Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَن يكون الْكفْر والفسوق والعصيان محبوباً لله مرضياً١.
وَقَالُوا أَيْضا: يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد وكل مَا أَمر بِهِ من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ لم يردهُ، وَرُبمَا قَالُوا وَلم يُحِبهُ وَلم يرضه إِلَّا إِذا وجد، قَالُوا وَلَكِن أَمر بِهِ وَطَلَبه، فَقيل لَهُم هَل يكون طلب وَإِرَادَة واستدعاء بِلَا إِرَادَة وَلَا محبَّة وَلَا رضى؟ هَذَا جمع بَين النقيضين فتحيروا.
فَأُولَئِك سلبوا الرب خلقه وَقدرته وإرادته الدِّينِيَّة الْعَامَّة وَهَؤُلَاء سلبوه محبته وَرضَاهُ وإرادته وَمَا تضمنه أمره وَنَهْيه من ذَلِك.
فَكَمَا أَن الْأَوَّلين لم يثبتوا أَن الشَّخْص الْوَاحِد يكون مثاباً معاقباً بل إِمَّا مثاباً وَإِمَّا معاقباً٢.
فَهَؤُلَاءِ لم يثبتوا أَن الْفِعْل الْوَاحِد يكون مرَادا من وَجه دون وَجه مرَادا غير مَحْبُوب بل إِمَّا مُرَاد مَحْبُوب وَإِمَّا غير مُرَاد وَلَا مَحْبُوب”٣.
الحواشي
(١) ١ - قَالَت الجبرية الْكَوْن كُله بِقَضَاء الله وَقدره فَيكون محبوباً مرضياً.
انْظُر شرح العقيدة الطحاوية ١/٣٢٤.
٢ - سَيَأْتِي الْكَلَام عَن هَذَا فِي المبحث الثَّانِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٢/١٣٠ - ١٣١ وَسَيَأْتِي مزِيد بَيَان لهَذَا الأَصْل فِي المبحث التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.стр. 37
الْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة:
“النزاع فِي مَسْأَلَة الْأَمر هَل هُوَ مُسْتَلْزم للإرادة أم لَا؟
١ - الْقَدَرِيَّة٤ تزْعم أَنه مُسْتَلْزم للمشيئة فَيكون قد شَاءَ الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن٥.
الحواشي
(١) ٤ - نسبه للقدرية الْهِنْدِيّ فِي الْفَائِق ٢/١٤ وَابْن النجار فِي شرح الْكَوْكَب ١/٣٢٢.
٥ - وَمن الْقَدَرِيَّة الْقَائِلين بِهَذَا الْمُعْتَزلَة. انْظُر الْمُعْتَمد١/٤٣ وأراء الْمُعْتَزلَة الْأُصُولِيَّة ٢١١ والمحصول ١/١٩١ وَنِهَايَة السول ٢/٢٤٣ وَنِهَايَة الْوُصُول ٣/٨٢٤ وروضة النَّاظر ٢/٦٧.
قَالَ الأسنوي فِي نِهَايَة السول ٢/٢٤٣: “وَعِنْدهم (الْمُعْتَزلَة) عينهَا (الْإِرَادَة) أَي لَا معنى لكَونه طَالبا إِلَّا كَونه مرِيدا والتزموا أَن الله تَعَالَى يُرِيد الشَّيْء وَلَا يَقع وَيَقَع وَهُوَ لَا يُريدهُ”
وَقَالَ الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع ١/١٩٣ “وبنوا ذَلِك على أصل لَهُم فِي الضَّلَالَة وَهُوَ أَن الله لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يُرِيد وَلَا ينْهَى إِلَّا عَمَّا لَا يُرِيد، وَيكون مَا لَا يُرِيد”.стр. 38
٢ - والجهمية١ قَالُوا إِنَّه غير مُسْتَلْزم لشَيْء من الْإِرَادَة لَا لحبه لَهُ وَلَا رِضَاهُ بِهِ إِلَّا إِذا وَقع فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.
وَكَذَلِكَ عِنْدهم مَا أحبه ورضيه كَانَ وَمَا لم يُحِبهُ وَلم يرضه لم يكن وتأولوا قَوْله ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢على أَن المُرَاد مِمَّن لم يَقع مِنْهُ الْكفْر، أَو لَا يرضاه دينا”٣، ٤.
الحواشي
(١) ١ - نسبه للجهمية. ابْن النجار فِي شرح الْكَوْكَب ١/٣٢٢.
٢ - سُورَة الزمر آيَة رقم ٧.
٣ - يرى الأشاعرة أَن الْأَمر غير الْإِرَادَة وينفون الْإِرَادَة عَن الْأَمر بِإِطْلَاق فَيجوز أَن يَأْمر بالشَّيْء وَلَا يُريدهُ وَقد نفى كثير من الْأُصُولِيِّينَ من الأشاعرة وَغَيرهم استلزام الْأَمر للإرادة من غير تَفْصِيل.
انْظُر نِهَايَة الْوُصُول ٣/٨٢٤ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٩١ وَشرح الْكَوْكَب ٣/١٥ وَالْعدة لأبي يعلى ١/٢١٦والمستصفى ٣/١٢٧ وَشرح اللمع ١/١٩٣ وَنِهَايَة السول ٢/٢٤٣ وروضة النَّاظر ٢/٦٧ وَالْفَائِق ٢/١٣والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٣١ والمحصول ١/١٩١ والتحصيل من الْمَحْصُول ١/٢٦٤ وَشرح الْمِنْهَاج للأصفهاني ١/٣٠٦ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْبنانِيّ ١/٣٧٠ ومختصر ابْن اللحام ٩٧.
قَالَ ابْن برهَان فِي الْوُصُول إِلَى الْأُصُول ١/١٣١ - ١٣٢ فِي بَيَان أصل قَول الأشاعرة “هَذِه الْمَسْأَلَة تنبني على أصل، وَذَلِكَ الأَصْل أَن الله تَعَالَى أَمر الْكفَّار بِالْإِيمَان وَمَا أَرَادَ من بَعضهم الْإِيمَان إِذْ لَو أَرَادَ لحصل وكل مَا أَرَادَ الله تَعَالَى فَلَا بُد من حُصُوله”.
والجهمية والجبرية سووا بَين الْمَشِيئَة والإرادة وَبَين الْمحبَّة والرضى فَمَا شاءه قد أحبه ورضيه. انْظُر شرح العقيدة الطحاوية ١/٣٢٤ ومفتاح دَار السَّعَادَة ٢/٤٣.
٤ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٦ - ٤٧٧.стр. 39
“وَأما أَئِمَّة أَصْحَاب مَالك١ وَالشَّافِعِيّ٢ وَأحمد٣ وَعَامة أَصْحَاب أبي حنيفَة٤ فَإِنَّهُم … يَقُولُونَ بِمَا اتّفق عَلَيْهِ السّلف من أَنه سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ويثبتون الْفرق بَين مَشِيئَته وَبَين محبته وَرضَاهُ فَيَقُولُونَ:
إِن الْكفْر والفسوق والعصيان وَإِن وَقع بمشيئته فَهُوَ لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه بل
الحواشي
(١) ١ - هُوَ مَالك بن أنس الْحِمْيَرِي الأصبحي الْمدنِي، أَبُو عبد الله، ولد بِالْمَدِينَةِ سنة ٩٣هـ وَقيل ٩٤هـ وَقيل ٩٧هـ إِمَام دَار الْهِجْرَة، وَأحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، طلب الْعلم وَهُوَ حدث، وتأهل للفتيا وعمره ٢١ سنة، قَالَ عَنهُ الشَّافِعِي: “إِذا ذكر الْعلمَاء فمالك النَّجْم” من مؤلفاته الْمُوَطَّأ ورسالة فِي الْقدر، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ١٧٩هـ وَقيل ١٨٠هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٨/٤٨ وشذرات الذَّهَب ٢/١٢.
٢ - هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع الْقرشِي المطلبي أَبُو عبد الله، ولد بغزة سنة ١٥٠هـ، وَنقل إِلَى مَكَّة بعد سنتَيْن من وِلَادَته، ارتحل فِي طلب الْعلم وَحمل الْمُوَطَّأ عَن مَالك، وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، شَدِيد الْحِفْظ، مناقبه كَثِيرَة مَشْهُورَة، نزل مصر فِي آخر أمره، صنف التصانيف وَمِنْهَا أَحْكَام القرءان والرسالة توفّي بِمصْر سنة ٢٠٤هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٠/٥ وطبقات الشَّافِعِيَّة لِابْنِ هَدِيَّة الله ١٨٧
٣ - هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الذهلي الشَّيْبَانِيّ، الْمروزِي، الْبَغْدَادِيّ أَبُو عبد الله ولد بمرو سنة ١٦٤هـ وَكَانَ مُحدثا فَقِيها عني بِالْحَدِيثِ وَطَلَبه، ورحل فِي طلب الحَدِيث، وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، شَدِيد الْحِفْظ زاهداً ورعاً امتحن فِي القَوْل بِخلق القرءان بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب الشَّديد فَثَبت على قَول السّلف إِن القرءان كَلَام الله غير مَخْلُوق، من مؤلفاته الْمسند والناسخ والمنسوخ، توفّي بِبَغْدَاد سنة ٢٤١هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١١/١٧٧ ووفيات الْأَعْيَان ١/٦٣.
٤ - هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت بن زوطي التَّمِيمِي مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، أَبُو حنيفَة، ولد بِالْكُوفَةِ سنة ٨٠هـ على الصَّحِيح أحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، عني بِطَلَب الْآثَار وارتحل فِي ذَلِك، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه والتدقيق فِي الرَّأْي قوي الْحجَّة، حبس وَضرب لامتناعه عَن الْقَضَاء، من مؤلفاته الْمسند، والمخارج فِي الْفِقْه، توفّي مسقياً فِي السجْن بِبَغْدَاد سنة ١٥٠هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٦/٣٩٠ وشذرات الذَّهَب ١/٢٢٧.стр. 40
بل يسخطه ويبغضه.
وَيَقُولُونَ: إِرَادَة الله فِي كِتَابه نَوْعَانِ:
نوع بِمَعْنى الْمَشِيئَة لما خلق كَقَوْلِه ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ١.
وَنَوع بِمَعْنى محبته وَرضَاهُ لما أَمر بِهِ وَإِن لم يخلقه كَقَوْلِه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ ٤٥.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.
٢ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.
٣ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.
٤ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٦ - ٢٧.
٥ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٦ وَانْظُر الموافقات٣/٣٦٩ - ٣٧١ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣١٨ - ٣٢٢ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩ - ٨٤ و ٣٢٤ - ٣٢٧ والفصل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/١٨٠ ومفتاح دَار السَّعَادَة ٢/٤٣.
تلخص أَن للْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال:
القَوْل الأول: إِن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا، وَهَذَا قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة.
القَوْل الثَّانِي: إِن الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا، وَهَذَا قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وَهُوَ الْمَشْهُور فِي كتب الْأُصُولِيِّينَ ويُنْسَب فِيهَا لِلْجُمْهُورِ.
القَوْل الثَّالِث: إِن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية الْقَدَرِيَّة وَهَذَا هُوَ قَول السّلف.
وَكتب الْأُصُول فِي الْغَالِب لَا تذكر إِلَّا الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين وَلَا تذكر القَوْل الثَّالِث فَتنبه لذَلِك رعاكَ الله.стр. 41
الْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة١:
إِن الله إِذا أَمر العَبْد بِشَيْء فقد أَرَادَهُ مِنْهُ إِرَادَة شَرْعِيَّة دينية وَإِن لم يردهُ مِنْهُ إِرَادَة قدرية كونية.
فإثبات إِرَادَته فِي الْأَمر مُطلقًا خطأ ونفيها عَن الْأَمر مُطلقًا خطأ وَإِنَّمَا الصَّوَاب التَّفْصِيل:
كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٣ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
وَقَالَ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٥ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ٦ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٧ وأمثال ذَلِك كثير”٨
فِي فصل الْخطاب أَن الْأَمر لَيْسَ مستلزماً لمشيئته أَن يخلق الربُّ الآمرُ
الحواشي
(١) ١ - انْظُر الموافقات ٣/٣٦٩ - ٣٧١ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣١٨ - ٣٢٢ وشفاء الغليل ٥٦٠ - ٥٦١ وَشرح العقيدة الطحاوية ١/٧٩ - ٨٤ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٣٥٠ ومذكرة الشَّيْخ الْأمين فِي أصُول الْفِقْه١٩٠.
٢ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.
٣ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٨.
٤ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.
وَهَذِه الْآيَات الثَّلَاث فِي الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَهِي الَّتِي يستلزمها الْأَمر.
٥ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.
٦ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٤١.
٧ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢٥٣.
وَهَذِه الْآيَات الثَّلَاث فِي الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَهِي الَّتِي لَا يستلزمها الْأَمر.
٨ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١١/٣٥٤ - ٣٥٥.стр. 42
الفعلَ المأمورَ بِهِ وَلَا إِرَادَة أَن يَفْعَله، بل قد يَأْمر بِمَا لَا يخلقه١ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لمحبة الرب وَرضَاهُ من العَبْد أَن يَفْعَله، بِمَعْنى أَنه إِذا فعل ذَلِك أحبه ورضيه وَهُوَ يُريدهُ مِنْهُ إِرَادَة الْآمِر من الْمَأْمُور بِمَا أَمر بِهِ لمصلحته٢.
وَإِن لم يرد أَن يخلقه ويعينه عَلَيْهِ لما لَهُ فِي ترك ذَلِك من الْحِكْمَة فَإِن لَهُ حِكْمَة بَالِغَة فِيمَا خلقه وَفِيمَا لم يخلقه.
وَفرق بَين أَن يُرِيد أَن يخلق هُوَ الْفِعْل وَيجْعَل غَيره فَاعِلا يحسن إِلَيْهِ ويتفضل عَلَيْهِ بالإعانة لَهُ على مصْلحَته، وَبَين أَن يَأْمر غَيره بِمَا يصلحه وَيبين لَهُ مَا يَنْفَعهُ إِذا فعله وَإِن كَانَ لَا يُرِيد هُوَ نَفسه أَن يُعينهُ لما فِي ترك إعانته من الْحِكْمَة لكَون الْإِعَانَة قد تَسْتَلْزِم مَا يُنَاقض حكمته”٣.
فِي الْأَمر يتَضَمَّن طلبا٤ وَإِرَادَة للْمَأْمُور بِهِ وَإِن لم يكن ذَلِك إِرَادَة فعل
الحواشي
(١) ١ - أَي أَن الْأَمر لَا يسْتَلْزم الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة.
٢ - أَي أَن الْأَمر يسْتَلْزم الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الأمرية.
٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٧٧ - ٤٧٨.
وَذكر ابْن أبي الْعِزّ كلَاما قَرِيبا من هَذَا حَيْثُ قَالَ فِي شرح العقيدة الطحاوية ١/٨٠ - ٨١: “الْفرق ثَابت بَين إِرَادَة المريد أَن يفعل وَبَين إِرَادَته من غَيره أَن يفعل فَإِذا أَرَادَ الْفَاعِل أَن يفعل فعلا فَهَذِهِ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِفِعْلِهِ وَإِذا أَرَادَ من غَيره أَن يفعل فعلا فَهَذِهِ الْإِرَادَة لفعل الْغَيْر، وكلا النَّوْعَيْنِ مَعْقُول للنَّاس.
وَالْأَمر يسْتَلْزم الْإِرَادَة الثَّانِيَة دون الأولى، فَالله تَعَالَى إِذا أَمر الْعباد بِأَمْر فقد يُرِيد إِعَانَة الْمَأْمُور على مَا أَمر بِهِ وَقد لَا يُرِيد ذَلِك وَإِن كَانَ مرِيدا مِنْهُ فعله”.
٤ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٣: “لَا بُد فِي الْأَمر من طلب واستدعاء واقتضاء سَوَاء قيل إِن هُنَاكَ إِرَادَة شَرْعِيَّة وَأَنه لَا إِرَادَة للرب مُتَعَلقَة بِأَفْعَال الْعباد سواهَا كَمَا تَقوله الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة.
أَو قيل: لَا إِرَادَة للرب إِلَّا الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَن إِرَادَته عين نفس محبته وَرضَاهُ مُتَعَلقَة بِكُل مَا يُوجد سَوَاء كَانَ إِيمَانًا أَو كفرا وَأَنه لَيْسَ للْعَبد قدرَة لَهَا أثر فِي وجود مقدوره، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَأَسْبَاب يخلق بهَا وَلَا لله حِكْمَة يخلق وَيَأْمُر لأَجلهَا كَمَا يَقُول هَذَا وَمَا يُشبههُ جهم بن صَفْوَان رَأس الجبرية هُوَ وَمن وَافقه على ذَلِك أَو بعضه من طوائف أهل الْكَلَام وَبَعض متأخري الْفُقَهَاء وَغَيرهم المثبتين للقدر على هَذِه الطَّرِيقَة لَا على طَريقَة السّلف، كَأبي الْحسن وَغَيره فَإِن هَؤُلَاءِ ناقضوا الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة مناقضة ألجأتهم إِلَى إِنْكَار حَقِيقَة الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد، وَإِن كَانَ من يَقُول بِبَعْض ذَلِك يتناقض وَقد يثبت أحدهم من ذَلِك مَا لَا حَقِيقَة لَهُ فِي الْمَعْنى.
وَأما السّلف وأئمة الْفُقَهَاء وَجُمْهُور الْمُسلمين فيثبتون الْخلق وَالْأَمر والإرادة الخلقية الْقَدَرِيَّة الشاملة لكل حَادث، والإرادة الأمرية الشَّرْعِيَّة المتناولة لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه لِعِبَادِهِ”.стр. 43
لأمر وَالله تَعَالَى أَمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ، وَلَكِن أعَان أهل الطَّاعَة فَصَارَ مرِيدا لِأَن يخلق أفعالهم، وَلم يعن أهل الْمعْصِيَة فَلم يرد أَن يخلق أفعالهم فَهَذِهِ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة لَا تَسْتَلْزِم الْأَمر.
أما الْإِرَادَة بِمَعْنى أَنه يحب فعل مَا أَمر بِهِ ويرضاه إِذا فعل، وَيُرِيد من الْمَأْمُور أَن يَفْعَله من حَيْثُ هُوَ مَأْمُور بِهِ فَهَذِهِ لابد مِنْهَا فِي الْأَمر.
وَلِهَذَا أثبت الله هَذِه الْإِرَادَة فِي الْأَمر دون الأولى، وَلَكِن فِي النَّاس من غلط فنفى الْإِرَادَة مُطلقًا [وَمِنْهُم من أثبتها مُطلقًا] ١.
وكلا الْفَرِيقَيْنِ لم يُمَيّز بَين الْإِرَادَة الخلقية والإرادة الأمرية والقرءان فرَّق بَين الإرادتين:
فَقَالَ فِي الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٢وَقَالَ نوح ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
الحواشي
(١) ١ - مَا بَين القوسين زِيَادَة من الباحث اقتضاها السِّيَاق.
٢ - سُورَة الْأَنْعَام آيَة رقم ١٢٥.
٣ - سُورَة هود آيَة رقم ٣٤.стр. 44
يُرِيدُ﴾ ١وَقَالَ ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ﴾ ٢
وَلِهَذَا قَالَ الْمُسلمُونَ: مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.
وَقَالَ فِي الثَّانِيَة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ٤ وَقَالَ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٥ وَقَالَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ٦٧.
وَالسَّلَف وأئمة الْفُقَهَاء وَجُمْهُور الْمُسلمين يثبتون الْخلق وَالْأَمر والإرادة الخلقية الْقَدَرِيَّة الشاملة لكل حَادث، والإرادة الأمرية الشَّرْعِيَّة المتناولة لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه لِعِبَادِهِ وَهُوَ مَا أمرت بِهِ الرُّسُل وَهُوَ مَا ينفع الْعباد ويصلحهم وَيكون لَهُ الْعَاقِبَة الحميدة النافعة فِي الْمعَاد الدافعة للْفَسَاد.
فَهَذِهِ الْإِرَادَة الأمرية الشَّرْعِيَّة مُتَعَلقَة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته كَمَا أَن تِلْكَ الْإِرَادَة الخلقية الْقَدَرِيَّة مُتَعَلقَة بربوبيته”٨
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢٥٣.
٢ - سُورَة الْكَهْف آيَة رقم ٣٩.
٣ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ١٨٥.
٤ - سُورَة الْأَحْزَاب آيَة رقم ٣٣.
٥ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٦.
٦ - سُورَة النِّسَاء آيَة رقم ٢٦ - ٢٨.
٧ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٢ - ٦٣.
٨ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٧/٦٤.стр. 45
وَمِمَّا سبق يَتَقَرَّر أَنه “يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الْإِرَادَة فِي كتاب الله على نَوْعَيْنِ:
أَحدهمَا: الْإِرَادَة الكونية، وَهِي الْإِرَادَة المستلزمة لوُقُوع المُرَاد الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن …
وَأما النَّوْع الثَّانِي: فَهُوَ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهِي محبَّة المُرَاد وَرضَاهُ ومحبة أَهله وَالرِّضَا عَنْهُم وجزاءهم بِالْحُسْنَى … فَهَذِهِ الْإِرَادَة لَا تسلتزم وُقُوع المُرَاد إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ النَّوْع الأول من الْإِرَادَة.
وَلِهَذَا كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة:
أَحدهَا: مَا تعلّقت بِهِ الإرادتان وَهُوَ مَا وَقع فِي الْوُجُود من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله أَرَادَهُ إِرَادَة دين وَشرع فَأمر بِهِ وأحبه ورضيه وأراده إِرَادَة كَون فَوَقع وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ.
وَالثَّانِي: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فَقَط، وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فعصى ذَلِك الْأَمر الْكفَّار والفجار، فَتلك كلهَا إِرَادَة دين وَهُوَ يُحِبهَا ويرضاها لَو وَقعت وَلَو لم تقع.
وَالثَّالِث: مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الكونية فَقَط وَهُوَ مَا قدره وشاءه من الْحَوَادِث الَّتِي لم يَأْمر بهَا كالمعاصي فَإِنَّهُ لم يَأْمر بهَا وَلم يرضها وَلم يُحِبهَا إِذْ هُوَ لَا يَأْمر بالفحشاء١ وَلَا يرضى لعباد الْكفْر٢، وَلَوْلَا مَشِيئَته وَقدرته وخلقه لَهَا لما كَانَت وَلما وجدت فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن.
وَالرَّابِع: مَا لم تتَعَلَّق بِهِ هَذِه الْإِرَادَة وَلَا هَذِه فَهَذَا مَا لم يكن من أَنْوَاع الْمعاصِي”٣
الحواشي
(١) ١ - يَقُول الله ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٢٨.
٢ - يَقُول الله ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الزمر ٧.
٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/١٨٧ - ١٨٩.стр. 46
فَالله “محبته وَرضَاهُ مُسْتَلْزم للإرادة الدِّينِيَّة وَالْأَمر الديني وَكَذَلِكَ بغضه وغضبه وَسخطه مُسْتَلْزم لعدم الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فالمحبة وَالرِّضَا وَالْغَضَب والسخط لَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْإِرَادَة هَذَا قَول جُمْهُور أهل السّنة.
وَمن قَالَ هَذِه الْأُمُور بِمَعْنى الْإِرَادَة كَمَا يَقُوله كثير من الْقَدَرِيَّة وَكثير من أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أحد الْأَمريْنِ:
إِمَّا أَن الْكفْر والفسوق والمعاصي مِمَّا يكرهها دينا فقد كره كَونهَا وَأَنَّهَا وَاقعَة بِدُونِ مَشِيئَته وإرادته، وَهَذَا قَول الْقَدَرِيَّة.
أَو يَقُول: إِنَّه لما كَانَ مرِيدا لَهَا شاءها فَهُوَ محب لَهَا راضٍ بهَا كَمَا تَقوله طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات.
وكلا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مَا فِيهِ فَإِن الله تَعَالَى يحب الْمُتَّقِينَ١ وَيُحب المقسطين٢ وَقد رَضِي عَن الْمُؤمنِينَ٣ وَيُحب مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب٤ أَو اسْتِحْبَاب٥، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى ثَابتا فِي الْكفَّار والفجار والظالمين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَا يحب كل مختال فخور٦.
الحواشي
(١) ١ - يَقُول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ التَّوْبَة ٤.
٢ - يَقُول الله ﴿إِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الحجرات ٩.
٣ - يَقُول الله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الْفَتْح ١٨.
٤ - الْإِيجَاب وُرُود خطاب الشَّرْع بِطَلَب فعل مَعَ جزم مقتضٍ للوعيد على التّرْك. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٠.
٥ - الِاسْتِحْبَاب هُوَ النّدب وَهُوَ وُرُود خطاب الشَّرْع بِطَلَب فعل لَيْسَ مَعَه جزم. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٠ أَو هُوَ طلب لفعل غير كف ينتهض فعله خَاصَّة سَببا للثَّواب. انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٣١.
٦ - يَقُول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ النِّسَاء ٣٦.стр. 47
وَمَعَ هَذَا فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن …
فَإِن قيل تَقْسِيم الْإِرَادَة لَا يعرف فِي حَقنا بل إِن الْأَمر مِنْهُ بالشَّيْء إِمَّا أَن يُريدهُ أَو لَا يُريدهُ وَأما الْفرق بَين الْإِرَادَة والمحبة فقد يعرف فِي حَقنا.
فَيُقَال: وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فَإِن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء١، وَلَيْسَ أمره لنا كأمر الْوَاحِد منا لعَبْدِهِ وخدمه، وَذَلِكَ أَن الْوَاحِد منا إِذا أَمر عَبده فإمَّا أَن يَأْمُرهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَو إِلَى الْمَأْمُور بِهِ أَو لِحَاجَتِهِ إِلَى الْأَمر فَقَط … وَالله تَعَالَى لم يَأْمر عباده لِحَاجَتِهِ إِلَى أحد مِنْهُم وَلَا هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَمرهم وَإِنَّمَا أمَرَهم إحساناً مِنْهُ ونعمة أنعم بهَا عَلَيْهِم فَأَمرهمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ ونهاهم عَمَّا فِيهِ فسادهم،
وإرسال الرُّسُل وإنزال الْكتب من أعظم نعمه على خلقه كَمَا قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ٣ وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٤ فَمن أنعم الله عَلَيْهِ مَعَ الْأَمر بالامتثال فقد تمت النِّعْمَة فِي حَقه كَمَا قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ٥ وَهَؤُلَاء هم الْمُؤْمِنُونَ.
وَمن لم ينعم عَلَيْهِ بالامتثال بل خذله حَتَّى كفر وَعصى فقد شقي لما بدل نعْمَة الله كفرا كَمَا قَالَ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ٦
الحواشي
(١) ١ - يَقُول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى ١١.
٢ - سُورَة الْأَنْبِيَاء آيَة رقم ١٠٧.
٣ - سُورَة آل عمرَان آيَة رقم ١٦٤.
٤ - سُورَة يُونُس آيَة رقم ٥٧ - ٥٨.
٥ - سُورَة الْمَائِدَة آيَة رقم ٣.
٦ - سُورَة إِبْرَاهِيم آيَة رقم ٢٨.стр. 48
وَالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيان لما كَانَا نعْمَة وَرَحْمَة عَامَّة لم يضر ذَلِك عدم انْتِفَاع بعض النَّاس بهما من الْكفَّار، كإنزال الْمَطَر وإنبات الرزق هُوَ نعْمَة عَامَّة وَإِن تضرر بهَا بعض النَّاس لحكمة أُخْرَى، كَذَلِك مَشِيئَته لما شاءه من الْمَخْلُوقَات وأعيانها وأفعالها لَا يُوجب أَن يحب كل شَيْء مِنْهَا فَإِذا أَمر العَبْد بِأَمْر فَذَاك إرشاد وَدلَالَة فَإِن فعل الْمَأْمُور بِهِ صَار محبوباً لله وَإِلَّا لم يكن محبوباً لَهُ وَإِن كَانَ مرَادا لَهُ، وإرادته لَهُ تكويناً لِمَعْنى آخر فالتكوين غير التشريع١.
الحواشي
(١) ١ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١١/٣٥٥ - ٣٥٧
ويتلخص من هَذَا أَن القَوْل الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي لَا شكّ فِيهِ هُوَ مَا عَلَيْهِ سلف الْأمة وَجُمْهُور الْمُسلمين وَدلّ عَلَيْهِ كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ التَّفْصِيل: -
فَالْأَمْر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي المعنية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
وَالْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية الْقَدَرِيَّة وَهِي المعنية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .стр. 49
بَاب: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ
أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ
…
المبحث الثَّانِي: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟
وَفِيه ثَلَاثَة مطَالب:
الْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ
قَاعِدَة كَبِيرَة فِي أَن الشَّخْص الْوَاحِد١ أَو الْعَمَل الْوَاحِد يكون مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة٢.
الحواشي
(١) ١ - الشَّخْص الْوَاحِد هُوَ المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان، وَقَالُوا الْإِيمَان اسْم معتقده وَإِقْرَاره وَعَمله الصَّالح، وَالْفِسْق اسْم عمله السَّيئ فَهُوَ محسن فِيمَا عمل من صَالح ومسيء فِيمَا عمل من سيئ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون.
انْظُر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/٢٧٤ و ٢٨٦ وَشرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٤٢ والعقيدة الطحاوية مَعَ شرحها ٢/٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣١٦.
٢ - قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٦ - ٢٤٧ “يُقَال لَهُم: هَل تجوزون أَن يكون الْإِنْسَان فِي فعل وَاحِد مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا من وَجه مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه؟
فَإِن قَالُوا: لَا
قُلْنَا: الدَّلِيل على جَوَازه الْمَشْرُوع والمعقول: -
أما الْمَشْرُوع فَإِن الْمَرِيض الَّذِي يستضر بِالصَّوْمِ إِذا صَامَ فَإِنَّهُ لم يخْتَلف أحد أَن صَوْمه يَقع وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّوْمِ من وَجه، مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه، وَلَوْلَا أَنه مَأْمُور من وَجه لم يتَصَوَّر وُقُوعه موقع الصَّوْم الْمَفْرُوض عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه وَهُوَ لتَضَمّنه إِضْرَارًا بِنَفسِهِ,
وَأما الْمَعْقُول فَإِن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ احْمِلْ هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا واسلك بهَا طَرِيق كَذَا، فَحمل الْخَشَبَة وسلك طَرِيقا غير الطَّرِيق الَّذِي قَالَ فَإِنَّهُ يكون مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه، أَلا ترى أَنه يحسن أَن يَقُول العَبْد: - إِن كنت عصيتك فِي سلوك هَذَا الطَّرِيق فقد أطعتك فِي حمل هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا”
وَانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٩ والمستصفى ١/٢٥٤ وَنِهَايَة السول ٢/٣٠٢ والبرهان
١ - /٢٠٣ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٧.стр. 50
خلافًا للخوارج والمعتزلة١، وَقد وافقهم طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات متكلميهم وفقهائهم من أَصْحَابنَا٢ وَغَيرهم٣ فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه.
فَقَالُوا: لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ٤.
وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين٥ وَلَا
الحواشي
(١) ١ - حَيْثُ يَقُول الْخَوَارِج إِن الْمُسلم يخرج من الْإِيمَان بارتكاب الْكَبِيرَة وَيدخل الْكفْر، وَيَقُول الْمُعْتَزلَة يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل الْكفْر وَهَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين، وَأوجب الْخَوَارِج والمعتزلة لَهُ الخلود فِي النَّار.
انْظُر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٣٤ و ٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣٢٣ - ٣٢٥ وَشرح الْأُصُول الْخَمْسَة ١٣٩ - ١٤٠ وَالْإِيمَان لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٢٨٣ و ٣٠٤.
٢ - قَالَ الكلوذاني فِي التَّمْهِيد ١/٣٧٩: “وَتَحْقِيق هَذَا أَن الصَّلَاة فِي ملك الْغَيْر مَعْصِيّة قطعا، وَالصَّلَاة طَاعَة قطعا، فَكيف يكون الْفِعْل الْوَاحِد طَاعَة مَعْصِيّة؟ ويؤكد هَذَا أَن النَّهْي يَقْتَضِي إعدام الْفِعْل، وَالْأَمر يَقْتَضِي إيجاده فَكيف يتَصَوَّر كَون الْوَاحِد مَعْدُوما مَوْجُودا؟ ”
٣ - قَالَ فِي الْمَحْصُول ١/٣٤٠ - ٣٤١: “الشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ مَعًا، وَالْفُقَهَاء قَالُوا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ للشَّيْء وَجْهَان، لنا أَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الَّذِي طلب تَحْصِيله من الْمُكَلف وَأَقل مراتبه رفع الْحَرج من الْفِعْل، والمنهي عَنهُ هُوَ الَّذِي لم يرفع الْحَرج عَن فعله، فالجمع بَينهمَا مُمْتَنع” وَانْظُر التَّحْصِيل من الْمَحْصُول ١/٣٣٥.
٤ - انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٢ والبرهان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ ١/٢٠٠.
٥ - كَأبي يعلى حَيْثُ ذكر فِي كِتَابه مسَائِل الْإِيمَان ص٣١٦ أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بإيمانه فَاسق بكبيرته وَهَذِه مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد، وَذكر فِي كِتَابه الْعدة ٢/٤٤١ أَن النَّهْي إِذا تعلق بِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ يدل على الْفساد كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، وَهَذِه مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد.
وَسبب مخالفتهم لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد أَن قَول الْمُعْتَزلَة والخوارج فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد مَبْنِيّ على أَن الْإِيمَان شَيْء وَاحِد إِذا زَالَ بعضه زَالَ جَمِيعه وَأَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَا يتفاضل، وَالْعُلَمَاء الَّذين أَشَارَ إِلَيْهِم شيخ الْإِسْلَام ﵀ هُنَا لَا يوافقونهم فِي هَذَا الأَصْل الْفَاسِد بل يرَوْنَ مَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص وَأجْمع عَلَيْهِ السّلف من أَن الْإِيمَان يتفاضل وَقد يذهب بعضه وَيبقى بعضه.
وَإِنَّمَا وافقوهم فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد لما ظنوه من تضارب بَين الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فخالفوهم فِي الأَصْل ووافقوهم فِي الْفَرْع.стр. 51
ريب أَن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن هَذَا الْعَمَل لَا يَجْزِي١ وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة٢.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَجْزِي كَقَوْل أَكثر الْفُقَهَاء٣
لَكِن من أَصْحَابنَا من جعلهَا عقلية وَرَأى أَنه٤ يمْتَنع ذَلِك عقلا وَهُوَ قَول
الحواشي
(١) ١ - انْظُر الرِّوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد فِي التَّمْهِيد ١/٣٦٩ وروضة الناضر ١/٢٠٩ وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ، انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٢ - ٣٦٣ وَقد قَالَ بِهَذَا القَوْل الْمُعْتَزلَة إِلَّا النظام وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأهل الظَّاهِر
انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ - ٢٤١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣ وَانْظُر مَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.
٢ - انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨ وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى سَبَب قَول من قَالَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وَسبب قَول الْمُعْتَزلَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وشتان بَين السببين.
٣ - انْظُر الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي رَوْضَة النَّاظر ١/٢١٠ وَانْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ والبرهان
١ - /١٩٩ وَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.
٤ - فِي المطبوع “لَا يمْتَنع” وَيظْهر أَن “لَا” زَائِدَة كَمَا هُوَ ظَاهر من الْكَلَام على القَوْل الرَّابِع الْآتِي حَيْثُ نسب هُنَاكَ لِابْنِ الباقلاني وَابْن الْخَطِيب أَن الْعقل يمْنَع ذَلِك.стр. 52
أَكثر الْمُعْتَزلَة، وَكثير من الأشعرية، كَابْن الباقلاني١ وَابْن الْخَطِيب٢“٣.
الحواشي
(١) ١ - هُوَ مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، أَبُو بكر، الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الباقلاني ولد بِالْبَصْرَةِ سنة٣٣٨ هـ، انتصر لمَذْهَب الأشاعرة، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْمَذْهَب الْمَالِكِي فِي وقته، لَهُ مصنفات مِنْهَا إعجاز القرءان وهداية المسترشدين فِي علم الْكَلَام توفّي بِبَغْدَاد سنة ٤٠٣هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٧/١٩٠ ومعجم المؤلفين ١٠/١٠٩.
٢ - هُوَ مُحَمَّد بن عمر بن الْحُسَيْن التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ، الشَّافِعِي، الرَّازِيّ، أَبُو عبد الله، فَخر الدّين وَيُقَال ابْن خطيب الرّيّ، أَصله من طبرستان وَولد بِالريِّ سنة ٥٤٤هـ وَقيل ٥٤٣هـ كَانَ مُفَسرًا متكلماً أصولياً ذَا احترام من الْمُلُوك يتوقد ذكاءً قَالَ الذَّهَبِيّ: “توفّي على طَريقَة حميدة” لَهُ مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا التَّفْسِير الْكَبِير والمحصول توفّي بهراة سنة ٦٠٦هـ.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٢١/٥٠٠ والأعلام ٦/٣١٣.
٣ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ وَسَيَأْتِي تَوْثِيق ذَلِك عِنْد ذكر الْأَقْوَال.стр. 53
الْمطلب الثَّانِي: الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة:
الْكَلَام فِي مقامين:
فِي الْإِمْكَان الْعقلِيّ.
وَفِي الْإِجْزَاء٤ الشَّرْعِيّ.
وَالنَّاس فِيهَا على أَرْبَعَة أَقْوَال: ٥
١ - مِنْهُم من يَقُول: يمْتَنع عقلا وَيبْطل شرعا.٦
الحواشي
(١) ٤ - سَيَأْتِي تَعْرِيفه إِن شَاءَ الله عِنْد كَلَام شيخ الْإِسْلَام على مَعْنَاهُ ص٤١٦.
٥ - نقل هَذِه الْأَقْوَال عَن شيخ الْإِسْلَام الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥.
٦ - أَشَارَ إِلَى هَذَا الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى ١/٢٩٥ حَيْثُ قَالَ: “وَمن أبطل أَخذ من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي كَون ذَلِك محالاً بِدَلِيل الْعقل” وَنقل الزَّرْكَشِيّ عَنهُ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٥ أَنه قَالَ “وَمن أبطل أَخذه من التضاد الَّذِي بَين الْقرْبَة وَالْمَعْصِيَة وَيَدعِي استحالته عقلا”.стр. 54
وَهُوَ قَول طَائِفَة من متكلمي أَصْحَابنَا وفقهائهم.
٢ - وَمِنْهُم من يَقُول: - يجوز عقلا لَكِن الْمَانِع سَمْعِي.
وَهَذَا قد يَقُوله أَيْضا من لَا يرى الْإِجْزَاء من أَصْحَابنَا، وَمن وافقهم، وَهُوَ أشبه عِنْدِي بقول أَحْمد فَإِن أُصُوله تَقْتَضِي أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بذلك كُله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشبه أصُول السّنة وأئمة الْفِقْه١.
٣ - وَمِنْهُم من يجوزه عقلا وسمعاً كأكثر الْفُقَهَاء٢.
٤ - وَمِنْهُم من يمنعهُ عقلا لَكِن يَقُول ورد سمعا.
وَهَذَا قَول ابْن الباقلاني وَأبي الْحسن٣ وَابْن الْخَطِيب
زَعَمُوا أَن الْعقل يمْنَع كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، وَلَكِن لما
الحواشي
(١) ١ - وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَاب أَحْمد والظاهرية والزيدية وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك وَوجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١.
٢ - وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا بعض أَصْحَابه وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩٥ وتيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَالْعدة ٢/٤٤٢ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٦ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ والبرهان ١/١٩٩ وبذل النّظر ١٥٠ - ١٥٦ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٥٠١ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.
٣ - هُوَ عَليّ بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم التغلبي، الْآمِدِيّ، الْحَنْبَلِيّ، ثمَّ الشَّافِعِي، سيف الدّين، ولد سنة ٥٥١هـ بآمد ديار بكر وَكَانَ فَقِيها ً أصولياً متكلماً منطقياً، أَقَامَ بِبَغْدَاد ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى مصر من مصنفاته إحكام الْأَحْكَام توفّي بِدِمَشْق سنة ٦٣١ هـ وَدفن بجبل قاسيون.
انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٢/٢١١ وطبقات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ١/٧٣.стр. 55
دلّ السّمع إِمَّا الْإِجْمَاع١ أَو غَيره على عدم وجوب٢ الْقَضَاء٣ قَالُوا: حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ٤
وَهَذَا القَوْل عِنْدِي أفسد الْأَقْوَال”٥.٦
الحواشي
(١) ١ - الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة الِاتِّفَاق والإحكام والعزيمة على الشَّيْء وَأَن يجْتَمع الشَّيْء المتفرق جَمِيعًا. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/١٥ وتهذيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٥٥
وَفِي الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق مجتهدي أمة مُحَمَّد ﷺ بعد وَفَاته فِي حَادِثَة على أَمر من الْأُمُور فِي عصر من الْأَعْصَار انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٤٣٦.
٢ - الْوُجُوب فِي اللُّغَة اللُّزُوم والسقوط انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/١٣٦ ومختار الصِّحَاح ٧٠٩.
وَفِي الِاصْطِلَاح عُرِّف بِمَعْنى الْإِيجَاب الْمُتَقَدّم وَيُطلق تَارَة بِمَعْنى الثُّبُوت فِي الذِّمَّة بِمَعْنى لُزُوم الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ وَهُوَ شَائِع فِي إِطْلَاق الْفُقَهَاء وَتارَة بِمَعْنى وجوب الْأَدَاء وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٧٩ - ١٨٠
٣ - القضاءفي اللُّغَة إِكْمَال الشَّيْء وإتمامه. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٦٦٥ والمعجم الْوَسِيط ٢/٧٤٢ - ٧٤٣.
وَفِي الِاصْطِلَاح إِيقَاع الْعِبَادَة بعد وَقتهَا الْمعِين لَهَا شرعا. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٣١.
٤ - انْظُر الْمَحْصُول ١/٣٤٤ والإحكام للآمدي ١/١١٥ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/٤٢٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٩٣ والمستصفى ١/٢٥٣ - ٢٥٤ والوصول إِلَى الْأُصُول ١/١٨٩ و ١٩٢ والبرهان ١/٢٠٠ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٣ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٢.
٥ - قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي القواطع ١/٢٤٩: “نقل بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا عَن القَاضِي أبي بكر الباقلاني كلَاما غير مَفْهُوم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن صَلَاة الْإِنْسَان فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة لَا تقع مَأْمُورا بهَا وَلَكِن يسْقط الْأَمر بِالصَّلَاةِ عِنْدهَا كَمَا يسْقط الْأَمر بأعذار تطرأ من الْجُنُون وَغَيره، وَهَذَا هذيان فأعرضنا عَنهُ”. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان ١/٢٠١: “وَهَذَا حائد عِنْدِي عَن التَّحْصِيل غير لَائِق بِمنْصب هَذَا الرجل الخطير”.
٦ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ - ٢٩٦.стр. 56
الْمطلب الثَّالِث: الِاخْتِيَار فِي الْمَسْأَلَة:
وَالصَّوَاب أَن ذَلِك مُمكن فِي الْعقل فَأَما الْوُقُوع السمعي فَيرجع فِيهِ إِلَى دَلِيله١ وَذَلِكَ أَن كَون الْفِعْل الْوَاحِد محبوباً مَكْرُوها، مرضياً مسخوطاً، مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ، مقتضياً للحمد وَالثَّوَاب والذم وَالْعِقَاب، لَيْسَ هُوَ من الصِّفَات اللَّازِمَة كالأسود والأبيض، والمتحرك والساكن، والحي وَالْمَيِّت وَإِن كَانَ فِي هَذِه الصِّفَات كَلَام أَيْضا وَإِنَّمَا هُوَ من الصِّفَات الَّتِي فِيهَا إِضَافَة متعدية مثل كَون الْفِعْل نَافِعًا وضاراً، ومحبوباً ومكروهاً والنافع هُوَ الجالب للذة٢ والضار هُوَ الجالب للألم٣ وَكَذَلِكَ المحبوب هُوَ الَّذِي فِيهِ فَرح وَلَذَّة للمحب مثلا وَالْمَكْرُوه هُوَ الَّذِي فِيهِ ألم للكاره وَلِهَذَا كَانَ الْحسن والقبح الْعقلِيّ مَعْنَاهُ: الْمَنْفَعَة والمضرة٤ وَالْأَمر وَالنَّهْي يعودان إِلَى الْمَطْلُوب وَالْمَكْرُوه فَهَذِهِ صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالفاعل أَو غَيره وَهَذِه صفة فِي الْفِعْل مُتَعَلقَة بالآمر الناهي وَلِهَذَا قلت غير مرّة٥: إِن
الحواشي
(١) ١ - هَذَا بَيَان للإمكان الْعقلِيّ، وَقد اسْتدلَّ الْجُمْهُور على الْإِمْكَان الْعقلِيّ بِأَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ خطّ هَذَا الثَّوْب وَلَا تدخل هَذِه الدَّار، فخاط العَبْد الثَّوْب فِي الدَّار الْمنْهِي عَنْهَا، يقطع بِطَاعَتِهِ من جِهَة أَن خاط وبمعصيته من جِهَة أَنه خاط فِي الدَّار، فَيكون فعل الْخياطَة مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من جِهَتَيْنِ فَدلَّ ذَلِك على الْقطع بِجَوَاز ذَلِك عقلا.
انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٨٠.
٢ - وَهِي الْمصلحَة. انْظُر مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٤ وقواعد الْأَحْكَام ١/١٢ والفوائد فِي اخْتِصَار الْمَقَاصِد ٣٥
٣ - وَهِي الْمفْسدَة. انْظُر المراجع السَّابِقَة.
٤ - قَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي الْفَوَائِد ٣٧: “ويعبر عَن الْمصَالح والمفاسد بالمحبوب وَالْمَكْرُوه، والحسنات والسيئات، وَالْعرْف والنكر، وَالْخَيْر وَالشَّر، والنفع والضر، وَالْحسن والقبيح”.
٥ - وَمن ذَلِك قَوْله ﵀ فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٨/٤٣٤ - ٤٣٦: - “قد ثَبت بِالْخِطَابِ وَالْحكمَة الْحَاصِلَة من الشَّرَائِع ثَلَاثَة أَنْوَاع:
أَحدهَا: أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على مصلحَة أَو مفْسدَة وَلَو لم يَرِد الشَّرْع بذلك كَمَا يعلم أَن الْعدْل مُشْتَمل عل مصلحَة الْعَالم، وَالظُّلم يشْتَمل على فسادهم فَهَذَا النَّوْع هُوَ حسن وقبيح. وَقد يعلم بِالْعقلِ وَالشَّرْع قبح ذَلِك لَا أَنه أثبت للْفِعْل صفة لم تكن، لَكِن لَا يلْزم من حُصُول هَذَا الْقبْح أَن يكون فَاعله معاقباً فِي الْآخِرَة إِذا لم يَرِد شرع بذلك …
النَّوْع الثَّانِي: أَن الشَّارِع إِذا أَمر بِشَيْء صَار حسنا وَإِذا نهى عَن شَيْء صَار قبيحاً واكتسب الْفِعْل صفة الْحسن والقبح بخطاب الشَّارِع.
النَّوْع الثَّالِث: أَن يَأْمر الشَّارِع بِشَيْء ليمتحن العَبْد هَل يطيعه أم يعصيه وَلَا يكون المُرَاد فعل الْمَأْمُور بِهِ … فالحكمة منشؤها من نفس الْأَمر لَا من نفس الْمَأْمُور بِهِ …
وَأما الْحُكَمَاء وَالْجُمْهُور فأثبتوا الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ الصَّوَاب” انْتهى.
وسأبسط هَذِه الْمَسْأَلَة فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.стр. 57
حسن الْفِعْل يحصل من نَفسه تَارَة وَمن الْآمِر تَارَة وَمن مجموعهما تَارَة.
والمعتزلة وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين يمْنَعُونَ النّسخ١ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل٢ لَا يثبتون إِلَّا الأول٣.
الحواشي
(١) ١ - النّسخ فِي اللُّغَة الْإِزَالَة والتغيير وَالرَّفْع والإبطال وَإِقَامَة الشَّيْء مقَامه. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٧١ومختارالصحاح ٦٥٦.
وَفِي الِاصْطِلَاح: إِزَالَة الحكم الثَّابِت بشرع مُتَقَدم بشرع مُتَأَخّر عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا” انْظُر الْحُدُود للباجي ٤٩ وَالْإِشَارَة إِلَى معرفَة الْأُصُول للباجي ١٧.
٢ - وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل كَون الشَّيْء مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه قَالَ ابْن قدامَة فِي الرَّوْضَة ١/٣٠٢ - ٣٠٣ “قَوْلهم إِنَّه يُفْضِي إِلَى أَن يكون الشَّيْء مَأْمُورا مَنْهِيّا، فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه”.
وَهَذَا قَول أَكثر الْحَنَفِيَّة، وَأبي الْحسن التَّمِيمِي من الْحَنَابِلَة، والمعتزلة، وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ إِنَّه قَول الْفُقَهَاء. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ٤/٨٦ وروضة النَّاظر ١/٢٩٧ وَالْعدة ٣/٨٠٨ والتمهيد للكلوذاني ٢/٣٥٥.
٣ - وَهُوَ حسن الْفِعْل من نَفسه. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٢٨٢ وَالْعدة ٣/٨١٢ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/١٤٦ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٦ - ٣٠٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٧٠٥.стр. 58
والأشعرية وَمن وافقهم من الْفُقَهَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم الَّذين لَا يثبتون للْفِعْل صفة إِلَّا إِضَافَة لتَعلق الْخطاب بِهِ لَا يثبتون إِلَّا الثَّانِي١.
وَالصَّوَاب إِثْبَات الْأَمريْنِ وَقدر زَائِد يحصل للْفِعْل من جنس تعلق الْخطاب غير تعلق الْخطاب وَيحصل للْفِعْل بعد الحكم.
فالخطاب مظهر تَارَة ومؤثر تَارَة وجامع بَين الْأَمريْنِ تَارَة …
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَنحْن نعقل ونجد أَن الْفِعْل الْوَاحِد من الشَّخْص أَو من غَيره يجلب لَهُ مَنْفَعَة ومضرة مَعًا، وَالرجل يكون لَهُ عدوَّان يقتل أَحدهمَا صَاحبه فيسر من حَيْثُ عدم عَدو، ويساء من حَيْثُ غلب عَدو، وَيكون لَهُ صديقان يعْزل أَحدهمَا صَاحبه فيساء من حَيْثُ انعزال صديق، وَيسر من حَيْثُ تولى صديق.
وَأكْثر أُمُور الدُّنْيَا من هَذَا فَإِن الْمصلحَة الْمَحْضَة نادرة٢.
الحواشي
(١) ١ - وَهُوَ حسن الْفِعْل لوُرُود الْأَمر بِهِ أَي من الْآمِر انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٣٥ و ١٤٥ و ١٤٦ وَالتَّلْخِيص رِسَالَة جامعية ١/١٥٨ وَشرح الْكَوْكَب ١/٣٠٧.
٢ - قَالَ الشاطبي فِي الموافقات ٢/٤٤: “الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة من حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَة هُنَا لَا يتَخَلَّص كَونهَا مصَالح مَحْضَة، وأعني بالمصالح مَا يرجع إِلَى قيام حَيَاة الْإِنْسَان وَتَمام عيشه ونيله مَا تَقْتَضِيه أَوْصَافه الشهوانية والعقلية على الْإِطْلَاق حَتَّى يكون منعماً على الْإِطْلَاق، وَهَذَا فِي مُجَرّد الاعتياد لَا يكون، لِأَن تِلْكَ الْمصَالح مشوبة بتكاليف ومشاق قَلَّتْ أَو كثرت تقترن بهَا أَو تسبقها أَو تلحقها كَالْأَكْلِ وَالشرب واللبس وَالسُّكْنَى وَالرُّكُوب وَالنِّكَاح وَغير ذَلِك، فَإِن هَذِه الْأُمُور لَا تنَال إِلَّا بكد وتعب”.
وَقَالَ ابْن الْقيم فِي مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ٢/١٦: - “وَلَا ريب عِنْد كل عَاقل أَن كَمَال الرَّاحَة بِحَسب التَّعَب وَكَمَال النَّعيم بِحَسب تحمل المشاق فِي طَرِيقه، وَإِنَّمَا تخلص الرَّاحَة واللذة وَالنَّعِيم فِي دَار السَّلَام فَأَما فِي هَذِه الدَّار فكلا وَلما”.
وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١٢: - “الْمصَالح الْمَحْضَة قَليلَة وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِد الْمَحْضَة وَالْأَكْثَر مِنْهَا اشْتَمَل على الْمصَالح والمفاسد”.
وَقَالَ أَيْضا فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام ١/١١٥ “وَاعْلَم أَن الْمصَالح الْخَالِصَة عزيزة الْوُجُود فَإِن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لَا تحصل إِلَّا بنَصَب مقترن بهَا أَو سَابق أَو لَاحق، وَأَن السَّعْي فِي تَحْصِيل هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا شاق على مُعظم الْخلق لَا ينَال إِلَّا بكد وتعب فَإِذا حصلت اقْترن بهَا من الْآفَات مَا ينكدها وينغصها”.стр. 59
فَأكْثر الْحَوَادِث فِيهَا مَا يسوء وَيسر فيشتمل الْفِعْل على مَا ينفع وَيُحب وَيُرَاد وَيطْلب وعَلى مَا يضر وَيبغض وَيكرهُ وَيدْفَع، وَكَذَلِكَ الْآمِر يَأْمر بتحصيل النافع وَينْهى عَن تَحْصِيل الضار، فيأمر بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَملَة على الْمَنْفَعَة وَينْهى عَن الْغَصْب١ الْمُشْتَمل على مضرَّة.
فَإِذا قَالُوا: الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ بِفعل وَاحِد من وَجه وَاحِد فَيَقُول: - صَلِّ هُنَا وَلَا تصلِّ هُنَا، فَإِن هَذَا جمع بَين النقيضين٢، وَالْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع لِأَنَّهُ جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات.
فقد يُقَال لَهُم: الْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع فِي الْخَبَر فَإِذا قلت صلى زيد هُنَا، لم يصلِّ هُنَا، امْتنع ذَلِك.
لِأَن الصَّلَاة هُنَا إِمَّا أَن تكون وَإِمَّا أَن لَا تكون وَكَونهَا هُوَ عينهَا وَمَا يتبعهُ من الصِّفَات اللَّازِمَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نِسْبَة وَإِضَافَة وَتعلق فَأَما الْجمع بَينهمَا فِي الْإِرَادَة وَالْكَرَاهَة، والطلب وَالدَّفْع، والمحبة والبغضة، وَالْمَنْفَعَة والمضرة، فَهَذَا لَا يمْتَنع، فَإِن وجود الشَّيْء قد يكون مرَادا وَيكون عَدمه مرَادا أَيْضا إِذا كَانَ فِي
الحواشي
(١) ١ - فِي المطبوع “الْغَضَب”.
٢ - النقيضان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَلَا يرتفعان مَعًا، والتناقض نِسْبَة بَين معنى وَمعنى آخر من جِهَة عدم إِمْكَان اجْتِمَاعهمَا مَعًا وَعدم إِمْكَان ارتفاعهما مَعًا فِي شَيْء وَاحِد وزمان وَاحِد.
انْظُر تقريب الْوُصُول ١١٢ وضوابط الْمعرفَة ٥٥.стр. 60
كل مِنْهُمَا مَنْفَعَة للمريد، وَيكون أَيْضا وجوده أَو عَدمه مَكْرُوها بِحَيْثُ يلتذ العَبْد ويتألم بِوُجُودِهِ وَعَدَمه كَمَا قيل:
فاعجب لشَيْء على الْبغضَاء مَحْبُوب الشيب كره، وَكره أَن نفارقه
فَهُوَ يكره الشيب ويبغضه لما فِيهِ من زَوَال الشَّبَاب النافع وَوُجُود الشيب الضار وَهُوَ يُحِبهُ أَيْضا وَيكرهُ عَدمه لما فِيهِ من وجود الْحَيَاة وَفِي عَدمه من الفناء.
وَهَذَا حَال مَا اجْتمع فِيهِ مصلحَة ومفسدة من جَمِيع الْأُمُور.
لَكِن١ التَّحْقِيق أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف٢ مَا لَا يُطَاق٣، فَإِنَّهُ تَكْلِيف للْفَاعِل أَن يجمع بَين وجود الْفِعْل الْمعِين وَعَدَمه٤.
وَإِنَّمَا يُؤمر بهَا من حَيْثُ هِيَ مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي٥ وَلَكِن تلازما فِي الْمعِين٦، وَالْعَبْد هُوَ الَّذِي جمع
الحواشي
(١) ١ - بعد أَن انْتهى من بَيَان الْإِمْكَان الْعقلِيّ شرع فِي بَيَان حَقِيقَة الْوُرُود السمعي.
٢ - التَّكْلِيف لُغَة الْأَمر بِمَا يشق. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٥/٣٩١٧
وَاصْطِلَاحا قيل إِلْزَام مُقْتَضى خطاب الشَّرْع، وَقيل الدُّعَاء إِلَى مَا فِيهِ كلفة وَقيل إِلْزَام مَا فِيهِ كلفة. انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/١٧٩ والبرهان ١/٨٨.
٣ - سَيَأْتِي بسط هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بحث قادم.
٤ - انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٩١ والمستصفى ١/٢٥٤ وَبَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨.
٥ - النَّهْي فِي اللُّغَة الْكَفّ وَالْمَنْع. انْظُر لِسَان الْعَرَب ٦/٤٥٦٤ - ٤٥٦٥
وَفِي الِاصْطِلَاح: القَوْل الدَّال بِالذَّاتِ على اقْتِضَاء كف عَن فعل لَا بقول كف وَنَحْوه وَزَاد بَعضهم على وَجه الْعُلُوّ وَزَاد بَعضهم على وَجه الاستعلاء.
انْظُر مذكرة أبرز الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة ١٩٢ مُكَرر وَنشر البنود ١/١٩٥ وَجمع الْجَوَامِع مَعَ حَاشِيَة الْعَطَّار ١/٤٩٦ وقواطع الْأَدِلَّة ١/٢٥١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٢٦.
٦ - قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٥: “الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا بِحكم جَوَازهَا، دَلِيله الصَّلَاة فِي ملكه وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الصَّلَاة غير مَنْهِيّ عَنْهَا لِأَن النَّهْي وَإِن ورد لكنه ينْصَرف إِلَى فعل الْغَصْب لَا إِلَى فعل الصَّلَاة، أَلا ترى أَن بعد الْخُرُوج من الصَّلَاة هُوَ فَاعل للغصب غير فَاعل للصَّلَاة، أَلا ترى أَنه لَو صلى فِي مَكَان من الدَّار لَا يخرج من أَن يكون غَاصبا لغير ذَلِك الْمَكَان من بقاع الدَّار”.стр. 61
ين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا١ فَأمره بِصَلَاة مُطلقَة، وَنَهَاهُ عَن كَون مُطلق، وَأما الْمعِين فالشارع لَا يَأْمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ كَمَا فِي سَائِر المعينات.
وَهَذَا أصل مطرد فِي جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ من المطلقات، بل فِي كل أَمر فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِعِتْق رَقَبَة مُطلقَة كَقَوْلِه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢، أَو بإطعام سِتِّينَ مِسْكينا أَو صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين٣، أَو بِصَلَاة فِي مَكَان، أَو غير ذَلِك، فَإِن العَبْد لَا يُمكنهُ الِامْتِثَال إِلَّا بِإِعْتَاق رَقَبَة مُعينَة، وإطعام طَعَام معِين لمساكين مُعينين، وَصِيَام أَيَّام مُعينَة، وَصَلَاة مُعينَة فِي مَكَان معِين فالمعين فِي جَمِيع المأمورات الْمُطلقَة لَيْسَ مَأْمُورا بِعَيْنِه وَإِنَّمَا الْمَأْمُور بِهِ مُطلق، وَالْمُطلق يحصل بالمعين.
فالمعين فِيهِ شَيْئَانِ:
خُصُوص عينه، والحقيقة الْمُطلقَة.
فالحقيقة الْمُطلقَة هِيَ الْوَاجِبَة، وَأما خُصُوص الْعين فَلَيْسَ وَاجِبا وَلَا مَأْمُورا
الحواشي
(١) ١ - انْظُر تيسير التَّحْرِير ٢/٢١٩ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٧ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣.
٢ - سُورَة المجادلة آيَة رقم ٣.
٣ - قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المجادلة ٣ - ٤.стр. 62
بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أحد الْأَعْيَان الَّتِي يحصل بهَا الْمُطلق بِمَنْزِلَة الطَّرِيق إِلَى مَكَّة وَلَا قصد للْآمِر فِي خُصُوص التَّعْيِين١.
وَهَذَا الْكَلَام مَذْكُور فِي مَسْأَلَة الْوَاجِب على التَّخْيِير وَالْوَاجِب الْمُطلق٢ وَالْوَاجِب الْمعِين وَالْفرق بَينهَا: أَن الْوَاجِب الْمُخَير٣ قد أَمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَالْمُطلق لم يُؤمر فِيهِ بِأحد أَشْيَاء محصورة وَإِنَّمَا أَمر بالمطلق وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْوَاجِب الْمُخَير فِيهِ هَل الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك، كالواجب الْمُطلق، أَو الْوَاجِب هُوَ الْمُشْتَرك والمميز أَيْضا على التَّخْيِير؟ ٤.
فِيهِ وَجْهَان:
والمشترك هُوَ كَونه أَحدهَا٥.
الحواشي
(٣) ص(٤١٢) .
٣ - الْوَاجِب المخيرهو إِيجَاب شَيْء مُبْهَم من أَشْيَاء محصورة. انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/١٨٦.
٤ - عِنْد أَكثر الْعلمَاء الْوَاجِب وَاحِد لَا بِعَيْنِه وَيتَعَيَّن بِفعل الْمُكَلف ومتعلق الْوُجُوب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْخِصَال.
انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٠ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: تجب جَمِيع الْخِصَال وَيسْقط بِفعل وَاحِد مِنْهَا.
انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٢ وَالْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٥ والتبصرة ٧٠ وقواطع الْأَدِلَّة ١/١٧١ وموافقة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨.
٥ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “وَحَقِيقَة الْأَمر أَن الْوَاجِب هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الثَّلَاثَة وَهُوَ مُسَمّى أَحدهَا فَالْوَاجِب أحد الثَّلَاثَة، وَهَذَا مُتَعَيّن متميز مَعْرُوف للْمَأْمُور وَهَذَا الْمُسَمّى يُوجد فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين فَلم يجب وَاحِد بِعَيْنِه غير معِين بل وَجب أحد المعينات والامتثال يحصل بِوَاحِد مِنْهَا وَإِن لم يُعينهُ … إِذا كَانَ الْوَاجِب غير معِين بل هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك لَا مُنَافَاة بَين الْإِيجَاب وَترك التَّعْيِين” وَانْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٥١.стр. 63
فعلى هَذَا مَا تميز بِهِ أَحدهَا عَن الآخر لَا يُثَاب عَلَيْهِ ثَوَاب الْوَاجِب١، بِخِلَاف مَا إِذا قيل المتميز وَاجِب على الْبَدَل أَيْضا٢.
أما الْمُطلق فَلم يتَعَرَّض فِيهِ للأعيان المتميزة بِقصد لكنه من ضَرُورَة الْوَاقِع فَهُوَ من بَاب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ٣.
وَهُوَ وَإِن قيل هُوَ وَاجِب فَهُوَ وَاجِب فِي الْفِعْل وَهُوَ مُخَيّر فِيهِ، فاختياره لإحدى الْعَينَيْنِ لَا يَجعله وَاجِبا عينا.
الحواشي
(١) ١ - قَالَ فِي شرح الْكَوْكَب١/٣٨٣: “إِن كفَّر بهَا كلهَا أَو بِأَكْثَرَ من وَاحِد مرتبَة … فَالْوَاجِب الأول … إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ الَّذِي أسقط الْفَرْض وَالَّذِي بعده لم يُصَادف وجوبا فِي الذِّمَّة وَإِن أخرج الْكل مَعًا … فِي وَقت وَاحِد … أثيب ثَوَاب وَاجِب على أَعْلَاهَا فَقَط”. وَانْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٧ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ والتمهيد للأسنوي ٨١.
٢ - نُقِل عَن بعض الْمُعْتَزلَة أَنه إِن فعل الْجَمِيع يُثَاب عَلَيْهَا ثَوَاب الْوَاجِب، لَكِن قيل إِن هَذَا مَذْهَب من لَا يعبأ بِهِ مِنْهُم، وَقد نقل بعض الْعلمَاء الِاتِّفَاق على أَنه لَا يُثَاب على الْجَمِيع ثَوَاب الْوَاجِب.
انْظُر الْقَوَاعِد والفوائد الْأُصُولِيَّة ٦٦ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٢٨ و ٥٣٢.
٣ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي مُوَافقَة صَحِيح الْمَنْقُول لصريح الْمَعْقُول ١/١٢٨: “الْوَاجِب الْمُطلق وَهُوَ الْأَمر بالماهية الْكُلية كالأمر بِإِعْتَاق رَقَبَة مُطلقَة، وَالْمُطلق لَا يُوجد إِلَّا معينا، لَكِن لَا يكون معينا فِي الْعلم وَالْقَصْد، فالآمر لم يقْصد وَاحِدًا بِعَيْنِه مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا يُوجد إِلَّا معينا وَأَن الْمُطلق الْكُلِّي وجوده عِنْد النَّاس فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان فَمَا هُوَ مُطلق كلي فِي أذهان النَّاس لَا يُوجد إِلَّا معينا مشخصاً مَخْصُوصًا متميزاً فِي الْأَعْيَان، وَإِنَّمَا سمي كلياً لكَونه فِي الذِّهْن كلياً وَأما الْخَارِج فَلَا يكون فِي الْخَارِج مَا هُوَ كلي أصلا”.
وَسَيَأْتِي بسط مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فِي بحث قادم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.стр. 64
فَتبين بذلك أَن تعْيين عين الْفِعْل وَعين الْمَكَان لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ، فَإِذا نهي عَن الْكَوْن فِيهِ لم يكن هَذَا الْمنْهِي عَنهُ قد أَمر بِهِ، إِذْ الْمَأْمُور بِهِ مُطلق وَهَذَا الْمعِين لَيْسَ من لَوَازِم الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا يحصل بِهِ الِامْتِثَال كَمَا يحصل بِغَيْرِهِ.
فَإِن قيل: إِن لم يكن مَأْمُورا بِهِ فَلَا بُد أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ وَالْجمع بَين النَّهْي وَالْإِبَاحَة١ جمع بَين النقيضين.
قيل: وَلَا يجب أَن يُبَاح الِامْتِثَال بِهِ بل يَكْفِي ألاّ ينْهَى عَن الِامْتِثَال بِهِ فَمَا بِهِ يُؤدى الْوَاجِب لَا يفْتَقر إِلَى إِيجَاب وَلَا إِلَى إِبَاحَة بل يَكْفِي أَلا يكون مَنْهِيّا عَن الِامْتِثَال بِهِ، فَإِذا نَهَاهُ عَن الِامْتِثَال بِهِ امْتنع أَن يكون الْمَأْمُور بِهِ دَاخِلا فِيهِ من غير مَعْصِيّة.
فَهُنَا أَرْبَعَة أَقسَام:
١ - أَن يكون مَا يمتثل وَاجِبا كإيجاب صِيَام شهر رَمَضَان بالإمساك فِيهِ عَن الْوَاجِب.
٢ - وَأَن يكون مُبَاحا كخصال الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ قد أُبِيح لَهُ نوع كل مِنْهَا كَمَا لَو قَالَ أطْعم زيدا أَو عمرا.
٣ - وألاّ يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالصيام الْمُطلق وَالْعِتْق الْمُطلق، فالمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مُبَاحا بخطاب بِعَيْنِه إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك.
٤ - وَالرَّابِع أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ كالأضاحي المعيبة وإعتاق الْكَافِر.
فَإِذا صلّى فِي مَكَان مُبَاح كَانَ ممتثلاً لإتيانه بِالْوَاجِبِ بِمعين لَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، وَإِذا صلى فِي الْمَغْصُوب فقد يُقَال: إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهِ لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهِ فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن
الحواشي
(١) ١ - الْإِبَاحَة هِيَ وُرُود خطاب الشَّرْع بالتخيير بَين الْفِعْل وَالتّرْك.
انْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٤٢.стр. 65
جنس فعله، فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ١.
وَلَا نقُول: إِن الْفِعْل الْمعِين مَأْمُور بِهِ مَنْهِيّ عَنهُ لَكِن اجْتمع فِيهِ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ كَمَا لَو صلى ملابساً لمعصية من حمل مَغْصُوب.
وَقد يُقَال٢: بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِهِ كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ فِي الْمَكَان النَّجس وَالثَّوْب النَّجس، لِأَن الْمَكَان شَرط٣ فِي الصَّلَاة، وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة، بِخِلَاف الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَن أبعاضها كَالثَّوْبِ الْمَحْمُول فالحمل لَيْسَ من الصَّلَاة.
فَهَذَا مَحل نظر الْفُقَهَاء وَهُوَ مَحل للِاجْتِهَاد٤.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٧ - ٢٤٨.
٢ - حَاصله أَن النَّهْي رَاجع إِلَى شَرط مُعْتَبر فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا أَفعَال تفْتَقر إِلَى أكوان فَإِذا كَانَ الْكَوْن الَّذِي هُوَ شَرط مَنْهِيّا عَنهُ دلّ على الْفساد، كَمَا لَو صلى فِي ثوب نجس، لِأَن النَّهْي رَجَعَ إِلَى شَرط مُعْتَبر.
انْظُر الْعدة ٢/٤٤٣.
٣ - الشَّرْط: فِي اللُّغَة إِلْزَام الشَّيْء والتزامه والعلامة.
انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/٣٦٨.
وَفِي الِاصْطِلَاح مَا يلْزم من عَدمه عدم الحكم وَلَا يلْزم من وجوده وجود الحكم وَلَا عَدمه لذاته. انْظُر تقريب الْوُصُول ٢٤٦.
٤ - الِاجْتِهَاد: فِي اللُّغَة افتعال من الجَهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالْمَشَقَّة وَمن الجُهد بِمَعْنى الطَّاقَة وَالِاجْتِهَاد بذل الوسع.
انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٢٨٦ ولسان الْعَرَب ١/٧٠٨.
وَفِي الِاصْطِلَاح: استفراغ الْجهد فِي دَرك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة.
انْظُر الْمِنْهَاج مَعَ نِهَايَة السول ٤/٥٢٤ والإبهاج ٣/٢٤٦.стр. 66
لَا أَن عين هَذِه الأكوان هِيَ مَأْمُور بهَا ومنهي عَنْهَا فَإِن هَذَا بَاطِل قطعا، بل عينهَا وَإِن كَانَت مَنْهِيّا عَنْهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَة على الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ مَا اشْتَمَل على الْمَأْمُور بِهِ الْمُطلق يكون مَأْمُورا بِهِ.
ثمَّ يُقَال: وَلَو نهي عَن الِامْتِثَال على وَجه معِين مثل أَن يُقَال: - صلِّ وَلَا تصلِّ فِي هَذِه الْبقْعَة، وخِطْ هَذَا الثَّوْب وَلَا تخِطْه فِي هَذَا الْبَيْت، فَإِذا صلى فِيهِ وخاط فِيهِ فَلَا ريب أَنه لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ كَمَا أَمر لَكِن هَل يُقَال: أَتَى بِبَعْض الْمَأْمُور بِهِ أَو بِأَصْلِهِ دون وَصفه؟ وَهُوَ مُطلق الصَّلَاة والخياطة دون وَصفه.
أَو مَعَ مَنْهِيّ عَنهُ بِحَيْثُ يُثَاب على ذَلِك الْفِعْل وَإِن لم يسْقط الْوَاجِب أَو عُوقِبَ على الْمعْصِيَة وَقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وبينت أَن الْأَمر كَذَلِك وَهِي تشبه مَسْأَلَة صَوْم يَوْم الْعِيد وَنَحْوه مِمَّا يَقُول أَبُو حنيفَة فِيهِ بِعَدَمِ الْفساد١٢.
الحواشي
(١) ١ - الْفساد فِي اللُّغَة ضد الصّلاح.
انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣٢٣.
وَفِي الِاصْطِلَاح عِنْد الْجُمْهُور فِي الْعِبَادَات عدم سُقُوط الْقَضَاء بِالْفِعْلِ، وَفِي الْمُعَامَلَات تخلف الْأَحْكَام عَنْهَا وخروجها عَن كَونهَا أسباباً مفيدة للْأَحْكَام
وَعند الْحَنَفِيَّة الْفَاسِد مَا كَانَ مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ غير مَشْرُوع بوصفه.
انْظُر كشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٣٠ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٥ - ٤٦٧.
٢ - هَذِه مَسْأَلَة النَّهْي الْمُطلق عَن التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة، وَهُوَ عِنْد الْحَنَفِيَّة يَقْتَضِي قبحاً لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ لَكِن يكون مُتَّصِلا بِهِ حَتَّى يبْقى الْمنْهِي مَشْرُوعا وَلَا يدل النَّهْي على الْبطلَان كَصَوْم يَوْم الْعِيد حسن مَشْرُوع بِأَصْلِهِ وَهُوَ الْإِمْسَاك لله تَعَالَى فِي وقته فَيكون طَاعَة وقربة، وَهُوَ قَبِيح بوصفه وَهُوَ الْإِعْرَاض عَن الضِّيَافَة الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْوَقْت بِالصَّوْمِ، فَلم تنْقَلب الطَّاعَة مَعْصِيّة بل هُوَ طَاعَة انْضَمَّ إِلَيْهَا وصف هُوَ مَعْصِيّة، وَلذَا ذكر بعض الْحَنَفِيَّة أَن صَوْم يَوْم الْعِيد مَكْرُوه.
انْظُر أصُول الْبَزْدَوِيّ مَعَ كشف الْأَسْرَار ١/٥٥١ - ٥٦١ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ١/٥٢٦ - ٥٢٨ وكشف الْأَسْرَار للنسفي ١/١٤٥ - ١٤٨ وبدائع الصَّنَائِع ٢/٧٨ وَفتح الْقَدِير للكمال ابْن الْهمام ٢/٢٩٨ وَانْظُر الْمَسْأَلَة فِي الْمُسْتَصْفى ٣/٢٠٤ - ٢٠٧.стр. 67
وَأَن الْإِجْزَاء والإثابة يَجْتَمِعَانِ ويفترقان١، فالإجزاء بَرَاءَة الذِّمَّة من عُهْدَة الْأَمر وَهُوَ السَّلامَة من ذمّ الرب أَو عِقَابه٢ وَالثَّوَاب الْجَزَاء على الطَّاعَة٣ وَلَيْسَ الثَّوَاب من مقتضيات مُجَرّد الِامْتِثَال، بِخِلَاف الْإِجْزَاء فَإِن الْأَمر يَقْتَضِي إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ٤.
لَكِن هما مجتمعان فِي الشَّرْع إِذْ قد اسْتَقر فِيهِ أَن الْمُطِيع مثاب والعاصي معاقب.
وَقد يفترقان فَيكون الْفِعْل مجزئاً لَا ثَوَاب فِيهِ إِذا قارنه من الْمعْصِيَة مَا يُقَابل الثَّوَاب كَمَا قيل “رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْعَطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر”٥.
فَإِن عمل الزُّور فِي الصّيام٦ أوجب إِثْمًا يُقَابل ثَوَاب الصَّوْم، وَقد اشْتَمَل
الحواشي
(١) ١ - قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣١٨ “الصِّحَّة لَا تَسْتَلْزِم الثَّوَاب بل يكون الْفِعْل صَحِيحا وَلَا ثَوَاب فِيهِ”.
٢ - انْظُر تَعْرِيفه فِي الْبَحْر الْمُحِيط٢/٤٠٧ و ١/٣١٩ وَشرح الْكَوْكَب ١/٤٦٨ - ٤٦٩ ونثر الْوُرُود ١/٦٣ وَنِهَايَة السول ١/١٠٤.
٣ - انْظُر تَعْرِيفه فِي التعريفات للجرجاني ٧٢ والتعريفات للبركتي ٢٤٤.
٤ - هَذَا قَول عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين ومحققي الْأُصُولِيِّينَ.
انْظُر التَّمْهِيد للكلوذاني ١/٣١٦ ومفتاح الْوُصُول للتلمساني ٣١ وَشرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ٢/٣٩٩ وَالْبَحْر الْمُحِيط ٢/٤٠٦.
٥ - هَذَا حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه ١/٥٣٩ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ٣/٢٤٢ وبوّب لَهُ بقوله: بَاب نفي ثَوَاب الصَّوْم عَن الممسك عَن الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ ارتكابه مَا زجر عَنهُ غير الْأكل وَالشرب” وَصَححهُ الألباني فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب ٤٥٣.
٦ - هَذِه إِشَارَة للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ “من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه” رَوَاهُ البُخَارِيّ. انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٤/٩٣.стр. 68
الصَّوْم على الِامْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ وَالْعَمَل بالمنهي عَنهُ فبرئت الذِّمَّة للامتثال وَوَقع الحرمان للمعصية.
وَقد يكون مثاباً عَلَيْهِ غير مجزئ إِذا فعله نَاقِصا عَن الشَّرَائِط والأركان١ فيثاب على مَا فعل وَلَا تبرا الذِّمَّة إلاّ بِفِعْلِهِ كَامِلا.
وَهَذَا تَحْرِير جيد أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة فَإِن قارنه مَعْصِيّة بِقَدرِهِ تخل بِالْمَقْصُودِ قَابل الثَّوَاب.
وَإِن نقص الْمَأْمُور بِهِ أثيب وَلم تحصل الْبَرَاءَة التَّامَّة فإمَّا أَن يُعَاد وَإِمَّا أَن يجْبر وَإِمَّا أَن يَأْثَم فَتدبر هَذَا الأَصْل فَإِن الْمَأْمُور بِهِ مثل المحبوب الْمَطْلُوب إِذا لم يحصل تَاما لم يكن الْمَأْمُور بَرِيئًا من الْعهْدَة.
فنقصه إِمَّا أَن يجْبر بِجِنْسِهِ أَو بِبَدَل أَو بِإِعَادَة٢ الْفِعْل كَامِلا إِذا كَانَ مرتبطاً وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْعهْدَة كركوب الْمنْهِي عَنهُ.
فَالْأول٣: مثل من أخرج الزَّكَاة نَاقِصا فَإِنَّهُ يخرج التَّمام.
الحواشي
(١) ١ - الْأَركان جمع ركن وَهُوَ فِي اللُّغَة جَانب الشَّيْء الْأَقْوَى. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/٢٢٩
وَفِي الِاصْطِلَاح: مَا لَا وجود للشَّيْء إِلَّا بِهِ أَو مَا يقوم بِهِ الشَّيْء وَكَانَ دَاخِلا فِي ماهيته.
انْظُر الكليات ٤٨١ والتعريفات ١١٢.
٢ - الْإِعَادَة فِي اللُّغَة الإرجاع والتكرير. انْظُر الْقَامُوس الْمُحِيط ١/٣١٩
وَفِي الِاصْطِلَاح: فعل مثل مَا مضى فَاسِدا كَانَ الْمَاضِي أَو صَحِيحا.
وَقيل: فعل الْوَاجِب فِي الْوَقْت مَعَ نوع من الْخلَل ثمَّ فعله ثَانِيًا فِيهِ
انْظُر الْبَحْر الْمُحِيط ١/٣٣٣ وَنِهَايَة الْوُصُول ٢/٥٦٦.
٣ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِجِنْسِهِ.стр. 69
وَالثَّانِي١: مثل من ترك وَاجِبَات الْحَج فَإِنَّهُ يجْبر بِالدَّمِ٢، وَمن ترك وَاجِبَات الصَّلَاة المجبورة بِالسُّجُود٣.
وَالثَّالِث٤: مثل من ضحى بمعيبة٥ أَو أعتق معيبا٦ أَو صلى بِلَا طَهَارَة٧.
الحواشي
(١) ١ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِبَدَل.
٢ - قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي شرح الْعُمْدَة ٢/٢٨٠: “ترك الْوَاجِب بِمَنْزِلَة فعل الْمَحْظُور فِي أَن كلا مِنْهُمَا ينقص النّسك وَأَنه يفْتَقر إِلَى جبران يكون خلفا عَنهُ”.
٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْكَافِي ١/١٦٠: “بَاب سُجُود السَّهْو وَإِنَّمَا يشرع لجبر خلل الصَّلَاة”
وَقَالَ أَيْضا فِي الْكَافِي ١/١٦٦: “تَرَكَ وَاجِبا غير ركن … سَهوا سجد للسَّهْو قبل السَّلَام لما روى عبد الله بن مَالك بن بحينه قَالَ: صلى بِنَا النَّبِي ﷺ الظّهْر فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلم يجلس فَقَامَ النَّاس مَعَه فَلَمَّا قضى الصَّلَاة وانتظر النَّاس تَسْلِيمه كبر فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم” مُتَّفق عَلَيْهِ فَثَبت هَذَا بالْخبر وقسنا عَلَيْهِ سَائِر الْوَاجِبَات”
والْحَدِيث الْمَذْكُور فِي النَّص رَوَاهُ البُخَارِيّ انْظُر صَحِيحه مَعَ فتح الْبَارِي ٣/٧١ - ٧٢ وَمُسلم انْظُر صَحِيحه مَعَ شرح النَّوَوِيّ ٥/٥٩
وَقَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح ٣/٧١: “اخْتلف فِي حكمه فَقَالَ الشَّافِعِيَّة مسنون كُله وَعَن الْمَالِكِيَّة السُّجُود للنقص وَاجِب دون الزِّيَادَة وَعَن الْحَنَابِلَة التَّفْصِيل بَين الْوَاجِبَات غير الْأَركان فَيجب لتركها سَهوا، وَبَين السّنَن القولية فَلَا يجب، وَكَذَا يجب إِذا سَهَا بِزِيَادَة فعل أَو قَول يُبْطِلهَا عمده، وَعند الْحَنَفِيَّة وَاجِب كُله”.
٤ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يجْبر بِإِعَادَة الْفِعْل كَامِلا.
٥ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٤: “أَجمعُوا على أَن العمياء لَا تُجزئ وَكَذَا العوراء الْبَين عورها والعرجاء الْبَين عرجها وَالْمَرِيض الْبَين مَرضهَا والعجفاء”.
٦ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٤٠٣: “من أعتق عَن كَفَّارَة معيبا يعْتق ويثاب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يُجزئ عَن الْكَفَّارَة”.
٧ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح صَحِيح مُسلم ٣/١٠٢: “أَجمعت الْأمة على أَن الطَّهَارَة شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة”.стр. 70
وَالرَّابِع١: مثل من فَوت الْجُمُعَة وَالْجهَاد الْمُتَعَيّن٢.
وَإِذا حصل مُقَارنًا لمحظور يضاد بعض أَجْزَائِهِ لم يكن قد حصل كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ٣.
وَإِن لم يضاد بعض الْأَجْزَاء يكون قد اجْتمع الْمَأْمُور والمحظور كَفعل مَحْظُورَات الْإِحْرَام فِيهِ أَو فعل قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فِي الصّيام.
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فِي الْمَحْظُور كالمأمور:
إِذْ الْمَأْمُور بِهِ إِذا تَركه يسْتَدرك تَارَة بالجبران والتكميل وَتارَة بِالْإِعَادَةِ، وَتارَة لَا يسْتَدرك والمحظور كالمأمور إِمَّا أَن يُوجب فَسَاده فَيكون فِيهِ الْإِعَادَة أَو لَا يسْتَدرك وَإِمَّا أَن يُوجب نَقصه مَعَ الْإِجْزَاء فَيجْبر أَو لَا يجْبر.
وَإِمَّا أَن يُوجب إِثْمًا فِيهِ يُقَابل ثَوَابه.
فَالْأول٤: كإفساد الْحَج٥.
الحواشي
(١) ١ - أَي نقص الْمَأْمُور الَّذِي يبْقى فِي الْعهْدَة وَلَا يجْبر.
٢ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٨/٣٤٦ - ٣٤٧: “وَيتَعَيَّن الْجِهَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع:
أَحدهَا: إِذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الِانْصِرَاف وَتعين عَلَيْهِ الْمقَام.
الثَّانِي: إِذا نزل الْكفَّار بِبَلَد تعين على أَهله قِتَالهمْ ودفعهم.
الثَّالِث: إِذا اسْتنْفرَ الإِمَام قوما لَزِمَهُم النفير”.
٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٣٣٤: “أما فَسَاد الْحَج بِالْجِمَاعِ فِي الْفرج فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على أَن الْحَج لَا يفْسد بإتيان شَيْء فِي حَال الْإِحْرَام إِلَّا الْجِمَاع”.
٤ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَيكون فِيهِ الْإِعَادَة.
٥ - قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوع ٧/٣٨٩ “يجب على مُفسد الْحَج أَو الْعمرَة الْقَضَاء بِلَا خلاف”.стр. 71
وَالثَّانِي١: كإفساد الْجُمُعَة.
وَالثَّالِث٢ كَالْحَجِّ مَعَ محظوراته٣.
وَالرَّابِع٤: كَالصَّلَاةِ مَعَ مُرُور الْمُصَلِّي٥ أَمَامه٦.
وَالْخَامِس٧: كَالصَّوْمِ مَعَ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ٨
فَهَذِهِ الْمسَائِل مَسْأَلَة الْفِعْل الْوَاحِد وَالْفَاعِل الْوَاحِد وَالْعين الْوَاحِدَة هَل يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَحْمُودًا مذموماً، مرضياً مسخوطاً، محبوباً مبغضاً، مثاباً معاقباً، متلذذاً متألماً؟ يشبه بَعْضهَا بَعْضًا والاجتماع مُمكن من وَجْهَيْن، لَكِن من وَجه وَاحِد مُتَعَذر، وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
الحواشي
(١) ١ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب الْفساد وَلَا يسْتَدرك.
٢ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَيجْبر.
٣ - قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي ٣/٤٩٢: “على الْمحرم فديَة إِذا حلق رَأسه وَلَا خلاف فِي ذَلِك قَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْعلم على وجوب الْفِدْيَة على من حلق وَهُوَ محرم بِغَيْر عِلّة”
٤ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب النَّقْص مَعَ الْإِجْزَاء وَلَا يجْبر.
٥ - كَذَا فِي المطبوع ولعلها “مَعَ مُرُور أحد أَمَامه” أَو نَحْوهَا وَالله أعلم.
٦ - قَالَ الصَّنْعَانِيّ فِي سبل السَّلَام ١/٢٢٨ “وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يقطعهَا شَيْء وتأولوا الحَدِيث بِأَن المُرَاد بِالْقطعِ نقص الْأجر لَا الْإِبْطَال، قَالُوا: - لشغل الْقلب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء”.
وَقَالَ فِي سبل السَّلَام ١/٢٣١ فِي مَسْأَلَة دفع الْمَار بَين الْمُصَلِّي وسترته: “وَقد اخْتلف فِي الْحِكْمَة الْمُقْتَضِيَة لِلْأَمْرِ بِالدفع فَقيل لدفع الْإِثْم عَن الْمَار، وَقيل لدفع الْخلَل الْوَاقِع بالمرور فِي الصَّلَاة، وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح لِأَن عناية الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أهم من دَفعه الْإِثْم عَن غَيره، قلت: - وَلَو قيل إِنَّه لَهما مَعًا لما بعد فَيكون لدفع الْإِثْم عَن الْمَار … ولصيانة الصَّلَاة عَن النُّقْصَان من أجرهَا”.
٧ - أَي الْمَحْظُور الَّذِي يُوجب إِثْمًا فِي الْعَمَل يُقَابل ثَوَابه.
٨ - قد تقدم فِي ص ٤١٩.стр. 72
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١“٢.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة آيَة رقم ٢١٩.
ويقصد شيخ الْإِسْلَام من إِيرَاد هَذِه الْآيَة أَنه اجْتمع فيهمَا الْأَمْرَانِ من جِهَتَيْنِ:
فَمن جهةٍ فيهمَا إِثْم كَبِير فِي الدّين.
وَمن جِهَة أُخْرَى فيهمَا مَنَافِع للنَّاس من جِهَة الدُّنْيَا من حَيْثُ إِن فِي الْخمر لَذَّة الشدَّة المطربة وَكَذَا بيعهَا وَالِانْتِفَاع بِثمنِهَا، وَفِي الميسر مَا كَانَ يَأْخُذهُ بَعضهم فينفقه على نَفسه أَو عِيَاله، وَلَكِن هَذِه الْمصَالح لَا توازي الْمضرَّة والمفسدة الراجحة فيهمَا لتعلقها بِالْعقلِ وَالدّين وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْآيَة ممهدة لتَحْرِيم الْخمر على الْبَتَات.
انْظُر تَفْسِير ابْن كثير ١/٢٥٦
٢ - مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٦ - ٣٠٥.стр. 73
الخاتمة
بعد أَن استعرضنا كَلَام شيخ الْإِسْلَام وناصر السّنة المؤصل النفيس فِي مبحثي الْإِرَادَة فِي الْأَمر، وَالْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ ألخص هُنَا أهم النقاط فِي هذَيْن المبحثين:
١ - أَن مَبْحَث الْإِرَادَة فِي الْأَمر يرجع إِلَى مَسْأَلَة الْقدر وَمَسْأَلَة إِرَادَة الرب سُبْحَانَهُ المبحوثة فِي أصُول الدّين.
٢ - أَن الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على نَوْعَيْنِ:
أ - الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة الخلقية الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث.
ب - الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي بِمَعْنى الْمحبَّة والرضى.
٣ - أَنه لعدم معرفَة الْفرق بَين الإرادتين وَقع الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة فِي الْأَمر فِي أصُول الْفِقْه
٤ - أَن الْأُصُولِيِّينَ يذكرُونَ فِي كتبهمْ أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ: -
القَوْل الأول: الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا وَهُوَ قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة.
القَوْل الثَّانِي: الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة من غير تَفْصِيل وَهُوَ قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وينسبه الأصوليون لِلْجُمْهُورِ.
٥ - أَن فِي الْمَسْأَلَة قولا ثَالِثا لَا يذكر فِي كتب الْأُصُول غَالِبا وَهُوَ أَن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة الأمرية، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية، وَهَذَا هُوَ قَول السّلف وأئمة الْفِقْه.
٦ - أَن القَوْل الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَة هُوَ القَوْل الثَّالِث قَول السّلف وأئمة الْفِقْه وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ القرءان.
يَقُول الله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه الْإِرَادَة
стр. 74
الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَالْأَمر مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.
وَيَقُول الله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأجمعت الْأمة على قَول “مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن” وَهَذِه الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَالْأَمر غير مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.
٧ - أَن مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مُرْتَبِط بِمَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.
٨ - أَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان فَهُوَ مُطِيع عاصٍ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون.
٩ - أَن مَذْهَب الْخَوَارِج أَن مرتكب الْكَبِيرَة يكفر بذلك وَيخرج من الْإِيمَان
١٠ - أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن مرتكب الْكَبِيرَة من أهل مِلَّة الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر فَهُوَ فِي منزلَة بَين المنزلتين.
١١ - أَن الْمُعْتَزلَة والخوارج اتَّفقُوا على أَن مرتكب الْكَبِيرَة مخلد فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة.
١٢ - أَن بعض الْأُصُولِيِّينَ وافقوا الْمُعْتَزلَة فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.
١٣ - أَن من الْأُصُولِيِّينَ من جعل مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مبحثاً عقلياً وَقَالَ إِن ذَلِك يمْتَنع عقلا.
١٤ - أَن للأصوليين فِي مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أَرْبَعَة أَقْوَال:
القَوْل الأول: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا وباطل شرعا.
القَوْل الثَّانِي: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وباطل شرعا فالمانع سَمْعِي.
القَوْل الثَّالِث: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وسمعاً، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء.
стр. 75
القَوْل الرَّابِع: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا ووارد سمعا، وَهَذَا معنى قَوْلهم “حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ” وَهَذَا قَول الباقلاني والرازي والآمدي وَهُوَ أفسد الْأَقْوَال عِنْد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية.
١٥ - أَن الصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن ذَلِك جَائِز عقلا.
١٦ - أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق.
١٧ - أَن الصَّلَاة قد يُؤمر بهَا مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي، وَيكون العَبْد هُوَ الَّذِي جمع بَين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ إِذا صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة، لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا.
١٨ - أَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة: إِنَّه إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهَا لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهَا فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن جنس فعله فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ.
١٩ - وَأَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة: إِنَّه مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بهَا كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ النَّجس لِأَن الْمَكَان شَرط فِي الصَّلَاة وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة.
٢٠ - أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة وَقد تقارنه مَعْصِيّة بقدرة تخل بِالْمَقْصُودِ فتقابل الثَّوَاب.
٢١ - أَن الْعَمَل الْوَاحِد يُمكن أَن يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من وَجْهَيْن أما من وَجه وَاحِد فمتعذر.