Полный текст (3 864 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إذْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا، وَالْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ. وَالْبَابُ مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ.
وَالْحَدَثُ لُغَةً: الشَّيْءُ الْحَادِثُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَشَرْعًا: يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ، وَعَلَى الْمَنْعِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ وَعَبَّرَ بِالْأَسْبَابِ لِيَسْلَمَ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالنَّوَاقِضِ مِنْ اقْتِضَائِهِ أَنَّهَا تُبْطِلُ الطُّهْرَ الْمَاضِيَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَنْتَهِي بِهَا، وَلَا يَضُرُّ تَعْبِيرُهُ بِالنَّقْضِ فِي قَوْلِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ الْمُرَادُ بِهِ وَبِالْمُوجِبَاتِ مِنْ اقْتِضَائِهِ أَنَّهَا تُوجِبُهُ وَحْدُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مَعَ إرَادَةِ فِعْلٍ نَحْوِ الصَّلَاةِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْأَسْبَابِ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّقْضِ لَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَدَمُ دَلَالَتِهِ لَا تُنَافِي النَّقْضَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ الْأُخْرَى ظَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ، وَقَوْلُهُ مَعَ إرَادَةِ فِعْلٍ إلَخْ قَدْ يَشْكُلُ هَذَا بِاقْتِضَاءِ عَدَمِ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَرِدْ، أَوْ أَرَادَ الْعَدَمَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ بِدُخُولِهِ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ وَمُخَاطَبَتُهُ بِهَا مُخَاطَبَةٌ بِمَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْإِرَادَةُ وَلَوْ حُكْمًا، وَلَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِرَادَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُرِيدِ بِالْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ بِحُرُوفِهِ ﵀. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَمَّا نَظَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ بَانَ مِنْ مُجَرَّدِ التَّعْبِيرِ بِالْأَسْبَابِ، بَلْ مِنْهُ مَعَ الْعُدُولِ عَنْ النَّوَاقِضِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وَجْهَ الْعُدُولِ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ مَا يُفْهَمُ مِنْ النَّقْضِ لُغَةً غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) أَيْ شَرْعًا الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: غَالِبًا) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْجُنُبِ فِي النِّيَّةِ إذَا قَالَ نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْبَرُ، إذْ الْقَرِينَةُ قَائِمَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَصْغَرُ لَارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ.
هَذَا وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْبَكْرِيِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ: أَيْ الْأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُعْنَى فِي عِبَارَاتِ الْمُصَنِّفِينَ وَعَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوَصْفُ) أَيْ اصْطِلَاحًا، أَمَّا لُغَةً فَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَقْصُودِ اهـ زِيَادِيُّ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّبَبَ وُضِعَ لِمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: السَّبَبُ الْحَبْلُ وَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِاسْتِعْلَاءِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَقِيلَ هَذَا سَبَبُ هَذَا وَهَذَا مُسَبَّبٌ عَنْ هَذَا (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ) خَرَجَ الْخَفِيُّ (قَوْلُهُ: الْمُنْضَبِطُ) خَرَجَ بِهِ مَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْحُكْمُ تَارَةً وَيَنْتَفِي أُخْرَى فَلَا يَكُونُ سَبَبًا، وَبِقَوْلِهِ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ الْمُعَرِّفُ نَقِيضَهُ وَهُوَ الْمَانِعُ (قَوْلُهُ: الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ) أَيْ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مُثْبِتًا لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ) أَيْ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ) أَيْ لِذَاتِهِ، فَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ بَلْ الْعَدَمُ كَمَا لَوْ اقْتَرَنَ الْمَانِعُ بِالسَّبَبِ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ كَأَنْ خَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ كَالزَّوْجِيَّةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْقَرَابَةِ (قَوْلُهُ: وَالْبَابُ مَا يُتَوَصَّلُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ) أَيْ غَالِبًا (قَوْلُهُ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ) أَيْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى الرَّاجِحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَصْغَرِ، وَجَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا إلَخْ) أَيْ وَيُطْلَقُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي إلَخْ، لَكِنْ فِي ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ:
ــ
[حاشية الرشيدي]
[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ] [السَّبَبُ الْأَوَّل خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ]
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَيْ الْوَاقِعُ فِي اسْتِعْمَالَاتِ الْفُقَهَاءِ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ) التَّعْرِيفَانِ مُتَّحِدَانِ
стр. 107
الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَفْسِيرَ الْحَدَثِ بِغَيْرِ الثَّانِي إلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةً. وَقَدَّمَ هُنَا هَذَا الْبَابَ كَأَصْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ مُحْدِثًا، فَكَانَ الْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ ذَلِكَ وَلَا يُولَدُ جُنُبًا، فَنَاسَبَ تَأْخِيرَ الْغُسْلِ مُطْلَقًا وَتَأْخِيرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَسْبَابَ الْحَدَثِ عَنْ الْوُضُوءِ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الرَّفْعَ لِلطَّهَارَةِ فَرْعُ وُجُودِهَا (هِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ (أَرْبَعَةٌ) فَقَطْ ثَابِتَةٌ بِالْأَدِلَّةِ وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا شِفَاءُ دَائِمِ الْحَدَثِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ مَعَ أَنَّهُ نَادِرٌ، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ.
وَنَزْعُ الْخُفِّ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ وَإِعَادَةَ التَّيَمُّمِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ وُضُوءٍ نَحْوَ السَّلَسِ مَذْكُورٌ حُكْمُهُ فِي بَابِهِ، فَلَا نَقْضَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ وَإِنْ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ النَّقْضَ بِهِ وَذَكَرَ أَنَّ فِيهِ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَابٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ اصْطِلَاحِيٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَجَازِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي) مَا الْمَانِعُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُ هِيَ أَرْبَعَةٌ وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَسْبَابَ الْمَنْعِ أَوْ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ) أَيْ فَلَا إيهَامَ. وَقَدْ يَمْنَعُ بِأَنَّ الْإِيهَامَ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِمَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ، وَأَمَّا جَعْلُ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مُصَحِّحٌ لِلتَّعْبِيرِ لَا دَافِعَ لِلْإِيهَامِ، هَذَا وَيَرُدُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ الْمَعْنَى الثَّانِي إذَا لَمْ تَجْعَلْ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةً أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُ أَسْبَابِ أَسْبَابِ الْحَدَثِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَيَتَعَيَّنُ جَعْلُ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً، أَوْ حَمْلَ الْحَدَثِ عَلَى غَيْرِ الْأَسْبَابِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثِ: فَإِنْ أُرِيدَ أَحَدُ الْأَوَّلَيْنِ: أَيْ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ وَالْمَنْعِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ الثَّالِثِ فَهِيَ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: يُولَدُ مُحْدِثًا) أَيْ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْحَدَثِ حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَأَمَّا شِفَاءٌ دَائِمُ الْحَدَثِ) وَعِبَارَةُ حَجّ وَنَحْوُ شِفَاءِ السَّلَسِ لَا يَرِدُ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ اهـ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ فِي الِانْتِقَاضِ بِشِفَاءٍ دَائِمِ الْحَدَثِ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ بِالْوُضُوءِ ارْتَفَعَ الْمَنْعُ الْخَاصُّ وَهُوَ حُرْمَةُ الْفَرْضِ وَبِشِفَائِهِ زَالَ هَذَا الْمَنْعُ فَعُدَّ نَاقِضًا، وَأَمَّا قَوْلُ حَجّ لَمْ يَرْتَفِعْ فَمُرَادُهُ أَنَّ الْأَمْرَ الِاعْتِبَارِيَّ لَمْ يَرْتَفِعْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ) زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] مَخْصُوصٌ بِمَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا لِقَوْلِهِ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] الْآيَةُ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ وَمَنْ يَرْتَدَّ إلَخْ: قَدْ يُقَالُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ وَهُوَ لَا يُخَصَّصُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ وَإِلَّا كَمَا هُنَا فَإِنْ قَوْله تَعَالَى: يَمُتْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَهُ حُكْمُهُ فَلَهُ مَفْهُومٌ يُخَصِّصُ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا نَقْضَ بِالْقَهْقَهَةِ) إنَّمَا صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ) أَيْ الْبَعِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ: لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَابٌ) زَادَ حَجّ شَافٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا أَجْمَعْنَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ جِهَةِ الْمَاصَدَقَ فَقَطْ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ تَعْرِيفٌ بِالذَّاتِيَّاتِ وَالثَّانِي بِالْخَاصَّةِ وَلِهَذَا قَالَ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ (قَوْلُهُ:، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي) لَعَلَّ مُرَادَهُ بِهُنَا مَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ لَا مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ، إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، أَمَّا الْوَاقِعُ فِي التَّرْجَمَةِ فَالْأَظْهَرُ فِيهِ إرَادَةُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِقَرِينَةِ إضَافَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الثَّانِي إلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ الثَّانِي إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ بِهُنَا مَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ فِيهِ الْمَعْنَى الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِهِ تُوهِمُ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تُسَمَّى حَدَثًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُ هَذَا الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ) هِيَ عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بِأَنَّ مَا سَيَأْتِي مِنْ تَعْلِيلِهَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ، وَالْحَصْرُ فِيهَا تَعَبُّدِيٌّ.
وَيُمْكِنُ تَرْجِيعُ مَا هُنَا إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا: أَيْ بِمَجْمُوعِهَا فَسَاوَتْ الْعِبَارَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ قَوْلُهُ: بَعْدُ: وَأَمَّا شِفَاءُ دَائِمِ الْحَدَثِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ) هَذَا
стр. 108
جَوَابَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَمِمَّا يُضْعِفُ النَّقْضَ بِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِهِ لَا يُعَدِّيه إلَى شَحْمِهِ وَسَنَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. وَرَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا لَا يُسَمِّيَانِ لَحْمًا كَمَا فِي الْأَيْمَانِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ النَّصِّ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَمَّمَ عَدَمَ النَّقْضِ بِالشَّحْمِ مَعَ شُمُولِهِ لِشَحْمِ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ الَّذِي حَكَمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَيْمَانِ بِشُمُولِ اللَّحْمِ لَهُ، وَلَا نَقْضَ أَيْضًا بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَقَيْءٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، لِمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ» .
وَأَمَّا صَلَاتُهُ مَعَ الدَّمِ فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ (أَحَدُهَا خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ) عَيْنًا أَوَرِيحًا طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا جَافًّا أَوْ رَطْبًا مُعْتَادًا كَبَوْلٍ، أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ انْفَصَلَ أَوْ لَا، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ فِي ذَكَرِهِ مِيلًا ثُمَّ أَخْرَجَهُ انْتَقَضَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ الْغَائِطِ بِالنَّصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةُ، وَقَوْلُهُ ﷺ «فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ مَا عَدَاهُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، أَمَّا الْمُشْكِلُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِنَقْضِهِ يَخُصُّهُ بِغَيْرِ شَحْمِهِ إلَخْ اهـ (قَوْلُهُ: فَأَخَذَ) أَيْ الْقَائِلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ (قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَجُلَيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ، وَفِي أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةً فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ بِآخَرَ ثُمَّ بِثَالِثٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَدِمَاؤُهُ تَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ» وَأَمَّا الدَّمُ فَلَعَلَّ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْهُ قَلِيلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَاءٌ يَغْسِلُهُ بِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ أَصَابَهُ مِنْهُ قَلِيلٌ قَدْ يُقَالُ أَوْ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ إلَخْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّمِ الْغَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ إذَا فَقَدَ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَانَتْ نَفْلًا فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ: أَيْ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ) أَيْ أَوْ أَنَّ دَمَ الشَّخْصِ نَفْسِهِ يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَثُرَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَحَدُهَا خُرُوجُ شَيْءٍ) خَرَجَ الدُّخُولُ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ حَجَرٍ لِلْإِرْشَادِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى عَلَى ذَكَرِهِ بَلَلًا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ طُرُوُّهُ لَمْ مِنْ خَارِجٍ خِلَافًا لِلْغَزِّيِّ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رُطُوبَةٌ وَشَكَّ أَنَّهَا مِنْ الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَا يُكَلَّفُ إزَالَتُهَا: أَيْ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْتِصَاقِ رَأْسِ ذَكَرِهِ بِثَوْبِهِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَتِهَا (قَوْلُهُ: انْفَصَلَ أَوْ لَا) وَشَمِلَ ذَلِكَ أَيْضًا خُرُوجُ عُودٍ أَدْخَلَهُ مَلْفُوفًا فِي نَحْوِ خِرْقَةٍ دُونَهَا بِأَنْ سَلَّهُ مِنْهَا وِفَاقًا ل م ﵀ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فِي ذَكَرِهِ مِيلًا) أَيْ مِرْوَدًا (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةُ) فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ: أَيْ وَحَذْفٌ: أَيْ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَاغْسِلُوا إلَى قَوْلِهِ ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] فَيُقَالُ عَقِبَهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ نَظْمَهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّ " أَوْ " فِي " أَوْ جَاءَ " بِمَعْنَى الْوَاوِ الْحَالِيَّةِ، وَيُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ ذَلِكَ أَنْ يُقَدِّرَ جُنُبًا فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] انْتَهَى شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِابْنِ حَجَرٍ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لَا يَدْفَعُ إيرَادَ مَا ذُكِرَ عَلَى الْحَصْرِ إلَّا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ فَلْيُرَاجَعْ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ: فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ) لَعَلَّهُ إنَّمَا احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي خُرُوجِهِ بِنَزْعِ السَّهْمِ، وَإِلَّا فَدَمُ الْإِنْسَانِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ إلَخْ) غَايَةٌ فِي أَصْلِ
стр. 109
فَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجَيْهِ مَعًا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَتَعْبِيرُهُ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ، وَالتَّنْبِيهُ بِالسَّبِيلَيْنِ إذْ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثُ مَخَارِجَ اثْنَانِ مِنْ قُبُلٍ وَوَاحِدٌ مِنْ دُبُرٍ، وَلِشُمُولِهِ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ (إلَّا الْمَنِيَّ) مِنْ نَفْسِهِ الْخَارِجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَأَنْ احْتَلَمَ النَّائِمُ قَاعِدًا عَلَى وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا بِعُمُومِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مَعَ إيجَابِهِمَا الْغُسْلَ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا فَلَا يُجَامِعَانِهِ، بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ يَصِحُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ فَيُجَامِعُهُ.
وَلَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وَإِنْ انْعَقَدَ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّهِ لَكِنْ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى سَائِرَ أَحْكَامِهِ؛ وَلَوْ أَلْقَتْ بَعْضَ وَلَدٍ كَيَدٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا وَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا. وَمِنْ فَوَائِدِ عَدَمِ النَّقْضِ بِالْمَنِيِّ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُغْتَسِلِ بِدُونِ وُضُوءٍ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ لَكَانَ فِيهَا بِدُونِ وُضُوءٍ خِلَافٌ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
﵀ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ) أَيْ أَصْلِيَّانِ بِخِلَافِ الزَّائِدِ فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ: أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِأَنَّهُ زَائِدٌ، وَمِنْهُ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ وَكَانَ يُمْنِي بِأَحَدِهِمَا وَيَبُولُ بِالْآخِرِ، فَمَا أَمْنَى بِهِ هُوَ الزَّائِدُ وَمَا يَبُولُ بِهِ الْأَصْلُ اهـ سم ﵀. أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَالْآخَرُ أَصْلِيًّا وَاشْتَبَهَ فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّقْضَ مَنُوطٌ بِهِمَا لَا بِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ هُنَا إنَّمَا يُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُمَا لَا مِنْ أَحَدِهِمَا. وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا نَعَمْ لَمَّا تَحَقَّقَتْ زِيَادَتُهُ أَوْ احْتَمَلَتْ حُكْمَ مُنْفَتِحٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: أَوَّلَ مَرَّةٍ) بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ وَانْفَصَلَ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي ذَكَرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ إذَا خَرَجَ لِعَدَمِ إيجَابِهِ الْغُسْلَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ) اُعْتُرِضَ بِإِفْسَادِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ، فَأَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ جِمَاعًا فَكَيْفَ يُوجِبُ أَدْوَنُهُمَا وَهُوَ الْقَضَاءُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ مُفْطِرًا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْجِنْسَ هُنَاكَ لِمَا اخْتَلَفَ وَجَبَ الْأَعْظَمُ وَالْأَدْوَنُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يَتَّحِدُ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ حَمْدَانَ. أَقُولُ: قَدْ يَمْنَعُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْقَضَاءِ، بَلْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْقَضَاءَ أَعْظَمُ مِنْ الْكَفَّارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا) أَيْ أَوْ مُضْغَةً جَافَّةً انْتَهَى سم عَلَى حَجّ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ حَجّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِاخْتِلَاطِهَا بِمَنِيِّ الرَّجُلِ: أَيْ أَوْ عَلَقَةً جَافَّةً قِيَاسًا عَلَى الْمُضْغَةِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ كُلًّا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ (قَوْلُهُ: سَائِرُ أَحْكَامِهِ) أَيْ الْمَنِيِّ (قَوْلُهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا بَرَزَ بَعْضُ الْعُضْوِ لَا يُحْكَمُ بِالنَّقْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ؛ لِأَنَّا لَا نَنْقُضُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ تَمَّ خُرُوجُهُ مُنْفَصِلًا حَكَمْنَا بِالنَّقْضِ وَإِلَّا فَلَا م ر وَلَوْ خَرَجَ جَمِيعُ الْوَلَدِ مُتَقَطِّعًا عَلَى دَفْعَاتٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ تَوَاصُلَ خُرُوجِ أَجْزَائِهِ الْمُتَقَطِّعَةِ بِحَيْثُ يُنْسَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَجَبَ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْأَخِيرِ وَتَبَيَّنَ عَدَمُ النَّقْضِ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا بِأَنْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مُتَفَاصِلَةً بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ كَانَ خُرُوجُ كُلِّ وَاحِدٍ نَاقِضًا وَلَا غُسْلَ، وَلَوْ خَرَجَ نَاقِصًا عُضْوًا نَقْصًا عَارِضًا كَأَنْ انْقَطَعَتْ يَدُهُ وَتَخَلَّفَتْ عَنْ خُرُوجِهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْخُرُوجِ لَا فِي عَدَمِ الِانْفِصَالِ (قَوْلُهُ: فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ) إنَّمَا قَصَرَ التَّصْوِيرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، بِخِلَافِ مَنِيِّ السَّلِيمِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِلْزَامُ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ) سَيَأْتِي لَهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْوِلَادَةِ بِلَا بَلَلٍ أَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ بَلَلٍ وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُهُ، وَهُوَ يُنَافِي مَا هُنَا مِنْ عَدَمِ النَّقْضِ.
стр. 110
وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ بِوُضُوئِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَلَوْ نَقَضَ لَنَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ مِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَاءِ صَلَّى مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَجِدْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِالْوُضُوءِ وَتَيَمُّمُهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَنَابَةِ، رُدَّ بِأَنَّهُ غَلَطٌ، إذْ الْجَنَابَةُ مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ الْفَرْضِ الثَّانِي بِدُونِ تَيَمُّمٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُبِيحُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْمُحْدِثِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ
(وَلَوْ) (انْسَدَّ مَخْرَجُهُ) الْأَصْلِيُّ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَنْسَدَّ بِلَحْمَةٍ كَمَا قَالَهُ الْفَزَارِيّ (وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ) مَخْرَجٌ بَدَلَهُ (فَخَرَجَ) مِنْهُ (الْمُعْتَادُ) خُرُوجُهُ (نَقَضَ) إذْ لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَخْرَجٍ فَأُقِيمَ هَذَا مَقَامَهُ (وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ) وَدَمٍ (فِي الْأَظْهَرِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ فِي الْمُعْتَادِ ضَرُورَةً فَكَذَا فِي النَّادِرِ، وَالثَّانِي يَقُولُ لَا ضَرُورَةَ فِي قِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي النَّادِرِ فَلَا نَقْضَ، وَالْمَعِدَةُ مُسْتَقَرُّ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكَانِ الْمُنْخَسِفِ تَحْتَ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا السُّرَّةُ، وَمُرَادُهُمْ بِتَحْتِ الْمَعِدَةِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَبِفَوْقِهَا السُّرَّةُ وَمُحَاذِيهَا وَمَا فَوْقَهَا (أَوْ) انْفَتَحَ (فَوْقَهَا) أَيْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ بِأَنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ الْأَصْلِيُّ (مُنْسَدٌّ أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا) يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْمُعْتَادُ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَوْقِهَا بِالْقَيْءِ أَشْبَهَ إذْ مَا تُحِيلُهُ الطَّبِيعَةُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
تَوَقَّفَ الْغُسْلُ عَلَى خُرُوجِهَا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ. وَقَوْلُهُ عَلَى خُرُوجِهَا: أَيْ عَلَى الِاتِّصَالِ الْعَادِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ غُسْلٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَعْضُ وَلَدٍ، وَهُوَ إنَّمَا يَنْقُضُ عَلَى مَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْخَارِجَ أَوَّلًا لَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلَدِ عُرْفًا أُوجِبَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ حَيْثُ خَرَجَ بَاقِيه مُطْلَقًا.
هَذَا، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ خُرُوجَهُ مُتَفَرِّقًا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ حَتَّى بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ تَحَقَّقَ خُرُوجُ الْوَلَدِ بِتَمَامِهِ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ. وَقَوْلُهُ قَبْلَ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْأَخِيرِ وَهَلْ يَتَبَيَّنُ وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِتَمَامِ خُرُوجِهِ وُجُوبُ الْغُسْلِ فَقَدْ وَقَعَتْ الصَّلَوَاتُ السَّابِقَةُ مَعَ الْجَنَابَةِ، أَوْ لَا يَتَبَيَّنُ وُجُوبُ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ إنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْهُ بِخُرُوجِهِ وَانْقِطَاعِهِ، فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ هُنَا إلَّا بِتَمَامِ الْخُرُوجِ، وَالصَّلَوَاتُ السَّابِقَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الْغُسْلِ مَعَ صِحَّةِ وُضُوئِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجِهُ الْآنَ الثَّانِي اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ لَا وَجْهَ لِغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْوَلَدِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ (قَوْلُهُ: وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ) أَيْ وَمِنْ فَوَائِدِ نِيَّةٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ) أَيْ جِنْسُهُ فَيَصْدُقُ بِمَا لَوْ انْسَدَّ أَحَدُ مَخْرَجَيْهِ ثُمَّ تَفَتَّحَتْ لَهُ ثُقْبَةٌ (قَوْلُهُ: وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ) وَالْمَعِدَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِهِمَا وَبِفَتْحِ الْمِيمِ أَوْ كَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْعَيْنِ فِيهِمَا اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: مَخْرَجٌ بَدَلُهُ) قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا الثُّقْبُ وَكَانَ يَخْرُجُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَعَدِّدِ فَيَنْبَغِي النَّقْضُ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ سَوَاءٌ أَحَصَلَ انْفِتَاحُهُ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِيِّينَ م ر وَيَجُوزُ لِلْحَلِيلِ الْوَطْءُ فِي هَذَا الثَّقْبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَلِيلَةِ دُبُرٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هُوَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَهَذَا لَيْسَ دُبُرًا م ر اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ مِنْهُ) التَّعْقِيبُ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْفَاءُ لَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا نَادِرٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّادِرِ غَيْرُ الْمُعْتَادِ فَيَشْمَلُ مَا لَمْ يُعْتَدْ لَهُ خُرُوجٌ أَصْلًا وَلَا مَرَّةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: مَا تَحْتَ السُّرَّةِ) أَيْ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهَا فَلَا عِبْرَةَ بِانْفِتَاحِهِ فِي السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا) بَقِيَ مَا لَوْ انْفَتَحَ وَاحِدٌ تَحْتَهَا وَآخَرُ فَوْقَهَا، وَالْوَجْهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا تَحْتَهَا، وَلَوْ انْفَتَحَ اثْنَانِ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ فَهَلْ يَنْقُضُ خَارِجُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا أَوْ لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْأَصْلِيِّ مِنْ الْآخَرِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ. أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا تَنْزِيلًا لَهُمَا مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ حَوَاشِي الْبَهْجَةِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِي الثُّقْبِ فَيَشْمَلُ الْمُتَحَاذِيَةَ وَمَا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (قَوْلُهُ: بِأَنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ) هَذِهِ الصُّورَةُ لَا يَشْمَلُهَا لَفْظُ الْفَرْقِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعِدَةِ فِي كَلَامِهِمْ نَفْسُ السُّرَّةِ، لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَبِفَوْقِهَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 111
تُلْقِيه إلَى أَسْفَلَ وَمِنْ تَحْتِهَا لَا ضَرُورَةَ إلَى مَخْرَجِهِ مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْخُرُوجِ تَحَوَّلَ مَخْرَجُهُ إلَى مَا ذُكِرَ، وَعَلَى هَذَا يَنْقُضُ النَّادِرُ فِي الْأَظْهَرِ. وَوَقَعَ لِلشَّارِحِ فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِهِ زِيَادَةٌ لَا قُبُلَ يَنْقُضُ وَصَوَابُهُ حَذْفُهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَلَوْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا وَالْأَصْلُ مُنْفَتِحٌ فَلَا نَقْضَ كَالْقَيْءِ. وَقَوْلُهُ أَوْ فَوْقَهَا هُوَ مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَحُكِيَ عَنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ فَوْقَهُ: أَيْ فَوْقَ تَحْتِ الْمَعِدَةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ الِانْفِتَاحَ فِي نَفْسِ الْمَعِدَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالنَّقْضِ فِي الْمُنْفَتِحِ فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ إجْزَاءِ الْحَجَرِ وَإِيجَابِ وُضُوءٍ بِمَسِّهِ وَغُسْلٍ بِإِيلَاجٍ فِيهِ، وَهَذَا فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ.
أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ كَالْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمُنْسَدُّ حِينَئِذٍ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى لَا وُضُوءَ بِمَسِّهِ وَلَا غُسْلَ بِإِيلَاجِهِ وَلَا بِإِيلَاجٍ فِيهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ تَصْرِيحًا بِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالِانْفِتَاحِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنْ نَحْوِ فَمِهِ لَا يُنْقَضُ لِانْفِتَاحِهِ أَصَالَةً
(الثَّانِي زَوَالُ الْعَقْلِ) أَيْ التَّمْيِيزُ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالسَّهُ الدُّبُرُ، وَوِكَاؤُهُ حِفَاظُهُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَالْعَيْنَانِ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَقِظَةِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْيَقِظَةَ هِيَ الْحَافِظَةُ لِمَا يَخْرُجُ، وَالنَّائِمُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّقْضُ بِالنَّوْمِ أَلْحَقَ بِهِ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّ الذُّهُولَ مَعَهَا أَبْلَغُ مِنْ النَّوْمِ وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
السُّرَّةُ وَمُحَاذِيهَا وَمَا فَوْقَهَا، وَعَلَيْهِ فَالتَّعْبِيرُ بِفَوْقَ إمَّا مَجَازٌ فِي السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا، أَوْ هُوَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ كَأَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ فَوْقَ تَحْتَهَا (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَمَا حَكَيْنَاهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالثَّانِي يَنْقُضُ (قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ) أَيْ النَّقْضُ، وَأَمَّا الْأَصْلِيُّ فَأَحْكَامُهُ بَاقِيَةٌ (قَوْلُهُ: لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ) اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَ النَّقْضِ بِالنَّوْمِ بِهِ مُمْكِنًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِلْأَمْنِ حِينَئِذٍ مِنْ خُرُوجِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ سم. وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَالْأَصْلِيِّ) هَلْ مِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَنَدَبَهُ فِي غَيْرِهَا اهـ سم، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَنَدَبَهُ: أَيْ نَدَبَ تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ.
وَقَوْلُ سم: هَلْ مِنْ ذَلِكَ الظَّاهِرِ؟ نَعَمْ وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَانَ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِهِ مَعَ عَيْنِ الْخَارِجِ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ الْبَيْتِ (قَوْلُهُ وَلَا بِالْإِيلَاجِ فِيهِ) أَيْ وَهُوَ جَائِزٌ (قَوْلُهُ: لِانْفِتَاحِهِ أَصَالَةً) اعْتَمَدَ حَجّ أَنَّ الْفَمَ يَنْقُضُ مَا خَرَجَ مِنْهُ حِينَئِذٍ اهـ. قَالَ سم عَلَيْهِ: هَلْ يَنْقُضُ حِينَئِذٍ خُرُوجُ رِيقِهِ وَنَفَسِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ نَاقِضٌ، وَالنَّقْضُ بِذَلِكَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ، وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِمَا يَطْرَأُ انْفِتَاحُهُ دُونَ الْمُنْفَتِحِ أَصَالَةً.
(مَسْأَلَةٌ) لَوْ خُلِقَ إنْسَانٌ بِلَا دُبُرٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ مَخْرَجٌ وَقُلْنَا بِمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُنْفَتِحَ أَصَالَةً كَالْفَمِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِيِّ فَهَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ هَذَا بِالنَّوْمِ الْغَيْرِ الْمُمَكَّنِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ النَّوْمَ الْغَيْرَ الْمُمَكَّنِ نَاقِضٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ أَنَّ النَّوْمَ الْغَيْرَ الْمُمَكَّنِ مَظِنَّةُ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ الدُّبُرِ إذْ لَا دُبُرَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ النَّقْضَ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ وَاكْتِفَاءً بِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْخُرُوجِ فِي الْجُمْلَةِ: أَيْ بِالنَّظَرِ لِغَيْرِ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الْأَوَّلَ. لَا يُقَالُ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُرُوجَ مِنْ الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِنُدْرَتِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الْحَالَةُ فَيُقَامُ فِيهَا الْقُبُلُ مَقَامَ الدُّبُرِ حَتَّى فِي خُرُوجِ الرِّيحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَنْ زَالَ التَّمْيِيزُ بِمَرَضٍ قَامَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ) أَيْ بِالنَّقْضِ، وَمُرَادُهُ اخْتِصَاصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّقْضِ لِيَشْمَلَ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا
стр. 112
نَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِهِ، فَأُقِيمَ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا أُقِيمَتْ الشَّهَادَةُ الْمُفِيدَةُ لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى احْتِمَالِ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ أَكَانَ مُتَمَكِّنَ الْمَقْعَدَةِ أَمْ لَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ وَالْعَقْلُ صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، وَقِيلَ غَرِيزَةٌ يَتْبَعُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الِانْتِقَاضِ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي خَصَائِصِهِ؛ وَخَرَجَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ النُّعَاسُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَأَوَائِلُ نَشْوَةِ السُّكْرِ فَلَا نَقْضَ بِهَا؛ وَمِنْ عَلَامَاتِ النُّعَاسِ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا، فَلَوْ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعِسَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ (إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ) مِنْ مَقَرِّهِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
زَوَالَ الْعَقْلِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ) عِبَارَةِ النِّهَايَةِ الْمَظَانُّ جَمْعُ مَظِنَّةٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ الشَّيْءِ وَمَعْدِنِهِ مِفْعَلَةٌ مِنْ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فَتْحُ الظَّاءِ وَإِنَّمَا كُسِرَتْ لِأَجْلِ الْهَاءِ اهـ (قَوْلُهُ: رِيحٌ يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ) وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الدَّمِيرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ يَكْثُرُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ قُبُلِهِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ غَيْرَ مُمَكَّنٍ قُبُلُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ) وَمِثْلُهُ الْجُنُونُ وَالسُّكْرُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْمَظِنَّةَ مَقَامَ الْيَقِينِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَرِيزَةٌ) هُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ مَفْهُومًا وَلَعَلَّ مَا صَدَقَهُمَا وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُهُ رَأْسُهُ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى النُّورِ مِنْ الشَّمْسِ وَالرُّؤْيَا مِنْ الْعَيْنِ، وَمَنْ عَكَسَ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ اسْتِلْزَامُهُ لَهُ وَأَنَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِهِ لَا بِالْعَقْلِ اهـ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي خَصَائِصِهِ) وَكَنَبِيِّنَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الزِّيَادَيْ، أَوْ نَوْمٌ أَوْ لِغَيْرِ نَبِيٍّ اهـ.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، وَمِثْلُ النَّوْمِ فِي حَقِّهِمْ الْإِغْمَاءُ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُمْ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي التَّحْرِيرِ لِشَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ ﵀ مَا نَصُّهُ: قَوْلٌ أَوْ نَوْمٌ: أَيْ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا هُمْ فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِمْ، وَأَمَّا إغْمَاؤُهُمْ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ، وَيَجُوزُ الْإِغْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَنَبَّهَ السُّبْكِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ لَيْسَ كَالْإِغْمَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ غَلَبَةُ الْأَوْجَاعِ لِلْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ فَقَطْ دُونَ الْقَلْبِ، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ إنَّمَا تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ، فَإِذَا حُفِظَتْ قُلُوبُهُمْ وَعُصِمَتْ مِنْ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَخَفُّ مِنْ الْإِغْمَاءِ فَمِنْ الْإِغْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى اهـ، وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ جِدًّا اهـ بِحُرُوفِهِ وَمِنْ النَّاقِضِ أَيْضًا اسْتِغْرَاقُ الْأَوْلِيَاءِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ (قَوْلُهُ: وَأَوَائِلُ نَشْوَةٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بِلَا هَمْزٍ (قَوْلُهُ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ) خَرَجَ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مَا لَوْ تَيَقَّنَ الرُّؤْيَا مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ نَوْمٍ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ بِخِلَافِهِ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُرَحِّجَةٌ لِأَحَدِ طَرَفَيْهِ اهـ. وَنَازَعَ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ سم عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَمِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَنْ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا وَلَوْ احْتِمَالًا فَلَا نَقْضَ فِيهِمَا وَإِلَّا حَصَلَ النَّقْضُ فِيهِمَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ نَعَسَ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: نَعُسَ يَنْعَسُ بِالضَّمِّ وَمِثْلُهُ فِي الصِّحَاحِ اهـ (قَوْلُهُ: إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: إلَّا نَوْمَ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ إلَخْ، قَالَ سم عَلَيْهِ: التَّقْيِيدُ بِالْقَاعِدِ الَّذِي زَادَهُ قَدْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
عَلَيْهِ لَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ
[الثَّانِي مِنْ أَسْبَاب الْحَدَث زَوَالُ الْعَقْلِ]
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ لِكَوْنِ زَوَالِ الْعَقْلِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ فَخَرَجَ النَّادِرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْمَظَانُّ جَمْعُ مَظِنَّةٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الشَّيْءِ وَمَعْدِنُهُ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَرَارُ فَيَتَأَتَّى مَعَهُ التَّمَكُّنُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الذُّهُولَ مَعَهُ أَيْ كَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ أَبْلَغُ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَرِيزَةٌ) هُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ مَفْهُومًا وَمَاصَدَقًا كَمَا لَا يَخْفَى خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
стр. 113
وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ كَمَا عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الْعَقْلِ بِمَا ذُكِرَ فَلَا يَنْقُضُ لِأَمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ رِيحٍ مِنْ قُبُلِهِ لِنُدْرَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ التَّنْبِيهِ، وَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ نَوْمُ الصَّحَابَةِ ﵃ حَيْثُ كَانُوا يَنَامُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ، وَشَمِلَتْ عِبَارَةُ الْأَرْضِ وَالدَّابَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُتَمَكِّنِ بَيْنَ أَنْ يَنَامَ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ أَوَّلًا، وَدَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا: أَيْ ضَامًّا ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِعِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا نَقْضَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَائِمَ قَدْ يَكُونُ مُمَكِّنًا كَمَا لَوْ انْتَصَبَ وَفَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَأَلْصَقَ الْمَخْرَجَ بِشَيْءٍ مُرْتَفِعٍ إلَى حَدِّ الْمَخْرَجِ، وَلَا يَتَّجِهُ إلَّا أَنَّ هَذَا تَمَكُّنٌ مَانِعٌ مِنْ النَّقْضِ فَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ، وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: لِأَمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِأَمْنِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ نَائِمًا غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَعْصُومٍ كَالْخَضِرِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ نَبِيٌّ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَدْ يُنَازِعُهُ قَاعِدَةُ أَنَّ مَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ اهـ.
(فَرْعٌ) خُلِقَتْ السُّرَّةُ فِي مَحَلٍّ أَعْلَى مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ كَصَدْرِهِ، أَوْ الرُّكْبَةُ أَسْفَلَ مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ، فَالْوَجْهُ اعْتِبَارُهُمَا دُونَ مَحَلِّهِمَا الْغَالِبِ فَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ مَحَلِّهِمَا الْغَالِبِ، وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ سُرَّةٌ أَوْ رُكْبَةٌ قَدَّرَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اُبْتُلِيَ بِهِ وَكَثُرَ نُقِضَ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ النَّقْضِ بِهِ مُطْلَقًا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ شَرَفٍ عَنْ الشَّارِحِ اهـ (قَوْلُهُ: بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الِانْفِتَاحُ أَصْلِيًّا أَوْ عَارِضًا وَهُوَ الْمُحْتَاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، أَمَّا الْأَصْلِيُّ فَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ، أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ كَالْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ. هَذَا، وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَصْلِيِّ ثَابِتَةٌ لَهُ فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ الِانْتِقَاضُ بِالنَّوْمِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا لَهُ، وَعَلَيْهِ فَإِذَا مَكَّنَ الْمُنْفَتِحُ دُونَ الْأَصْلِيِّ وَنَامَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
(فَائِدَةٌ) لَوْ خُلِقَ لَهُ فَرْجَانِ أَصْلِيَّانِ نَقَضَ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ أَصْلِيٌّ وَزَائِدٌ وَاشْتَبَهَ فَلَا نَقْضَ بِخَارِجٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلشَّكِّ، فَلَوْ انْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَانْفَتِحْ ثُقْبَةٌ تَحْتَ الْمَعِدَةِ فَلَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ انْسِدَادَ الْأَصْلِيِّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْسِدَادِهِمَا مَعًا، وَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ الَّذِي لَمْ يَنْسَدَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصْلِيًّا فَالنَّقْضُ بِهِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ، فَالنَّقْضُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ سَوَاءٌ كَانَ زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ الثُّقْبَةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ نَامَ مُمَكِّنًا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ إنْ قَصُرَ، وَكَذَا إنْ طَالَ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ، فَإِنْ طَالَ فِي قَصِيرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. لَا يُقَالُ كَيْفَ تَبْطُلُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَامِدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَتْ مُقَدَّمَاتُ النَّوْمِ تَقَعُ بِالِاخْتِيَارِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْعَامِدِ م ر ﵀ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي النَّائِمِ قَاعِدًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقَاعِدِ لَا تَمْكِينَ لَهُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ سم ﵀.
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ) عِبَارَةُ حَجّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ نَوْمَ الْمُمَكِّنِ لَا يَنْقُضُ، وَعَلَيْهِ حَمَلْنَا خَبَرَ مُسْلِمٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: يَنَامُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ اهـ. وَقَدْ يُشْعِرُ قَوْلُهُ؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِأَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ الْأَرْضِ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَلَمْ نَرَ لَفْظَ الْأَرْضِ مَذْكُورًا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ لَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَلَا فِي الْمِشْكَاةِ وَلَا فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ. وَفِي النِّهَايَةِ حَدِيثُ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ: أَيْ حَتَّى تَسْقُطَ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْخُفُوقِ وَالِاضْطِرَابِ اهـ.
وَاقْتِصَاره فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَيْ حَتَّى إلَخْ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ لَفْظَ الْأَرْضِ فِي رِوَايَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ لَا يَخْفَى: أَنَّ النَّوْمَ الْمَذْكُورَ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ أَيْ زَوَالُ الْعَقْلِ بِشَيْءٍ لَا لَوْمَ إلَى آخِرِهِ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ (قَوْلُهُ: بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ) أَيْ
стр. 114
بِهِ، وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ قَاعِدًا هَزِيلًا بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مَحْمُولٌ عَلَى هَزِيلٍ لَيْسَ بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَوَّلِ بِالتَّجَافِي مَا لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ شَيْءٍ لَوْ خَرَجَ بِلَا إحْسَاسٍ عَادَةً وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ عَلَى قَفَاهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ بِمَقَرِّهِ، وَلَوْ زَلَّتْ إحْدَى أَلْيَتَيْ نَائِمٍ مُمَكِّنٍ قَبْلَ انْتِبَاهِهِ نُقِضَ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِهِ أَوْ فِي أَنَّهُ نَائِمٌ أَوْ نَاعِسٌ أَوْ فِي أَنَّهُ مُمَكِّنٌ أَوَّلًا أَوْ أَنَّ مَا خَطَر بِبَالِهِ رُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ فَلَا
(الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) أَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ وَلَوْ مَعَ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعُضْوُ زَائِدًا أَمْ أَصْلِيًّا سَلِيمًا أَمْ أَشَلَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ وَهُوَ الْجَسُّ بِالْيَدِ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ لَا جَامَعْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقَدْ عُطِفَ اللَّمْسُ عَلَى الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ حَدَثًا كَالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مَظِنَّةُ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الذَّكَرُ فَحْلًا أَمْ عِنِّينًا أَمْ مَجْبُوبًا أُمّ خَصِيًّا أَمْ مَمْسُوحًا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُنْثَى عَجُوزًا هِمًّا لَا تُشْتَهَى غَالِبًا أَمْ لَا، إذْ مَا مِنْ سَاقِطَةٍ إلَّا وَلَهَا لَاقِطَةٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ أَمْ غَيْرِهَا.
وَالْبَشَرَةُ مَا لَيْسَ بِشَعْرٍ وَلَا سِنٍّ وَلَا ظُفْرٍ، فَشَمِلَ مَا لَوْ وَضَحَ عَظْمَ الْأُنْثَى وَلَمَسَهُ: أَيْ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ، وَشَمِلَ اللَّحْمُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ وَاللِّسَانِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ وَمَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا حَائِلَ وَإِلَّا فَلَا نَقْضَ وَلَوْ رَقِيقًا لَا يَمْنَعُ إدْرَاكَهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَخُوفُ الْمُفْرِطُ (قَوْلُهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ) أَيْ وَلَوْ مُسْتَقِرًّا سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) قَالَ م ر: هِيَ شَامِلَةٌ لِلْجِنِّيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ تَحَقَّقَ كَوْنُ الْمَلْمُوسَةِ مِنْ الْجِنِّ أُنْثَى مِنْهُمْ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَزَوُّجُ الْجِنِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي أُنُوثَةِ الْمَلْمُوسِ مِنْهُمْ إذْ لَا نَقْضَ بِالشَّكِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ تَصَوَّرَ وَلِيٌّ بِصُورَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مُسِخَ رَجُلٌ امْرَأَةً هَلْ يَنْقُضُ أُمّ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْأُولَى عَدَمُ النَّقْضِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ عَيْنَهُ لَمْ تَنْقَلِبْ، وَإِنَّمَا انْخَلَعَ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الذُّكُورَةِ، وَأَمَّا الْمَسْخُ فَالنَّقْضُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ لِقُرْبِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِيهِ بِعَدَمِ النَّقْضِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ الصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: لَا يُكْتَفَى بِالْخَيَالِ فِي الْفَرْقِ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَعَقَّبَهُ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَنْقَدِحُ عَلَى بُعْدٍ دُونَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْجَمْعِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُ بِأَنَّ كُلَّ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ: أَيْ عِنْدَ ذَوِي السَّلِيقَةِ السَّلِيمَةِ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُمْ يَكْثُرُ مِنْهُ الزَّلَلُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: الْفِقْهُ فَرْقٌ وَجَمْعٌ اهـ (قَوْلُهُ: عَجُوزًا هِمًّا) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْهِمُّ الشَّيْخُ الْفَانِي وَالْمَرْأَةُ هِمَّةٌ اهـ بِحُرُوفِهِ؛ فَكَانَ الْأَوْلَى إلْحَاقُ الْهَاءِ (قَوْلُهُ: إذْ مَا مِنْ سَاقِطَةٍ) أَيْ مَا مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا سَاقِطَةٍ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِخِسَّتِهَا إلَّا وَلَهَا نَسَمَةٌ لَاقِطَةٌ: أَيْ إلَّا وَلَهَا مَنْ تَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهَا مَعَ خِسَّتِهَا، فَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَنْ يَرْغَبُ فِيهَا وَتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهَا. وَفِي الْمُخْتَارِ: وَهَذَا الْفِعْلُ مَسْقَطَةٌ لِلْإِنْسَانِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِوَزْنِ مَشْرَبَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَالسَّاقِطُ وَالسَّاقِطَةُ اللَّئِيمُ فِي حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ اهـ ﵀ (وَقَوْلُهُ عَظْمَ أُنْثَى وَلَمَسَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ بِلَمْسِهِ الْآنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ قَبْلَ زَوَالِ الْجِلْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ السِّنَّ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ) وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْبَشَرَةِ هُنَا غَيْرُ الشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ (قَوْلُهُ: وَاللِّثَةُ) عَطْفُ جُزْءٍ عَلَى كُلٍّ، إذْ اللِّثَةُ بَعْضُ لَحْمِ الْأَسْنَانِ، إذْ هِيَ مَا عَلَى الثَّنَايَا وَمَا حَوْلَهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَعُلِمَ مِنْ الِالْتِقَاءِ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِاللَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ إلَخْ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الشَّارِحِ لَهَا قَيْدًا؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْبَشَرَةِ يُخْرِجُ الْحَائِلَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رَقِيقًا لَا يَمْنَعُ إدْرَاكَهَا) زَادَ حَجّ بَعْدُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْقَائِمِ مَقَامَ الدُّبُرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
[الثَّالِثُ الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ]
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ اللَّحْمَ) أَيْ الْمَشْمُولَ بِقَوْلِهِ، وَالْبَشَرَةُ مَا لَيْسَ بِشَعْرٍ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
стр. 115
وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ الذَّكَرَانِ وَلَوْ أَمْرَدَ حَسَنًا وَالْأُنْثَيَانِ وَالْخُنْثَيَانِ وَالْخُنْثَى وَالذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ لِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ، وَشَمِلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ النَّقْضَ بِلَمْسِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ اكْتِفَاءً بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَحِلَّ لَهُ فِي وَقْتٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْضِ بِنَحْوِ الْمَجُوسِيَّةِ وَجَعْلَهَا كَالذَّكَرِ فِي جَوَازِ تَمَلُّكِ الرَّجُلِ لَهَا فِي بَابِ اللُّقَطَةِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّمْسَ أَشَدُّ تَأْثِيرًا لِإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ حَالًا مِنْ الْمِلْكِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اللَّمْسُ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا وَالْآيَةُ شَمِلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ وُضُوءَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَيِّ (إلَّا مَحْرَمًا فِي الْأَظْهَرِ) فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ. وَالثَّانِي يَنْقُضُ لِعُمُومِ النِّسَاءِ فِي الْآيَةِ، وَالْأَوَّلُ اسْتَنْبَطَ مِنْهَا مَعْنًى خَصَّصَهَا.
وَالْمَحْرَمُ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، وَاحْتَرَزَ بِالتَّأْبِيدِ عَمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَ الزَّوْجَةِ كَأُخْتِهَا، وَبِالْمُبَاحِ عَنْ أُمِّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتِهَا فَإِنَّهُمَا يَحْرُمَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَيْسَتَا بِمَحْرَمٍ لَهُ لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ، إذْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا تَحْرِيمٍ. وَلَا يَرِدُ عَلَى الضَّابِطِ زَوْجَاتُهُ ﷺ أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ وَلَسْنَ بِمَحَارِمَ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِحُرْمَتِهِ ﷺ لَا لِحُرْمَتِهِنَّ، وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مِثْلُ مَا ذَكَرَ، وَمِنْهُ مَا تَجَمَّدَ مِنْ غُبَارٍ يُمْكِنُ فَصْلُهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَشْمِ لِوُجُوبِ إزَالَتِهِ، لَا مِنْ نَحْوِ عِرْقٍ حَتَّى صَارَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْجِلْدِ انْتَهَى ﵀.
وَكَالْعِرْقِ بِالْأَوْلَى فِي النَّقْضِ مَا يَمُوتُ مِنْ جِلْدِ الْإِنْسَانِ بِحَيْثُ لَا يُحِسُّ بِلَمْسِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِغَرْزِ نَحْوِ إبْرَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَهُوَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَنْقُضُ، وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ يَبِسَتْ جِلْدَةُ جَبْهَتِهِ حَتَّى صَارَتْ لَا يُحِسُّ بِهِمْ يُصِيبُهَا، فَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهَا، وَلَا يُكَلَّفُ إزَالَةَ الْجِلْدِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ إزَالَتِهِ مَشَقَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمْرَدَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ أَمْرَدَ حَسَنًا (قَوْلُهُ: وَالْأُنْثَيَانِ) أَيْ وَلَوْ الْتَذَّتَا بِاللَّمْسِ وَكَانَتْ عَادَتُهُمَا السِّحَاقَ (قَوْلُهُ: وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلَى النِّصْفِ عَلَى مَا يَأْتِي لَهُ ﵀ (قَوْلُهُ: فِي بَابِ اللُّقَطَةِ) أَيْ وَالْقَرْضُ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ: فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَيِّ) أَيْ لَا الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّأْبِيدِ) أَيْ فَيَنْتَقِصُ لِمَسِّهِمَا (قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالتَّأْبِيدِ إلَخْ) مَا أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ يَخْرُجُ بِمَا قَبْلَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهِ بِهِ، بَلْ كُلٌّ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ فَهُمَا تَعْرِيفَانِ أَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا أُخْتُ الزَّوْجَةِ فَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا إنَّمَا هُوَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهَا (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتَا بِمُحْرِمٍ لَهُ) أَيْ فَيَنْقُضُ لَمْسُهُمَا (قَوْلُهُ: إذْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ) مَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ وَطِئَ أَمَةً فَرْعَهُ أَوْ مُشْتَرَكَةً، فَإِنَّ وَطْأَهُ حَرَامٌ مَعَ كَوْنِهِ شُبْهَةً، فَقَوْلُهُمْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَحَلُّهُ فِي شُبْهَةِ الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلِّ وَالطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ عَلَى الضَّابِطِ زَوْجَاتُهُ) وَكَذَلِكَ زَوْجَاتُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُضَاعِيِّ، لَكِنْ هَلْ تَحْرِيمُهُنَّ عَلَى أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ خَاصَّةً أَوْ لَا حَتَّى يَحْرُمَ زَوْجَاتُ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي الرَّمْلِيِّ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَحْرُمُ نِكَاحُ أَزْوَاجِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَهُ الْقُضَاعِيُّ فِي عُيُونِ الْمَعَارِفِ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ حُرْمَتِهِنَّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَحُرْمَتُهُنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ زَوْجَاتِهِ ﷺ فَحَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْقُضَاعِيِّ أَوَّلًا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عَنْهُ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ) فِي دَعْوَى صِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ نَظَرَ لِخُرُوجِهِنَّ عَنْ التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ) إخْرَاجُهَا إنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا؛ لِأَنَّهَا لَا يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
اللَّحْمُ مَنْصُوبًا وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا، لَكِنْ وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ خَفَاءُ حُكْمِهَا (قَوْلُهُ: بِسَبَبٍ مُبَاحٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، فَهُمَا تَعْرِيفَانِ مُسْتَقِلَّانِ مَرْجِعُهُمَا وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ) مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُنَّ خَرَجْنَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا كَمَا خَرَجَ بِهِمَا الْمُلَاعَنَةُ (قَوْلُهُ: وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ) أَيْ حَيْثُ يَحْرُمُ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا بِوَطْئِهَا
стр. 116
حُرْمَتَهَا لِعَارِضٍ يَزُولُ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ لَمْ يُنْتَقَضْ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ عَمَلًا بِأَصْلِ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ شَكَّ هَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَمْ لَا، أَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ وَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِشَرْطِهِ وَلَمَسَهَا لَمْ يُنْتَقَضْ طُهْرُهُ وَلَا طُهْرُهَا، إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ الطُّهْرِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا فِي تَبْعِيضِ الْأَحْكَامِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ وَثَبَتَ نَسَبُهَا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الزَّوْجُ حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ مَعَ ثُبُوتِ أُخُوَّتِهَا مِنْهُ.
وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: زَوْجَانِ لَا نَقْضَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ النَّقْضِ مَا لَمْ يَلْمِسْ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَاطِ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عِدَّةِ مَحَارِمِهِ وَإِلَّا انْتَقَضَ (وَالْمَلْمُوسُ) وَهُوَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّمْسُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (كَلَامِسٍ) (فِي الْأَظْهَرِ) فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي لَذَّةِ اللَّمْسِ كَالْمُشْتَرَكِينَ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ، وَالثَّانِي لَا نَقْضَ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى اللَّامِسِ (وَلَا تُنْقَضُ صَغِيرَةٌ) لَا تُشْتَهَى عُرْفًا، وَكَذَا صَغِيرٌ لِانْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ (وَشَعْرٌ وَسِنٌّ وَظُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى بِلَمْسِ الْمَذْكُورَاتِ لِعَدَمِ الِالْتِذَاذِ بِلَمْسِهَا وَإِنْ اُلْتُذَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَشَمِلَ الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الْفَرْجِ فَلَا نَقْضَ بِهِ. وَالثَّانِي يَنْقُضُ نَظَرًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ فِي عُمُومِهَا لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ. وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ لَمْسِ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ النَّاشِرِيُّ فِي نُكَتِهِ: إنَّ الْعُضْوَ إذَا كَانَ دُونَ النِّصْفِ مِنْ الْآدَمِيِّ لَمْ يَنْقُضْ بِلَمْسِهِ، أَوْ فَوْقَهُ نَقَضَ، أَوْ نِصْفًا فَوَجْهَانِ انْتَهَى. وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ أُنْثَى نَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلِهَذَا قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: الْأَقْرَبُ إنْ كَانَ قَطَعَ مِنْ نَفْسِهِ فَالْعِبْرَةُ بِالنِّصْفِ الْأَعْلَى، وَإِنْ شُقَّ نِصْفَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا
(الرَّابِعُ مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَشَمِلَ مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بَارِزًا حَالَ اتِّصَالِهِ وَمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ) أَيْ فَلَوْ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ أَرَادَ تَجْدِيدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ تَيَقُّنُ حِلِّ الْمَنْكُوحَةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَيُحْتَمَلُ صِحَّتُهَا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ) تَوَهَّمَ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ مِنْ الْعِلَّةِ نَقْضَ وُضُوءِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ مَلْمُوسَهَا وَهُوَ الْكَبِيرُ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَإِنَّهَا لِصِغَرِهَا لَيْسَتْ مَظِنَّةً لِاشْتِهَائِهَا الْمَلْمُوسُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا كَمَا لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الِالْتِذَاذِ) يُخَالِفُهُ مَا قَرَّرُوهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِالْتِذَاذِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا نَفْيُ اللَّذَّةِ الْقَوِيَّةِ الْمُثِيرَةِ لِلشَّهْوَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي النِّكَاحِ مُجَرَّدُ الِالْتِذَاذِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا احْتِيَاطًا لِحُرْمَةِ الْمَسِّ (قَوْلُهُ: أَوْ فَوْقَهُ نُقِضَ) قَضِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً
(قَوْلُهُ: مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) شَمِلَ إطْلَاقَهُ السِّقْطَ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَنْفُخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ هَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُقَالُ بِعَدَمِ النَّقْضِ لِتَعْلِيقِهِمْ النَّقْضَ بِمَسِّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ، وَهَذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ أَصْلٌ آدَمِيٌّ اهـ (قَوْلُهُ: الْآدَمِيُّ أَيْضًا) قَدْ يُخْرِجُ الْجِنِّيَّ.
وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ أَنْ عَلَّلَ عَدَمَ نَقْضِ مَسِّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَهًى طَبْعًا مَعَ أَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهَا وَلَا حُرْمَةَ لَهَا مَا نَصُّهُ: وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا النَّقْضِ بِلَمْسِ فَرْجِ الْجِنِّيِّ إذَا تَحَقَّقَ مَسُّهُ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعَبُّدَ وَلَهُ حُرْمَةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَارِزًا) أَيْ وَإِنْ طَالَ جِدًّا (قَوْلُهُ حَالَ اتِّصَالِهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِثْلُهُ الْقُلْفَةُ حَالَ اتِّصَالِهَا اهـ أَيْ فَإِنْ قُطِعَا فَلَا نَقْضَ بِمَسِّهِمَا (قَوْلُهُ: وَمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ جَمِيعَ مُلْتَقَاهُمَا نَاقِضٌ، وَفِي شَرْحِهِ عَلَى الْعُبَابِ الْمُرَادُ بِمُلْتَقَاهُمَا طَرَفُ الْأَسْكَتَيْنِ الْمُنْضَمَّتَيْنِ عَلَى الْمَنْفَذِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَسُّهُمَا بَلْ مَسُّ إحْدَاهُمَا مِنْ بَاطِنِهَا أَوْ ظَاهِرِهَا نَاقِضٌ، بِخِلَافِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
حَيْثُ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مَعَ أَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ إلَخْ) اُنْظُرْ بَقِيَّةَ الْأَحْكَامِ كَإِرْثِهَا مِنْهُ هَلْ تَتْبَعُ الزَّوْجِيَّةَ أَوْ الْأُخُوَّةَ (قَوْلُهُ:، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ) اُنْظُرْ هَلْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلنِّصْفِ أَوْ لِلْعُضْوِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ
[الرَّابِعُ مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ]
(قَوْلُهُ: مَا يُقْطَعُ) خَرَجَ بِهِ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَقَوْلُهُ حَالَ اتِّصَالِهِ خَرَجَ بِهِ حَالُ انْفِصَالِهِ فَلَا نَقْضَ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ
стр. 117
(بِبَطْنِ الْكَفِّ) بِلَا حَائِلٍ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَمَسُّ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِهِ أَفْحَشُ مِنْ مَسِّهِ مِنْ نَفْسِهِ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى النَّقْضُ إلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ الْمُنْطَبِقِ عِنْدَ وَضْعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ الذَّكَرَ الْمُبَانَ لِصِدْقِ الِاسْمِ. وَأَمَّا فَرْجُ الْمَرْأَةِ الْمُبَانُ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الِاسْمُ وَإِلَّا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الذَّكَرَ لَوْ قُطِعَ وَدَقَّ حَتَّى
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مَوْضِعِ خِتَانِهَا: أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا اهـ بِحُرُوفِهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ فِي الْجِنَايَاتِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَرْعٌ فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ مَا نَصُّهُ: قَوْلُ الشَّارِحِ وَهُمَا: أَيْ الشَّفْرَانِ طَرَفَا الْفَرْجِ هَذَا تَابِعٌ لِلْأَزْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ الْأَسْكَتَيْنِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ وَالشَّفْرَانِ طَرَفَاهُمَا، كَمَا أَنَّ أَشْفَارَ الْعَيْنِ أَهْدَابُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الشَّفْرَانِ هُمَا اللَّحْمَانِ الْمُحِيطَانِ بِالْفَرْجِ إحَاطَةً الشَّفَةِ بِالْفَمِ اهـ بِحُرُوفِهِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ عَلَى الْمَنْفَذِ: أَيْ الْمُحِيطَيْنِ بِهِ إحَاطَةَ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ بِهَوَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ الشَّارِحِ، وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ هُنَا، وَعِبَارَةُ حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ الْمُرَادُ بِقُبُلِ الْمَرْأَةِ الشَّفْرَانِ عَلَى الْمَنْفَذِ مِنْ أَوَّلِهِمَا إلَى آخِرِهِمَا: أَيْ بَطْنًا وَظَهْرًا لَا مَا هُوَ عَلَى الْمَنْفَذِ مِنْهُمَا كَمَا وَهَمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ.
ثُمَّ قَضِيَّةُ عَطْفِهِ مُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ عَلَى مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ أَنَّ النَّقْضَ يَحْصُلُ بِمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ وَبِمَسِّ مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ مُلْتَقَى مَا عَلَى الْمَنْفَذِ (قَوْلُهُ: بِبَطْنِ الْكَفِّ) أَيْ وَلَوْ انْقَلَبَتْ الْكَفُّ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ عَدَمُ النَّقْضِ بِهَا مُطْلَقًا، وَأَطَالَ فِيهِ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ. وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ: وَلَوْ خُلِقَ بِلَا كَفٍّ لَمْ يُقَدَّرْ قَدْرُهَا مِنْ الذِّرَاعِ. وَلَا يُنَافِيه مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ بِلَا مِرْفَقٍ أَوْ كَعْبٍ قُدِّرَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ ثَمَّ ضَرُورِيٌّ، بِخِلَافِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا مَظِنَّةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ اهـ (قَوْلُهُ وَلَا حِجَابَ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السِّتْرَ مَا يَمْنَعُ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ كَأَثَرِ الْحِنَّاءِ بَعْدَ زَوَالِ جُرْمِهَا، وَالْحِجَابُ مَا لَهُ جُرْمٌ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ بِاللَّمْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً) أَيْ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ الْمَسِّ فِي بَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ، وَاعْتَرَضَهُ الْقُونَوِيُّ بِأَنَّ الْمَسَّ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ وَهُوَ مِنْ: أَيْ فِي حَدِيثِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: ذَكَرًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَالْإِفْضَاءُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا يُخَصِّصُهُ، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ ادِّعَاءُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمَسِّ بِمَفْهُومِ خَبَرِ الْإِفْضَاءِ. وَقَدْ رَدَّهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ مَسَّ إمَّا مُطْلَقٌ أَوْ عَامٌّ أَوْ مُجْمَلٌ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِلْمَسِّ أَوْ مُخَصِّصٌ لَهُ أَوْ مُبَيِّنٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ اهـ شَرْحُ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ وَالْمَنْهَجِ: وَالْإِفْضَاءُ بِهَا: أَيْ بِالْيَدِ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ بِهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ مَخْصُوصًا بِالْمَسِّ فَضْلًا عَنْ تَقْيِيدِهِ بِبَطْنِ الْكَفِّ، بَلْ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ بِالْيَدِ؛ وَعِبَارَةُ الْمَطَالِعِ: أَصْلُ الْإِفْضَاءِ مُبَاشَرَةُ الشَّيْءِ وَمُلَاقَاتُهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ. وَفِي الْمِصْبَاحِ: أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ: مَسَّهَا بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ. قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَحَقِيقَةُ الْإِفْضَاءِ الِانْتِهَاءُ، وَأَفْضَى إلَى امْرَأَتِهِ بَاشَرَهَا وَجَامَعَهَا، وَأَفْضَيْت إلَى الشَّيْءِ وَصَلْت إلَيْهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ " الـ " فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ الْإِفْضَاءُ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ (قَوْلُهُ: لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ غَيْرِهِ) أَيْ غَالِبًا إذْ نَحْوُ يَدِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي كَغَيْرِهِمَا، بَلْ رِوَايَةُ مَنْ مَسَّ ذَكَرًا تَشْمَلُهُ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ وَالْخَبَرِ النَّاصِّ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ. قَالَ الْبَغَوِيّ كَالْخَطَّابِيِّ مَنْسُوخٌ، وَفِيهِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ نَظَرَ ظَاهِرَ بَيِّنَتِهِ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، مَعَ بَيَانِ أَنَّ الْأَخْذَ بِخَبَرِ النَّقْضِ أَرْجَحُ، فَتَعَيَّنَ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ بَلْ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ الْحُفَّاظِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالذَّكَرُ الْمُبَانُ) وَكَذَا بَعْضُهُ إنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّكَرِ اهـ حَجّ: أَيْ أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ الْمَقْطُوعِ أَنَّهُ بَعْضُ ذَكَرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْحَضْرَمِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَصَدَقَ الِاسْمُ) عِلَّةٌ لِلشُّمُولِ أَوْ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَصَدَقَ إلَخْ فَيَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) وَمِثْلُهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 118
خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى ذَكَرًا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْقُبُلِ بِقَوْلِهِ مِنْ وَاضِحٍ، إذْ الْمُشْكِلُ إنَّمَا يَنْقُضُ بِمَسِّ الْوَاضِحِ مَا لَهُ مِنْ الْمُشْكِلِ، فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الرَّجُلِ بِمَسِّ ذَكَرِ الْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ بِمَسِّ فَرْجِهِ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ وَلَا صِغَرَ وَلَا عَكْسَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسِّ، وَلَوْ مَسَّ الْمُشْكِلُ كِلَا الْقَبْلَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مُشْكِلٍ آخَرَ أَوْ مَسَّ فَرْجَ نَفْسِهِ وَذَكَرَ مِثْلِ آخَرَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَلَوْ مَسَّ أَحَدَ فَرْجَيْ مُشْكِلٍ لَمْ يُنْتَقَضْ، وَلَوْ مَسَّ أَحَدُ الْمُشْكِلَيْنِ فَرْجَ صَاحِبِهِ وَمَسَّ الْآخَرُ ذَكَرَ الْأَوَّلِ انْتَقَضَ أَحَدُهُمَا، لَا بِعَيْنِهِ لَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ (وَكَذَا فِي الْجَدِيدِ حَلَقَةُ دُبُرِهِ) أَيْ الْآدَمِيِّ قِيَاسًا عَلَى قُبُلِهِ بِجَامِعِ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُمَا، وَالْقَدِيمُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْتَذُّ بِمَسِّهِ، وَالْمُرَادُ بِحَلَقَةِ الدُّبُرِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ دُونَ مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِمَسِّ الْعَانَةِ وَلَا الْأُنْثَيَيْنِ وَالْأَلْيَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا (لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ) وَطَيْرٍ؛ لِأَنَّ لَمْسَهَا لَا يَنْقُضُ فَكَذَا مَسُّ فَرْجِهَا، وَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سَتْرِهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الدُّبُرُ إذَا قُوِّرَ فَيَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَتِهِ إنْ بَقِيَ اسْمُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا عَكْسَ) أَيْ بِأَنْ مَسَّ الرَّجُلُ آلَةَ النِّسَاءِ مِنْ الْمُشْكِلِ وَالْمَرْأَةُ آلَةَ الرِّجَالِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) أَيْ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ بَيْنَهُمَا وَلَا صِغَرَ (قَوْلُهُ: لَا بِعَيْنِهِ) فَإِنْ اقْتَدَتْ امْرَأَةٌ بِأَحَدِهِمَا فِي صَلَاةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْتَدِيَ بِأُخْرَى (قَوْلُهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ إلَخْ) فَلَوْ اتَّضَحَ الْمُشْكِلُ بِمَا يَقْتَضِي انْتِقَاضَ وُضُوئِهِ أَوْ وُضُوءَ غَيْرِهِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِالِانْتِقَاضِ وَفَسَادِ مَا فَعَلَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى صِحَّةِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا لِمُضِيِّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الصِّحَّةِ ظَاهِرًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ طَرِيقِينَ: أَحَدُهُمَا لِلْقَاضِي فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا صَلَّى إلَى جِهَاتٍ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَثَانِيهمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ الْقَطْعُ بِوُجُوبِهَا.
(قَوْلُهُ: حَلْقَةً) بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الْأَشْهَرِ حَجّ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ وَالْجَمْعُ: حَلَقٌ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْجَمْعُ حِلَقٌ بِالْكَسْرِ مِثْلُ قَصْعَةٍ وَقِصَعٍ وَبَدْرَةٍ وَبِدَرٍ. وَحَكَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّ الْحَلَقَةَ بِالْفَتْحِ لُغَةٌ فِي السُّكُونِ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ قِيَاسِيٌّ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ (قَوْلُهُ: دُونَ مَا وَرَاءَهُ) أَيْ دُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ الْأَلْيَتَيْنِ، قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَبَقِيَ بَاطِنُ الْمَنْفَذِ وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَهَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا؟ قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ: فِيهِ نَظَرٌ، وَعِبَارَةُ قَوْلِهِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُلْتَقَى لَهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْهُ وَبَاطِنٌ وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهَلْ النَّقْضُ بِالْمَسِّ يَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ؟ وَعَلَى الِاخْتِصَاصِ فَهَلْ مِنْ الْأَوَّلِ مَا يَظْهَرُ بِالِاسْتِرْخَاءِ الْوَاجِبِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؟ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ.
قُلْت: وَمُقْتَضَى تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِالْمُلْتَقَى عَدَمُ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُلْتَقَى بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ الِالْتِقَاءِ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ بِهَامِشٍ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ الِانْتِقَاضِ بِمَسِّ أَحَدِ الشَّفْرَيْنِ مِنْ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ. النَّقْضُ هُنَا بِبَاطِنِ الْمَنْفَذِ إنْ أُرِيدَ بِالْبَاطِنِ مَا يَشْمَلُ دَاخِلَ الْفَرْجِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ انْطِبَاقِ أَحَدِ الشَّفْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا) وَيُسَمَّى الْعَجَّانُ (قَوْلُهُ: لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ: أَيْ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ فِي الْجَدِيدِ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْقَدِيمِ وَحَكَاهُ جَمْعٌ جَدِيدًا أَنَّهُ يَنْقُضُ كَفَرْجِ الْآدَمِيِّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ حَكَى الْخِلَافَ فِي قُبُلِهَا وَقَطَعَ فِي دُبُرِهَا بِعَدَمِ النَّقْضِ. وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ فَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ الْقُبُلَ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهَا هُنَا الطَّيْرُ، وَفِي قَوْلِهِ وَمِنْهَا هُنَا إشْعَارٌ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَهِيمَةِ عَلَى الطَّيْرِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَطْفِ الطَّيْرِ عَلَى الْبَهِيمَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ: الْبَهِيمَةُ كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 119
وَعَدَمِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ (وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ) لِشُمُولِ الِاسْمِ (وَمَحَلُّ الْجَبِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الذَّكَرِ (وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الْأَصَحِّ) لِشُمُولِ الِاسْمِ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا تَنْقُضُ الْمَذْكُورَاتُ لِانْتِفَاءِ الذَّكَرِ فِي مَحَلِّ الْجَبِّ وَلِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرُ عَامِلَتَيْنِ انْتَقَضَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَامِلَةً دُونَ الْأُخْرَى وَهُمَا عَلَى مِعْصَمَيْنِ انْتَقَضَ بِالْعَامِلَةِ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، أَوْ عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ انْتَقَضَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، كَذَا جَمَعَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ، وَفِيهِ قُصُورٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِوَاءِ الْمِعْصَمِ الْمُسَامَتَةُ وَلَا مِنْ اخْتِلَافِهِ عَدَمُهَا، وَلِأَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَيْهَا لَا عَلَى اتِّحَادِ مَحَلِّ نَبَاتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ وُجِدَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّبَاتِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلنَّقْضِ كَمَا فِي الْأُصْبُعِ، وَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ اتَّحَدَ مَحَلُّ النَّبَاتِ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الرَّوْضَةِ لَا نَقْضَ بِكَفٍّ وَذَكَرٍ زَائِدٍ مَعَ عَامِلٍ مَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِ الْمُسَامَتِ وَإِنْ كَانَا عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ.
وَأَنَّ قَوْلَ التَّحْقِيقِ يَنْقُضُ الْكَفُّ الزَّائِدُ مَعَ الْعَامِلِ مَحْمُولٍ عَلَى الْمُسَامَتِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مِعْصَمٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَكُلُّ حَيَوَانٍ لَا يُمَيِّزُ فَهُوَ بَهِيمَةٌ وَالْجَمْعُ الْبَهَائِمُ اهـ (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ) أَيْ مَسُّ فَرْجِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْجَبِّ) وَمِنْهُ مَحَلُّ بَظْرِ الْمَرْأَةِ وَإِذَا قُطِعَ الْبَظْرُ فَيَنْقُضُ مَحَلُّهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَتَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ الْبَعْضَ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الذَّكَرِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ الْفَرْجِ اهـ.
وَهُوَ حَمْلٌ لِلْجَبِّ عَلَى الْقَطْعِ لَا عَلَى خُصُوصِ قَطْعِ الذَّكَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لُغَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعُرْفِ اسْمًا لِقَطْعِ الذَّكَرِ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ: جَبَبْته جَبًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ قَطَعْته، وَمِنْهُ جَبَبْته وَهُوَ مَجْبُوبٌ بَيْنَ الْجِبَابِ بِالْكَسْرِ: إذَا اسْتَأْصَلْت مَذَاكِيرَهُ (قَوْلُهُ: وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ) وَمَسُّ الْفَرْجِ الْأَشَلِّ مِنْ الْمَرْأَةِ نَاقِضٌ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ إدْخَالُ الْبَاءِ هُنَا مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مَسِّ قُبُلٍ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ وَهُنَا لِلْفَاعِلِ إذْ التَّقْدِيرُ: وَيَنْتَقِضُ بِمَسِّ الْيَدِ الشَّلَّاءِ، ثُمَّ رَدَّهُ فَرَاجِعْهُ. وَفِي حَوَاشِي سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَصَارَتْ مُعَلَّقَةً بِجَلْدَةٍ فَهَلْ يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ النَّقْضِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ بِدَلِيلِ إيجَابِهِمْ الْقِصَاصَ فِيهَا أَوْ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ أَوْصَلَهَا بِالْجِنَايَةِ لِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْأَقْرَبُ النَّقْضُ بِهَا لِكَوْنِهَا جُزْءًا مِنْ الْيَدِ وَإِنْ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ (قَوْلُهُ: كَفَّانِ عَامِلَتَانِ) أَيْ أَصْلِيَّتَانِ (قَوْلُهُ: إحْدَاهُمَا عَامِلَةٌ) أَيْ أَصْلِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لِمِعْصَمٍ) كَمِقْوَدِ مَوْضِعِ السِّوَارِ مِنْ الْيَدِ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَدَارَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالْمَدَارُ إنَّمَا هُوَ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَيْهَا) أَيْ الْمُسَامَتَةُ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ) أَيْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا انْتَفَتْ) أَيْ الْمُسَامَتَةُ (قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَامَتِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ الْآخَرَ طُولًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسَامَتَةِ كَوْنُهَا فِي جِهَتِهَا لَا مُسَاوَاتُهَا لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ: وَلَوْ كَانَتْ الْمُسَامَتَةُ لِلْأَصْلِيَّةِ بَعْضَ الزَّائِدِ كَأَنْ كَانَ أَحَدُ الْمِعْصَمَيْنِ أَقْصَرَ مِنْ الْآخَرِ، فَهَلْ يَنْقُضُ أَوْ يَخْتَصُّ النَّقْصُ بِالْقَدْرِ الْمُسَامَتِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ) كَذَا فِي الرَّوْضِ، وَفِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْأَصَالَةِ دُونَ الْبَوْلِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ ذَكَرَيْنِ يَبُولَانِ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا فَالْحُكْمُ لَهُ وَالْآخَرُ زَائِدٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَقْضٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَنُوطٌ بِالْأَصَالَةِ لَا بِالْبَوْلِ حَتَّى لَوْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ وَيَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيَطَأُ بِالْآخَرِ نَقَضَ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخِرُ زَائِدًا نَقَضَ الْأَصْلِيُّ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا. وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ النَّقْضِ بِمَسِّ الزَّائِدِ إذَا كَانَ عَلَى سُنَنِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يَنْقُضَ بِالْبَوْلِ مِنْهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ) أَيْ وَنَقْضِ الْخَارِجِ مِنْهُ
стр. 120
وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ حُكْمٌ، فَإِنْ بَالَ بِهِمَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ فَهُمَا أَصْلِيَّانِ (وَلَا تَنْقُضُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا) وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ لِخُرُوجِهَا عَنْ سَمْتِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى اللَّمْسِ بِهَا وَحْدَهَا مَنْ أَرَادَ لِينَ الْمَلْمُوسِ وَخُشُونَتِهِ وَقِيلَ تَنْقُضُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ دُونَ مَا بَيْنَهَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي حَرْفِ الْكَفِّ وَيُنْتَقَضُ بِمَسِّ بَاطِنِ أُصْبُعٍ زَائِدٍ إنْ كَانَتْ عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ فَلَا، وَالْمُرَادُ بِبَيْنِ الْأَصَابِعِ فِيمَا يَظْهَرُ النُّقَرُ الَّتِي بَيْنَهَا وَمَا حَاذَاهَا مِنْ أَعْلَى الْأَصَابِعِ إلَى أَسْفَلِهَا وَبِحَرْفِهَا جَوَانِبُهَا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعَمَلِ وَالْمُسَامَتَةِ بِوَقْتِ الْمَسِّ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ
(وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلَاةُ) بِأَنْوَاعِهَا وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ، وَفِي مَعْنَاهَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا إجْمَاعًا مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَهَذَا فِي غَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَدَائِمِ الْحَدَثِ، أَمَّا هُمَا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ فَهُوَ مِنْ الْعَظَائِمِ وَلَوْ كَانَ بِطَهَارَةٍ وَإِلَى الْقِبْلَةِ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
إذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ الْتَبَسَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّقْضَ مَنُوطٌ بِهِمَا مَعًا لَا بِأَحَدِهِمَا. وَلَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ فَبَالَتْ وَحَاضَتْ بِهِمَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ بَالَتْ وَحَاضَتْ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ بَالَتْ بِأَحَدِهِمَا وَحَاضَتْ بِالْآخَرِ فَالْوَجْهُ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. وَهَلْ يَجْرِي هُنَا تَفْصِيلُهُ السَّابِقُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا اخْتَصَّ النَّقْضُ بِالْأَصْلِيِّ وَإِنْ بَالَتْ أَوْ حَاضَتْ بِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا نَقَضَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا، بَلْ الْبَوْلُ بِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَصَالَتِهِمَا م ر (قَوْلُهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ حُكْمٌ) أَيْ وَإِنْ جَامَعَ بِهِ وَأَنْزَلَ (قَوْلُهُ: عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ وَإِنْ نَبَتَتْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ فَلَيْسَتْ كَالسِّلْعَةِ النَّاقِضَةِ بِجَمِيعِ جَوَانِبِهَا.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ إلَخْ كَذَا فِي الْعُبَابِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ سَامَتَتْ. وَنَازَعَ حَجّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمُسَامَتَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ فَلَا) أَيْ أَوْ فِي بَاطِنِهِ وَلَيْسَتْ عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ بِأَنْ كَانَتْ كَالْعَمُودِ فَلَا تَنْقُضُ مُطْلَقًا لَا ظَاهِرُهَا وَلَا بَاطِنُهَا، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَالسِّلْعَةِ فَيَنْقُضُ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا (قَوْلُهُ: وَالْمُسَامَتَةُ بِوَقْتِ الْمَسِّ إلَخْ) وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَامِلَةً فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَصَالَتِهَا، فَإِذَا طَرَأَ عَدَمُ الْعَمَلِ عَلَيْهَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً شَلَّاءَ، وَالشَّلَلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ النَّقْضِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَصْدًا لِلرَّدِّ عَلَى الشَّعْبِيِّ حَيْثُ قَالَ بِجَوَازِهَا مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي الِجَوَابِ: إنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَرُمَتْ الصَّلَاةُ بِمَاهِيَّةِ الْحَدَثِ إجْمَاعًا وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ: مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ) هَلْ مِثْلُهُ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الِانْحِنَاءِ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَقْرَبُ إلَى السُّجُودِ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ السُّجُودَ يُتَعَبَّدُ بِهِ وَحْدَهُ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَمَا قَارَبَهُ لَا يُتَعَبَّدُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ مِنْ الْعَظَائِمِ) أَيْ الْكَبَائِرِ (قَوْلُهُ: وَأَخْشَى) إنَّمَا قَالَ وَأَخْشَى إلَخْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ كُفْرًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الشَّيْخِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْبُودًا، وَالْكُفْرُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
[مَا يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ]
قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) أُجِيبُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ بِمُطْلَقِ الْحَدَثِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِهِ.
وَأَقُولُ: مَنْ صَلَّى بِحَدَثٍ عِنْدَهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ فَصَلَاتُهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ: إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا لِتَفْسِيرِهِ الْحَدَثَ فِيمَا مَرَّ بِالْأَسْبَابِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ.
أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ مَنْعِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُرَخِّصِ كَمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ وَهُنَا الْمُرَخِّصُ مَوْجُودٌ
стр. 121
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ بَلْ وَرَدَ فِيهِ مَا يَرُدُّهُ (وَالطَّوَافُ) بِأَنْوَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ خَبَرًا «الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَإِنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقُ إلَّا بِخَيْرٍ» (وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ) وَهُوَ مُثَلَّثُ الْمِيمِ (وَمَسُّ وَرِقِهِ) الْمَكْتُوبِ فَلَهُ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَقِيسَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَسِّ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَفْحَشُ مِنْهُ، وَالْمُطَهَّرُ بِمَعْنَى الْمُتَطَهِّرِ، نَعَمْ لَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى حَمْلِهِ كَأَنْ خَافَ عَلَيْهِ تَنَجُّسًا أَوْ كَافِرًا أَوْ تَلَفًا أَوْ ضَيَاعًا وَعَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ وَعَنْ إيدَاعِهِ مُسْلِمًا ثِقَةً حَمَلَهُ حَتْمًا فِي غَيْرِ الضَّيَاعِ وَلَوْ حَالَ تَغَوُّطِهِ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهُ إنْ أَمْكَنَهُ (وَكَذَا جِلْدُهُ) (عَلَى الصَّحِيحِ) لِكَوْنِهِ كَالْجُزْءِ مِنْهُ بِدَلِيلِ دُخُولِهِ فِي بَيْعِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ؛ لِأَنَّهُ وِعَاءٌ لَهُ كَكِيسِهِ. هَذَا إنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا حَرُمَ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ عُصَارَةِ الْمُخْتَصَرِ لَلْغَزَالِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ مَا لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ، وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ غَيْرُهُ كَتَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَمَنْسُوخِ تِلَاوَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ مُؤَوَّلٌ) أَيْ بِمُنْقَادَيْنِ لَهُ أَوْ يَخِرُّوا لِأَجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا (قَوْلُهُ: بَلْ وَرَدَ فِيهِ) يُتَأَمَّلُ هَذَا الْإِضْرَابُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ مَا يَرُدُّهُ فَيَكُونُ الْغَرَضُ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى فَاعِلِهِ وَإِنْ وَافَقَ شَرْعَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: قَدْ أُحِلَّ فِيهِ) لَعَلَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ حَرُمَ (قَوْلُهُ فَلَا يَنْطِقُ) اُنْظُرْ هَلْ الرِّوَايَةُ هُنَا بِالْجَزْمِ أَوْ الرَّفْعِ. وَرُوِيَ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ مُؤَكَّدًا بِالنُّونِ، وَهِيَ تُشْعِرُ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْجَزْمِ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بَعْدَ النَّهْيِ كَثِيرٌ، وَالْأَصْلُ تَوَافُقُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ) وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ اهـ زِيَادِيُّ:
وَفِي الْمِصْبَاحِ: الدَّفُّ: الْجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ دُفُوفٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَقَدْ يُؤَنَّثُ بِالْهَاءِ فَيُقَالُ: الدَّفَّةُ وَمِنْهُ دَفَّتَا الْمُصْحَفِ لِلْوَجْهَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(فَرْعٌ) هَلْ يَحْرُمُ تَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ بِأَنْ يُقَالَ مُصَيْحِفٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْخَطُّ مَثَلًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَمَسُّ وَرَقِهِ) وَظَاهِرٌ أَنَّ مَسَّهُ مَعَ الْحَدَثِ لَيْسَ كَبِيرَةً سم عَلَى مَنْهَجٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا كَالطَّوَافِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنَّهَا كَبِيرَةٌ، بَلْ يَنْبَغِي أَنَّهُ مَنْ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ بِكُفْرِهِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ أَوْ أَنْفُهُ مَثَلًا وَاِتَّخَذَ لَهُ أُصْبُعًا أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ بَسْطِ الْأَنْوَارِ لِلْأُشْمُونِيِّ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي لَفِّ الْكُمِّ وَالْمَسِّ بِهِ حَيْثُ قَالُوا فِيهِ بِالْحُرْمَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِي لَفِّ الْكُمِّ قَدْ مَسَّ بِيَدِهِ بِحَائِلٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى النَّهْيِ) قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِهِ وَمَا يَلْزَمُ الْخُلْفُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْمَسِّ الْمَشْرُوعِ. وَعِبَارَةُ الصَّفَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] الْآيَةُ مَا نَصُّهُ: قِيلَ وَنِعْمَ مَا قِيلَ لَا رَفَثَ لَيْسَ نَفْيًا لِوُجُودِهِ بَلْ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ، فَيَرْجِعُ إلَى نَفْيِ وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا مَحْسُوسًا ك ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ إذَا ذَكَرْتهَا لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَقُولَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الضَّيَاعِ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهُ إنْ أَمْكَنَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ فَقَدَ التُّرَابَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْحَنَفِيِّ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ مِنْ عَلَى عَمُودٍ مَثَلًا وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: كَكِيسِهِ) الْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ مَسِّ كِيسِهِ وَهُوَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ) أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ جِلْدَ الْكِتَابِ جِلْدًا لِكِتَابٍ آخَرَ وَلَيْسَ مِنْ انْقِطَاعِهَا مَا لَوْ جَلَّدَ الْمُصْحَفَ بِجِلْدٍ جَدِيدٍ وَتَرَكَ الْأَوَّلَ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ. أَمَّا لَوْ ضَاعَتْ أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ أَوْ حُرِّقَتْ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْجِلْدِ كَمَا يَأْتِي بِالْهَامِشِ عَنْ سم نَقْلًا
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 122
فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ (وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ) وَقَدْ أُعِدَّا لَهُ: أَيْ وَحْدَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِشَبَهِهِمَا بِجِلْدِهِ وَعَلَاقَتِهِ لِكَوْنِهِمَا مُتَّخَذَيْنِ لَهُ وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ انْفِصَالُهُمَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُمَا وَإِنْ جَوَّزْنَا تَحْلِيَةَ الْمُصْحَفِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالصُّنْدُوقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا أَوْ انْتَفَى إعْدَادُهُمَا لَهُ مَحَلَّ حَمْلِهِمَا وَمَسِّهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا أَعَدَّ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى حَجْمِهِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِثْلُهُ لَهُ عَادَةً وَهُوَ قَرِيبٌ (وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الْأَصَحِّ) لِشَبَهِهِ بِالْمُصْحَفِ بِخِلَافِ مَا كُتِبَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَالتَّمَائِمِ الْمَعْهُودَةِ عُرْفًا، وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ (وَالْأَصَحُّ حِلُّ حَمْلِهِ فِي) هِيَ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَتَاعِ ظَرْفًا لَهُ (أَمْتِعَةٍ) تَبَعًا لَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ م ر (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ لَكِنْ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَبْدِيلُهُ بِأَنْ عَلِمَ عَدَمَهُ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا (قَوْلُهُ: وَخَرِيطَةٌ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَضَعَهُ فِي زَكِيبَةٍ أَعَدَّهَا لَهُ فَيَحْرُمُ وَإِنْ كَبُرَتْ (قَوْلُهُ: وَصُنْدُوقٌ) مِنْ الصُّنْدُوقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ بَيْتِ الرَّبَعَةِ الْمَعْرُوفِ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الرَّبَعَةِ أَوْ بَعْضُهَا فِيهِ، وَأَمَّا الْخَشَبُ الْحَامِلُ لِبَيْتِهَا فِيهِ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَكَذَا لَا يَحْرُمُ مَسُّ مَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ كُرْسِيًّا مِمَّا يُجْعَلُ فِي رَأْسِهِ صُنْدُوقُ الْمُصْحَفِ. وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ لَوْ وُضِعَ الْمُصْحَفُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ خَشَبٍ أَوْ جَرِيدٍ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّ الْكُرْسِيِّ، قَالَهُ شَيْخُنَا طب وَشَيْخُنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ وَكَذَا م ر؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ اهـ. وَأَطْلَقَ الزِّيَادِيُّ الْحُرْمَةَ فِي الْكُرْسِيِّ فَشَمِلَ الْخَشَبَ وَالْجَرِيدَ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ عَلَى خِزَانَتَيْنِ مِنْ خَشَبٍ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى كَمَا فِي خَزَائِنِ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وُضِعَ الْمُصْحَفُ فِي السُّفْلَى، فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُ النِّعَالِ وَنَحْوِهَا فِي الْعُلْيَا؟ فَأَجَابَ م ر بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ إخْلَالًا بِحُرْمَةِ الْمُصْحَفِ. قَالَ: بَلْ يَجُوزُ فِي الْخِزَانَةِ الْوَاحِدَةِ أَنْ يُوضَعَ الْمُصْحَفُ فِي رَفِّهَا الْأَسْفَلِ، وَنَحْوُ النِّعَالِ فِي رَفٍّ آخَرُ فَوْقَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ. قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجَوَازِ مَا لَوْ وُضِعَ النَّعْلُ فِي الْخِزَانَةِ وَفَوْقَهُ حَائِلٌ كَفَرْوَةٍ ثُمَّ وَضَعَ الْمُصْحَفَ فَوْقَ الْحَائِلِ، كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ مَفْرُوشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ. أَمَّا لَوْ وَضَعَ الْمُصْحَفَ عَلَى خَشَبِ الْخِزَانَةِ ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ حَائِلًا ثُمَّ وَضَعَ النَّعْلَ فَوْقَهُ فَمَحَلُّ نَظَرٍ، وَلَا يَبْعُدُ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ إهَانَةً لِلْمُصْحَفِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْ مِثْلَهُمَا لَهُ عَادَةً كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ الِانْفِصَالُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَوَّزْنَا تَحْلِيَةَ الْمُصْحَفِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ بِالْفِضَّةِ مُطْلَقًا أَوْ الذَّهَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَمِثْلُ التَّحْلِيَةِ التَّمْوِيهُ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَلَوْ بِالذَّهَبِ (قَوْلُهُ: حَلَّ حَمْلُهُمَا) ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِثْلُهُ لَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: شَرْطُ الظَّرْفِ أَنْ يُعَدَّ ظَرْفًا لَهُ عَادَةً فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْخَزَائِنِ وَفِيهَا الْمَصَاحِفُ وَإِنْ اُتُّخِذَتْ لِوَضْعِ الْمَصَاحِفِ فِيهَا م ر.
(قَوْلُهُ: وَمَا كُتِبَ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ الْخَتْمُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: كَلَوْحٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ عَادَةً حَتَّى لَوْ كَتَبَ عَلَى عَمُودٍ قُرْآنًا لِلدِّرَاسَةِ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّ غَيْرِ الْكِتَابَةِ اهـ خَطِيبٌ اهـ زِيَادِيٌّ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ نَقَشَ الْقُرْآنَ عَلَى خَشَبَةٍ وَخَتَمَ بِهَا الْأَوْرَاقَ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَصَارَ يَقْرَأُ الْحُرْمَةَ وَلَيْسَ مِنْ الْكِتَابَةِ مَا يُقَصُّ بِالْمِقَصِّ عَلَى صُورَةِ حَرْفِ الْقُرْآنِ مِنْ وَرِقٍ أَوْ قُمَاشٍ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ لَوْحًا لِلْقُرْآنِ عُرْفًا، فَلَوْ كَبُرَ جِدًّا كَبَابٍ عَظِيمٍ فَالْوَجْهُ عَدَمُ حُرْمَةِ مَسِّ الْخَالِي مِنْهُ عَنْ الْقُرْآنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ حَمْلَهُ كَحَمْلِ الْمُصْحَفِ فِي أَمْتِعَةٍ (قَوْلُهُ: كَالتَّمَائِمِ الْمَعْهُودَةِ عُرْفًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ كُلَّهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ الْكُلِّ تَمِيمَةً حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَعَلَاقَتُهُ) لَمْ يَظْهَرْ مَوْقِعُ هَذَا هُنَا، وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطَ كَلِمَةٍ تُعْرَفُ مِنْ قَوْلِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَمَسَّ جِلْدَهُ وَصُنْدُوقٌ هُوَ فِيهِ لِشَبَهِهِ بِجِلْدِهِ وَعَلَاقَتُهُ كَظَرْفِهِ انْتَهَتْ فَلَعَلَّ لَفْظَ كَظَرْفِهِ سَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ لِكَوْنِهِمَا إلَخْ وَجْهُ الشَّبَهِ (قَوْلُهُ: الْمَعْهُودَةُ عُرْفًا) قَيْدٌ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَا يُعْهَدُ كَوْنُهُ تَمِيمَةً فِي الْعُرْفِ كَمُعْظَمِ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ حَصَلَ بِهِ
стр. 123
مَقْصُودًا بِالْحَمْلِ وَحْدَهُ بِأَنْ قَصَدَ الْأَمْتِعَةَ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ قَصَدَهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الثَّالِثَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَهُ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْتِعَةِ الْجِنْسُ، وَلَوْ حَمَلَ حَامِلٌ الْمُصْحَفَ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ لَهُ عُرْفًا، وَلَوْ حَمَلَ مُصْحَفًا مَعَ كِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ مَعَ الْمَتَاعِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَارِّ، وَأَمَّا مَسُّ الْجِلْدِ فَيَحْرُمُ مَعَ مَسِّ السَّاتِرِ لِلْمُصْحَفِ دُونَ مَا عَدَاهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَ) فِي (تَفْسِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
لَهُ حِينَئِذٍ تَمِيمَةٌ عُرْفًا. وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَالتَّمِيمَةُ وَرَقَةٌ يُكْتَبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ مُشْعِرٌ بِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ بَعْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْعِبْرَةُ فِي قَصْدِ الدِّرَاسَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِحَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا، وَبِالْكَاتِبِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ تَبَرُّعًا وَإِلَّا فَآمِرُهُ أَوْ مُسْتَأْجِرُهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْأَمْتِعَةِ الْجِنْسُ) أَيْ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاسْتِتْبَاعِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقَصْدِ فَيَصْدُقُ بِصَغِيرِ الْجُرْمِ وَكَبِيرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَمَلَ حَامِلٌ الْمُصْحَفَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ بِقَصْدِ حَمْلِ الْمُصْحَفِ، ثُمَّ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحَامِلِ لِلْمُصْحَفِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حَمْلٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ الْعُرْفِ، وَوَجْهُ التَّأْيِيدِ أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ هُوَ حَامِلٌ لِلطِّفْلِ لَكِنْ بِهَامِشٍ عَنْ بَعْضِهِمْ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْحَامِلُ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْحَمْلُ: أَيْ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهِ أَوْ انْفَرَدَ اهـ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْرُمْ) وَإِنْ قَصَدَ الْمُصْحَفَ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ بِالْحُرْمَةِ إذَا قَصَدَ الْمُصْحَفَ (قَوْلُهُ: مَسُّ الْجِلْدِ) وَمِثْلُ الْجِلْدِ اللِّسَانُ وَالْكَعْبُ: أَيْ فَيَحْرُمُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا حَاذَى الْمُصْحَفَ. وَفِي سم عَلَى حَجّ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي الْكَعْبِ فَهَلْ يَحْرُمُ مَسُّهُ مُطْلَقًا أَوْ الْجُزْءُ مِنْهُ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ؟ وَهَلْ اللِّسَانُ الْمُتَّصِلُ بِجِهَةٍ غَيْرِ الْمُصْحَفِ إذَا انْطَبَقَ فِي جِهَةِ الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. قُلْت: وَلَا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ الْحُرْمَةِ بِالْجُزْءِ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ.
(فَرْعٌ) جَمْعُ مُصْحَفٍ وَكِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ. قَالَ م ر: فَفِي حَمْلِهِ تَفْصِيلُ حَمْلِ الْمُصْحَفِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَأَمَّا مَسُّهُ فَهُوَ حَرَامٌ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُصْحَفِ لَا مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى اهـ. ثُمَّ أَفَادَ بَحْثًا أَنَّ كَعْبَ الْجِلْدِ يَلْحَقُ مِنْهُ بِالْمُصْحَفِ مَا جَاوَرَهُ.
(فَرْعٌ) وَضَعَ الْمُصْحَفَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ وَوَضَعَ عَلَيْهِ مَأْكُولًا كَالْخُبْزِ وَمِلْحٍ وَأَكَلَهُ فَوْقَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزْرَاءً وَامْتِهَانًا.
(فَرْعٌ) الْوَجْهُ تَحْرِيمُ لَزْق أَوْرَاقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ بِالنَّشَا وَنَحْوِهِ فِي الْأَقْبَاعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزْرَاءً وَامْتِهَانًا تَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(فَرْعٌ) هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمُنْفَصِلِ لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّ قَصْدَ بَيْعِهِ قَطْعٌ لِنِسْبَتِهِ عَنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَمَالَ م ر لِلْجَوَازِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. قُلْت: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ وَضْعِ يَدِ الْكَافِرِ عَلَيْهِ مَعَ نِسْبَتِهِ فِي الْأَصْلِ لِلْمُصْحَفِ إهَانَةٌ لَهُ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَنْ شَخْصٍ سَلِيمٍ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ وَأَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ لِصِحَّةِ وُضُوئِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مَسَّ بِعُضْوٍ طَاهِرٍ مَعَ نَجَاسَةِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مَا قَصَدَهُ هُنَا لَكِنَّهُ يَقْتَضِي فِيمَا يَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ وَالدَّنَانِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ مُصَاحِبًا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضِمْنِ الْأَوَّلِ وَلَا مَكْتُوبًا عَلَى الثَّانِيَةِ فَإِنْ جُعِلَتْ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ وَفِيمَا يَأْتِي بَاقِيَةٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ صَنِيعُهُ تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ حَرْفٍ وَاحِدٍ مُسْتَعْمَلًا فِي مَكَانَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا بِمَعْنًى وَفِي الْآخَرِ بِمَعْنًى آخَرَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَفِي تَفْسِيرٍ)
стр. 124
الْمَقْصُودُ دُونَ الْقُرْآنِ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ أَوْ تَسَاوَيَا حَرُمَ، وَحَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ يُكْرَهُ، وَفَارَقَ حَالَ الِاسْتِوَاءِ هُنَا حَالَتَهُ فِي الثَّوْبِ الْمُرَكَّبِ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلتَّعْظِيمِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى ثَوْبَ حَرِيرٍ عُرْفًا. وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ لَا الْكَلِمَاتِ وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَثْرَةِ وَعَدَمِهَا فِي الْمَسِّ بِحَالِ مَوْضِعِهِ وَفِي الْحَمْلِ بِالْجَمِيعِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(وَدَنَانِيرَ) أَوْ دَرَاهِمَ كُتِبَ عَلَيْهَا قُرْآنٌ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالثَّوْبِ الْمُطَرَّزِ بِآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحِيطَانِ الْمَنْقُوشَةِ وَالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِإِثْبَاتِ الْقُرْآنِ فِيهَا قِرَاءَةٌ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا يَجُوزُ هَدْمُ جِدَارٍ وَأَكْلُ طَعَامٍ نُقِشَ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّعْظِيمِ وَيَجُوزُ مَحْوُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَشُرْبُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ قِرْطَاسًا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا أَكْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ إلَّا وَقَدْ زَالَتْ صُورَةُ الْكِتَابَةِ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ نَحْوِ ذَهَبٍ فِي كَاغَدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَيُكْرَهُ حَرْقُ خَشَبَةٍ نُقِشَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِحَرْقِهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
لَا أَثَرَ لَهُ فِي جَوَازِ الْمَسِّ بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ: أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهَا حَرُمَ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَغِيرَةِ الزِّينَةِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ) وَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالْمَلْفُوظِ مِنْهَا أَوْ الْمَرْسُومِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقُرْآنِ رَسْمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مُصْطَلَحِ عِلْمِ الرَّسْمِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ لَهُ رَسْمٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُهُ بِهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ رَسْمُهُ عَلَى قَوَاعِدِ عِلْمِ الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ أَهْلِهِ اهـ حَجّ. وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَهُ أَنَّ الْكَثْرَةَ مِنْ حَيْثُ الْحُرُوفُ لَفْظًا لَا رَسْمًا
(قَوْلُهُ: وَالثَّوْبُ الْمُطَرَّزُ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَتَبَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ لِلدِّرَاسَةِ (قَوْلُهُ: وَأَكْلُ طَعَامٍ) أَيْ وَلِبْسُ ثَوْبٍ طُرِّزَ بِذَلِكَ قَالَ حَجّ وَيَحْرُمُ وَطْءُ شَيْءٍ نُقِشَ بِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَرَاهِيَةِ لِبْسِهِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَشُرْبُهُ) تَوَقَّفَ سم عَلَى حَجّ فِي جَوَازِ صَبِّهِ عَلَى نَجَاسَةٍ. أَقُولُ: وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ وَلَوْ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مُحِيَتْ حُرُوفُهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ لَمْ يَكُنْ فِي صَبِّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ إهَانَةٌ. وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي الْفَتَاوَى: الْأَوْلَى صَبُّ غَسْلِهِ وَصَبُّ مَاءِ غُسَالَتِهِ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ (قَوْلُهُ: اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ أَوْ اسْمٌ مُعَظَّمٌ كَأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِمْ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ) قَدْ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِهِ إلَّا إذَا اتَّصَلَ بِالظَّاهِرِ. وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ أَحَدُهَا خُرُوجٌ إلَخْ نَصُّهَا: وَلَا يَضُرُّ إدْخَالُهُ: أَيْ نَحْوِ الْعُودِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ لِحَمْلِهِ مُتَّصِلًا بِنَجَسٍ، إذْ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إلَّا إنْ اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الظَّاهِرِ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجِ الْإِشْكَالِ وَجَوَابُهُ وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ يَحْرُمُ ابْتِلَاعُ وَرَقَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِمُلَاقَاتِهَا لِلنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ مَحْوِ مَا عَلَيْهَا بِالْمَاءِ وَشُرْبِهِ فَيَجُوزُ هَكَذَا قَرَّرَهُ م ر. لَا يُقَالُ تَعْلِيلُهُ الْأَوَّلُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا تُنَجِّسُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فِيهِ امْتِهَانٌ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ كَمَا لَوْ وَضَعَ الْقُرْآنَ عَلَى نَجَسٍ جَافٍ يَحْرُمُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ تَدَبَّرْ اهـ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَعْنَاهُ يُلَاقِي النَّجَسَ (قَوْلُهُ: فِي كَاغَدٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مُعَظَّمٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بَابِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ يَحْرُمُ حَمْلُ الْمُصْحَفِ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِمَا فِي الْبَاطِنِ) صَرِيحٌ فِي نَجَاسَةِ الْبَاطِنِ مَعَ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ مَا دَامَ فِي الْبَاطِنِ، نَعَمْ فِيهِ امْتِهَانٌ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: حَرَقَ خَشَبَةً)
стр. 125
إحْرَازَهَا لَمْ يُكْرَهْ وَالْقَوْلُ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِهِ عَبَثًا وَلَوْ جَعَلَ نَحْوَ كَرَاسٍ فِي وِقَايَةٍ مِنْ وَرِقٍ كُتِبَ عَلَيْهَا نَحْوُ الْبَسْمَلَةِ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَدَمِ الِامْتِهَانِ، وَلَوْ أَخَذَ فَأْلًا مِنْ الْمُصْحَفِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ
(لَا) (قَلْبَ وَرَقَةٍ بِعُودٍ) أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَمْلِ لِانْتِقَالِ الْوَرَقِ بِفِعْلِ الْقَالِبِ مِنْ جَانِبٍ إلَى آخَرَ (وَأَنَّ) (الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ) مِنْ الْمَسِّ وَلَا مِنْ الْحَمْلِ، لَا فِي الْمُصْحَفِ وَلَا فِي اللَّوْحِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الدِّرَاسَةِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الِاسْتِنْجَاءِ، وَمِنْ الْمُعَظَّمِ مَا يَقَعُ فِي الْمُكَاتَبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ مَثَلًا فَيَحْرُمُ إهَانَتُهُ بِوَضْعِ نَحْوِ دَرَاهِمَ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ بَلْ قَدْ يَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِصَوْنِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جِلْدِ الْمُصْحَفِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَرَّاسٍ) الْوَاحِدَةُ كُرَّاسَةٌ بِفَتْحِ الْكَافِ. وَعِبَارَةُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ الْكُرَّاسَةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالْهَاءِ آخِرُهُ وَاحِدَةُ الْكُرَّاسِ وَالْكَرَارِيسِ (قَوْلُهُ: نَحْوَ الْبَسْمَلَةِ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَحْوِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ التَّبَرُّكُ عَادَةً، أَمَّا أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ فَيَنْبَغِي حُرْمَةُ جَعْلِهَا وِقَايَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ نَقْلًا عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: يَجُوزُ وَضْعُ كُرَّاسٍ الْعِلْمِ فِي وَرَقَةٍ كُتِبَ فِيهَا الْقُرْآنُ اهـ. وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهِ الْقُرْآنُ أَوْرَاقَ الْمُصْحَفِ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْرُمُ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ تَمْكِينِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِمَا مَعَ الْحَدَثِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الدَّرْسِ يَطُولُ غَالِبًا، وَفِي تَكْلِيفِ الصِّبْيَانِ إدَامَةَ الطَّهَارَةِ مَشَقَّةٌ تُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْحَفْزِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، نَعَمْ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا قَرَأَ لِلتَّعَبُّدِ لَا لِلدِّرَاسَةِ بِأَنْ كَانَ حَافِظًا، أَوْ كَانَ يَتَعَاطَى مِقْدَارًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْحِفْظُ فِي الْعَادَةِ. وَفِي الرَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، كَذَا فِي خَطِّ ابْنِ قَاسِمٍ الْغَزِّيِّ شَارِحِ الْمِنْهَاجِ، وَفِي سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ وَمَسِّهِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ نَظَرًا وَإِنْ كَانَ حَافِظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ إذَا أَفَادَتْهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَظَرًا فَائِدَةَ مَا فِي مَقْصُودِهِ كَالِاسْتِظْهَارِ عَلَى حِفْظِهِ وَتَقْوِيَتِهِ حَتَّى بَعْدَ فَرَاغٍ مَدِّ حِفْظِهِ إذَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي تَرْسِيخِ حِفْظِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَنَافِيَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَا فِي الرَّافِعِيِّ عَلَى إرَادَةِ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَمَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَا إذَا تَعَلَّقَ بِقِرَاءَتِهِ فِيهِ غَرَضٌ يَعُودُ إلَى الْحِفْظِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ كَالِاسْتِظْهَارِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ فِي خُرْجٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرُكِّبَ عَلَيْهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً بِهِ كَأَنْ وَضَعَهُ تَحْتَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَرْذَعَةِ، أَوْ كَانَ مُلَاقِيًا لِأَعْلَى الْخُرْجِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَ الْمُصْحَفِ وَبَيْنَ الْخُرْجِ وَعُدَّ ذَلِكَ إزْرَاءً لَهُ كَكَوْنِ الْفَخِذِ صَارَ مَوْضُوعًا عَلَيْهِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا، وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى مَأْكُولٍ وَكَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَيْءٍ يَضَعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا الْمُصْحَفُ فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْجَوَازُ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ مُقَدَّمٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ فِيهَا مُصْحَفٌ وَحَيَوَانٌ عَلَى الْغَرَقِ وَاحْتِيجَ إلَى إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا لِتَخْلِيصِ السَّفِينَةِ أُلْقِيَ الْمُصْحَفُ حِفْظًا لِلرُّوحِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ.
لَا يُقَالُ: وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ امْتِهَانٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَوْنُهُ إنَّمَا فِعْلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ مَانِعٌ عَنْ كَوْنِهِ امْتِهَانًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ وَالتَّصَوُّرِ بِصُورَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الرُّوحِ؟ بَلْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ حَاجَةَ الطَّبْخِ مَثَلًا بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: عَبَثًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، أَمَّا إذَا قَصَدَ الِامْتِهَانَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَتَلَخَّصَ أَنَّ لِحَرْقِهَا أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ مَعْلُومَةً مِنْ كَلَامِهِ وَمِمَّا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الِامْتِهَانِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ امْتِهَانَهُ، أَوْ أَنَّهُ يُصِيبُهَا الْوَسَخُ لَا الْكُرَّاسُ وَإِلَّا حَرُمَ، قَالَ بَلْ قَدْ يَكْفُرُ.
стр. 126
وَتَكْلِيفُهُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ أَمْرٌ تَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ، وَالثَّانِي يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُعَلِّمِ مَنْعُهُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّعْلِيلُ، وَكَلَامُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَمْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّرَاسَةِ فَشَمِلَ ذَلِكَ وَسِيلَتَهَا كَحَمْلِهِ لِلْمَكْتَبِ وَالْإِتْيَانِ فِيهِ لِلْمُعَلِّمِ لِيُعَلِّمَهُ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ آخَرَ أَوْ لَا لِغَرَضٍ مُنِعَ مِنْهُ جَزْمًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْمُمَيِّزِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ، وَشَمِلَ الْمُحْدِثُ مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: الْأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)
؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ وَلَا مَاسٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَتْ الْوَرَقَةُ قَائِمَةً فَصَفَحَهَا بِهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ الْأُسْتَاذِ وَمَنْ تَبِعَهُ لِمَا فِي الْقَوْلِ بِهِ مِنْ إحَالَةِ الْخِلَافِ
(وَمَنْ) (تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ) (عَمِلَ بِيَقِينِهِ) إذْ الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ هُنَا وَفِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ أَرْجَحُ، قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ وَوَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَقِينَ الْحَدَثِ بِظَنِّ الطَّهَارَةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمَظْنُونَ طَهَارَتُهُ بِالِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ بِهِ يَقِينَ الْحَدَثِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَطَهَّرَ بَعْدَ يَقِينِ الْحَدَثِ وَشَكَّ بَعْدَ طَهَارَتِهِ فِي تَرْكِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِيهَا، وَقَدْ رَفَعْنَا هُنَا يَقِينَ الْحَدَثِ بِظَنِّ الطَّهَارَةِ (فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ مِنْهُمَا فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الْأَصَحِّ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أَوْقَع طُهْرًا وَحَدَثًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا، وَيَجْهَلُ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَيُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا رَفْعَ الْحَدَثِ الْوَاقِعِ قَبْلَهَا بِالطُّهْرِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا وَشَكَكْنَا فِي رَافِعِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُتَطَهِّرًا، وَهُوَ مِمَّنْ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ أَخَذَ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ الْآنَ مُحْدِثًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْتَادُهُ أَخَذَ بِالْمِثْلِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا تَوَسُّطَ الْحَدَثِ بَيْنَ الطُّهْرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إنْ تَوَقَّفَ إنْقَاذُ رُوحِهِ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ وَضْعُهُ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْقُوتَ بِيَدِ كَافِرٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلَّا بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ لَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيمُ الْمَيْتَةِ وَلَوْ مُغَلَّظَةٌ إنْ وَجَدَهَا عَلَى دَفْعِهِ لِكَافِرٍ. وَفِي حَجّ: وَيَحْرُمُ تَمْزِيقُ الْمُصْحَفِ عَبَثًا؛ لِأَنَّهُ إزْرَاءٌ بِهِ وَتَرْكُ رَفْعِهِ عَنْ الْأَرْضِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْعَلَهُ فِي شِقٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ فَيُمْتَهَنُ اهـ. وَقَوْلُهُ وَتَرْكُ رَفْعِهِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا رَأَى وَرَقَةً مَطْرُوحَةً عَلَى الْأَرْضِ حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْكُهَا، وَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبُ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي إلَخْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ خِلَافًا لِبَعْضِ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ (قَوْلُهُ: لِغَرَضٍ آخَرَ) أَيْ كَالتَّبَرُّكِ أَوْ نَقْلِهِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ) يُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ انْتِهَاكِهِ لَمْ يَحْرُمْ (قَوْلُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ) لَكِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّعْلِيلُ السَّابِقُ، إذْ تَكْلِيفُهُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ
(قَوْلُهُ: عَمِلَ بِيَقِينِهِ) أَيْ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ. وَاسْتَشْكَلَهُ حَجّ وَأَجَابَ عَنْهُ فَرَاجِعْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّ امْرَأَةً لَمَسَتْهُ فَلَا نَقْضَ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى هَيْئَةِ النِّسَاءِ، بَلْ وَلَوْ قَالَ الْمُخْبِرُ أَنَا أَعْلَمُ أُنُوثَتَهَا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ إنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَخْرُجْنَ مِنْ الْمَسْجِدِ) أَيْ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَفِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُعْظَمُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَى أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَبْوَابٍ: مِنْهَا بَابُ الْإِيلَاءِ وَحَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَالْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ وَالْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِ الْغَيْرِ، وَفِي وُجُوبِ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ وَفِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ) أَيْ فَالْوَاجِبُ الْوُضُوءُ.
بَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا حَدَثًا وَطُهْرًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا فَيُنْظَرُ مَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ تَذَكَّرَ طُهْرًا فَقَطْ أَوْ حَدَثًا كَذَلِكَ أَخَذَ بِمِثْلِهِ أَوْ ضِدِّهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا فِيهِ أَيْضًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا أُخِذَ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا إنْ ذَكَرَ أَحَدُهُمَا فِيهِ، وَهَكَذَا يَأْخُذُ فِي الْوِتْرِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِضِدِّهِ إذَا ذَكَرَهُ فِي الْوِتْرِ، وَيَأْخُذُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 127
فَمُتَطَهِّرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَتَثْبُتُ عَادَةُ التَّجْدِيدِ وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا فَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ وَالِاسْتِنْجَاءَ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ وبِالِاسْتِطَابَةِ وَبِالِاسْتِجْمَارِ، وَالْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الشَّفْعِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِمِثْلِ الْفَرْدِ الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ اعْتِبَارِ عَادَةِ تَجْدِيدِهِ وَعَدَمِهَا، فَإِذَا تَيَقَّنَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَهُ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ وَعَلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ مُحْدِثٌ أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ إذْ هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الِاشْتِبَاهِ بِضِدِّ الْحَدَثِ فَيَكُونُ فِيهِ مُتَطَهِّرًا، وَفِي الشَّفْعِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَانِيهَا بِمِثْلِهِ فَيَكُونُ فِيهِ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ تَجْدِيدًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ بِضِدِّهِ فَيَكُونُ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا وَفِيمَا بَعْدَهُ مُحْدِثًا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ كَانَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَطَهِّرًا وَكَذَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَذَا بَعْدَهُ، إذْ الظَّاهِرُ تَأَخُّرُ طُهْرِهِ عَنْ حَدَثٍ فِي الْجَمِيعِ. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالضِّدِّ تَارَةً وَبِالْمِثْلِ أُخْرَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْحَدَثَ دُونَ مَا إذَا عَلِمَ الطُّهْرَ وَهُوَ لَا يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ فِي الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِهِ]
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ مُحَلًّى وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ، لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مُطَهِّرٌ وَالْكَلَامُ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَاقَةَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ اهـ سَمَّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ.
قُلْت: الْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فَقَطْ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْيَنْبُوعِ: قُلْت ذَكَرَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْإِعْدَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ إجْزَاءَ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ اهـ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِنَا مُطْلَقًا وَلَيْسَ مُرَادًا، وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْبِيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ اسْتَاكَ وَأَوَّلَ مَنْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَأَوَّلَ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ وَأَوَّلَ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ وَأَوَّلَ مَنْ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ وَثَرَدَ الثَّرِيدَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْآدَابِ) جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْهَا مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِلْقِبْلَةِ بِالصَّحْرَاءِ، فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْآدَابِ تَغْلِيبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدَبِ هُنَا الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ وَالْوَاجِبَ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَغْلِيبَ فِي الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ وَآدَابُ الْخَلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْفَصْلِ تَبَعٌ لِلِاسْتِنْجَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِالذَّاتِ، إذْ الْكَلَامُ فِي الطِّهَارَاتِ وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِتَقَدُّمِهَا فِي الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ: إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ) يَعْنِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، إذْ الْأَدَبُ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهُمَا لَا هُمَا إذْ هُمَا إمَّا حَرَامَانِ أَوْ مَكْرُوهَانِ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحَانِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعْتَبَرُ عَنْهُ.
وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ
стр. 128
وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ، وَهُوَ مِنْ نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ إذَا قَطَعْتُهَا، كَأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّلِيمِ، وَأَخَّرَهُ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ إشَارَةً إلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ (يُقَدِّمُ دَاخِلٌ الْخَلَاءَ يَسَارَهُ) عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَلَوْ بِمَحَلٍّ مِنْ صَحْرَاءَ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهِ كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ، وَمِثْلُ الرِّجْلِ بَدَلُهَا فِي حَقِّ فَاقِدِهَا (وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ) وَالْمَسْجِدُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَيُقَدَّمُ يَمِينَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَسَارِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ، إذْ الْيُسْرَى لِلْأَذَى وَالْيَمِينُ لِغَيْرِهِ. وَأَخَذَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ يَكُونُ بِالْيَمِينِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَفْظِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمُعَبَّرُ بِهِ مَعَ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ أَوَّلًا مِمَّا يَمْنَعُ الْخُشُوعَ، فَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ آدَابَ الْخَلَاءِ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ السَّلِيمِ) وَيَجِبُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: مَنْ ذُكِرَ) أَيْ السَّلِيمُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ لَوْ دَخَلَ لِوَضْعِ مَتَاعٍ أَوْ أَخْذِهِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا سَيَأْتِي فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ يُقَدَّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ وَلَوْ لِحَاجَةٍ أُخْرَى، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الْآدَابِ الْآتِيَةِ وَعَبَّرَ بِهِ كَالْخَارِجِ لِلْغَالِبِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِمَحَلٍّ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْغَايَةِ إلَى أَنَّ الْخَلَاءَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَكَانِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا مَجَازًا، وَإِلَّا فَالْخَلَاءُ عُرْفًا كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ الْبِنَاءُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْذَارُهُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ إلَّا بِخُرُوجِ الْخَارِجِ فِيهِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ كَوْنُهُ مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ، وَيَنْبَغِي زَوَالُ الِاسْتِقْذَارِ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْخَلَاءَ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا بِالْإِعْدَادِ، لَا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إذْ الْيُسْرَى إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ) كَالْبُيُوتِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ تَصَوُّرُهُ مَعَ قَوْلِهِمْ إذَا انْتَقَلَ مِنْ شَرِيفٍ إلَى أَشْرَفَ رُوعِيَ الْأَشْرَفُ دُخُولًا وَخُرُوجًا، وَمِنْ مُسْتَقْذَرٍ إلَى أَقْذَرَ رُوعِيَ الْأَقْذَرُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَاوٍ قَبْلَ يُعَبَّرُ وَهِيَ غَيْرُ صَوَابٍ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا بَعْدَهُ اللَّفْظُ، فَلَا اتِّحَادَ فِي الْمُعَبَّرِ بِهِ، وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِتَكُونَ الْمُتَعَاطِفَاتُ الْآتِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، إذْ مِنْ جُمْلَتِهَا اعْتِمَادُ الْيَسَارِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي قَاضِي الْحَاجَةِ.
وَأَيْضًا فَجَمِيعُ مَا فِي الْمَتْنِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَإِنْ زَادَ الشُّرَّاحُ عَلَيْهِ مَا يُشَارِكُهُ فِي الْحُكْمِ.
وَأَيْضًا فَالصَّحْرَاءُ الْمَشْمُولَةُ بِلَفْظِ الْخَلَاءِ كَمَا يَأْتِي لَا يُقَدَّمُ فِيهَا الْيَسَارُ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ) ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْخَلَاءَ الْجَدِيدَ لَا يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا إلَّا بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ فَلَا يَكْفِي بِنَاؤُهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ بَحَثَ شَيْخُنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِرَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَيْهِ فَالتَّشْبِيهُ نَاقِصٌ (قَوْلُهُ: إذْ الْيُسْرَى لِلْأَذَى) أَيْ كُلُّ يُسْرَى لِكُلِّ أَذًى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ إنَّ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ يَكُونُ بِالْيَمِينِ أَعَمَّ مِنْ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَيَشْمَلُ نَحْوَ نَقْلِ أَمْتِعَةٍ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ فَيَكُونُ بِالْيَمِينِ عَلَى مَا قَالَهُ.
فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَ لَهَا صُورَةٌ فِي الْخَارِجِ، إذْ الدَّاخِلُ إلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ مِنْ شَرِيفٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُسَاوٍ لَهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي خُصُوصِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَجْمُوعِ إنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ مَا ذُكِرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعِيَّةَ مَفْرُوضَةٌ فِي ذَلِكَ لِتَعْبِيرِهِ بِيَبْدَأُ وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّوَقُّفِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الشَّيْخِ اعْتِمَادُ مَا فِي
стр. 129
يَبْدَأُ فِيهِ بِالْيَمِينِ وَخِلَافِهِ بِالْيَسَارِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِالْيَسَارِ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمُسْتَقْذَرٍ أَوْ مِنْ مَسْجِدٍ لِمَسْجِدٍ فَالْعِبْرَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ فِي الْأَوْجَهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ بِقَاعِ الْمَحَلِّ شَرَفًا وَخِسَّةً، نَعَمْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ يَظْهَرُ مُرَاعَاةُ الْكَعْبَةِ عِنْدَ دُخُولِهَا وَالْمَسْجِدِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا لِشَرَفِهِمَا، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْيَمِينَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتَارَهُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الصَّحْرَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَالْخَلَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحَمَّامُ وَالْمُسْتَحَمُّ وَالسُّوقُ وَمَكَانُ الْمَعْصِيَةِ وَمِثْلُهُ الصَّاغَةُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَذَلِكَ، وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ شَرِيفٍ لِشَرِيفٍ أَوْ مِنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمِثْلِهِ تَخَيَّرَ، وَأَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ مِنْ بَيْتٍ إلَى آخَرَ تَخَيَّرَ، وَأَنَّ بِقَاعَ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا، فَمَا صُورَةُ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يُفْرَضَ فِيهِ الْخِلَافُ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْفِعْلُ الَّذِي لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ كَأَخْذِ مَتَاعٍ لِتَحْوِيلِهِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِالْيَسَارِ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ إلَخْ، وَاعْتَمَدَهُ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: فَالْعِبْرَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ) أَيْ فَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَيَتَغَيَّرُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْآخَرَ حَجّ، وَعَلَى قِيَاسِهِ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمُسْتَقْذَرَ وَيَتَخَيَّرُ فِي الثَّانِي، وَلَيْسَ مِنْ الْمُسْتَقْذَرِ فِيمَا يَظْهَرُ السُّوقُ وَالْقَهْوَةُ بَلْ الْقَهْوَةُ أَشْرَفُ فَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ دُخُولًا. [فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ جَعَلَ الْمَسْجِدَ مَوْضِعَ مَكْسٍ مَثَلًا، وَيَتَّجِهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَالْيُسْرَى خُرُوجًا، لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِقْذَارِ الْعَارِضِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ دَنِيءٍ إلَى مَكَان جَهِلَ أَنَّهُ دَنِيءٌ أَوْ شَرِيفٌ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الشَّرَافَةِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
قُلْت: بَقِيَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَلْ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ لِمَوْضِعِ قَضَائِهَا أَوْ يَتَخَيَّرُ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ حَيْثُ عَلِمَ وَقْفَهُ مَسْجِدًا، أَوْ شَرَافَتَهُ وَخِسَّتَهُ، أَمَّا لَوْ اعْتَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ ثُمَّ اتَّخَذُوهُ زَرِيبَةً مَثَلًا فَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ حَالِهِ وَقْتَ الدُّخُولِ مِنْ الشَّرَافَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْخِسَّةِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: شَرَفًا) أَيْ فِي الْحِسِّ فَإِنَّ قَرِيبَ الْمِنْبَرِ مَثَلًا لَا يُسَاوِي مَا قَرُبَ مِنْ الْبَابِ فِي النَّظَافَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَظَرَ إلَى هَذَا الشَّرَفِ فَيَتَخَيَّرُ فِي مَشْيِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَسْجِدِ إلَى مَحَلِّ جُلُوسِهِ (قَوْلُهُ: وَخِسَّةً) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْخَلَاءِ دِهْلِيزٌ طَوِيلٌ وَدَخَلَهُ بِالْيَسَارِ ثُمَّ انْتَهَى الْجُلُوسُ تَخَيَّرَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيمَا لَهُ دِهْلِيزٌ طَوِيلٌ يُقَدِّمُهَا عِنْدَ بَابِهِ وَوُصُولِهِ لِمَحَلِّ جُلُوسِهِ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ لِمَحَلِّ إلَخْ: أَيْ وَيَمْشِي كَيْفَ اتَّفَقَ فِي غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ أَقْذَرُ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ عِنْدَ وُصُولِهِ لِمَحَلِّ جُلُوسِهِ أَيْضًا لِأَنَّ جَمِيعَ مَا بَعْدَ أَجْزَاءِ الْبَابِ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّخْيِيرُ عِنْدَ وُصُولِهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ دِهْلِيزًا وَكَانَ قَصِيرًا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ التَّخْيِيرِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ) أَيْ الْحَرَامِ فَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ دُخُولًا وَخُرُوجًا فِيهِمَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الصَّاغَةُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ الْمَحِلَّاتُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْمَجْمُوعِ وَصَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمُسْتَقْذَرٍ) هَلْ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الِاسْتِقْذَارِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ سُوقِ الْخَلَاءِ وَعَكْسِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ بِقَاعِ الْمَحَلِّ شَرَفًا بَيَانًا لِهَذَا يَجْعَلُ أَلْ فِي الْمَحَلِّ لِلْجِنْسِ، أَوْ الْمُرَادُ وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِقْذَارِ الطَّاهِرِ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ وَاضِحٌ، إلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْ حُكْمِ مَا فِيهِ التَّفَاوُتُ فِي الِاسْتِقْذَارِ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَاسْتِدْرَاكِهِ الْآتِي مَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ مَسْجِدٍ لِمَسْجِدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ دَخَلَ مِنْ بَيْتٍ لِبَيْتٍ مَثَلًا فَلَوْ عَبَّرَ بِمَا يَشْمَلُ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِشَرَفِهِمَا) أَيْ الْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَيْ الشَّرَفِ الْمَخْصُوصِ بِهِمَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ شَرَفٌ ذَاتِيٌّ مَخْصُوصٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ فَرُوعِيَ لِأَجْلِهِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الشَّارِحَ لَا يَنْظُرُ إلَى تَفَاوُتِ الشَّرَفِ حَيْثُ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِي أَصْلِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ
стр. 130
(وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ مَكْتُوبَ ذِكْرِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، وَالْمَلَائِكَةُ سَوَاءٌ عَامَّتُهُمْ وَخَاصَّتُهُمْ، وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ مُخْتَصٍّ أَوْ مُشْتَرَكٍ وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ أَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ كَاتِبِهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَغْضُوبُ عَلَى أَهْلِهَا وَمَقَابِرُ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللَّهِ) هُوَ مَا تَضَمَّنَ ثَنَاءً أَوْ دُعَاءً، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ ثَوَابٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ كُلُّ مَحَلٍّ مُسْتَقْذَرٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْخَلَاءِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ. [فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ نُقِشَ اسْمٌ مُعَظَّمٌ عَلَى خَاتَمٍ لِاثْنَيْنِ قَصَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ نَفْسَهُ وَالْآخَرُ الْمُعَظَّمَ، فَهَلْ يُكْرَهُ الدُّخُولُ بِهِ الْخَلَاءَ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ اسْتَعْمَلَهُ أَحَدُهُمَا عَمِلَ بِقَصْدِهِ أَوْ غَيْرُهُمَا لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ كُرِهَ تَغْلِيبًا لِلْمُعَظَّمِ (قَوْلُهُ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُقَالُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ مَعَ الْحَدَثِ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُسْتَقْذَرِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَخَاصَّتُهُمْ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ صُلَحَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّ أُولَئِكَ مَعْصُومُونَ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَالِفُ قَوْلَهُ، وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ إلَخْ: أَيْ وَلَوْ مَغْمُورًا فِي غَيْرِهِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: مُعَظَّمٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إلَّا مَا عَلِمَ عَدَمَ تَبَدُّلِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ مِنْهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: قَامَتْ قَرِينَةٌ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَبَقِيَ مَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مِمَّا يُوَافِقُ لَفْظَ الْقُرْآنِ كَلَا رَيْبَ مَثَلًا فَهَلْ يُكْرَهُ حَمْلُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: بِقَصْدِ كَاتِبِهِ) أَوْ غَيْرِهِ تَبَرُّعًا قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّمِيمَةِ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِ الْآمِرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ لَوْ قَصَدَ بِهِ كَاتِبُهُ لِنَفْسِهِ الْمُعَظَّمَ ثُمَّ بَاعَهُ فَقَصَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي غَيْرَ الْمُعَظَّمِ فَهَلْ يُؤَثِّرُ قَصْدُ الْمُشْتَرِي؟ فِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْمُعَظَّمِ إذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ صَارَ غَيْرَ مُعَظَّمٍ اهـ سم عَلَى حَجّ.
قُلْت: وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ أَوَّلًا غَيْرَ الْمُعَظَّمِ ثُمَّ بَاعَهُ وَقَصَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْمُعَظَّمَ أَوْ تَغَيَّرَ قَصْدُهُ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَمْرَةِ مِنْ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْقَصْدِ الْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُكِرَ تَأَمَّلْ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَا كَتَبَهُ لِلدِّرَاسَةِ لَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ قَصْدِهِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ صَارَتْ قُرْآنِيَّتُهُ مَقْصُودَةً فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْقُرْآنِ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ لَا يَزُولُ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخَذَ وَرَقَةً مِنْ الْمُصْحَفِ وَقَصَدَ جَعْلَهَا تَمِيمَةً لَا يَجُوزُ مَسُّهَا وَلَا حَمْلُهَا مَعَ الْحَدَثِ سِيَّمَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُفِيدُ فِي: كَتَبَ تَمِيمَةً ثُمَّ قَصَدَ بِهَا الدِّرَاسَةَ لَا يَزُولُ حُكْمُ التَّمِيمَةِ اهـ.
وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الِاسْمِ الَّذِي كَتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ اسْمَهُ وَلِيًّا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُعَظَّمًا فَهَلْ يُقَالُ يُكْرَهُ لَهُ الدُّخُولُ بِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُعَظَّمٌ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ التَّعْظِيمُ بَلْ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتَقْرَبَ سم عَلَى حَجّ الْكَرَاهَةَ فَلْيُرَاجَعْ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ إنْ قُلْنَا إنَّ صُلَحَاءَ الْمُؤْمِنِينَ مُلْحَقُونَ بِعَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَأْتِي السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ حَمَلَ الْوَلِيَّ وَدَخَلَ بِهِ هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ دَخَلَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي خَاتَمٍ وَأَمَرَا مَنْ يَنْقُشُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ كَلَامِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ لِمَزِيدِ عَظَمَتِهَا (قَوْلُهُ: ذِكْرُ اللَّهِ) أَيْ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ الْمُشْتَغِلُ بِهِ ثَوَابُ الذَّاكِرِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَتِهِ الَّتِي تَبِعَ فِي صَدْرِهَا الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الْقُرْآنَ وَبَعْضَهُ، وَالْجُمَلَ الَّتِي فِيهَا ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى مُفْرَدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ) بِالْإِضَافَةِ حَتَّى يَتَأَتَّى قَوْلُهُ: وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ (قَوْلُهُ وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ)
стр. 131
لِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ لَمَّا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ وَكَانَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاَللَّهِ سَطْرٌ» قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَفِي حِفْظِي أَنَّهَا كَانَتْ تُقْرَأُ مِنْ أَسْفَلَ لِيَكُونَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَوْقَ الْجَمِيعِ وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَمَلَ مَعَهُ مُصْحَفًا فِيهِ فَيُكْرَهُ.
لَا يُقَالُ: إنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ غَالِبًا حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا خَافَ عَلَيْهِ التَّنْجِيسَ وَلَوْ لَمْ يُغَيِّبْهُ حَتَّى دَخَلَ غَيَّبَهُ نَدْبًا بِنَحْوِ ضَمِّ كَفِّهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ بِمَا عَلَيْهِ مُعَظَّمٌ وَجَبَ نَزْعُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحُرْمَةِ تَنْجِيسِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ (وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ) نَاصِبًا يُمْنَاهُ بِأَنْ يَضَعَ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعَ بَاقِيَهَا تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، وَلَوْ بَالَ قَائِمًا فَرَّجَ بَيْنَهُمْ وَاعْتَمَدَهُمَا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا)
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَيْهِ اسْمَهُمَا وَهُوَ مُتَّحِدٌ كَأَنْ كَانَ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُحَمَّدًا لَكِنْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ اسْمَ نَبِيِّنَا لِلتَّبَرُّكِ وَالْآخَرُ اسْمَ نَفْسِهِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يُبْعِدُ الْكَرَاهَةَ تَغْلِيبًا لِلْمُعَظَّمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ لِقَصْدِ الْمُسْتَعْمِلِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ) وَغَيْرِهِ تَبَرُّعًا قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّمِيمَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ) وَبَقِيَ الْإِطْلَاقُ وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ) أَيْ الْإِسْنَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَفِي حِفْظِي أَنَّهَا كَانَتْ تُقْرَأُ مِنْ أَسْفَلَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يَصِحَّ فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ إلَخْ) وَيُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُقَالُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ: فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ مَعَ الْحَدَثِ، مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُسْتَقْذَرِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: غَيَّبَهُ نَدْبًا) فَعُلِمَ أَنَّهُ يُطْلَبُ بِاجْتِنَابِهِ وَلَوْ مَحْمُولًا مُغَيَّبًا اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَجَبَ نَزْعُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ مُجَرَّدَ التَّمْيِيزِ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ آخِرًا عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَنْهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ تَنْجِيسِهِ) صَرَّحَ فِي الْإِعْلَامِ بِالْكُفْرِ بِإِلْقَاءِ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمٌ مُعَظَّمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ.
ثُمَّ أَوْرَدَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِمَا فِيهِ مُعَظَّمٌ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كُفْرًا، ثُمَّ فَرَّقُوا بِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ حَاجَةٍ، وَأَيْضًا فَالْمَاءُ يَمْنَعُ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ قَصَدَ تَضَمُّخَهُ بِالنَّجَاسَةِ يَأْتِي فِيهِ مَا هُنَا عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تُنَافِي الْكُفْرَ اهـ.
وَكَلَامُهُ فِي الْإِيرَادِ وَالْجَوَابِ شَامِلٌ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ خَشْيَةِ التَّنَجُّسِ، أَمَّا عِنْدَ عَدَمِهَا كَأَنْ اسْتَجْمَرَ مِنْ الْبَوْلِ وَلَمْ يَخْشَ وُصُولَهُ إلَى الْمَكْتُوبِ لَمْ يُحَرَّمْ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ: وَجَبَ نَزْعُهُ عِنْدَ اسْتِنْجَاءٍ يُنَجِّسُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا حُرْمَةُ الْقِتَالِ بِسَيْفٍ كُتِبَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ لِمَا ذُكِرَ مَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ) نَدْبًا فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ خَشِيَ التَّنَجُّسَ لَوْ اعْتَمَدَ عَلَى الْيُسْرَى أَمْ لَا وَفَرَّقَ حَجّ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَالَ قَائِمًا) يَخْرُجُ التَّغَوُّطُ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ حَجّ أَنَّهُ إنْ خَافَ التَّنْجِيسَ اعْتَمَدَهُمَا وَإِلَّا اعْتَمَدَ الْيَسَارَ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَخْ) هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: مِنْ الْمُهِمِّ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْقِبْلَةِ هُنَا هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجِهَةُ فَيَحْتَمِلُ الْعَيْنَ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ الْجِهَةَ لِقَوْلِهِ «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» اهـ، وَلَعَلَّ الْمُتَّجَهَ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا الرَّمْلِيَّ قَالَهُ وَكَذَا م ر اعْتَمَدَهُ ثُمَّ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْأَوْلَى الْمُعَظَّمُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ) ظَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ.
وَلِابْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْحَدَثِ وَأَحَالَ عَلَيْهِ هُنَا، وَانْظُرْ مَا لَوْ كَانَ يَكْتُبُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَمَلَ مَعَهُ مُصْحَفًا) يُقَالُ عَلَيْهِ فَلِمَ قَيَّدَ الْمَتْنَ بِقَوْلِهِ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ إلَخْ)
стр. 132
أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ
(وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ) بِعَيْنِ الْفَرْجِ وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَرْعٌ] أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الطَّلَبَةِ مَعْنَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِقْبَالِهَا بِهِمَا اسْتِقْبَالُ الشَّخْصِ لَهَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَبِاسْتِدْبَارِهَا جَعْلُ ظَهْرِهِ إلَيْهَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. [تَنْبِيهٌ] ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حُرْمَةِ اسْتِقْبَالِ الْمُصْحَفِ وَاسْتِدْبَارِهِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْقِبْلَةِ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَفْضُولِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْفَاضِلِ، نَعَمْ قَدْ يَسْتَقْبِلُهُ أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً فَيُحَرَّمُ بَلْ قَدْ يُكَفَّرُ بِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ وَاسْتِدْبَارِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ حَيْثُ كَانَ بِسَاتِرٍ مُعْتَبَرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِسَتْرِهِ فَخِلَافُ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْفَرْجِ إلَخْ) لَوْ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ أَوْ خُلِقَ مُنْسَدًّا فَخَرَجَ الْخَارِجُ مِنْ فَمِهِ فَهَلْ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ حَالَ الْخُرُوجِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ
قُلْت: وَهُوَ إنَّمَا يَتَأَتَّى التَّرَدُّدُ فِيهِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ حَجّ مِنْ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْقُضُ.
أَمَّا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِهِ كَالْقَيْءِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَرَدُّدٌ أَصْلًا إذْ هُوَ كَالْقَيْءِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ جَائِزٌ.
وَسُئِلَ م ر عَمَّا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ مَخْرَجٌ هَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ حَالَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْهُ؟ فَبِبَحْثِ مَا ظَهَرَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَّا فِي النَّقْضِ فَقَطْ، أَصْلِيًّا حُرِّمَ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ حِينَئِذٍ حُكْمَ الْأَصْلِيِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ الِاسْتِدْبَارِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ بِالصَّدْرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لَا يَتَأَتَّى هَذَا الْحَمْلُ مَعَ تَعْلِيلِهِ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ غَالِبًا حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعَدِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِالْبُنْيَانِ مَا فِيهِ بِنَاءٌ مُطْلَقًا وَبِالصَّحْرَاءِ مَا لَا بِنَاءَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي بِدُونِ سَاتِرٍ، وَرَدَ أَنَّ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحْرَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا سَتْرٌ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي فَلَا حُرْمَةَ وَإِلَّا حَرُمَ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ، فَمَا وَجْهُ جَعْلِهِمَا فِي الْبُنْيَانِ مُجَرَّدُ أَدَبٍ بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْبُنْيَانِ مَا فِيهِ سُتْرَةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلٍّ مَبْنِيٍّ أَوْ فِي بَحْرٍ أَوْ بِالصَّحْرَاءِ مَا لَا سُتْرَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلٍّ مَبْنِيٍّ أَوْ فِي صَحْرَاءَ، وَهُوَ الَّذِي فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ لَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ بِدُونِ سَاتِرٍ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْفَرْجِ) أَيْ الْخَارِجِ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْفَرْجِ الْمَذْكُورِ جَعْلُهُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِدْبَارُ بِجَعْلِهِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي تُقَابِلُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا تَغَوَّطَ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، فَحِينَئِذٍ إذَا كَانَ صَدْرُهُ أَوْ ظَهْرُهُ لِلْقِبْلَةِ وَبَالَ أَوْ تَغَوَّطَ بِلَا سُتْرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُسْتَقْبِلٌ أَوْ مُسْتَدْبِرٌ: أَيْ مَا لَمْ يَلْفِتْ ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَوْلِ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ.
وَوَجَّهَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ بِالْخَارِجِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ سَاتِرٌ إلَّا أُنْثَيَاهُ وَذَكَرُهُ أَوْ أُنْثَيَاهُ فَقَطْ وَذَلِكَ غَيْرُ كَافٍ فِي السَّتْرِ، لَكِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِالصَّدْرِ لَا بِالْفَرْجِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَرْجِعَ وَاحِدٌ غَالِبًا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا جَعَلَ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَتَغَوَّطَ فَالشَّارِحُ كَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ يُسَمِّيَانِهِ مُسْتَقْبِلًا، وَإِذَا جَعَلَ صَدْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَتَغَوَّطَ يُسَمِّيَانِهِ مُسْتَدْبِرًا، وَالشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ كَغَيْرِهِ يَعْكِسُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا جَعَلَ صَدْرَهُ أَوْ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَبَالَ فَالْأَوَّلُ مُسْتَقْبِلٌ اتِّفَاقًا وَالثَّانِي مُسْتَدْبِرٌ كَذَلِكَ.
نَعَمْ يَقَعُ الْخِلَافُ الْمَعْنَوِيُّ فِيمَا لَوْ جَعَلَ صَدْرَهُ أَوْ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَأَلْفَتَ ذَكَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَالَ، فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ وَلَا مُسْتَدْبِرٍ عِنْدَ الشَّيْخِ كَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ، بِخِلَافِهِ عِنْدَ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ) مُرَادُهُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ الِاسْتِدْبَارِ بِالصَّدْرِ كَمَا
стр. 133
بِالصَّدْرِ لِعَيْنِ الْقِبْلَةِ لَا جِهَتِهَا فِيمَا يَظْهَرُ بِدُونِ سَاتِرٍ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ لِذَلِكَ قَالَ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَرَوَيَا أَيْضًا «أَنَّهُ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ» فَجَمَعَ أَئِمَّتُنَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ بِحَمْلِ أَوَّلِهَا الْمُفِيدِ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهَا لِسَعَتِهَا لَا يَشُقُّ فِيهَا اجْتِنَابُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِخِلَافِ الْبُنْيَانِ فَقَدْ يَشُقُّ فِيهِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي السَّاتِرِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ فِي حَقِّ الْجَالِسِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لِأَنَّهُ يَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الِارْتِفَاعِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ صِيَانَةُ الْقِبْلَةِ عَنْ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ تَنْتَهِي بِالرُّكْبَةِ.
وَأَمَّا عَرْضُهَا فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَائِمُ وَالْجَالِسُ، فَسُتْرَةُ الْقَائِمِ فِيهِ كَسُتْرَةِ الْجَالِسِ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَيَحْصُلُ بِالْوَهْدَةِ وَالرَّابِيَةِ وَالدَّابَّةِ وَكَثِيبِ الرَّمْلِ وَغَيْرِهَا،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: بِدُونِ سَاتِرٍ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ الصَّبِيِّ: أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَمَا ذَكَرَهُ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ أَيْضًا.
وَعِبَارَتُهُ: بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ أَيْضًا مِنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ اهـ.
وَالْمَجْنُونِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِلَا سَاتِرٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
زَادَ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ: بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَلِيِّ أَيْضًا لِأَنَّ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ الْفَاعِلُ اهـ (قَوْلُهُ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا) أَيْ الْكَرَاهَةَ سم، وَحِينَئِذٍ فَفَعَلُوهَا بِمَعْنَى اعْتَقَدُوهَا، وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ أَفَعَلُوا ذَلِكَ وَاعْتَقَدُوا الْكَرَاهَةَ (قَوْلُهُ: بِمَقْعَدَتِي) أَيْ «وَكَانَتْ مَقْعَدَتُهُ ﷺ لَبِنَتَيْنِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ» (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ إلَخْ.
قُلْت: وَكَأَنَّ الْمَحَلِّيَّ نَسَبَهُ إلَى الْإِمَامِ لِأَخْذِهِ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فَعَلَهُ إلَخْ) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْحَمْلِ لِمَا قِيلَ إنَّ فِعْلَهُ ﷺ كَانَ فِي الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ «بِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ تَارَةً فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ وَهُوَ فِعْلُهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، وَتَارَةً فِي الْمُعَدِّ حَيْثُ قَالَ: حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي» وَحُكْمُهُ فِي حَقِّنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُعَدِّ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ) نَقَلَ عَنْهُ سم فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ وَافَقَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّتْرِ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ السَّتْرُ بِدُونِ الثُّلُثَيْنِ لِصِغَرِ بَدَنِ قَاضِي الْحَاجَةِ اكْتَفَى بِهِ اهـ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي النَّقْلِ عَنْ وَالِدِهِ، وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْصُ السُّتْرَةِ عَنْ الثُّلُثَيْنِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ إلَخْ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ: وَمِنْهُ أَيْ السَّاتِرِ إرْخَاءُ ذَيْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ (قَوْلُهُ: وَالرَّابِيَةِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُرْتَفِعِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
هُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ، وَلَعَلَّ لَفْظَ بِالصَّدْرِ سَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مُعَدٍّ) قَيْدٌ لِلْحُرْمَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا اتَّخَذَ لَهُ مَحَلًّا فِي الصَّحْرَاءِ بِغَيْرِ سَاتِرٍ وَأَعَدَّهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لَا يَحْرُمُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ أَيْضًا، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ لِلْمُسَافِرِينَ إذَا نَزَلُوا بِبَعْضِ الْمَنَازِلِ (قَوْلُهُ: إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ) هُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي حَقِيقَتِهِ الَّذِي هُوَ الْمَحَلُّ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَارِجُ بِهِ مِنْ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحْرَاءِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الْمُعَدِّ مِنْهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ) أَيْ مِنْ بَدَنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ لَوْ
стр. 134
وَكَذَا إرْخَاءُ الذَّيْلِ.
أَمَّا إنْ كَانَ فِي مُعَدٍّ وَلَوْ بِلَا سُتْرَةٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأُولَى، أَوْ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِسُتْرَةٍ فَخِلَافُ الْأُولَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لِلتَّحْرِيمِ فِيمَا مَرَّ هِيَ تَعْظِيمُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْفَضَاءَ لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ مُصَلٍّ إنْسِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ يَرَى قُبُلَهُ إنْ اسْتَدْبَرَهَا أَوْ دُبُرَهُ إنْ اسْتَقْبَلَهَا ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّ غَيْرَ الصَّحْرَاءِ كَذَلِكَ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ غَالِبًا عَمَّنْ ذُكِرَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَاتِرٌ جَازَ وَإِنْ كَانَ دُبُرُهُ مَكْشُوفًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَهَا بِصَدْرِهِ وَحَوَّلَ قُبُلَهُ عَنْهَا وَبَالَ لَمْ يَحْرُمْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ حَيْثُ لَا سُتْرَةَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ، وَيَأْتِي هُنَا جَمِيعُ مَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ حُرْمَةُ التَّقْلِيدِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَلُّمُ لِذَلِكَ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ الْخَارِجُ أَوْ يَضُرَّهُ كَتْمُهُ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ، وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيَسَارِهَا جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ، وَلَوْ: تَعَارَضَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ أَفْحَشُ.
وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقَمَرَيْنِ فِي اللَّيْلِ كَمَا بَحَثَهُ الْحَضْرَمِيُّ، وَمُرَادُهُ بِالْقَمَرَيْنِ الْقَمَرُ فَقَطْ.
أَمَّا الشَّمْسُ فَيَتَقَيَّدُ حُكْمُهَا بِالنَّهَارِ بِخِلَافِ اسْتِدْبَارِهِمَا، وَيُكْرَهُ مُحَاذَاةُ مَا كَانَ قِبْلَةً وَنُسِخَ وَلَوْ بِاسْتِدْبَارٍ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ كَذَلِكَ بِبَوْلٍ أَمْ غَائِطٍ لِلنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا حَمَلُوا النَّهْيَ هُنَا عَلَى التَّنْزِيهِ وَفِيمَا مَرَّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ لِلْإِجْمَاعِ، إذْ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ حَرَّمَهُ هُنَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ السُّتْرَةَ الْمَانِعَةَ لِلْحُرْمَةِ فِيمَا مَرَّ تَمْنَعُ الْكَرَاهَةَ هُنَا،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا إرْخَاءُ الذَّيْلِ) فَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ سَتْرٌ إلَّا بِإِرْخَاءِ ذَيْلِهِ لَمْ يُكَلَّفْ السَّتْرَ بِهِ إنْ أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهِ لِأَنَّ فِي تَنْجِيسِ ثَوْبِهِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ وَالسَّتْرُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ حَجّ وَم ر مِنْ أَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى الْحَالُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنْجَاءِ فَجَفَّفَ بَوْلَهُ بِيَدِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ جَازَ (قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ كَانَ) قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي مُعَدٍّ) أَيْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَعَ قَصْدِ الْعَوْدِ إلَيْهِ لِذَلِكَ كَمَا فِي سم عَلَى حَجّ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الْعَوْدِ مِنْهُ أَوْ تَهْيِئَتُهُ لِذَلِكَ بِقَصْدِ الْفِعْلِ فِيهِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُرِيدُ ذَلِكَ مِنْ أَتْبَاعِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى) عِبَارَةُ حَجّ: هَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ، أَمَّا هُوَ فَذَلِكَ فِيهِ مُبَاحٌ وَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ حَيْثُ سَهُلَ أَفْضَلُ اهـ.
قُلْت: قَدْ يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ أَفْضَلُ أَنَّ خِلَافَ الْأَفْضَلِ دُونَ خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خِلَافَ الْأَفْضَلِ دُونَ خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَمْ أَرَهُ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلَ مُتَسَاوِيَانِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْفَضِيلَةَ وَالْمُرَغَّبَ فِيهِ مَرْتَبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالنَّافِلَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ) الْأَوْلَى مَعَ عَدَمِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي وَهِيَ وَاضِحَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ يَضُرُّهُ كَتْمُهُ) أَيْ بِأَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ) أَيْ حَيْثُ أَمْكَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَا مَعًا وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَلَوْ تَعَارَضَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ) خِلَافًا لحج حَيْثُ جَزَمَ بِالتَّخْيِيرِ اهـ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ اسْتِدْبَارِهِمَا) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَمِثْلُهُ فِي حَجّ قَالَ: وَمَا بَعْدَ الصُّبْحِ مُلْحَقٌ بِاللَّيْلِ كَالْكُسُوفِ قَالَ: وَعَلَى كَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الِاسْتِدْبَارِ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُمَا عُلْوِيَّانِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِمَا غَالِبًا حَقِيقَةُ الِاسْتِدْبَارِ فَلَمْ يُكْرَهْ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَتَأَتَّى كُلٌّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مُحَاذَاةُ) أَيْ مُقَابَلَةُ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِاسْتِدْبَارٍ) خِلَافًا لِلْخَطِيبِ (قَوْلُهُ تُمْنَعُ الْكَرَاهَةُ هُنَا)
ــ
[حاشية الرشيدي]
جَعَلَ جَنْبَهُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ وَلَوَى ذَكَرَهُ إلَيْهَا حَالَ الْبَوْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ جَنْبِهِ عَرْضًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى) أَيْ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ حَيْثُ سَهُلَ التَّنَزُّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى غَيْرُ خِلَافِ الْأَفْضَلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ صَارَ اسْمًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكِنْ بِنَهْيٍ غَيْرِ خَاصٍّ، فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَكْرُوهِ كَرَاهَةً خَفِيفَةً، وَأَمَّا خِلَافُ الْأَفْضَلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا نَهْيَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فَضْلٌ إلَّا أَنَّ خِلَافَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ فِي مَحَلَّاتٍ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ مُصَلٍّ إلَخْ، فَقَوْلُهُ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ
стр. 135
وَلَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا بِاسْتِنْجَاءٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ إخْرَاجِ رِيحٍ أَوْ فَصْدٍ أَوْ حِجَامَةٍ (وَيَبْعُدُ) عَنْ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ فِي الْبَوْلِ إلَى حَيْثُ لَا يُسْمَعُ لِلْخَارِجِ مِنْهُ صَوْتٌ وَلَا يُشَمُّ لَهُ رِيحٌ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُغَيِّبَ شَخْصَهُ حَيْثُ أَمْكَنَ لِلِاتِّبَاعِ (وَيَسْتَتِرُ) عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» وَيَحْصُلُ السَّتْرُ بِمُرْتَفَعٍ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ وَقَدْ قَرُبَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ وَلَوْ بِرَاحِلَتِهِ وَنَحْوِ ذَيْلِهِ، وَلَا بُدَّ هُنَا أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي السَّتْرِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَنْ يَكُونَ السَّاتِرُ عَرِيضًا وَمُرْتَفِعًا فِي حَقِّ الْقَائِمِ إلَى مُحَاذَاةِ سُرَّتِهِ، بِخِلَافِ السَّاتِرِ لِلْمُصَلِّي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
نَعَمْ إنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ مُسَقَّفٍ أَوْ يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ كَفَاهُ السَّتْرُ بِنَحْوِ جِدَارٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَالَ حَجّ: وَمِنْ السَّاتِرِ هُنَا السَّحَابُ،
(قَوْله أَوْ حِجَامَةٍ) أَيْ أَوْ قَيْءٍ أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (قَوْلُهُ: وَيَبْعُدُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَعُدَ لَا بِضَمِّهِ مِنْ أَبْعَدَ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَبْعَدَ غَيْرَهُ.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْبُعْدُ ضِدُّ الْقُرْبِ، وَقَدْ بَعُدَ بِالضَّمِّ بُعْدًا فَهُوَ بَعِيدٌ: أَيْ مُتَبَاعِدٌ وَأَبْعَدَ غَيْرَهُ وَبَاعَدَهُ وَبَعَّدَهُ تَبْعِيدًا اهـ.
لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ أَبْعَدَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ (قَوْلُهُ: إلَى حَيْثُ إلَخْ) وَقَوْلُهُ وَلَا يُشَمُّ إلَخْ: أَيْ فَهُمَا سُنَّتَانِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ) عِبَارَةُ الْمِشْكَاةِ وَالْمَصَابِيحِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: أَيْ فَلْيَجْمَعْهُ ثُمَّ يَسْتَدْبِرْهُ أَوْ يَسْتَقْبِلْهُ، وَأُوثِرَ الِاسْتِدْبَارُ لِأَنَّ الْقُبُلَ يَسْهُلُ سَتْرُهُ بِالذَّيْلِ غَالِبًا، فَالْحَاجَةُ بِالدُّبُرِ أَمَسُّ اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: أَيْ يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ لِئَلَّا يَرَاهُ أَحَدٌ. [فَرْعٌ] هَلْ يَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ السَّتْرُ بِالزُّجَاجِ الَّذِي لَا يَحْجُبُ الرُّؤْيَةَ؟ قَالَ م ر بَحْثًا عَنْ الْبَدِيهَةِ: يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي السَّتْرِ عَنْ الْقِبْلَةِ لَا عَنْ الْعُيُونِ سم عَلَى مَنْهَجٍ، ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى: وَهَلْ يَكْفِي السَّتْرُ بِالْمَاءِ كَمَا لَوْ بَالَ وَأَسَافِلُ بَدَنِهِ مُنْغَمِسَةٌ فِي مَاءٍ مُسْتَبْحَرٍ لَا يَبْعُدُ؟ نَعَمْ وِفَاقًا لمر، نَعَمْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالْكَدِرِ بِخِلَافِ الصَّافِي كَالزُّجَاجِ الصَّافِي فَلْيُتَأَمَّلْ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ بَحْثُهُ الِاكْتِفَاءَ بِالزُّجَاجِ فِي سَتْرِ الْقِبْلَةِ لَا فِي السَّتْرِ عَنْ الْعُيُونِ (قَوْلُهُ: يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ) أَيْ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ إلَيْهَا مَعَ كَثْرَةِ وَسْوَسَةِ الْغَيْرِ وَحَمْلِهِ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهَا أَيْضًا وَوَسْوَسَةِ الْمُتَبَرِّزِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ بِهَا شَرْحُ الْمِشْكَاةِ لحج (قَوْلُهُ: ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ صَغُرَ قَاضِي الْحَاجَةِ، وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِيهِ ثُمَّ وَافَقَ عَلَى مَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهُمَا عِنْدَ حُصُولِ السَّتْرِ بِهِ.
أَقُولُ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سُتْرَةً شَرْعِيَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ نَقْلُهُ عَنْ م ر (قَوْلُهُ إلَى مُحَاذَاةِ سُرَّتِهِ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّاتِرِ مِنْ الْأَرْضِ وَانْتِهَاؤُهُ مُحَاذَاةُ السُّرَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ: يَكْفِي هُنَا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَنْعُ مِنْ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَمَحَلُّهُ فِي الْجَالِسِ، إلَى أَنْ قَالَ: فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِمِ مِنْ ارْتِفَاعِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ حَتَّى يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا نَصَّهُ.
قَوْلُهُ إلَى رُكْبَتِهِ، لَا يُقَالُ: قَضِيَّةُ مَا سَبَقَ بِالْهَامِشِ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنْ يُقَالَ إلَى الْأَرْضِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْفَرْقُ مُمْكِنٌ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
قُلْت: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ تَعْظِيمُ الْقِبْلَةِ فَوَجَبَ لِذَلِكَ السَّتْرُ عَنْ الْعَوْرَةِ وَحَرِيمِهَا، وَالْمَقْصُودُ هُنَا مَنْعُ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَذَلِكَ لَيْسَ إلَّا لِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ) أَيْ عَادَةً، وَلَيْسَ دَاخِلَهُ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ مِمَّنْ يَحْرُمُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
غَالِبًا عَمَّنْ ذُكِرَ بَيَانٌ لَهُ فَتَتَعَيَّنُ فِيهِ " مِنْ " خِلَافًا لِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَيَسْتَتِرُ) أَيْ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، فَهُوَ غَيْرُ تَغْيِيبِ شَخْصِهِ الْمَارِّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ) أَيْ الَّذِينَ لَا يَحْرُمُ نَظَرُهُمْ إلَيْهِ كَزَوْجَاتِهِ وَإِمَائِهِ بِقَرِينَةِ
стр. 136
أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَلَا يَكْفِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ، وَبَعْضُهُمْ تَوَهَّمَ اتِّحَادَ الْمَوْضِعَيْنِ فَاحْذَرْهُ، وَمَحَلُّ عَدِّ ذَلِكَ مِنْ الْآدَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا، أَمَّا بِحَضْرَتِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا، إذْ كَشْفُهَا بِحَضْرَتِهِ حَرَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَوُجُوبُ غَضِّ الْبَصَرِ لَا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ الْبَوْلُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ جَازَ لَهُ التَّكَشُّفُ وَعَلَيْهِمْ الْغَضُّ، فَإِنْ احْتَاجَ لِلِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً بِحَضْرَةِ النَّاسِ جَازَ لَهُ كَشْفُهَا أَيْضًا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا، وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالْجَوَازِ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ، وَفَارِقُ مَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَظِيرِهَا مِنْ الْجُمُعَةِ حَيْثُ خَافَ فَوْتَهَا إلَّا بِالْكَشْفِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ جَعَلَهُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا.
قَالَ: لِأَنَّ كَشْفَهَا يَسُوءُ صَاحِبَهَا بِأَنَّ لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْتُ
(وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ) مَمْلُوكٍ لَهُ أَوْ مُبَاحٍ قَلِيلًا كَانَ أَمْ كَثِيرًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِ الْقَلِيلِ وَاسْتِقْذَارِ الْكَثِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْحِرًا بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ الْأَنْفُسُ بِحَالٍ فِيمَا يَظْهَرُ.
لَا يُقَالُ: لِمَ لَمْ يَحْرُمْ فِي الْمَاءِ مُطْلَقًا إذَا كَانَ عَذْبًا لِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ فَيَكُونُ كَالطَّعَامِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّعَامُ يُنَجَّسُ وَلَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ مَائِعِهِ، وَالْمَاءُ لَهُ قُوَّةُ دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَلْحَقْ هُنَا بِالْمَطْعُومَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ بِالْمُكَاثَرَةِ، أَمَّا الْجَارِي فَيَكُونُ الْبَوْلُ فِي
ــ
[حاشية الشبراملسي]
نَظَرُهُ وَإِلَّا حُرِّمَ كَمَا سَيَأْتِي اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَهُ الْبَوْلُ) أَيْ بِأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ وَشَقَّ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ وُصُولُهُ إلَى حَدٍّ يَخْشَى مَعَهُ مِنْ عَدَمِ الْبَوْلِ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ، ثُمَّ تَعْبِيرُهُ بِالْجَوَازِ مُقْتَضٍ لِإِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَيَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ بِتَرْكِهِ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ كَشْفُهَا) أَفْهَمَ حُرْمَةَ الِاسْتِنْجَاءِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ إمْكَانُ الِاسْتِنْجَاءِ فِي مَحَلٍّ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْكَشْفُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَالْمُتَيَمِّمِ فِي مَحَلٍّ فِيهِ يَغْلِبُ وُجُودُ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: فِي الثَّانِيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ فَإِنْ احْتَاجَ لِلِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ جَعَلَهُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِمُرُوءَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُسْتَقْبَحٌ فَلَا نَظَرَ إلَى عَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: حَيْثُ لَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِمُرُوءَتِهِ فَالْمُتَّجَهُ الْوُجُوبُ (قَوْلُهُ: وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْتُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ كَشْفَهَا وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ مُجَوِّزٌ لِلتَّرْكِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْذَارِ أَنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلْإِثْمِ فَقَطْ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ مَعَهَا أَوْلَى.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا: لَوْ عَلِمَ مِنْ قَوْمٍ عَدَمَ رَدِّ السَّلَامِ سُنَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَثِمُوا فَمَا هُنَا كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: أَوْ مُبَاحٍ) بِخِلَافِ الْمُسَبَّلِ وَالْمَوْقُوفِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: ظَاهِرُهُ وَإِنْ اسْتَبْحَرَ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ قَيَّدَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ فِي شَرْحِهِ الْحُرْمَةَ فِي الْمُسَبَّلِ أَوْ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ الْمُسْتَبْحَرِ الْمَذْكُورِ فَلْيُتَأَمَّلْ، لَكِنَّهُ قَرِيبٌ فِي الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ إنْ عُلِمَ رِضَاهُ، وَقَدْ يُقَالُ مَعَ عِلْمِ الرِّضَا لَا يَنْبَغِي التَّقْيِيدُ بِالْمُسْتَبْحَرِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ لَا يَبْعُدُ تَخْصِيصُهُ بِالْبَوْلِ بَلْ قَدْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُسْتَبْحَرِ بِالْحَيْثِيَّةِ السَّابِقَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا اسْتَبْحَرَ أَوْ لَا، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ رِضَا مَالِكِهِ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا يُوَافِقُ مَا قُلْنَاهُ هَذَا.
وَانْظُرْ مَا صُورَةُ وَقْفِ الْمَاءِ وَقَدْ يُصَوَّرُ بِمَا لَوْ وُقِفَ مَحَلُّهُ كَبِئْرٍ مَثَلًا وَيَكُونُ فِي التَّعْيِينِ بِوَقْفِهِ تَجَوُّزٌ: أَيْ وَقْفِ مَحَلِّهِ.
وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ أَيْضًا بِمَا لَوْ مَلَكَ مَاءً كَثِيرًا فِي بِرْكَةٍ مَثَلًا فَوَقَفَ الْمَاءَ عَلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ لَهُ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْحِرًا) أَيْ وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلطَّهَارَةِ وَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِلَّا حُرِّمَ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُهِمَّاتِ (قَوْلُهُ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ) قَدْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مَا يَأْتِي، أَوْ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِفَرْضِ وُجُودِهِمْ (قَوْلُهُ: مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ) أَيْ بِالْفِعْلِ مِمَّنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ) أَيْ فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ (قَوْلُهُ: أَوْ مُبَاحٍ) أَيْ غَيْرُ مُسَبَّلٍ وَلَا مَوْقُوفٍ، وَصُورَةُ الْمَوْقُوفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ يَقِفَ إنْسَانٌ ضَيْعَةً مَثَلًا يَمْلَأُ مِنْ غَلَّتِهَا نَحْوَ صِهْرِيجٍ أَوْ فَسْقِيَّةٍ، أَوْ أَنْ يَقِفَ بِئْرًا فَيَدْخُلُ فِيهِ مَاؤُهُ الْمَوْجُودُ
стр. 137
الْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَيْلًا فَيُكْرَهُ أَيْضًا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ مَأْوَى الْجِنِّ، وَحَيْثُ حَرُمَ الْبَوْلُ أَوْ كُرِهَ فَالتَّغَوُّطُ أَوْلَى.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ وَيَتَعَيَّنُ الْفَتْوَى بِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ وَلَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِّ
وَلَوْ انْغَمَسَ مُسْتَجْمِرٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ حَرُمَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فِي الْبَوْلِ فِيهِ لِمَا فِيهِ هُنَا مِنْ تَضَمُّخِهِ بِالنَّجَاسَةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ بِقُرْبِ الْقَبْرِ الْمُحْتَرَمِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بِحَثْوِ الْبَوْلِ إلَى جِدَارِهِ بِالْبَوْلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَحْوِ عَظْمٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَيَحْرُمُ فِي مَسْجِدٍ وَلَوْ بِإِنَاءٍ بِخِلَافِ الْفَصْدِ فِيهِ لِخِفَّةِ الِاسْتِقْذَارِ فِي الدَّمِ، وَلِذَا عُفِيَ عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ بِشَرْطِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الْحُرْمَةَ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ أَوْ قُزَحَ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَحَلَّ الرَّمْيِ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا مَحَالُّ شَرِيفَةٌ ضَيِّقَةٌ، فَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لَاسْتَمَرَّ وَبَقِيَ وَقْتَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا فَيُؤْذِي حِينَئِذٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي مَحَلِّ جُلُوسِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَجِّحَ الْكَرَاهَةُ، أَمَّا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يُشْكِلُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ الْمُتَنَجِّسِ فِي الطَّاهِرِ الْجَامِدِ إذَا كَانَ الْإِنَاءُ رَطْبًا مَعَ إمْكَانِ طُهْرِ الْجَامِدِ بِالْغَسْلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ لِلْمَاءِ قُوَّةٌ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ اُغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّعَامُ إلَخْ.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ وَضْعَ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ الْقَصْدُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ فِي النَّجِسِ فَيَحْرُمُ لِأَنَّهُ كَتَنَجُّسِ الثَّوْبِ وَهُوَ تَضَمُّخٌ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا تَفْرِيغُ نَفْسِهِ مِنْ الْبَوْلِ وَكَوْنُهُ فِي الْمَاءِ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا لَهُ اهـ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: فِي مَاءٍ قَلِيلٍ) خَرَجَ بِهِ الْكَثِيرُ فَلَا يَحْرُمُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ: وَنَقَلُوا عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ الْمُسْتَجْمِرَ إذَا أَرَادَ النُّزُولَ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ قَلِيلًا حُرِّمَ لِأَنَّ فِيهِ تَضَمُّخًا بِالنَّجَاسَةِ أَوْ كَثِيرًا لَمْ يَحْرُمْ.
وَبَحَثَ النَّوَوِيُّ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْبَوْلِ فِيهِ، وَنَازَعُوهُ بِأَنَّ الْوَجْهَ الْكَرَاهَةُ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ مُجَرَّدِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الْوَاقِفِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُسْتَجْمِرًا مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ عَيْنٌ أَصْلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَ عَيْنٌ خُصُوصًا إذَا كَثُرَتْ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الْقَبْرِ الْمُحْتَرَمِ) وَبَحَثَ حُرْمَتَهُ بِقُرْبِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ اهـ سم.
وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ تَحْرِيمُهُ بَيْنَ الْقُبُورِ الْمُتَكَرِّرِ نَبْشُهَا لِاخْتِلَاطِ تُرْبَتِهَا بِأَجْزَاءِ الْمَيِّتِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ بِقُرْبِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً بِهِمْ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إزْرَاءٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ سم بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصْحَفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً، قَالَ: بَلْ قَدْ يَكْفُرُ بِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ وَاسْتِدْبَارِهِ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الِاسْتِقْبَالِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، فَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ قَدْ لَا يُعَدُّ إزْرَاءً، بِخِلَافِ الْقُرْبِ فَإِنَّ الْبَوْلَ مَعَهُ يُعَدُّ إزْرَاءً بِصَاحِبِ الْقَبْرِ (قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) بَقِيَ أَنَّ غَيْرَ الْبَوْلِ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ هَلْ يَلْحَقُ بِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْإِلْحَاقُ بَلْ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِالنَّجَاسَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَصْدًا (قَوْلُهُ: وَعَلَى نَحْوِ عَظْمٍ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَى نَحْوِ عَظْمٍ إلَخْ، وَهَلْ يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِي النَّجَاسَةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَوْلِ عَلَيْهِ أَوْ يُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقَصْدِ) أَيْ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ إلَى الْقَصْدِ (قَوْلُهُ: أَوْ قُزَحَ) هُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَجَّحَ الْكَرَاهَةُ) أَيْ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَالْمُتَجَدِّدُ تَبَعًا، وَإِلَّا فَالْمَاءُ لَا يَقْبَلُ الْوَقْفَ قَصْدًا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ) أَيْ الْمَاءُ الْقَلِيلُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِدًا أَوْ جَارِيًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَظَاهِرٌ أَنَّ مِثْلَهُ الْكَثِيرُ إذَا تَغَيَّرَ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ التَّبَرُّزُ (قَوْلُهُ: بِقُرْبِ الْقَبْرِ الْمُحْتَرَمِ)
стр. 138
عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى فَلَا يَحْرُمُ فِيهَا لِسَعَتِهَا (وَجُحْرٍ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ الثَّقْبُ النَّازِلُ الْمُسْتَدِيرُ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ لِمَا يُقَالُ إنَّهَا مَسَاكِنُ لِلْجِنِّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَيَوَانٌ ضَعِيفٌ فَيَتَأَذَّى.
أَوْ قَوِيٌّ فَيُؤْذِيهِ أَوْ يُنَجِّسُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّرَبُ وَهُوَ الشِّقُّ الْمُسْتَطِيلُ، وَكَالْبَوْلِ الْغَائِطُ، نَعَمْ يَظْهَرُ تَحْرِيمُهُ فِيهِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يَتَأَذَّى بِهِ أَوْ يَهْلِكُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ بَحْثُ الْمَجْمُوعِ (وَمَهَبِّ رِيحٍ) أَيْ مَحَلِّ هُبُوبِهَا وَقْتَ هُبُوبِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ، وَمِنْهُ الْمَرَاحِيضُ الْمُشْتَرَكَةُ، بَلْ يَسْتَدْبِرُهَا فِي الْبَوْلِ وَيَسْتَقْبِلُهَا فِي الْغَائِطِ الْمَائِعِ لِئَلَّا يَتَرَشْرَشَ بِذَلِكَ لِخَبَرِ «اسْتَمْخِرُوا الرِّيحَ» أَيْ اجْعَلُوا ظُهُورَكُمْ إلَيْهَا وَلَا تَسْتَقْبِلُوهَا، فَلَا يُكْرَهُ اسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ التَّغَوُّطِ بِغَيْرِ مَائِعٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ عَوْدِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ (وَمُتَحَدَّثٍ) لِلنَّاسِ (وَطَرِيقٍ) لِخَبَرِ. مُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ، قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» تَسْبِيبًا بِذَلِكَ فِي لَعْنِ النَّاسِ لَهُمَا كَثِيرًا عَادَةً، فَنَسَبَ إلَيْهِمَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى: احْذَرُوا سَبَبَ اللَّعْنِ الْمَذْكُورِ.
وَأُلْحِقَ بِظِلِّ النَّاسِ فِي الصَّيْفِ مَوَاضِعُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّغَوُّطَ فِي الطَّرِيقِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَهُوَ كَذَلِكَ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ الصَّفَا إلَخْ الْكَرَاهَةُ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا وَجَّهَ بِهِ الْحُرْمَةَ مِنْ أَنَّهَا مَحَالُّ شَرِيفَةٌ، لَا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُجَرَّدَ شَرَفِهَا لَا يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْكَرَاهَةُ كَمَا فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَذَا، وَنَازَعَ فِيهِ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي الْبِنَاءِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ الْبِنَاءَ عَنْ م ر فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّ الْبِنَاءَ مَمْنُوعٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ اهـ.
وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهَا مَحَالُّ شَرِيفَةٌ فَحُرْمَةُ الْبَوْلِ بِهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْتِفَاعِ بِهَا (قَوْلُهُ: وَجُحْرٍ) وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَيَوَانٌ يُؤْذِي بَلْ مَا لَا يُؤْذِي، وَكَانَ يَلْزَمُ مِنْ بَوْلِهِ عَلَيْهِ قَتْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ نُدِبَ قَتْلُهُ وَكَانَ يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ وَإِنْ كَرِهَ قَتْلَهُ، فَإِنْ كَانَ يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ فَالْكَرَاهَةُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ تَعْذِيبٌ حَرُمَ لِلْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ، وَإِنْ كَانَ يُبَاحُ قَتْلُهُ فَإِنْ حَصَلَ تَعْذِيبٌ حَرُمَ أَوْ انْتَفَى التَّعْذِيبُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَأَذٍّ فَيَتَّجِهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ الْكَرَاهَةُ، وَإِنْ حَصَلَ تَأَذٍّ يَتَّجِهُ الْكَرَاهَةُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ فَلْيُحَرَّرْ مَحَلُّ كَلَامِهِمْ مِنْ ذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ وَهُوَ الثَّقْبُ) بِالْفَتْحِ وَاحِدُ الثُّقُوبِ، وَالثُّقْبُ بِالضَّمِّ جَمْعُ ثُقْبَةٍ كَالثُّقَبِ بِفَتْحِ الْقَافِ اهـ مُخْتَارٌ.
وَفِي الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ اهـ.
قُلْت: الْقِيَاسُ مَا فِي الْمُخْتَارِ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ ثَقَبَهُ، وَالْقِيَاسُ فِيهِ الْفَتْحُ كَمَا فِي مَصْدَرِ قَتَلَ وَنَصَرَ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا (قَوْلُهُ: وَقْتَ هُبُوبِهَا) وَمِثْلُهُ غَلَبَةُ هُبُوبِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هُبُوبُهَا مِنْ جِهَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهَا) قَدْ يُشْعِرُ بِمُوَافَقَتِهِمْ قَوْلُ حَجّ: وَكَالْمَائِعِ جَامِدٌ يَخْشَى عَوْدَ رِيحِهِ وَالتَّأَذِّي بِهِ، وَقَوْلُهُ لِمَا فِيهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لِمَنْ قَالَ بِهَا (قَوْلُهُ: وَمُتَحَدِّثٍ) أَمَّا مَحَلُّ الِاجْتِمَاعِ لِحَرَامٍ: أَيْ أَوْ مَكْرُوهٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، بَلْ وَلَا يَبْعُدُ نَدْبُ ذَلِكَ تَنْفِيرًا لَهُمْ شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِنَا حَجّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِالْوُجُوبِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مَنْعُهُمْ مِنْ الِاجْتِمَاعِ لِمُحَرَّمِ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى) الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ اتَّقُوا أَنْ يُحْمَلَا عَلَى الْفِعْلَيْنِ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ قَالَ الَّذِي عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ تَخَلَّى الَّذِي، وَيَكْفِي الْمُطَابَقَةُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ الْإِفْرَادُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَا عَلَى الشَّخْصَيْنِ بِتَقْدِيرِ اتَّقُوا فِعْلَ اللَّعَّانِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ تَسَبُّبًا. إلَخْ، فَلَا حَذْفَ فِي الَّذِي يَتَخَلَّى وَمُطَابَقَتُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ وَطَرِيقٍ لَعَلَّ الْكَلَامَ فِي طَرِيقٍ يَسْتَحِقُّ النَّاسُ الْمُرُورَ بِهَا لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً أَوْ مُسَبَّلَةً لِذَلِكَ وَمُبَاحَةً، بِخِلَافِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَوْقُوفَةِ وَالْمُسَبَّلَةِ لِلْمُرُورِ مَعَ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ لَهُ وَلَا فِي مُبَاحٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْجَوَازَ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْأَرْضِ بِوَجْهٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ بِهَا بِذَلِكَ كَأَرْضٍ فَلَاةٍ وَقْفًا أَوْ مِلْكًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إلَخْ) وَلَوْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 139
وَإِنْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ أَنَّهُ حَرَامٌ وَأَقَرَّهُ، وَكَالطَّرِيقِ الْمُتَحَدَّثُ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ) وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مُبَاحًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا بَلْ مَشْمُومًا أَوْ نَحْوَهُ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ ثِمَارُهَا فَتَفْسُدَ أَوْ تَعَافَهَا الْأَنْفُسُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْغَائِطِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْبَوْلِ خِلَافًا لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّ الْبَوْلَ يَطْهُرُ بِالْمَاءِ وَبِجَفَافِهِ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ فِي قَوْلٍ، بِخِلَافِ الْغَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ مَكَانُهُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَلَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فِي الْغَائِطِ أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُرَى فَيُجْتَنَبُ أَوْ يُطَهَّرُ، وَفِي الْبَوْلِ أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إقْدَامُ النَّاسِ عَلَى أَكْلِ مَا طَهُرَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْغَائِطِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْخِلَافُ وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ طُهْرَهُ قِبَلَ الثَّمَرَةِ بِنَحْوِ نِيلٍ أَوْ سَيْلٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، زَادَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَصْلِهِ قَوْلَهُ
(وَلَا) (يَتَكَلَّمُ) حَالَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِذِكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْكَلَامُ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ، وَشَمِلَ ذَلِكَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ حَالَ قَضَائِهَا خِلَافًا لِابْنِ كج، نَعَمْ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ عَبَّرَ فِيهِ بِنَفْيِ الْجَوَازِ عَلَى الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ كَإِنْذَارِ أَعْمَى لَمْ يُكْرَهْ بَلْ يَصِيرُ وَاجِبًا، وَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ خَبَرَ النَّهْيِ عَنْ التَّحَدُّثِ عَلَى الْغَائِطِ
(وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ) بَلْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِئَلَّا يَعُودَ الرَّشَاشُ فَيُنَجِّسَهُ إلَّا فِي الْأَخْلِيَةِ الْمُعَدَّةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَنْتَقِلُ، وَمِثْلُهُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي الْأَخْلِيَةِ الْمُعَدَّةِ هَوَاءٌ مَعْكُوسٌ كُرِهَ ذَلِكَ فِيهَا كَمَا يُكْرَهُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ، وَقَدْ يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ لَا مَاءَ وَلَوْ انْتَقَلَ لِتَضَمُّخٍ بِالنَّجَاسَةِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ بِالْوُضُوءِ وَالْمَاءِ لَا يَكْفِي لَهُمَا (وَيَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ)
ــ
[حاشية الشبراملسي]
زَلِقَ أَحَدٌ فِيهِ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَاعِلِ وَإِنْ غَطَّاهُ بِتُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي التَّالِفِ فِعْلًا وَمَا فَعَلَهُ جَائِزٌ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ) يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا مِنْ شَأْنِ نَوْعِهِ أَنْ يُثْمِرَ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَوَانَ الْإِثْمَارِ عَادَةً كَالْوَدِيِّ الصَّغِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ فَيُكْرَهُ الْبَوْلُ تَحْتَهُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ مَا يُظْهِرُهُ قَبْلَ أَوَانِ الْإِثْمَارِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَكَلَّمُ حَالَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) نَقَلَ سم عَلَى حَجّ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا حَالَ خُرُوجِ الْخَارِجِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ (قَوْلُهُ: فَالْكَلَامُ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ) وَهَلْ مِنْ الْكَلَامِ مَا يَأْتِي بِهِ قَاضِي الْحَاجَةِ مِنْ التَّنَحْنُحِ عِنْدَ طَرْقِ بَابِ الْخَلَاءِ مِنْ الْغَيْرِ لِيَعْلَمَ هَلْ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا، وَبِتَقْدِيرِهِ فَهُوَ لِحَاجَةٍ وَهِيَ دَفْعُ دُخُولِ مَنْ يَطْرُقُ الْبَابَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ خُلُوَّ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ) وَهَلْ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَلَا يُنَافِيهِ فِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ مِنْ أَنَّ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ وَهَذَا مَطْلُوبٌ فِيهِ بِخُصُوصِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ: وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ أَنَّهُ لَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
قُلْت: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَى مَا يُسْمِعُ بِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيكَ إذَا لَمْ يُسْمِعْ بِهِ نَفْسَهُ لَا أَثَرَ لَهُ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً وَلَا ذِكْرًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَمِثْلُهُ فِي حَجّ (قَوْلُهُ خَبَرَ النَّهْيِ) لَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَقُلْ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي خَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ لِاخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالْغَائِطِ وَالْمُدَّعَى كَرَاهَتُهُ كَالْبَوْلِ
(قَوْلُهُ: كُرِهَ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَحَقَّقَ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَا مَاءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِهِ (قَوْلُهُ وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي) أَفْهَمَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ إذَا كَانَ كَافِيًا، وَإِنْ لَزِمَ عَلَى الِانْتِقَالِ التَّضَمُّخُ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ هَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ لِأَنَّ التَّضَمُّخَ إنَّمَا يَحْرُمُ حَيْثُ كَانَ عَبَثًا (قَوْلُهُ وَيَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ) عِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
هَلْ يَشْمَلُ قَبْرَ نَحْوِ الذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْخِلَافُ) يَعْنِي يُوَجَّهُ كُلٌّ مِنْ طَرَفَيْ الْخِلَافِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْخِلَافِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي لَهُمَا) أَيْ وَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ،
стр. 140
نَدْبًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ بِنَحْوِ مَشْيِ أَوْ وَضْعِ الْمَرْأَةِ يُسْرَاهَا عَلَى عَانَتِهَا أَوْ نَتْرِ ذَكَرٍ ثَلَاثًا بِأَنْ يَمْسَحَ بِإِبْهَامِ يُسْرَاهُ وَمُسَبِّحَتِهَا مِنْ مَجَامِعِ الْعُرُوقِ إلَى رَأْسِ ذَكَرِهِ وَيَنْتُرَهُ بِلُطْفٍ وَلَا يَجْذِبَهُ خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ، لِأَنَّ إدَامَةَ ذَلِكَ تَضُرُّهُ وَقَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ يَضَعُ أُصْبُعَهُ تَحْتَ ذَكَرِهِ وَالسَّبَّابَةَ فَوْقَهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مِنْ تَفَرُّدَاتِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ وُجُوبِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْغَائِطِ أَيْضًا وَلَا بُعْدَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ السَّلَسِ حَشْوُ الذَّكَرِ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ لِأَنَّهُ يَضُرُّهُ
(وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ) أَيْ إرَادَةِ دُخُولِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيمَا ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَوُّذِ (بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ، وَخُرُوجِهِ غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) أَيْ مِنْهُ لِلِاتِّبَاعِ وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْكَبِيرِ لِلْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» نَصُّهَا: يَعْنِي أَنَّكُمْ وَإِنْ خُفِّفَ عَنْكُمْ فِي شَرْعِنَا وَرُفِعَتْ عَنْكُمْ الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأَوَّلِينَ مِنْ قَطْعِ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْ بَدَنٍ أَوْ أَثَرٍ فَلَا تَتَهَاوَنُوا بِتَرْكِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ جُمْلَةً فَإِنَّ مَنْ أَهْمَلَ ذَلِكَ عُذِّبَ فِي أَوَّلِ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ (قَوْلُهُ: وَيَنْتُرَهُ) هُوَ بِالنُّونِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ اهـ مُخْتَارٌ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَلَا يَجْذِبُهُ) بَابُهُ ضَرَبَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: أُصْبُعَهُ) أَيْ الْوُسْطَى كَمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْغَائِطِ) اُنْظُرْ بِمَاذَا يَحْصُلُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَقِيَاسُ مَا فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهُ يَضَعُ الْيُسْرَى عَلَى مَجْرَى الْغَائِطِ وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَضَلَاتِ إنْ كَانَ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حَجّ فِي جُمْلَةِ الصُّوَرِ الْمُحَصِّلَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَمَسْحِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَجَامِعِ الْعُرُوقِ بِيَدِهِ
(قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَوُّذِ) أَيْ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلدُّعَاءِ كَقَوْلِهِ غُفْرَانَك إلَخْ فَيَخْتَصُّ بِقَاضِي الْحَاجَةِ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَوُّذِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ حَجّ.
وَكَتَبَ سم بِهَامِشِهِ مَا نَصَّهُ.
قَوْلُهُ وَعِنْدَ خُرُوجِهِ قَدْ يَشْمَلُ الْخُرُوجَ بَعْدَ الدُّخُولِ لِحَاجَةٍ أُخْرَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ لِحَاجَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ يَسْتَبْعِدُ مُنَاسَبَةَ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي لِذَلِكَ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَقُولُ: غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ إلَّا قَوْلَهُ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي إلَخْ، وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِجَعْلِهِمْ سَبَبَ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ تَرْكَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك) . [فَرْعٌ] دَخَلَ الْخَلَاءَ بِطِفْلٍ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الطِّفْلِ فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الطِّفْلِ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّهُ يَعُوذُ بِك، أَوْ لَا يُسَنُّ قَوْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَيَقُولَ إنَّهُ يَعُوذُ بِك، وَفِي ظَنِّي أَنَّ الْغَاسِلَ لِلْمَيِّتِ يَقُولُ بَعْدَ الْغُسْلِ مَا يَقُولُهُ الْمُغْتَسِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْ التَّوَّابِينَ إلَخْ، أَوْ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُ إلَخْ، فَلْيُرَاجَعْ شَرْحُ الْمِنْهَاجِ أَوْ شَرْحُ الْعُبَابِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ أُمِّ الطِّفْلِ وَضْعَ الطِّفْلِ فِي مَحَلٍّ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَمِنْهُ إجْلَاسُهُ عَلَى مَا يُسَمُّونَهُ بِالْقَصْرِيَّةِ فِي عُرْفِهِمْ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا الذِّكْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إبْلِيسَ نَجِسُ الْعَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ كَالْمُشْرِكِ، وَاسْتَدَلَّ «بِأَنَّهُ ﷺ أَمْسَكَ إبْلِيسَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا» ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمْسَكَهُ فِيهَا وَلَكِنَّهُ نَجِسُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الطَّبْعُ ع اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ) قَالَ حَجّ: وَبِإِسْكَانِهَا وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْإِسْكَانَ تَخْفِيفٌ فَلَا يُرَدُّ عَلَى الشَّارِحِ كَالْمَحَلِّيِّ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ فَأَتْلَفَهُ فِي الْوَقْتِ، إذْ الْمُتَسَبِّبُ فِي الشَّيْءِ كَفَاعِلِهِ
стр. 141
خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، وَالْمُرَادُ ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ، وَسَبَبُ سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ تَرْكُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ خَوْفُهُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْبَسْمَلَةُ هُنَا عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ التَّعَوُّذَ هُنَاكَ لِلْقِرَاءَةِ وَالْبَسْمَلَةُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَدَّمَ التَّعَوُّذَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ
(وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) لِأَحَادِيثَ مِنْهَا «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (بِمَاءٍ) عَلَى الْأَصْلِ (أَوْ حَجَرٍ) وَلَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ.
وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وُضُوءِ السَّلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَنَحْوِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْحَجَرِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبِكْرِ.
أَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نُزُولَهُ إلَى مَحَلِّ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ لَمْ يَكْفِ الْحَجَرُ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ هُنَاكَ وَإِلَّا كَفَى، وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مُرَادَهُمَا بَيَانُ الصِّيغَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِجَمْعِ خَبِيثٍ (قَوْلُهُ: وَذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ) الذَّكَرُ ضِدُّ الْأُنْثَى وَجَمْعُهُ ذُكُورٌ وَذُكْرَانٌ وَذِكَارَةٌ كَحَجَرٍ وَحِجَارَةٍ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَسَبَبُ سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ إلَخْ) وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ كُلَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ عَنْ الْعِبَادَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي» الْحَدِيثَ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إرْشَادُ الْأُمَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِغْفَارِهِمْ عِنْدَ غَفْلَتِهِمْ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ لِأَنَّ فَضَلَاتِهِ طَاهِرَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِلتَّنَزُّهِ وَبَيَانِ الْمَشْرُوعِيَّةِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَشُرِعَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مَعَ الْوُضُوءِ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا: وَشُرِعَ مَعَ الْوُضُوءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقِيلَ فِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ حِينَ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ عِنْدَ قَوْلِهِ إذَا اسْتَطَابَ أَحَدُكُمْ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ كَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ يُؤَدِّ التَّأْخِيرُ لِلِانْتِشَارِ وَالتَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، فَإِنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ حَيْثُ كَانَ عَبَثًا، وَهَذَا نَشَأَ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْوَقْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ الْحَجَرُ فَوْرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُوَافِقُ هَذَا الْحَمْلُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ فَرْعٌ: لَوْ قَضَى الْحَاجَةَ بِمَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ فَوْرًا لِئَلَّا يَجِفَّ الْخَارِجُ انْتَهَى.
وَأَفْهَمَ تَقْيِيدُ الْقَضَاءِ بِكَوْنِهِ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَهُ لَا يَجِبُ الْفَوْرُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُخَاطَبْ بِالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَبَاعَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ صَحَّ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ بَدَلَهُ فِي الْوَقْتِ. [فَرْعٌ] لَوْ اقْتَضَى الْحَالُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنْجَاءِ فَجَفَّفَ بَوْلَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ جَازَ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ مَا يُجَفِّفُ بِهِ الْمَحَلَّ أَوْ لَا، لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ فِي نَحْوِ الْمَشْيِ لِمَسْكِ الذَّكَرِ الْمُتَنَجِّسِ بِيَدِهِ جَازَ إنْ عَسُرَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ حَائِلٍ يَقِيهِ النَّجَاسَةَ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا حَاصِلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْسُرْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِ م ر (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَنَحْوِهِ) كَوُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ فَيَجِبُ فِيهِمَا تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ) وَلَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي بَوْلِ الْأَقْلَفِ قَالَهُ ابْنُ الْمُسْلِمِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْجِلْدَةِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ اهـ شَرْحُ رَوْضٍ (قَوْلُهُ: الْبِكْرِ) بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ بَوْلَهَا لَا يَصِلُ إلَى مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ حَجّ الْآتِي بِالْهَامِشِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ هُنَاكَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَصَلَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَلْ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ بَلْ عِنْدَ إرَادَةِ نَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ ضِيقِ وَقْتٍ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ هُنَاكَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَصَلَ كَفَى، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: وَبَوْلُ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ وَصَلَ لِمَدْخَلِ الذَّكَرِ يَقِينًا، إلَى أَنْ قَالَ: وَيُوَجَّهُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَوْلِ الْوَاصِلِ لِمَدْخَلِ الذَّكَرِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِقَالِهِ لِمَدْخَلِهِ
стр. 142
مَاءَ زَمْزَمَ وَأَحْجَارَ الْحَرَمِ فَيَجُوزُ بِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْحَجَرِ إذَا بَالَ مِنْ فَرْجَيْهِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لِالْتِبَاسِ الْأَصْلِيِّ بِالزَّائِدِ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آلَتَا الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بَلْ لَهُ آلَةٌ لَا تُشْبِهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْبَوْلُ اتَّجَهَ فِيهِ إجْزَاءُ الْحَجَرِ لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فِي ذَاتِهِ (وَجَمْعُهُمَا) أَيْ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ (أَفْضَلُ) بِأَنْ يُقَدِّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ الْمَاءَ لِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْمَاءَ يُزِيلُ الْأَثَرَ فَلَا يُخَامِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الِاسْتِحْبَابِ الْمَذْكُورِ، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ. هَذَا الْمُسْتَحَبُّ بِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ أَحْجَارٍ إذَا حَصَلَ إزَالَةُ الْعَيْنِ بِهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْحَجَرِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمْعِ.
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنْ كَانَ نَحْوَ خِرْقَةٍ كَفَى، وَقَدْ صَرَّحَ حَجّ بِخِلَافِهِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَيَتَعَيَّنُ أَيْ الْمَاءُ فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ وَصَلَ لِمَدْخَلِ الذَّكَرِ يَقِينًا، ثُمَّ قَالَ: وَيُوَجَّهُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَوْلِ الْوَاصِلِ لِمَدْخَلِ الذَّكَرِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِقَالِهِ لِمَدْخَلِهِ انْتِشَارُهُ عَنْ مَحَلِّهِ إلَى مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ، فَلَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ وُصُولِ الْحَجَرِ لِمَدْخَلِهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ لِأَنَّ نَحْوَ الْخِرْقَةِ تَصِلُ لَهُ (قَوْلُهُ: زَمْزَمَ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ الْمَعْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَأَحْجَارَ الْحَرَمِ) وَلَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا حَرُمَ وَلَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَإِنْ بِيعَ بَيْعًا صَحِيحًا وَانْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ كَفَى الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا اهـ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ الشَّامِلِ وَأَقَرَّهُ.
وَمِثْلُ الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطَاتِ، وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ حَرِيمُهُ وَرِحَابُهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ وَقْفِيَّتُهَا.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الرِّبَاطُ الَّذِي يُبْنَى لِلْفُقَرَاءِ مُوَلَّدٌ، وَيُجْمَعُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى رُبُطٍ بِضَمَّتَيْنِ وَرِبَاطَاتٍ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا، رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ السَّاحَةُ الْمُنْبَسِطَةُ.
قِيلَ بِسُكُونِ الْحَاءِ، وَالْجَمْعُ رِحَابٌ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ أَكْثَرُ، وَالْجَمْعُ رَحَبٌ وَرَحَبَاتٌ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ وَقَصَبَاتٍ اهـ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ بِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ) وَالْقِيَاسُ الْكَرَاهَةُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ خِلَافُ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَحَلُّ الْجُبِّ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ لِأَنَّهُ أَصْلُ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ) أَيْ فَإِنَّ تَرْكَهُ كَانَ مَكْرُوهًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ لِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ أَصْلُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَاءَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَجَرِ اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا لَا يَنْفِي الْخُصُوصِيَّةَ لِأَنَّ الْعَرَبَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَأَصْنَامٍ لَا شَرِيعَةَ لَهُمْ نَعَمْ إنْ وَرَدَ أَنَّ قَوْمَ عِيسَى أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ فَمُسَلَّمٌ وَلَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ، فَصَحَّ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَاقَةَ وَالسُّيُوطِيُّ.
وَعِبَارَةُ السُّيُوطِيّ نَصُّهَا: قُلْت: ذَكَرَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْإِعْدَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ إجْزَاءَ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الشَّرِيفَةِ اهـ. [فَائِدَةٌ] يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْقُبُلِ عَلَى الدُّبُرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَعَكْسِهِ فِي الْحَجَرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ انْتَهَى ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ.
وحج وَنَصُّهُ: وَالْأَوْلَى لِلْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ أَنْ يُقَدِّمَ الْقُبُلَ عَلَى الدُّبُرِ وَبِالْحَجَرِ أَنْ يُقَدِّمَ الدُّبُرَ عَلَى الْقُبُلِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ جَفَافًا اهـ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ إشْعَارِ كَلَامِهِ بِذَلِكَ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: كَلَامُهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْجَمْعِ بِمَا لَا يُجْزِئُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِذِكْرِهِ شُرُوطَ الْحَجَرِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالْجَمْعِ وَلَا بِعَدَمِهِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ تَعْلِيلًا لِأَفْضَلِيَّةِ الْجَمْعِ نَصُّهَا: لِيَجْتَنِبَ مَسَّ النَّجَاسَةِ لِإِزَالَةِ عَيْنِهَا بِالْحَجَرِ.
وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ هُنَا بِالنَّجِسِ اهـ
ــ
[حاشية الرشيدي]
انْتِشَارُهُ عَنْ مَحَلِّهِ إلَى مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ، فَلَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ وُصُولِ الْحَجَرِ لِمَدْخَلِهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْخِرْقَةِ يَصِلُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ إلَخْ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، بَلْ كَلَامُهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي الْحَجَرِ الْكَافِي فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ كَلَامُهُمْ فَحَرَّفَهَا النُّسَّاخُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا فِي نُسَخِ هَذَا الشَّرْحِ
стр. 143
وَبِهِ صَرَّحَ الْجِيلِيُّ فِي الْإِعْجَازِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِحُصُولِ أَصْلِ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ.
أَمَّا كَمَالُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ (وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ) «لِأَنَّهُ ﷺ جِيءَ لَهُ بِرَوْثَةٍ فَرَمَاهَا وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» فَتَعْلِيلُهُ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا بِكَوْنِهَا رِكْسًا لَا بِكَوْنِهَا غَيْرَ حَجَرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا فِي مَعْنَى الْحَجَرِ كَالْحَجَرِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ لِأَنَّ الرَّمْيَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَالتُّرَابَ فِيهِ الطَّهُورِيَّةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهِ (طَاهِرٍ) لَا نَجِسٍ وَلَا مُتَنَجِّسٍ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ الدَّبْغُ بِالنَّجِسِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الذَّكَاةِ الْجَائِزَةِ بِالْمُدْيَةِ النَّجِسَةِ وَلِأَنَّهُ إحَالَةٌ (قَالِعٍ) وَلَوْ حَرِيرًا لِلرِّجَالِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ بِإِبَاحَتِهِ لَهُمْ كَالضَّبَّةِ الْجَائِزَةِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ اللُّبْسِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتَفْصِيلُ الْمُهِمَّاتِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَغَيْرِهِمْ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا فِي الْعُرْفِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَجَعَلَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْحَجَرِ مَأْخُوذًا مِنْ الْعِلَّةِ لَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَكَلَامِهِ: أَيْ بِمُلَاحَظَةِ التَّعْلِيلِ الَّذِي قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ الْعَيْنَ إلَخْ وَلَوْ قَالَ: وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي إلَخْ لَكَانَ وَاضِحًا. [فَرْعٌ] هَلْ يُسَنُّ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الِاسْتِنْجَاءِ مَسْحُهَا أَوَّلًا بِجَامِدٍ قَبْلَ غَسْلِهَا بِالْمَاءِ كَمَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وِفَاقًا لمر بِالْفَهْمِ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنْ أَدَّتْ إزَالَتُهَا إلَى مُخَامَرَةِ النَّجَاسَةِ بِالْيَدِ اُسْتُحِبَّ إزَالَتُهَا بِالْجَامِدِ أَوَّلًا قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ، وَنُقِلَ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ حَجّ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ إلْحَاقُ بَعْضِهِمْ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ الْعَيْنِيَّةِ بِذَلِكَ فَيُسَنُّ فِيهَا الْجَمْعُ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ قَدْ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ النَّجِسِ حَيْثُ لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ لَوْ لَمْ تَزُلْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ وَغَيْرِهِ اهـ (قَوْلُهُ: أَصْلُ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ) وَقِيلَ الْحَاصِلُ بِذَلِكَ سُنَّةُ تَرْكِ مُمَاسَّةِ النَّجَاسَةِ لَا سُنَّةُ الْجَمْعِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُغَلَّظًا كَرَوْثِ كَلْبٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ، وَالتَّغْلِيظُ الْحَاصِلُ مِنْهُ يَزُولُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ (قَوْلُهُ: وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ) أَيْ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الْحَجَرُ الْمَعْرُوفُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْجَبَلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْإِجْزَاءِ الْحَجَرُ الْأَحْمَرُ الْمَعْرُوفُ فِي زَمَانِنَا مَا لَمْ يُعْلَمْ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَهَهُنَا مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ذَكَرَهَا الرَّازِيّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] وَهِيَ أَنَّ الشَّارِعَ اخْتَرَعَ مَعَانِيَ شَرْعِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ فِيهَا أَلْفَاظًا مَوْضُوعَةً فِي اللُّغَةِ لِمَعَانٍ أُخَرَ فَهِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ أَوْ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، لِأَنَّ الشَّارِعَ إنْ غَيَّرَ وَضْعَ اللُّغَةِ وَوَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَضْعَ اللُّغَةِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي تِلْكَ الْمَعَانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ لَوْ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ التَّشْبِيهَ تَكُونُ اسْتِعَارَةً لَا مَحَالَةَ اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: هَذَا رِكْسٌ) أَيْ نَجِسٌ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الرِّجْسُ الْقَذَرُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ الرِّجْزُ، وَلَعَلَّهُمَا لُغَتَانِ بُدِّلَتْ السِّينُ زَايًا، ثُمَّ قَالَ: وَالرِّكْسُ بِالْكَسْرِ الرِّجْسُ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ) أَيْ الْحَجَرُ (قَوْلُهُ: طَاهِرٍ) أَفَادَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ التُّرَابُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّيَمُّمِ، وَفِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ إذَا جَفَّ، وَأَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عِوَضٌ) يَعْنِي أَنَّ جِلْدَ الْمُذَكَّاةِ طَاهِرٌ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الدُّسُومَةِ وَأَثَرِ اللَّحْمِ، وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ وَالدَّبْغُ يُطَهِّرُهُ، فَكَأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الذَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إزَالَةَ الدُّسُومَةِ وَمَنْعَ الْفَسَادِ لِلْجِلْدِ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمَا جَازَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ) فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ بِهِمَا حَيْثُ لَمْ يُهَيَّآ لِذَلِكَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَرِيرَ إذَا هُيِّئَ
стр. 144
وَبَيْنَ الضَّبَّةِ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا، ثُمَّ أَلْحَقَ بِهَا الصَّغِيرَةَ الَّتِي لِلزِّينَةِ لِانْتِفَاءِ الْخُيَلَاءِ فِيهَا، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْحَرِيرِ أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَجَازَ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ، فَإِنْ فُرِضَ حَاجَةٌ إلَيْهِ لِفَقْدِ غَيْرِهِ جَازَ لِلرَّجُلِ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَوْ اسْتَنْجَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ يُطْبَعْ وَلَمْ يُهَيَّأْ لِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَجْزَأَ بِخِلَافِ مَا لَا يَقْلَعُ لِمَلَاسَتِهِ أَوْ لِلُزُوجَتِهِ أَوْ رَخَاوَتِهِ أَوْ تَنَاثُرِ أَجْزَائِهِ كَالْفَحْمِ الرَّخْوِ وَالتُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ، وَدَخَلَ فِيمَا ذُكِرَ الْحَجَرُ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ إذَا لَمْ يَتَلَوَّثْ بِاسْتِعْمَالِهِ (غَيْرِ مُحْتَرَمٍ) فَلَا يَجُوزُ بِالْمُحْتَرَمِ وَلَا يُجْزِئُهُ، وَالْمُحْتَرَمُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ كَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَمَا كَانَ آلَةً لِذَلِكَ، أَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَفَلْسَفَةٍ وَتَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ عَلِمَ تَبَدُّلَهُمَا وَخُلُوَّهُمَا عَنْ اسْمٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يُهَيَّأْ لِذَلِكَ) شَمِلَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الْمَضْرُوبَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تُطْبَعْ لِلِاسْتِنْجَاءِ بَلْ لِلتَّعَامُلِ بِهَا فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَا يَقْلَعُ) أَيْ فَلَا يُجْزِئُ وَيَحْرُمُ إنْ قَصَدَ بِهِ الْعِبَادَةَ (قَوْلُهُ: لِمَلَاسَتِهِ) كَالْقَصَبِ وَهُوَ كُلُّ نَبَاتٍ ذِي أَنَابِيبَ الْوَاحِدَةُ قَصَبَةٌ وَقَصَبَاتٌ وَالْقَصْبَاءُ جَمَاعَتُهَا وَمَنْبَتُهَا اهـ قَامُوسٌ وَمَحَلُّ عَدَمِ إجْزَاءِ الْقَصَبِ فِي غَيْرِ جُذُورِهِ وَفِيمَا لَمْ يُشْقَقْ (قَوْلُهُ: أَوْ لِلُزُوجَتِهِ) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ لَزِجَ الشَّيْءُ تَمَطَّطَ وَتَمَدَّدَ فَهُوَ لَزِجٌ وَبَابُهُ طَرِبَ اهـ وَلَعَلَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا فِيهِ شِبْهُ الرُّطُوبَةِ كَاَلَّذِي يَبْقَى فِي الْجِلْدِ عِنْدَ لِينِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ وَفِي الْمِصْبَاحِ: لَزِجَ الشَّيْءُ لَزَجًا مِنْ بَابِ تَعِبَ وَلُزُوجًا إذَا كَانَ فِيهِ وَدَكٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ لَزِجٌ (قَوْلُهُ: وَدَخَلَ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مُحْتَرَمٍ) قَضِيَّةُ حَصْرِ الْمُحْتَرَمِ فِيمَا ذَكَرَ إجْزَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَإِنْ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهَا لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُسْتَنْجِي لَهَا وَكَوْنِهَا وَقْفًا مَثَلًا بَلْ وَبِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ الشَّامِلِ.
وَفِي سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ: وَفِي إجْزَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ نَظَرٌ اهـ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ عَدَمُ إجْزَائِهِ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلْحَرَمِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ بِوَجْهٍ وَلَهُ شَرَفٌ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ، بَلْ احْتِرَامُهُ أَقْوَى مِنْ احْتِرَامِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَالِحٍ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُهُ، وَقَضِيَّةُ الْحَصْرِ أَيْضًا إجْزَاءُ فَضَلَاتِهِ ﷺ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ طَهَارَتِهَا (قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ بِالْمُحْتَرَمِ) وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّرْكَشِيَّ بَحَثَ تَخْصِيصَ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَطْعُومِ بِالِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى يَجُوزَ إزَالَةُ الدَّمِ بِالْمِلْحِ، وَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْخُبْزِ وَاسْتَبْعَدَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَقَالَ م ر: يَنْبَغِي الْجَوَازُ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم اُحْتِيجَ إلَيْهِ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ أَوْ كَانَ هُوَ أَسْرَعُ أَوْ أَقْوَى تَأْثِيرًا فِي الْإِزَالَةِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ حَجّ بَعْدَ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ: وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ النَّجِسَ إنْ تَوَقَّفَ زَوَالُهُ عَلَى نَحْوِ مِلْحٍ مِمَّا اُعْتِيدَ امْتِهَانُهُ جَازَ لِلْحَاجَةِ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: مَا كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ) أَيْ أَوْ الْقُرْآنِ وَلَوْ بِقَلَمٍ هِنْدِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: عُلِمَ تَبَدُّلُهُمَا)
ــ
[حاشية الرشيدي]
لِذَلِكَ حَرُمَ، وَالْإِطْلَاقُ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَقْفَةٌ إذَا اتَّخَذَ لَهُ نَحْوَ مِنْدِيلٍ مِنْهُ لِأَجْلِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) وَجْهُ عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّ الِاحْتِيَاجَ فِي مَسْأَلَةِ الضَّبَّةِ إنَّمَا هُوَ لِأَصْلِ الضَّبَّةِ لَا بِخُصُوصِ كَوْنِهَا مِنْ فِضَّةٍ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ الْحَاجَةُ هُنَا أَشَدُّ إذْ الِاسْتِنْجَاءُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَاجِبٌ، بِخِلَافِ إصْلَاحِ الْإِنَاءِ فَإِنْ فُرِضَ فَقْدُ غَيْرِ الْفِضَّةِ فَلَا فَرْقَ أَيْضًا كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ بِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُطْبَعْ وَلَمْ يُهَيَّأْ) الْعَطْفُ هُنَا عَطْفٌ غَيْرُ مُغَايِرٍ، فَإِنَّ الطَّبْعَ بِمُجَرَّدِهِ كَافٍ فِي الْحُرْمَةِ، إذْ مَحَلُّ الْجَوَازِ فِي قِطْعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا خَشِنَةٍ، كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَلَمْ تُهَيَّأَ لِذَلِكَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ طَبْعٍ وَاِتَّخَذَهَا لِلِاسْتِنْجَاءِ بِهَا، وَإِلَّا فَالطَّبْعُ كَافٍ فِي الْحُرْمَةِ كَمَا مَرَّ وَقَدَّمْنَا فِي الْآنِيَةِ عِبَارَةَ التُّحْفَةِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ) حَالٌ مُقَيِّدَةٌ لِلْعِلْمِ
стр. 145
مُعَظَّمٍ فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ.
وَمِنْهَا الْمَطْعُومُ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ وَلَوْ عَظْمًا وَإِنْ حُرِقَ «لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَقَالَ: إنَّهُ طَعَامُ إخْوَانِكُمْ» يَعْنِي مِنْ الْجِنِّ، فَمَطْعُومُ الْإِنْسِ أَوْلَى سَوَاءٌ اخْتَصَّ بِهِ الْآدَمِيُّ، أَمْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ، أَمْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلْآدَمِيِّ وَالْبَهَائِمِ عَلَى السَّوَاءِ، بِخِلَافِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْبَهَائِمُ، أَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا لَهُ أَغْلَبَ، وَمِنْهَا جُزْءُ حَيَوَانٍ مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَوْ فَأْرَةً، وَجُزْءُ آدَمِيٍّ مُنْفَصِلٌ وَلَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَا إنْ كَانَ مُنْفَصِلًا مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ فَلَا يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ حَيْثُ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ وَكَانَ قَالِعًا كَشَعْرِ مَأْكُولٍ وَصُوفِهِ وَوَبَرِهِ وَرِيشِهِ، وَيَجُوزُ بِنَحْوِ قِشْرِ الْجَوْزِ الْيَابِسِ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ لُبُّهُ فِيهِ (وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ) وَلَوْ مِنْ مُذَكًّى لِأَنَّ الدَّبَّاغَ يَقْلِبُهُ إلَى طَبْعِ الثِّيَابِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا حَيْثُ كَانَ مُذَكًّى لَكِنَّ أَكْلَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَادُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَدْبُوغِ لِأَنَّهُ إمَّا مَطْعُومٌ بِحَالِهِ أَوْ نَجِسٌ، وَالْأَوْجَهُ فِي جِلْدِ حُوتٍ كَبِيرٍ جَافٍّ أَنَّهُ إنْ قَوِيَتْ صَلَابَتُهُ بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ لَمْ يَلِنْ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُسْتَثْنَى جِلْدٌ جُعِلَ لِكِتَابِ عِلْمٍ مُحْتَرَمٍ فَيَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مَا دَامَ مُتَّصِلًا، بِخِلَافِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِهِ وَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ، وَجِلْدٍ فِي كَلَامِهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَمَّا إنْ عَلِمَ تَبَدُّلَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ حَرُمَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ) أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ الْخُبْزِ أَوْ الْعَظْمِ لِلْكِلَابِ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَيُرَدُّ أَوَّلًا بِأَنَّ الرَّامِيَ لِلْخُبْزِ لَمْ يَقْصِدْ تَنْجِيسَهُ وَلَوْ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ إلْقَائِهِ لِلْكِلَابِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ كَوْنُهُ مَقْصُودًا، وَثَانِيًا بِتَقْدِيرِ أَنَّ فِيهِ تَنْجِيسًا مَقْصُودًا لِلرَّامِي لَا يَضُرُّ لِأَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ التَّنْجِيسِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَهَذِهِ الْحَاجَةُ أَيُّ حَاجَةٍ وَهِيَ إزَالَةُ ضَرُورَةِ الْكِلَابِ وَإِبْقَاءُ أَرْوَاحِهَا فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْجَوَازِ إلْقَاءُ نَحْوِ قُشُورِ الْبِطِّيخِ لِلدَّوَابِّ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهَا، وَالْعَظْمِ لِلْهِرَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي يَرْمِي عَلَيْهَا نَجِسَةً (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَظْمًا) وَمِنْهُ قُرُونُ الدَّوَابِّ وَحَوَافِرُهَا وَأَسْنَانُهَا.
لَا يُقَالُ الْعِلَّةُ وَهِيَ كَوْنُهُ يُكْسَى أَوْفَرَ مِمَّا كَانَ مُنْتَفِيَةً فِيهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي مُعْظَمِهِ وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ حُرِقَ) وَهَلْ يَجُوزُ حَرْقُهُ بِالْوَقُودِ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ، بِخِلَافِ حَرْقِ الْخُبْزِ فَإِنَّهُ ضَيَاعُ مَالٍ (قَوْلُهُ: نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُذَكًّى، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِالْمُذَكَّى أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ إخْوَانِكُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ تَفْصِيلًا إلَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِاسْتِثْنَائِهِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي مِنْ الْجِنِّ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: أَوْ جُزْءُ آدَمِيٍّ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ السُّقْطُ وَإِنْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ وَالْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ لِأَنَّهَا أَصْلُ آدَمِيٍّ (قَوْلُهُ: لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: قِشْرِ الْجَوْزِ الْيَابِسِ) وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْفَوَاكِهُ فَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَالْيَقْطِينِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ رَطْبًا وَيَجُوزُ يَابِسًا إذَا كَانَ مُزِيلًا، وَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَأْكُولُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَالتِّينِ وَالتُّفَّاحِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِرَطْبِهِ وَيَابِسِهِ، وَالثَّانِي مَا يُؤْكَلُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ كَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ وَكُلِّ ذِي نَوَى فَلَا يَجُوزُ بِظَاهِرِهِ وَيَجُوزُ بِنَوَاهُ الْمُنْفَصِلِ؛ وَالثَّالِثُ مَا لَهُ قِشْرٌ وَمَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَلَا يَجُوزُ بِلُبِّهِ، وَأَمَّا قِشْرُهُ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا كَالرُّمَّانِ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَبُّهُ فِيهِ، وَإِنْ أُكِلَ رَطْبًا وَيَابِسًا كَالْبِطِّيخِ لَمْ يَجُزْ فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنْ أُكِلَ رَطْبًا فَقَطْ كَالْمَوْزِ وَالْبَاقِلَا جَازَ يَابِسًا لَا رَطْبًا.
ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ مَبْسُوطًا وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْمَجْمُوعِ اهـ خَطِيبٌ (قَوْلُهُ: لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَيْ حَيْثُ وَجَدَ غَيْرَهُ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ مُذَكًّى) هَذَا التَّعْمِيمُ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْمُذَكَّى الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ مَعَ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ قَطْعًا لِنَجَاسَتِهِ، فَالْأَوْلَى قَصْرُ مَا فِي الْمَتْنِ عَلَى الْمُذَكَّى لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ لَمْ يَلِنْ) أَفَادَ تَخْصِيصَ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّفْصِيلِ بِجِلْدِ الْحُوتِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ جُلُودِ الْمُذَكَّاةِ لَا يُجْزِي قَبْلَ الدَّبْغِ وَإِنْ اشْتَدَّتْ صَلَابَتُهَا كَجِلْدِ الْجَامُوسِ الْكَبِيرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهَا مِمَّا تُؤْكَلُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ حَالَ كَوْنِهِ كَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ: أَيْ مُحْتَرَمًا فَسَاوَى قَوْلَ غَيْرِهِ الْعِلْمُ الْمُحْتَرَمُ وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا حَيْثُ كَانَ مِنْ مُذَكًّى) أَيْ عَلَى الْجَدِيدِ الَّذِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْقَدِيمَ الْقَائِلَ
следующие страницы →