← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3561

من الهدي النبوي في تربية البنات

محمد بن يوسف عفيفي

Полный текст (39 стр.). Показаны 1–39.

стр. 1

الْ مُقدمَة الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نَبينَا مُحَمَّد الأسوة الْحَسَنَة وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ؛ وَبعد: كَانَت وَلَا تزَال قَضِيَّة تربية الْبَنَات تشكل حيزاً فكرياً واجتماعياً، فقد كَانَت الْبِنْت فِي الْجَاهِلِيَّة مثار قلق وإزعاج لِلْأَبَوَيْنِ، وَكم كَانَت تظلم فِي سَبِيلهَا الْأُم متهمة بِأَنَّهَا السَّبَب فِي إنجاب الْبَنَات. والْحَدِيث عَن تربية الْبَنَات حَدِيث متجدد لَا يَنْتَهِي؛ لِأَن الْبِنْت بِحكم فطرتها وطبيعتها تحْتَاج إِلَى رِعَايَة خَاصَّة إعداداً للدور الْكَبِير الَّذِي ينتظرها فِي الْحَيَاة: أَن تكون زَوْجَة صَالِحَة وَأما ناجحة فِي الْمُسْتَقْبل، وَخير النِّسَاء من تعتني بزوجها وَأَوْلَادهَا، فقد ورد فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "خير نسَاء ركبن الْإِبِل نسَاء قُرَيْش، أحناه على ولد فِي صغره، وأرعاه على زوج فِي ذَات يَده" ١. وَفِي هَذَا يَقُول مُحَمَّد نور سُوَيْد: "للْمَرْأَة دورٌ تاريخي فِي حَيَاة المجتمعات فقد تنْتج ولدا مصلحاً للمجتمع يَقُود الْأمة إِلَى الْخَيْر وَالْقُوَّة"٢. وَلَكِن كَيفَ نربي بناتنا ونعدهن لهَذِهِ المهمة الْكُبْرَى؟ الْجَواب بِلَا شكّ أَنه بِاتِّبَاع هدي النَّبِي ﷺ فِي تربية بَنَاته ﵅.

стр. 2

وفِي هَذَا الْبَحْث سَوف يتَنَاوَل الباحث الحَدِيث عَن جَوَانِب من هدي النَّبِي – ﷺ فِي تَرْبِيَته لبنَاته –﵅ لَعَلَّ الْقَارئ يجد فِيهِ الْفَائِدَة والعون على تربية بَنَاته. وَقد تضمن الْبَحْث الموضوعات التالية: أَولا: (التَّعْرِيف بالبحث) ويشتمل على مَا يَلِي: ١- هدف الْبَحْث. ٢- أهمية الْبَحْث. ٣- سَبَب اخْتِيَار الْبَحْث. ٤- حُدُود الْبَحْث. ٥- مَنْهَج الْبَحْث. ٦- مصطلحات الْبَحْث. ثَانِيًا: الدراسات السَّابِقَة. ثَالِثا: الإطار النظري. رَابِعا: تربية النَّبِي – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الطفولة. خَامِسًا: رِعَايَة النَّبِي – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الصِّبَا. سادساً: تَزْوِيج النَّبِي – ﷺ لبنَاته. سابعاً: رِعَايَة النَّبِي – ﷺ لبنَاته بعد الزواج. ـ نتائج الْبَحْث. ـ التوصيات. ـ المراجع.

стр. 3

أَولا – التَّعْرِيف بالبحث: ١- هدف الْبَحْث: يهدف الْبَحْث إِلَى التَّعْرِيف بجوانب من هدي النَّبِي – ﷺ فِي تربية الْبَنَات من خلال تتبع منهجه – ﷺ فِي تربية بَنَاته ﵅ ٢- أهمية الْبَحْث: سَوف يعين الْبَحْث –إِن شَاءَ الله– الْآبَاء والأمهات على تربية بناتهم وفقاً للهدي النبويّ، والْوَالِدَان فِي حَاجَة دائمة إِلَى مَا يعينهم ويرشدهم فِي تربية أبنائهم وبناتهم. وَهُنَاكَ الْكثير الَّذِي كُتب عَن تربية الْأَوْلَاد سَوَاء الْمُؤلف مِنْهُ، أَو المترجم ولكننا بحاجة ماسَّة إِلَى الْقِرَاءَة، والتدبر فِي سيرة النَّبِي – ﷺ والاستفادة مِنْهَا وَاتِّبَاع مَا جَاءَ فِيهَا فِي جَمِيع شؤوننا حَتَّى لَا نتخبط وتفترق بِنَا السبل. ٣- سَبَب اخْتِيَار الْبَحْث: كثيرا مَا يعْتَرض الْآبَاء والأمهات بعض المشاكل فِي تربية الْأَبْنَاء فيقف الْوَالِدَان أَحْيَانًا موقف الحائر بحثا عَن أنجح الأساليب التربوية الَّتِي تعينهم على تخطي هَذِه المشكلة، والْحل قريب مِنْهُم جدا إِنَّه فِي اتِّبَاع هدى النَّبِي – ﷺ فِي التربية بل فِي كَافَّة الْأُمُور. وَقد اخْتَار الباحث الْكِتَابَة عَن تربية الْبَنَات؛ لِأَن النَّبِي – ﷺ كَانَ أَبَا لبنات، رباهن طيلة حَيَاته، وعاش مَعَهُنَّ لَحْظَة لَحْظَة فِي جَمِيع مراحل حياتهن من الْولادَة إِلَى الْوَفَاة فَكل أَوْلَاده توفى قبله إِلَّا فَاطِمَة –﵂ فَإِنَّهَا تَأَخَّرت بعده بِسِتَّة أشهر١.

стр. 4

٤- حُدُود الْبَحْث: سَوف يتَنَاوَل الْبَحْث الحَدِيث عَن جَوَانِب من هدي النَّبِي – ﷺ فِي تَرْبِيَته لبنَاته مُنْذُ مولدهن إِلَى وفاتهن على النَّحْو التَّالِي: ـ جَوَانِب من رعايته – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الطفولة. ـ جَوَانِب من رعايته – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الصِّبَا. ـ جَوَانِب من هَدْيه – ﷺ فِي تَزْوِيج بَنَاته. ـ جَوَانِب من هَدْيه – ﷺ فِي رعايته لبنَاته بعد الزواج. ٥- مَنْهَج الْبَحْث: سَوف يتبع الباحث الْمنْهَج التاريخي فِي التعرف على جَوَانِب من هدي النَّبِي – ﷺ فِي تَرْبِيَته لبنَاته –﵅ ومحاولة استنباط الْفَوَائِد التربوية مِمَّا كتب عَن سيرة بَنَات النَّبِي – ﷺ وَالتَّعْلِيق عَلَيْهَا، وَبَيَان تطبيقاتها التربوية. ٦- مصطلحات الْبَحْث: الهَدِيُّ: الطَّرِيقَة يُقَال مَا أحسن هَدِيَّةَ فلَان وهَدْيَهُ أَي طَرِيقَته ١. تربية: كلمة مُشْتَقَّة من (الرب) الرَّاء وَالْبَاء المضعفة وتَعْنِي رَبَّاه وأحسَنَ الْقيام عَلَيْهِ جَاءَ فِي لِسَان الْعَرَب رَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرِبَّه بِمَعْنى رَبَّاه وأحسَنَ الْقيام عَلَيْهِ حَتَّى

стр. 5

يُفَارق الطفُّوُلِيةَ سَوَاء كَانَ ابْنه أَو لم يكن، والصَّبي مَرْبُوبٌ ورَبِيبٌ١ ويقْصد بالتربية فِي هَذَا الْبَحْث طرق الرِّعَايَة والتنشئة من الطفولة حَتَّى الْكبر. مرحلة الطفولة: هِيَ مرحلة من مراحل عمر الْإِنْسَان تبدأ من سنّ سنتَيْن حَتَّى قرب سنّ الْبلُوغ وَقسمهَا بعض عُلَمَاء التربية إِلَى أَقسَام هِيَ٢: الطفولة المبكرة من ٢-٦ سنوات. الطفولة المتوسطة من ٦-٩سنوات. الطفولة الْمُتَأَخِّرَة من ٩-١٢ سنة. وَفِي هَذَا الْبَحْث يقْصد بهَا المرحلة من الْعُمر من الْولادَة إِلَى قبيل التَّكْلِيف وَتحمل المسؤولية. مرحلة الصِّبَا: وَهِي المرحلة من الْعُمر الَّتِي تعقب مرحلة الطفولة وتعرف عِنْد عُلَمَاء التربية بالمراهقة "الَّتِي تَعْنِي التدرج نَحْو النضج البدني، والجنسي والعقلي، والانفعالي، والاجتماعي"٣

стр. 6

ثَانِيًا: الدراسات السَّابِقَة: مُعظم الأبحاث الَّتِي كُتبت فِي تربية الْأَوْلَاد تحدثت عَن تربية الْوَلَد وَالْبِنْت على حد سَوَاء، وَلم ينْفَرد بِالْحَدِيثِ عَن تربية الْبَنَات إلاَّ الْقَلِيل جدا ولابأس فِي ذَلِك لِأَن الْبِنْت وَالْولد أَمَانَة لَدَى الْوَالِدين وسوف يسألان عَنْهُمَا يَوْم

стр. 7

الْقِيَامَة؛ لذا أوجب عَلَيْهِمَا الْإِسْلَام الاهتمام بذريتهما ذُكُورا وإناثاً وتربيتهم على الْأَخْلَاق الفاضلة يَقُول الإِمَام ابْن الْقيم – ﵀: "وَمِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ الطِّفْل غَايَة الِاحْتِيَاج الاعتناء بِأَمْر خُلقه، فَإِنَّهُ ينشأ عَمَّا عوّده المربي فِي صغره من حر وَغَضب ولجاج وعجلة وخفة مَعَ هَوَاهُ، وطيش وحدة وجشع، فيصعب عَلَيْهِ فِي كبره تلافي ذَلِك، وَتصير هَذِه الْأَخْلَاق صِفَات وهيئات راسخة لَهُ، فَلَو تحرز مِنْهَا غَايَة التَّحَرُّز فضحته ولابد يَوْمًا مَا، وَلِهَذَا تَجِد أَكثر النَّاس منحرفة أَخْلَاقهم وَذَلِكَ من قبل التربية الَّتِي نَشأ عَلَيْهَا"١. وفِيمَا يَلِي يستعرض الباحث بعض الدراسات السَّابِقَة الَّتِي اسْتَفَادَ مِنْهَا وَيبين كَيفَ تلتقي هَذِه الدراسات ببحثه: ١ـ بحث بعنوان: (الْبِنْت الْمسلمَة بَين الْوَاقِع والتشريع) ٢. يرى الباحث أَن الحَدِيث عَن الْمَرْأَة لَا يَنْتَهِي وَأَن هُنَاكَ من يثيره من فَتْرَة إِلَى أُخْرَى، وَأَن النظرة لهَذَا الْمَوْضُوع مُتعَدِّدَة الاتجاهات: الاتجاه الأول: ينظر إِلَى مَوْضُوع الْمَرْأَة نظرة شَرْعِيَّة وفقاً لما جَاءَ فِي الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ يحكم الْوَحْي الإلهي وَيعْتَبر مَا خَالفه فَسَادًا وخسراناً مُبينًا للبشرية الرجل وَالْمَرْأَة على حد السوَاء. الاتجاه الثَّانِي: يحكم فِي الْمَرْأَة الْعَادة وَيعْتَبر اتِّبَاع هَذِه الْعَادَات والتقاليد الموروثة وَلَاء للسابقين. الاتجاه الثَّالِث: هُوَ الاتجاه الَّذِي انبهر بالحضارة المادية فِي كل شيىء فَأَصْبَحت الْمَرْأَة تعيش فِيهِ حَيَاة غربية. وعالج الباحث مَوْضُوع الْمَرْأَة بِالْحَدِيثِ عَن الْبِنْت بِذكر بعض المسلمات

стр. 8

عَنْهَا وَهِي: أَن الْبِنْت إِنْسَان كالذكر فِي إنسانيتها وَأَن الشَّرْع جَاءَ ليخاطب الذّكر وَالْأُنْثَى على حد السوَاء، وَأَن احترامها كإنسان يُوجب علينا الْعِنَايَة بهَا فِي مراحل الطفولة وَالصبَا عناية شَامِلَة لجَمِيع الجوانب الجسمية، والخلقية، والفكرية. ثمَّ بيَّن الباحث حَال الْمَرْأَة قبل الْإِسْلَام كَيفَ أَنَّهَا سلبت جَمِيع حُقُوقهَا بل وصل الْحَال بالعرب قبل الْإِسْلَام بدفنها حَيَّة خشيَة الْعَار، وَلما جَاءَ الْإِسْلَام غير النظرة إِلَى الْمَرْأَة وَحفظ لَهَا حُقُوقهَا فِي: الْإِرْث قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ ١. ومنحها حق الْمُوَافقَة على الزَّوْج الَّذِي سَوف ترتبط بِهِ، وَوضع الْإِسْلَام الْولَايَة بيد وَليهَا بِدُونِ تعسف أَو تسلط فمهمة الْوَلِيّ مساعدتها على حسن الِاخْتِيَار وَلَيْسَ لَهُ الْحق فِي قسرها على الزواج بِمن لَا ترْضى أَن تقترن بِهِ، بل تستأذن قبل الزواج حَتَّى تُقَام أسرتها على أساس سليم قوي. وَفرض عَلَيْهَا الْإِسْلَام الْحجاب وأمرها بالعفة والستر. وبيّن حَال بعض النِّسَاء من ترك للحجاب وَالْقَبُول بِمَا ارْتَضَاهُ الغرب للْمَرْأَة من أَن تكون أَدَاة للإغراء ووسيلة لتسويق السّلع. ويري الباحث أَن السَّبِيل الوحيد إِلَى صِيَانة الْبِنْت وحفظها: هُوَ التَّمَسُّك بِالدّينِ وتطبيقه فِي جَمِيع جَوَانِب الْحَيَاة. وَهَذِه الدراسة تتفق مَعَ الدراسة الحالية فِي بَيَان أهمية التَّمَسُّك بدين الله، وتربية الْبَنَات وفقاً لما أَرَادَ الله ، وَجَاء بِهِ نَبينَا مُحَمَّد – ﷺ ، وَأَن تُمنح الْبِنْت جَمِيع حُقُوقهَا الَّتِي كفلها لَهَا الْإِسْلَام.

стр. 9

٢ـ بحث بعنوان: (دور الْأُم فِي تربية الطِّفْل الْمُسلم) ١. بدأت الباحثة الحَدِيث عَن حَال الْمَرْأَة فِي العصور السَّابِقَة لِلْإِسْلَامِ وَكَيف أَنَّهَا كَانَت: عِنْد الهنود لَا شيىء يذكر وَأَن أَحْقَر الْأَشْيَاء أفضل مِنْهَا، وَفِي شَرِيعَة حمورابي كَانَت الْمَرْأَة تعد من الْمَاشِيَة، وَعند اليونانيين أعلن أرسطو أَنه لَيْسَ لَدَيْهَا اسْتِعْدَادًا عقلياً يُعتز بِهِ، وَفِي الْيَهُودِيَّة المحرفة اعْتبرت الْمَرْأَة فِي أَيَّام الْحيض نَجِسَة تحبس فِي الْبَيْت، وَبَالغ رجال الْكَنِيسَة فِي إهدار شَأْنهَا والحط من قيمتهَا وَحملُوهَا مسئولية خراب المجتمعات وانتشار الْفَوَاحِش والمنكرات، وَفِي الْجَاهِلِيَّة الْعَرَبيَّة اعْتبرت الْمَرْأَة من سقط الْمَتَاع الَّذِي يُورث وَكَانَت تدفن حَيَّة؛ خشيَة الْعَار ثمَّ بيّنت الباحثة مكانة الْمَرْأَة الَّتِي خصها بهَا الْإِسْلَام. وَفِي الْفَصْل الرَّابِع من هَذِه الرسَالَة تحدثت الباحثة عَن طَريقَة الْأُم فِي تربية الطِّفْل الْمُسلم، وَأَن مسئولية التربية فِي مرحلة الطفولة المبكرة تقع على الْأُم فَهِيَ المسؤولة عَن نظافته النَّظَافَة الَّتِي تريح أعصابه وتوفر لَهُ الِاسْتِقْرَار النَّفْسِيّ، وَأَنَّهَا قدوة متحركة فِي أرجاء الْبَيْت فَهِيَ بسلوكها وَحسن خلقهَا تجْعَل أطفالها ينشئون على خِصَال الْخَيْر كالصدق وَالْأَمَانَة فعلَيْهَا تقع مسئولية عَظِيمَة فِي ذَلِك، إِذْ أَن علاقتها تزداد قُوَّة وتنمو يَوْمًا بعد يَوْم مَعَ طفلها الَّذِي يَعْتَبِرهَا الشَّخْص الوحيد فِي حَيَاته الَّذِي يتعامل مَعَه لَا سِيمَا فِي سنواته الأولى. وَهَذِه الدراسة تتفق مَعَ الدراسة الحالية فِي التَّأْكِيد على أَن الْإِسْلَام حفظ للْمَرْأَة حُقُوقهَا، وَأَن دور الْأُم فِي التربية دور هام وبالذات فِي مرحلة الطفولة المبكرة، وَأَنَّهَا قدوة لأولادها فلابد أَن تكون قدوة حَسَنَة. ٣ ـ دراسة بعنوان: (مسؤولية الْأَب الْمُسلم فِي تربية الْوَلَد فِي مرحلة

стр. 10

الطفولة) هَذِه الرسَالَة نافعة تَضَمَّنت الْكثير من مبادئ التربية الإسلامية، فِي المبحث الْخَامِس مِنْهَا تكلم الباحث عَن دور الْأُم فِي التربية وَأَن لَهَا وَظِيفَة هَامة فِي التربية بِالنِّسْبَةِ للطفل الصَّغِير خَاصَّة، وأَن بناءها الجسمي والنفسي مُهَيَّأ لتحمل أعباء التربية والحضانة والاعتناء بالطفل، فَلَا يَسْتَطِيع الرجل أَن يسد مَكَان الْأُم ودورها فِي التربية، لِأَن دورها لَا يقْتَصر فَقَط على الْعِنَايَة بمأكله، ومشربه، وملبسه بل أَن دورها الْأَكْبَر والأعظم هُوَ ذَلِك الْحبّ المتدفق من قَلبهَا على الْوَلَد، وَذَلِكَ الحنان الَّذِي يشْعر الْوَلَد فِيهِ بالأمن والسعادة فينمو بدنه وعقله وَنَفسه نمواً متكاملاً. وَهَذَا مَا أكدته الدراسة الحالية من أَن بَنَات النَّبِي – ﷺ حظين بحب وَعطف ورعاية أمهن أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة بنت خويلد-﵂ فنشئن نشأة متميزة؛ نظرا لما اتصفت بِهِ أمهن خَدِيجَة من حِكْمَة ورجاحة عقل.

стр. 11

٤ ـ مقالات فِي تربية الْبَنَات: أ – مكانة الْبَنَات١. بيّن الْكَاتِب كَيفَ كَانَ حَال الْبِنْت قبل الْإِسْلَام وَأَنَّهَا كَانَت تعْتَبر نوعا من الْبلَاء الَّذِي يسْتَحق التَّخَلُّص مِنْهُ فَكَانُوا يَقُولُونَ: "دفن الْبَنَات من المكرمات"، ثمَّ تحدث عَمَّا كَانَت تَلقاهُ الْمَرْأَة من سوء الْمُعَامَلَة بِسَبَب إنجاب الْبَنَات فقد تهجر ويُغضب عَلَيْهَا لَا لشييء إلاّ لِأَنَّهَا أنجبت بِنْتا فقد حدث أَن أَبَا حَمْزَة الضَّبِّيّ هجر زَوجته لِأَنَّهَا ولدت بِنْتا ثمَّ مر ذَات يَوْم على بَيتهَا فَسَمعَهَا تنشد لبنتها وَتقول: مَا لأبي حَمْزَة لَا يأتينا ... يظل فِي الْبَيْت الَّذِي يلينا غَضْبَان أَلا نَلِد البنينا ... تا الله مَا ذَلِك فِي أَيْدِينَا وَإِنَّمَا نَأْخُذ مَا أعطينا ... وَنحن كَا لأرض لزارعينا وَقد تَغَيَّرت هَذِه النظرة فِي الْإِسْلَام فحثَّ على حسن رِعَايَة الْبِنْت وتربيتها ووعد من يحسن إِلَيْهَا بِالْخَيرِ الْكثير وَالثَّوَاب الجزيل من الله –كَمَا ورد فِي مُقَدّمَة الْبَحْث- وأجمل الْكَاتِب التعاليم الإسلامية فِي تربية الْبَنَات فِيمَا يَلِي: ١- أَن يحسن الْإِنْسَان تربية الْبِنْت وتأديبها وَتَعْلِيمهَا. ٢- أَن ينْفق عَلَيْهَا وَيُؤَدِّي إِلَيْهَا حُقُوقهَا. ٣- أَن لَا يفضل عَلَيْهَا أحدا من الْبَنِينَ. ٤- أَن يُلَاحظ رقتها فَلَا يخشن مَعهَا فِي الْمُعَامَلَة. ٥- أَن يحسن اخْتِيَار الزَّوْج لَهَا حَتَّى يسعدها. ٦- أَن لَا يرغمها على التَّزَوُّج بِمن تكرههُ. ٧- أَن يوّدها ويصلها بعد الزواج.

стр. 12

وَهَذَا الْمقَال يُؤَيّد مَا توصل إِلَيْهِ الباحث من أَنه يجب الْإِحْسَان إِلَى الْبِنْت بِحسن التربية وَالرِّعَايَة، وَاخْتِيَار الزَّوْج الْكُفْء لَهَا، وَأَن لَا يُرغمها وَليهَا على الزواج بِمن تكره وَأَن يوّدها والدها بعد الزواج. ب- مقَال بعنوان: (كَيفَ نربي بناتنا على الْحجاب؟) ١: يهدف هَذَا الْمقَال إِلَى وضع أسلوب عَمَلي يَجْعَل الْبِنْت ترتدي الْحجاب عَن رَغْبَة طَمَعا فِي طَاعَة الله وثواب الْآخِرَة وَلَيْسَ لبسه لعادة اجتماعية فَقَط. ويري الْكَاتِب أَن الأسلوب الأمثل فِي تربية الْبِنْت على الْحجاب هُوَ تعويدها مُنْذُ الصغر (قبل الْبلُوغ) على لبسه قِيَاسا على أَمر النَّبِي – ﷺ بِأَمْر الْأَوْلَاد بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع سِنِين؛ لِأَن الطفولة الْمُتَأَخِّرَة من سنّ (٧-١١) سنة تسمى مرحلة الطفولة الهادئة فِيهَا يتَقَبَّل الطِّفْل من وَالِديهِ. أما عِنْدَمَا يدْخلُونَ مرحلة الْبلُوغ والمراهقة فَإِنَّهُم يبحثون عَن مثل أَعلَى خَارج الْبَيْت ويجدونه غَالِبا فِي مَجْمُوعَة الرفاق فِي الْمدرسَة. ثمَّ تكلم عَن وَسَائِل غرس فَضِيلَة الْحجاب وَهِي: ١- أَن تُلقن الْبِنْت مُنْذُ سنّ الرَّابِعَة أَو الْخَامِسَة حب الله وَحب رَسُوله – ﷺ ، وَوُجُوب طَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله – ﷺ رَغْبَة فِي الْأجر وَالثَّوَاب. وَكَذَلِكَ حب الْوَالِدين وَوُجُوب طاعتهما طَمَعا فِي ثَوَاب الله فَقَط وجنته، ولقص الْقَصَص عَلَيْهِنَّ أثر ممتاز فِي غرس هَذِه الْقيم فِي نفوسهن. ٢- أَن يُعوّد الْوَالِدين الْأَطْفَال على ستر الْعَوْرَة مُنْذُ الرَّابِعَة من الْعُمر. ٣- أَن تُؤمر الطفلة مُنْذُ الْخَامِسَة من عمرها على تَغْطِيَة شعرهَا كلما خرجت من الْبَيْت كي تعتاد على ذَلِك.

стр. 13

٤- أَن ترغب الْبِنْت فِي الْحجاب مُنْذُ السَّادِسَة ثمَّ تُؤمر بالحجاب الْكَامِل فِي السَّابِعَة. ٥- أَن تُعوّد الطفلة مُنْذُ السَّابِعَة كَذَلِك على عدم الِاخْتِلَاط بالذكور من غير محارمها، وَأفضل وَسِيلَة لذَلِك كُله الْقدْوَة الْحَسَنَة من أمهَا وَأُخْتهَا الْكُبْرَى، وتمنع من الِاخْتِلَاط مَعَ أقاربها الذُّكُور كأبناء الْخَالَة وَأَبْنَاء الْعم وَغَيرهم. ٦- أَن تلقن الْبِنْت مُنْذُ السَّابِعَة من عمرها آيَات الْحجاب، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة الْوَارِدَة فِي الْحجاب وَيبين لَهَا مضار التبرج والاختلاط. وأكد فِي نِهَايَة الْمقَال على أهمية التربية الإسلامية للْبِنْت لِأَنَّهَا الخطوة الأساسية فِي بِنَاء الْمُجْتَمع السَّلِيم. ويلتقي هَذَا الْمقَال مَعَ الْبَحْث الحالي فِي أهمية أَن تكون الْأُم، وَالْأُخْت الْكُبْرَى قدوة للْبِنْت. فقد كَانَت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة بنت خويلد –﵂– قدوة لبناتها، وَكَانَت ابْنَتهَا الْكُبْرَى زَيْنَب –﵂– قدوة لأخواتها. وَمَا يؤكده الْكَاتِب فِي نِهَايَة مقاله هُوَ مَا يؤكده الباحث فِي هَذَا الْبَحْث من أَن التربية الإسلامية للْبِنْت هِيَ الخطوة الأساسية فِي بِنَاء الْمُجْتَمع السَّلِيم، وَأَن هَذِه التربية تبدأ من الصغر حَتَّى تعتاد عَلَيْهَا الْبِنْت.

стр. 14

ثَالِثا - الإطار النظري للبحث: أجمع المؤرخون أَن للنَّبِي – ﷺ أَربع بَنَات كُلهنَّ أدركن الْإِسْلَام، وهاجرن هن: (فَاطِمَة ﵍: ولدت قبل النُّبُوَّة بِخمْس سِنِين، وَزَيْنَب تزَوجهَا الْعَاصِ بن الرّبيع ﵁، ورقية وَأم كُلْثُوم تزوجهما عُثْمَان بن عَفَّان –﵁ تزوج أم كُلْثُوم بعد رقية) ١. وَفِي هَذَا يَقُول الشَّاعِر: أولادهُ القاسمُ وهوَ يكنى ... بهِ وَعبد الله هدىُ الأبنا والطاهرُ الطّيب فاسمُ الثَّانِي ... وقيلَ بلْ سواهُ أخوانِ مَاتُوا صغَارًا لم يرواْ نبوَّة ... وزينبُ فاطمةُ رقية وأمُّ كلثومَ وكلهمْ ولدْ ... خديجةٍ وبعدهمْ لهُ ولدْ آخرا إبراهيمُ من سَرِيَّة ... وتلكمُ ماريةُ الْقبْطِيَّة وكلهمْ قدْ ماتَ فِي حَيَاته ... إلاّ البتولَ فَإلَى وفاتهِ٢ والْحِكْمَة من أَن النَّبِي – ﷺ أَبَا للبنات –الله أعلم بهَا- ويرجعها الْبَعْض لأسباب مِنْهَا: أَن الْبِنْت فِي عُرف الْعَرَب قبل الْإِسْلَام عَار يسْتَحق الدّفن حَيا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ

стр. 15

الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. جَاءَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: بِأَن الكظيم هُوَ الكئيب من الْهم، ويمسكه على هون: أَي يبْقى الْبِنْت مهانة لَا يُورثهَا وَلَا يعتني بهَا ويفضل أَوْلَاده الذُّكُور عَلَيْهَا٢. فشاء الله أَن يكون النَّبِي مُحَمَّد ﷺ أَبَا لبنات ليَكُون الْقدْوَة للْمُؤْمِنين فِيمَا يَنْبَغِي للْبِنْت من حُقُوق ومكانة لائقة أقرها لَهَا الدّين الإسلامي الحنيف. فأبوة الرَّسُول – ﷺ لبنَاته حَدثا جَدِيدا فِي حَيَاة الْمَرْأَة، وَفِي هَذَا قَالَ عمر بن الْخطاب – ﵁ –: "وَالله إِن كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة مَا نعد للنِّسَاء أمرا حَتَّى أنزل الله فِيهِنَّ مَا أنزل وَقسم لَهُنَّ مَا قسم" ٣. وَمِنْهَا أَيْضا -وَالله أعلم- (حَتَّى يكون النَّبِي – ﷺ بَعيدا عَن تُهْمَة الاستنصار بِالْوَلَدِ، والاعتماد عَلَيْهِ) ٤ كَمَا هِيَ عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِك الْوَقْت. بل أَن مَا جَاءَ بِهِ من دين نُشر فِي الأَرْض لِأَنَّهُ هُوَ الْحق وَلَا حق سواهُ، وَالْحق دَائِما أظهر وَأقوى. وَقد كَانَ الْعَرَبِيّ فِي الْجَاهِلِيَّة يترقب الْأَوْلَاد للوقوف إِلَى جَانِبه ومساندته، والدفاع عَن الْحَوْزَة وحماية الْبَيْضَة، أما الْبِنْت فَكَانَ التخوف من عارها يحملهم على كراهتها٥ حَتَّى بعث الله نَبينَا مُحَمَّد – ﷺ بِالدّينِ الإسلامي خَاتم الْأَدْيَان

стр. 16

الَّذِي ارْتَضَاهُ الله لِعِبَادِهِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ٢. فحفظ الْإِسْلَام للْبِنْت حُقُوقهَا وأنزلها الْمنزلَة اللائقة بهَا ووعد من يرعاها وَيحسن إِلَيْهَا بِالْأَجْرِ الجزيل وَجعل حسن تربيتها ورعايتها وَالنَّفقَة عَلَيْهَا سَبَب من الْأَسْبَاب الموصلة إِلَى رضوَان الله وجنته، جَاءَ فِي الحَدِيث عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله – ﷺ : "من عَال جارتين حَتَّى تبلغا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنا وَهُوَ كهاتين وَضم أَصَابِعه" ٣. يُلَاحظ فِي هَذَا الحَدِيث أَن النَّبِي – ﷺ ضم أَصَابِعه، وَلم يفرق بَينهمَا كِنَايَة عَن شدَّة قرب من عَال جارتين من الرَّسُول – ﷺ فِي الْجنَّة. وَفِي الحَدِيث الآخر عَن عَائِشَة –﵂ – قَالَت: "دخلت علىّ امْرَأَة وَمَعَهَا ابنتان لَهَا تسْأَل، فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة وَاحِدَة، فأعطيتها إِيَّاهَا فقسمتها بَين ابنتيها وَلم تَأْكُل مِنْهَا، ثمَّ قَامَت فَخرجت، فَدخل النَّبِي – ﷺ علينا، فَأَخْبَرته فَقَالَ: "من ابْتُلِيَ من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا م ن النَّار" ٤ أَي حِجَابا ووقاية من النَّار. أيُّ فضل أعظم من هَذَا الْفضل؟ وأيُّ أجر أعظم من هَذَا الْأجر؟.

стр. 17

وعَلى الرغم من هَذَا الْأجر الْعَظِيم الْوَارِد فِي فضل تربية الْبَنَات وَالْإِحْسَان إلَيْهِنَّ إلاَّ أَن هُنَاكَ من النَّاس من لَا يُسر لمولد الْبِنْت –وَالْعِيَاذ بِاللَّه- فَيظْهر الهمَّ والحزن! وَمَا هَذَا إِلَّا جهل وَاعْتِرَاض على قدر الله، وَالْبَعْض يفرط وَيقصر فِي تربية وتوجيه بَنَاته وَلم يرعهن الرِّعَايَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ. وَلَو أَن الْإِنْسَان تفقه فِي دين الله ووقف عِنْد حُدُوده واقتفى أثر الرَّسُول – ﷺ فِي كل أَمر من أُمُور حَيَاته لعاش مطمئناً مرتاح البال قرير الْعين، ولعرف كَيفَ يعبد ربه، وَكَيف يتعامل مَعَ إخوانه، وَأَهله، وَزَوجته، وَكَيف يُربي أَوْلَاده فَالْحَمْد لله أَنه مَا من خير إلاَّ ودلنا ديننَا الإسلامي الحنيف عَلَيْهِ وَمَا من شَرّ إلاَّ وحذرنا مِنْهُ.

стр. 18

رَابِعا: تربية النَّبِي – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الطفولة: من هَدْيه – ﷺ فِي تربية بَنَاته فِي مرحلة الطفولة أَنه كَانَ يُسَّر ويفرح لمولد بَنَاته ﵅ فقد سُرَّ واستبشر – ﷺ لمولد ابْنَته فَاطِمَة ﵂ وَقَالَ لما بشر بهَا: "رَيْحَانَة أشمها وَرِزْقهَا على الله" ١ وتوسم فِيهَا الْبركَة واليمن، فسماها فَاطِمَة، ولقبها بـ (الزهراء) وَكَانَت تكنى أم أَبِيهَا٢. وَفِي هَذَا درس عَظِيم من دروس السِّيرَة النَّبَوِيَّة بِأَن من رزق الْبَنَات وَإِن كثر عددهن عَلَيْهِ أَن يظْهر الْفَرح وَالسُّرُور ويشكر الله على مَا وهبه من الذُّرِّيَّة، وَأَن يعزم على حسن تربيتها، وتأديبها، وعلى تَزْوِيجهَا بالكفء "التقي" صَاحب

стр. 19

الدّين حَتَّى يظفر بِالْأَجْرِ الجزيل من الله. ففاطمة –﵂– كَانَت الْبِنْت الرَّابِعَة للنَّبِي– ﷺ ، وهِيَ أَصْغَر ذريتة – ﷺ -١. وَفِي مرحلة الطفولة يلْزم على الْأَبَوَيْنِ الاهتمام بالطفل وتوفير كَافَّة الاحتياجات الْخَاصَّة بِهَذِهِ المرحلة، الْحَاجَات الجسمية والنفسية؛ وبالذات الْأُم فعلَيْهَا تقع المسؤولية الْكُبْرَى فِي رِعَايَة أَوْلَادهَا فِي مرحلة الطفولة فهم أَكثر مَا يكونُونَ التصاقاً بهَا وَقد حرصت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة بنت خويلد –﵂– على تربية ورعاية أَوْلَادهَا مُنْذُ ولادتهم (وَكَانَت إِذا ولدت ولدا دَفعته إِلَى من يرضعه) ٢ فِي الْبَادِيَة حَتَّى ينشئوا على الفصاحة والشجاعة كَمَا كَانَت عَادَة قُرَيْش. لَا كَمَا يَفْعَله بعض الْأُمَّهَات فِي زَمَاننَا من دفع أَوْلَادهم إِلَى الخادمات والمربيات الْأَمر الَّذِي قد يحصل مَعَه خلل فِي عقيدة الطِّفْل وسلوكه. وَفِي هَذِه المرحلة –مرحلة الطفولة- يجب على الْأَبَوَيْنِ أَن يلقنا الْبِنْت مبادئ الْإِسْلَام، والعقيدة الصَّحِيحَة، وتلاوة الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالصَّلَاة، والتعوّد على لبس الْحجاب حَتَّى تنشأ الْبِنْت على ذَلِك مُنْذُ نعومة أظفارها.

стр. 20

خَامِسًا: رِعَايَة النَّبِي – ﷺ لبنَاته فِي مرحلة الصِّبَا: وَإِذا كَبرت الْبِنْت قَلِيلا وَجب على والديها أَن يعلماها حُقُوق الله ، وَحُقُوق الْوَالِدين، وَحُقُوق الآخرين وَحسن الْخلق وَحسن التَّصَرُّف فِي شَتَّى الْأُمُور، وعَلى الْمُحَافظَة على لبس الْحجاب والتستر والبعد عَن أعين الرِّجَال١ حَتَّى تنشأ الْبِنْت على التربية الإسلامية الصَّحِيحَة تعرف مَا يجب لَهَا وَمَا يجب عَلَيْهَا. مَعَ الْأَخْذ فِي عين الِاعْتِبَار إعدادها لما هُوَ منتظر مِنْهَا من دور هام فِي الْحَيَاة بِأَن تكون زَوْجَة صَالِحَة، وَأما حانية تربي أَوْلَادهَا وتعدهم لِأَن يَكُونُوا صالحين مصلحين؛ "لِأَن للْمَرْأَة الْمسلمَة أثرا كَبِيرا فِي حَيَاة كل مُسلم، فَهِيَ الْمدرسَة الأولى فِي بِنَاء الْمُجْتَمع الصَّالح، وخاصة إِذا كَانَت هَذِه الْمَرْأَة تسير على هدى من كتاب الله فِي كل شيىء"٢. وَإِذا قربت الْبِنْت من سنّ الْبلُوغ (التَّكْلِيف) يجب أَن تدرب على أَن تكون زَوْجَة، وَأما وَهَذِه هِيَ سنة الله فِي خلقه وعَلى الْأُم تقع مسؤولية ذَلِك، فقد بادرت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة بنت خويلد –﵂– بتمرين ابْنَتهَا الْكُبْرَى زَيْنَب –﵂– عِنْدَمَا كَبرت على الْمُشَاركَة فِي أَعمال الْبَيْت والتدريب على الأمومة فَكَانَت (زَيْنَب) لشقيقتها الصُّغْرَى فَاطِمَة أما صَغِيرَة ترعى شؤونها

стр. 21

وتمضى فراغها فِي ملاعبتها١. وَلَقَد صدق الْقَائِل: (إِن الفتاة المتعلمة المهذبة فَخر لأَهْلهَا وَعون لبعلها، وَكَمَال لبنيها، أَهلهَا بهَا يفتخرون، وَأَوْلَادهَا بهَا يسعدون، وَمن ذَا الَّذِي لَا يسرّ فُؤَاده بابنته الأديبة الَّتِي تدبر الْأُمُور المعاشية بالمعرفة، وتدير الْحَرَكَة المنزلية بالحكمة، ويجد فِي مجالستها أنيساً عَاقِلا وسميراً كَامِلا) ٢.

стр. 22

سادساً – تَزْوِيج النَّبِي – ﷺ لبنَاته: الزواج سنة من سنَن الله فِي خلقه، وَأمر مَرْغُوب فِيهِ حثَّ إِلَيْهِ ديننَا الحنيف ودعى إِلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ٤. والزواج من سنة الرَّسُول – ﷺ جَاءَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: "جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بيُوت أَزوَاج النَّبِي – ﷺ ، يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي – ﷺ فَلَمَّا أُخبروا كَأَنَّهُمْ تقالوها، فَقَالُوا: "وَأَيْنَ نَحن من النَّبِي – ﷺ ؟ قد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر"، قَالَ أحدهم: "أما أَنا فَإِنِّي أُصلي اللَّيْل أبدا"، وَقَالَ آخر: "أَنا أَصوم الدَّهْر وَلَا أفطر"، وَقَالَ آخر: "أَنا أعتزل النِّسَاء فَلَا أَتزوّج أبدا"، فجَاء رَسُول الله – ﷺ فَقَالَ: "أَنْتُم الَّذين

стр. 23

قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أما وَالله إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ، لكني أَصوم وَأفْطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النِّسَاء، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني" ١ وامتثالاً لأمر الله وَأمر رَسُوله – ﷺ يجب على الْأَب أَن يُزَوّج بَنَاته ولَا يعضلهن ويمنعهن من الزواج لأي سَبَب من الْأَسْبَاب فَوَاجِب الْأَب أَن يُزَوّج ابْنَته وَأَن يخْتَار لَهَا الْكُفْء من الرِّجَال والكفء مَعْرُوف هُوَ صَاحب الدّين والخلق قَالَ النَّبِي – ﷺ – "إِذا أَتَاكُم من ترْضونَ خلقه وَدينه فَزَوجُوهُ، إِن لَا تَفعلُوا تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد عريض" ٢. وَقد زوج النَّبِي – ﷺ جَمِيع بَنَاته من خيرة الرِّجَال: فزوج زَيْنَب –﵂ من أبي الْعَاصِ بن الرّبيع الْقرشِي ﵁ وَهُوَ ابْن خَالَتهَا هَالة بنت خويلد وَأَبُو الْعَاصِ كَانَ من رجال مَكَّة الْمَعْدُودين مَالا، وَأَمَانَة، وتجارة ٣. وَقد أثنى النَّبِي – ﷺ على أبي الْعَاصِ بن الرّبيع فِي مصاهرته خيرا وَقَالَ: "حَدثنِي فصدقني، ووعدني فوفى لي" وَكَانَ قد وعد النَّبِي أَن يرجع إِلَى مَكَّة، بعد وقْعَة بدر، فيبعث إِلَيْهِ بِزَيْنَب ابْنَته، فوفى بوعده، وفارقها مَعَ شدَّة حبه لَهَا٤.

стр. 24

وَمِمَّا يدل على شهامته وَصدقه قصَّة إِسْلَامه ﵁ فقد كَانَ فِي تِجَارَة لقريش إِلَى الشَّام وَفِي طَرِيق عودته إِلَى مَكَّة المكرمة لَقيته سَرِيَّة فَأخذُوا مَا مَعَه، وَجَاء تَحت اللَّيْل إِلَى زَوجته زَيْنَب – وَقد كَانَت فِي الْمَدِينَة وَفرق بَينهمَا الْإِسْلَام فَهُوَ لم يدْخل فِي الْإِسْلَام بعد – فَاسْتَجَارَ بهَا فَأَجَارَتْهُ وَخرجت وَالنَّبِيّ ﷺ صلى بِالنَّاسِ الْفجْر فَقَالَت: "أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت أَبَا الْعَاصِ بن الرّبيع" فَلَمَّا سلم الرَّسُول – ﷺ أقبل على النَّاس فَقَالَ: "أَيهَا النَّاس هَل سَمِعْتُمْ الَّذِي سَمِعت؟ " قَالُوا:"نعم" قَالَ: "أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا علمت بشيىء حَتَّى سَمِعت مَا سَمِعْتُمْ وَأَنه يجير على الْمُسلمين أَدْنَاهُم" ثمَّ انْصَرف رَسُول الله – ﷺ فَدخل على ابْنَته زَيْنَب فَقَالَ: "أَي بنية أكرمي مثواه وَلَا يخلصن إِلَيْك فَإنَّك لَا تحلين لَهُ" قَالَ: وَبعث – ﷺ فحثهم على رد مَا كَانَ مَعَه فَردُّوهُ بأسره لَا يفقد مِنْهُ شَيْئا فَأَخذه أَبُو الْعَاصِ فَرجع بِهِ إِلَى مَكَّة فَأعْطى كل إِنْسَان مَا كَانَ لَهُ ثمَّ قَالَ: "يَا معشر قُرَيْش هَل بَقِي لأحد مِنْكُم عِنْدِي مَال لم يَأْخُذهُ؟ " قَالُوا: "لَا فقد وجدناك وفياً". قَالَ: "فَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَالله مَا مَنَعَنِي عَن الْإِسْلَام عِنْده إلاَّ تخوف أَن يَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أردْت أَن آكل أَمْوَالكُم فَلَمَّا أَدَّاهَا الله إِلَيْكُم وفرغت مِنْهَا أسلمت"١. وَقد زوجه النَّبِي – ﷺ من ابْنَته زَيْنَب عِنْدَمَا طلبت مِنْهُ أمهَا خَدِيجَة بنت خويلد –﵂ أَن يُزَوّجهَا لَهُ فَوَافَقَ النَّبِي – ﷺ على طلبَهَا٢؛ لما يعرف

стр. 25

من رجاحة عقلهَا وثقتها بِابْن أُخْتهَا فَكَانَت تعده بِمَنْزِلَة وَلَدهَا. وَهنا درس نبوي كريم فِي تَزْوِيج الْبَنَات هُوَ أَنه لَا مَانع من أَخذ رَأْي وَالِدَة الْبِنْت والتشاور مَعهَا فَفِي ذَلِك إِكْرَاما لَهَا واعترافاً بِحَقِّهَا. وزوَّج النَّبِي – ﷺ رقية من عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ الْخَلِيفَة الراشد الزَّاهِد الْجواد السخي الْحَيِي، وَكَانَ من أبرز أخلاقه وأشدها تمَكنا من نَفسه خلق الْحيَاء، الَّذِي تأصل فِي كيانه؛ لذا فقد أشاد الرَّسُول – ﷺ بِهَذَا الْحيَاء الْوَاسِع العميم فَقَالَ: "إِن عُثْمَان رجلٌ حييّ" ١، وَقَالَ – ﷺ : "ألاَّ أستحي من رجل تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة" ٢. وَكَانَ النَّبِي – ﷺ يُحِبهُ كثيرا فَلَمَّا توفيت رقية –﵂– زوجه النَّبِي – ﷺ بأختها أم كُلْثُوم وَلما مَاتَت أم كُلْثُوم قَالَ النَّبِي – ﷺ "لَو كَانَ عِنْدِي ثَالِثَة لزوجتها عُثْمَان"، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى "لَو كن عشرا لزوجتهن عُثْمَان" ٣. وزوَّج فَاطِمَة –﵂– من عَليّ بن أبي طَالب ﵁ ابْن عَمه – ﷺ وَكَانَ أول ذكر من النَّاس آمن برَسُول الله – ﷺ وَكَانَ قد تربى فِي حجر الرَّسُول – ﷺ قبل الْإِسْلَام وَلم يزل عَليّ مَعَ رَسُول الله – ﷺ -حَتَّى بَعثه الله نَبيا ٤. يَقُول ابْن كثير ﵀: "كَانَ أَبُو طَالب ذَا عِيَال كَثِيرَة، فَقَالَ رَسُول الله –

стр. 26

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- لِعَمِّهِ الْعَبَّاس، وَكَانَ من أيسر بني هَاشم: "يَا عَبَّاس إِن أَخَاك أَبَا طَالب كثير الْعِيَال وَقد أصَاب النَّاس مَا ترى من هَذِه الأزمة فَانْطَلق حَتَّى نخفف عَنهُ من عِيَاله"، فَأخذ رَسُول الله– ﷺ عليا فضمه إِلَيْهِ، فَلم يزل مَعَ رَسُول الله حَتَّى بَعثه الله نَبيا فَاتبعهُ عَليّ وآمن بِهِ وَصدقه "١ والْبِنْت أَمَانَة فِي بَيت والديها ولابد أَن تنْتَقل إِلَى بَيت زَوجهَا يَوْمًا مَا، وَقد أوجب لَهَا ديننَا الإسلامي الحنيف حق الاسْتِئْذَان فِي الزواج فَلَا يحل لوَلِيّهَا أَن يعْقد لَهَا على رجل تكرههُ قَالَ النَّبِي – ﷺ : "لَا تنْكح الأيم حَتَّى تستأمر، ولاتنكح الْبكر حَتَّى تستأذن". قَالُوا: "يَا رَسُول الله، وَكَيف إِذْنهَا؟ " قَالَ: " أَن تسكت" ٢. فكلمة تستأمر فِي حق الثّيّب تفِيد طلب الْأَمر فَلَا يعْقد عَلَيْهَا إلاَّ بعد طلب أمرهَا وإذنها بذلك، وَكلمَة تستأذن فِي حق الْبكر تعنى طلب إِذْنهَا وموافقتها على النِّكَاح٣ وَإِذا عقد الْأَب لابنته وَهِي كارهة فَالْعقد مَرْدُود "عَن خنساء بنت خدام الْأَنْصَارِيَّة: أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي ثيب فَكرِهت ذَلِك، فَأَتَت رَسُول الله – ﷺ فَرد نِكَاحهَا" ٤. وَفِي رِوَايَة: عَن الْقَاسِم: " أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر، تخوفت أَن يُزَوّجهَا وَليهَا وَهِي كارهة، فَأرْسلت إِلَى شيخين من الْأَنْصَار – عبد الرَّحْمَن وَمجمع ابْني جَارِيَة –

стр. 27

قَالَا: فَلَا تخشين، فَإِن خنساء بنت خدام، أنْكحهَا أَبوهَا وَهِي كارهة، فَرد النَّبِي – ﷺ ذَلِك" ١. وكَانَ النَّبِي – ﷺ يستشير بَنَاته قبل تزويجهن فعندما خطب عَليّ ﵁ فَاطِمَة –﵂– قَالَ لَهَا الرَّسُول – ﷺ : "إِن عليا يذكرك" فَسَكَتَتْ فَزَوجهَا٢. وَكَانَ – ﷺ يتحدث إِلَى بَنَاته فِي أَزوَاجهنَّ ويقنعهن بِفضل من تَزَوَّجن فقد قَالَ لفاطمة –﵂– مُبينًا فضل ومكانة عَليّ بن أبي طَالب –﵁ عِنْدَمَا قَالَت: "زوجتني بِرَجُل فَقير لَا شييء لَهُ" فَقَالَ – ﷺ : "أما ترْضينَ يَا فَاطِمَة إِن الله اخْتَار من أهل الأَرْض رجلَيْنِ جعل أَحدهمَا أَبَاك، والأخر بعلك" ٣. وَهنا يجب على الْآبَاء أَن يتأكدوا من مُوَافقَة الْبِنْت قبل إِجْرَاء العقد لَهَا. ويخطئ بعض الْآبَاء من ترديد كلمة نَحن أعلم بمصلحتها –لَا شكّ– أَن الْأَب يفوق ابْنَته فِي الْخِبْرَة، وَطول التجربة فِي الْحَيَاة، وَمَعْرِفَة الرِّجَال وَلَكِن على الرغم من ذَلِك يجب عَلَيْهِ أَن لَا يحيد عَن تعاليم الْإِسْلَام، وَلَا يجْبر ابْنَته على رجل تكرههُ بل عَلَيْهِ أَن يستأذنها وَيعرف رأيها قبل إِجْرَاء عقد النِّكَاح، وَفِي ذَلِك خير كَبِير حَيْثُ تشعر الْبِنْت بكيانها وأهميتها وتبدى رأيها فِي الرجل الَّذِي

стр. 28

ستنتقل إِلَى بَيته وَهُوَ أدعى لدوام السَّعَادَة والوفاق لاقتناع كل من الطَّرفَيْنِ بِصَاحِبِهِ فالزوج أَبَاحَ لَهُ الْإِسْلَام النّظر إِلَى من ينوى نِكَاحهَا، وَهِي كَذَلِك ترَاهُ وتستشار فِي الْمُوَافقَة على إِجْرَاء العقد وَهَذِه من عَظمَة ديننَا الإسلامي الحنيف. وَالصَّدَاق فِي الزواج حق من حُقُوق الزَّوْجَة يَدْفَعهُ لَهَا الزَّوْج قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ١ فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يَأْمر الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ بِأَن يُعْطوا النِّسَاء مهورهن فَرِيضَة مِنْهُ تَعَالَى فَرضهَا على الرجل لامْرَأَته، فَلَا يحل لَهُ وَلَا لغيره أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا برضى الزَّوْجَة٢، والنحلة فِي كَلَام الْعَرَب الْوَاجِب وَلَا تنْكح الْمَرْأَة إِلَّا بِشَيْء وَاجِب لَهَا، وَيجب على الرجل دفع الصَدَاق إِلَى الْمَرْأَة حتما، وَأَن يكون طيب النَّفس بذلك٣. وَلَيْسَ هُنَاكَ حدٌ فِي أقل الصَدَاق وَأَكْثَره، وَيصِح فِيهِ أَن يكون شَيْئا يَسِيرا جدا بِكُل مَا يتراضى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ، أَو من لَهُ ولَايَة العقد وَإِن لم يكن عينا كَالْمَالِ وَالذَّهَب وَنَحْوه، فقد يكون الصَدَاق خدمَة، كقصة مُوسَى ﵇ مَعَ صَاحب مَدين، وَقد يكون تَعْلِيما فقد، ورد فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ: "أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى رَسُول – ﷺ فَقَالَت: "يَا رَسُول الله جِئْت لأهب لَك نَفسِي"، فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله – ﷺ فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طأطأ رَأسه، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَة أَنه لم يقْض فِيهَا شَيْئا جَلَست، فَقَامَ رجل من أَصْحَابه فَقَالَ: "أَي رَسُول الله، إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها"، فَقَالَ: "هَل عنْدك من شيىء؟ " فَقَالَ: "لَا وَالله

стр. 29

يَا رَسُول الله"،قَالَ: "اذْهَبْ إِلَى أهلك فَانْظُر هَل تَجِد شَيْئا؟ ".فَذهب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: "لَا وَالله يَا رَسُول الله مَا وجدت شَيْئا"، فَقَالَ: "انْظُر وَلَو خَاتمًا من حَدِيد" فَذهب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: "لَا يَا رَسُول الله وَلَا خَاتمًا من حَدِيد، وَلَكِن هَذَا إزَارِي" – فَقَالَ رَسُول الله – ﷺ : "مَا تصنع بإزارك، إِن لَبِسْتَهُ لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شيىء، وَإِن لَبِسَتْهُ لم يكن عَلَيْك مِنْهُ شيىء" فَجَلَسَ الرجل حَتَّى طَال مَجْلِسه، ثمَّ قَامَ فرأه رَسُول الله – ﷺ موليا، فَأمر بِهِ فدعي، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "مَاذَا مَعَك من الْقُرْآن؟ " قَالَ: "معي سُورَة كَذَا وَسورَة كَذَا وَسورَة كَذَا"، عدَّها، قَالَ: "أتقرؤهن عَن ظهر قَلْبك؟ " قَالَ: "نعم" قَالَ: "اذْهَبْ فقد ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن" ١. وَسنة النَّبِي – ﷺ – وهديه عدم التغالي فِي الصَدَاق، بل إِن خير الصَدَاق أيسره قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم –يرحمه الله-: "إِن المغالاة فِي الْمهْر مَكْرُوهَة فِي النِّكَاح، وَأَنَّهَا من قلَّة بركته وعسره"٢. " فقد زوَّج النَّبِي – ﷺ بَنَاته على الْيَسِير من الصَدَاق فَبعد أَن تمت الْمُوَافقَة على زواج عَليّ بن أبي طَالب ﵁ من فَاطِمَة حُب رَسُول الله – ﷺ وأصغر بَنَاته جَاءَ إِلَى النَّبِي – ﷺ فَسَأَلَهُ النَّبِي "مَا تصدقها؟ " فَقَالَ عَليّ: "مَا عِنْدِي مَا أصدقهَا" فَقَالَ الرَّسُول – ﷺ "فَأَيْنَ درعك الحطمية الَّتِي كنت قد منحتك؟ " قَالَ عَليّ: "عِنْدِي". قَالَ النَّبِي

стр. 30

- ﷺ " أصدقهَا إِيَّاهَا" فَأَصْدقهَا وتزَوجهَا وَكَانَ ثمنهَا أَرْبَعمِائَة درهما " ١. هَذَا هُوَ صدَاق بنت رَسُول الله – ﷺ وحبه وأصغر بَنَاته سيدة نسَاء أهل الْجنَّة فَعَن ابْن عَبَّاس – ﵁ – قَالَ: "خطّ رَسُول الله – ﷺ فِي الأَرْض أَرْبَعَة خطوط، وَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " فَقَالُوا: " الله وَرَسُوله أعلم "، فَقَالَ رَسُول الله – ﷺ " أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وآسيا بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن، وَمَرْيَم ابْنة عمرَان ﵅ أَجْمَعِينَ" ٢. وَمَا يَفْعَله بعض النَّاس فِي زَمَاننَا من التغالي فِي المهور هُوَ أبعد مَا يكون عَن هدي رَسُول الله –صلى الله عَلَيْهِ- وهُوَ أَمر خطير لَهُ أضراره على الْفَرد وعَلى الْمُجْتَمع وَالدّين الإسلامي دين الْيُسْر والسهولة وَفِي أَمر الزواج لَا يقْتَصر الْيُسْر على الصَدَاق بل يَمْتَد إِلَى الْوَلِيمَة الَّتِي يُشهر بهَا الزواج وَهِي أَمر دعى إِلَيْهِ الْإِسْلَام وحثَّ عَلَيْهِ فَكَانَ النَّبِي – ﷺ يولم فِي زواجه باليسير من النَّفَقَة، فَعَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: " أولم النَّبِي – ﷺ على بعض نِسَائِهِ بمدين من شعير " ٣. وَكَذَلِكَ فِي زواج أَصْحَابه ﵃ فَعَن أنس ﵁: " أَن النَّبِي – ﷺ رأى على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أثر صفرَة، قَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: " إِنِّي تزوجت امْرَأَة على وزن نواة من ذهب "، قَالَ: "بَارك الله لَك، أولم وَلَو بِشَاة " ٤.

стр. 31

وَفِي زواج بَنَاته ﵅ كَذَلِك مظهر من مظَاهر الْيُسْر فِي الْوَلِيمَة فَفِي لَيْلَة زواج فَاطِمَة ﵂ قَالَ الرَّسُول – ﷺ : "يَا عَليّ لَا بُد للعروس من وَلِيمَة ". فَقَالَ سعد بن معَاذ ﵁: "عِنْدِي كَبْش". وَجمع رَهْط من الْأَنْصَار أصواعاً من ذرة وأولم الرَّسُول – ﷺ ١. ونشهد من بعض النَّاس إسرافاً وَاضحا فِي ولائم الزواج وتباهياً وتفاخراً غير مَحْمُود وَهَذَا أَيْضا مُخَالف لهدي النَّبِي – ﷺ وسنته، وَيعود هَذَا الْإِسْرَاف وَغَلَاء المهور على الْأَفْرَاد والمجتمعات بمشاكل وسلبيات كَثِيرَة، أهمها: كَثْرَة العوانس فِي الْبيُوت، وَتَأَخر سنّ الزواج بَين الشَّبَاب، فقد أثبت عبد الرب نواب الدّين فِي دراسة لَهُ: أَن ٩٢% من الْبَنِينَ و ٦٩% من الْبَنَات يرَوْنَ أَن غلاء المهور سَبَب قوي ومباشر من أَسبَاب العنوسة وَتَأَخر سنّ الزواج، واستنتج أَن هَذِه النِّسْبَة الْعَالِيَة تدل على أَن غلاء المهور مشكلة قَائِمَة فِي الْمُجْتَمع، وَهِي مشكلة مستفحلة يعاني مِنْهَا قطاع كَبِير جدا من الشَّبَاب، وَأَنَّهَا السَّبَب الأول والمباشر لظاهرة العنوسة أَو تَأَخّر سنّ الزواج، أَو العزوف عَن الزواج من ذَوي المهور الغالية والتكاليف الْعَالِيَة! واللجوء من ثمّ إِلَى الْخَارِج للزواج من ذَوَات المهور الْيَسِيرَة والمؤونة السهلة٢.

стр. 32

سابعاً: رِعَايَة النَّبِي – ﷺ لبنَاته بعد الزواج: يخْتَلف النَّاس فِي النّظر إِلَى علاقَة الْبِنْت بوالديها بعد الزواج: فَمنهمْ من يرى أَنه يجب على الْأَبَوَيْنِ أَن يتْركُوا الْبِنْت وشأنها بعد الزواج لدرجة أَن علاقتهم بهَا شبه مَقْطُوعَة فَلَا تزاور من طرف الْأَهْل، بزعمهم أَن هَذَا أدعى لسعادتها الزَّوْجِيَّة واستمرار العلاقة بَينهَا وَبَين زَوجهَا وَأَهله. وَفِي الْمُقَابل نجد أَن هُنَاكَ من الْأسر من يتدخل فِي حَيَاة ابنتهم بشكل مبَاشر فيتطلعون إِلَى معرفَة كل صَغِيرَة وكبيرة فِي حَيَاة ابنتهم، وَلِهَذَا التدخل سلبياته الَّتِي تُؤدِّي إِلَى إِفْسَاد الْحَيَاة الزَّوْجِيَّة، لدرجة قد تصل إِلَى الطَّلَاق! فَمَا هُوَ الْهَدْي النَّبَوِيّ فِي هَذَا الْجَانِب من حَيَاة الْبَنَات؟. كَانَ النَّبِي – ﷺ يزور بَنَاته بعد الزواج وَيدخل عَلَيْهِنَّ الْفَرح وَالسُّرُور، فقد زار النَّبِي – ﷺ فَاطِمَة –﵂– بعد زواجها ودعا لَهَا ولزوجها بِأَن يعيذهما الله وذريتهما من الشَّيْطَان الرَّجِيم١. وَلم يكن يشْغلهُ – ﷺ عَن بَنَاته –﵅– شاغل بل كَانَ يفكر فِيهِنَّ وَهُوَ فِي أصعب الظروف وأحلكها فعندما أَرَادَ النَّبِي – ﷺ الْخُرُوج لبدر لملاقاة قُرَيْش وَصَنَادِيدهَا كَانَت رقية –﵂– مَرِيضَة فَأمر النَّبِي – ﷺ زَوجهَا عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَن يبْقى فِي الْمَدِينَة؛ ليمرضها وَضرب لَهُ بسهمه فِي مَغَانِم بدر وأجره عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة ٢. وَيجب على الْأَب أَن يحافظ على بَيت ابْنَته وسعادتها مَعَ زَوجهَا وَأَن يتدخل إِذا لزم الْأَمر ويحرص على الْإِصْلَاح بَينهَا وَبَين زَوجهَا بشكل يضمن إِعَادَة الصفاء إِلَى جو الأسرة. فقد حدث أَنه كَانَ بَين عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَزَوجته فَاطِمَة

стр. 33

الزهراء –﵂– كَلَام فَدخل عَلَيْهِمَا النَّبِي – ﷺ فأُلقى لَهُ مِثَالا فاضطجع عَلَيْهِ. فَجَاءَت فَاطِمَة –﵂ فاضطجعت من جَانب، وَجَاء عَليّ –﵁ فاضطجع من جَانب، فَأخذ رَسُول الله بيد عَليّ –﵁ فوضعها على سرته، وَأخذ بيد فَاطِمَة –﵂ على سرته وَلم يزل حَتَّى أصلح بَينهمَا، ثمَّ خرج فَقيل لَهُ: "دخلت وَأَنت على حَال وَخرجت وَنحن نرى الْبشر فِي وَجهك" فَقَالَ: "وَمَا يَمْنعنِي وَقد أصلحت بَين أحب اثْنَيْنِ إليَّ "١. وَلَكِن قد يسْتَمر الْخلاف بَين الزَّوْجَيْنِ وَيُصْبِح اسْتِمْرَار الْعشْرَة بَينهمَا أمرا مستحيلاً وَالله الْحَكِيم الْخَبِير الَّذِي سنَّ الزواج أَبَاحَ الطَّلَاق وَجعله الْحل الْأَخير الَّذِي يُلجأ إِلَيْهِ إِذا استحالت الْعشْرَة بَين الزَّوْجَيْنِ. وَأَحْيَانا يَقع الطَّلَاق على الزَّوْجَة ظلما وعدواناً، عِنْدهَا تحزن الْبِنْت كثيرا ويحزن أَهلهَا لحزنها، والعزاء فِي ذَلِك أَن ابْنَتي الرَّسُول – ﷺ : رقية وَأم كُلْثُوم طلقتا من عتبَة وعتيبة ابْنا أبي لَهب ظلما بِدُونِ سَبَب إلاَّ أَنَّهُمَا صدقتا مَا قَالَه النَّبِي – ﷺ : من أَنه أُوحِي إِلَيْهِ وَأَنه نَبِي هَذِه الْأمة، الْكَلَام الَّذِي أغضب قُرَيْش فقد تزوج عتبَة بن أبي لَهب من رقية بنت رَسُول الله – ﷺ فَلَمَّا نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قَالَ أَبُو لَهب: "رَأْسِي من رَأسك حرَام إِن لم تطلق بنت مُحَمَّد ففارقها قبل الدُّخُول"٢. وَلم يكتف أَبُو لَهب بذلك بل أَمر ابْنه عتيبة أَن يُطلق أم كُلْثُوم بنت النَّبِي –

стр. 34

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- ظنا مِنْهُ أَنه بذلك يَسْتَطِيع أَن يشغل النَّبِي – ﷺ عَن دَعوته١. هُنَا درس للبنات وللآباء بِأَن يصبروا ويحتسبوا الْأجر من الله جلَّ وَعلا، وَأَن مَا وَقع من الطَّلَاق ظلما مَا هُوَ إلاَّ ابتلاء سَوف يعوضهم الله خيرا فقد عوض الله ابْنَتي الرَّسُول – ﷺ خيرا من عتبَة وعتيبة، عوضهما زوجا صَالحا كَرِيمًا هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ وثالث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، فقد تزوج عُثْمَان ﵁ برقية وَبعد وفاتها تزوج بأختها أم كُلْثُوم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً﴾ ٢. وَقد يحدث أَن يفقد الْأَب بعض بَنَاته بموتهن فالموت نِهَايَة كل حَيّ وَهُوَ الْمصير المحتوم الَّذِي لَا مفر مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ ٣ يَقُول الشَّيْخ ابْن سعدي – يرحمه الله – فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ " أَي الْمَلَائِكَة الموكلون بِقَبض الْأَرْوَاح " ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ "فِي ذَلِك فَلَا يزِيدُونَ سَاعَة مِمَّا قدره الله وقضاه، وَلَا ينقصُونَ"٤. وَمن أعزّ من الْبِنْت على أَبِيهَا؟ وَلَو قدر الله هَذَا يجب على الْأَب أَن يصبر ويحتسب، وَلَا يَقُول إِلَّا مَا يرضى رَبنَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا

стр. 35

َصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾ ١ أَي تسلوا بقَوْلهمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُم وَعَلمُوا أَنهم ملك لله يتَصَرَّف فِي عبيده بِمَا يَشَاء، وَعَلمُوا أَنه لَا يضيع لَدَيْهِ مِثْقَال ذرة يَوْم الْقِيَامَة فأحدث لَهُم ذَلِك اعترافهم بِأَنَّهُم عبيده وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون فِي الدَّار الْآخِرَة٢. وليعلم من ابتلى بفقد إِحْدَى بَنَاته أَن الرَّسُول – ﷺ فقد جَمِيع ذُريَّته من الذُّكُور وَالْإِنَاث وَلم يبْق بعد وَفَاته إلاَّ فَاطِمَة الزهراء –﵂ وهديه – ﷺ فِي وَفَاة بَنَاته ﵅، أَنه كَانَ يحزن لوفاتهن وتذرف عَيناهُ الدمع على فراقهن، يَقُول أنس بن مَالك ﵁ فِي نبأ وَفَاة أم كُلْثُوم –﵂– "شَهِدنَا بِنْتا لرَسُول الله – ﷺ قَالَ: وَرَسُول الله – ﷺ جالسٌ على الْقَبْر، قَالَ فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تدمعان، وَقَالَ: "هَل مِنْكُم رجل لم يقارف٣ اللَّيْل؟ " قَالَ أَبُو طَلْحَة: " أَنا " قَالَ: " فانزِل " قَالَ: " فَنزل فِي قبرها "٤. والدموع هَذِه لَيست دموع جزع وَسخط من قَضَاء الله وَقدره -وَالْعِيَاذ بِاللَّه- إِنَّمَا هِيَ دموع رَحْمَة وشفقة تذرف من عُيُون الرُّحَمَاء روى أُسَامَة بن زيد –﵁ قَالَ: "أرْسلت ابْنة النَّبِي – ﷺ إِلَيْهِ: أَن ابْنا لي قبض، فأتنا، فَأرْسل يقرئ السَّلَام وَيَقُول: "إِن لله مَا أَخذ، وَله مَا أعْطى، وكل عِنْده بِأَجل مُسَمّى، فَلتَصْبِر ولتحتسب" فَأرْسلت إِلَيْهِ تقسم ليأتينها فَقَامَ وَمَعَهُ سعد بن عبَادَة، ومعاذ ابْن جبل، وَأبي

стр. 36

بن كَعْب، وَزيد بن ثَابت، وَرِجَال فرُفع إِلَى رَسُول الله – ﷺ الصَّبِي وَنَفسه تتقعقع – قَالَ: حسبته قَالَ: كَأَنَّهَا شن- فَفَاضَتْ عَيناهُ، فَقَالَ سعد: "يَا رَسُول الله مَا هَذَا؟ " فَقَالَ: "هَذِه رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب عباده، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء" ١. وَمن هَدْيه – ﷺ فِي وَفَاة بَنَاته أَنه كَانَ يصبر على فقدهن ويحتسب الْأجر الجزيل من الله تَعَالَى وَهُوَ جنَّة عرضهَا كعرض السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِيهَا مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر. وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فضل الصَّبْر على فقد الْأَوْلَاد كَثِيرَة مِنْهَا: عَن أنس – ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي – ﷺ "مَا من مُسلم يتوفى لَهُ ثَلَاث لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم" ٢ وَعَن أبي سعيد –﵁– أَن النِّسَاء قُلْنَ للنَّبِي – ﷺ : "اجْعَل لنا يَوْمًا " فوعظهن وَقَالَ: "أَيّمَا امْرَأَة مَاتَ لَهَا ثَلَاثَة من الْوَلَد كَانُوا لَهَا حِجَابا من النَّار" قَالَت: "امْرَأَة وَاثْنَانِ؟ " قَالَ: "وَاثْنَانِ" ٣. وَمن هَدْيه – ﷺ فِي وَفَاة بَنَاته –﵅– أَنه كَانَ يشرف على غسلهن وتكفينهن، وَيصلى عَلَيْهِنَّ ويدفنهن، وَيقف على قبورهن وَيَدْعُو الله لَهُنَّ. فَعَن أم عَطِيَّة –﵂ قَالَت: "دخل علينا رَسُول الله – ﷺ وَنحن نغسل ابْنَته فَقَالَ: "اغسلنها ثَلَاثًا، أَو خمْسا، أَو

стр. 37

أَكثر من ذَلِك بِمَاء وَسدر واجعلن فِي الْآخِرَة كافوراً. فَإِذا فرغتن فآذنني". فَلَمَّا فَرغْنَا آذناه فَألْقى إِلَيْنَا حقوة فَقَالَ: "أشعرنها إِيَّاه" ١. وَفِي كَيْفيَّة الْغسْل قَالَت أم عَطِيَّة –﵂ قَالَت: "لما غسلنا بنت النَّبِي – ﷺ ، قَالَ لنا وَنحن نغسلهَا: " ابدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا " ٢. وَكَانَ – ﷺ يقف على قبر من توفّي من بَنَاته وَيَدْعُو لَهَا فقد كَانَت رقية –﵂– مَرِيضَة أثْنَاء غَزْوَة بدر فَأمر النَّبِي – ﷺ زَوجهَا عُثْمَان بن عَفَّان –﵁ بِالْبَقَاءِ إِلَى جَانبهَا لتمريضها. وَلما عَاد – ﷺ من الْغَزْوَة وَقد مَاتَت ابْنَته رقية، خرج إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد ووقف على قبرها يَدْعُو لَهَا بالغفران.٣.

стр. 38

نتائج الْبَحْث: أَسْفر الْبَحْث عَن العديد من النتائج أهمها: ١- الْبِنْت نعْمَة من نعم الله الْعَظِيمَة وَهِي سَبَب من الْأَسْبَاب الموصلة إِلَى رضوَان الله وجنته. ٢- كَانَت الْمَرْأَة قبل الْإِسْلَام مهانة. ٣- جَاءَ الْإِسْلَام فحفظ للْمَرْأَة حُقُوقهَا. ٤- كَانَ النَّبِي – ﷺ يسر كثيرا لمولد بَنَاته. ٥- تربية الْبِنْت فِي مرحلة الطفولة مسؤولية الْأُم فِي الدرجَة الأولى. ٦- يجب أَن تُعد الْبِنْت للدور الَّذِي ينتظرها فِي الْحَيَاة بِأَن تكون زَوْجَة وَأما. ٧- يجب على الْأَب أَن يخْتَار لابنته الْكُفْء (التقي) من الرِّجَال. ٨- على الْأَب أَن يستشير ابْنَته فِي الزَّوْج قبل إِجْرَاء العقد. ٩- الْيُسْر فِي الصَدَاق والوليمة من سنة الْمُصْطَفى – ﷺ . ١٠- التغالي فِي المهور وحفلات الزواج من أَسبَاب تَأَخّر الزواج بَين الشَّبَاب وَالْبَنَات، لَهُ أضراره على الْفَرد وعلى الْمُجْتَمع. ١١- يَنْبَغِي زِيَارَة الْبِنْت فِي بَيتهَا وتفقد أحوالها وَإِصْلَاح مَا قد يَقع بَينهَا وَبَين زَوجهَا من خلاف. ١٢- إِذا وَقع الطَّلَاق على الْبِنْت ظلما وعدواناً فَلتَصْبِر وليصبر والديها ويعلموا أَن الله سيعوضهما خيرا. ١٣- إِذا فقد إِنْسَان إِحْدَى بَنَاته فليصبر وليحتسب وليعلم أَن النَّبِي – ﷺ فقد جَمِيع أَوْلَاده من الذُّكُور والْإِنَاث إِلَّا فَاطِمَة –﵂ فَإِنَّهَا توفيت بعده. ١٤- وجوب اتِّبَاع هدى النَّبِي – ﷺ فِي كل أحوالنا.

стр. 39

التوصيات: أهمية دراسة هدي الرَّسُول – ﷺ فِي تربية بَنَاته وتطبيق ذَلِك فِي تربية بناتنا امتثالاً لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ١. يَقُول الإِمَام ابْن كثير –يرحمه الله-: "هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أصل كَبِير فِي التأسي برَسُول الله ﷺ فِي أَقْوَاله وأفعاله وأحواله"٢. وَفِي ختام هَذَا الْبَحْث أسأَل الله الْعلي الْقَدِير أَن يوفقنا للْعَمَل بكتابه وَاتِّبَاع سنة نبيه – ﷺ ، وَأَن يعيننا على تربية أَوْلَادنَا وبناتنا التربية الإسلامية الصَّحِيحَة، وَأَن يجعلهم قُرَّة عين لنا فِي الدُّنْيَا، وَأَن يجعلهم من أَعمالنَا الصَّالِحَة الَّتِي لَا تَنْقَطِع بعد وفاتنا وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.