← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 3552

مباحث الأمر التي انتقدها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى

سليمان بن سليم الله الرحيلي

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَن يكون الْكفْر والفسوق والعصيان محبوباً لله مرضياً١. وَقَالُوا أَيْضا: يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد وكل مَا أَمر بِهِ من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ لم يردهُ، وَرُبمَا قَالُوا وَلم يُحِبهُ وَلم يرضه إِلَّا إِذا وجد، قَالُوا وَلَكِن أَمر بِهِ وَطَلَبه، فَقيل لَهُم هَل يكون طلب وَإِرَادَة واستدعاء بِلَا إِرَادَة وَلَا محبَّة وَلَا رضى؟ هَذَا جمع بَين النقيضين فتحيروا. فَأُولَئِك سلبوا الرب خلقه وَقدرته وإرادته الدِّينِيَّة الْعَامَّة وَهَؤُلَاء سلبوه محبته وَرضَاهُ وإرادته وَمَا تضمنه أمره وَنَهْيه من ذَلِك. فَكَمَا أَن الْأَوَّلين لم يثبتوا أَن الشَّخْص الْوَاحِد يكون مثاباً معاقباً بل إِمَّا مثاباً وَإِمَّا معاقباً٢. فَهَؤُلَاءِ لم يثبتوا أَن الْفِعْل الْوَاحِد يكون مرَادا من وَجه دون وَجه مرَادا غير مَحْبُوب بل إِمَّا مُرَاد مَحْبُوب وَإِمَّا غير مُرَاد وَلَا مَحْبُوب”٣.

стр. 37

الْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة: “النزاع فِي مَسْأَلَة الْأَمر هَل هُوَ مُسْتَلْزم للإرادة أم لَا؟ ١ - الْقَدَرِيَّة٤ تزْعم أَنه مُسْتَلْزم للمشيئة فَيكون قد شَاءَ الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن٥.

стр. 38

٢ - والجهمية١ قَالُوا إِنَّه غير مُسْتَلْزم لشَيْء من الْإِرَادَة لَا لحبه لَهُ وَلَا رِضَاهُ بِهِ إِلَّا إِذا وَقع فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن. وَكَذَلِكَ عِنْدهم مَا أحبه ورضيه كَانَ وَمَا لم يُحِبهُ وَلم يرضه لم يكن وتأولوا قَوْله ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢على أَن المُرَاد مِمَّن لم يَقع مِنْهُ الْكفْر، أَو لَا يرضاه دينا”٣، ٤.

стр. 39

“وَأما أَئِمَّة أَصْحَاب مَالك١ وَالشَّافِعِيّ٢ وَأحمد٣ وَعَامة أَصْحَاب أبي حنيفَة٤ فَإِنَّهُم … يَقُولُونَ بِمَا اتّفق عَلَيْهِ السّلف من أَنه سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ويثبتون الْفرق بَين مَشِيئَته وَبَين محبته وَرضَاهُ فَيَقُولُونَ: إِن الْكفْر والفسوق والعصيان وَإِن وَقع بمشيئته فَهُوَ لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه بل

стр. 40

بل يسخطه ويبغضه. وَيَقُولُونَ: إِرَادَة الله فِي كِتَابه نَوْعَانِ: نوع بِمَعْنى الْمَشِيئَة لما خلق كَقَوْلِه ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ١. وَنَوع بِمَعْنى محبته وَرضَاهُ لما أَمر بِهِ وَإِن لم يخلقه كَقَوْلِه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ ٤٥.

стр. 41

الْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة١: إِن الله إِذا أَمر العَبْد بِشَيْء فقد أَرَادَهُ مِنْهُ إِرَادَة شَرْعِيَّة دينية وَإِن لم يردهُ مِنْهُ إِرَادَة قدرية كونية. فإثبات إِرَادَته فِي الْأَمر مُطلقًا خطأ ونفيها عَن الْأَمر مُطلقًا خطأ وَإِنَّمَا الصَّوَاب التَّفْصِيل: كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٣ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤. وَقَالَ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٥ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ٦ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٧ وأمثال ذَلِك كثير”٨ فِي فصل الْخطاب أَن الْأَمر لَيْسَ مستلزماً لمشيئته أَن يخلق الربُّ الآمرُ

стр. 42

الفعلَ المأمورَ بِهِ وَلَا إِرَادَة أَن يَفْعَله، بل قد يَأْمر بِمَا لَا يخلقه١ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لمحبة الرب وَرضَاهُ من العَبْد أَن يَفْعَله، بِمَعْنى أَنه إِذا فعل ذَلِك أحبه ورضيه وَهُوَ يُريدهُ مِنْهُ إِرَادَة الْآمِر من الْمَأْمُور بِمَا أَمر بِهِ لمصلحته٢. وَإِن لم يرد أَن يخلقه ويعينه عَلَيْهِ لما لَهُ فِي ترك ذَلِك من الْحِكْمَة فَإِن لَهُ حِكْمَة بَالِغَة فِيمَا خلقه وَفِيمَا لم يخلقه. وَفرق بَين أَن يُرِيد أَن يخلق هُوَ الْفِعْل وَيجْعَل غَيره فَاعِلا يحسن إِلَيْهِ ويتفضل عَلَيْهِ بالإعانة لَهُ على مصْلحَته، وَبَين أَن يَأْمر غَيره بِمَا يصلحه وَيبين لَهُ مَا يَنْفَعهُ إِذا فعله وَإِن كَانَ لَا يُرِيد هُوَ نَفسه أَن يُعينهُ لما فِي ترك إعانته من الْحِكْمَة لكَون الْإِعَانَة قد تَسْتَلْزِم مَا يُنَاقض حكمته”٣. فِي الْأَمر يتَضَمَّن طلبا٤ وَإِرَادَة للْمَأْمُور بِهِ وَإِن لم يكن ذَلِك إِرَادَة فعل

стр. 43

لأمر وَالله تَعَالَى أَمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ، وَلَكِن أعَان أهل الطَّاعَة فَصَارَ مرِيدا لِأَن يخلق أفعالهم، وَلم يعن أهل الْمعْصِيَة فَلم يرد أَن يخلق أفعالهم فَهَذِهِ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة لَا تَسْتَلْزِم الْأَمر. أما الْإِرَادَة بِمَعْنى أَنه يحب فعل مَا أَمر بِهِ ويرضاه إِذا فعل، وَيُرِيد من الْمَأْمُور أَن يَفْعَله من حَيْثُ هُوَ مَأْمُور بِهِ فَهَذِهِ لابد مِنْهَا فِي الْأَمر. وَلِهَذَا أثبت الله هَذِه الْإِرَادَة فِي الْأَمر دون الأولى، وَلَكِن فِي النَّاس من غلط فنفى الْإِرَادَة مُطلقًا [وَمِنْهُم من أثبتها مُطلقًا] ١. وكلا الْفَرِيقَيْنِ لم يُمَيّز بَين الْإِرَادَة الخلقية والإرادة الأمرية والقرءان فرَّق بَين الإرادتين: فَقَالَ فِي الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٢وَقَالَ نوح ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا

стр. 44

يُرِيدُ﴾ ١وَقَالَ ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ﴾ ٢ وَلِهَذَا قَالَ الْمُسلمُونَ: مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن. وَقَالَ فِي الثَّانِيَة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ٤ وَقَالَ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٥ وَقَالَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ٦٧. وَالسَّلَف وأئمة الْفُقَهَاء وَجُمْهُور الْمُسلمين يثبتون الْخلق وَالْأَمر والإرادة الخلقية الْقَدَرِيَّة الشاملة لكل حَادث، والإرادة الأمرية الشَّرْعِيَّة المتناولة لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه لِعِبَادِهِ وَهُوَ مَا أمرت بِهِ الرُّسُل وَهُوَ مَا ينفع الْعباد ويصلحهم وَيكون لَهُ الْعَاقِبَة الحميدة النافعة فِي الْمعَاد الدافعة للْفَسَاد. فَهَذِهِ الْإِرَادَة الأمرية الشَّرْعِيَّة مُتَعَلقَة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته كَمَا أَن تِلْكَ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة مُتَعَلقَة بربوبيته”٨

стр. 45

وَمِمَّا سبق يَتَقَرَّر أَنه “يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الْإِرَادَة فِي كتاب الله على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: الْإِرَادَة الكونية، وَهِي الْإِرَادَة المستلزمة لوُقُوع المُرَاد الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن … وَأما النَّوْع الثَّانِي: فَهُوَ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهِي محبَّة المُرَاد وَرضَاهُ ومحبة أَهله وَالرِّضَا عَنْهُم وجزاءهم بِالْحُسْنَى … فَهَذِهِ الْإِرَادَة لَا تسلتزم وُقُوع المُرَاد إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ النَّوْع الأول من الْإِرَادَة. وَلِهَذَا كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة: أَحدهَا: مَا تعلّقت بِهِ الإرادتان وَهُوَ مَا وَقع فِي الْوُجُود من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله أَرَادَهُ إِرَادَة دين وَشرع فَأمر بِهِ وأحبه ورضيه وأراده إِرَادَة كَون فَوَقع وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ. وَالثَّانِي: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فَقَط، وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فعصى ذَلِك الْأَمر الْكفَّار والفجار، فَتلك كلهَا إِرَادَة دين وَهُوَ يُحِبهَا ويرضاها لَو وَقعت وَلَو لم تقع. وَالثَّالِث: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الكونية فَقَط وَهُوَ مَا قدره وشاءه من الْحَوَادِث الَّتِي لم يَأْمر بهَا كالمعاصي فَإِنَّهُ لم يَأْمر بهَا وَلم يرضها وَلم يُحِبهَا إِذْ هُوَ لَا يَأْمر بالفحشاء١ وَلَا يرضى لعباد الْكفْر٢، وَلَوْلَا مَشِيئَته وَقدرته وخلقه لَهَا لما كَانَت وَلما وجدت فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن. وَالرَّابِع: مَا لم تتَعَلَّق بِهِ هَذِه الْإِرَادَة وَلَا هَذِه فَهَذَا مَا لم يكن من أَنْوَاع الْمعاصِي”٣

стр. 46

فَالله “محبته وَرضَاهُ مُسْتَلْزم للإرادة الدِّينِيَّة وَالْأَمر الديني وَكَذَلِكَ بغضه وغضبه وَسخطه مُسْتَلْزم لعدم الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فالمحبة وَالرِّضَا وَالْغَضَب والسخط لَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْإِرَادَة هَذَا قَول جُمْهُور أهل السّنة. وَمن قَالَ هَذِه الْأُمُور بِمَعْنى الْإِرَادَة كَمَا يَقُوله كثير من الْقَدَرِيَّة وَكثير من أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا أَن الْكفْر والفسوق والمعاصي مِمَّا يكرهها دينا فقد كره كَونهَا وَأَنَّهَا وَاقعَة بِدُونِ مَشِيئَته وإرادته، وَهَذَا قَول الْقَدَرِيَّة. أَو يَقُول: إِنَّه لما كَانَ مرِيدا لَهَا شاءها فَهُوَ محب لَهَا راضٍ بهَا كَمَا تَقوله طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات. وكلا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مَا فِيهِ فَإِن الله تَعَالَى يحب الْمُتَّقِينَ١ وَيُحب المقسطين٢ وَقد رَضِي عَن الْمُؤمنِينَ٣ وَيُحب مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب٤ أَو اسْتِحْبَاب٥، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى ثَابتا فِي الْكفَّار والفجار والظالمين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَا يحب كل مختال فخور٦.

стр. 47

وَمَعَ هَذَا فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن … فَإِن قيل تَقْسِيم الْإِرَادَة لَا يعرف فِي حَقنا بل إِن الْأَمر مِنْهُ بالشَّيْء إِمَّا أَن يُريدهُ أَو لَا يُريدهُ وَأما الْفرق بَين الْإِرَادَة والمحبة فقد يعرف فِي حَقنا. فَيُقَال: وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فَإِن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء١، وَلَيْسَ أمره لنا كأمر الْوَاحِد منا لعَبْدِهِ وخدمه، وَذَلِكَ أَن الْوَاحِد منا إِذا أَمر عَبده فإمَّا أَن يَأْمُرهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَو إِلَى الْمَأْمُور بِهِ أَو لِحَاجَتِهِ إِلَى الْأَمر فَقَط … وَالله تَعَالَى لم يَأْمر عباده لِحَاجَتِهِ إِلَى أحد مِنْهُم وَلَا هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَمرهم وَإِنَّمَا أمَرَهم إحساناً مِنْهُ ونعمة أنعم بهَا عَلَيْهِم فَأَمرهمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ ونهاهم عَمَّا فِيهِ فسادهم، وإرسال الرُّسُل وإنزال الْكتب من أعظم نعمه على خلقه كَمَا قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ٣ وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٤ فَمن أنعم الله عَلَيْهِ مَعَ الْأَمر بالامتثال فقد تمت النِّعْمَة فِي حَقه كَمَا قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٥ وَهَؤُلَاء هم الْمُؤْمِنُونَ. وَمن لم ينعم عَلَيْهِ بالامتثال بل خذله حَتَّى كفر وَعصى فقد شقي لما بدل نعْمَة الله كفرا كَمَا قَالَ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ٦

стр. 48

وَالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيان لما كَانَا نعْمَة وَرَحْمَة عَامَّة لم يضر ذَلِك عدم انْتِفَاع بعض النَّاس بهما من الْكفَّار، كإنزال الْمَطَر وإنبات الرزق هُوَ نعْمَة عَامَّة وَإِن تضرر بهَا بعض النَّاس لحكمة أُخْرَى، كَذَلِك مَشِيئَته لما شاءه من الْمَخْلُوقَات وأعيانها وأفعالها لَا يُوجب أَن يحب كل شَيْء مِنْهَا فَإِذا أَمر العَبْد بِأَمْر فَذَاك إرشاد وَدلَالَة فَإِن فعل الْمَأْمُور بِهِ صَار محبوباً لله وَإِلَّا لم يكن محبوباً لَهُ وَإِن كَانَ مرَادا لَهُ، وإرادته لَهُ تكويناً لِمَعْنى آخر فالتكوين غير التشريع١.

стр. 49

بَاب: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ … المبحث الثَّانِي: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ وَفِيه ثَلَاثَة مطَالب: الْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ قَاعِدَة كَبِيرَة فِي أَن الشَّخْص الْوَاحِد١ أَو الْعَمَل الْوَاحِد يكون مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة٢.

стр. 50

خلافًا للخوارج والمعتزلة١، وَقد وافقهم طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات متكلميهم وفقهائهم من أَصْحَابنَا٢ وَغَيرهم٣ فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه. فَقَالُوا: لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ٤. وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين٥ وَلَا

стр. 51

ريب أَن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن هَذَا الْعَمَل لَا يَجْزِي١ وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة٢. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَجْزِي كَقَوْل أَكثر الْفُقَهَاء٣ لَكِن من أَصْحَابنَا من جعلهَا عقلية وَرَأى أَنه٤ يمْتَنع ذَلِك عقلا وَهُوَ قَول

стр. 52

أَكثر الْمُعْتَزلَة، وَكثير من الأشعرية، كَابْن الباقلاني١ وَابْن الْخَطِيب٢“٣.

стр. 53

الْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة: الْكَلَام فِي مقامين: فِي الْإِمْكَان الْعقلِيّ. وَفِي الْإِجْزَاء٤ الشَّرْعِيّ. وَالنَّاس فِيهَا على أَرْبَعَة أَقْوَال: ٥ ١ - مِنْهُم من يَقُول: يمْتَنع عقلا وَيبْطل شرعا.٦

стр. 54

وَهُوَ قَول طَائِفَة من متكلمي أَصْحَابنَا وفقهائهم. ٢ - وَمِنْهُم من يَقُول: - يجوز عقلا لَكِن الْمَانِع سَمْعِي. وَهَذَا قد يَقُوله أَيْضا من لَا يرى الْإِجْزَاء من أَصْحَابنَا، وَمن وافقهم، وَهُوَ أشبه عِنْدِي بقول أَحْمد فَإِن أُصُوله تَقْتَضِي أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بذلك كُله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشبه أصُول السّنة وأئمة الْفِقْه١. ٣ - وَمِنْهُم من يجوزه عقلا وسمعاً كأكثر الْفُقَهَاء٢. ٤ - وَمِنْهُم من يمنعهُ عقلا لَكِن يَقُول ورد سمعا. وَهَذَا قَول ابْن الباقلاني وَأبي الْحسن٣ وَابْن الْخَطِيب زَعَمُوا أَن الْعقل يمْنَع كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، وَلَكِن لما

стр. 55

دلّ السّمع إِمَّا الْإِجْمَاع١ أَو غَيره على عدم وجوب٢ الْقَضَاء٣ قَالُوا: حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ٤ وَهَذَا القَوْل عِنْدِي أفسد الْأَقْوَال”٥.٦

стр. 56

الْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة: وَالصَّوَاب أَن ذَلِك مُمكن فِي الْعقل فَأَما الْوُقُوع السمعي فَيرجع فِيهِ إِلَى دَلِيله١ وَذَلِكَ أَن كَون الْفِعْل الْوَاحِد محبوباً مَكْرُوها، مرضياً مسخوطاً، مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، مقتضياً للحمد وَالثَّوَاب والذم وَالْعِقَاب، لَيْسَ هُوَ من الصِّفَات اللَّازِمَة كالأسود والأبيض، والمتحرك والساكن، والحي وَالْمَيِّت وَإِن كَانَ فِي هَذِه الصِّفَات كَلَام أَيْضا وَإِنَّمَا هُوَ من الصِّفَات الَّتِي فِيهَا إِضَافَة متعدية مثل كَون الْفِعْل نَافِعًا وضاراً، ومحبوباً ومكروهاً والنافع هُوَ الجالب للذة٢ والضار هُوَ الجالب للألم٣ وَكَذَلِكَ المحبوب هُوَ الَّذِي فِيهِ فَرح وَلَذَّة للمحب مثلا وَالْمَكْرُوه هُوَ الَّذِي فِيهِ ألم للكاره وَلِهَذَا كَانَ الْحسن والقبح الْعقلِيّ مَعْنَاهُ: الْمَنْفَعَة والمضرة٤ وَالْأَمر وَالنَّهْي يعودان إِلَى الْمَطْلُوب وَالْمَكْرُوه فَهَذِهِ صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالفاعل أَو غَيره وَهَذِه صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالآمر الناهي وَلِهَذَا قلت غير مرّة٥: إِن

стр. 57

حسن الْفِعْل يحصل من نَفسه تَارَة وَمن الْآمِر تَارَة وَمن مجموعهما تَارَة. والمعتزلة وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين يمْنَعُونَ النّسخ١ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل٢ لَا يثبتون إِلَّا الأول٣.

стр. 58

والأشعرية وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين لَا يثبتون للْفِعْل صفة إِلَّا إِضَافَة لتَعلق الْخطاب بِهِ لَا يثبتون إِلَّا الثَّانِي١. وَالصَّوَاب إِثْبَات الْأَمريْنِ وَقدر زَائِد يحصل للْفِعْل من جنس تعلق الْخطاب غير تعلق الْخطاب وَيحصل للْفِعْل بعد الحكم. فالخطاب مظهر تَارَة ومؤثر تَارَة وجامع بَين الْأَمريْنِ تَارَة … وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَنحْن نعقل ونجد أَن الْفِعْل الْوَاحِد من الشَّخْص أَو من غَيره يجلب لَهُ مَنْفَعَة ومضرة مَعًا، وَالرجل يكون لَهُ عدوَّان يقتل أَحدهمَا صَاحبه فيسر من حَيْثُ عدم عَدو، ويساء من حَيْثُ غلب عَدو، وَيكون لَهُ صديقان يعْزل أَحدهمَا صَاحبه فيساء من حَيْثُ انعزال صديق، وَيسر من حَيْثُ تولى صديق. وَأكْثر أُمُور الدُّنْيَا من هَذَا فَإِن الْمصلحَة الْمَحْضَة نادرة٢.

стр. 59

فَأكْثر الْحَوَادِث فِيهَا مَا يسوء وَيسر فيشتمل الْفِعْل على مَا ينفع وَيُحب وَيُرَاد وَيطْلب وعَلى مَا يضر وَيبغض وَيكرهُ وَيدْفَع، وَكَذَلِكَ الْآمِر يَأْمر بتحصيل النافع وَينْهى عَن تَحْصِيل الضار، فيأمر بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَملَة على الْمَنْفَعَة وَينْهى عَن الْغَصْب١ الْمُشْتَمل على مضرَّة. فَإِذا قَالُوا: الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ بِفعل وَاحِد من وَجه وَاحِد فَيَقُول: - صَلِّ هُنَا وَلَا تصلِّ هُنَا، فَإِن هَذَا جمع بَين النقيضين٢، وَالْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع لِأَنَّهُ جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات. فقد يُقَال لَهُم: الْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع فِي الْخَبَر فَإِذا قلت صلى زيد هُنَا، لم يصلِّ هُنَا، امْتنع ذَلِك. لِأَن الصَّلَاة هُنَا إِمَّا أَن تكون وَإِمَّا أَن لَا تكون وَكَونهَا هُوَ عينهَا وَمَا يتبعهُ من الصِّفَات اللَّازِمَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نِسْبَة وَإِضَافَة وَتعلق فَأَما الْجمع بَينهمَا فِي الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة، والطلب وَالدَّفْع، والمحبة والبغضة، وَالْمَنْفَعَة والمضرة، فَهَذَا لَا يمْتَنع، فَإِن وجود الشَّيْء قد يكون مرَادا وَيكون عَدمه مرَادا أَيْضا إِذا كَانَ فِي

стр. 60

كل مِنْهُمَا مَنْفَعَة للمريد، وَيكون أَيْضا وجوده أَو عَدمه مَكْرُوها بِحَيْثُ يلتذ العَبْد ويتألم بِوُجُودِهِ وَعَدَمه كَمَا قيل: فاعجب لشَيْء على الْبغضَاء مَحْبُوب الشيب كره، وَكره أَن نفارقه فَهُوَ يكره الشيب ويبغضه لما فِيهِ من زَوَال الشَّبَاب النافع وَوُجُود الشيب الضار وَهُوَ يُحِبهُ أَيْضا وَيكرهُ عَدمه لما فِيهِ من وجود الْحَيَاة وَفِي عَدمه من الفناء. وَهَذَا حَال مَا اجْتمع فِيهِ مصلحَة ومفسدة من جَمِيع الْأُمُور. لَكِن١ التَّحْقِيق أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف٢ مَا لَا يُطَاق٣، فَإِنَّهُ تَكْلِيف للْفَاعِل أَن يجمع بَين وجود الْفِعْل الْمعِين وَعَدَمه٤. وَإِنَّمَا يُؤمر بهَا من حَيْثُ هِيَ مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي٥ وَلَكِن تلازما فِي الْمعِين٦، وَالْعَبْد هُوَ الَّذِي جمع

стр. 61

ين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا١ فَأمره بِصَلَاة مُطلقَة، وَنَهَاهُ عَن كَون مُطلق، وَأما الْمعِين فالشارع لَا يَأْمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ كَمَا فِي سَائِر المعينات. وَهَذَا أصل مطرد فِي جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ من المطلقات، بل فِي كل أَمر فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِعِتْق رَقَبَة مُطلقَة كَقَوْلِه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢، أَو بإطعام سِتِّينَ مِسْكينا أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين٣، أَو بِصَلَاة فِي مَكَان، أَو غير ذَلِك، فَإِن العَبْد لَا يُمكنهُ الِامْتِثَال إِلَّا بِإِعْتَاق رَقَبَة مُعينَة، وإطعام طَعَام معِين لمساكين مُعينين، وَصِيَام أَيَّام مُعينَة، وَصَلَاة مُعينَة فِي مَكَان معِين فالمعين فِي جَمِيع المأمورات الْمُطلقَة لَيْسَ مَأْمُورا بِعَيْنِه وَإِنَّمَا الْمَأْمُور بِهِ مُطلق، وَالْمُطلق يحصل بالمعين. فالمعين فِيهِ شَيْئَانِ: خُصُوص عينه، والحقيقة الْمُطلقَة. فالحقيقة الْمُطلقَة هِيَ الْوَاجِبَة، وَأما خُصُوص الْعين فَلَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَأْمُورا

стр. 62

بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أحد الْأَعْيَان الَّتِي يحصل بهَا الْمُطلق بِمَنْزِلَة الطَّرِيق إِلَى مَكَّة وَلَا قصد للْآمِر فِي خُصُوص التَّعْيِين١. وَهَذَا الْكَلَام مَذْكُور فِي مَسْأَلَة الْوَاجِب على التَّخْيِير وَالْوَاجِب الْمُطلق٢ وَالْوَاجِب الْمعِين وَالْفرق بَينهَا: أَن الْوَاجِب الْمُخَير٣ قد أَمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَالْمُطلق لم يُؤمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَإِنَّمَا أَمر بالمطلق وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْوَاجِب الْمُخَير فِيهِ هَل الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك، كالواجب الْمُطلق، أَو الْوَاجِب هُوَ الْمُشْتَرك والمميز أَيْضا على التَّخْيِير؟ ٤. فِيهِ وَجْهَان: والمشترك هُوَ كَونه أَحدهَا٥.

стр. 63

فعلى هَذَا مَا تميز بِهِ أَحدهَا عَن الآخر لَا يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب١، بِخِلَاف مَا إِذا قيل المتميز وَاجِب على الْبَدَل أَيْضا٢. أما الْمُطلق فَلم يتَعَرَّض فِيهِ للأعيان المتميزة بِقصد لكنه من ضَرُورَة الْوَاقِع فَهُوَ من بَاب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ٣. وَهُوَ وَإِن قيل هُوَ وَاجِب فَهُوَ وَاجِب فِي الْفِعْل وَهُوَ مُخَيّر فِيهِ، فاختياره لإحدى الْعَينَيْنِ لَا يَجعله وَاجِبا عينا.

стр. 64

فَتبين بذلك أَن تعْيين عين الْفِعْل وَعين الْمَكَان لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ، فَإِذا نهي عَن الْكَوْن فِيهِ لم يكن هَذَا الْمنْهِي عَنهُ قد أَمر بِهِ، إِذْ الْمَأْمُور بِهِ مُطلق وَهَذَا الْمعِين لَيْسَ من لَوَازِم الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا يحصل بِهِ الِامْتِثَال كَمَا يحصل بِغَيْرِهِ. فَإِن قيل: إِن لم يكن مَأْمُورا بِهِ فَلَا بُد أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ وَالْجمع بَين النَّهْي وَالْإِبَاحَة١ جمع بَين النقيضين. قيل: وَلَا يجب أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ بل يَكْفِي ألاّ ينْهَى عَن الِامْتِثَال بِهِ فَمَا بِهِ يُؤدى الْوَاجِب لَا يفْتَقر إِلَى إِيجَاب وَلَا إِلَى إِبَاحَة بل يَكْفِي أَلا يكون مَنْهِيّا عَن الِامْتِثَال بِهِ، فَإِذا نَهَاهُ عَن الِامْتِثَال بِهِ امْتنع أَن يكون الْمَأْمُور بِهِ دَاخِلا فِيهِ من غير مَعْصِيّة. فَهُنَا أَرْبَعَة أَقسَام: ١ - أَن يكون مَا يمتثل وَاجِبا كإيجاب صِيَام شهر رَمَضَان بالإمساك فِيهِ عَن الْوَاجِب. ٢ - وَأَن يكون مُبَاحا كخصال الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ قد أُبِيح لَهُ نوع كل مِنْهَا كَمَا لَو قَالَ أطْعم زيدا أَو عمرا. ٣ - وألاّ يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالصيام الْمُطلق وَالْعِتْق الْمُطلق، فالمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مُبَاحا بخطاب بِعَيْنِه إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك. ٤ - وَالرَّابِع أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالأضاحي المعيبة وإعتاق الْكَافِر. فَإِذا صلّى فِي مَكَان مُبَاح كَانَ ممتثلاً لإتيانه بِالْوَاجِبِ بِمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، وَإِذا صلى فِي الْمَغْصُوب فقد يُقَال: إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهِ لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهِ فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن

стр. 65

جنس فعله، فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ١. وَلَا نقُول: إِن الْفِعْل الْمعِين مَأْمُور بِهِ مَنْهِيّ عَنهُ لَكِن اجْتمع فِيهِ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ كَمَا لَو صلى ملابساً لمعصية من حمل مَغْصُوب. وَقد يُقَال٢: بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِهِ كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ فِي الْمَكَان النَّجس وَالثَّوْب النَّجس، لِأَن الْمَكَان شَرط٣ فِي الصَّلَاة، وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة، بِخِلَاف الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَن أبعاضها كَالثَّوْبِ الْمَحْمُول فالحمل لَيْسَ من الصَّلَاة. فَهَذَا مَحل نظر الْفُقَهَاء وَهُوَ مَحل للِاجْتِهَاد٤.

стр. 66

لَا أَن عين هَذِه الأكوان هِيَ مَأْمُور بهَا ومنهي عَنْهَا فَإِن هَذَا بَاطِل قطعا، بل عينهَا وَإِن كَانَت مَنْهِيّا عَنْهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَة على الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ مَا اشْتَمَل على الْمَأْمُور بِهِ الْمُطلق يكون مَأْمُورا بِهِ. ثمَّ يُقَال: وَلَو نهي عَن الِامْتِثَال على وَجه معِين مثل أَن يُقَال: - صلِّ وَلَا تصلِّ فِي هَذِه الْبقْعَة، وخِطْ هَذَا الثَّوْب وَلَا تخِطْه فِي هَذَا الْبَيْت، فَإِذا صلى فِيهِ وخاط فِيهِ فَلَا ريب أَنه لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ كَمَا أَمر لَكِن هَل يُقَال: أَتَى بِبَعْض الْمَأْمُور بِهِ أَو بِأَصْلِهِ دون وَصفه؟ وَهُوَ مُطلق الصَّلَاة والخياطة دون وَصفه. أَو مَعَ مَنْهِيّ عَنهُ بِحَيْثُ يُثَاب على ذَلِك الْفِعْل وَإِن لم يسْقط الْوَاجِب أَو عُوقِبَ على الْمعْصِيَة وَقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وبينت أَن الْأَمر كَذَلِك وَهِي تشبه مَسْأَلَة صَوْم يَوْم الْعِيد وَنَحْوه مِمَّا يَقُول أَبُو حنيفَة فِيهِ بِعَدَمِ الْفساد١٢.

стр. 67

وَأَن الْإِجْزَاء والإثابة يَجْتَمِعَانِ ويفترقان١، فالإجزاء بَرَاءَة الذِّمَّة من عُهْدَة الْأَمر وَهُوَ السَّلامَة من ذمّ الرب أَو عِقَابه٢ وَالثَّوَاب الْجَزَاء على الطَّاعَة٣ وَلَيْسَ الثَّوَاب من مقتضيات مُجَرّد الِامْتِثَال، بِخِلَاف الْإِجْزَاء فَإِن الْأَمر يَقْتَضِي إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ٤. لَكِن هما مجتمعان فِي الشَّرْع إِذْ قد اسْتَقر فِيهِ أَن الْمُطِيع مثاب والعاصي معاقب. وَقد يفترقان فَيكون الْفِعْل مجزئاً لَا ثَوَاب فِيهِ إِذا قارنه من الْمعْصِيَة مَا يُقَابل الثَّوَاب كَمَا قيل “رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْعَطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر”٥. فَإِن عمل الزُّور فِي الصّيام٦ أوجب إِثْمًا يُقَابل ثَوَاب الصَّوْم، وَقد اشْتَمَل

стр. 68

الصَّوْم على الِامْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ وَالْعَمَل بالمنهي عَنهُ فبرئت الذِّمَّة للامتثال وَوَقع الحرمان للمعصية. وَقد يكون مثاباً عَلَيْهِ غير مجزئ إِذا فعله نَاقِصا عَن الشَّرَائِط والأركان١ فيثاب على مَا فعل وَلَا تبرا الذِّمَّة إلاّ بِفِعْلِهِ كَامِلا. وَهَذَا تَحْرِير جيد أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة فَإِن قارنه مَعْصِيّة بِقَدرِهِ تخل بِالْمَقْصُودِ قَابل الثَّوَاب. وَإِن نقص الْمَأْمُور بِهِ أثيب وَلم تحصل الْبَرَاءَة التَّامَّة فإمَّا أَن يُعَاد وَإِمَّا أَن يجْبر وَإِمَّا أَن يَأْثَم فَتدبر هَذَا الأَصْل فَإِن الْمَأْمُور بِهِ مثل المحبوب الْمَطْلُوب إِذا لم يحصل تَاما لم يكن الْمَأْمُور بَرِيئًا من الْعهْدَة. فنقصه إِمَّا أَن يجْبر بِجِنْسِهِ أَو بِبَدَل أَو بِإِعَادَة٢ الْفِعْل كَامِلا إِذا كَانَ مرتبطاً وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْعهْدَة كركوب الْمنْهِي عَنهُ. فَالْأول٣: مثل من أخرج الزَّكَاة نَاقِصا فَإِنَّهُ يخرج التَّمام.

стр. 69

وَالثَّانِي١: مثل من ترك وَاجِبَات الْحَج فَإِنَّهُ يجْبر بِالدَّمِ٢، وَمن ترك وَاجِبَات الصَّلَاة المجبورة بِالسُّجُود٣. وَالثَّالِث٤: مثل من ضحى بمعيبة٥ أَو أعتق معيبا٦ أَو صلى بِلَا طَهَارَة٧.

стр. 70

وَالرَّابِع١: مثل من فَوت الْجُمُعَة وَالْجهَاد الْمُتَعَيّن٢. وَإِذا حصل مُقَارنًا لمحظور يضاد بعض أَجْزَائِهِ لم يكن قد حصل كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ٣. وَإِن لم يضاد بعض الْأَجْزَاء يكون قد اجْتمع الْمَأْمُور والمحظور كَفعل مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِيهِ أَو فعل قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فِي الصّيام. فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فِي الْمَحْظُور كالمأمور: إِذْ الْمَأْمُور بِهِ إِذا تَركه يسْتَدرك تَارَة بالجبران والتكميل وَتارَة بِالْإِعَادَةِ، وَتارَة لَا يسْتَدرك والمحظور كالمأمور إِمَّا أَن يُوجب فَسَاده فَيكون فِيهِ الْإِعَادَة أَو لَا يسْتَدرك وَإِمَّا أَن يُوجب نَقصه مَعَ الْإِجْزَاء فَيجْبر أَو لَا يجْبر. وَإِمَّا أَن يُوجب إِثْمًا فِيهِ يُقَابل ثَوَابه. فَالْأول٤: كإفساد الْحَج٥.

стр. 71

وَالثَّانِي١: كإفساد الْجُمُعَة. وَالثَّالِث٢ كَالْحَجِّ مَعَ محظوراته٣. وَالرَّابِع٤: كَالصَّلَاةِ مَعَ مُرُور الْمُصَلِّي٥ أَمَامه٦. وَالْخَامِس٧: كَالصَّوْمِ مَعَ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ٨ فَهَذِهِ الْمسَائِل مَسْأَلَة الْفِعْل الْوَاحِد وَالْفَاعِل الْوَاحِد وَالْعين الْوَاحِدَة هَل يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَحْمُودًا مذموماً، مرضياً مسخوطاً، محبوباً مبغضاً، مثاباً معاقباً، متلذذاً متألماً؟ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا والاجتماع مُمكن من وَجْهَيْن، لَكِن من وَجه وَاحِد مُتَعَذر، وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ

стр. 72

وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١“٢.

стр. 73

الخاتمة بعد أَن استعرضنا كَلَام شيخ الْإِسْلَام وناصر السّنة المؤصل النفيس فِي مبحثي الْإِرَادَة فِي الْأَمر، وَالْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ ألخص هُنَا أهم النقاط فِي هذَيْن المبحثين: ١ - أَن مَبْحَث الْإِرَادَة فِي الْأَمر يرجع إِلَى مَسْأَلَة الْقدر وَمَسْأَلَة إِرَادَة الرب سُبْحَانَهُ المبحوثة فِي أصُول الدّين. ٢ - أَن الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على نَوْعَيْنِ: أ - الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة الخلقية الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث. ب - الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي بِمَعْنى الْمحبَّة والرضى. ٣ - أَنه لعدم معرفَة الْفرق بَين الإرادتين وَقع الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة فِي الْأَمر فِي أصُول الْفِقْه ٤ - أَن الْأُصُولِيِّينَ يذكرُونَ فِي كتبهمْ أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ: - القَوْل الأول: الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا وَهُوَ قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة. القَوْل الثَّانِي: الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة من غير تَفْصِيل وَهُوَ قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وينسبه الأصوليون لِلْجُمْهُورِ. ٥ - أَن فِي الْمَسْأَلَة قولا ثَالِثا لَا يذكر فِي كتب الْأُصُول غَالِبا وَهُوَ أَن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة الأمرية، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية، وَهَذَا هُوَ قَول السّلف وأئمة الْفِقْه. ٦ - أَن القَوْل الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَة هُوَ القَوْل الثَّالِث قَول السّلف وأئمة الْفِقْه وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ القرءان. يَقُول الله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه الْإِرَادَة

стр. 74

الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَالْأَمر مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة. وَيَقُول الله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأجمعت الْأمة على قَول “مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن” وَهَذِه الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَالْأَمر غير مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة. ٧ - أَن مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مُرْتَبِط بِمَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين. ٨ - أَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان فَهُوَ مُطِيع عاصٍ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون. ٩ - أَن مَذْهَب الْخَوَارِج أَن مرتكب الْكَبِيرَة يكفر بذلك وَيخرج من الْإِيمَان ١٠ - أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن مرتكب الْكَبِيرَة من أهل مِلَّة الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر فَهُوَ فِي منزلَة بَين المنزلتين. ١١ - أَن الْمُعْتَزلَة والخوارج اتَّفقُوا على أَن مرتكب الْكَبِيرَة مخلد فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة. ١٢ - أَن بعض الْأُصُولِيِّينَ وافقوا الْمُعْتَزلَة فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين. ١٣ - أَن من الْأُصُولِيِّينَ من جعل مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مبحثاً عقلياً وَقَالَ إِن ذَلِك يمْتَنع عقلا. ١٤ - أَن للأصوليين فِي مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أَرْبَعَة أَقْوَال: القَوْل الأول: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا وباطل شرعا. القَوْل الثَّانِي: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وباطل شرعا فالمانع سَمْعِي. القَوْل الثَّالِث: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وسمعاً، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء.

стр. 75

القَوْل الرَّابِع: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا ووارد سمعا، وَهَذَا معنى قَوْلهم “حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ” وَهَذَا قَول الباقلاني والرازي والآمدي وَهُوَ أفسد الْأَقْوَال عِنْد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية. ١٥ - أَن الصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن ذَلِك جَائِز عقلا. ١٦ - أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق. ١٧ - أَن الصَّلَاة قد يُؤمر بهَا مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي، وَيكون العَبْد هُوَ الَّذِي جمع بَين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ إِذا صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة، لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا. ١٨ - أَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة: إِنَّه إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهَا لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهَا فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن جنس فعله فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ. ١٩ - وَأَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة: إِنَّه مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بهَا كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ النَّجس لِأَن الْمَكَان شَرط فِي الصَّلَاة وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة. ٢٠ - أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة وَقد تقارنه مَعْصِيّة بقدرة تخل بِالْمَقْصُودِ فتقابل الثَّوَاب. ٢١ - أَن الْعَمَل الْوَاحِد يُمكن أَن يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من وَجْهَيْن أما من وَجه وَاحِد فمتعذر.