← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3528

معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه

عبد الرحمن عبد المحسن الأنصاري

Полный текст (66 стр.). Показаны 36–66 · переход к 41.

стр. 36

يَقُول سيد قطب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: "وَهَذَا هُوَ طَرِيق العقيدة المرسوم. تَوْحِيد الله، وشعور برقابته، وتطلع إِلَى مَا عِنْده، وثقة فِي عدله، وخشية من عِقَابه. ثمَّ انْتِقَال إِلَى دَعْوَة النَّاس وَإِصْلَاح حَالهم، وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ، ونهيهم عَن الْمُنكر، والتزود قبل ذَلِك كُله للمعركة مَعَ الشَّرّ، بالزاد الْأَصِيل زَاد الْعِبَادَة لله والتوجه إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ ثمَّ الصَّبْر على مَا يُصِيب الداعية إِلَى الله، من التواء النُّفُوس وعنادها، وانحراف الْقُلُوب وإعراضها. وَمن الْأَذَى تمتد بِهِ الْأَلْسِنَة وتمتد بِهِ الْأَيْدِي. وَمن الِابْتِلَاء فِي المَال والابتلاء فِي النَّفس عِنْد الِاقْتِضَاء" إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور"وعزم الْأُمُور قطع الطَّرِيق على التَّرَدُّد فِيهَا بعد الْعَزْم والتصميم"١، وَالصَّبْر فِي اللُّغَة: يَعْنِي الْحَبْس والكف٢. أما فِي الِاصْطِلَاح: فَهُوَ قُوَّة خلقية من قوى الْإِرَادَة تمكن الْإِنْسَان من ضبط نَفسه لتحمل المتاعب والمشقات والآلام وضبطها عَن الاندفاع بعوامل الضجر والجزع والسأم والملل والعجلة والرعونة وَالْغَضَب والطيش وَالْخَوْف والطمع والأهواء والشهوات والغرائز٣. وبالصبر يتَمَكَّن الْإِنْسَان بطمأنينة وثبات أَن يضع الْأَشْيَاء فِي موَاضعهَا، ويتصرف فِي الْأُمُور بعقل واتزان وَينفذ مَا يُرِيد من تصرف فِي الزَّمن الْمُنَاسب، بالطريقة الْمُنَاسبَة الحكيمة، وعَلى الْوَجْه الْمُنَاسب الْحَكِيم، بِخِلَاف عدم الصَّبْر الَّذِي يدْفع إِلَى التسرع والعجلة فَيَضَع الإِنسان الْأَشْيَاء فِي غير موَاضعهَا، ويتصرف برعونة فيخطئ فِي تَحْدِيد الزَّمَان، ويسيء فِي طَريقَة

стр. 37

التَّنْفِيذ، وَرُبمَا يكون صَاحب حق أَو يُرِيد الْخَيْر فيغدو جانياً أَو مُفْسِدا وَلَو أَنه اعْتصمَ بِالصبرِ لَسلِم من كل ذَلِك١. لهَذَا أوصى لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ، لِأَن الصَّبْر على المصائب يبْقى للْفِعْل نوره، وَيبقى للشَّخْص وقاره، وَلذَا كَانَ الصَّبْر من الْآدَاب الرفيعة والأخلاق القويمة، وَصفَة من صِفَات الْمُؤمن، وسمة من سمات المبشرين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم من الله قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢. نخلص مِمَّا سبق أَن لُقْمَان وَصيته هَذِه رتب الْأُمُور بِحَسب أهميتها للداعية حَيْثُ بدأها بتربية النَّفس على طَاعَة الله ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة﴾ ثمَّ ثنى بدعوة الآخرين ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ثمَّ أَمر بِالصبرِ على مَا يُصِيبهُ وَتحمل مَا يتَعَرَّض لَهُ من الْأَذَى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك﴾ . وَهَكَذَا يربَّي لُقْمَان ابْنه على مَنْهَج الْعِبَادَة، حَيْثُ أَن الْعِبَادَة فِي الإسلامِ تربي الْإِنْسَان الْمُسلم على الوعي الفكري الدَّائِم، وَهَذَا مَا يَجعله إنْسَانا منطقياً واعياً فِي كل أُمُور حَيَاته، ومنهجياً لَا يقوم بِعَمَل إِلَّا ضمن خطة ووعي وتفكير، إِلَى جَانب ذَلِك فَهُوَ فِي يقظة دائمة يراقب الله فِي كل أَعماله٣. وَإِضَافَة إِلَى مَا سبق فَإِن الْعِبَادَة تربي فِي الإِنسان الْمُسلم الشُّعُور بِالْعِزَّةِ والكرامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿… وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَة ٤. فضلا عَن تَرْبِيَته على قدر من الْفَضَائِل الثَّابِتَة الْمُطلقَة، لَا تقف عِنْد حُدُود الأَرْض أَو الْقَوْم والمصلحة القومية، إِنَّهَا أَخْلَاق الْإِسْلَام الَّتِي تصلح لكل زمَان وَمَكَان، وَبِهَذَا الْمنْهَج الرباني الْمُرْسل لِلْعِبَادَةِ يرتبط الْإِنْسَان الْمُسلم بإخوانه

стр. 38

الْمُسلمين ارتباطاً واعياً منظماً قَوِيا مَبْنِيا على عاطفة صَادِقَة، وثقة بِالنَّفسِ عَظِيمَة ١. خَامِسًا: الْآدَاب الاجتماعية: يستطرد لُقْمَان فِي وَصيته الَّتِي يحكيها الْقُرْآن هُنَا إِلَى آدَاب الداعية إِلَى الله، فالدعوة إِلَى الْخَيْر لَا تجيز التعالي على النَّاس والتطاول عَلَيْهِم باسم قيادتهم إِلى الْخَيْر، وَمن بَاب أولى يكون التعالي والتطاول بِغَيْر دَعْوَة إِلَى الْخَيْر أقبح وأرذل٢. وَلِهَذَا لما أَمر لُقْمَان ابْنه بِأَن يكون كَامِلا فِي نَفسه، مكملا لغيره، كَانَ يخْشَى بعْدهَا من أَمريْن، أَحدهمَا: التكبر على الْغَيْر بِسَبَب كَونه مكملا بِهِ. وَالثَّانِي: التَّبَخْتُر فِي النَّفس بِسَبَب كَونه كَامِلا فِي نَفسه٣. يَقُول تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان وَهُوَ يعظ ابْنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٤. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٥. فَمن الْآيَتَيْنِ الكريمتين السابقتين يَتَّضِح أَن الْآدَاب المتضمنة فِي تِلْكَ الموعظة هِيَ كالتالي:

стр. 39

عَلَيْهِم، وَلَكِن ألن جَانِبك وابسط وَجهك إِلَيْهِم١. والصعر دَاء يُصِيب الْإِبِل فيلوي أعناقها والأسلوب القرآني يخْتَار هَذَا التَّعْبِير للتنفير من الْحَرَكَة المشابهة للصعر حَرَكَة الْكبر والازورار وإمالة الخد للنَّاس فِي تعال واستكبار٢. يَقُول الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: "هُوَ أَن تلوي شدقك إِذا ذكر الرجل عنْدك كَأَنَّك تحتقره، فَالْمَعْنى: أقبل عَلَيْهِم متواضعاً مؤنسا مستأنسا، وَإِذا حَدثَك أَصْغَرهم فأصغ إِلَيْهِ حَتَّى يكمل حَدِيثه، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِي ﷺ يفعل٣. وَبِنَاء على مَا تقدم يُمكن القَوْل بِأَن التكبر لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمن، فَلَو عرف المتكبر حَقِيقَة نَفسه أَي أَن أَوله نُطْفَة قذر، وَآخره جيفة مُنْتِنَة يخجل من نَفسه، ووقف عِنْد حَده، وأخلص الْعِبَادَة لرَبه وتواضع لخالقه، لِأَن الإِنسان كلما تواضع لله رَفعه الله، وَكلما تكبر عَلَيْهِ وَضعه وقصمه، وَفد أكد النَّبِي ﷺ هَذَا الْمَعْنى بقوله: "مَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله" ٤. وَقَالَ أَيْضا: "ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة: وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زَان، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر" ٥. كَمَا يظْهر من الْعرض السَّابِق أَن أولى الْأَخْلَاق الَّتِي يرغب لُقْمَان فِي غرسها فِي ابْنه عدم التكبر على النَّاس، والتواضع لَهُم.

стр. 40

٢ -) ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً … ﴾ المرح يَأْتِي فِي اللُّغَة بِمَعْنى شدَّة الْفَرح والنشاط١. حَتَّى يُجَاوز قدره، وَيَأْتِي أَيْضا بِمَعْنى التَّبَخْتُر والإختيال فَقَوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً﴾ هُوَ بِمَعْنى وَلَا تمش فِي الأَرْض مشْيَة تبختر واختيال وَلذَلِك ختم الله الْآيَة بِمَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أَي لَا يحب كل مختالٍ على النَّاس مستكبر عَلَيْهِم بمشيته بَينهم أَو بإعراضه عَنْهُم، وَلَا يحب كل فخور على النَّاس بِنَفسِهِ أَو بِمَا أَتَاهُ الله من قُوَّة أَو مالٍ أَو نسبٍ أَو جاهٍ أَو ذكاء قلب أَو جمال وَجه وَحسن طلعة٢. وَلَو عقل المستكبرون الَّذين يختالون ويمشون فِي الأَرْض مرحاً لعرفوا إِن هَذَا الْعَمَل يصغرهم، ويقلل من شَأْنهمْ عِنْد الله وَعند النَّاس فَالله لَا يحب الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ على عباده وَلَا يحب الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَالنَّاس أَيْضا يكْرهُونَ من يستكبر عَلَيْهِم ويكرهون كل ظَاهِرَة تدل على الْكبر فِي الْأَنْفس إِذا رأوها من غَيرهم٣. ٣ -) ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ … ﴾ بَعْدَمَا نهى لُقْمَان ابْنه عَن مَشْيه المرح وصعر الخد أمره بالمشية المعتدلة القاصدة، فَقَالَ تَعَالَى على لِسَان لُقْمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وَالْقَصْد هُنَا من الاقتصاد وَعدم الإِسراف وَعدم إِضَاعَة الطَّاقَة فِي التَّبَخْتُر والتثني والاختيال وَمن الْقَصْد كَذَلِك لِأَن المشية القاصدة إِلَى هدف لَا تتلكأ وَلَا تتخايل وَلَا تتبختر، إِنَّمَا تمْضِي لقصدها فِي بساطة وانطلاق٤. وَلَقَد نهى الله تَعَالَى الْمُسلم أَن يسير مسرع الخطى وَهُوَ يَلْهَث، كَمَا نَهَاهُ أَن يبطئ فِي مَشْيه وَهُوَ خامل كسول، إِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يتوسط فِي مَشْيه فَخير الْأُمُور أوسطها.

стр. 41

فَإِذا وضعت أسس التربية على أساس من التوازن والاعتدال كَمَا أوضحتها النظرة الإسلامية لعتدل الْأَمر وَمَا تحولت الْوَسَائِل إِلَى غايات، وَمَا انحرفت بِنَا الطَّرِيق بَين غلو وتقصير وإفراط وتفريط. والتربية الإِسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بَين إشباعات النَّفس ومطالبها وَبَين عفتها وقناعتها، وَهَذَا وَارِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ … ﴾ الْآيَة١. وسياسة الِاعْتِدَال فِي العملية التربوية إِنَّمَا تتركز على علم النَّفس من الْأَهْوَاء والشهوات، فَإِذا مَالَتْ إِلَى الاغترار عولجت بالتواضع حَتَّى يتم الِاعْتِدَال أَو يتم التوازن، وَإِذا مَالَتْ إِلَى الْهوى كَانَ عالجها الاسْتقَامَة، فَأَي من الْعُيُوب والآفات النفسية إِنَّمَا هِيَ تَمْرَة فجة للتربية الْخَاطِئَة وَالنَّقْص فِي الْأَدَب والأخلاق، وكل شَيْء فِي هَذَا الْوُجُود يسير على هدي من الِاعْتِدَال والتوازن والاتساق والتناسب والتناسق ماعدا الْإِنْسَان. فالإنسان وَإِن كَانَ فِي الأَصْل فِي خلقه على الْفطْرَة السليمة إِلَّا أَنه يبتعد عَن هَذِه الْفطْرَة إِذا افْتقدَ إِلَى التربية الإسلامية الصَّحِيحَة، وَهنا يخلط بَين اشباعاته ومطالبه فَيُطَالب بحقوقه ويتغافل عَن واجباته وَبِذَلِك ينحرف عَن طَرِيق القوامة والاستقامة الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى أساساً لشريعة الْإِسْلَام ومنهاجه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ الْآيَة٢. فالوسط الإسلامي هُوَ التوازن فِي الْفِكر والسلوك والتطبيق٣. من أجل ذَلِك طلب لُقْمَان ابْنه أَن يتوسط فِي مشيته، وَالْمرَاد من ذَلِك أَن تكون مشيته مَا بَين الْإِسْرَاع والبطء أَي لَا تدب دَبِيب المتماوتين ولاتثب وثب الشطار٤.

стр. 42

٤ -) ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ، أغضض من صَوْتك أَي أنقص مِنْهُ، أَي لَا تتكلف رفع صَوْتك وَخذ مِنْهُ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِن الْجَهْر بِأَكْثَرَ من الْحَاجة تكلّف يُؤْذِي، وَالْمرَاد بذلك التَّوَاضُع١. وغض الصَّوْت فِيهِ أدب وثقة بِالنَّفسِ واطمئنان إِلَى صدق الحَدِيث وقوته، وَمَا يزعق أَو يغلظ فِي الْخطاب إِلَّا سيئ الْأَدَب أَو شَاك فِي قيمَة قَوْله، أَو قيمَة شخصه، يحاول إخفاء هَذَا الشَّك بالحدة والغلظة والزعاق٢. والأسلوب القرآني يرذل هَذَا الْفِعْل ويقبحه فِي صُورَة منفرة محتقرة بشعة حِين يعقب عَلَيْهِ بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ . فيرتسم مشْهد مضحك يَدْعُو إِلَى الهزء والسخرية، مَعَ النفور والبشاعة وَلَا يكَاد ذُو حس يتَصَوَّر هَذَا المشهد المضحك من وَرَاء التَّعْبِير الْمُبْدع، ثمَّ يحاول شَيْئا من صَوت هَذَا الْحمير٣. يَقُول الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على تَعْرِيف قبح ردع الصَّوْت فِي المخاطبة، والملاحاة٤ بقبح أصوات الْحمير لِأَنَّهَا عالية، وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانا" ٥.

стр. 43

وَقد رُوِيَ: إِنَّه مَا صَاح حمَار وَلَا نبح كلب إِلَّا أَن يرى شَيْطَانا. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: صياح كل شَيْء تَسْبِيح إِلَّا نهيق الْحمير. وَقَالَ عَطاء: نهيق الْحمير دُعَاء على الظلمَة. وَهَذِه الْآيَة أدب من الله تَعَالَى بترك الصياح فِي وُجُوه النَّاس تهاوناً بهم أَو بترك الصياح جملَة. وَكَانَت الْعَرَب تَفْخَر بجهارة الصَّوْت الجهير وَغير ذَلِك، فَمن كَانَ مِنْهُم أَشد صَوتا كَانَ أعز، وَمن كَانَ أَخفض كَانَ أذلّ حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ: جهير الْكَلَام جهير العطاس … جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عدوى الظليم … ويعلو الرِّجَال بِخلق عمم فَنهى الله عَن تِلْكَ الْخلق الْجَاهِلِيَّة بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَي لَو أَن شَيْئا يهاب صَوته لَكَانَ الْحمار، فجعلهم فِي الْمثل سَوَاء١. يَتَّضِح من الْوَصَايَا الَّتِي وصّى بهَا لُقْمَان ابْنه أَنَّهَا تجمع أُمَّهَات الحكم، وتستلزم مَا لم يذكر مِنْهَا، وكل وَصِيَّة يقرن بهَا مَا يَدْعُو إِلَى فعلهَا إِن كَانَت أمرا وَإِلَى مرتكبها إِن كَانَت نهيا. فَأمره بِأَصْل الدّين وَهُوَ التَّوْحِيد، وَنَهَاهُ عَن الشّرك وَبَين لَهُ الْمُوجبَة لتَركه. وَأمره ببر الْوَالِدين وَبَين لَهُ السَّبَب الْمُوجب لبرهما وَأمره بشكره وشكرهما ثمَّ احْتَرز بِأَن مَحل برهما وامتثال أوامرهما مالم يأمرا بِمَعْصِيَة وَمَعَ ذَلِك فَلَا يعقهما بل يحسن إِلَيْهِمَا، وَإِن كَانَ لَا يطيعهما إِذا جاهداه على الشّرك. وَأمر بمراقبة الله وخوّفه الْقدوم عَلَيْهِ وَأَنه لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة من الْخَيْر وَالشَّر إِلَّا أَتَى بهَا. وَأمره بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الصَّلَاة وبالصبر اللَّذين يسهل بهما كل أَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ .

стр. 44

وَنَهَاهُ عَن التكبر وَأمره بالتواضع، وَنَهَاهُ عَن البطر والأشر والمرح وَأمره بِالسُّكُونِ فِي الحركات والأصوات، وَنَهَاهُ عَن ضد ذَلِك١. فحقيق من أوصى بِهَذِهِ الْوَصَايَا أَن يكون مَخْصُوصًا بالحكمة، مَشْهُورا بهَا، وَلِهَذَا من منّة الله تَعَالَى على عباده أَن قصر عَلَيْهِم من حكمته مَا يكون لَهُم بِهِ أُسْوَة حَسَنَة٢. فالوصايا السَّابِقَة هِيَ مَنْهَج الْآدَاب السامية الَّتِي يُؤَدب الله عباده ذَلِك لِأَن فِي امتثالها سعادتهم وفلاحهم دنيا وآخرة هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة أُخْرَى فَإِنَّهُم يرَوْنَ آثارها التربوية فِي تَوْجِيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زِيَادَة الألفة والمحبة بَينهم كَمَا يُؤَدِّي هَذَا إِلَى تماسك مجتمعهم.

стр. 45

المبحث الثَّالِث معالم أصُول التربية الإسلامية من خلال وَصَايَا لُقْمَان يتَضَمَّن هَذَا المبحث تَحْدِيد معالم أُصُوله التربية الإسلامية المستخلصة من وَصَايَا لُقْمَان لِابْنِهِ حَيْثُ تعد وَصَايَاهُ دستوراً كَامِلا فِي أصُول التربية الإسلامية، فقائلها أَب ومعلم صَالح آتَاهُ الله الْحِكْمَة، هَذَا بِالْإِضَافَة إِلَى أَنَّهَا نابعة عَن قناعة وَصدق، ومبنية على التجربة والمعرفة وَهِي تهدف أَولا وأخيراً أَن يُحَقّق الْإِنْسَان الْمُسلم الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة لله وَحده فِي حَيَاته الفردية والاجتماعية وَهَذِه هِيَ غَايَة التربية الإسلامية كَمَا هِيَ غَايَة خلق الله للْإنْسَان فِي هَذِه الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وَفِيمَا يَلِي بَيَان لتِلْك الْأُصُول التربوية: الأَصْل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التَّوْحِيد: إِن عقيدة التَّوْحِيد وإفراد الله وَحده بِالْعبَادَة هِيَ أجل الْمسَائِل وَأَعْظَمهَا على الْإِطْلَاق فَمن أجلهَا خلق الله الْخلق وَأنزل الْكتب وَبعث الرُّسُل وَجعل الْجنَّة وَالنَّار. والمتأمل لآيَات الْقُرْآن الْكَرِيم يجدهَا تبدى وتعيد فِي شَأْن العقيدة، تبينها وتوضحها دَاعِيَة إِلَيْهَا، محذرة من ضدها فِي آيَات كَثِيرَة وبطرق متنوعة وأساليب مُخْتَلفَة٢.

стр. 46

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وَمن هُنَا كَانَ أول وَاجِب على الْمُكَلف أَن يرتبط مُنْذُ تعقله بأركان الْإِيمَان الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام٣ فغرس العقيدة الإسلامية فِي النُّفُوس هُوَ أمثل طَريقَة لإيجاد عناصر صَالِحَة تَسْتَطِيع تقوم بدورها كَامِلا فِي الْحَيَاة، وتسهم فِيهِ بِنَصِيب كَبِير فِي تزويدها بِمَا هُوَ أَنْفَع وأرشد، وانعكست آثارها على سلوكهم. وَبِنَاء على مَا سبق يُمكن القَوْل بِأَن التربية الحقة إِنَّمَا تكون فِي تدريب الطِّفْل على أَعمال الْخَيْر وإرشاده إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، وتعليمه الْأَخْلَاق الطّيبَة، وَذَلِكَ كُله لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْإِيمَان بِاللَّه وَحده وَعدم الشّرك بِهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا نصح لُقْمَان ابْنه قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ٤. فَمن الْآيَة الْكَرِيمَة يتَبَيَّن أَن الأَصْل الأول لهَذِهِ التربية الْإِيمَان بِاللَّه وَعدم الشّرك بِهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا يجب أَن تكون عظة لُقْمَان لِابْنِهِ نبراساً يستضيء بِهِ الْآبَاء فِي تَوْجِيه أبنائهم وسراجاً يقودهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَأعظم مَا تقدمه العظة الصَّرِيحَة قَول لُقْمَان لِابْنِهِ كَمَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥. لَو وعى الْأَبْنَاء لهَذِهِ النَّصِيحَة مَا وَقَعُوا فِي الْإِثْم وَمَا تراكمت عَلَيْهِم البلايا

стр. 47

والأخطاء ولعاشوا فِي أَمن نَفسِي وطمأنينة قلبية وَقد ابتعدوا عَن القلق والكآبة. وظلم النَّفس واليأس والقنوط١. وَالنَّفس الإنسانية تحْتَاج إِلَى التربية المستمرة والتذكرة المستديمة والوعظ الصَّادِق حَتَّى لَا يعتريها الصدأ ولتأمن من ريَاح الشّرك العابثة وتبتعد عَن الأمواج العاتية حَيْثُ شط الْأَمْن والأمان. وَالْإِسْلَام يُربي الْإِنْسَان على إخلاص الْعُبُودِيَّة لله وَحده، فَلَا يخَاف إِلَّا الله، وَلَا يَرْجُو أَو يتوسل غَيره من الْإِنْس أَو الْجِنّ وَلَا يبث حزنه أَو شكواه إِلَّا لله تَعَالَى وَمن هُنَا كَانَ الْإِنْسَان الْمُؤمن ذَا شخصية قَوِيَّة مُنْذُ نعومة أَظْفَاره، فالطفل الصَّغِير رُبمَا يَقُول كَلِمَات حكيمة يعجز الْكَبِير غير الْمُؤمن عَن فهمها أَو الاهتداء إِلَى مثلهَا٢. مرَّ عمر بن الْخطاب ﵁ على صبية يَلْعَبُونَ وَفِيهِمْ عبد الله بن الزبير فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَّا عبد الله، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: مَا لَك؟ لِمَ لَا تهرب مَعَ أَصْحَابك؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم أكن على رِيبَة فأخافك، وَلم يكن الطَّرِيق ضيقا فأوسع لَك٣. فَمن أَيْن جَاءَت هَذِه الفطنة وَتلك الكياسة فِي السلوك؟ لاشك أَن جَوَاب ذَلِك الطِّفْل إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة يانعة من ثمار التربية النفسية الإسلامية الَّتِي لَا تعرف الخضوع وَلَا الذل وَلَا الْخَوْف والفزع … سياسة تقوم على تَقْوِيَة الثِّقَة بِاللَّه والاسترسال مَعَه على الدَّوَام٤. وتبدأ التربية النفسية من قَول الله عزوجل على لِسَان عَبده لُقْمَان فِي وعظه لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . تبدأ التربية الإسلامية من نزع الشّرك الظَّاهِر والخفي من النُّفُوس فتتخلى

стр. 48

بذلك من الظُّلم والرياء والفسوق والعصيان، ثمَّ تستعد النَّفس بعد سلب كل شرك عَن النَّفس بملء الْقلب بدين التَّوْحِيد الْخَالِص، والتوحيد سلب وَإِيجَاب، سلب كل ماعدا الله، وَإِيجَاب للألوهية المنزهة عَن كل شرك١. وللإيمان الْكَامِل بأركانه السِّتَّة آثَار تربوية عَظِيمَة فِي حَيَاة الْفَرد والمجتمع، فالإِيمان هُوَ الَّذِي يهيأ النَّفس الإِنسانية دَائِما للرضا والأمن وللعمل الجاد المثمر، كَمَا يضفي على النَّفس المؤمنة رضَا يغمرها فَلَا يَسْتَطِيع شَيْء مهما عظم أَن يسخطها، فَيحصل لَهَا بذلك الطُّمَأْنِينَة والراحة النفسية٢. مِمَّا سبق يَنْبَغِي أَن يكون الأَصْل الأول الَّذِي يجب على الْآبَاء أَن يربوا أَبْنَاءَهُم عَلَيْهِ ترسيخ عقيدة التَّوْحِيد فِي نُفُوسهم من المراحل الأولى من أعمارهم واستخدام كَافَّة الْوَسَائِل المتاحة فِي سَبِيل ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة خَصَائِص النمو الْعقلِيّ والإدراكي لَهُم تأسياً بالمعلم الأول نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَمن الْأَمْثِلَة على ذَلِك عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ: أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أُنَاسًا قَالُوا لرَسُول الله: يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة … "وَفِي جَهَنَّم كلابيب٣ مثل شوك السعدان٤، هَل رَأَيْتُمْ شوك السعدان؟ " قَالُوا: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: "فَإِنَّهَا مثل شوك السعدان غير أَنه لَا يعلم مَا قدر عظمها إِلَّا الله " ٥. فَفِي الحَدِيث السَّابِق درس وتطبيق عَمَلي من النَّبِي ﷺ فِي طرح قضايا الْإِيمَان مستخدماً فِي ذَلِك أسلوب ضرب الْأَمْثَال لمناسبته لحَال المخاطبين لما يَلِي:

стр. 49

١ - تَأَكد الرَّسُول من معرفَة الصَّحَابَة لشوك السعدان حَيْثُ قَامَ بِنَفسِهِ من سُؤَالهمْ "هَل تعرفُون شوك السعدان؟ فَلَمَّا تبين لَهُ ذَلِك أعَاد عَلَيْهِم الْمثل مرّة أُخْرَى. ٢ - التَّنْبِيه على الْفَارِق بَين الْأَمريْنِ حَيْثُ أخْبرهُم"أَنه لَا يعلم قدر عظمها إِلَّا الله". وَبِهَذَا الْمنْهَج يصل النشئ إِلَى شاطئ الْأَمْن والأمان والسلامة وَالْإِسْلَام، فَلَا سَعَادَة لَهُم بِغَيْر الْإِيمَان وَلَا طمأنينة لَهُم إِلَّا فِي ظلّ عقيدة التَّوْحِيد بِاللَّه . الأَصْل الثَّانِي: مراقبة الله : هَذَا هُوَ الأَصْل الثَّانِي من أصُول التربية الإسلامية الصَّحِيحَة وَقد بَين لُقْمَان هَذَا الأَصْل لِابْنِهِ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ١. وَبِهَذَا يُربي لُقْمَان فِي ابْنه قَاعِدَة أساسية من قَوَاعِد العقيدة الإسلامية الصَّحِيحَة بِأَن الله عزوجل صَاحب السُّلْطَان وَالْقُدْرَة وَمَالك الْأَمر كُله فعندما تترسخ العقيدة السَّابِقَة فِي النَّفس، فَإِن الطُّمَأْنِينَة تشيع فِيهَا كَمَا أَن حَيَاة النَّاس تتسم بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيم. فالقلق وَالِاضْطِرَاب وَسَائِر الْأَمْرَاض النفسية المعاصرة الَّتِي يشكوا مِنْهَا النَّاس الْيَوْم مردها إِلَى عدم رضَا النَّفس بِمَا يحصل لَهَا هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة

стр. 50

أُخْرَى نَاشِئ هَذَا من عدم الْإِيمَان بِالْقدرِ. إِن الْقَاعِدَة السَّابِقَة الَّتِي أَصْلهَا لُقْمَان فِي ابْنه أَن الأهمية بمَكَان إِذا مَا تربت النُّفُوس عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يجب على الْآبَاء والمربين أَن يغرسوا فِي أبنائها وتلاميذهم مراقبة الله فِي قُلُوبهم، لما فِي ذَلِك من ثَمَرَات تربوية لَا تخفى على الْعَاقِل، فمراقبة الله هِيَ الَّتِي تعْمل على قامع الشَّهَوَات، وتحث على الطَّاعَات، ويذل الْقلب ويستكين، ويفارقه الْكبر والحقد والحسد، فَمَتَى استشعر النشئ روح هَذِه المراقبة انكف وانزجر عَن الْمعاصِي والنواهي، فَجعل تقوى الله عزوجل سترا ومانعاً لَهُ من الْوُقُوع فِي المهلكات، وَهِي أَيْضا تعْمل على تحريره من الْخَوْف من أحد غير الله عزوجل، وتحرره أَيْضا من القلق والضجر وَالِاضْطِرَاب، فالكون كُله لله والأعمار والأرزاق بيد الله وَقد بَين لنا الرَّسُول هَذِه الْحَقِيقَة بأسلوب تطبيقي عَمَلي عِنْدَمَا وَجه ابْن عَبَّاس ﵄ بقوله ﵊ "يَا غُلَام إِنِّي أعلمك كَلِمَات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ تجاهك، إِذا سَأَلت فاسأل الله، وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتمعت على أَن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك، وَإِن اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف" ١. يَتَرَتَّب على مَا ذكر مَا يَلِي. ١ - إِيجَاد جيل قوي يخلص الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة لله وَحده. ٢ - الْعَمَل الجاد المثمر، وَالْإِخْلَاص لله فِي أَعْمَالهم، كل بِحَسب عمله، ومجال تخصصه. ٣ - مراقبة الله فِي سلوكهم وَفِي معاملاتهم مَعَ الآخرين.

стр. 51

من كل مَا تقدم يَتَقَرَّر أَنه على الْآبَاء والمربين. أَلا يغفلوا عَن تذكير أبنائهم وتلاميذهم بمدى قدرَة الله عَن طَرِيق التَّأَمُّل والتفكير فقد خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَذَلِكَ فِي سنّ الْإِدْرَاك والتمييز١. فَيكون تركيزهم على الأَصْل الثَّانِي لمعالم التربية الإسلامية الأساسية منصباً على تَعْرِيف النشئ بقدرة الْخَالِق عزوجل متدرجين مَعَهم من المحسوس إِلَى الْمَعْقُول، وَمن الجزئي إِلَى الْكُلِّي، وَمن الْبَسِيط إِلَى الْمركب حَتَّى يصلوا مَعَهم فِي نِهَايَة الشوط إِلَى قَضِيَّة الْإِيمَان عَن اقتناع وَحجَّة وبرهان٢. الأَصْل الثَّالِث: الْعِبَادَات: لِلْعِبَادَةِ فِي الإِسلام شَأْن كَبِير بَين الْفَرَائِض والواجبات الْأُخْرَى، لِأَنَّهَا تؤكد إِقْرَار الْمَرْء إِقْرَارا كَامِلا بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه، وخضوعه خضوعاً مُطلقًا، لله الْخَالِق الْوَاحِد القهار، الْوَاحِد الْأَحَد، الْفَرد الصَّمد، الَّذِي لَهُ كل صِفَات الْكَمَال، لَا يُشبههُ أحد من خلقه، لَا يفنى وَلَا يَزُول، فَهُوَ المتفرد بذلك كُله. قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣. ويحدد لنا الْقُرْآن الْكَرِيم غَايَة الْخلق لِلْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤. وَقد كَانَت دَعْوَة أَنْبيَاء الله عزوجل من لدن نوح ﵇ وَآخرهمْ نَبينَا مُحَمَّد إِلَى عبَادَة الله وَحده، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥.

стр. 52

وَإِذا كَانَت الْعِبَادَة غَايَة الْوُجُود الإِنساني فَإِن مفهومها لَا يقْتَصر على الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي يرد إِلَى الذِّهْن وَالَّذِي يضيق نطاقها، فيجعلها محصورة فِي الشعائر الْخَاصَّة الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُؤمن. وَلِهَذَا فَإِن حَقِيقَة الْعِبَادَة تبرز فِي الْمَعْنى الشَّامِل الَّذِي اخْتَارَهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه فَقَالَ يرحمه الله: "الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة"١. وَبِنَاء على ذَلِك فَإِن الْعُبُودِيَّة الحقة لله تكون شَامِلَة بِمَا افترضه الله سُبْحَانَهُ على عباده من الْفَرَائِض والطاعات والواجبات: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام، وَالزَّكَاة، وَالْحج، وصلَة الْأَرْحَام، وبر الْوَالِدين، وَالدُّعَاء، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَهَكَذَا كل عمل مَشْرُوع قصد بِهِ رِضَاء الله تَعَالَى مهما عظم شَأْنه أَو قل، وَيَتَرَتَّب على ذَلِك أَن للعبادات تَأْثِير فِي سلوك الْمُسلم وَفِي كل حركاته وسكناته، وَقَوله وَعَمله، وسره وعلنه، كل ذَلِك يعد عبَادَة لله عزوجل مادام فَاعله يقْصد الْخَيْر، وَلَيْسَ السمعة وَالثنَاء، وَإِنَّمَا ابْتغِي بذلك وَجه الله تَعَالَى. وَفِي ضوء مَا سبق يتَبَيَّن أَن اقْتِصَار الْعِبَادَة على مُجَرّد الشعائر الَّتِي تُؤَدّى فِي أَوْقَات محددة، وأماكن مُعينَة يعد مفهوماً ضيقا لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا لَهُ تَأْثِير فِي تكوين الشخصية الْمسلمَة، فالعبادة فِي الإِسلام شَامِلَة لكل جَوَانِب الْحَيَاة، لِأَن الدّين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة، إِذْ يتَضَمَّن مَعْنَاهُ الخضوع والذل لله عزوجل وعَلى هَذَا تصبح تِلْكَ الشعائر التعبدية جُزْء من مَفْهُوم الْعِبَادَة الشَّامِل أَو محطات يقف عِنْدهَا السائرون فِي الطَّرِيق فيتزودون بالزاد وكل مَا يَقع، وَلَكِن الطَّرِيق كُله عبَادَة، وكل مَا يَقع فِيهِ من نسك أَو عمل … فَهُوَ كَذَلِك عبَادَة …

стр. 53

مادامت وجهته إِلَى الله، ومادام قد شهد حَقًا – لَا بِاللِّسَانِ - أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأقَام حَيَاته كلهَا وواقعه كُله على هَذَا الأساس١. وللعبادة آثارها التربوية نذْكر مِنْهَا: ١ - أَنَّهَا تزَود الْإِنْسَان دَائِما بشحنات متتالية من الْقُوَّة المستمدة من قُوَّة الله، والثقة بِالنَّفسِ المستمدة من الثِّقَة بِاللَّه٢. ٢ - أَنَّهَا تجدّد للْمُسلمِ نَفسه باستمرار وَذَلِكَ عَن طَرِيق التَّوْبَة الَّتِي تزيل عَن قلبه وتصوراته مَا قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارحه أثر مَا قد يكْسب من آثام أَو أخطاء٣. ٣ - تقَوِّي وتعزز العقيدة الإسلامية فِي نفس الْمُسلم فالعقيدة الإسلامية فِي حَيَاة الْإِنْسَان الْمُسلم إِذا لم تترجم إِلَى سلوك وَعمل وَطَاعَة وَتعبد لَا تكتمل دائرتها فِي نَفسه. فالعبادة تَعْنِي التطبيق والالتزام بِمَا شَرعه الله ، ودعا إِلَيْهِ رسله أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما. وَهَذَا يمثل من الْمُسلم الطَّاعَة والخضوع لله تَعَالَى والإِقرار الْكَامِل بوحدانية الْخَالِق عزوجل. وَيظْهر مَنْهَج الْعِبَادَة فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ فِي الْأُمُور التالية: ١ -) أمره بِإِقَامَة الصَّلَاة: فَالصَّلَاة هِيَ أعظم فَرَائض الْإِسْلَام وَعون على احْتِمَال تكاليف الْحَيَاة ونوائب الدَّهْر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ٤. وَقد ذكر لُقْمَان لِابْنِهِ من أَرْكَان الْإِسْلَام الصَّلَاة، وَذَلِكَ لمكانتها الْعَالِيَة بَين

стр. 54

الْعِبَادَات، فَهِيَ الرُّكْن الثَّانِي بعد الشَّهَادَتَيْنِ، وعماد الدّين الَّذِي لَا يقوم الدّين بغَيْرهَا، وَلذَا فَمن تَركهَا فقدكفر.١ فَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر ". وَهِي كَذَلِك مُنَاجَاة من قِبَل العَبْد لرَبه يَقُول النَّبِي ﷺ : "إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي صلَاته فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه - أَو ربه بَينه وَبَين قبلته - فَلَا يبزقن فِي قبلته وَلَكِن … " الحَدِيث٢ وَمن هُنَا جَاءَ كَونهَا عماد الدّين وَأَنه لَا مكانة للاستقامة أَو التخلق بِخلق الْإِسْلَام إِذا لم تكن الصَّلَاة متحققة بالطريقة الَّتِي وضحها الشَّرْع وعَلى النَّحْو الَّذِي أَرَادَهُ الله للنَّاس بِأَن تُؤَدّى فِي الْمَسْجِد وَفِي جمَاعَة، وَهِي بِهَذَا تكون سَببا فعَّالاً فِي إِيجَاد الألفة بَين الْمُسلمين فِي أَرْوَاحهم وسلوكهم، وَتُعْطِي صُورَة حيهّ للْمُسلمين أفرادا وجماعات، وهم يتوجهون بقلوبهم ومشاعرهم إِلَى الْوَاحِد القهار. وبالإضافة إِلَى مَا ذكر فَإِن الصَّلَاة تقَوِّي الروابط الروحيه وتشد الْمُجْتَمع بعضه إِلَى بعض، وتطهر الْمُجْتَمع من الرذائل وَالْفَوَاحِش، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ … ﴾ الْآيَة٣. وَبِذَلِك يصبح أَفْرَاد الْمُجْتَمع متوادين ومتراحمين، وعبادا لله صالحين.

стр. 55

٢ -) أمره أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر: إِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سلطة اجتماعية أَو رقابة اجتماعية، وَأَن الْقيام بِهَذَا الْوَاجِب هُوَ الدرْع الواقي للمجتمع، يصونه ويحفظه من التفكك والانهيار وَإِلَّا دبت فِيهِ الفوضى واعتراه الْعَبَث والاضمحلال. وَقد نبه الْإِسْلَام إِلَى الْخطر الَّذِي يحل بالأمة عِنْدَمَا تقصر أَو تهمل فِي أَدَاء هَذَا الْوَاجِب فالأحاديث فِي ذَلِك كَثِيرَة وَلَا يُمكن سردها فِي هَذَا الْبَحْث وأكتفي بقوله ﵊: "يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يَقُول: مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر من قبل أَن تَدعُونِي فَلَا أُجِيبكُم، وتسألوني فَلَا أُعْطِيكُم، وتستنصروني فَلَا أَنْصُركُمْ" ١. وَبِنَاء على ذَلِك يكون منابذة أهل الْفساد ومحاصرتهم مطلب ضَرُورِيّ لحفظ الْمُجْتَمع الْمُسلم وسلامته من الْآفَات والأمراض والمعاصي الَّتِي تفتك بالأمة، وتقضي على وحدتها، وَتصل بهَا فِي النِّهَايَة إِلَى الدمار والهلاك. ٣ -) أمره بِالصبرِ على مشاق الدعْوَة إِلَى الله: ويعد هَذَا من أشرف وأرقى أَنْوَاع الصَّبْر، لما يتَعَرَّض لَهُ الدَّاعِي من متاعب وآلام، فَمَا على الداعية إِلَى الله إِلَّا أَن يعتصم بِالصبرِ ويتسلح بِالْيَقِينِ لِأَنَّهُ من عزائم الْأُمُور، كَمَا أوضح ذَلِك لُقْمَان لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان وَهُوَ يعظ ابْنه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٢. وَمِمَّا يحث الدعاة على الصَّبْر وَتحمل مشاق الدعْوَة، مَا ينتظره الصَّابِرُونَ من حسن الْجَزَاء، وَالْيَقِين بِأَن نصر الله قريب، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.

стр. 56

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. من كل مَا تقدم يَنْبَغِي أَن يكون الأَصْل الثَّالِث الَّذِي يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يربوا أَبْنَاءَهُم وتلاميذهم عَلَيْهِ "مَنْهَج الْعِبَادَات" فيتعودوا على ممارستها على النَّحْو الَّذِي وضحه الشَّارِع الْكَرِيم وَأَن يكون مُنْذُ نعومة أظفارهم وَبِذَلِك يتربى النشئ على طَاعَة الله، وَالْقِيَام بِحقِّهِ وَالشُّكْر لَهُ، والالتجاء إِلَيْهِ، والثقة بِهِ، والاعتماد عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم لجنابه فِيمَا يَنُوب ويروع … ، وَحَتَّى يجد الطُّهْر لروحه، وَالصِّحَّة لجسمه، والتهذيب لخلقه، والإِصلاح لأقواله وأفعاله٢. الأَصْل الرَّابِع: الْآدَاب الاجتماعية: أدب الله عباده بآداب كَثِيرَة، وَهَذِه الْآدَاب حلية الْمُسلم تزين نَفسه الْبَاطِنَة، وأفعاله الظَّاهِرَة. و"الْأَدَب اسْتِعْمَال مَا يحمد قولا وفعلا، وَعبر بَعضهم عَنهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذ بمكارم الْأَخْلَاق … وَالْأَدب مَأْخُوذ من المأدبة وَهِي الدعْوَة إِلَى الطَّعَام، سمي بذلك لِأَنَّهُ يَدعِي إِلَيْهِ"٣. وترتبط الْآدَاب بالعقيدة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً، ذَلِك أَن العقيدة هِيَ الَّتِي تحفز الإِنسان نَحْو السلوك الطّيب، وَأَن انْتِفَاء العقيدة عِنْده سيقود إِلَى كل الِاحْتِمَالَات السلبية والتفكك والانحراف، وَبِنَاء على ذَلِك فَإِن الْآدَاب الإسلامية هِيَ وليدة العقيدة الَّتِي تَسْتَقِر فِي قلب الْإِنْسَان، وَهِي الْعَامِل المحرك الْمُؤثر وَبِدُون ذَلِك لَا مكانة للآداب بِغَيْر عقيدة. وَلِهَذَا تنْقَلب الْآدَاب إِلَى نتائج عكسية تتمثل فِي السلوك الذميم كالرذائل وَالْفَوَاحِش مثلا، ذَلِك إِذا لم يكن هُنَاكَ عقيدة ثَابِتَة صَحِيحَة تتهذب مَعهَا النَّفس ويتقوم بهَا الاعوجاج.

стр. 57

وَمن هُنَا كَانَت الْآدَاب الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه بعد تأكيده على العقيدة وغرس التَّوْحِيد، ومراقبة الله والتأكيد على الْعِبَادَة أَيْضا. وَفِيمَا يَلِي بَيَان للآداب الْمَذْكُورَة فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ وَالَّتِي يَنْبَغِي أَن يتضمنها منهاج التربية الإسلامية. أ) برّ الْوَالِدين: فقد أمرنَا الله بر الْوَالِدين وَجعل حَقّهمَا فِي مرتبَة تالية لحقه١، فالوالدان هما السَّبَب الَّذِي شَاءَ الله أَن يُوجد الْأَبْنَاء من خلاله وَقد عانيا فِي سَبِيل ذَلِك عناءً كَبِيرا ولاقيا صعاباً جمة، وخاصة الْأُم الَّتِي حملت وليدها كرها، وَوَضَعته كرها، وَمَعَ هَذَا فقد أمرنَا الْخَالِق تَعَالَى بإكرامها، وخفض الْجنَاح لَهما، وَالدُّعَاء لَهما. وَبِنَاء على ذَلِك يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يغرسوا فِي أبنائها وتلاميذهم حب الْوَالِدين وَأَن يعملوا على تكوين الاتجاه الإيجابي نَحْو بر الْوَالِدين وَالشُّكْر لَهُم وطاعتهم واحترامهم على أَن يكون ذَلِك مُنْذُ الصغر ليسهل عَلَيْهِم تطبيقه فِي الْكبر. ب) التَّوَاضُع والبعد عَن التكبر: يظْهر هَذَا فِي قَول الْحق ﵎ حِكَايَة عَن لُقْمَان ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس … ﴾ الْآيَة٢. فالمسلم يتواضع لِأَخِيهِ الْمُسلم فِي غير مذلة وَلَا مهانة والتواضع من أَخْلَاق الْإِسْلَام المثالية وَصِفَاته الْعَالِيَة، وَالْكبر على عكس من ذَلِك، فَفعله مَذْمُوم وَصَاحبه كَذَلِك فَفِي الحَدِيث الْقُدسِي يَقُول الله تَعَالَى: "الْكِبْرِيَاء

стр. 58

رِدَائي، وَالْعَظَمَة إزَارِي، فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلقيته فِي جَهَنَّم وَلَا أُبَالِي"١. وَالْكبر أَيْضا يمْنَع صَاحبه من الاستفادة من اتِّبَاع الْحق وَالْهدى فيخسر كثيرا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ٢. وَلِهَذَا كَانَت الْعِزَّة والكرامة للمتواضعين فَفِي الحَدِيث "مَا نقصت صَدَقَة من مَال، وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا، وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله"٣ وَبِنَاء على مَا سبق ذكره يجب على الْآبَاء والمربين أَن يعودوا أَبْنَاءَهُم ويدربوا تلاميذهم على ممارسة الْأَخْلَاق الإسلامية وَمن بَينهَا خلق التَّوَاضُع تأسياً بقول النَّبِي ﷺ : "إِن الله أوصى إليّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد" ٤. وَقد ضرب النَّبِي ﷺ بتواضعه الْمثل الْأَعْلَى فِي ذَلِك، فَلم يعرف عَنهُ أَن رفض دَعْوَة أقل النَّاس شَأْنًا، وَلم يتعال على أحد من قومه بل كَانَ يَقُول: "إِنَّمَا أَنا عبد الله وَرَسُوله" ٥، وَلم يرد طلبا لأحد فَإِن الْأمة تَأْخُذ بِيَدِهِ وَبِه فتنطلق بِهِ فِي حَاجَتهَا٦فعلى الْأَبْنَاء والتلاميذ أَن يسموا سلوكهم بالتواضع فِي كل شَيْء، فِي

стр. 59

بُيُوتهم وَمَعَ ذويهم، وَفِي مدارسهم وَمَعَ معلميهم، وَفِي مجتمعهم وَمَعَ عُلَمَائهمْ، وَمَعَ النَّاس جَمِيعًا. وَفِي الْمُقَابل أَيْضا عَلَيْهِم أَن يحذروا من الْوُقُوع فِي الْكبر وَعجب النَّفس فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى غمط الْحق، وطمس معالمه، وَفِي النِّهَايَة يَقُودهُ إِلَى الدمار والهلاك وَغَضب الله عَلَيْهِ. جـ) آدَاب الْمَشْي: للمشي فِي الطَّرِيق آدَاب وواجبات قلَّ من يهتم بهَا مَعَ أهميتها، وخلاصة هَذِه الْآدَاب والواجبات أَن الْمَشْي يطْلب فِي أَثْنَائِهِ كل مَا يطْلب من الْجَالِس على الطَّرِيق وَيُزَاد عَلَيْهِ التَّوَاضُع فِي أثْنَاء الْمَشْي والتسامح مَعَ من يقابلهم١. وَلِهَذَا وصف الله عزوجل عباده أَنهم يَمْشُونَ على الأَرْض هونا أَي: مشياً متصفا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، غير مختالين وَلَا مستكبرين٢. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ ٣. وَلِهَذَا أَمر لُقْمَان ابْنه بالاعتدال فِي المشية وَالْحَرَكَة. قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ..﴾ الْآيَة٤. أَي توسّط فِيهِ، وَالْقَصْد مَا بَين الإِسراع والبطء٥. الْمَعْنى: أَي امش مقتصدا معتدلاً لَا بطئ الخطو وَلَا مسرعا مفرطا فِي السرعة، مشْيَة لَا ذل فِيهَا وَلَا كبر، متواضعاً. وَليكن لَك قصد وهدف تمشي

стр. 60

إِلَيْهِ، وليظهر ذَلِك فِي سيرك بِحَيْثُ تمشي مشْيَة الهادف الَّذِي ينْطَلق لقصده فِي بساطة وانطلاق١. فعلى الْآبَاء والمربين أَن يستفيدوا من هَذِه التوجيهات الربانية فِي إرشاد أبنائهم وتلاميذهم إِلَى كَيْفيَّة الْمَشْي الصَّحِيح على الطَّرِيق وَكَذَلِكَ تعليمهم آدَاب الطَّرِيق كَمَا حددها النَّبِي فِي أَحَادِيث كَثِيرَة وَمِنْهَا قَوْله: "إيَّاكُمْ٢ وَالْجُلُوس على الطرقات، فَقَالُوا: مَا لنا بُد٣ إِنَّمَا هِيَ مجالسنا نتحدث فِيهَا، فَقَالَ: فَإِذا أَبَيْتُم إِلَّا الْمجَالِس٤ فأعطوا الطَّرِيق حَقّهَا٥، قَالُوا: وَمَا حق الطَّرِيق؟ قَالَ: غض الْبَصَر٦، وكف الْأَذَى٧، ورد السَّلَام، وَأمر بِالْمَعْرُوفِ، وَنهي عَن الْمُنكر"٨. وَهَكَذَا يتأدب النشئ مُنْذُ نعومة أظفارهم بأخلاق الْإِسْلَام، فَتطهر نُفُوسهم وتسموا أَخْلَاقهم، وتتكامل شخصياتهم. د) آدَاب الحَدِيث: الحَدِيث مَعَ الآخرين فِي الْإِسْلَام لَهُ أُصُوله وآدابه، على الْمُسلم التقيد بهَا إرضاءً لله عزوجل وتجنبا لسخطه وعقابه، وَمن أجل هَذَا يبين لنا الرَّسُول فِي أَحَادِيث عدَّة خطورة اللِّسَان وَمَا يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْوُقُوع فِي الْهَلَاك.

стр. 61

فَمن ذَلِك قَوْله النَّبِي ﷺ : "ثكلتك أمك١ يَا معَاذ، وَهل يكب النَّاس٢ فِي النَّار على وُجُوههم أَو على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم" ٣٤. وَكَذَلِكَ أَيْضا قَوْله ﵊: "إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ، مَا يتَبَيَّن فِيهَا٥، يزل بهَا فِي النَّار٦ أبعد٧ مِمَّا بَين الْمشرق" ٨. وَفِي حَدِيث آخر يَقُول ﵊: "إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من رضوَان الله٩، لَا يلقِي لَهَا١٠بَالا يرفع الله بهَا دَرَجَات، وَإِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من سخط الله١١، لَا يلقِي لَهَا بَالا، يهوى بهَا١٢فِي جَهَنَّم" ١٣.

стр. 62

ولكي لَا يَقع الْمُسلم فِي مزالق اللِّسَان وعثراته فهناك شُرُوط فِي الْإِسْلَام للْكَلَام يُمكن إيضاحها فِي النقاط التالية:١ الشَّرْط الأول: أَن يكون الْكَلَام لداع يَدْعُو إِلَيْهِ إِمَّا فِي اجتلاب نفع أَو دفع ضرّ. الشَّرْط الثَّانِي: أَن يَأْتِي بِهِ فِي مَوْضِعه، ويتوخى بِهِ إِصَابَة فرصته. الشَّرْط الثَّالِث: أَن يقْتَصر مِنْهُ على قدر حَاجته. الشَّرْط الرَّابِع: أَن يتَخَيَّر اللَّفْظ الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ. وَبِنَاء على الشُّرُوط السَّابِقَة والمذكورة أَعْلَاهُ يكون أحسن الْكَلَام مَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْكَلَام بل يَكْتَفِي فِيهِ بِالْفِعْلِ من القَوْل وَألا يرفع بالْكلَام صَوتا مستكرهاً، وَلَا ينزعج لَهُ انزعاجاً مستهجنا٢. وَلِهَذَا أدَّب لُقْمَان ابْنه فِي هَذَا الْخُصُوص بقوله قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٣. فخفض الصَّوْت عِنْد محادثة النَّاس فِيهِ أدب وثقة بِالنَّفسِ، واطمئنان إِلَى صدق الحَدِيث، وَرَفعه أَي رفع الصَّوْت دَلِيل على فقدان ذَلِك. وَمن هُنَا جَاءَ اسْتِخْدَام لُقْمَان لِابْنِهِ وسيله منفرة تَجْعَلهُ يكره رفع الصَّوْت، فقد شبه لَهُ من يفعل ذَلِك بنهيق الْحمار. وَلَيْسَ هُنَاكَ أغْلظ من أصوات الْحمير إِذا مَا قورنت أصواتها بِالنِّسْبَةِ لسَائِر الْحَيَوَانَات الْأُخْرَى، وَقد أرشدت السّنة النَّبَوِيَّة الْإِنْسَان الْمُسلم بالتعوذ عِنْد سَماع صَوت الْحمار. فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فاسألوا الله من فَضله

стр. 63

فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا، وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمار فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان، فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا" ١. وَبِنَاء على مَا ذكر يَنْبَغِي على الْآبَاء والمربين أَن يعودوا أَبْنَاءَهُم وتلاميذهم على الِالْتِزَام بآداب الْإِسْلَام فِي الحَدِيث مَعَ الآخرين، وَأَن يكون الحَدِيث بِقدر مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة وبشرط عدم رفع الصَّوْت فِي وَجه الْمُخَاطب حَتَّى لَا يكون ذَلِك مصدر أَذَى من الحَدِيث بِغَيْر دَاع أَو من جراء رفع الصَّوْت. وَبِهَذَا يكتمل مَنْهَج الْآدَاب الاجتماعية الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه، فقد بدأها ببر الْوَالِدين وطاعتهما ثمَّ عدم التكبر على النَّاس وَكَذَلِكَ الِالْتِزَام بآداب الْمَشْي على الأَرْض والْحَدِيث مَعَ الآخرين. ونلحظ من الْعرض السَّابِق أَن تِلْكَ الْآدَاب الاجتماعية لَهَا أهميتها فِي تنشئة النُّفُوس المؤمنة على الْخلق القويم الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّمَسُّك بشريعة الْإِسْلَام فالإسلام يَبْغِي للنَّفس المؤمنة أَن تكون مهذبة مصونة من كل أَسبَاب الْأَمْرَاض، بعيدَة عَن كل ألوان الْعُيُوب النفسية، من أجل أَن يكون الْمُسلم ذَا خلق كريم، وَأَن تكون نَفسه خيّرة طيبَة مطمئنة. وَعَلِيهِ يَبْغِي أَن تكون الْآدَاب الاجتماعية أصلا من أصُول التربية الإسلامية، لما لَهَا من تَأْثِير كَبِير فِي تشكيل شخصية الْإِنْسَان الْمُسلم، شخصية سماتها الْوَقار والهيبة، والاعتدال وَقُوَّة الشخصية فالخلق فِي الْإِسْلَام هُوَ سَبِيل الارتقاء بِالْمُسلمِ إِلَى مدارج الْكَمَال، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ الشريف "أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا"٢.

стр. 64

وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة، فَقَالَ: "تقوى الله وَحسن الْخلق" ١. كَمَا أَن صَاحب الْخلق الْحسن يَسعهُ النَّاس كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث "إِنَّكُم لن تسعوا النَّاس بأموالكم وَلَكِن يسعهم مِنْكُم بسط الْوَجْه وَحسن الْخلق" ٢.

стр. 65

الخاتمة … خَاتِمَة تِلْكَ الْأُصُول الْأَرْبَعَة السَّابِقَة هِيَ معالم أصُول التربية الإسلامية الَّتِي أمكن استنباطها من وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم لِابْنِهِ كَمَا وَردت فِي سُورَة لُقْمَان من الْآيَة (١٣ - ١٩) . وَفِيمَا يَلِي تَلْخِيص لنقاطها: الأَصْل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التَّوْحِيد. الأَصْل الثَّانِي: مراقبة الله . الأَصْل الثَّالِث: الْعِبَادَات. الأَصْل الرَّابِع: الْآدَاب الاجتماعية. وَالْأُصُول التربوية الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ هِيَ وَصَايَا نافعة، ونصائح غَالِيَة، وَحكم نبيلة، وتوجيهات سديدة، يقدمهَا لُقْمَان لِابْنِهِ، ليَكُون ابْنا باراً، يتعامل مَعَ النَّاس بِحسن الْخلق وَطيب الْمُعَامَلَة، يعرف للنَّاس حُقُوقهم، وَلَا ينسى حق الله عَلَيْهِ. فحري بِالْآبَاءِ والمربين أَن يستفيدوا من تِلْكَ الْوَصَايَا فِي تربية أبنائهم، وتوجيه تلاميذهم، فَهِيَ بِلَا شكّ الْمِنْهَاج الصَّحِيح لأصول التربية الْحَسَنَة الناجحة، والطريقة المثلى لإِعداد جيل صَالح على أساس قوي من عقيدة التَّوْحِيد، يعرف حُقُوق ربه، وَحُقُوق وَالِديهِ، وَحُقُوق مجتمعه. فَهَل يَسْتَطِيع الْآبَاء والمربون اتِّبَاع معالم هَذِه التربية فِي تربية أبنائهم وتلاميذهم. لَا سَبِيل لفلاحهم ونجاحهم فِي هَذِه الْحَيَاة إِلَّا أَن ينهلوا من سنَن الْإِسْلَام ومنهاجه القويم فِي تربية أبنائهم، وتقويم سلوك تلاميذهم، وَفِي إصْلَاح نُفُوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتعليمهم مبادئ الْخَيْر والفضيلة،

стр. 66

وتنشئتهم على الْأَخْلَاق الحميدة، وَبِذَلِك يضمنوا بِإِذن الله تَعَالَى إِيجَاد الجيل الْمُؤمن، والشباب الصَّالح، الممتثل لأوامر ربه، والقدوة الطّيبَة لغيره فِي كل مكرمَة وفضيلة، والخلق وَالْعَمَل الصَّالح. وأخيراً أَحْمد الله على مَا وفقني فِي إنجاز هَذِه الدراسة حَتَّى ظَهرت بِهَذِهِ الصُّورَة، فَإِن وفقت لما أصبو إِلَيْهِ فبتوفيق من الله جلّ ثَنَاؤُهُ، وَإِن عجزت عَن الْوَفَاء بِمَا تبلغه الْغَايَة بِي، فحسبي أَن أَضَع لزملائي العاملين فِي مجَال التربية والتعليم هَذِه الدراسة لتَكون لَهُم معلما ومرشداً فِي أَدَاء رسالتهم التربوية والتعليمية. أسأَل الله أَن يوفقني للْعَمَل بِمَا علمت وَأَن يعلمني مَا جهلت إِنَّه خير مأمول، وَأكْرم مسؤول، وَالله من وَرَاء الْقَصْد، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل. وَصلى الله وَسلم على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.