← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الفصل الثاني الملك الفيلسوف أشوكا - مرسوم التسامح - أشوكا يرسل بعوثاً دينية - فشله - نجاحه كان الذي خلف "تشاندرا جوبتا" في الحكم هو "بندوسارا" وهو رجل ذو نزعات عقلية لا تخفى؛ فيقال إنه طلب إلى "أنتيخوس" ملك سوريا أن يبعث إليه بفيلسوف إغريقي، وكتب إليه قائلاً إنه على استعداد أن يدفع ثمناً عالياً لفيلسوف إغريقي من الطراز الصحيح (٣٠) ولكن "أنتيخوس" لم يستطيع إلى إجابة الطلب سبيلاً، لأنه لم يجد فيلسوفاً يونانياً معروضاً للبيع؛ ثم شاءت المصادفة أن تعوض "بندوسارا" خيراً، فجعلت له من ابنه فيلسوفاً. وتولى "أشوكا فارذانا" العرش سنة ٢٧٣ ق. م فوجد أنه يشمل بسلطانه إمبراطورية أوسع رقعة من أي قطر حكمه في الهند حاكم من قبله: فهو يشمل أفغانستان وبلوخستان، وكل الهند الحديثة إلا طرفها الجنوبي- وهي ما يسمى "بأرض تامِلْ"؛ ولبث حيناً من الدهر يحكم على غرار جده "تشاندرا جوبتا"، أي لبث يحكم بلاده في قسوة، لكنه يحكمها حكماً جيداً؛ فيحدثنا "يوان تشوانج" الرحالة الصيني الذي أنفق أعواماً طوالاً في الهند إبان القرن السابع الميلادي، بأن السجن الذي كان قائماً في عهد "أشوكا" شمالي العاصمة، لم يزل يذكره الناس في الهند جيلاً عن جيل باسم "جحيم أشوكا"؛ إذ أنبأه المنبئون أن كل أنواع العذاب والتعذيب التي تشتمل عليها الجحيم الحقيقية، قد استعملت فعلاً في ذلك السجن عقاباً للمجرمين، بل إن الملك قد أضاف إلى تلك الأنواع التقليدية من عذاب الجحيم، مرسوماً بأن كل من يدخل ذلك الجب المخيف، لا يجوز له قط أن يخرج منه حياً؛ ولكن حدث ذات يوم أن ألقي في ذلك

стр. 737

السجن قديس بوذي بغير أن يكون هناك ما يبرر ذلك السجن، فقذفوا به في إناء كبير فيه ماء ساخن، فأبى الماء أن يغلي بما فيه؛ فأرسل السجان بالنبأ إلى "أشوكا"، وجاء "أشوكا" ورأى وأخذه العجب؛ ولما استدار الملك ليأخذ طريقه إلى خارج السجن، ذكره السجان بأمره، قائلاً إنه لا يجوز له أن يغادر السجن حياً؛ فحزت هذه الملاحظة في نفس الملك بقوتها، وأمر بالسجان أن يقذف في إناء الماء الساخن. ويقال أن "أشوكا" لما وصل إلى قصره، نال من نفسه انقلاب عجيب؛ وأمر من فوره أن يهدم السجن وأن يخفف قانون العقوبات؛ وفي نفس الوقت جاءه النبأ بأن جنوده قد ظفروا بانتصار باهر على قبيلة "كالنجا" الثائرة، وأنهم قد فتكوا بآلاف من الثائرين، وأسروا منهم عدداً كبيراً؛ فجعل "أشوكا" عندئذ يعاني لذعات ضميره كلما طاف برأسه كل هذا "العنف والتقتيل وإبعاد الأسرى عن ذويهم "فأمر أن يطلق سراح الأسرى، ورّد إلى قبيلة "كالنجا" أرضها، وأرسل إلى أهلها اعتذار لم يسبق له في التاريخ مثيل، ولم يقلده من بعده إلا القليل؛ وبعدئذ التحق بالطائفة البوذية، ولبس مسوح الرهبان حيناً، وأبطل الصيد وأكل اللحم، واصطنع "السبيل الشريفة ذات الإرشادات الثمانية" (٣١). وإنه ليستحيل علينا الآن أن نقول كم من هذه الأنباء قد اختلقه الخيال اختلاقاً؛ وكم منها تاريخ صحيح، كما يستحيل علينا- والشقة بيننا وبين ذلك العهد بهذا البعد- أن نرى الدوافع التي حفزت الملك إلى ما فعل؛ فيجوز أنه رأى البوذية تتسع انتشاراً، وظن أن تعاليمها من تسامح وهدوء تصلح تشريعاً مفيداً لشعبه، فتوفر على الدولة عدداً لا يحصى من رجال الشرطة؛ وفي العام الحادي عشر من حكمه، أخذ يصدر مرسومات هي أعجب ما عرفناه في تاريخ الحكومات؛ وأمر أن تنقش هذه المرسومات على الصخور وعلى الأعمدة

стр. 738

في عبارة بسيطة وباللهجات التي يفهمها الناس، حتى يتسنى لكل هندي يعرف القراءة أن يفهم فحواها؛ ولقد عثرنا على "مرسومات الصخور" في كل جزء من أجزاء الهند تقريباً؛ ولا تزال عشرة أعمدة باقية في مكانها، وعرفنا أماكن عشرين أخرى؛ وتقرأ هذه المرسومات فتجد أن الإمبراطور يوافق على العقيدة البوذية بحذافيرها، ويطبقها في شأن من شئون الناس هو آخر ما تتوقع لها أن تطبق فيه وأعني السياسة؛ وشبيه بهذا أن تعلن إمبراطورية حديثة فجأة أنها صممت منذ الآن فصاعداً أن تتبع المسيحية في سياستها. وعلى الرغم من أن هذه المرسومات بوذية العقيدة، فهي لا تبدو لنا دينية خالصة؛ فهي تفرض وجود حياة آخرة، وبهذا ترى كيف أنه لم يلبث تشكك بوذا أن زال ليحل محله عند أتباعه إيمان، لكنها إلى جانب ذلك لا تورد في نصوصها عبارة تدل على العقيدة بإله مشخص، بل لا تذكر الله في نصوصها إطلاقاً (٣٢)، كلا، ولا هي تذكر كلمة واحد عن بوذا؛ فهذه المرسومات لا تعنى باللاهوت؛ فمرسوم "سارنات" يطالب الناس بالسير على مقتضى قواعد الدين، ويضع عقوبات لمن يشقون عليها عصا الطاعة (٣٣)، أما سائر المرسومات فهي لا تنى تذكر مرة بعد مرة ضرورة التسامح الديني؛ فعلى المرء أن يحسن إلى كهنة البراهمة كما يحسن إلى كهنة البوذيين سواء بسواء؛ ولا ينبغي لأحد أن يسيء بالقول إلى عقيدة من العقائد؛ ويعلن الملك أن كل أفراد شعبه هم بمثابة أبنائه الذين يحنو عليهم، فهو لن يفرق بينهم بسبب اختلافهم في العقيدة (٣٤)، فهذا هو "مرسوم الصخر" رقم ١٢ يتحدث بما يكاد أن يكون معاصراً لنا من حيث سداد رأيه: "إن جلالة الملك المقدس الرحيم يقدم إجلاله للناس من شتى المذاهب، سواء في ذلك الزاهدون أو أصحاب الأسر، وهو يقدم إجلاله هذا بالهدايا وغيرها من مختلف ألوان التوقير.

стр. 739

على أن جلالة الملك المقدس لا تعنيه كثيراً هذه الهدايا وهذا التوقير الظاهر، بقدر ما يعنيه أن ينمو في كل هذه العقائد لبها وجوهرها؛ ونمو هذا الجوهر وذلك اللب إنما يكون بطرائق شتى، لكن أساسها جميعاً هو ضبط اللسان عن الكلام، وأعني بذلك ألا يبجل المرء عقيدته وألا يحط من شأن عقيدة غير عقيدته إلا بما يمليه العقل؛ إن الحط من شأن العقائد الأخرى لا ينبغي أن يكون إلا لأسباب عقلية معينة، ذلك لأن عقائد الناس على اختلافها جديرة بالاحترام لهذا السبب أو ذاك. وبمثل هذا التصرف، يرفع المرء من عقيدته، وينفع في الوقت نفسه سائر العقائد؛ وبالتصرف المضاد لهذا، يؤذي المرء عقيدته ويضر عقائد الناس … إن انسجام الأفراد أمر عظيم". هذا إلى أن "مرسوم العمود الثاني" يلقى لنا ضوءاً أكثر على المقصود من "جوهر الموضوع"- وهي العبارة التي وردت في المرسوم الذي ذكرناه الآن- إذ يقول: "إن قانون التقوى شيء جميل، لكن مم يتكون قانون التقوى؟ يتكون من هذه الأشياء: قليل من عدم التقوى، وكثير من الأفعال الخيرة، والرحمة، والإحسان، والصدق، والصفاء"؛ ولكي يضرب "أشوكا" المثال لما يريد، أمر موظفيه في كل مكان أن ينظروا إلى الناس نظرتهم إلى أبنائه، وأن يعاملوهم بالصبر والحسنى، فلا يعذبوهم ولا يسجنوهم بغير مبرر معقول؛ وأمر موظفيه أن يقرءوا هذه الإرشادات قراءة دورية على الشعب (٣٥). فهل كان لهذه المرسومات الخلقية أثر كائناً ما كان في إصلاح سلوك الناس؟ يجوز أنها ساعدت على نشر فكرة "الأَهِمْسا"- وهي عدم قتل الحيوان- كما شجعت على الامتناع عن أكل اللحم وشرب المسكرات بين الطبقات العليا من أهل الهند (٣٦)؛ ويعتقد "أشوكا" اعتقاداً جازماً- شأنه في ذلك شأن المصلحين- أن لوعظه المنقوش على الحجر أبلغ الأثر؛ وهو يعلن في "مرسوم الصخر" رقم ٤، أنه لمس بالفعل نتائج طيبة لمرسوماته، وربما أعان ملخصه على توضيح أساس مذهبه:

стр. 740

أما وقد اصطنع صاحب الجلالة المقدسة الرحيمة الملك أسباب التقوى في حياته، فقد سكتت أصداء طبول الحروب ليهتز الهواء بأصداء القانون … لقد امتنع الناس اليوم، بفضل قانون التقوى الذي سنه صاحب الجلالة المقدسة الرحيمة الملك، عن ذبح الكائنات الحية ليقدموها في قرابينهم، أكثر من امتناعهم عن ذلك من قبل؛ امتنعوا عن قتل الأحياء، وسلكوا إزاء أقربائهم سلوكاً فاضلاً، وكذلك إزاء البراهمة، وأصبحوا يستمعون لما يأمرهم به آباؤهم وأمهاتهم ومن هم أكبر منهم سناً؛ على هذا النحو- وعلى غيره من الأنحاء الكثيرة- ازداد إقبال الناس فوق هذه الزيادة. إن أبناء صاحب الجلالة المقدسة الرحيمة الملك، وأحفاده وأحفاد أحفاده، سيعملون على زيادة اصطناع الناس لقانون التقوى، زيادة تضطرد إلى يوم الدين ". لكن الملك الصالح قد بالغ في تقوى شعبه وولاء أبنائه؛ أما هو نفسه فقد بذل مجهوداً عظيماً في سبيل الديانة الجديدة، فجعل من نفسه رئيساً للطائفة البوذية، وأجزل لها العطايا، وشيد لها ثمانية وأربعين ألفاً من الأديرة لرجالها (٣٧) وبنى باسمها في أرجاء مملكته كلها مستشفيات للإنسان والحيوان (٣٨) وأرسل مبشرين بالعقيدة البوذية إلى أجزاء الهند جميعاً وإلى جزيرة سيلان، بل أرسل هاتيك البعوث إلى سوريا ومصر واليونان (٣٩) حيث يحتمل أن تكون قد هيأت الطريق هناك للأخلاق المسيحية (٤٠) ولم يمض بعد وفاته إلا زمن قصير حتى غادرت بعوث المبشرين بلاد الهند ليعظ رجالها الناس بالتعاليم البوذية في التبت والصين ومنغوليا واليابان، وبالإضافة إلى هذا النشاط الديني، توجه "أشوكا" بحماسة نحو إدارة بلاده في شئونها الدنيوية؛ فكان يطيل من ساعات العمل في يومه، ولم تكن الحوائل لتحول بينه وبين معاونيه، فلهؤلاء أن يتصلوا

стр. 741

به في شئون الدولة في أي ساعة شاءوا (٤١). ونقيصته البارزة هي الأنانية؛ فمن العسير أن تكون متواضعاً ومصلحاً في آن معاً؛ إن احترامه لنفسه يسطع في كل مرسوم من مراسيمه، مما يجعله أخاً "لمرقس أورليوس" (١) في شتى الوجوه؛ ولم يستطع أن يدرك أن البراهمة كانوا يمقتونه، ويتربصون به الدوائر ليفتكوا به، كما فتك كهنة طيبة بإخناتون قبل ذلك بألف عام؛ ولم يقتصر مقته على البراهمة الذي اعتادوا ذبح الحيوان من أجل أنفسهم ومن أجل آلهتهم، بل جاوزهم إلى ألوف مؤلفة من الصيادين والسماكين الذين كرهوا المراسيم التي فرضت كل هذه القيود القاسية على قتل الحيوان؛ حتى الفلاحون أخذوا يجأرون بالشكوى من الأمر الصادر "بألا يحرق قش الغلال خشية أن تحترق معه الكائنات الحية الكامنة فيه" (٤٢)، فنصف الشعب في الإمبراطورية كان ينتظر موت "أشوكا" كما يرقب الإنسان تحقيق الأمل. ويروي لنا "يوان تشوانج" أن رواة البوذيين يتناقلون النبأ بأن " أشوكا " في أخريات أعوامه، أكره على النزول عن عرشه، على يدي حفيده الذي فعل ما فعله بمعونة رجال البلاط؛ وحرم الملك كل سلطانه شيئاً فشيئاً، ووقف تيار الهدايا التي كان يمنحها للطائفة البوذية؛ بل إن ما كان يسمح به "لأشوكا" من أشياء، حتى الطعام، نقص مقداره، حتى بلغت به الحال أن أصبح نصيبه من الطعام في اليوم نصف ثمرة من ثمار "الأمالاكا"؛ ونظر الملك إلى نصف الثمرة نظرة حزينة، ثم أرسلها إلى إخوانه البوذيين قائلاً إنها كل ما يملك مما يستطيع تقديمه إليهم (٤٣)؛ لكن حقيقة الأمر هي أننا لا ندري شيئاً عن أعوامه الأخيرة، بل لا ندري في أي سنة وافته منيته؛ ولم يمض بعد موته إلا مدى جيل واحد، حتى كانت إمبراطوريته- كإمبراطورية إخناتون- قد تقوض بنيانها؛ ذلك أنه لما تبين أن نفوذ العرش في مملكة "مجاذا" كانت تسنده

стр. 742

قوة الدفع القديمة أكثر مما تدعمه إدارة قائمة على قوة الحاكم، فقد أخذت الدول التابعة له تعلن انسلاخها، دولة في إثر دولة، عن ملك الملوك في "باتاليبترا"؛ نعم إن سلالة "أشوكا" لبثت تحكم "مجاذا" حتى القرن السابع الميلادي، لكن أسرة "موريا" الحاكمة التي أنشأها "تشاندرا جوبتا" بلغت ختامها حين قتل الملك "برهادراذا"، وأن ذلك لدليل على أن الدول لا تبقي على المثل العليا، إنما ينهض بنيانها على طبائع الناس. مني "أشوكا" بالفشل السياسي، ولو أنه من ناحية أخرى قد أدى مهمة من أعظم المهام في التاريخ؛ ففي القرنين التاليين لموته، انتشرت البوذية في أرجاء الهند، وبدأت غزوها لآسيا غزواً لا تراق فيه الدماء؛ فإذا رأيت إلى يومنا هذا، وجه "جوتاما" (١) الهادئ يأمر الناس من "كاندي" في سيلان إلى "كاماكورا" في اليابان، أن يعامل بعضهم بعضاً بالحسنى، وأن يحبوا السلام، فاعلم أنه مما أدى إلى ذلك أن حاكماً، وإن شئت فقل قديساً، كتب له يوماً أن يتربع على عرش الهند.

стр. 743

الفصل الثالث العصر الذهبي في الهند عصر غزوات - ملوك كوشان - إمبراطورية جوبتا - رحلات "فا - هين" - نهضة الأدب - قبائل الهون في الهند - هرشا الكريم - رحلات يوانج تشوانج منذ وفاة "أشوكا" إلى قيام إمبراطورية "جوبتا"- وهي مدة تكاد تبلغ ستمائة سنة- تقل النقوش والوثائق الهندية قلة تجعل تاريخ هذه الحقبة يضطرب بالغموض (٤٤)؛ وليس هو بالضرورة عصراً مظلماً لقلة علمنا بتاريخه، فقد ظلت به جامعات عظيمة مثل جامعات "تاكسيلا" قائمة تنشر العرفان؛ كما أنه حدث في الجزء الشمالي الغربي من الهند إبان تلك الفترة أن ازدهرت حضارة في إثر غزوة الإسكندر، بتأثير الفرس في فن العمارة، واليونان في فن النحت؛ ففي القرنين الأول والثاني قبل المسيح، نزحت جموع من السوريين واليونان والسُّكيسْت إلى البنجاب، ففتحوه وأقاموا فيه هذه الثقافة "اليونانية البكترية" التي ظلت هناك ما يقرب من ثلاثمائة عام: وفي القرن الأول مما تواضعنا فيما بيننا نحن الغربيين أن نسميه بالعصر المسيحي، استولت قبيلة كوشان من قبائل أواسط آسيا، وهي قبيلة تصلها وشائج القربى بالأتراك، استولت هذه القبيلة على "كابل"، واتخذتها عاصمة نشرت منها نفوذها في أرجاء الجزء الشمالي الغربي من الهند ومعظم آسيا الوسطى؛ فتقدمت الفنون والعلوم في عهد أعظم ملوكها "كانشكا"، فها هنا أنتج النحت "اليوناني البوذي" مجموعة من أروع آياته؛ كما أقيمت مبان جميلة في "بشاور" و "تاكسيلا" و "ماثورة" وكذلك تقدم "تشاراكا" بفن الطب؛ ووضع "ناجارجونا" و "أشفاغوشا" الأسس التي قام عليها أحد المذاهب البوذية- هو مذهب

стр. 744

ماهايانا، ومعناها، العربة الكبرى- الذي ساعد "جوتاما" (١) على كسب الصين واليابان في صف مذهبه؛ وكان "كانشكا" متسامحاً مع كثير من الديانات، وجرب بنفسه كثيراً من الآلهة يعبدها، حتى انتهى به الأمر أخيرا إلى اختيار البوذية الجديدة الأسطورية التي جعلت من بوذا إلهاً، والتي ملأت أجواز السماء ببوذوات منتظرة وقديسين من أشباه بوذا؛ ودعا إلى انعقاد مجلس عظيم من رجال اللاهوت البوذي، ليصوغوا هذه العقيدة فيتسنى نشرها في بلاده، وأوشك أن يكون "أشوكا" آخر في عمله على نشر العقيدة البوذية، ودون هذا المجلس قواعد بلغ عددها ثلاثمائة ألفاً، وهبط بالفلسفة البوذية إلى حاجات العاطفة عند النفس العادية، ورفع بوذا نفسه إلى منزلة الآلهة. وكان "تشاندرا جوبتا الأول" (وهو غير تشاندرا جوبتا موريا على الرغم من اتفاقهما في الاسم والعدد الترتيبي) قد أنشأ حينئذ أسرة "جوبتا الحاكمة في مجاذا التي قوامها ملوك من أهل البلد أنفسهم؛ وأتيح لخلفه في الحكم، وهو "سامدرا جوبتا" أن يحكم خمسين عاماً فيجعل من نفسه ملكاً في طليعة ملوك الهند في تاريخها الطويل؛ وكان مما فعله أن نقل عاصمة الحكم من "باتاليبترا" إلى "أبوذيا"- التي هي الموطن القديم لـ " راما "، ذلك الشخص الأسطوري- ثم بعث بجيوشه الفاتحة ومحصلي ضرائبه إلى بلاد البنغال وأسام ونيبال والهند الجنوبية؛ وأنفق ما تدفق عليه من أموال تلك الأقطار التابعة له، في النهوض بالأدب والعلم والدين والفنون؛ بل برع هو نفسه، فيما تخلل الحروب من فترات السلم، في الشعر والموسيقى؛ وجاء بعده ابنه "فِكرامادتيا" (ومعناها شمس القوة) فوسع من رقعة هذه الفتوحات الحربية والغزوات العقلية، وأيد أديب المسرحية "كالداسا" وجمع حوله في عاصمته "يوجين" طائفة ممتازة من الشعراء والفلاسفة والفنانين والعلماء والباحثين

стр. 745

حتى لقد بلغت الهند من التقدم في عهد هذين الملكين ذروة لم تكن قد جاوزتها منذ بوذا، كما بلغت في وحدتها السياسية مبلغاً لم تبلغ مثيله إلا في عهد "أشوكا" وعهد "أكبر". ونستطيع أن نتتبع الخطوط الرئيسية في مدنية "جوبتا" من الوصف الذي قدمه "فارهين" عن زيارته للهند في مستهل القرن الخامس الميلادي؛ وهو أحد البوذيين الكثيرين الذين جاءوا من الصين إلى الهند إبان هذا العهد الذهبي من تاريخها؛ بل إن هؤلاء الحجاج الدينيين كانوا على الأرجح أقل عدداً من التجار والسفراء الذين طفقوا حينئذ- رغم ما يحيط بالهند من حواجز الجبال- يفدون إليها وقد اشتملها السلام، يفدون إليها من الشرق والغرب، بل يفدون إليها من روما النائية؛ وكانوا في وفودهم إليها يجتلبون معهم عاداتهم وأفكارهم، فسرعان ما تكون هذه الأفكار وتلك العادات الواردة من خارج حافزاً للبلاد على التغيير في أوضاعها؛ جاءها "فا- هين" فألفى نفسه، بعد أن تعرضت حياته للخطر أثناء مروره في الجزء الغربي من الصين، آمناً في الهند أمناً لا يأتيه الخطر من أية ناحية من نواحيه، فجعل ينتقل في طول البلاد وعرضها، دون أن يصادفه من يعتدي عليه بالإيذاء أو بالسرقة (٤٥)؛ وهو يحدثنا في يومياته كيف استغرق في طريقه إلى الهند ستة أعوام، وأنفق في ربوع الهند ستة أعوام، ثم عاد إلى وطنه في الصين عن طريق سيلان وجاوه في ثلاثة أعوام (٤٦). وإنه ليصف لنا وصفاً يعبر به عن إعجابه بما كان للشعب الهندي من ثروة وازدهار وفضيلة وسعادة، ومن حرية دينية واجتماعية؛ ولقد أدهشته المدن الكبرى بكثرتها وحجمها وعدد سكانها، كما أدهشته المستشفيات المجانية وغيرها من مؤسسات الإحسان التي امتلأت بها أرجاء البلاد (١)؛ وعجب

стр. 746

لعدد الطلاب الذين يختلفون إلى الجامعات والأديرة، وللقصور الملكية الهائلة بعظمتها وفخامتها (٤٨)؛ وإنك لتقرأ وصفه فلا تجد فيه إلا مدينة فاضلة (يوتوبيا)، إذا استثنيت عادتهم في قطع الأيدي لبعض الآثمين: "الناس كثيرون وسعداء، فليس ثمة ما يلزمهم بتسجيل أفراد أسرهم، ولا ما يضطرهم إلى المثول بين أيدي القضاة أو الاستماع إلى ما يسنون من قوانين؛ ولم يكن بينهم من يدفع شيئاً سوى زراع الأرض الملكية، فهؤلاء يدفعون جزءاً من غلة الأرض؛ ولمن شاء أن يسافر أو يقيم حيث شاء؛ والملك يحكمهم لا يقتل منهم أحداً ولا ينزل بأحد منهم عقاباً، ولا يطالب المجرمون بأكثر من غرامة … وحتى في الحالات التي يتهم فيها الآثم بالثورة المتكررة التي يشق بها عصا الطاعة، لم يكن يحكم عليه بأكثر من قطع يده اليمنى … واذهب حيث شئت من أرجاء البلاد جميعاً فلن تجد أحداً يقتل كائناً حياً، أو يأكل البصل أو الثوم، إذا استثنيت قبيلة "شاندالا" … إنهم في تلك البلاد لا يربون الخنازير والطيور الداجنة ولا يبيعون الماشية حية، فلست ترى في أسواقهم دكاناً لقصاب ولا حانوتاً لبيع المسكرات" (٤٩). ولم يكد "فا- هين" يلحظ أن البراهمة، الذين كانوا من المغضوب عليهم لدى أسرة موريا الحاكمة منذ عهد "أشوكا" قد أخذوا يزدادون من جديد في ثرائهم ونفوذهم، في ظل التسامح الذي أبداه ملوك أسرة "جوبتا"، فأحيوا تقاليدهم الدينية والأدبية التي كانت قائمة قبل العهد البوذي، وإنهم كانوا يطورون اللغة السنسكريتية بحيث تصبح هي لغة التفاهم المشتركة بين العلماء في أنحاء الهند كلها: فقد كتبت الملحمتان الهنديتان العظيمتان، "ماهابهاراتا" و "رامايانا" في صورتهما الحاضرة (٥٠) في ظل هؤلاء الملوك وبرعايتهم؛ وكذلك بلغ الفن البوذي في عهد أسرتهم ذروة مجده في النقوش الموجودة بكهوف "أجانتا"، وفي رأي عالم هندي معاصر أن "مجرد هذه الأسماء: "كاليداسا" و "فاراهاميهيرا" و "جنافارمان" و "فاشوباندو" و "أريابهاتا"

стр. 747

و "براهما جوبتا" يكفي ليجعل عصرهم ذاك أوج الثقافة الهندية" (٥١) ويقول "هَافِل": "في وسع المؤرخ المحايد أن يقول في غير إجحاف أن أعظم فوز ظفرت به الإدارة البريطانية للهند هو أن تعيد لتلك البلاد كل ما كانت قد بلغته في القرن الخامس الميلادي" (٥٢) لكن هذا العصر الزاهر للثقافة القومية قد اعترضته موجة من غزوات الهون التي كانوا يجتاحون بها إذ ذاك آسيا وأوربا، فيدمرون حضارة الهند وحضارة روما على السواء حيناً من الدهر؛ ففي الوقت الذي كان يجتاح فيه "أتلا" ربوع أوربا، كان "تورامانا" يستولي على "مالْوَا" كما كان "ميهيراجولا" الفظيع يطوح بملوك أسرة "جوبتا" من فوق عرشهم؛ وهكذا لبثت الهند قرناً كاملاً تتدهور إلى عبودية وفوضى؛ وبعدئذ جاء فرع من سلالة أسرة "جوبتا"، وهو فرع "هارشا- فارذانا"، وعاد فاستولى من جديد على الهند الشمالية، وابتنى عاصمة له في "كانوج" فأتاح لتلك المملكة الفسيحة سلاماً وأمنا مدى اثنين وأربعين عاماً، ازدهرت فيها مرة أخرى فنون البلاد وآدابها؛ وتستطيع أن تصور لنفسك عاصمتهم تلك "كانوج" من حيث اتساعها وفخامتها وازدهارها، إذا علمت هذه الحقيقة الآتية التي تعز على التصديق، وهي أن المسلمين حين أتوا عليها بالتخريب (سنة ١٠١٨ م) دمروا عشرة آلاف معبد (٥٣)، ولم تكن حدائقها العامة الجميلة وأحواض السباحة المجانية فيها، إلا جزءاً ضئيلاً من حسنات الأسرة الجديدة؛ وكان "هارشا" نفسه أحد هؤلاء الملوك القلائل الذين يخلعون على الملكية مظهراً- ولو إلى حين- بحيث تبدو أفضل ألوان الحكم على اختلافها؛ فقد كان رجلاً له سحره وله جوانب كثيرة من الثقافة، فقرض شعراً وأنشأ مسرحيات لا تزال تقرأ في الهند حتى يومنا هذا، على أنه لم يسمح لهذه الصغائر أن تتدخل في إداراته الحازمة لمملكته، وفي ذلك يقول "يوان تشوانج": "كان لا يعرف الشعب، ويرى اليوم أقصر من أن يسد له مطالبه، حتى لقد نسي النوم في إخلاصه لأعمال الخير التي كان يقوم بإنشائها" (٥٤) ولقد بدأ في ديانته عابداً

стр. 748

لـ "شيفا" لكنه تحول بعدئذ إلى العقيدة البوذية، وأصبح شبيهاً بـ "أشوكا" في حسناته التي صدر فيها عن تقواه؛ فحرم أكل الحيوان، وأقام محطات ينزل بها المسافرون في أرجاء ملكه جميعاً، وأنشأ ألوف الأضرحة البوذية على ضفاف الكنج. ويروى لنا "يوان تشوانج"- وهو أشهر البوذيين من أهل الصين- وقد زار الهند، أن "هارشا" كان يعلن كل خمسة أعوام عن حفل عظيم لأعمال البر، كان يدعو إليه كل رجال الديانات على اختلافها، كما يدعو إليه كل الفقراء والمعوزين في مملكته، وكانت عادته في هذا الاجتماع أن يحسن على ملأ من الناس بكل الفائض عن حاجته في خزانة الدولة منذ الاحتفال الخمسي الماضي؛ ولكم دهش "يوانج" لما رأى مقداراً كبيراً من الذهب والفضة والنقود والجواهر والأثواب الدقيقة النسج والغلالات الموشاة، مكدساً أكواما في ميدان مكشوف يحيط به عشرات من الأروقة يضم كل منها ألف شخص؛ وكانت الأيام الثلاثة الأولى تخصص للطقوس الدينية، ثم يبدأ توزيع الصدقات في اليوم الرابع (لو أخذنا بما يقوله هذا الحاج وإنه لقول من العسير تصديقه)؛ وكانوا في ذلك الحفل يطعمون عشرة آلاف من الرهبان البوذيين، ويقدمون لكل منهم لؤلؤة وثياباً وأزهاراً وعطوراً ومائة قطعة من الذهب؛ وبعدئذ يعطون البراهمة من الصدقات ما يكاد يبلغ هذا المقدار، ثم يعطون الجانتيين صدقاتهم، ثم يعقبون على ذلك بسائر العقائد الدينية وبعد ذلك يحسنون على الفقراء واليتامى الذين جاءوا من كل ركن من أركان المملكة من غير رجال الدين؛ وكان التوزيع أحياناً يستغرق ثلاثة شهور أو أربعة؛ وفي ختام الحفل يخلع "هارشا" عن نفسه أرديته الثمينة ومجوهراته، ليضيفها إلى الصدقات (٥٥).

стр. 749

وتدلنا مذكرات "يوان تشوانج" على أن الروح العقلي الذي ساد ذلك العصر كان روحاً من نشوة دينية؛ وهو يرسم لنا بمذكراته صورة رائعة تنم عن شهرة الهند إذ ذاك في سائر الأقطار؛ فهذا الصيني الأرستقراطي يغادر حياته المترفة الهينة في بلده النائي "تشانجان" ليعبر الصين الغربية التي لم تبلغ من الحضارة إلا مبلغاً ضئيلاً، ويمر بطشقند وسمرقند (التي كانت مدينة زاهرة إذ ذاك)، ثم يتسلق الهمالايا ليدخل الهند، يقيم ثلاثة أعوام يدرس دراسة المتحمس في جامعة الدير بمدينة "نالاندا"؛ ولما كان "يوان تشوانج" ذائع الصيت باعتباره عالماً وباعتباره إنساناً له مكانته الاجتماعية، فقد توجه إليه أمراء الهند بالدعوات؛ وسمع "هارشا" أن "يوان" كان في بلاط "كومارا" ملك أسام، فدعا "كومارا" إلى زيادة " كانوج " مستصحباً "يوان"، فرفض "كومارا" دعوته قائلاً أن "هارشا" يستطيع أن يفصل رأسه لكنه لا يستطيع أن يأخذ منه ضيفه؛ فأجابه "هارشا" قائلاً: "إنني لا أقلقك إلا ساعياً في سبيل رأسك" وجاءه "كومارا" وعندئذ أعجب "هارشا" بعلم "يوان" وأدبه، وأمر بأعيان البوذيين فعقدوا اجتماعاً أنصتوا فيه إلى "يوان" وهو يعرض عليهم مذهب "ماهايانا"؛ وعلق "يوان" قائمة بآرائه على باب الرواق الذي أعد للاجتماع والنقاش، وأضاف إلى تلك الآراء حاشية على طريقة ذلك العصر، يقول فيها: "إذا وجد أحد من الحاضرين هنا غلطة في تسلسل آرائي، واستطاع تفنيد قول من أقوالي، فله أن يبتر رأسي عن جسدي"؛ ودامت المناقشة ثمانية عشر يوماً، استطاع خلالها "يوان" (هكذا يقول يوان نفسه) أن يرد كل اعتراض، وأن يصد كل الزنادقة (وهناك رواية أخرى تقول أن معارضيه ختموا الاجتماع بإشعال النار في الرواق (٥٦)؛ وبعد مغامرات كثيرة التمس "يوان" طريقه عائداً إلى بلده "تشانجان" حيث عمل إمبراطورها المستنير على صيانة الآثار البوذية في معبد فاخر، تلك الآثار البوذية التي أحضرها معه هذا الرحالة الورع،

стр. 750

الذي يشبه "ماركوبولو" في رحلاته؛ ثم عين له طائفة من العلماء يعاونونه على ترجمة المخطوطات التي اشتراها من الهند (٥٧). ومع ذلك كله، فقد كان هذا المجد الذي ازدهر به حكم "هارشا" مصطنعاً زائلاً، لأنه كان يعتمد على ملك واحد بما له من قدرة وسخاء، والملك يموت كما يموت البشر؛ فلما مات، اغتصب عرشه مغتصب وأبدى من الملكية وجهها الأقتم، وجاءت في أثره الفوضى، ثم دامت ما يقرب من ألف عام عانت الهند خلالها عصورها الوسطى- كما حدث لأوروبا- واجتاحها البرابرة، كما غزاها الغزاة ومزقوها وخربوها، فما عرفت للسلم والاتحاد طعماً إلا حين أدركها "أكبر" العظيم.

стр. 751

الفصل الرابع أبناء راجبوتانا ساموراي الهند - عصر الفروسية - سقوط شيتور كانت ملحمة راجبوتانا بمثابة السراج الذي أضاء "العصر المظلم" أمداً قصيراً؛ ففي ذاك العهد قام في دويلات "موار" و "ماروار" و "عنبر" و "بيكانر" وكثير غيرها مما يرنّ بأسماء كهذه رنين النغمات، قام في هذه الدويلات شعب خليط، هو نتيجة تزاوج الوطنيين بالسُّكيَّت والهون الغزاة، وأقام مدينة إقطاعية تحت سلطان طائفة من الأمراء المقاتلين الذين جعلوا همهم فن الحياة أكثر مما جعلوه حياة الفن، وقد بدءوا بالاعتراف بسلطة الأسرتين الحاكمتين "موريا" و "جوبتا"، ثم انتهوا بعدئذ إلى الدفاع عن استقلالهم، ثم الدفاع عن الهند بأسرها في وجه الجموع المحتشدة من المسلمين الذين جاءوها زاحفين؛ وكانت قبائل هؤلاء الأمراء تتميز بشهامة عسكرية وشجاعة لا نعهدهما عادة في أهل الهند (١)؛ فلو جاز لنا أن نأخذ بما يقوله عنهم مؤرخهم "تود" المعجب بهم، فكل رجل من رجالهم كان " كشاتريَّاً " جريئاً (الكشاترية هي طبقة المقاتلين) وكل امرأة من نسائهم كانت بطلة مقدامة؛ بل إن اسم هذه القبائل، وهو "أهل راجبوت" معناه "أبناء الملوك"، فإن رأيتهم أحياناً يطلقون على بلادهم اسم "راجستان" فما ذاك إلا ليصفوها بأنها "مقر العنصر الملكي". ولو نظرت إلى أنباء هذه الدويلات الباسلة لرأيت فيها كل ما جرينا على نسبته إلى "عصر الفروسية" من صفات الشجاعة والولاء والجمال والخصومات

стр. 752

وقتل بعضهم بعضاً بالسم والاغتيال والحروب وخضوع المرأة وما إلى ذلك كله من عبث القول وتفخيم الوصف؛ فيقول "تود": "إن رؤساء راجبوت كانوا يتحلون بكل الفضائل التي عرف بها الرجل من فرسان الغرب، ثم هم يفوقونه بكثير من قدراتهم العقلية " (٥٩) وكان لهم نساء جميلات لم يترددوا في الموت من أجلهن، وكانت المجاملة وحدها تحمل هؤلاء النساء على أن يصحبن أزواجهن إلى القبر مصطنعات طقوس قومهم في هذا الشأن؛ ومن هؤلاء النسوة فريق كان له حظ من التربية والتهذيب، كما كان بين الراجات شعراء وعلماء، حتى لقد شاع بينهم حيناً من الدهر ضرب رقيق من ضروب التصوير بألوان الماء على النمط الفارسي الوسيط، ولبثوا قروناً أربعة يزدادون في ثرائهم حتى بلغوا منه حداً استطاعوا معه أن ينفقوا عشرين مليوناً من الريالات على تتويج ملك المواريين (٦٠). وكان موضع فخرهم هو نفسه مأساتهم، وذلك أنهم يمارسون القتال على أنه أعلى ما تسمو إليه الفنون، لأنه الفن الوحيد الذي يليق بالسيد من أهل راجبوت ولقد مكنتهم هذه الروح الحربية من الصمود للمسلمين في بسالة يسجلها التاريخ (١)، لكن هذه الروح الحربية نفسها جعلت دويلاتهم الصغيرة على حال من الانقسام والضعف الناشئ عن مقاتلة بعضهم بعضاً، بحيث لم تعد شجاعتهم كلها قادرة على صيانة كيانهم في نهاية الأمر؛ وتقرأ ما يقوله "تود" في وصف سقوط شيتور- وهي إحدى عواصم الراجبوت- فتقرأ وصفاً لا يقل في خياله الشعري عن أية أسطورة من أساطير "أرثر" أو "شرلمان". ولما كان هذا الوصف مستمداً من مصدر واحد، وهو ما قاله المؤرخون الوطنيون الذين دفعهم إخلاصهم لوطنهم أن يحيدوا عن الصدق

стр. 753

فيما رووا، فلا شك أن هذه الأنباء العجيبة، "أنباء راجستان"، يجوز أن تكون ذات نزعة أسطورية تقرّبها من "موت أرثر" (١) أو "أنشودة رولان"، وفي رواية هؤلاء المؤرخين أن الفاتح المسلم علاء الدين لم يطلب شيتور لذاتها، بل سعياً للحصول على الأميرة "بودميني" (٢) - "وهذا لقب تلقب به من كانت فاتنة بجمالها فتنة ليس بعدها مزيد"- وقد عرض الرئيس المسلم أن يرفع الحصار عن شيتور إذا قبل القائم بالحكم فيها نيابة عن الملك أن يسلم له الأميرة، فلما رفض طلبه هذا، عاد علاء الدين فعرض أن ينسحب إذا أتيح له أن يرى "بودميني"، وأخيراً وافق على الرحيل إذا مكّن له من رؤية "بودميني" في مرآة، لكنهم أبوا عليه حتى هذا، وبدل أن يجيبوا له رجاءه تضافرت نساء شيتور وانضممن إلى صفوف الدفاع عن مدينتهن، فلما رأى أهل راجبوت زوجاتهم وبناتهم يمتن إلى جوارهم، لبثوا يقاتلون حتى فني آخر رجل من رجالهم، حتى إذا ما دخل علاء الدين المدينة، لم يجد داخل أبوابها أثراً واحداً من آثار الحياة البشرية، فقد مات رجالها جميعاً في ميدان القتال، وأحرق زوجاتهم أنفسهن مصطنعات تلك الطقوس المخيفة التي كانت تعرف عندهم باسم "جوهور" (٦٢).

стр. 754

الفصل الخامس الجنوب في أوجه ممالك الدكن - فيجايا ماجار - كرشنا رايا - مدينة عظمى في العصر الوسيط - القوانين - الفنون - الدين - مأساة كلما تقدم المسلمون في الهند تراجعت الحضارة الهندية نحو الجنوب خطوة بعد خطوة، حتى إذا ما دنت هذه العصور الوسطى من ختامها، كانت الدكن قد باتت بين أرجاء الهند تنتج أسمى ما تنتجه الحضارة الهندية؛ وكانت قبيلة "شاليوكا" قد استطاعت أن تكوّن نفسها مملكة مستقلة لبثت قائمة حيناً من الدهر، تمتد عبر الهند الوسطى، وكان لها من القوة والمجد في عهد "بولاكشين الثاني" ما تمكنت به من أن تهزم "هارشا" وأن تجذب إليها "يوان تشوانج" وأن تظفر من "خسرو الثاني" ملك الفرس بسفارة محترمة؛ وكذلك تمت في عهد "بولاكشين" وفي أرض مملكته أعظم التصاوير الهندية، وأعني بها نقوش أجانتا؛ ثم أسقط "بولاكشين" عن عرشه ملك الفلاويين الذي لبث حيناً قصيراً أعظم قوة في الهند الوسطى؛ وأما في أقصى الجنوب فقد أقام "البانداويون" ملكاً في عهد مبكر يقع في القرن الأول الميلادي، ويشتمل "مِدْراس" و "تِنِفلي" وبعض أجزاء" ترافانكور"؛ وقد جعلوا من مدينة "مادورا" بلداً من أجمل بلدان الهند في العصر الوسيط وزينوها بمعبد شامخ وبمئات من الآثار المعمارية الفنية الصغرى؛ ودار الزمن دورته فإذا هم كذلك يُشَّل عرشهم على أيدي "الكوليين" أولا ثم على أيدي المسلمين بعد ذلك؛ فأما "الكوليّون" فقد بسطوا سلطانهم على الجزء الواقع بين "مادورا" و "مِدْراس" ومن ثم مدوا أرجاءه تجاه الغرب إلى "ميسور"؛ ويمتد تاريخهم

стр. 755

إلى عهد بعيد في القِدَم، إذ ترى اسمهم مذكوراً في مراسيم "أشوكا"، لكننا لا ندري عنهم شيئاً حتى القرن التاسع حين بدءوا شوطاً طويلاً تملؤه الغزوات التي جاءتهم بأموال الجزية من الهند الجنوبية كلها بما في ذلك جزيرة سيلان؛ ثم اضمحل سلطانهم وانطووا تحت حكم أعظم الدويلات الجنوبية، وهي دولة "فيجاياناجار" (١). أن "فيجاياناجار"- وهو اسم يطلق على مملكة وعلى عاصمتها معاً- مَثلٌ حزين يساق للمجد الذي يعفى عليه النسيان؛ وقد كانت في أيام عزها تشتمل على الدويلات التي يحكمها الأهلون اليوم في جنوبي شبه الجزيرة، كما تشتمل على ميسور وعلى اتحاد مِدْراس بكل أجزائه؛ وحسبك إذا أردت أن تتصور ما كان لها من سلطان وثراء، أن تتذكر أن ملكها "كرشنارايا" زحف إلى موقعة تاليكونا بجيش قوامه ٠٠٠ ر ٧٠٣ من المشاة، و ٦٠٠ ر ٣٢ من الفرسان، و ٥٥١ فيلاً، يصحبهم ما يقرب من مائة ألف من التجار والبغايا وغير هؤلاء وأولئك ممن كانوا يصحبون معسكرات الجند في ذلك العصر إذا ما زحف الجيش في غزواته (٦٣) ولقد حد من أوتوقراطية الملك قدر من الاستقلال الذاتي تمتعت به القرى، كما حد منها كذلك ملوك كانوا يظهرون آناً بعد آن، يتميزون عن سواهم بعقولهم المستنيرة وقلوبهم الرحيمة. ولك أن تقارن "كرشنارايا" الذي حكم "فيجاياناجار" بمعاصرة هنري

стр. 756

الثامن مقارنة ستكشف لك عن تفوقه على هنري الثامن الذي ما فتئ محباً للنساء لأنك سترى فيه ملكاً أنفق حياته في العدل والرحمة، وبسط كفه بالإحسان الغزير. وتسامح إزاء الديانات الهندية، وكان له شغف بالآداب والفنون فأيدها، وكان كريماً مع من سقط في يديه من أعدائه فعفا عنهم ولم يمس مدنهم بسوء، وانصرف بجهده كله حتى الإفراط، إلى شئون الحكم، ولقد كتب مبشر برتغالي- هو دومنجوزبيز سنة ١٥٢٢ م- فوصفه بقوله: "إنه بلغ أقصى ما يمكن لملك أن يبلغه من الهيبة والكمال وهو ذو مزاج بهيج وشديد المرح، ومن صفاته أنه لا يألو جهداً في تكريم الأجانب وفي الحفاوة بهم … إنه حاكم عظيم ورجل يغلب على أخلاقه العدل، ولكنه يثور بالغضب فجأة حيناً بعد حين … وهو بحكم منزلته أسمي منزلة من سائر الحاكمين، لما له من جيوش وسعة سلطان، لكنه فيما يبدو لم يكن في واقع الأمر يحظى بما كان ينبغي لرجل في مثل مكانته أن يحظى به؛ فهو من الشهامة والكمال في كل شئ بمكان" (١). وربما كانت العاصمة التي تأسست سنة ١٣٣٦ م أغنى مدينة عرفتها الهند حتى ذلك الزمان؛ زارها "نيكولوكونتي" حول سنة ١٤٢٠ م فقدر محيطها بستين ميلاً، ووصفها "بيز" فقال إنها "في اتساع روما وتراها العين فترى جمالاً خلاباً" ثم أضاف إلى ذلك قوله: "إن بها أحراشاً كثيرة من الشجر وقنوات مائية عدة" ذلك لأن مهندسيها قد أقاموا سداً ضخماً على نهر تنجابادرا وأنشئوا بذلك خزاناً ينتقل الماء منه إلى المدينة بقناة طولها خمسة عشر ميلاً، وقد كان الخزان منحوتاً في صخر أصم مدى عدة أميال؛ وقال "عبد الرزاق" الذي شهد المدينة سنة ١٤٤٣ م أن فيها "ما لم تر مثيله في أي جزء من أجزاء العالم عين ولا سمعت بمثيله أذن" واعتبرها "بيز" "أوفر بلاد الدنيا مؤونة … ففيها من كل شئ وفرة" ويروى لنا أن عدد دورها قد أربى على مائة ألف،

стр. 757

يسكنها نصف مليون من البشر، وتراه يدهش لقصر من قصورها كانت فيه غرفة بنيت كلها من العاج؛ "إنها من الثراء والجمال بحيث يكاد يستحيل أن تجد لها ضريباً في أي مكان آخر" (٦٦). ولما تزوج "فيروز شاه" سلطان دلهي من ابنة ملك "فيجاياناجار" في عاصمة هذا الأخير، فرشت الطرقات لمسافة ستة أميال بالمخمل والحرير ورقائق الذهب وغير ذلك من المواد النفيسة (٦٧)، لكن أذكر مع ذلك أن كل رحالة كذاب. وإذا ما نفذت ببصرك وراء هذا الستار من الغنى، وجدت شعباً من عبيد وفعلة يعيشون في مسبغة وخرافة، ويخضعون لتشريع اصطنع القسوة الوحشية ليصون بين الناس ضرباً منشوداً من ضروب الأخلاق التجارية، فكان العقاب يتراوح بين قطع الأيدي أو الأقدام وقذف المذنب إلى الفيلة وجذ رأسه ووضعه حياً على قضيب مدبب ينفذ خلال معدته، أو تعليقه على مشبك من أسفل ذقنه وتركه هكذا حتى يموت (٦٨)، وهذه العقوبة الأخيرة كانت تنزل بالمغتصب أو بالسارق الذي يمعن في سرقته؛ وكان البغاء مسموحاً به، تنظمه القوانين بحيث تجعل منه مورداً من موارد العرش، ويقول (عبد الرزاق) إنه رأى "أمام دار السكة ديوان عميد المدينة الذي قيل عنه أنه يهيمن على اثني عشر ألفاً من رجال الشرطة، الذين تدفع لهم رواتبهم … مما يجبى من مواخير البغاء، وإنه لمما يعز على الوصف تصوير فخامة هذه الدور وجمال آهلاتها من الفاتكات بالقلوب، وما لهن من فتنة الحديث وحلاوة الغزل" (٦٩)، وقد كان للمرأة عندهم منزلة دنيا، وكان عليها أن تقتل نفسها عند وفاة زوجها، فكانوا يتركونها أحياناً تلقي بنفسها حية في القبر (٧٠). وازدهر الأدب في عصر "ملوك الرايا"- أي ملوك فيجاياناجار-

стр. 758

ازدهر مكتوباً بالسنسكريتية القديمة وبلهجة "تلوجو" التي ينطق بها أهل الجنوب؛ وكان "كرشنارايا" نفسه شاعراً كما كان راعياً سخياً للآداب، وإنهم ليضعون أمير شعرائه "آلاساني بدانا" في الرعيل الأول من شعراء الهند كلها؛ وكذلك ازدهر التصوير وفن العمارة، فشيدت المعابد الضخمة، وزينت في كل جزء من أجزائها تقريباً بالتماثيل والنقوش البارزة؛ وكانت البوذية قد فقدت سلطانها على الناس، وحل محلها ضرب من البراهمية التي تقدس " فشنو " قبل تقديسها لغيره من الآلهة، وكانت البقرة عندهم مقدسة فلا تمتد إليها أيديهم بالذبح، ولهم أن يقدموا للآلهة قرابين من ضروب الماشية الأخرى ومن الطيور الداجنة، كما كان لهم أن يأكلوا لحوم هذه الصنوف؛ وبالجملة كان الدين قاسي الأحكام على حين كانت أخلاق التعامل بين الناس على شئ من التهذيب. لكن هذا السلطان كله وهذا الترف كله قد انمحى بين عشية وضحاها، وأخذ المسلمون الغزاة يشقون طريقهم رويداً رويداً بين الجنوب، وتحالف سلاطين "بيجابور" و "احمد ناجار" و "جولكوندا" و "بدار" فركزوا قواهم جميعاً ليخضعوا هذا المعقل الأخير الذي تحصن فيه ملوك الهند الوطنيون، والتقت جيوشهم المتحالفة بجيش "راماراجا" الذي يبلغ عدده نصف المليون في موقعة "تاليكوتا" وكان الغلب للمغيرين بسبب كثرة عددهم، ووقع "راماراجا" في الأسر وقطع رأسه على مرأى من أتباعه، فدب الرعب في أنفس هؤلاء الأتباع ولاذوا بالفرار، لكن عدداً يقرب من مائة ألف منهم قتل في طريق الفرار حتى اصطبغت بدمائهم مجاري الماء؛ وراح الجنود الفاتحون ينهبون العاصمة الغنية، وكانت الغنائم من الكثرة بحيث "أصبح كل جندي بسيط من جنود الجيوش المتحالفة غنياً بما ظفر به من ذهب ومجوهرات ومتاع وخيام وسلاح وجياد ورقيق" (٧١) ودام النهب خمسة أشهر، جعل الظافرون خلالها يفتكون بمن لا حول لهم من الأهالي في وحشية لا تفرق بين إنسان وإنسان، وراحوا يفرغون المخازن والدكاكين، ويقوضون المعابد

стр. 759

والقصور، وبذلوا ما استطاعوا من جهد لإتلاف كل ما تحويه المدينة من تماثيل وتصاوير؛ وبعدئذ جاسوا خلال الشوارع يحملون المشاعل الموقدة فيشعلوا النار في كل ما يصلح وقوداً للنار، حتى إذا ما غادروا المدينة آخر الأمر، كانت " فيجاياناجار " قد باتت خراباً بلقعاً كأنما زلزل زلزلها فما أبقي منها حجراً على حجر؛ وهكذا كان الدمار فضيعاً لم يُبْق على شئ، يصوّر أدق تصوير غزو المسلمين للهند، ذلك الغزو الشنيع الذي كان قد بدأ قبل ذلك بألف عام، وبلغ حينئذ ختام مراحله (١).

стр. 760

الفصل السادس الفتح الإسلامي (١) إضعاف الهند - محمود الغزنوي - سلطنة دلهي - انحرافاتها الثقافية - سياستها الوحشية - عبرة التاريخ الهندي لعل الفتح الإسلامي للهند أن يكون أكثر قصص التاريخ تلطخاً بالدماء (٢)؛ وإن حكاية الفتح لمما يبعث اليأس في النفوس لأن مغزاها الواضح هو أن المدنية مضطربة الخطى، وأن مُركبَّها الرقيق الذي قوامه النظام والحرية، والثقافة والسلام، قد يتحطم في لحظة على أيدي جماعة من الهمج تأتي من الخارج غازية (٣)، أو تتكاثر في الداخل متوالدة؛ فهؤلاء هم الهندوسيون قد تركوا أنفسهم للانقسام والقتال الداخليين يفتان في عضدهم، واتخذوا لأنفسهم البوذية والجانتية ديناً، فأخمد مثل هذا الدين جذوة الحياة في قلوبهم بحيث عجزوا عن الصمود لمشاقها؛ ولم يستطيعوا تنظيم قواهم لحماية حدودهم وعواصمهم وثروتهم وحريتهم من طوائف السُّكيَّت والهون والأفغان والأتراك الذين ما فتئوا يجوبون حول حدود البلاد يرقبون ضعف أهلها لينفذوا إلى جوفها، فكأنما لبثت الهند أربعة قرون (من ٦٠٠ إلى ١٠٠٠ م) تغري الفاتحين بفتحها، حتى جاءهم هذا الفتح حقيقة واقعة آخر الأمر. وكانت أول هجمة للمسلمين إغارة عابرة منهم على "ملطان" التي تقع في الجزء الغربي من البنجاب (سنة ٦٦٤ م)، ثم وقعت من المسلمين إغارات أخرى شبيهة بهذه كان فيها النجاح حليفهم مدى الثلاثة القرون التالية، حتى انتهى بهم الأمر إلى توطيد سلطانهم في وادي نهر السند في نحو الوقت الذي

стр. 761

كان زملاؤهم في الدين يقاتلون في الغرب موقعة "تور" (٧٣٢ م) ليخلصوا منها إلى فرض سيادتهم على أوربا، على أن الفتح الإسلامي الحقيقي للهند لم يقع إلا بعد نهاية الألف عام الأولى من التاريخ الميلادي. ففي سنة ٩٩٧ م تولى شيخ من الشيوخ الأتراك يسمى محمود سلطنة دولة صغيرة؛ تقع في الجزء الشرقي من أفغانستان، وهي دولة غزنة؛ وأدرك محمود أن ملكه ناشئ وفقير، ورأى الهند عبر الحدود بلداً قديماً غنياً، ونتيجة هاتين المقدمتين واضحة؛ فزعم لنفسه حماسة دينية تدفعه إلى تحطيم الوثنية الهندوسية، واجتاح الحدود بقوة من رجاله تشتعل حماسة بالتقوى التي تطمع في الغنيمة، والتقى بالهندوسيين آخذاً إياهم على غرة في "بهمناجار"، فقتلهم ونهب مدائنهم وحطم معابدهم وحمل معه كنوزاً تراكمت هناك على مر القرون؛ حتى إذا ما عاد إلى غزنة، أدهش سفراء الدول الأجنبية بما أطلعهم عليه من "الجواهر واللآلئ غير المثقوبة والياقوت الذي يتلألأ كأنه الشرر، أو كأنه النبيذ جمده الثلج، والزمرد الذي أشبه غصون الريحان اليانعة، والماس الذي ماثل حب الرمان حجماً ووزناً" (٧٢)؛ وكان محمود كلما أقبل شتاء هبط على الهند وملأ خزائنه بالغنائم، وأمتع رجاله بما أطلق لهم من حرية النهب والقتل، حتى إذا ما جاء الربيع عاد إلى عاصمة بلاده أغنى مما كان؛ وفي "ماثورة" (على جمنه) أخذ من المعبد تماثيله الذهبية التي كانت تزدان بالأحجار الكريمة؛ وأفرغ خزائنه من مكنونها الذي كان يتألف من مقادير كبيرة من الذهب والفضة والجواهر؛ وأعجبه فن العمارة في ذلك الضريح العظيم، ثم قدر أن بناء مثله يكلف مائة مليون دينار وعملاً متصلاً مدى قرنين، فأمر به أن يغمس في النفط، وأن يترك طعاماً للنار حتى أتت عليه (٧٣)، وبعد ذلك بستة أعوام، أغار على مدينة غنية أخرى تقع في شمال الهند، وهي مدينة "سمنة" فقتل سكانها جميعاً وعددهم خمسون ألف نسمة، وحمل كنوزها إلى غزنة؛ ولعله في نهاية أمره قد أصبح أغنى ملك عرفه التاريخ؛ وكان أحياناً يبقي على سكان المدن المنهوبة ليأخذهم معه إلى وطنه فيبيعهم هناك رقيقاً، لكن هؤلاء

стр. 762

الأسرى بلغوا من الكثرة حداً أدي بهم إلى البوار بعد بضعة أعوام، بحيث يتعذر أن تجد من يدفع أكثر من شلنات قليلة ثمناً للعبد من هؤلاء؛ وكان محمود كلما هم بعمل حربي هام، جثا على ركبتيه مصلياً يدعو الله أن يبارك له في جيشه؛ وظل يحكم ثلث قرن، فلما جاءته منيته، كان قد أثقلته السنون ودواعي الفخار، فوصفه المؤرخون المسلمون بأنه أعظم ملوك عصره، ومن أعظم الملوك في كل العصور (٧٤). فلما رأى سائر الحكام المسلمين ما خلعه التوفيق من جلال على هذا اللص (١) العظيم، حذوا حذوه، ولم يستطيع أحد منهم أن يبزه في خطته؛ ففي عام ١١٨٦ م قامت قبيلة تركية من الأفغانستان، وهي قبيلة الغوريين، بغزو الهند والاستيلاء على دلهي، وخربوا معابدها وصادروا أموالها ونزلوا بقصورها ليؤسسوا لأنفسهم بذلك سلطنة دلهي - وهي سلطنة استبدادية وفدت إلى البلاد من خارج، وجثمت على شمالي الهند ثلاثة قرون، لم يخفف من عبئها إلا حوادث الاغتيال والثورة؛ وكان أول هؤلاء السلاطين الأشرار هو "قطب الدين أيبك" الذي يعد نموذجاً سوياً لنوعه - فهو متهوس في تعصبه غليظ القلب لا يعرف الرحمة؛ ويروي لنا عنه المؤرخ المسلم فيقول أن عطاياه "كانت توهب بمئات الألوف، وقتلاه كانوا كذلك يعدون بمئات الألوف ففي قصر واحد ظفر به هذا المحارب "الذي كان قد بيع عبدا "وضع في أغلال الرق ٥٠ ألف رجل واسودت بطاح الأرض بالهنود" (٧٥)؛ وكان "بَلْبان"- وهو سلطان آخر- يعاقب الثائرين وقطاع الطرق برميهم تحت أقدام الفيلة، أو ينزع عنهم جلودهم، ثم يحشو هذه الجلود بالقش ويعلقها على أبواب دلهي؛ ولما حاول بعض السكان المنغوليين الذين كانوا قد استوطنوا دلهي واعتنقوا الإسلام، أن يقوموا بثورة، أمر السلطان علاء الدين (فاتح شيتور) بالذكور جميعاً- ويقع عددهم بين خمسة عشر ألفاً وثلاثين ألفاً-

стр. 763

فقتلوا في يوم واحد؛ وجاء السلطان محمود بن طغلق فقتل أباه وتولى العرش من بعده، وقد أصبح في عداد العلماء الأعلام والأدباء أصحاب الأسلوب الرشيق، فدرس الرياضة والطبيعة والفلسفة اليونانية، ولكنه مع ذلك بز أسلافه في سفك الدماء وارتكاب الفظائع، من ذلك أنه جعل من ابن أخ له ثار عليه طعاماً أرغم زوجة القتيل وأبناءه على أكله؛ وأحدث في البلاد تضخماً مالياً باستهتاره فجلب الدمار إلى البلاد، وتركها خراباً بما أجراه فيها من نهب وقتل، حتى لقد لاذ سكانها بالفرار إلى الغابات، ولقد أوغل في قتل الهنود حتى قال عنه مؤرخ مسلم: "إن أمام رواقه الملكي وأمام محكمته المدينة لم يخل المكان قط من أكداس الجثث، حتى لقد مل الكناسون والجلادون، وأتعبهم جر الأجساد - أجساد الضحايا- لأعمال القتل فيهم زرافات" (٧٦)؛ ولما أراد أن ينشئ عاصمة جديدة في "دولة أباد" أخرج سكان دلهي من بلدهم لم يبق منهم أحداً، وخلف المدينة قفراً يباباً؛ وسمع أن رجلاً أعمى قد ظل مقيماً في دلهي، فأمر به أن يجر على الأرض من العاصمة القديمة إلى العاصمة الجديدة، ولما بلغوا بالمسكين آخر رحلته لم يكن قد بقى من جسده إلا ساق واحدة (٧٧) وشكا السلطان من نفور الشعب منه وعدم اعترافهم بعدله الذي لم ينحرف عن جادة السبيل. وظل يحكم الهند ربع قرن ثم وافته منيته وهو في فراشه؛ وتبعه "فيروز شاه" فغزا البنغال، ووعد أن يكافئ كل من جاءه برأس هندي، حتى لقد دفع في ذلك مكافآت عن مائة وثمانين ألفاً من الرؤوس، وأغار على القرى الهندية طلباً للرقيق، ومات وهو شيخ معمر، بلغ من العمر ثمانين عاماً؛ وجاء السلطان احمد شاه، فكان يقيم الحفلات ثلاثة أيام متوالية كلما بلغ القتلى في حدود ملكه من الهنود العزل عشرين ألفاً في يوم واحد (٧٨). وكثيراً ما كان هؤلاء الحكام رجالاً ذوي قدرة، كما كان أتباعهم يمتلئون بسالة جريئة ونشاطاً؛ وبغير هذا الفرض فيهم لا نستطيع أن نفهم كيف أتيح

стр. 764

لهم أن يصونوا ملكهم وسط شعب معاد لهم ويفوقهم عدداً بنسبة كبيرة؛ وكانوا جميعاً مسلحين بعقيدة دينية حربية النزعة لكنها أسمى بكثير في توحيدها الجاد من كل المذاهب الدينية الشائعة إذ ذاك في الهند؛ ولقد عملوا على طمس ما لعقيدتهم تلك من ظاهر جذاب، بأن أرغموا الهنود على عدم القيام بشعائر دينهم علناً، وبهذا مهدوا للهنود طريق الانغماس في صميم الروح الهندية إلى أعماقها؛ وكان لبعض هؤلاء الحكام المستبدين العطشى للطغيان ثقافة إلى جانب ما كان لهم من قدرة، فرعوا الفنون وهيئوا سبل العيش لرجال الفن والصناعة- وهؤلاء عادة من أصل هندي- بأن استخدموهم في بناء المساجد والأضرحة الفخمة؛ وكذلك كان بعضهم علماء يمتعهم أن يحاوروا المؤرخين والشعراء ورجال العلوم؛ ولقد صحب محموداً الغزنوي إلى الهند عالم من أعظم علماء آسيا، وهو البيروني وهناك كتب استعراضاً علمياً عن الهند قريب الشبه بكتاب "التاريخ الطبيعي" لمؤلفه "بِلْني" وكتاب "الكون" "الهمبولت" وكان للمسلمين مؤرخون يكادون يبلغون عدد ما كان لهم من قادة الجيش، ولم يقلوا عنهم في حبهم لسفك الدماء والحرب؛ وأما السلاطين فقد ابتزوا من الشعب كل ما في مستطاع الناس أن يدفعوه من مال على سبيل الجزية، واصطنعوا في ذلك الوسائل العتيقة في فرض الضرائب، كما لجاءوا أيضا إلى السرقة الصريحة، لكنهم كانوا يقيمون في الهند وينفقون غنائمهم تلك في الهند، فأعادوا إلى الحياة الاقتصادية في الهند ما استلبوه منها؛ ومهما يكن من أمر فقد كانت وسائلهم الإرهابية واستغلالهم للناس مما زاد من إضعاف البنية الهندية وإضعاف الروح المعنوية بين الهنود، وهو إضعاف عمل عليه قبل ذلك مناخ البلاد المنهك للقوى وقلة ما يأكلونه من طعام، وتمزق البلاد من الوجهة السياسية والنظرة المتشائمة التي توحي بها دياناتهم. وقد رسم علاء الدين تخطيطاً واضحاً للسياسة التي جرى عليها السلاطين في

стр. 765

معظم الأحيان، وذلك أنه طلب إلى مستشاريه أن يسنوا "قواعد وقوانين يكون من شأنها أن تسحق الهنود سحقاً، وأن تسلبهم تلك الثروة وهاتيك الكنوز التي كانت تولد في نفوسهم البغضاء والثورة" (٨٠)؛ فكانت الحكومة تستولي على نصف مجموع المحصول الزراعي، بعد أن كان الحكام الوطنيون قبل ذلك يستولون من ذلك المحصول على سدسه فقط؛ يقول مؤرخ مسلم: "لم يستطيع هندي أن يرفع رأسه، ولم تكن لترى في دورهم أثراً لذهب أو فضة … بل لم تكن لترى هناك شيئاً مما يزيد عن ضرورات الحياة … وكانوا يجبرون على دفع الضريبة باللطمات وتقييد الأقدام والشد بالأغلال والزج في السجن"، وكان علاء الدين إذا ما احتج مستشاريه على سياسته هذه، أجابه بقوله: "أيها الفقيه، إنك متبحر في العلم لكنك خلو من الخبرة، أما أنا فلا علم عندي لكني رجل محنك؛ فكن على يقين أن الهنود لن يذلوا أو يطيعوا حتى ننزل بهم الفقر، ولهذا أصدرت أمري بألا يترك في أيديهم إلا الضروري لحفظ الحياة مما يجمعونه عاماً بعد عام من محصول الغلال واللبن والجبن، وألا يسمح لهم قط بادخار الأموال والأملاك" (٨١). وفي هذا سر التاريخ السياسي للهند الحديثة؛ فقد مزقها الانقسام حتى جثت أمام الغزاة ثم أفقرها هؤلاء الغزاة فأفقدوها قوة المقاومة، فاستجارت من هذا البلاء بعزاء في الحياة الآخرة، ومن هنا راحوا يؤمنون بأن السيادة والعبودية كلاهما وهم زائل، ويعتقدون بأن حرية البدن أو حرية الأمة لا تكادان تستحقان الجهاد في مثل هذه الحياة القصيرة؛ والعبرة المرة التي نستخلصها من هذه المأساة هي أن اليقظة الساهرة أبداً هي ضمان دوام المدنية؛ فالأمة ينبغي أن تحب السلام، لكنها يجب أن تكون دوماً على أهبة الاستعداد للقتال.

стр. 766

الفصل السابع أكبر العظيم (١) تيمورلنك، بابور - هميون، أكبر، حكومته - شخصيته - رعايته للفنون - تحمسه للفلسفة - حسن علاقته بالهندوسية والمسيحية - ديانته الجديدة - أكبر في أخريات أيامه إن من طبيعة الحكومات أن يصيبها الانحلال، لأن القوة- كما قال شلي- تسمم كل يد تمسها (٨٢) فقد أدي إسراف سلاطين دلهي إلى فقدانهم تأييد الهنود لهم، بل فقدانهم تأييد أتباعهم من المسلمين كذلك؛ حتى إذا ما أغارت على البلاد جيوش مغيرة جديدة من الشمال، مني هؤلاء السلاطين بالهزيمة بغير عناء كما كانوا هم أنفسهم قد كسبوا الهند بغير عناء. وأول من انتصر عليهم في ذلك هو "تيمورلنك" الذي كان قد اعتنق الإسلام ليتخذ منه سلاحاً ماضياً، كما قد أعد لنفسه قائمة أنساب ترده إلى "جنكيز خان" لكي يعينه ذلك على كسب طائفة المغول إلى جانبه؛ فلما أن فرغ من استيلائه على عرش سمرقند، ولم يزل يحس الرغبة في مزيد من الذهب، أشرقت عليه فكرة مؤداها أن الهند لم تزل حينئذ مليئة بالكفار، لكن قواده كانوا يعلمون بسالة المسلمين، فلم يذهبوا معه في الرأي، موضحين له أن الكفار الذين يمكن الوصول إليهم من سمرقند، كانوا بالفعل تحت الحكم الإسلامي، ثم أفتى له الفقهاء العلماء بالقرآن بآية تبعث الحماسة في الصدور وهي: "يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" (٨٣) فما هو إلا أن عبر تيمور نهر السند (١٣٩٨ م) وقتل أو استعبد كل من وقعت عليهم يداه من السكان فلم يستطيعوا الفرار منه، وهزم جيوش السلطان محمود طغلق

стр. 767

واحتل دلهي، وذبح مائة ألف من الأسرى ذبحاً متعمداً، وسلب من المدينة كل أموالها التي كانت الأسرة الأفغانية المالكة قد كدستها هناك، وحملها معه إلى سمرقند، مستصحباً كذلك عدداً كبيراً من النساء والعبيد، تاركاً وراءه الفوضى والمجاعة والوباء (٨٤). وعاد سلاطين دلهي فاعتلوا عرشهم، واستغلوا الهند قرناً آخر من الزمان، حتى جاءهم الفاتح الحقيقي، وهو "بابور" الذي أسس أسرة المغول (١) العظيمة وهو يشبه الإسكندر كل الشبه في شجاعته وجاذبيته، ولما كان سليل تيمور وجنكيز خان معاً، فقد ورث كل ما اتصف به هذان الحاكمان- اللذان ألهبا آسيا- من قدرة، دون أن يرث ما كان لهما من غلظة القلب؛ وكان يعاني من فيض نشاط في جسده وعقله، فطفق يقاتل ويخرج للصيد وللرحلة دون أن يروى بذلك غلته، ولم يكن عليه عسيراً أن يقتل بمفرده خمسة أعداء في خمس دقائق (٨٧)، وحدث أن قطع في يومين مائة وستين ميلاً وهو راكب على ظهر جواده، ثم واصل مجهوده ذاك فسبح نهر الكنج مرتين كأن الرحلة لم تكفه دليلاً على نشاطه؛ ولقد قال وهو في أواخر سنيه أنه منذ عامه الحادي عشر لم يصم رمضان مرتين في مكان واحد (٨٨). وله "ذكريات" يستهلها بقوله: "لما بلغت من العمر اثني عشر عاماً أصبحت حاكماً على فرغانة" (٨٩) ولما بلغ الخامسة عشرة حاصر سمرقند واستولى عليها، ثم ضاعت من يده لعجزه عن دفع رواتب جنده، واعتلّت صحته حتى أوشك على الموت، واعتصم بالجبال حيناً، ثم عاد إلى المدينة فاستولى عليها بقوة قوامها مائتان وأربعون رجلاً، وعاد من جديد ففقدها بخيانة غادر؛ فاختبأ في غمرة من الفقر عامين، حتى لقد فكر في نفض يده

стр. 768

من حياة الجهاد مكتفياً بحياة الفلاحة في حقول الصين؛ لكنه عاود نفسه فنظم جيشاً جديداً وأبدى من الشجاعة ما ألهب الشجاعة في نفوس جنده واستولى على كابل وهو في عامه الثاني والعشرين من عمره، بعد أن أنزل الهزيمة الساحقة بجيش السلطان إبراهيم في موقعة بانبات، وقوامه مائة ألف جندي، مع أن جيشه لم يزد على اثني عشر ألفاً، ومعهم عدد من حر الجياد؛ وقتل الأسرى ألوفاً ألوفاً، واستولى على دلهي، وأسس بها أعظم وأكرم أسرة أجنبية مما حكم الهند من أجانب؛ وأخيراً نعم بحياة وادعة أربعة أعوام، كان يقرض فيها الشعر ويكتب ذكرياته، ومات في سن السابعة والأربعين بعد أن عاش قرناً كاملاً إذا عدت السنون بما فيها من نشاط وتجربة. وكان ابنه "هميون" من الضعف والتردد والإدمان في الأفيون بحيث لم يستطع أن يتابع السير في طريق أبيه "بابور"، فهزمه "شرشاه" وهو من شيوخ الأفغان، في موقعتين دمويتين، واستعاد حيناً من الدهر سلطة الأفغان في الهند؛ ولئن كان "شرشاه" قديراً على القتل في أحسن صوره الإسلامية، إلا أنه كذلك أعاد بناء دلهي في ذوق معماري جميل، وأقام في إدارة الحكم إصلاحات مهدت السبيل للحكم المستنير الذي تم على يدي "أكبر"؛ وبعد أن تولى الملك شاهان قليلاً الشأن مدى عشرة أعوام، نظم "هميون" قوة في فارس، بعد اثني عشر عاماً قضاها في صعاب وتجواب، ثم عاد إلى الهند واستعاد العرش، لكنه لم يلبث بعد ذلك إلا ثمانية أشهر، إذ سقط من شرفة مكتبته فقضى نحبه. وكانت زوجته قد أنجبت له أثناء نفيه وفقره ولداً أسماه (محمداً) تبركاً بهذا الاسم، لكن الهند أطلقت عليه "أكبر"- ومعناها "البالغ في عظمته حداً بعيداً"- ولم يدخروا من وسعهم شيئاً لتنشئته رجلاً عظيماً، بل إن أسلافه قد تعاونوا على اتخاذ التدابير كلها ليبلغوا به قمة العظمة، ففي عروقه تجري دماء "بابور" و "تيمور" و"جنكيز خان" وأعد له المُربّون في كثرة، لكنه رفضهم جميعاً وأبى أن يتعلم القراءة؛ وأخذ يعد نفسه بدل ذلك لتولي

стр. 769

المُلك بالرياضة الخطرة التي ما فتئ يرتاضها، فأصبح فارساً يتقن ركوب الخيل إلى حد الكمال، وكان يلعب بالكرة والصولجان لعب الملوك، ومهر في فن سياسة الفيلة مهما بلغت من حدة الافتراس، ولم يتردد قط في ارتياد الغابة لصيد الأُسْد والنمور وفي تحمل المشاق مهما بلغ عناؤها، وفي مواجهة المخاطر كلها بشخصه؛ ولكي يكون تركياً أصيلاً، لم يضعف ضعف الإناث فيمج طعم الدماء البشرية؛ من ذلك أنه لما كان في عامه الرابع عشر، دعي ليظفر بلقب "غازي"- ومعناها قاتل الكفار- بأن قدموا له أسيراً هندياً ليقتله فبتر رأس الرجل بتراً في لمحة سريعة وبضربة واحدة من حسامه؛ تلك كانت البدايات الوحشية لرجل كتب له أن يكون من أحكم وأرحم وأعلم من عرفهم تاريخ الدنيا من ملوك (١). لما بلغ الثامنة عشرة من عمره تسلم مقاليد الأمور من يد الوصي على عرشه، وكانت رقعة ملكه تمتد حينئذ فتشمل أكثر من ُثمن مساحة الهند كلها- فهي شريط من الأرض يبلغ عرضه نحو ثلاثمائة ميل، ويمتد من الحدود الشمالية الغربية عند ملطان إلى بنارس في الجانب الشرقي؛ وامتلأ بما كان يمتلئ به جده من حماسة وجشع، فشرع يوسع هذه الحدود، واستطاع بسلسلة من الحروب التي لم تعرف الرحمة أن يبسط سلطانه على الهندستان كلها، ماعدا مملكة راجبوت التي تخضع لأسرة موار؛ فلما عاد إلى دلهي نزع عن نفسه السلاح، وكرس جهده لإعادة تنظيم حكومة ملكه؛ وكان سلطانه مطلقاً فهو الذي يعين الرجال للمناصب الهامة كلها، حتى ما يقع منها في الأقاليم النائية؛ وكان معاونوه الأساسيون أربعة: رئيس الوزراء ويسمى "فقيراً"، ووزير المالية ويسمى "وزيراً"، وأحياناً يسمى "ديواناً"،

стр. 770

ورئيس للقضاء ويسمى "بخشي" ورئيس للديانة الإسلامية ويسمى "صدراً"؛ وكان كلما ازداد حكمه استقراراً ورسوخاً في القلوب، قل اعتماده على القوة الحربية، مكتفياً بجيش دائم من خمسة وعشرين ألفاً، فإذا ما نشبت حرب، زادت هذه القوة المتواضعة بمن يجندهم الحكام العسكريون في الأقاليم- وهو نظام متصدع الأساس كان من عوامل سقوط الإمبراطورية المغولية في حكم "أورنجزيب" (١) وفشت الرشوة والاختلاس بين هؤلاء الحكام ومعاونيهم، حتى لقد انفق "أكبر" كثيراً من وقته في مقاومة هذا الفساد؛ واصطنع الاقتصاد الدقيق في ضبط نفقات حاشيته وأهل أسرته، فحدد أسعار الطعام وسائر الأشياء التي كانت تشترى لهم، كما حدد الأجور التي تدفع لمن تستخدمهم الدولة في شئونها؛ ولما مات، ترك في خزينة الدولة ما يعادل بليون ريال، وكانت إمبراطوريته أقوى دولة على وجه الأرض طرًّا (٩٠). كانت القوانين والضرائب كلاهما قاسياً، لكنهما كانا مع ذلك أقل قسوة منهما قبل ذلك العهد، فقد كان مفروضاً على الفلاحين أن يعطوا الحكومة مقداراً من مجموع المحصول يتراوح بين السدس والثلث، حتى لقد بلغت ضريبة الأراضي في العام ما يساوي مائة مليون ريال؛ وكان الإمبراطور يجمع في شخصه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ وكان إذا ما جلس في كرسي القضاء الأعلى، أنفق الساعات الطوال ينصت إلى أقوال المتخاصمين في القضايا الهامة؛ وكان من قوانينه تحريم زواج الأطفال وتحريم إرغام الزوجة على قتل نفسها عند موت زوجها، وأجاز زواج الأرامل، ومنع استرقاق الأسرى وذبح الحيوان للقرابين، وأطلق حرية العقيدة للديانات كلها، وفتح المناصب

стр. 771

لذوي الكفاءة مهما يكن من أمر عقيدتهم أو جنسهم، ومنع ضريبة الرءوس التي كان الحكام الأفغان يفرضونها على الهندوسيين الذين يأبون الدخول في الإسلام (٩١)، وكان تشريعه في بداية حكمه يبيح عقوبات من قبيل بتر الأعضاء، أما في نهاية عهده فربما بلغ التشريع في بلاده من الرقي ما لم تبلغه أية حكومة أخرى في القرن السادس عشر؛ إن كل دولة تبدأ بالعنف ثم تأخذ في طريق الملاينة الذي ينتهي إلى الحرية (ذلك إن أمنت على نفسها الخطر). لكن قوة الحاكم كثيراً ما تكون ضعفاً في حكومته، فقد كان بناء الحكم قائماً إلى حد كبير على "أكبر" بما كان له من صفات عقلية وخلقية ممتازة، ولذلك كان من البديهي أن يتعرض كل ذلك للانهيار بعد موته؛ وبالطبع قد تحلى بمعظم الفضائل ما دام قد استأجر معظم أقلام المؤرخين: فكان خير رياضي وخير فارس وخير محارب بالسيف، ومن خيرة المهندسين في فن العمارة، وكان كذلك أجمل رجل في البلاد كلها، أما الواقع فإنه كان طويل الذراعين، مقوس الساقين، ضيق العينين كسائر المنغوليين، رأسه يميل نحو اليسار، وفي أنفه ثؤلول (زائدة جلدية) (٩٣)، لكنه كان يكتسب شكلاً محترماً بنظافته ووقاره وهدوئه وعينيه اللامعتين اللتين كانتا تتلألآن (كما يقول أحد معاصريه): "تلألأ البحر في ضوء الشمس" أو كانتا تشتعلان على نحو ترتعد له فرائص المعتدي كما حدث لفاندام أمام نابليون، كان ساذج الثياب، يغطي رأسه بغطاء مزركش، ويرتدي صدراً وسراويل، ويرصع نفسه بالجواهر، ويترك قدميه عاريتين؛ وكان لا يميل كثيراً إلى أكل اللحم، ثم امتنع عنه امتناعاً تاماً تقريباً في أواخر سنيه قائلاً "إنه لا يجمل بالإنسان أن يجعل من معدته مقبرة للحيوان" ومع ذلك فقد كان قوي الجسد قوي الإرادة، وبرع في كثير من أنواع الرياضة التي تحتاج إلى حركة ونشاط، واستخف بستة وثلاثين ميلاً يمشيها في يوم واحد، وكان يحب اللعب بالكرة والصولجان

стр. 772

حباً حدا به أن يخترع كرة منيرة ليتمكن اللاعبون من القيام بلعبتهم هذه في ظلمة الليل؛ وورث من أسلافه في أسرته ميولها الاندفاعية القوية، وكان في شبابه (مثله في ذلك مثل معاصريه من المسيحيين) قادراً على حل مشكلاته بالاغتيال؛ لكنه راضَ نفسه شيئاً فشيئاً على أن يجلس على بركان نفسه- على حد تعبير وودرو ولسن- وامتاز من عصره امتيازاً بعيد المدى في ميله إلى العدل، وهو صفة لا يتميز بها حكام الشرق دائماً؛ يقول "فرِشْتا": "إن رحمته لم تعرف حدوداً، بل إنه كثيراً ما ذهب في هذه الفضيلة حتى جاوز بها حدود الحكمة" (٩٣) وكان كريماً ينفق الأموال الطائلة إحساناً، أحبه الناس جميعاً، وخصوصاً الطبقات الدنيا، فيقول عنه مبشّرٌ جوويتيّ: "إنه كان يتقبل من أهل الطبقات الدنيا عطاياهم الحقيرة بوجه باسم، فيتناولها بيديه ويضمها إلى صدره، مع إنه لم يكن يفعل مثل ذلك مع أفخر الهدايا التي كان يقدمها له الأشراف، وقال عنه أحد معاصريه إنه كان مصاباً بالصرع؛ وروى عنه كثيرون أن داء السوداء كثيراً ما كان يستولي عليه إلى درجة تسود معها نظرته إلى الحياة اسوداداً مخيفاً، وكان يشرب الخمر ويأكل الأفيون في اعتدال، ولعله فعل ذلك ليكسب واقع حياته المظلم شيئاً من البريق، ولقد كان أبوه كما كان أبناؤه يشربون الخمر كما شربها ويأكلون الأفيون كما فعل، لكنهم لم يكونوا يشبهونه في ضبطه لنفسه (١) وكان له حريم يتناسب مع سعة ملكه، فيروي لنا أحد الرواة " أن الملك له في "أجرا" وفي "فتحبور- سِكْرى"- هكذا يروون بصيغة الصدق- ألف فيل وثلاثون حصاناً وألف وأربعمائة غزال وثمانمائة خليلة" لكنه لم يكن له فيما يظهر شهوات حسية ولا ميول تدفعه إلى الانغماس فيها؛ نعم إنه أكثرَ من زوجاته، لكنه كان زواجاً سياسياً، فكان يتودد إلى أمراء الراجبوت بزواج بناتهم، وبهذا كسبهم في تعضيد عرشه،

стр. 773

وأصبحت الأسرة الحاكمة المغولية منذ ذلك الحين نصف وطنية فيما يجري في عروقها من دماء؛ ولقد أعلى رجلاً من أسرة راجبوت حتى نصبه قائداً أعلى لجيشه، كما رفع أحد الراجات إلى منصب كبير وزرائه؛ وكانت أمنيته التي يحلم بها أن يوحد الهند (٩٤). لم يكن ذا عقل واقعي دقيق له برودة المنطق كما كان قيصر أو نابليون، بل كان ينزع بعاطفته نحو دراسة الميتافيزيقا، ولو أنه خلع عن عرشه لكان من الجائز أن يصبح صوفياً معتزلاً؛ كان لا يكف عن التفكير ولا ينقطع عن اختراع الجديد واقتراح الإصلاح لما هو قائم (٩٥)؛ وكان من عادته مثل هارون الرشيد أن يعس بالليل متنكراً، ثم يعود إلى مأواه وهو جياش الصدر برغبة الإصلاح؛ واستطاع وسط هذه المناشط الكثيرة أن يفسح بعض الوقت لجمع مكتبة عظيمة تتألف كلها من مخطوطات جميلة الخط والنقش، دبجها له نساخون بارعون كانت لهم عنده منزلة الفنانين، فهم في عينه لا يقلون مكانة عن المصورين والمهندسين المعماريين الذين كانوا يزينون ملكه؛ وكان يزدري الطباعة باعتبارها آلية لا تتجلى فيها شخصية الكاتب، ولم يلبث أن استغنى عن العينات المختارة من الرسوم الأوربية المطبوعة التي قدمها له أصدقاؤه من الجزويت؛ ولم تزد مكتبته على أربعة وعشرين ألف كتاب، لكن قيمتها بلغت ما يساوي ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف ريال (٩٧) عند أولئك الذين حسبوا أن أمثال هذه الكنوز الروحية يمكن تقديرها بأرقام مادية؛ وأجزل العطاء للشعراء بغير حساب، وقرب أحدهم من نفسه- هو بربال الهندي- تقريباً جعله ذا حظوة كبرى في حاشية قصره، وأخيراً نصبه في الجيش قائداً، فكان من نتيجة ذلك أن قام " بربال " بحملة حربية أظهر فيها عجزاً شديداً، وقتل في جو أبعد ما يكون الجو عن خيال الشعراء (١)

стр. 774

وأمر "أكبر" أعوانه من الأدباء أن يترجموا إلى الفارسية- وقد كانت لغة قصره- آيات الأدب والتاريخ والعلم في الهند، وراجع بنفسه ترجمة الملحمة الخالدة "ماهابهاراتا" (١٠٠) وازدهرت الفنون كلها في ظله وبتشجيعه، فشهدت الموسيقى الهندية والشعر الهندي في عهده عصراً من أعظم عصورهما، وبلغ التصوير- الفارسي منه والهندي- مرتبة تالية في ارتفاعها للأوج بفضل تشجيعه (١٠١) وأشرف في "أجرا" على بناء "الحصن" المشهور، وأمر أن يبنى بداخله خمسمائة بناء، عدها معاصروه من أجمل ما تراه العين في العالم كله؛ لكن هذه المباني قد تحطمت تحطيماً على يدي "شاه جهان" الأرعن، وليس في مقدورنا أن نحكم عليها إلا استنتاجاً من آثار العمارة الباقية من عهد "أكبر" مثل مقبرة "هميون" في دلهي، والآثار الباقية في "فتحبور- سكرى" حيث أقيم ضريح لصديق "أكبر" المحبوب، الزاهد الشيخ سليم شستي، وهو بناء من أجمل ما في الهند من بناء. ثم كان له اتجاه آخر أعمق من هذه الاتجاهات كلها، وهو ميله إلى التأمل، فهذا الإمبراطور الذي أوشك أن يكون قادراً على كل شئ، تحَرَّق فؤاده شوقاً إلى أن يكون فيلسوفاً- كما يشتهي الفلاسفة أن يكونوا أباطرة، ولا يستطيعون أن يسيغوا حمق القدر في حرمانه إياهم ما هم جديرون به من عروش، فبعد أن فتح "أكبر" العالم، أحس شقاء نفسه لأنه لم يستطع فهماً لهذا العالم الذي فتحه وقد قال: "على الرغم من أني أسود مثل هذا المُلك الفسيح، وزمام الحكومة كلها في يدي، فلست مطمئن الفؤاد لهذه العقائد الكثيرة والمذاهب المختلفة من حولي، مادامت العظمة الحقيقية كائنة في تنفيذ إرادة الله، فدع عنك هذه الأبهة الظاهرة المحيطة بي، وقل لي كيف أطيب بالاً، في مثل هذا اليأس، إذا

стр. 775

ما حملت عبء الإمبراطورية؟ إني لأرقب ظهور رجل حصيف ذي مبدأ ليزيح عن ضميري هذه المشكلات التي يتعذر عليّ حلها … إن الحديث في الفلسفة يفتنني فتنة تصرفني عن كل ما عداها، وإني لأنصرف عن سماعها رغم أنفي حتى لا أهمل واجباتي التي تقتضيها أمور الساعة" (١٠٢) ويقول باودني: "كان يحج إلى قصره طوائف العلماء من كل أمة، والحكماء من كل ملة ومذهب، وكانوا يظفرون لديه بشرف استماعه إليهم؛ وإذا ما فرغوا من بحثهم وتقصيهم اللذين كانا شغلهم الشاغل ومهمتهم الأولى ليلاً ونهاراً، تحدثوا في مسائل عميقة في العلم، ونقط دقيقة في الوحي، وأعاجيب التاريخ وغرائب الطبيعة" (١٠٣)؛ ويقول "أكبر": "إن سيادة الإنسان تعتمد على جوهرة العقل" (١٠٤). ولما كان فيلسوفاً فلا عجب أن يأخذه شغف شديد بالدين؛ فقد أغرته قراءته الدقيقة لملحمة "ماهابهاراتا" ودراسته الوثيقة لشعراء الهنود وحكمائهم، بدراسة العقائد الهندية؛ ولبث حيناً- على الأقل- يؤمن بمذهب التناسخ، وخيب فيه ظن أتباعه من المسلمين حين ظهر على الملأ بعلامات دينية هندية على جبهته؛ فقد كان له شغف بملاطفة أصحاب العقائد كلها، لذلك تودد إلى الزرادشتيين بأن لبس ما يلبسوه من قميص ومنطقة مقدسين تحت ثيابه؛ وانصاع للجانتيين حين طلبوا إليه أن يمتنع عن الصيد، وأن يحرم قتل الحيوان في أيام معلومة، ولما سمع بالديانة الجديدة المسماة بالمسيحية، التي جاءت إلى الهند مع بعثة "جوا" البرتغالية، أرسل خطاباً إلى هؤلاء المبشرين التابعين لمذهب بولس، يدعوهم أن يبعثوا له باثنين من علمائهم؛ وحدث بعد ذلك أن قَدِم جماعة من الجزويت مدينة دلهي، وحببوه في المسيح حتى أمر كتابة أن يترجموا له العهد الجديد (١٠٥) وأباح لهؤلاء الجزويت كل حرية في أن ينصروا من شاءوا بل عهد إليهم بتربية أحد أبنائه؛ وفي الوقت الذي كان الكاثوليك يفتكون بالبروتستنت في فرنسا، والبروتستنت- في عهد اليصابات- يفتكون بالكاثوليك في إنجلترا، ومحاكم التفتيش تقتل اليهود في أسبانيا
следующие страницы →