعد مدنية.
وفي سنة ١٩٢٤ م ارتجت دنيا العلم الجديد مرة أخري بأنباء جاءتها من الهند، إذ أعلن "سير جون مارشال" أن أعوانه الهنود- وبصفة خاصة "ر. د. بانرجي"- قد اكتشفوا عند "موهنجو- دارو" على الضفة الغربية من السند الأدنى- آثاراً من مدنية يبدو أنها أقدم عهداً من أية مدنية أخري يعرفها المؤرخون، فهنالك - كما في "هارابا" على بعد بضع مئات من الأميال ناحية الشمال- أزيلت طبقة من الأرض عن أربع مدن أو خمس بعضها فوق بعض طبقات، فيها مئات من المنازل والدكاكين بنيت بالآجر بناء متيناً، واصطفت على امتداد طرق واسعة حيناً وحارات ضيقة حيناً آخر،
стр. 651
وترتفع حالات كثيرة عدة طبقات، ولنترك "سير جون" يحدثنا عن تقديره لعمر هذه الآثار.
"تؤيد هذه الكشوف قيام حياة مدنية بالغة الرقي، في السند (وهو إقليم في "رئاسة بمباي" يقع في أعلى الشمال) والبنجاب خلال الألف الرابعة والثالثة من السنين قبل الميلاد، ووجود آبار وحمامات ونظام دقيق للصرف في كثير من هذه المنازل، يدل على حالة اجتماعية في حياة أهل تلك المدن تساوي على الأقل ما وجدناه في "سومر"، وتفوق ما كان سائداً في العصر نفسه في بابل ومصر .. وحتى "أور" لا تضارع بمنازلها من حيث البناء، منازل موهنجو- دارو" (٧).
وبين الموجودات في هذه الأماكن آنية منزلية وأدوات للزينة، وخزف مطلي وبغير طلاء، صاغه الإنسان بيده في بعض الحالات وبالعجلة في بعضها الآخر، وتماثيل من الخزف، وزهْر اللعب وشطرنج، ونقود أقدم من أي نقود وجدناها من قبل، وأكثر من ألف ختم معظمها محفور ومكتوب بكتابة تصويرية نجهلها، وخزف مزخرف من الطراز الأول، وحفر على الحجر أجود مما وجدناه في سومر (٨) وأسلحة وأدوات من النحاس، ونموذج نحاسي لعربة ذات عجلتين (وهي من أقدم ما لدينا من أمثلة للعربة ذات العجلات) وأساور وأقراط وعقود وغيرها من الحلي المصنوع من الذهب والفضة صناعة- كما يقول مارشال- "بلغت من دقة الإتقان ومهارة الصقل حداً يجعلها صالحة للعرض عند صائغ في شارع بُند (شارع في لندن مشهور بجودة معروضاته) في يومنا هذا، فذلك أقرب إلى المعقول من أن تستخرج من منزل مما قبل التاريخ يرجع إلى سنة ٥٠٠٠ ق. م" (٩).
ومن العجيب أن الطبقات الدنيا من هذه الآثار أرفع في فنونها من الطبقات العليا- كأنما أقدم هذه الآثار عهداً يرجع إلى مدنية أقدم من مدنية زميلتها في الطبقات العليا بمئات السنين، وقد يكون بآلافها وبعض الآلات هناك
стр. 652
مصنوع من الحجر، وبعضها من النحاس، وبعضها من البرونز، مما قد يدل على أن هذه الثقافة السندية قد نشأت في مرحلة انتقال بين عصر الحجر، وعصر البرونز من حيث المادة التي تصنع منها الآلات (١٠).
وتنهض الدلائل على أن "موهنجو- دارو" كانت في ذروتها حين شيد خوفو الهرم الأكبر، وعلى أنها كانت تتصل مع سومر وبابل (١) بصلات تجارية ودينية وفنية، وأنها ظلت قائمة أكثر من ثلاثة آلاف عام، حتى كان القرن الثالث قبل الميلاد (٢)، ولسنا نستطيع الجزم برأي فيما إذا كانت
стр. 653
"موهنجو- دارو" تمثل أقدم ما كشف عنه الإنسان من مدنيات، كما يعتقد "مارشال"، لكن إخراج ما تكنه الهند في جوفها قد بدأ أمس القريب، فالبحث الأثري لم ينتقل من مصر عبر الجزيرة إلى الهند، إلا في حياتنا، فلما ننكت تربة الهند كما فعلنا بتربة مصر، فربما نجد هناك مدنية أقدم من المدنية التي ازدهرت من غرين النيل (١).
стр. 654
الفصل الثالث
الهنود الآريون
السكان الأصليون - الغزاة - المجتمع
القروي - نظام الطبقات -المحاربون -
الكهنة - التجار - الصناع - المنبوذون
على الرغم مما تدل عليه آثار السند وميسور من اتصال في تسلسل التاريخ، فإنا نشعر بأن بين ازدهار "موهنجو - دارو" وبين دخول الآريين، فجوة في علمنا، أو ربما كان الأقرب إلى الصواب هو أن علمنا بالماضي فجوة شاءتها المصادفة في جهلنا، وتشتمل آثار السند على خاتم عجيب يتألف من رأسين من رؤوس الثعابين، وهو الرمز المميز لأقدم سكان الهند ممن عرف التاريخ - هؤلاء هم "الناجا" الذين كانوا يعبدون الثعبان، والذين وجدهم الآريون الغزاة قابضين على المناطق الشمالية، والذين لا تزال سلالتهم متلكئة على قيد الحياة في التلال البعيدة (٢٠)، فإذا توغلت ناحية الجنوب، وجدت الأرض التي كان يسكنها عندئذ قوم سود البشرة فطس الأنوف، ويسمون "بالدرافيديين"- ولا نعلم أصل الكلمة - وقد كانوا على شيء من المدنية حين هبط عليهم الآريون، وبحارتهم المغامرون شقوا البحار حتى بلغوا سومر وبابل، وعرفت مدائنهم كثيراً من رقة العيش وأسباب الترف (٢١)، فيجوز أن الآريين قد استمدوا من هؤلاء الناس نظام الجماعة القروية وملكية الأرض والضرائب (٢٢) ولا يزال "الدكن" إلى يومنا هذا مسكناً رئيسيأ للدرافيديين ومركزاً لعاداتهم ولغتهم وأدبهم وفنونهم.
ولم تكن غزوة الآريين لهذه القبائل المزدهرة، وانتصارهم عليها، إلا حلقة
стр. 655
من سلسلة متصلة من الغزوات كانت تقع على فترات منتظمة بين الشمال والجنوب، فينقض الشمال انقضاضاً عنيفاً على الجنوب المستقر الآمن، وقد كان ذلك مجرى من المجاري الرئيسية التي سارت فيها حوادث التاريخ، إذ أخذت المدنيات تعلو على سطحه وتهبط كأنها أدوار الفيضان يعلو عصراً بعد عصر، فالآريون قد هبطوا على الدرافيديين، والآخيّون والدوريّون قد هبطوا على الكريتيِّين والإيجيِّين، والجرمان قد هبطوا على الرومان، واللمبارديون قد هبطوا على الإيطاليين، والإنجليز قد هبطوا على العالم بأسره، وسيظل الشمال إلى الأبد يمد العالم بالحاكمين والمقاتلين، والجنوب يمده بالفنانين والقديسين، فالجنة إنما يرثها الجبناء.
فمن هؤلاء الآريون الذين كانوا يضربون في الأرض؟ أما هم أنفسهم فقد استعملوا كلمة "آري" ليعنوا بها "الأشراف" (في السنسكريتية آرياً معناها شريف)، لكن ربما كان هذا الاشتقاق المبنى على النزعة الوطنية أحد الأفكار البَعْدِيَّة التي تُلقي شعاعاً من التهكم المر على علم اللغات (١)، ومن المرجح جداً أن يكونوا قد جاءوا من تلك المنطقة القزوينية التي كان بنو أعمامهم من الفرس يسمونها "إيريانا فيجو" ومعناها "الوطن الآري" (٢)، وفي نفس
стр. 656
الوقت تقريباً الذي كان الكاسيّون الآريون يكتسحون فيه بابل، كان الآريون الفيديون قد أخذوا يدخلون الهند.
وكان هؤلاء الآريون أقرب إلى المهاجرين منهم إلى الفاتحين، شأنهم في ذلك شأن الجرمان في غزوهم لإيطاليا، لكنهم جاءوا ومعهم أجسام قوية، وشهيّة عارمة للطعام والشراب، ووحشية لا تتردد في الهجوم، ومهارة وشجاعة في الحروب، سرعان ما أدت بهم هذه الخصال كلها إلى السيادة على الهند الشمالية، وكانوا يحاربون بالقسىّ والسهام، يقودهم مقاتلون مدرعون في عربات حربية، أدواتهم في القتال هي الفؤوس إن كانوا على مقربة من العدو، والحراب يقذفون بها إن كانوا على مبعدة منه، وكانوا من الأخلاق البدائية على درجة لا تسمح بالنفاق، ولذلك أخضعوا الهند دون أن يدّعوا أنهم يرفعون مستواها، وكل ما في الأمر أرادوا أرضاً ومرعى لماشيتهم، ولم يحيطوا حروبهم بدعوى الشرف القومي، لكنهم قصدوا بالحرب صراحة إلى "رغبة في مزيد من الأبقار" (٢٦)، وجعلوا خطوة فخطوة يزحفون شرقاً على امتداد نهري السند والكنج، حتى خضعت الهندوستان (١) كلها لسلطانهم.
ولما تحولوا من الحرب المسلحة إلى زراعة الأرض واستقرارها طفقت قبائلهم بالتدريج تأتلف لتِكوّن دويلات، كل منها يحكمها ملك يقيده مجلس من المقاتلين، وكل قبيلة يقودها "راجا" أو رئيس يحدد قوته مجلس قبلي، وكل قبيلة تتألف من جماعات قروية مستقل بعضها عن بعض استقلالاً نسبياً، ويحكم الجماعة القروية مجلس من رؤوس العائلات، ويروى عن بوذا أنه قال في سؤاله لمن كان له بمثابة القديس يوحنا: "هل سمعت يا "أناندا" أن الفاجيين يجتمعون عادة ليتشاوروا الأمر قبل الحسم فيه، وأنهم يرتادون الاجتماعات العامة التي تعقدها قبائلهم؟ … فما دام الفاجيون يا "أناندا"
стр. 657
يجتمعون هكذا عادة، ويرتادون الاجتماعات العامة التي تعقدها قبائلهم، فتوقع منهم ألا يصيبهم انحلال، بل يصيبهم النجاح" (٢٧).
والآريون - كسائر الشعوب - كانت لهم قواعد الزواج في حدود العشيرة وخارج حدودها معاً، بمعنى أن يحرم الزواج خارج حدود جنسهم، كما يحرم داخل حدود الأقرباء الأقربين، ومن هذه القواعد استمد الهندوس أميز ما يميزهم من أنظمة اجتماعية، وذلك أن الآريين عندما رأوا أنفسهم قلة عددية بالنسبة إلى من أخضعوهم ومن يعدُّونهم أحط منهم منزلة، أيقنوا أنهم بغير تقييد التزاوج بينهم وبين هؤلاء، فسرعان ما تضيع ذاتيتهم العنصرية، بحيث لا يمضي قرن واحد أو قرنان من الزمان حتى تهضمهم الأغلبية في ثناياها وتمتصهم في جسمها امتصاصاً، وإذن فقد كان أول تقسيم للطبقات قائماً على أساس اللون لا على أساس الحالة الاجتماعية، فتفرّق الناس فريقين: فريق الأنوف الطويلة وفريق الأنوف العريضة، وبذلك ميزوا بين الآريين من جهة، و "الناجا" و "الدرافيديين" من جهة أخري، ولم تكن التفرقة عندئذ أكثر من تنظيم الزواج بحيث يحرم خارج حدود الجماعة (٢٨)؛ وكاد نظام الطبقات ألا يكون له وجود في العهد الفيدي (٢٩) بهذه الصورة التي اتخذها فيما بعد، حيث أسرف في تقسيم الناس على أساس الوراثة وعلى أساس العنصر وعلى أساس العمل الذي يزاولونه، أما بين الآريين أنفسهم فقد كان الزواج حراً من القيود (ما عدا ذوي القربى الأقربين)، ولم تكن المنزلة الاجتماعية تورث مع الولادة.
فلما انتقلت الهند الفيدية (٢٠٠٠ - ١٠٠٠ ق. م) إلى عصر "البطولة" (١٠٠٠ - ٥٠٠ ق. م)، أو بعبارة أخري لما انتقلت الهند من ظروف حياتها كما صوّرتها أسفار الفيدا، إلى حياة جديدة ترى وصفها في "الماها بهارتا" و "رامايانا"، أصبحت أعمال الناس مقسمة بينهم بالنسبة إلى طبقاتهم الاجتماعية، بحيث يرث الولد عمل طبقته، وتحددت الفوارق بين
стр. 658
الطبقات في وضوح وجلاء، ففي القمة كان "الكشاتريّة" أو المقاتلون الذين عدوها خطيئة من الخطايا أن يموت الرجل منهم في مخدعه (٣٠)، حتى المحافل الدينية في الأيام الأولى كان يؤديها الرؤساء أو الملوك على نحو ما كان يقوم قيصر بدور كبير الكهنة، وكان البراهمة، أي الكهنة، لا يزيدون عندئذ عن مجرد شهود في الاحتفال بتقديم القرابين (٣١)، ففي "رامايانا" ترى رجلاً من طبقة "الكشاترية" يحتج احتجاجاً حنقاً على زواج "عروس شماء الأنف فريدة" من عنصر المقاتلين "من كاهن براهمي ثرثار" (٣٢)، وفي الأسفار "الجانتية" ترى زعامة "الكشاترية" أمراً مسلماً به، بل يذهب الأدب البوذي إلى حد أبعد، فيسمى "البراهمة": "من أصل وضيع" (٣٣). وهكذا ترى الأشياء يصيبها التغير حتى في الهند.
لكن ما حَلَّتْ السلم محل الحرب، وبالتالي ازدادت الديانة أهمية اجتماعية وتعقداً في الطقوس، لأنها أصبحت عندئذ عوناُ إلى حد كبير للزراعة، تقيها شر الكوارث الجوية التي لا يمكن أعداد العدة لها، فقد تطلبت الديانة وسطاء فنيين بين الناس وآلهتهم؛ ولهذا ازداد البراهمة عدداً وثروة وقوة، فباعتبارهم القائمين على تربية النشء، والرواة لتاريخ أمتهم وآدابها وقوانينها، استطاعوا أن يعيدوا خلق الماضي خلقاً جديداً، وتشكيل المستقبل على صورتهم، بحيث يصبون كل جيل صبّاً يزيد من تقديسه للكهنة، فيبنون بهذا لطبقتهم مكانة ستمكنهم في القرون المقبلة من احتلال المنزلة العليا في المجتمع الهندوسي، وقد بدءوا بالفعل أيام بوذا يَتَحَدَّوْنَ سيادة طبقة "الكشاترية"، وعَدُّوهم طبقة أحط من طبقتهم، على نحو ما كان يعدهم "الكشاترية" من قبل أدنى منهم منزلة (٣٤)، وأحس بوذا أن لكل من وجهتي النظر ما يؤيده، لكن "الكشاترية" مع ذلك لم تخف زعامتها الفكرية بالقياس إلى البراهمة، حتى في عهد بوذا نفسه، بل إن الحركة البوذية نفسها، التي أسسها شريف من
стр. 659
أشراف الكشاترية، نافست البراهمة زعامتهم الدينية على الهند مدى ألف عام.
وتحت هذه الأقليات الحاكمة طبقات في منازل أدنى، فهناك طبقة "الفيزيا" أو التجار والأحرار، الذين كادوا قبل بوذا ألا يكون لهم ما يميزهم طبقة قائمة بذاتها؛ وهناك طبقة "الشودرا" أو الصناع الذين يشملون معظم السكان الأصليين، وأخيراً هناك "البارْيا" أو المنبوذون، وقوامهم قبائل وطنية لم ترتد عن ديانتها مثل قبيلة "شاندالا"، وأسرى الحرب، ورجال تحولوا إلى عبيد على سبيل العقاب (٣٥)، ومن هذه الفئة التي كانت بادئ أمرها جماعة صغيرة لا تنتمي إلى طبقة من الطبقات، تكونت طبقة " المنبوذين" في الهند اليوم وعددها أربعون مليوناً.
стр. 660
الفصل الرابع
المجتمع الآري الهندي
الرعاة - زراع الأرض - الصناع - التجار - العملة
والديون - الأخلاق - الزواج - المرأة
كيف كان هؤلاء الهنود الآريون يعيشون؟ بالحرب والسلب أول الأمر، ثم بالرعي والزراعة والصناعة على نمط ريفي كالذي ساد أوربا في العصور الوسطى لأنه حتى قامت الثورة الصناعية التي تظللنا اليوم، لبثت حياة الإنسان الرئيسية من حيث الاقتصاد والسياسة، على صورة واحدة لا تكاد تتغير في جوهرها منذ العصر الحجري الحديث؛ فكان الآريون الهنود يربون الماشية ويستخدمون البقرة دون أن ينزلوها من أنفسهم منزلة التقديس، ويأكلون اللحم أينما استطاعوا إليه سبيلاً، بعد أن يهبوا جزءاً منه للكهنة أو للآلهة (٣٦)؛ ونعلم أن بوذا بعد أن أوشك على الموت جوعاً بما التزمه في شبابه من تقشف، كاد يودي بحياته بعد أكلة كبيرة من لحم خنزير (٣٧)؛ وكذلك كانوا يزرعون الشعير، لكن يظهر أنهم لم يكونوا يعلمون عن الأرز شيئاً في العهد الفيدي؛ وكانت الحقول تقسمها الجماعة القروية بين عائلاتها، على أن يقوم الكل معاً بريّها، ولم يكن يجوز بيع الأرض لأجنبي عن القرية، ويمكن توريثها لأبناء الأسرة نفسها من نسل الذكور المباشر؛ وكانت الكثرة الغالبة من الناس فلاحين يملكون أرضهم التي يفلحونها، لأن الآريين كانوا يعدونه عاراً أن يعملوا لقاء أجر يتقاضونه؛ ويؤكد لنا العالمون بحياتهم أنه لم يكن بينهم مُلاّك كبار ولا متسولون، ولم يكن بينهم أصحاب الملايين ولا المعدمون (٣٨).
وأما في المدن فقد ازدهرت الصناعات اليدوية على أيدي صناع وناشئين في الصناعة، كل منهم مستقل بذاته؛ ثم انتظمتم قبل ميلاد المسيح بنصف
стр. 661
ألف من السنين، نقابات قوية لصناع المعادن، وصناع الخشب، وصناع الحجر، وصناع الجلود، وصناع العاج، وصناع السلال، وطلاة المنازل والرسامين، والخزافين والصباغين والسماكين والبحارة والصيادين وبائعي جلود الحيوان، والجزارين وبائعي الحلوى والحلاقين والدلالين والزهارين والطهاة- إن مجرد النظر إلى هذه القائمة يبين لك كم كانت الحياة الآرية الهندية مليئة متعددة الجوانب؛ وكانت النقابات تقضي فيما ينشب بين مختلف الطوائف العمالية من أمور، بل كانت تقيم نفسها حكماً يفض النزاع بين الصناع وزوجاتهم؛ وكانت أسعار السلع تحدد-كما نفعل نحن اليوم- لا وفق قانون العرض والطلب، بل على أساس من غفلة الشاري؛ ومع ذلك فقد كان قصر الملك "مثمن" رسمي- يشبه ما لدينا الآن من مكتب لتحديد الأسعار- واجباته أن يخبر السلع المعروضة للبيع، ويملي الشروط على الصناع (٣٩).
وتقدمت بينهم وسائل التجارة والسفر حتى بلغت مرحلة استخدام الجواد والعربة ذات العجلتين، لكنها كانت تعاني من الصعاب ما كانت تعانيه في القرون الوسطى؛ وكانت القوافل تستوقف للضرائب عند كل حد يفصل دويلة عن زميلتها مهما صغرت هذه الدويلات، كما كانت تتعرض لهجمات اللصوص في الطريق عند كل منعطف؛ وكان النقل بالنهر والبحر أكثر من ذلك رقياً؛ فكنت ترى في سنة ٨٦٠ ق. م أو نحوها، سفناً تدفعها أشرعة متواضعة ومئات من المجاديف، في طريقها إلى بلاد الجزيرة وشبه جزيرة العرب ومصر، تحمل إليها منتجات تتسم بطابع الهند مثل العطور والتوابل والقطن والحرير والشيلان والنسيج الموصلي واللؤلؤ والياقوت والأبنوس والأحجار الكريمة ونسيج الحرير الموشى بالفضة والذهب (٤٠).
وكان مما وقف في سبيل التجارة أساليب التبادل العقيمة التي اصطنعها الناس في معاملاتهم- فقد كانت وسيلتهم بادئ الأمر تبادل سلعة بسلعة؛ ثم
стр. 662
استخدموا الماشية عملة نقدية؛ حتى لقد كانت العروس تشترى بالأبقار (٤١)، كهؤلاء اللائي يقول عنهن هومر "عذارى يحملن أبقارا" وبعد ذلك ظهرت عملة نحاسية ثقيلة، لم يكن يضمن قيمتها إلا الأفراد بصفاتهم الشخصية؛ ولم يكن للقوم مصارف، ولذلك كان المال المخزون يُخبأ في المنازل أو يدفن في الأرض أو يوُدع عند صديق؛ ومن هنا تطور نظام للإيداع في عهد بوذا؛ وذلك أن التجار في المدن المختلفة كانوا ييسرون التجارة بأن يعطي كل منهم لزميله خطاباً يعترف فيه بما عليه له؛ وكان في المستطاع أن تستعير من هؤلاء- وهم أشباه أسرة روتشيلد- ديناً بربح مقداره ثمانية عشر في كل مائة (٤٢) وكنت تسمع بين الناس حديثاً كثيراً عما بينهم من عهود مالية؛ وفي ذلك العصر لم تكن العملة النقدية من ثقل الوزن بحيث تثبط المقامرون عن استخدامها في قمارهم، وكان "زهر" القمار قد وطد لنفسه مكانة في المدينة؛ ففي حالات كثيرة كان الملك يعد قاعات للقمار لشعبه، على غرار "موناكو" إن لم تكن على صورتها؛ وكان جزء من المال المكسوب يذهب إلى الخزانة الملكية (٤٣)؛ ولقد يبدو ذلك في أعيننا نظاماً يصم أصحابه بوصمة العار، لأننا لم نعتد أن نرى أنظمة القمار عندنا تمد رجال الحكم بيننا بالمال بطريقة مباشرة.
وكانت أخلاقهم في التجارة رفيعة المستوى؛ ولو أن الملوك في الهند الفيدية- كما كان أقرانهم في اليونان الهومرية- لم يرتفعوا عن اغتصاب الماشية من جيرانهم (٤٤)، لكن المؤرخ اليوناني الذي أرخ لحملات الإسكندر، يصف الهنود بأنهم "يستوقفون النظر باستقامتهم، وأنهم بلغوا من سداد الرأي حداً يجعل التجاءهم إلى القضاء نادراً، كما بلغوا من الأمانة حداً يغنيهم عن الأقفال لأبوابهم وعن العهود المكتوبة تسجيلاً لما اتفقوا عليه، فهم صادقون إلى أبعد الحدود" (٤٥). نعم إن في سفر "رج- فيدا" ذكراً للزواج المحرم وللتضليل وللعهر وللإجهاض وللزنا (٤٦)، كما أن هناك علامات تدل على الانحراف الجنسي الذي يجعل الرجال يتصلون بالرجال (٤٧)، إلا أن الصورة
стр. 663
العامة التي نستمدها من أسفار الفيدا ومن الملاحم، تدل على مستوى رفيع في العلاقات بين الجنسين وفي حياة الأسرة.
كان الزواج يتم باغتصاب العروس من أهلها أو بشرائها أو بالاتفاق المتبادل بين العروسين، لكن هذا النوع الأخير كان ينظر إليه بعين النقد إلى حد ما، فقد ظن نساؤهم أنه أشرف لهن أن يشترين وأن تدفع فيهن الأثمان، وأنه مما يزيد قدر المرأة أن يسرقها الزوج من أهلها (٤٨)، وكان تعدد الزوجات جائزاً، ويشجعون عليه بين العلية، لأنه مما يسجل للرجل بالفخر أن يعول زوجات كثيرات وأن ينقل إلى الخلف قوته (٤٩)، وكذلك كان هناك تعدد الأزواج، فقصة "دروبادي" (٥٠) التي تزوجت خمسة إخوة دفعة واحدة تدل على وقوع تعدد الأزواج للزوجة الواحدة -في أيام الملاحم- حيناً بعد حين، وكان الأزواج عادة إخوة، وهي عادة بقيت في جزيرة سيلان حتى سنة ١٨٥٩ م، ولا تزال متلكئة في بعض قرى الجبال في التبت (٥١)، لكن التعدد كان في العادة ميزة يتمتع بها الذكر دون الأنثى، لأنه عند الآريين هو رب الأسرة يحكمها حكماً لا ينازعه في سيادته منازع، فكان له حق امتلاك زوجاته وأبنائه، وله الحق في ظروف معينة أن يبيعهم أو يرمي بهم في عرض الطريق (٥٢).
ومع ذلك فقد تمتعت المرأة بحرية في العصر الفيدي أكثر جداً مما تمتعت به منها في العصور التالية، فقد كان لها حينئذ رأي في اختيار زوجها، أكثر مما قد تدل عليه ظواهر المراسيم في الزواج؛ وكان لها حق الظهور بغير قيود في الحفلات والرقص، وكانت تشارك الرجل في الطقوس الدينية التي تقدم بها القرابين؛ ولها حق الدرس، بل ربما ذهبت في ذلك إلى حد بعيد مثل "جارجي" التي اشتركت في المجادلات الفلسفية (٥٣)، وإذا تركها زوجها أرملة فلم يكن على زواجها من قيود (٥٤)، أما في عصر "البطولة" فيظهر أن المرأة قد فقدت بعض هذه الحرية، فكانوا لا يشجعونها على المضي في الأبحاث العقلية،
стр. 664
على أساس أن "المرأة إذا درست أسفار الفيدا كان ذلك دليلاً على اضطراب المملكة" (٥٥)، وقل زواج المرأة بعد موت زوجها الأول، وبدأت "البردة"- التي تعني عزل المرأة- وزادت بين الناس عادة دفن الزوجة مع زوجها وهي عادة لم تكد تعرفها الأيام الفيدية (٥٦)، وأصبحت المرأة المثالية هي التي جاءت على نموذج بطلة "رامايانا"- وهي "سيتا" الوفية التي تتبع زوجها وتطيعه في خضوع مهما تطلب منها ذلك من ضروب الوفاء والشجاعة، حتى آخر يوم من حياتها.
стр. 665
الفصل الخامس
ديانة أسفار الفيدا
الديانة السابقة للفيدا - آلهة الفيدا - آلهة الأخلاق -
قصة الفيدا عن الخلق- الخلود - التضحية بالجوار
الظاهر أن أقدم ديانة نعرفها عن الهند، تلك الديانة التي وجدها الغزاة الآريون بين " الناجا " والتي لا تزال قائمة في الأجناس البشرية البدائية التي تراها هنا وهناك في ثنايا شبه جزيرة العظيمة، هي عبادة روحانية طموطمية لأرواح كثيرة تسكن الصخور والحيوان والأشجار ومجاري الماء والجبال والنجوم، وكانت الثعابين والأفاعي مقدسات- إذ كانت آلهة تعبد ومثلاً عليا تنشد في قواها الجنسية العارمة، كذلك شجرة "بوذِي" المقدسة في عهد بوذا كانت تمثل تقديسهم لجلال الأشجار الصامت (٥٧)، وهو تقديس صوفي لكنه سليم: وهناك من آلهة الهنود الأولين ما هبط مع الزمن إلى هنود العصور التاريخية، مثل "ناجا" الإله الأفعوان، و "هاتومان" الإله القرد، و "ناندس" الثور المقدس، و "الياكشا" أو الآلهة من الأشجار (٥٨)؛ ولما كان بعض هذه الأرواح طيباً وبعضها خبيثاً، فلا يستطيع حفظ الجسم من دخول الشياطين فيه وتعذيبه في حالات المرض أو الجنون، تلك الشياطين التي تملأ الهواء، إلا مهارة عظيمة في أمور السحر، ومن ثم نشأت مجموعة الرقى في "فيدا أثارفا" أي "سفر الإلمام بالسحر"، فلا بد للإنسان من صيغ سحرية يتلوها إذا أراد الأبناء أو أراد اجتناب الإجهاض، أو إطالة العمر، أو دفع الشر، أو جلب النعاس، أو إيقاع الأذى أو الارتباك بالأعداء (١).
стр. 666
وأقدم آلهة ذكرتها "أسفار الفيدا" هي قوى الطبيعة نفسها وعناصرها: السماء والشمس والأرض والنار والضوء والريح والماء والجنس (٦٢)، فكان ديوس (وهو زيوس عند اليونان، وجوبتر عند الرومان)، أول الأمر هو السماء نفسها، كذلك اللفظة السنسكريتية التي معناها مقدس، كانت في أصلها تعني "اللامع" فقط، ثم أدت هذه النزعة الشعرية التي أباحت لهم أن يخلقوا لأنفسهم كل هذا العدد من الآلهة، إلى تشخيص هذه العناصر الطبيعية، فمثلاً جعلوا السماء أباً، وأسموها "فارونا"؛ وجعلوا الأرض أماً، وأطلقوا عليها اسم "بريثيفي"، وكان النبات هو ثمرة التقائهما بوساطة المطر (٦٣)، وكان المطر هو الإله "بارجانيا"، والنار هي "آجني"، والريح كانت "فايو"، وأما إن كانت الريح مهلكة فهي "رودْرا"، وكانت العاصفة هي "إندرا"، والفجر "أوشاس"، ومجرى المحراث في الحقل كان اسمه "سيتا"، والشمس "سوريا" أو "مترا" أو "فشنو"؛ والنبات المقدس المسمى "سوما"، والذي كان عصيره مقدساً ومسكراً للآلهة والناس معاً، كان هو نفسه إلهاً يقابل في الهند ما كان "ديونيسوس" عند اليونان، فهي الذي يوحي الإنسان- بمادته المنعشة- أن يفعل الإحسان ويهديه إلى الرأي الثاقب، وإلى المرح، بل يخلع على الإنسان حياة الخلود (٦٤).
ولما كانت الأمة كالفرد تبدأ بالشعر وتنتهي بالنثر، فقد تحول كل شئ لمّا أصبحت الأشياء في أعين الناس أشخاصاً، إذ أصبحت صفات الأشياء أشياء قائمة بذاتها، وباتت نعوتها بمثابة الأسماء، والعبارات التي تجري مجرى الحكمة أصبحت آلهة، والشمس التي تهب الحياة انقلبت إلهاً جديداً اسمه "سافيتار واهب الحياة"، وأما ضوءها فإله آخر اسمه "فيفاسفات" أي الإله
стр. 667
الساطع، والشمس التي تولد الحي أصبحت إلها عظيماً هو "براجاباتي" أي رب الأحياء جميعاً (١).
ولبثت النار "وهي الإله أجني" حيناً من الدهر أهم آلهة الفيدا جميعاً، إذ كان هذا الإله هو الشعلة المقدسة التي ترفع القربان إلى السماء، وكان هو البرق الذي يثب في أرجاء الفضاء، وكان للعالم حياته النارية وروحه المشتعلة، غير "أن" إندرا "الذي يتصرف في الرعد والعاصفة كان أشيع الآلهة كلهم ذكراً بين الناس، لأنه هو الذي يجلب للآري الهندي الأمطار النفسية التي بدت له عنصراً جوهرياً يكاد يزيد في أهميته للحياة على الشمس ذاتها، لذا فقد جعلوه أعظم الآلهة مقاماً، يلتسمون معونة رعودة وهم في حومات القتال، وصوروه- بدافع الحسد له- في صورة البطل الجبار الذي يأكل العجول مئات مئات، ويشرب الخمر بحيرات بحيرات (٦٦)، وكان عدوة المحبب إلى نفسه هو "كرشنا" الذي لم يذكر في أسفار الفيدا إلا على أنه إله محلي لقبيلة "كرشنا" إذ لم يكن حينئذ قد تجاوز هذه المرحلة؛ كذلك كان "فشنو" أي الشمس التي تجتاز الأرض بخطواتها الجبارة، إلهاً ثانوياً، كأنما هو لا يدري أن المستقبل له ولـ "كرشنا" الذي يجسده؛ وإذن فمن فوائد أسفار الفيدا لنا أن تعرض علينا الدين وهو في طريق التكوين، فنرى مولده ونموه وموت الآلهة والعقائد، ونرى ذلك بادئين من النزعة الروحانية البدائية حتى نبلغ وحدة الوجود الفلسفية، بادئين بالخرافة في "فيدا أثارفاً" (أي سفر السحر) ومنتهين إلى الوحدانية الجليلة كما ذكرت في أسفار "يوبانشاد".
كان هؤلاء الآلهة بشراً في صورة الجسم وفي الدافع المحرك للعمل، بل
стр. 668
كادت تكون بشراً في جهلها كذلك، فانظر أحدها وقد أحاطت به دعوات الداعي، فجعل يفكر ماذا عسى أن يهب هذا المتوسل: "هذا ما سأصنعه- كلا، لن أصنع هذا، سأعطيه بقرة- أم هل أعطيه جواداً؟ ترى هل تقرب إليّ حقاً بشراب السوما؟ " (٦٧)، لكن بعض هؤلاء الآلهة قد صعد في العصور الفيدية المتأخرة إلى مستوى خلق رفيع، خذ مثلاً "فارونا" الذي كان بادئ ذي بدء هو السماء المحيطة بالأرض، أنفاسه هي ريح العواصف، ورداؤه هو السماء، هذا الإله قد تطور على أيدي عُبَّادُه حتى أصبح أكثر آلهة الفيدا علواً في الأخلاق وقرباً من المثل الأعلى للآلهة، أصبح يرقب العالم بعينه الكبرى، التي هي الشمس، يعاقب الشر ويكافئ الخير، ويعفو عن ذنوب التائبين، وبهذا كان "فارونا" حارساً على القانون الأبدي ومنفذاً له، ذلك القانون الذي يسمونه "ريتا" وهو الذي كان أول أمره قانوناً يقيم النجوم في أفلاكها ويحفظها هناك فلا يضطرب مسيرها، ثم تطور بالتدريج حتى أصبح قانون الحق إطلاقا، أصبح نغمة خلقية كونية لا مندوحة لكل إنسان عن مراعاتها إذا أراد أن يجتنب الضلال والدمار (٦٨).
ولما كثر عدد الآلهة نشأت مشكلة، هي: أي هؤلاء الآلهة خلق العالم؟ فكانوا يعزون هذا الدور الأساسي تارة لـ "آجنى" وتارة لـ "إندرا" وطوراً لـ "سوما" وطوراً رابعاً لـ "براجاباتي"، وفي أحد أسفار "يوبانشاد" يعزي خلق العالم إلى خالق أول قهار:
"حقاً إنه لم يشعر بالسرور، فواحد وحده لا يشعر بالسرور، فتطلب ثانياً؛ كان في الحق كبير الحجم حتى ليعدل جسمه رجلاً وامرأة تعانقا، ثم شاء لهذه الذات الواحدة أن تنشق نصفين، فنشأ من ثمَّ زوج تملؤه الزوجة، وعلى ذلك تكون النفس الواحدة كقطعة مبتورة … وهذا الفراغ تملؤه الزوجة، وضاجع زوجته وبهذا أنسل البشر؛ وسألت نفسها الزوجة قائلة: "كيف استطاع مضاجعتي بعد أن أخرجني من نفسه، فلأختف" واختفت في صورة
стр. 669
البقرة، وانقلب هو ثوراً، فزاوجها، وكان بازدواجهما أن تولدت الماشية، فاتخذت لنفسها هيئة الفرس، واتخذ لنفسه الجواد، ثم أصبحت هي حمارة فأصبح هو حماراً، وزاوجها حقاً، وولدت لهما ذوات الحافر، وانقلبت عنزة فانقلب لها تيساً، وانقلبت نعجة فانقلب لها كبشاً، وزاوجها حقاً، وولدت لهما الماعز والخراف، وهكذا حقاً كان خالق كل شئ، مهما تنوعت الذكور والإناث، حتى تبلغ في التدرج أسفله إلى حيث النمال، وقد أدرك هو حقيقة الأمر قائلاً: "حقاً إني أنا هذا الخلق نفسه، لأني أخرجته من نفسي، من هنا نشأ الخلق" (٦٩).
في هذه الفقرة الفريدة بذرة مذهب وحدة الوجود وتناسخ الأرواح، فالخالق وخلقه شئ واحد، وكل الأشياء وكل الأحياء كائن واحد، فكل صورة من الكائنات كانت ذات يوم صورة أخرى، ولا يميز هذه الصورة من تلك ويجعلهما حقيقتين إلا الحس المخدوع وإلا تفريق الزمن بينهما؛ هذه النظرة لم تكن قد ظهرت بعد أيام الفيدا جزءاً من العقيدة الشعبية، وان تكن قد لقيت صياغتها على هذا النحو في "يوباتشاد"، فالآرى الهندي- مثل زميله الآري الفارسي- بدل أن يعتقد في تناسخ الأرواح على صور متتابعة، آمن بعقيدة أبسط، إذ آمن بالخلود الشخصي، فالروح بعد الموت تلاقي إما عذاباً أو نعيماً، فإما أن يلقيها "فارونا" في هوة مظلمة سحيقة، أو في جهنم ذات السعير، وأما أن يتلقاها "ياما" فيرفعها إلى الجنة حيث كل صنوف اللذائذ الأرضية قد كمأت ودامت إلى أبد الآبدين (٧٠)، وفي ذلك يقول سفر "كاثا" من أسفار يوبانشاد: "يفني الفاني كما تفني الغلال، ويعود إلي الحياة في ولادة جديدة كما تعود الغلال" (٧١).
وليست تدلنا الشواهد على أن الديانة الفيدية في أولى مراحلها كان لها معابد وأصنام (٧٢)، بل كانت مذابح القرابين تنصب من جديد لكل قربان يراد تقديمه، كما هي الحال في فارس الزرادشتية، وكان يناط بالنار المقدسة أن
стр. 670
ترفع القربان الممنوح إلى السماء، وفي هذه المرحلة تظهر آثار ضئيلة من التضحية بالإنسان، كما ظهرت في فاتحة المدنيات كلها تقريباً، لكنها آثار قليلة يحوطها الشك، وكذلك أشبهت الهند فارس في أنها كانت تحرق الحصان أحياناً ليكون قرباناً تقدمه للآلهة (٧٤) وأن "أشفاميزا"- أو "تضحية الجواد"- لمن أغرب الطقوس جميعاً، إذ تخيل للناس فيها أن ملكة القبيلة زاوجت الحصان المقدس بعد ذبحه (١) على أن القربان المعتاد هو أن يكسب قليل من عصير "سوما" وأن يصب شيء من الزبد السائل في النار (٧٧)، وكانوا يحيطون القربان برقى السحر، فلو قدمه على النحو الأكمل جاءته بالجزاء المطلوب بغض النظر عما هو حقيق به من ثواب بالنسبة إلى خلقه الشخصي (٧٨)، وكان الكهنة يتقاضون أجوراً عالية على مساعدة المتعبد في أداء طقوس القربان التي أخذت تزداد مع مر الزمن تعقداً، فإذا لم يكن قد وسع المتعبد أن يدفع للكاهن أجره، رفض أن يتلو له الصيغ اللازمة، فأجره لا بد أن يسبق ما يدفع لله من أجر، ولقد وضع رجال الدين قواعد تضبط مقدار ما يدفعه صاحب هذه العبادة- كم من الأبقار والجياد وكم من الذهب، وقد كان الذهب بصفة خاصة عميق التأثير في الكهنة والآلهة (٧٩) وفي "أوراق البراهمانا" التي كتبها البراهمة، إرشادات للكاهن تدله على الطريقة التي يستطيع بها أن يقلب الصلاة أو القربان شراً على رؤوس أصحابه إذا لم يؤجروه أجراً كافياً (٨٠)، وكذلك سنوا قوانين أخرى تفصل دقائق المحافل والطقوس التي ينبغي أن تقام في كل ظرف من ظروف الحياة تقريباً، وهي عادة تتطلب معونة الكهنة في أدائها، وهكذا أصبح البراهمة شيئاً فشيئاً طبقة ممتازة، تسيطر على الحياة الفكرية والروحية في الهند سيطرة تهددت كل تفكير وكل تغيير بالمقاومة المميتة.