← Сияса и кади

Сияса и кади · id 35453

تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الجاهلين

ابن النحاس، أحمد بن إبراهيم

Полный текст (524 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن أبي أمامة – ﵁ «أن غلاماً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فصاح الناس به. فقال النبي ﷺ : أدن مني. فدنا حتى جلس بين يديه. قال أتحبه لأمك؟ قال: لا. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا. جعلني الله فداك قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ وزاد ابن عوف أحد رواه الحديث أنه ذكر العمة والخالة – وهو يقول في ذلك كله: لا جعلني الله فداك، وهو ﷺ يقول: كذلك الناس لا يحبونه. فوضع ﷺ يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه وحصن فرجه. فلم يكن شيئاً أبغض إليه منه» يعني الزنا. وقال حماد بن سلمة: إن صلة بن أشيم مر عليه رجل قد أسبل إزاره فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة فقال: دعوني أنا أكفيكم فقال: يا ابن أخي، إنّ لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع من إزارك، قال: نعم وكرامة. فرفع إزاره، فقال لأصحابه: لو أخذتموه بشده لقال: ولا كرامة وشتمكم. قال عبد الله بن زكريا العلائي: شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة ليلة وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله وإذا في طريقه غلام من قريش سكران وقد قبض على امرأة وجذبها، فاستغاثت فاجتمع الناس عليه يضربونه، فنظر إليه ابن عائشة فعرفه، فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي. ثم قال: إليّ يا ابن أخي فاستحى الغلام، فجاء إليه فضمّه إلى نفسه، ثم قال له: امض معي فمضى معه حتى سار إلى منزله وأدخله الدار، وقال لبعض غلمانه: بيّته عندك فإذا أفاق

стр. 37

من سكره فأعلمه بما كان منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به، فلما أفاق وذكر له ما جرى / استحي منه، وبكى وهمَّ بالانصراف، فقال الغلام: قد أمرنا أن تأتيه، فأدخله عليه فقال: أما استحييت لنفسك، أما استحييت لشرفك، أما ترى من ولدك؟ فاتق الله وانزع عما أنت فيه فبكى الغلام منكساً رأسه، ثم رفع رأسه وقال: عاهدت الله تعالى عهداً يسألني عنه يوم القيامة أنَّي لا أعود إلى شرب النبيذ، ولا لشيء كنت فيه، وأنا تائب. فقال: ادن مني فقبّل رأسه؛ وقال: أحسنت يا بني. وكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب الحديث ثم قال: الناس يأمرون بالمعروف فيكون معروفهم منكراً، عليكم بالرفق في جميع أموركم تنالون به ما تطلبون. ٢ - فصل فإذا كان الفاعل يقدم على الفعل مع علمه أنه منكر، أو بعد تعريفه أنه منكر كالذي يواظب على الغيبة، أو أكل المكس أو الربا أو الرشوة مع علمه أنه حرام، ولكن لا يعلم رتبة تحريمه ولا ما جاء فيه من المواعيد والتهديد، فهذا ينبغي أن يوعظ ويخوف بالأخبار الواردة في تلك المعصية، ويدرج الكلام معه تدريجياً بشفقة ولطف من غير تعنيف ولا غضب ولا ازدراء، ولكن ينظر إليه بعين الرحمة، ويرى أن القضاء والقدر قد قهره على هذا، ويلاحظ هو بباطنه لطف الله تعالى به إذ حفظه من مثل هذه المعصية، ولو شاء لكان الأمر بالعكس، وأنه لا يدري إلى ماذا يصير حاله إذ القلوب بيد الله تعالى والنفوس لها إقبال وإدبار، وما يدري هل يدوم له هذا الحفظ أو الفتن والعياذ بالله تعالى. فكم من تائب عابد رجع إلى المعاصي فقبض عليها، وكم من عاص مسرف تاب الله عليه فجبت توبته ما سلف قبلها، وقبض طاهراً من لوث معاصيه مغفوراً له ما سلف قبلها من إسرافه.

стр. 38

والمقصود من ملاحظته ذلك أن لا يرى عند التعريف والإنكار عزة نفسه بالعلم والتنزه عن مثل هذه المعصية، وذل ذلك المنكر عليه بالجهل والوقوع فيها فيكون قصده الباطن بكلامه إظهار رتبته بشرف العلم والعفة وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل ورذالة المعصية، فإن علم من نفسه أن هذا هو الباعث له / على الإنكار؟ . قال الغزالي: فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه. ومثال هذا المنكر مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل وهذه مزلة عظيمة، وغائلة هائلة، وغرور للشيطان يدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله تعالى عيوب نفسه، وفتح عين بصيرته بنور هدايته فإن في الاحتكام على الغير لذة النفس عظيمة من وجهين: أحدهما: من جهة دالة العلم. والآخر: من جهة دالة الاحتكام والسلطنة. وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية المتداعية إلى الشرك الخفي، وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه، أو بإنكار غيره أحب إليه من امتناعه بإنكاره، ويرى أن القيام بالإنكار يشق عليه، ويثقل على نفسه، ويود أن يكفى بغيره فليمض في ذلك، فإن هذه علامات تدل على أنه مخلص. وإن فقدت هذه العلامات ورأى من نفسه كراهية لرجوعه إلى غيره، أو رأى عنده مسابقة إلى الإنكار خشية أن يسبقه إليه غيره، أو يثقل عليه أن يرجع

стр. 39

هو عن هذا المنكر بنفسه، ونحو هذه العلامات، فليتق الله ولينكر على نفسه أولاً، وفي مثل هذا ينبغي أن يقال له ما جاء في الآثار إن الله تعالى أوحى عيسى ابن مريم ﵇ «يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني». وقيل لداود الطائي: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء، فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ فقال: أخاف عليه السوط. قيل إنه قيل إنه يقوى عليه يعني أنه وطن نفسه على احتماله إن وقع واحتسابه عند الله تعالى [فقال: أخاف عليه السيف. قيل إنه يقوى عليه. قال: أخاف عليه] الداء الدفين العجب. واعلم: أن هذا الكلام وهذا المحك المذكور في هذه الدرجة لا يختص بها، بل ينبغي أن يلاحظ ذلك في جميع درجات الإنكار، فإن المرء مطالب بالإخلاص في جميعها وأنه لا يحتضر أخاه المسلم، ولو كان على أي حال كان لجهله بالخاتمة، والله ولي التوفيق. مسألة: من لم يقدر / على الإنكار باللسان، وقدر على إظهار دلائل الإنكار مثل تعبيس الوجه، والنظر شذراً، والتجهم وإظهار الكراهة لفعله، والازدراء به، وهجره في الله تعالى لزمه ذلك، ولا يكفيه العدول إلى الإنكار بالقلب مع إمكان الإنكار الظاهرة، والله أعلم. ٣ - فصل فإن لم يرجع بالوعظ والنصح والتذكير، وعلم منه الإصرار على المعصية، والاستهزاء، وقلة المبالاة، والتصريح بعدم الرجوع، فيغلظ له الكلام ويخشن عليه ويسبه من غير فحش، مثل أن يقول له: يا فاسق يا جاهل يا أحمق يا من

стр. 40

لا يخاف الله يا ظالم نفسه يا من ليس له مروءة، ونحو هذا من الكلام، ويراعي الصدق في ذلك، فإن مثل هذا الكلام ليس عليه فيه شيء إذ هو صدق في الحقيقة، وليحذر أن يسترسل به الغضب إلى الخروج إلى الكلام بما لا يجوز له مما هو كذب في نفس الأمر، أو باطل أو فاحش ونحو هذا. واعلم أن هنا دقيقة عظيمة مهمة – قل من ينتبه لها – وهو أنه يجب أن يكون قصده بتغليظ الكلام وتخشينه رجوع العاصي عن تلك المعصية لا الانتصار لنفسه، لكونه رد كلامه واستهزأ به، فإنه ربما يكون مخلصاً في ابتداء الإنكار، فإذا استهزأ به ثارت نفسه، وأغلظ في الكلام، وربما وقع في الفحش والكذب واللعن والضرب، ربما تعلق به واستعدى عليه إلى الحاكم، وكل ذلك في الحقيقة انتصار لنفسه لا غضب لله ولمحارمه، فخرج بهذا عن دائرة الإخلاص، ووقع في مهوات الغضب والحمق المنهي عنه، وصار ممن يجب الإنكار عليه بعد أن كان منكراً، ومثال هذا كمن يغسل الدم من ثوبه ببول الكلب فلينتبه المنكر لهذا فإنه قل من يسلم منه. فإن قلت: بم يفرق بين الغضب لله والانتصار للنفس؟ قلت: محك الاعتبار في هذا أن ينظر في نفسه لو حصل له سب وشتم واستهزاء مع زوال المنكر هل كانت نفسه ترضى بذلك وتسكن إليه؟ فإن وجدها راضيةً بذلك مطمئنة به صابرة على ما نالها من السب / والاستهزاء محتسبة له عند الله تعالى، علمنا بذلك أنه مخلص، وأنه ما كان قصده إلا وجه الله تعالى، وتغيير المنكر وقد حصل مقصده، فمثل هذا لا حرج عليه إذا سب أو غلظ الكلام إذا تبين أنه مخلص في جميع ذلك. وإن وجد نفسه لا ترضى بذلك، ولا تصبر عليه، بل كان يقابله بما تصل إليه الاستطاعة من السب والأذى، علمنا أن ثم دسيسة نفسية من حب الرئاسة

стр. 41

والاحتكام ونفاذ الكلام، فمثل هذا ينبغي أن يمسك من الكلام الغيظ إلى أن يتحقق من نفسه الإخلاص. اعتبار آخر: وهو أن ينظر لو رجع في أثناء الكلام الغليظ عن ذلك المنكر، هل كان يسكن غضبه ويمسك عن الكلام؟ فإن علم أنه يسكن غضبه، ويمسك عن الكلام متى زال المنكر، علمنا أنه مخلص، وأنه ما كان قصده إلا زوال المنكر، وقد زال فلم يبق للكلام الغليظ فائدة، وإن علم أنه لا يسكن غضبه، ويتم يسترسل في الكلام علمنا أن الحامل له على ذلك باعث نفساني، وغضب كمين لغير الله تعالى، بل مقابلة على الإساءة فيمسك عن الكلام، والله أعلم. اعتبار آخر: وهو أن يقدر أن المنكر عليه استهزأ به، وسبه وشتمه، وأنه هم باغلاظ الكلام له وتخشينه عليه فجاء إنسان، فقام مقامه في ذلك وأغلظ له القول فرجع إليه، وزال ذلك المنكر هل كان ذلك يسره أم لا؟ فإن كان ذلك يسره ويفرح به، ويرى لله تعالى المنة عليه فيه إذا صان لسانه عن الكلام السيء، وإيحاش قلب أخيه المسلم مع حصول المقصور من زوال المنكر، وأنه حصل له ثواب بينته، وأجر ما أصيب به في عرضه فهذا مخلص. وإن كان لا يرده عن الشرع في السب والتغليظ وجود غيره ويثقل عليه كون المنكر زال بكلام غيره من غير سب واستهزاء، ولم يزل بكلامه مع ما حصل له من السب والاستهزاء فهو غير مخلص، والله أعلم. ٤ - فصل هذا الذي ذكرناه في الفصلين المتقدمين هو فيما لا يمكن تغييره باليد كالغيبة، والنميمة، وأكل المكس، والحرام ونحو ذلك، فإن كان مما يغير باليد / بادر

стр. 42

إلى تغييره بيده كإراقة خمره وكسر وعوده وآلات لهوه، وتجريده من خاتم الذهب، وثوب الحرير ومنعه من الجلوس على الحرير إن كان ممن يعتقد تحريم الجلوس عليه، وإخراجه من الدار المغصوبة، ومن المسجد إن كان جنباً، أو أكل بصلاً أو ثوماً أو فجلاً ونحو ذلك مما له رائحة كريهة يتأذى بها الإنسان. ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ «كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل والثوم أمر به فأخرج إلى البقيع». وإن لم يخرج إلا بجره فليجره بيده، ونحوها دون ذقنه وشعر رأسه، فإن لم يطق خروجه بجره بيده فليجره برجله، وإن أمكنه أن لا يباشر شيئاً من ذلك بيده ويكفيه غيره فليفعل. تنبيه: ويتوقى في إراقة كسر أوانيها، فإن لم يقدر على إراقتها إلا بالكسر كسرها لأن الأواني صارت حائلة بينه وبين الوصول إلى الخمر الواجب إراقتها، وذلك كما إذا كان الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس، ولو اشتغل بإراقتها أطال الزمان وأدركه من يمنعه من ذلك فله كسرها، وكذلك إذا كان يضيع زمانه في إراقتها، ويتعطل عليه اشتغاله فله كسرها، وليس عليك أن يضيع منفعة نفسه وعرضه من اشتغالة لأجل ظروف الخمر، وسقطت قيمتها إذا كان لا يتوصل إلى إراقة ما فيها إلا بكسرها. وكما نقول لو ستر الخمر بيديه، أو غصب دراهم وأطبقت عليها يديه، فإنا نقصد يديه بالضرب لتصل إلى إراقة الخمر، وتخليص الدراهم فكسر الظروف أولى إذ لا تزيد حرمة ملكه في الظروف على حرمة نفسه. لكن لو كانت الإراقة متيسرة لو وسع رأس الإناء، أو مبادرة الغير إلى إراقته، ونحو ذلك وكسر الظروف لزمه الضمان، اللهم أن لا يكون المنكر حاكماً قال الغزالي: فإن رأى الوالي أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمر زجراً لصاحبها فعل.

стр. 43

ويدل على ما ذهب إليه ما رواه الترمذي عن أبي طلحة ﵁ قال يا نبي الله اشتريت خمراً لأيتام في حجري قال النبي ﷺ «أهرق الخمر واكسر الدنان». وإنما جاز ذلك للحاكم دون غيره لأن الرجز عما يستقبل، والعقوبة على ما مضى ليس لآحاد الرعية، وإنما هو / للوالي، وأما آحاد الرعية فليس لهم إلا الدفع في الحال لا غير. فإن قلت: هل له أن يكسر آلات اللهو كالبرابط والطنبور والعود ونحو ذلك، والصنم والصليب إذا أظهرهما النصراني، وأواني الخمر حيث جاز له كسرها كسر لا ينتفع بها بعده أم لا؟ وهل له أن يحرق ذلك ويلقيه في البحر ونحو ذلك؟ قلت: أما أواني الخمر حيث أبيح له كسرها للتوصل إلى إراقة ما فيها، فإذا كسرت في أول ضربة كسراً يحصل به المقصود من إراقة ما فيها فليس له أن يرضها بعد ذلك ولا أن يلقيها في البحر، فإن دافعه صاحبُها ومنعه من كسرها فله كسرها كيف ما قدر لإراقة ما فيها، ولو أن يلقي عليها حجراً فيرضها أو يدفعها برجله في البحر ونحو ذلك. وأما غير ذلك مما ذكرناه من آلات وغيرها فقال الرافعي والنووي وغيرهما في حد الكسر المشروع وجهان: أحدهما: أنها تكسر وترضض حتى تنتهي إلى حد لا يمكن اتخاذ آلة محرمة منه لا الأولى ولا غيرها. وأصحهما ألا تكسر الكسر الفاحش لكن تفصل وفي حد التفصيل وجهان: أحدهما: قدر لا تصلح معه الاستعمال المحرم حتى إذا رفع وجه الربط وبقي عليه صورة فظيعة كفى.

стр. 44

والثاني: قدر تفصل إلى حد لو فرض اتخاذ آلة محرمة من مفصلها لنال الصانع التعب الذي يناله في ابتداء الاتخاذ، وهذا بأن يبطل تأليف الأجزاء كلها حتى تعود كما كانت قبل التأليف، وهذا أقرب إلى كلام الشافعي وجماهير الأصحاب. هذا كلام النوويّ في الروضة، وجزم الغزاليّ في الإحياء بهذا الوجه ولم يذكر غيره. وعلى هذا لو جاوز الحد المشروع في الكسر لزمه التفاوت بين قيمتها مكسورة بالحد المشروع، وبين قيمتها منتهية إلى الحد الذي أتي به. وهذا الذي ذكرناه إنما هو فيما إذا تمكن المنكر من كسرها على الحد المشروع، وأما إذا لم يتمكن لمدافعة من هي في يده، أو عدم آلة يفصلها بها، أو خوف آت بينه وبين ذلك فله أن يكسرها كيفما اتفق ولا ضمان عليه قطعاً. قال الغزالي في البسيط: وأجمعوا على أنه لا يجوز له إحراقها لأن رضاضها متمول، انتهى. / قلت: فإن دافعه كما تقدم ولم يجد سبيلاً إلى إزالة ذلك المكان إلا بإلقائها في النار أو البحر ونحو ذلك فله ذلك، والله أعلم. مسألة: الخمر إذا لم تكن محترمة فإنها تراق على المسلم وعلى الذمي أيضاً إذا أظهرها، أو أظهر شراءها أو بيعها أو هبتها ولو لذمي مثله، وكذلك الخنزير ولو غصب مسلم خمر الذمي ولم يظهره وجب ردها إليه، فإن أراقها المسلم فلا شيء عليه. ٥ - فصل فإن لم يتمكن من إزالة المنكر إلا بضرب المنكر عليه فليضربه بيده ورجله ونحو ذلك، وليحذر ما يفعله كثير من الناس إذا وصل في الإنكار إلى هذه

стр. 45

الرتبة من الاسترسال في الضرب بعد زوال المنكر فإن ذلك لا يجوز لآحاد الرعية. قال الغزالي: فإن احتاج إلى شهر سلاح وكان يقدر على رفع المنكر بشهر السلاح فله أن يتعاطى ذلك، كما لو قبض فاسق على امرأة مثلاً، أو كان يضرب بمزمار معه وكان بينه وبين المنكر عليه نهر جار، أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول: خل عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرميه، وينبغي ألا يقصد المقاتل بل الساق والفخذ وما اشبهه، ويراعي فيه التدريج، وكذلك سل السيف ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل ذلك رفع للمنكر، ورفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله تعالى، وبين ما يتعلق بالآدميين، انتهى. وقال الرافعي: من أقدم على محرم من شرب خمر أو غيره هل لآحاد الناس منعه بما يجرح ويأتي على النفس؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم. نهياً عن المنكر ومنعاً عن المعصية. والثاني: لا. خوف من الفتن التي تتولد منه. ونسب الإمام هذا الثاني إلى الأصوليين، والأول إلى الفقهاء، وهو الذي يوجد للأصحاب في كتب المذهب حتى قال الغوراني وصاحب التهذيب والقاضي الروياني وغيرهم: من علم بخمر في بيت رجل أو طنبور، وعلم بشربه أو ضربه فله أن يهجم على صاحب البيت ويريق الخمر ويفصل الطنبور، ويمنع أهل الدار من الشرب والضرب، وإن لم ينتهوا فله أن يقاتله، وإن أتى القتال عليهم وهو مثاب على ذلك. وفي تعليقة إبراهيم المروزي "أن من رأى مكباً على معصية من زنا أو شرب خمر أو رآه / يشرخ رأس شاة، أو عبد فله دفعه، وإن أتى الدفع على نفسه، انتهى.

стр. 46

٦ - فصل فإن لم يزل ذلك المنكر إلا بأعوان يشهرون السلاح، وربما يستمد الفاسق أيضاً بأعوان وسلاح، ويؤدي ذلك إلى المقاتلة ففي اشترط استئذان الإمام في هذه الدرجة خلاف. فذهب جماعة إلى أن ذلك إذا أدى إلى نصب قتال وشهر سلاح فلا بد من إذن السلطان، منهم إمام الحرمين في الغياث والقاض عياض في شرح مسلم والرافعي والنووي وغيرهم. وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يحتاج إلى إذن وهو الأقيس عند الغزالي وعلله بأن قال: إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته يجر إلى ثوان وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون، فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضي الله ودفع معاصيه. ونحن نجوز للآحاد من الرعية الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فوق الكفار قمعاً لأهل الكفار، فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكفار لا بأس بقتله والمسلم إذا قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله. والمنكر المحق إن قتل مظلوماً فهو شهيد، وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر فلا يغير به قانون القياس، بل يقال كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وسلاحه وبنفسه وأعوانه، والمسألة إذا محتملة كما ذكرنا، انتهى. تنبيه: هذا الذي ذكرناه في هذا الفصل والذي قبله إنما هو فيما إذا كان المنكر على غير السلطان فإذا كان السلطان فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر

стр. 47

عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً لأن ذلك تحريكاً للفتن، وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية، وربما أدى إلى تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفى. وأما الإنكار على السلطان بالسب وتخشين الكلام، كقولك: يا ظالم يا جائر يا فاسق يا من لا يخاف الله، ونخو هذا / الكلام فينظر إن علم أن شر ذلك يتعدى إلى غير القائل لم يجز له الإقدام عليه كما في غير السلطان، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه، كان ذاك جائزاً بل مندوباً إليه لأن فيخ تحريضاً للشهادة. كما جاء في الأحاديث المتقدمة "إن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، وإن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وقال الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي في "أحكام القرآن": من رأى منكراً يرجو زواله، وخاف على نفسه من تغييره الضرب والقتل جاز له الاقتحام عند أكثر العلماء عند هذا الغرر وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه. قال: والذي عندي أن النية إذا حصلت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي، انتهى. وقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار، والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المنهج ولا ذهاب الأموال، متعرضين بذلك لأنواع المحن والعذاب، موطنين أنفسهم على الهلاك، ومحتملين ما نالهم من المصائب، صابرين عليه في ذات الله تعالى، ومحتسبين له عند الله. قال الله تعالى حكاية عن وصية لقمان الحكيم لابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].

стр. 48

وأوصى بعض السلف بنيه فقال: إن أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر، وليثق بالثواب من الله تعالى، فمن وثق بالثواب من الله تعالى لم يجد مس الأذى، ولقد كان الله تعالى يحفظ أكثرهم من بأس الظالمين ببركة إخلاصهم، وحسن مقصدهم، وقوة توكلهم، وابتغائهم بكلامهم وجه الله تعالى. حكي: سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - قال: دخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال: ارفع إلينا حاجتك. فقلت له: اتق الله قد ملأت الأرض ظلماً وجوراً. قال: فطأطأ رأسه ثم رفعه، وقال: ارفع إلينا حاجتك. فقلت: إنما / أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعاً، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم. قال: فطأطأ رأسه ثم رفعه، فقال: ارفع إلينا حاجتك. فقلت: حج عمر بن الخطاب ﵁ فقال لخازنة: كم أنفقت؟ قال: بضعة وعشر درهماً، وأرى ها هنا أموالاً لا تطيقها الجبال. هذا كلام لأبي جعفر المنصور وقوله: ملأت الأرض ظلماً وجوراً، فكيف لو رأى زماننا وأهله؟ . ولقد اتفق لأبي جعفر هذا في حجته هذه قضية ينبغي ذكرها ليعلم بها قدر رتبته بالنسبة إلى أهل زماننا. ذكر القرطبي ﵀ في تاريخه أنّ أبا جعفر لما حجّ استأجر جمّالاً مدة أربعين يوماً، فلما دخل المدينة أقام بها مدة فاستعدى عليه الجمال إلا قاض المدينة وقال: إنّ أمير المؤمنين استأجرني أربعين يوماً وإنّ له اليوم ستين يوماً، فكتب القاضي في ورقه: ليحضر أبا جعفر مجلس الشرع الشريف، وقال لرجل من جلسائه: اذهب إلى أبي جعفر فأعطه هذا الكتاب، وقل له: إن القاضي يطلبك إلى مجلس الشرع، فقال: أو يعفيني القاضي فقال: لا بد لك من ذلك،

стр. 49

فذهب بكتابه إلى أمير المؤمنين، ولم يتجرأ على الدخول إليه بالكتاب فوجد الربيع، فقال له: مالك؟ فذكر له القصة، فدخل على أمير المؤمنين وأخبره الخبر فقام في الحال وأمر منادياً ينادي في العسكر: إنّ أمير المؤمنين قد طلب في مجلس الشرع فلا يتحرك له أحد من مكان، ثم خرج يمشي هو والربيع إلى أن قرب من منزل القاضي فقال للربيع إن تحرك لي القاضي من مجلسه فهو معزول، فدخل عليه وكان متربعاً فاحتبى بثوبه، وأوقف أمير المؤمنين مع الجمال فادعى عليه قال: ما تقول؟ قال: قد أمرت له بما ادعى، فرضي الجمال وخرج، فلما خرج قام القاضي من مجلسه، وجلس / بين يدي أمير المؤمنين. ليت شعري! متى نرى من يعظم الشرع وينقاد له كما انقاد هذا الذي يقول له سفيان الثوري: قد ملأت الأرض ظلماً وجوراً؟ . اللهم أصلح أحوالنا، ووفق من وليته شيئاً من أمورنا، فإن نواهي الخلق بيدك، والهداية والتوفيق إليك، وأنت على كل شيء قدير. ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال: أيها الأمير قرأت في بعض الكتب من أحق من السلطان، ومن أجهل ممن عصاني، ومن أعز ممن اعتز بي، أيها الراعي السوء: دفعت إليك غنماً سماناً صحاحاً، فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاماً تتقعقع، قال له والي البصرة: أتدري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك قال: لا. قال: قلة الطمع إلينا وترك الإمساك لما في أيدينا. ولقد صدق هذا القائل فإنّ من لم يقطع أطماعه من الخلق، ولم ييأس مما بأيديهم، ولم يعول في نفع ولا ضر عليهم لا يمكنه أن يأمرهم ولا ينهاهم. - وقد روي عن بعضهم المشايخ أن كان له سنور - وهو القط - وكان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئاً من الغدد لسنوره، فرأى على القصاب منكراً، فدخل الدار أولاً، وأخرج السنور، ثم جاء وأنكر على القصاب، فقال له القصاب: لا أعطيك بعد هذا شيئاً لسنورك، فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور، وقطع الطمع منك.

стр. 50

- ولما قدم سليمان بن عبد الملك المدينة - وهو يريد مكة - أرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، فقال: أي المؤمنين أكبس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله، ودعا الناس إليها، قال: فأي المؤمنين أخس؟ قال: رجل أخطأ قي هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو تعفيني. قال: لا، ولكن نصيحة تلقيها إليّ، قال: يا أمير المؤمنين: إن آباءك قهروا الناس بالسيف / وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين، ولا رضى منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم، فقال له رجل من جلسائه: بئسما قلت. قال أبو حازم: إن الله ﵎ قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فقال: كيف لا نصلح هذا الفساد؟ فقال: أن تأخذ من حله فتضعه في حقه. فقال سليمان: ومن يقدر عليه؟ قال: من يطلب الجنة، ويخاف من النار. فقال: ادع لي. قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فيسر له خير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. فقال سليمان: أوصني، قال: عظم ربك، ونزهه أن يراك حيث ينهاك، أو يفقدك حيث أمرك. - وعن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان، وهو جالس على سريره، وحواليه الأشراف من كل بطن، وذلك بمكة في وقت حجه في وقت خلافته، فلما نظر إليه قام إليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد ما حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين: اتق الله في حرم الله وحرم رسول الله ﷺ ، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حسن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله

стр. 51

فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق بابك دونهم، فقال له: أفعل. ثم نهض وقام فقبض عليه عبد الملك، فقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حاجة لغيرك، وقد قضيناها فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج. فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك الشرف. - وحكي أن المهدي أمير المؤمنين لما قدم مكة لبث ما شاء الله، فلما أخذ في الطواف نحي الناس عن البيت، فوثب عبد الله بن مرزوق فلبّبه بردائه ثم هزّه، وقال له: انظر ما تصنع، مَنْ جعلك بهذا البيت أحق ممن أتاه من البعد حتى إذا صار عنده حلت بينه وبينه، من جعل / لك هذا؟ فنظر في وجهه وكان يعرفه لأنه من مواليهم فقال: عبد الله بن مرزوق قال: نعم، فأخذ وجيء به إلى بغداد فكره أن يعاقبه عقوبة يشنع عليه بها في العامة فجعله في اصطبل الدواب ليسوس الدواب، وضموا إليه فرساً عضوضاً سيء الخلق ليعقره الفرس فليّن الله - تعالى - له الفرس، ثم صيروه إلى بيت فأغلق عليه، فأخذ المهدي المفتاح عنده، فإذا هو قد خرج بعد ثلاث إلى البستان يأكل البقل فأذن به المهدي فقال: من أخرجك؟ قال: الذي حبسني. قال: فمن حبسك؟ قال الذي أخرجني. قال: فضج المهدي، وصاح: ما أخلق بنا أن نقتلك فرفع إليه عبد الله رأسه - وهو يضحك - ويقول: لو كنت تملك حياتاً أو موتاً. قال: فما زال محبوساً حتى مات المهدي، ثم خلوا عنه ثم رجع إلى مكة، وكان قد جعل على نفسه نذراً إن خلصه الله - تعالى - من أيديهم أن ينحر مائة بدنة، فكان يعمل في ذلك حتى نحر مائة بدنة. - وروي عن عبد الجبار بن عبد الله قال تنزه هارون الرشيد بالدروق، ومعه سليمان بن أبي جعفر، فقال له هارون: قد كانت لك جارية تغني فتحسن فجئنا بها، فجاءت فغنت فلم تحسن الغناء. فقال لها: ما شأنك؟ قالت: ليس هذا عودي. فقال للخادم: جئها بعودها. فقال: فجاء بالعود، فوافق شيخاً يلقط النوى فقال: الطريق يا شيخ فرفع الشيخ رأسه فرأى العود، فأخذه فضرب به الأرض، فأخذ الخادم وذهب به إلى صاحب الربع، فقال: احتفظ بهذا فإنه

стр. 52

سيطلبه أمير المؤمنين، فقال له صاحب الربع: ليس ببغداد عبد من هذا فكيف يكون من طلبة أمير المؤمنين فقال له: اسمع ما أقول لك، ثم دخل على هارون فقال: إني مررتُ على شيخ يلتقط النوى، فقلت له: الطريق يا شيخ، فرفع رأسه فرأى العود فأخذه وضرب به الأرض، فاستشاط هارون غضباً، واحمرت عيناه، فقال له سليمان بن أبي جعفر: ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين؟ ابعث إلى صاحب الربع يضرب عنقه ويرمى به في دلجة فقال: لا / لكن نبعث إليه نناظره أولاً، فبعث إليه فجاءه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين قال: نعم قال: اركب. قال: لا فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر فقيل لهارون: قد جاء الشيخ. فقال للندماء: أي شيء ترون؟ نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل الشيخ أو نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر [فقالوا: نقوم إلى مجلس ليس فيه منكر أصلح بنا فقاموا صغرة "أي أذلاء" إلى مجلس ليس فيه منكر] ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي فيه النوى فقال له الخادم: اخرج هذا وادخل على أمير المؤمنين فقال: من هذا عشائي الليلة. قال: نحن نعيشك. قال: لا حاجة لي في عشائك. فقال له هارون: أي شيء تريد منه. قال: في كمه نوى. فقلت له: اطرحه وادخل على أمير المؤمنين. فقال: دعه لا تطرحه. قال: فدخل وسلم وجلس فقال له هارون: يا شيخ ما حملك على ما صنعت؟ قال: وأي شيء صنعت؟ وجعل هارون بستحي أن يقول له: كسرت عودنا، فلما أكثر عليه قال: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرؤون هذه الآية على المنبر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] ورأيت منكراً فغيرته قال: فغيره، فوالله ما قال إلا هذا، فلما خرج أعطى رجلاً بدرة يعني عشرة آلاف درهم. فقال له: اتبع الشيخ فإن رأيته يقول قلت لأمير المؤمنين، وقال لي فلا تعطه شيئاً به فإن رأيته لا يكلم أحداً فأعطه البدرة، فلما خرج من القصر إذا هو بنواة قد غاصت في الأرض فجعل يعالجها ولم يكلم

стр. 53

أحداً، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين خذ هذه البدرة فقال قل لأمير المؤمنين يردها من حيث أخذها. فانظر - رحمك الله - كيف حفظه الله من سطوتهم، ورد عنه كيدهم ببركة الإخلاص والتقوى، ولو اتفق هذا لغيره من الحمقى لخرج يقول اتفق لي مع أمير المؤمنين كذا، وقلت لأمير المؤمنين كذا وقال لي أمير المؤمنين كذا، يتبجح به ولا يقنع بعلم الله تعالى واطلاعه، فليتنبه المتنبه لمثل هذا، فإنه دليل على ما في القلب من الداء الدفين من الرياء وطلب الجاه والمنزلة. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وأدق من هذا وأغمض / ما حكاه أحمد بن إبراهيم المقرئ قال: كان أبو الحسين النوري رجلاً قليل الفضول لا يسأل عما لا يعنيه ولا يفتش عما لا يحتاج إليه، وكان إذا رأى منكراً غيره، ولو كان فيه تلف، فنزل يوماً إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر للصلاة إذا رأى زورقاً فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه وأنكره لأنه لم يعرف في التجارات ولا في اليبوع شيئاً يعبر عنه بلطف فقال للملاح: أي شيء في هذه الدنان؟ قال: وأي شيء عليك؟ أمض لشغلك: فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشاً إلى معرفته، فقال: أحبُّ أن تخبرني أي شيء في هذه الدنان. فقال له الملاح: أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد يريد أن يتم به مجلسه. فقال النوري: هذا خمر؟ قال: نعم. قال: أحب أن تعطيني ذلك المدري فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه: أعطه المدرى حتى انظر ما يصنع، فلما صار المدرى في يده صعد إلى الزورق فلم يزل يكسرها دناً دناً حتى أتى على آخرها إلا دناً واحداً، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب العسس، وهو

стр. 54

يومئذ مؤنس بن مفلح، فقبض على النوريّ وأشخصه إلى حضرة المعتضد، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه، ولم يشك الناس أنه سيقتله، قال أبو الحسين: فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي من حديد، وبيده عمود حديد بقلبه، فلما رآني قال: من أنت؟ قلت: محتسب. قال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين. قال: فاطرق إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه إلي وقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قلت: شفقة مني عليك إذا بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت قال: فأطرق ساعة مفكراً في كلامي، ثم رفع رأسه وقال: كيف تخلص منك هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ قلت: في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إني قدمت على الدنان بمطالبة الحق بذلك وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالب فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال إلى / أن صرت إلى هذا الدن فوجدت في نفس كبراً على أن قدمت على مثلك فمنعت، ولو أقدمت عليها بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دناناً لكسرتها ولم أبال. فقال المعتضد: اذهب فقد أطلقنا يدك على ما أحببت أن تغيره من المنكر. قال أبو الحسين: فقلت يا أمير المؤمنين بغض إلى التغيير لأني كنت أغير لله وأنا اليوم أغير شرطياً فقال المعتضد: سل حاجتك. فقلت يا أمير المؤمنين: تأمر بإخراجي من بغداد سالماً. فأمر له بذلك فخرج إلى البصرة، فكان أكثر أيامه بها خوفاً من أن يسأل حاجة يسألها المعتضد، وأقام البصرة إلى أن توفي المعتضد ثم رجع إلى بغداد. فانظر - رحمك الله - إلى هذا العارف كيف أقدم على هذا الباب المخوف واستولى عليه شهود جلال الله وعظمته وكبريائه، فغاب بذلك عن شهود هيبة الخلق، وخوف سطوتهم وطغيانهم، ولم يشغله بما هو مهتم به عن ملاحظة الحق ومشاهدة الإخلاص، وتحقق حسن القصد في كل حركة من حركاته، فلما تنكرت له نفسه في أثناء الفعل وتغيرت عليه وتلوتن في قصدها، وعلم ما هجس

стр. 55

فيها من دسيسة الالتفات إلى رؤية ما فيها أمسك ولم يسترسل فيما هو فيه مع شيء يشوب الإخلاص، وانظر لما رأى الخلق كيف طلب الخروج من البلد لئلا يكون إنكاره المنكر وسيلة إلى التعرف بأمير المؤمنين أو إلى الشهرة بين الناس فمثل هذا ينبغي أن يتصدى للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإلا فلا. (فما كل مخضوب البنان بثينة ... ولا كل مسلوب الجنان جميل) فما أخلص لله النية أثر كلامه في القلوب القاسية فلينها، وفي الألسن الذربة فقيدها، وفي أيدي السلطة فعقلها. وأما زماننا هذا فقد قيد الطمع ألسن العلماء، فسكنوا إذا لم تساعد أقوالهم أفعالهم، ولو صدقوا الله لكان خيراً له. فإذا نظرنا إلى فساد الرعية وجدنا سببه فساد الملوك، وإذا نظرنا إلى فساد الملوك وجدنا سببه فساد العلماء / والصالحين، وإذا نظرنا إلى فساد العلماء والصالحين وجدنا سببه ما استولى عليهم من حب المال والجاه. اللهم استر فضايحنا وتولى مصالحنا، وخذ بأزمة قلوبنا إليك، واستعملنا فيما يرضيك يا أرحم الراحمين. وأما من تعرض للأمراء والسلاطين لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأغلظ لهم القول فأكرمه الله بالشهادة وأعد له الحسنى وزيادة فكثير. وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. قالوا: وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي ﷺ قال:

стр. 56

"قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثني عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً في آخر النهار) وهو الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية في قوله تعالى ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. والقسط: العدل. قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمة. قال: وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف مع خوف القتل، انتهى. - وحكي أن حطيط الزيات جيء به إلى الحجاج قال له: أنت حطيط؟ قال: نعم. سل عما بدا لك فإني عاهدت الله تعالى على المقام على خصال ثلاث إن سُئلت لأصدقن، ولئن أبتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن. قال فما تقول فيّ؟ قال: أقول إنك من أعداء الله تعالى في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة. قال: إنه أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه. فقال الحجاج: ضعوا عليه العذاب. / قال فانتهى به إلى العذاب إلى أن شقوا له القصب ثم جعلوه على لحمه ثم شدوه بالحبال ثم جعلوه يمدونه قصبة قصبة حتى انتجلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئاً.

стр. 57

قال: فقيل للحجاج: إنه في آخر رمق. قال: أخرجوه فارموا به في السوق. قال جعفر: فأتيته أنا وصاحب لي فقلنا له: يا حطيط، ألك حاجة؟ . قال: شربة ماء. فأتوه بشربة ثم مات، وكان ابن ثمانية عشر سنة رحمه الله تعالى. - وروى أبو العباس الهاشمي عن الحارث المحاسبي قال: كنت ليلة قاعداً في محرابي وإذا أنا بفتي حسن الوجه طيب الرائحة، فسلم عليّ ثم قعد بين يدي فقلت له من أنت؟ فقال: أنا واحد من السائحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهاداً فأي شيء عملك؟ قال: قلت له كتمان المصائب واستجلاب الفوائد قال: فصاح وقال: ما علمت أن أحداً بين جنبتي المشرق والمغرب هذه صفته. قال الحارث: فأردت أن أزيد عليه فقامت له: أما علمت أن أهل القلوب يحملون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم فمن أين تعرفهم؟ قال: فصح صيحة غشي عليه فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه فعلمت زوال عقله فأخرجت له ثوباً جديداً وقلت له هذا كفني وقد آثرتك به فاغتسل وأعد صلاتك قال: هات الماء فاغتسل وصلى ثم التحف في الثوب وخرج فقلت له: إلى أين تريد؟ فقال لي: قم فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون أمير المؤمنين فسلم عليه ثم قال له يا ظالم وأنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم استغفر الله من تقصيري فيك أما تتقي الله فيما قد ملكك الله، وتكلم بكلام ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب فأقبل عليه المأمون وقال من أنت؟ قال: أنا رجل من السائحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظاً فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم قال: فأمر بضرب عنقه وأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوف في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي هذا فليأخذه قال الحارث: / فانتبذت عنه فأخذه أقوام غرباً فدفنوه وكنت معهم لأعلمهم بحاله فأقمت في مسجد المقابر محزوناً على الفتى عيناي فنمت فإذا هو

стр. 58

بين وصايف لم آر أحسن منهن وهو يقول: يا حارث أتيت والله الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ويطيعون ربهم فقلت: وما فعلوا؟ قال: الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ركباناً فقلت: من أنتم؟ قال: حرك هذا كلامك له ولم يكن في قلبه مما وصفت شيئاً فخرج للأمر والنهي وإن الله أنزله معنا وغضب لعبده. فإن قيل هذا وأمثاله قد ألقوا بأيديهم إلى التهلكة المنهي عنها وإلا فما معنى قوله تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] قلت: هذه الآية جارية على ألسنة كثير من الناس في مثل هذا لما غلب عليهم من الجهل بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما استولى على قلوبهم من الركون إلى مداهنة الخلق وإيثار مودتهم وبقاء صحبتهم، وثقل كلمة الحق على ألسنتهم، وما يلقيه الشيطان في قلوبهم من الخوف والجبن وتقدير البعيد من الضرورة قريباً، واعتقاد السكوت على المنكر وجوباً، وما علموا أن التهلكة هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن النجاة هي الأمر والنهي إذ قال ﷺ : «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا». وتقدم في حديث النعمان بن بشير "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً". فالهلاك حقيقة هو السكوت والمداهنة، والنجاة في الدنيا والآخرة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما سبب نزول الآية فخرج الترمذي وصححه عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخروا إلينا صفاً عظيماً من الروم فحمل رجل من المسلمين على

стр. 59

صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال أيها الناس إنكم لتؤولون هذا التأويل وإنما نزلت / هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر أنصاره فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله تعالى قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد به علينا فيما قلناه ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب ﵁ شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في النفقات في سبيل الله تعالى. رواه الواحدي وغيره. وروى أيضاً عن الشعبي قال: نزلت في الأنصار أمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت هذه الآية. وقد روى مثل هذا التفسير عن ابن عباس وحذيفة والحسن وعطاء ومجاهد وجمهور أهل التفسير، وذهب إلى ذلك البخاري ولم يذكر في صحيحه غيره. وقال السدي: أنفق ولو عقالاً ولا تلق بيدك إلى التهلكة فتقول: ليس عندي شيء. وقال البراء بن عازب ﵄ التهلكة هي أن يذنب الذنب ثم يقول لا يُتاب عليّ. أخرجه البيهقي في السنن. وقال الغزالي: لا خلاف في أن المسلم الواحد يجوز له أن يهجم على صفّ

стр. 60

الكفار يقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز ذلك أيضاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام ودخل تحت عموم آية التهلكة. - وإنما جاز الإقدام إذا علم أنه لا يقتل إلا أن يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقداهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله تعالى فتكسر بذلك شوكتهم. - فكذلك يجوز للمنكر بل يستحب أن يعرض نفسه للضرب أو القتل إذا كان لإنكاره تأثير في رفع المنكرات، أو كسر جاه الفاسق أو فيه تقوية قلوب أهل الدين. فأما إن رأى فاسقاً وحده وعنده سيف وبيده/ قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضربه بالسيف فهذا مما لا أرى فيه للإنكار وجهاً وهو عين الهلاك، فإن المقصود أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له في الدين، بل ينبغي أن يكون هذا حراماً، انتهى. فإن قلت: فهؤلاء الذين ذكرتهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك فهلكوا ولم يؤثر إنكارهم في الدين أثراً. فالجواب: أن هؤلاء إنما أقدموا على الإنكار بقصد أن يؤثروا أثراً في الدين وأن يصدعوا بما أمروا به من الإنكار على الظالمين، فإذا لم يحصل أثر كفاهم قصدهم حجة عند الله تعالى، ووقع أجرهم على من لا يضيع أجر المحسنين، كما إن المنغمس في الكفار لو حصل له حال انغماسه ضربة فمات قبل أن يقتل أحداً منهم أو يجرحه لم يؤاخذ بتغريره بنفسه، وكان شهيداً باعتبار قصده وإن لم يحصل. وجواب آخر: وهو أن في إقدامهم وفاء لما ندبهم إليه الشارع وإرهاباً

стр. 61

للفاسقين، وتقوية لقلوب المؤمنين، ومواساة للصابرين في دين الله تعالى، إذ لو فعل الناس كلهم كما فعلوا وأجمعوا على الإنكار على الظالم لما وسعه أن يتصدى وحده لقتل الرعية أجمعين. تنبيه: الداخل على الأمراء والسلطان لقصد الإنكار والموعظة يجب أن يكون قصده في ذلك خالصاً لله تعالى، فإن قد يقدم على هذا وإنما قصده أن يكون كلامه سبباً لتعرفه بالسلطان وطلب المنزلة عنده، أو يكون قصده طلب المحمدة من الناس وإطلاق ألسنتهم بالثناء عليه، والشكر لصنيعه وتعمير قلوبهم بتوقيره عندهم وتعظيمه، وأن يقال عنه إنه أغلظ للسلطان وأقدم عليه بالكلام ولم يبال فيصير معظماً عند الناس، ويخشاه أبناء جنسه إلى غير ذلك من المقاصد التي لا تنحصر لتنوع الأغراض، وهذه مزلة عظيمة يجب التفطن لها، والتنبه عليها، وتحقيق القصد قبل الوقوع فيها، وإلا فربما ناله مكروه في الدنيا وهو فيه غير مأجور، / بل آثم مأزور، وربما أفضى ذلك إلى قتله فقتل عاصياً، وهو يظن أنه أفضل الشهداء وإنما يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم. وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله بن عمرو إن قاتلت صابراً صابراً محتسباً بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً بعثك الله مرائياً مكاثرا». وقال أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى -: سمعت بعض الخلفاء يقول كلاماً فأردت أن أنكر عليه وعلمت أني أقتل ولم يمنعني القتل ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للناس فأقتل من غير إخلاص في الفعل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول

стр. 62

الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه - نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جوَّاد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». فليحقق الإنسان قصده ويحرر نيته، ويحاسب نفسه قبل يوم التلاق، يوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]. وليعلم أن المحاسب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقد روى أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ / قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه». فإن قلت: فأي شيء يميز النية المصالحة الصالحة من المشوبة الفاسدة؟ ما العلامة في ذلك والمعيار في صحته؟

стр. 63

قلت: محك الاعتبار في ذلك أن يرى المنكر نفسه كالمكره على هذا الفعل كالمتكلف له والمتجشم المشقة فيه، ويود أن لو تصدى لهذا الفعل غيره وكفاه الله به ويحب أن لا يعلم به أحد من الناس اكتفاءً بعلم الله تعالى واطلاعه عليه، ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يود لو كلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما، ويكره أن يقال عنه أو يحكى ما اتفق له وأن يشتهر بذلك بين العامة، بل لو أثر كلامه وغير المنكر بقوله ثم اشتهر عند الناس نسبة ذلك إلى غيره لما شق عليه ذلك، إذ في علم الله بحقيقة الحال كغاية وهو المجازي كل أحد يعمله، ويكون قصده زوال المنكر على أي وجه كان، ولو حصل له مع زواله ازدراء وسب وتغليظ كلام وذمّ بين الناس أو إعراض وهجر ممن عادته المودة له والإقبال عليه، وغير ذلك من الأحوال التي تكرهها النفوس وتنفر منها الطباع، وإن كان في إنكاره تعرض للقتل، فتراه لا يفرق بين أن يقتل سراً أو في ملأ بين الناس، إذ كان قصده وجه الله تعالى لا أن يُذكر بذلك. - فهذه كلها من علامات الإخلاص، وحسن القصد، وابتغاء وجه الله تعالى والدار الآخرة. - وأما غير المخلص فبضد ذلك كله فيرى عند نفسه نشاطاً إلى هذا الفعل وإقبالاً عليه وسروراً به محب أن يكون جهراً في ملأ من الناس لا سراً، ويحب أن يحكى عنه ذلك وأن يشتهر به، وأن يُحمد عليه حتى لو نسب زوال المنكر إلى غيره لقامت قيامته، بل تراه ينقضي عمره وهو يحكي ما اتفق له وما قال وما قيل له متبجحاً بذلك بين أقرانه وأبناء جنسه، وربما زاد في القصة ونقص ولو سبقه غيره إلى ما كان هو عزم عليه/ من ذلك ورجع السلطان إلى قوله لثقل عليه ذلك، أو شق عليه وكان عنده بمنزلة الذبح وربما يقول لمن يطلع على نيته كنت عزمتُ على أن أدخل على السلطان فأقول له كذا وكذا ولكن سبقني فلان، ولكنه لم يتكلم كما ينبغي، ولو دخلت لقلت كذا ولفعلت كذا، وأيضاً فتراه يحب إقبال السلطان عليه وتعظيمه له ولو لم يأتمر بما أمره، ولم ينته عما

стр. 64

نهاه، ليخرج من عنده قائم الجاه، مسرور القلب، معظماً عند الرعية، ويشق عليه إعراض السلطان عنه، وحط منزلته عنده وعدم انصرافه في الكلام له، وذم الناس له على ما فعل ولو دفع زوال المنكر، فهذا كلها علامات تدل على سوء القصد وفساد النية، وعدم الإخلاص فتحبط الأجر وتوجب المقت من الله والإعراض يوم الجزاء، وترد صاحبها بالهوان والخسران يوم تشتد الحاجة إلى النقير والقطمير، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة ٧ - ٨]. فائدة: عن ابن عباس ﵄ قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعزّ من خلقه جميعاً، الله أعزّ مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السموات السبع أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس، اللهم كن لي جاراً من شرهم، جل ثناؤك، وعزّ جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيره. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه ابن مردوية في كتاب الأدعية، وزاد بعد قوله: والإنس والجن اللهم إنا نعوذ بك أن يفطر علينا أحد منهم أو أن يطغى. - خرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا تخوف أحدُكم السلطان فليقل اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم كن لي جاراً من شرّ فلان بن فلان - يعني الذي يريده - وشرّ الجن

стр. 65

والإنس وأتباعهم أن يفرط عليّ أحد منهم، عزّ جارك، وجلّ ثناؤك، / ولا إله غيرك». - وخرج ابن أبي شيبة أيضاً في مصنفه عن أبي مجلز قال: من خلف من أمير ظلماً فقال: رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن حكماً وإماماً نجاه الله تعالى منه. - وخرج أيضاً عن علقمة بن مرثد قال: إذا كان الرجل من خاصة الشعبي أخبره بهذا الدعاء "اللهم إله جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وإله إبراهيم وموسى وإسحاق عافني ولا تسلطن أحداً من خلقك لا بشيء لا طاقة لي به". وذكر أن رجلاً أتى أميراً فقالها فأرسله. - وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم". مسألة: من رأى بهائم استرسلت في زرع إنسان، ومالاً لمسلم قد أشرف على الضياع نظر إن كان لا يناله في إخراج البهائم وحفظ المال تعب في بدنه ولا خسران في ماله ولا نقصان في جاهه مثل أن ينبه صاحب الزرع في نومه، أو يعلم صاحب المال بحال ماله كان ذلك واجباً عليه، وإلا فمستحب وليس بواجب لأن للإنسان حقاً في أن لا يتعب لأجل غيره كما لا يتعب غيره لأجله. والفرق بين هذه المسألة ومسألة الغاصب الذي يجب رفعه بالدرجات

стр. 66

المذكورة في مراعاة المحذور، أنّ الغصب معصية يجب إنكارها لكونها معصية لكون المغصوب مال مسلم، وعلى المسلم أن يتعب نفسه في رب المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في تركها. مسألة: لو وجد إنساناً قطع طرف من أطرافه وكان لا يمتنع إلا بقتال، وربما يؤدي إلى قتله، فإننا نمنعه ونقاتله، لأن الغرض ليس هو حفظ نفسه وطرفه، وإنما الغرض حسم سبيل المعاصي والمنكرات، وقتله في الإنكار ليس بمعصية، وقطع طرف نفسه معصية، وكذلك دفع المسلم المقاتل على مال مسلم بما يأتي على نفسه فإنه جائز مال مسلم معصية وقتله / في الدفع عن المعصية ليس بمعصية، وإنما المقصود منع المعاصي. مسألة: قال الرافعي: منْ رأى إنساناً يتلف ملك نفسه، مثل أن يحرق كرسه ويفرق متاعه جاز له دفعه، فإن كان حيواناً بأن رآه يشدخ رأس حماره ففي وجوب الرفع لحرمة الحيوان وجهان المذكور منهما في التهذيب أنه يجب. مسألة: لو لم يقصد الفاسق من الأجنبية البضع، وقصد أن ينال ما دونه دُفع، وإن أتى الدفع عليه كان مهدراً. صرح به القاضي الروياني وغيره فقال: لو وجده ينال من جاريته دون الفرج فله دفعه، وإن أتى على نفسه قال: ويجوز للأجانب أن يدفعوه كذلك حسبة، والله أعلم. ونظائر هذه المسائل كثيرة مبسوطة في باب الجنايات من كتب الفقه، وفي هذا القدر كفاية، والله ولي التوفيق. مسألة رجل استعد المجلس وتزيينه وفرشه وجمع الرباحين لشرب الخمر

стр. 67

ولكن لم يحضر الخمر، فهذا مشكوك فيه، وربما يعوق عنه عائق فليس لآحاد المسلمين الإنكار على هذا بطريق الوعظ والنصح، وأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز الآحاد الرعية بل ولا للسلطان إذا كانت تلك المعصية معلومة منه بالعادة المستمرة، وقد أقدم على السبب الذي يفضي إليها، ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس فيه انتظار ذلك كوقوف الأحداث على أبواب حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج، فإنهم وإن لم يضيقوا الطريق لسعته، فينبغي إقامتهم عن الموضع ومنعهم من الوقوف بالتعنيف في نفسه، فإن كان يقصد العاصي ورآه كما أن الخلوة بالأجنبية معصية في نفسها لأنها مظنّة وقوع المعصية، وتحصيل مظنّة المعصية معصية، ويعني بالمظنة ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعصية غالباً ولهذا أمثلة كبيرة: كامرأة تزينت وخرجت من بيتها ليلاً وقد عهد منها الفسق. / ورجل أخذ سلاحه ووقف في الطريق وقد عرف بقطع الطريق. ورجل اشتغل بتعليم أمرد حسن وقد علم منه الميل إلى الأحداث. وإنسان عزم على دخول حمام فيه ناس وليس له مئزر. إلى غير ذلك من الأمثال. مسألة: قال الرافعي وغيره: إذا رؤى رجل واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر. ويقول: إنْ كنت ذا محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها.

стр. 68

٧ - فصل للولد أن يأمر الوالد وينهاه بالوعظ والنصح في الرفق والتلطف في الكلام، وليس له مقابلته بالتخويف والتهديد والضرب ولا بالسبّ والتعنيف وتخشين الكلام. وأما المنع بالقهر والمباشرة مثل أن يريق خمره ويكسر عوده، ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من مال مغصوب أو مسروق أو ما يأخذه من إدرار ورزق من ضريبة المسلمين إذا كان صاحبه معيناً، ويبطل الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة في خشب بيته ويكسر أواني الذهب والفضة ونحو ذلك. - قال الغزالي: فيه نظر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك، فإن فعله هذه الأمور ليس متعلقاً بذات الوالد بخلاف الضرب والسب، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلا أن فعل الولد حق، وسخط الوالد منشأه حب الباطل والحرام. قال: ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر وإلى مقدار الأذى والسخط، فإن كان المنكر فاحشاً وسخط عليه قريباً كإراقة خمر من لا يشتد غضبه، فذلك ظاهر، وإن كان المنكر قريباً والسخط شديداً كما لو كانت آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان وفي كسرها خسران مال كبير فهذا مما يشتد فيه الغضب وليس تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره. وهذا كله محل النظر، وإنما خصص الوالد بهذه التفاصيل مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد عاماً من غير تخصيص، لأن الأب قد ورد في حقه ما يوجب الاستثناء من العموم، لأنه ليس للجلاد أن يقتل أباه حداً في الزنا ولا أن يباشر إقامة الحد عليه، بل لا يباشر قتل / أبيه الكافر بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته، فإذا لم يجز إيذاؤه بعقوبة

стр. 69

[هي حق على جناية سابقة فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة] هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة بل أولى. وهذا الترتيب أيضاً ينبغي أن يجري في العبد مع سيده، والزوجة مع الزوج لأنهما قريبان من الوالد في لزوم الحق. - وقد سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على الوالد قال: يعظه ما لم يغضب فإن غضب سكت عنه، وأما التلميذ مع شيخه فله أن يعامله بموجب علمه لأنه لا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه، انتهى.

стр. 70

الباب الثالث في الترهيب من ترك ما أوجب الله تعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر بعض ما ورد في تلك من التغليظ والتشديد وذكر الأحوال التي يسقط فيها الوجوب ويبقى الاستحباب قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. وهذا غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إذ بين سبحانه أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر، وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء، وأن ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الباب. وقال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. وقد ذهب بعض أئمة التفسير إلى أن هذا التحذير يختص بالصحابة ﵃ والصحيح أن التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم كذا قال الحافظ ابن كثير وغيره. وقال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

стр. 71

ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه، فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه، وليس هذا من الدين في شيء. إذ لا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وإنما الدين النصيحة، ومن رأى إنساناً يهوي في النار ولم ينصحه فإن إثمه عليه. وفي الصحيحين عن جرير – ﵁ – قال: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني / فيما استطعت والنصح لكل مسلم. وقد جاء عن أبي هريرة – ﵁ – قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول له: مالك إلي بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني. فإذا الواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه المسلم، ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، لأن صديق الإنسان حقيقة من أرشد صديقه إلى عمارة آخرته، وإن كان فيها خراب دنياه، وعدوه من أرشده إلى تقصيره في آخرته وإن كان فيها زيادة دنياه. وقال تعالى ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]. ومعنى لولا ينهاهم: أفلا ينهاهم، والربانيون: هم علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود – قاله الحسن. وقيل: هما جميعاً علماء اليهود. وقال القرطبي: وبخ الله علماءهم في تركهم نهيهم فقال: لبئس ما كانوا يصنعون، كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله: لبئس ما كانوا يعملون.

стр. 72

قال: ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتهى. وتالله إنهم لأهل لكل توبيخ، ومحل كل تهديد، لأن علماء السوء سبب كل فساد ومنع كل شر وأوصل كل بلاء وفتنة. فأني يصلح الناس والعلماء فاسدون؟ أم كيف ينزجر الناس والعلماء مرتكبون؟ أم كيف تعظم المعصية في قلوب الجاهلين والعلماء بأفعالهم وأقوالهم يهونونها؟ أم كيف يرغبون في الطاعة والعلماء لا يأتونها؟ أم كيف يقفون عند الحدود والعلماء يتعدومها؟ أم كيف يتركون البدع والعلماء يرونها فلا ينكرونها؟ أم كيف يتورعون عن الشبهات وهي أطيب طيبات العلماء التي يأكلونها؟ بل أنواع الحرام لا يأبونها، وأبواب الورع لا يأنونها. وما أحسن قول بعضهم: (يا معشر ويا ملح البلد ... ما يصلح إذا الملح فسد) / ضلوا تبعاً للعالم، كظل العود القائم إن استقام استقاموا، وإن مال مالوا في المآثم. ولهذا كان العالم الذي لم يعمل بعلمه أشد الناس عذاباً يوم القيامة لأنه ضل بعد علمه، وأضل الناس فكان شرهم مآباً. اللهم أصلح علماءنا لتصلح أحوالنا بصلاحهم، ووفقهم للعمل بما يعلمون ليفلح الناس بفلاحهم، وخذ بنواصيهم واهد بهم الخلق، ووفقهم للطاعة وبصرهم بالحق، فإن الهداية والغواية إليك، وأنت المسئول في كل خير، والاتكال عليك يا أرحم الراحمين. وقال تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ

стр. 73

وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وفيه وجوب الهجر في الله وقطع المودة في ذات الله، وقد هجر ابن عمر ابناً له إلى أن مات. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». ومقتضى هذا الحديث: أنّ من لم يؤثر رضي الله ورسوله على رضي الخلق أجمعين، ولم يحب في الله ويبغض في الله لا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه. فمن رأى ولده أو أخاه المسلم على معصية وجب لله عليه أن ينهاهما عنها وينكر عليهما بقدر استطاعته، فمن ترك الإنكار وأقدم على سخط الله سبحانه بترك ما أوجب عليه وأرضاهما بسكوته عنهما كيف يجد طعم الإيمان. - وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أنه سأل رسول ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: "أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله".

стр. 74

وفيه أيضًا عن عمرو بن الجموح/ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله ﵎ فقد استحق الولاية لله تعالى». وفي المسند وشعب الإيمان للبيهقي عن البراء بن عازب ﵁ قال كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: «أي عُري الإيمان أوثق؟ قالوا: الصلاة. قال حسنة والله وما هي به، قالوا: صيام رمضان. قال: حسن وما هو ربه، قالوا: الجهاد، قال: حسن وما هو به، قال: إن أوثق عري الإيمان أن تحبَّ في الله وتبغض في الله». والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، والمقصود من هذه الأحاديث أن تعلم أن الحب في الله والبغض في الله مما لا يكمل إيمان المرء إلا به، بل هو أوثق عرى الإسلام وأحد دعائم الإيمان، وأنَّ المداهنة ليست من الدين في شيء بل المداهن يهلك نفسه ويهلك من داهنه. كما جاء في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسلفها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: قد تأذيتم بيِّ ولا بد لي من الماء فإن أخذوه على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم». وتقدم هذا الحديث بنحو هذا اللفظ وبهذا اللفظ ذكره البخاري في كتاب الشهادات.

стр. 75

وأعلم أنَّ في تمثيل النبي ﷺ هذا جملة من الفوائد منها: - أنَّ المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا. - وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا، كما سيأتي في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى. - ومنها أن كما/ لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما فسد فيما يخصني، كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسن الجاهلين، لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فشاده يشملهم أجمعين. - ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. - ومنها أنه إذا أنكر منكر أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذا المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المنكر إلا من عظُم حمقُه وقلَّ عقلُه وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذا المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج. - ومنها أنَّ من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق آثم -
следующие страницы →