← Адаб

Адаб · id 35888

نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن

الشرواني، أحمد

Полный текст (211 стр.). Показаны 176–211 · переход к 181.

стр. 176

وإن كفر ولا تركن إلى عدوّ وإن شكر، الميل إلى الغضب من أخلاق الصبيان، والجزع على ما ذهب من أخلاق النسوان، القلب العليل يميل إلى الأباطيل، ترك الأنام يعلي المقام، الصبر حيلة من لا حيلة له، خير الأخوان من لم يتلون وإن تلون الزمان، قال رسول الله ﷺ لمعاذ (أنت سالم ما سكت وإذا تكلمت فلك أو عليك)، وقال لقمان لابنه يا بني إن القلوب مزارع فازرع فيها طيب الكلام فإن لم ينبت كله نبت بعضه، وقال بعض الحكماء الكذب داء والصدق دواء، الكذب ذل والصدق عز، الكذاب لا يعاشر والنمام لا يشاور والعاشق لا يُعاير والفاسق لا يسامر والخير لا ينكر والباغي لا ينصر، عبد الشهوة أذل من عبد الرق، الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، وقال بعض الأدباء إذا اضطررت إلى كذاب فلا تصدقه ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن وده ولا ينتقل عن طبعه، من كثر لغطه كثر غلطه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي، من كثر مزاحه زالت هيبته، عي تسلم به خير نطق تندم عليه، قال بعض الأدباء الخط للفقير مال وللغني جمال، اقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك، وإياك والفضول فإنه يزل القدم ويورث الندم، لسانك إن عقلته حرسك وإن أطلقته افترسك، اخزن لسانك كما تخزن مالك واعرفه كما تعرف ولدك وزنه كما تزن نفقتك وانطق به على قدر وكن منه على حذر فإن إنفاق ألف درهم في غير وجهها لأيسر من إطلاق كلمة في غير حقها، رب كلمة أوجبت مقدورا وأخربت دورا، وعمرت قبورا، الاستماع أسلم من القول، من قل أدبه كثر تعبه، قال حكيم أبلغ الكلام ما قلت فضوله وتمت فصوله، أبلغ الكلام ما صحت مبانيه ووضحت معانيه، أبلغ الكلام ما أعرب عن الضمير وأغنى عن التفسير، أبلغ الكلام ما يدل أولاه على آخره ويستغنى بباطنه عن ظاهره، سوء المقالة يزري الحالة، تحصن بالجهل إذا نفع كما تتحصن بالعلم إذا رفع، من قال بلا احترام أجيب بلا احتشام، قصر كلامك تسلم وأطل احتشامك تكرم، اعقل لسانك إلا عن حق توضحه أو خلل تصلحه أو كلمة تفسرها أو مكرمة تنشرها. قال بعض الأدباء يستدل على عقل الرجل بقوله وعلى أصله بفعله، من قوم لسانه زان عقله ومن سدد كلامه أبان فضله من منّ بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره، من صدق في مقاله زاد في جماله، الزم الصمت تعد نفسك فاضلاً وفي

стр. 177

جهلك عاقلاً وفي أمرك حكيماً وفي عجزك حلمياً، الزم الصمت تكسب صفو المودة وتأمن سوء المغبة وتلبس ثوب الوقار وتكفى مؤنة الاعتذار، الصمت أية الفضل وثمرة العقل وزين العلم وعين الحلم، فالزمه تلزمك السلامة واصحبه تصحبك الكرامة، وقال بعض الفضلاء اعقل لسانك إلا عن عظة شافية يكتب لك أجرها أو حكمة بالغة يحمد عنك نشرها الحذر خير من الهذر لأن الحذر يقي المهجة والهذر يضعف الحجة، من أفرط في المقال زل، ومن استخف بالرجال ذلّ، جرح الكلام أشدّ من جرح السهام، ضرب اللسان أشدّ من طعن السنان، ولله در من قال: جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان لا تنصح من لا يثق بك ولا تشر على من لا يبقل منك، إذا سكتَّ عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عقاباً، منقبة المرء تحت لسانه، نصرة الوجه في الصدق، هات ما عندك تعرف به، لا كرامة للكاذب، إذا لم تخش فصل وإذا لم تستح فقل، وما أحسن قول القائل: إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فافعل ما تشاء فلا والله ما في ذين خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء قال بعض الحكماء: من نقل إليك فقد نقل عنك، ومن شهد لك فقد شهد عليك ومن تجرأ لك فقد تجرأ عليك، لا تقبل الخير من كذاب وإن أتى بحديث عجاب، تلعموا العلم للأديان والنحو للسان والطب للأبدان، ومن وعظك فقد أيقظك ومن بصرك فقد نصرك، قيل أوصى علي ﵁ ابنه أبا محمد الحسن ﵁ فكان من وصيته له يا بني أوصيك بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، واعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن سلك مسالك السوء اتُهم، ومن خالط الأنذال حُقّر، ومن جالس العلماء وُقّر، ومن مزح استُخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير،

стр. 178

يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، ومن تزين بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا، يا بني من كنز الإيمان الصبر على المصائب، وإياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب البعيد ويبعد عنك القريب، يا بني كم نظرة جلبت حسرة وكم كلمة سلبت نعمة، لا شرف أعلى من الإسلام ولا لباس أجمل من العافية، يا بني التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، ولا تؤيسنّ مذنباً على ذنبه فكم عاكف على ذنب خُتم له بالخير، وكم مقبل على عمله أفسده في آخر عمره فصار إلى النار، وقال ﵇ (ما أقرب الراحة من النصب والبؤس من النعيم والموت من الحياة)، قال بعض الأدباء اختارت الحكماء أربع كلمات من أربعة كتب، من التوراة من قنع شبع، ومن الزبور من سكت سلم، ومن الإنجيل من اعتزل نجا، ومن القرآن العظيم ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، وقال حكيم حسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت، والجود يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة، وقال بعض الفضلاء إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم، وإذا غضبت فاحلم، وقال حكيم: الدنيا عسل مشوب بسمّ وفرح موصول بغمّ فلا تغرنّك زهرتها ولا تفتننك زينتها فإنها سلابة للنعم أكالة للأمم، وقال آخر إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، نور المؤمن في قيام الليل، وضع الإحسان في غير موضعه ظلم، وحدة المرء خير من جليس السوء، لا غنى لمن لا فضل له، من بسط يده بالإنعام صان نعمته عن الملام، يسود المرء بالإحسان إلى قومه، من وجه رغبته إليك أوجب مؤنته عليك، وقال حكيم القلب أسرع تقلباً من الطرف، لا صلاح لرعية فسد واليها، الوفاء يثبت الإخاء، لا تدخلنّ في أمر لا تكون فيه ماهراً، استصغر ما فعلت من المعروف ولو كان كبيرا، واستعظم ما أتاك منه ولو كان صغيراً، أظهر لعدوك الصداقة إذا رجوت نفعه، الضعيف المحترس من عدوّه أقرب إلى السلامة من القوي المغتر، فخرك بفضلك خير منه بأصلك، الفرع يدل على الأصل، قال جالينوس الحكمة في الهند، والكبر في الفرس، وقرى الأضياف في العرب، والصدق في الحبشة، وقساوة القلب في الترك، والشجاعة في الأكراد، والخيانة في الأرمن،

стр. 179

والجهل في الشام، والعلم في العراق، والحساب في قبط مصر، والحمق في الطويل والكذب في القصير، والظلم والزنا في ذي الشامات، والحفظ في العميان، وسوء الخلق في العرجان، والعجلة في الصبيان، والمراء في العلماء، والحرص في المشايخ، والذل في الأيتام، والفصاحة في اليمن والحجاز، والسلامة في العزلة والصحة في الحمية، وقال حكيم إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، لا فرح إلا بالحسنات ولا حزن إلا على السيئات، لا تتعبنّ جسدك إلا في كدّ على عيال أو عبادة لذي الجلال، قيل لبعض العرب ما المروءة؟ قال سمو الهمة وصيانة النفس عن المذمة، قيل فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وضبط النفس عند الغضب وبذل العفو عند القدرة، قيل فمن أظلم الناس لنفسه قال من تواضع لمن يكرهه ومدح من لا يعرفه، قيل فمن أعظم الناس حلماً؟ قال من قمع غضبه بالصبر وجاهد هواه بالعزم، وقيل لبعض الملوك ما بلغ بك هذه المنزلة، فقال بعفوي عند قدرتي وليني عند شدتي وبذل الإنصاف ولو من نفسي وإبقائي في الحب والبغض محلا لموضع الاستبدال، وقال بعض الأدباء ليس لسلطان العلم زوال بخلاف سلطان المال، الإحسان يقطع اللسان، الشرف بالعقل والأدب لا بالمال والنسب، أحسن الأدب حسن الخلق، أفقر الفقر الحمق، إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه، ولله در القائل: بنيّ استقم فالعود تنمو عروقه ... قويما ويغشاه إذا ما التوى التوا وعاص الهوى المردى فكم من محلق ... إلى الجوّ لما أن أطاع الهوى هوى وقال بعض الفضلاء من لم تؤدبه الكرامة قوّمته الإهانة، وما أحسن قول القائل: متى تضع الكرامة في لئيم ... فإنك قد أسأت إلى الكرامة وقد ذهب الصنيع به ضياعاً ... وكان جزاؤها طول الندامة من استعد الغنى ليوم الفقر فقد استعد لنائلة الدهر، من لم يقنع لم يشبع، من لم يقنع بتجاربه أوقعه الدهر في نوائبه، من قال لا أدري وهو يتعلم أفضل ممن يدري وهو يتعظم، من لم يستفرغ في العلم المجهود لم يبلغ منه المقصود، من جهل النعم عرف النقم، من أدمن قرع الباب ولج، من أخذ في أموره بالاحتياط سلم من الاختلاط، من أكرم حراً تعبده ومن منّ بمعروفه أفسده، من تشجع وجهه جبن قلبه، من قلّ حياؤه كثر ذنبه، من أكثر الرقاد حرم المراد، من لم يحتمل بشاعة الدواء دام ألمه، من لم

стр. 180

يصلحه الخير أصلحه الشر، من كفّ عنك شره فقد بذل لك خيره، من احمر لونه من النصيحة اسود وجهه من الفضيحة، من نام عن عدوّه نبهته المكائد، من تطأطأ لقط رتبا ومن تغالى لقط عطبا، وقال حكيم من ضيع أمره فقد ضيع كل أمر ومن جهل قدره جهل كل قدر، وقال آخر ما زانك ما أضاع زمانك ولا شانك ما أصلح شانك، وكن صبوراً في الشدة شكوراً في النعمة لا تبطرك السراء ولا تدهشك الضراء، ذكر نفسك بما فيها فأنت أعلم بمحاسنها ومساويها، وذكر في الكتب السالفة عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب، وقال حكيم فوض مدحك إلى أفعالك فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت وتذمك بحق إن أسأت، من طلب شيئاً وجده وإن لم يجده يوشك أن يقع قريباً منه، وقال آخر عدوّك ضدك وحكم الضدين التباعد، لا تطأ أرضاً وطئها عدوّك إلا على حذر ولا يغرنك خروجه منها وبعده عنها فرّبما رتب لك فيها شباكاً ونصب لك فيها أشراكاً، عدو عاقل خير من صديق جاهل، كمون العداوة في الفؤاد ككمون الجمرة تحت الرماد، كتمان السر يورث السلامة وإفشاؤه يورث الندامة، ما كل فرصة تنال ولا كل عثرة تقال، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، من صافى عدوّك فقد عاداك ومن عادى عدوك فقد والاك، وقال بعض الحكماء القريب من قربته المحبة وإن بعد نسبه، والبعيد من أبعدته البغضاء وإن قرب نسبه، لا تحاجج من يذهلك خوفه ويتلفك سيفه، لا تثق بالدولة فإنها ظل زائل ولا تعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل، قليل يغني خير من كثير يطغى، من سالم الناس سلم، من قدم الخير غنم، من قعد عن حيلته أضعفته الشدائد، الغرة ثمرة الجهل والتجربة مرآة العقل، من دام كسله خاب أمله، المتئد مصيب وإن هلك والعجول مخطئ وإن ملك، فضيلة السلطان عمارة البلدان، من كابد الأهوال هلك، من اقتحم اللجة أتلف المهجة، من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة، من استعان بذوي الألباب سلك سبيل الصواب، لا تثق بالصديق قبل الخبرة ولا توقع بالعدوّ قبل تمام القدرة، ولا تفسد أمراً يعييك إصلاحه ولا تغلق باباً يعجزك افتتاحه، ولله در القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع حكاية: قيل إن رجلاً أتى إلى بعض الحكماء فشكا إليه صديقه وعزم على قطعه

стр. 181

والانتقام منه، فقال له الحكيم أتفهم ما أقول لك فأكلمك أم يكفيك ما عندك من فورة الغضب التي تشغلك عني؟ فقال إني لما تقول لواع، فقال أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ قال بل سروري، قال أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال بل حسناته قال فاصفح بصالح أيامك معه عن ذنبه وهب لسرورك به جرمه واطرح مؤونة الغضب والانتقام للود الذي بينكما في سالف الأيام ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب ويؤول أمرك إلى ما تكره.؟ وقال حكيم من نصحك أحسن إليك ومن وعظك أشفق عليك عدّ أضعف أعدائك قوياً وأجبن أوزارك جريا. الناس رجلان عاقل لا يحتاج للتأديب وجاهل يحتاج للتأديب قال الشاعر: البعض يضرب بالعصى ... والبعض تكفيه الإشارة قال بعض الأدباء إياك والنظرة فإنها تنتج الحسرة طوبى لمن كان بصره في قلبه والويل لمن كان قلبه في بصره وأفضل القول كلمة حق عند من تخافه، أحمق الناس من باع دينه بدنيا غيره، ضعف البصر لا يضر مع نور البصيرة، كثرة النوم تجلب الدمار وتسلب الأعمار، للعاقل فضيلتان عقل يستفيد ونطق يفيد، من حسن خلقه كثرت أخوانه، من اودع الوفاء صدره أمن الناس غدره، أجهل الناس من يمنع البر ويطلب الشكر ويفعل الشر ويتوقع الخير، ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده. ضرب مثل: حكي أند ديكاً وصقرا اصطحبا مدة ففي بعض الأيام قال الصقر للديك إني ما رأيت اقل وفاء ولا أضيع لحقوق الصحبة منكم معاشر الديكة فقال الديك ما الذي أنكرته منا؟ قال لأني أرى الناس يكرمونكم ويحسنون إليكم في المطعم والمشرب وأنتم تفرون منهم وتنفرون من قربهم ونحن يأخذون الواحد منا فيعذبونه ويخيطون عينيه ويمنعونه الطعام والشراب ثم يرسلونه فيذهب إلى حيث لا يبقى لهم إليه وصول ولا عليه لهم قدرة ثم يدعونه إليهم فيأتي مسرعاً ويقتنص الصيد والطير لهم، فلما سمع الديك كلام الصقر ضحك ضحكاً عالياً فقال الصقر ما يضحكك أيها الديك؟ فقال عجبت من شدة جهلك وغرورك أما أنك أيها الصقر لو عاينت من جنسك جماعة في كل يوم تُسلخ جلودهم وتقطع أعناقهم ويقلون على النار ويطبخون في القدور لفررت منهم أشد الفرار

стр. 182

ولم يستقر لك بصحبتهم قرار ولو قدرت لطرت إلى جو السماء وعلمت انه لا فائدة في القرب منهم وان السلامة في البعد عنهم فعرف الصقر صدق كلامه وأقلع عن ملامه. قال أبو مسلم الخراساني المنع الجميل خير من الوعد الطويل، الكلام المرغوب مصائد القلوب، ثلاثة القليل منهم كثير العداوة والنار والمرض، قال حكيم القاضي لا يعاند والسلطان لا يُوادد والوالي لا يخاصم والأب لا يُحاكم وصاحب الحق لا يُشاتم والعجمي إليه لا يركن والخان لا يسكن والحان لا يدخل والمجالس لا تنقل والشرير لا يكلم والغائب لا يشتم والشاعر لا يعادى والبخيل لا يهادى والحبيب لا يجازى بالبعاد وما مضى من الزمان لا يعاد والملك لا يوادد فإن وده لا يدوم والبليد لا يشتغل بالعلوم والعبد لا يمازح والجار لا يقابح والمتكبر لا يدارى والحقود لا يصافى والمرأة لا يحسن بها الظن وكل فن لا يؤخذ إلا من أهل ذلك الفن والقبيح لا يذكر والجميل لا ينكر والرسول لا يقتل والهدية من كل أحد لا تقبل وصاحب الإحسان لا يعامل إلا بالإحسان كما يدين الفتى يدان. وقال آخر: يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء إذا حضرت مجلس ملك فضم شفتيك وعض عينيك وإذا حدثك فاصغ إليه وأقبل بوجهك عليه. قيل لملك بعد ذهاب ملكه ما الذي أذهب ملك قال ثقتي بدولتي وإعجابي بشدتي وإضاعتي الحيلة وقت حاجتي والتأني عند احتياجي إلى عجلتين قال بعض الفضلاء: البخل والجهل مع التواضع خير من العلم والسخاء مع الكبر من قبر السفل وأدناهم وباعد ذوي الفضل وأقصاهم استحق الخذلان واستوجب الهوان، من لم يعرف ظهر الأيام لم يحترز من سطواتها، ولم يتحفظ من آفاتها، قال حكيم إذا رأيت من جليسك أمراً تكرهه أو صدرت منه كلمة عوراء فلا تقطع حبله ولا تصرم وده ولكن داو كلمته واستر عورته وأبقه وتبرأ من عمله. وقال حكيم خير الملوك من كفى وكف وعفا وعف للرعية المنام وعلى الملك القيام، وقال آخر نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ فلم يعظني مثل شيبتي، ولم ينصحني مثل فكرتي وأكلت الطيب وشربت الشراب وعانقت الحسان فلم أر ألذ من العافية، وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر أمر من الفقر وعالجت الحديد ونقلت الصخور فلم أر حملاً أثقل من الدين، وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع،

стр. 183

وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر حديثاً أحسن من حسن الخلق، قيل لحكيم هل تعرف نعمة لا يحسد عليها وبلية لا يرحم صاحبها قال نعم التواضع والكبر، قيل لبعضهم لم لا تتزوج؟ فقال لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها، قيل لبعض العباد ما أصبرك على الوحدة؟ فقال أنا جليس الرب إن شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإن شئت أن اناجيه صليت له، قال ذو النون المصري ﵀ الأنس بالله نور ساطع والأنس بالخلق غم واقع، قال العتابي: الدنيا نوم والآخرة يقظة والواسطة بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام، رب حرب ثار من لفظة ورب حب غرس من لحظة، إدمان الناظر يكشف الخبر، إن حفظت عينيك حفظت كل الجوارح، وإن أطلقتهما أوقعاك في الفضائح، علامة القطيعة من الصديق أن يؤخر الجواب ولا يبتدئ بكتاب، وقال حكيم من أكثر النوم لم يجد في عمره بركة ومن أكثر الأكل لم يجد لذة العبادة، إذا كانت الغاية الزوال فما الجزع من تصرف الأحوال، الفقر هو الموت الأحمر والجوران دام دمر والأعمى ميت وإن لم يقبر، أفضل من السؤال ركوب الأهوال، من تزين بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يدعيه، من عاتب على كل ذنب أخاه صد عنه وقلاه، ليس مع الخلاف ائتلاف استصلاح العدو بحسن المقال أحسن من استصلاحه بحسن الفعال، من طلب ما لا يكون طال تعبه ومن فعل ما لا يحسن كان فيه عطبه، كل امرئ يميل إلى شكله، ليس العجب من جاهل يصحب جاهلاً إنما العجب من عاقل جفا عاقلاً، كل شيء يميل إلى ندّه وينفر عن ضده، قال الشاعر: ولا يألف الإنسان إلا نظيره ... وكل امرئ يصبو إلى ما يشاكله لا يغرنك كبر الجسم ممن صغر في العلم ولا طول القامة ممن قصر في الاستقامة فإن الدرة على صغرها خير من الصخرة على كبرها، ليس لضجور رياسة ولا لبخيل صديق، لا تعمل عملاً لا ينفعك، إياك والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ترك الذنب خير من الاستغفار. ضرب مثل حكي أن فرساً كان لرجل من الشجعان وكان يكرمه ويحسن القيام بخدمته ولا يصبر عنه ساعة ويعده لمهماته وكان يخرج به في كل غداة إلى مرج واسع فينزل عنه سرجه ولجامه ويطيل رسنه فيتمرغ ويرعى حتى ترتفع الشمس فيرده إلى منزله وأنه خرج يوماً على عادته إلى المرج فلما نزل عنه واستقرت قدماه على الأرض نفر عنه

стр. 184

الفرس وجمح ومر يعدو بسرجه ولجامه فطلبه الفارس يومه كله فأعجزه وغاب عن عينيه عند غروب الشمس فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس ولما انقطع الطلب عن الفرس وأظلم عليه الليل جاع فرام أن يرعى فمنعه اللجام ورام أن يتمرغ فمنعه السرج ورام أن يستقر على أحد جنبيه فمنعه الركاب فبات بأشر ليلة ولما أصبح ذهب يبتغي فرجاً مما هو فيه فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى الجانب الآخر فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه إلى الجانب الآخر وكان حزامه من جلد لم يبالغ في دبغه فلما خرج من النهر أصابت الشمس الحزام فيبس واشتد عليه فورم عنقه ووسطه واشتد الضرر عليه مع ما به من الجوع فلبث بذلك أياماً إلى أن ضعف عن المشي فقعد فمر به خنزير وهم بقتله ثم عطف عليه لما رأى ما به من الضعف فسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من أضرار اللجام والسرج والحزام وسأله أن يصطنع عنده معروفاً ويخلصه مما ابتلي به فسأله الخنزير عن الذنب الذي استحق به تلك العقوبة فزعم الفرس أنه لا ذنب له، فقال له الخنزير كلا بل أنت كاذب في زعمك أو جاهل بجرمك فإن كنت يا فرس كاذباً فما ينبغي لي أن أنفس عنك خناقاً ولا أصطنع عندك معروفاً ولا أتخذك ولياً ولا ألتمس عندك شكرا ولا أطلب فيك اجراً فإنه كان يقال احذر مقاربة ذوي الطباع المرذولة لئلا يسرق طبعك من طباعهم وأنت لا تشعر وكان يقال لا تطمع في استصلاح الرذل فإنه لن يترك طباعه من أجلك ثم قال له الخنزير وإن كنت أيها الفرس جاهلاً بجرمك الذي استوجبت به هذه العقوبة فجهلك بذنبك أعظم منه فإن من جهل ذنوبه أصر عليها فلم يرج فلاحة فقال الفرس للخنزير ينبغي لك أن تزهد في اصطناع المعروف فإن الدهر ذو صروف فقال الخنزير إني لست بزاهد في ذلك ولكنه كان يقال العاقل يتخير لمعروفه كما يتخير الباذر لبذره ما زكا من الأرض فحدثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك وعن حالك قبل ذلك لأعلم من أين دهيت فحدثه الفرس عن جميع أمره وكيف كان عند فارسه وكيف فارقه وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير فقال له الخنزير قد ظهر لي الآن أنك جاهل بجرمك وأن لك ذنوباً ستة احدها خذلانك فارسك الذي أحسن إليك وأعدك للمهمات والثاني كفرك لإحسانه والثالث إضرارك به في طلبك والرابع تعديك على ما ليس لك من العدّة وهي السرج واللجام

стр. 185

والخامس إساءتك على نفسك بتعاطيك التوحش الذي لست له أهلاً ولا لك عليه مقدرة والسادس إصرارك على ذنبك وتماديك في غوايتك فقد كنت متمكنا من العود إلى صاحبك والاستقالة من فرط جهلك قبل أن يوهنك اللجام بالجوع والحزام بالضبط فقال الفرس للخنزير أما إذا عرفتني ذنوبي وأيقظتني لما كنت جاهلاً عنه محجوباً بحجاب الجهل فانطلق الآن ودعني فإني مستحق لأضعاف ما أنا فيه فقال له الخنزير أما إذا اعترفت وفطنت لهذا ولمت نفسك ووبختها واخترت لنفسك العقوبة على جهلها فإنك حقيق بأن يفرج عنك ثم إن الخنزير قطع عنه اللجام والحزام فسقط السرج وفرج عنه وتركه وانطلق. قال حكيم إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فماذا تنفع الحيلة. قال الشاعر: وقد ترجو فيعسر ما ترجى ... عليك وينجح الأمر العسير وما تدري أفي المر المرجى ... أم الذي يخشى السرور لو أن الأمر مقبله جلى ... كمدبره لما على البصير قال حكيم: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله الظفر يعشق الصبر كما يعشق الحديد المغناطيس، أقل فوائد الصبر على البلية أن تنغص به لذة عدوك الشامت بك، ارجع عن تدبيرك لنفسك فقد أراحك منه غيرك وقس يومك على أمسك فعلى حذوه مصيرك، إذا لم يمش الزمان معك على ما تريد فامش معه على ما يريد ولله در القائل: إذا ما تحيرت في حالة ... ولم تدر فيها الخطا والصواب فخالف هواك فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب وقال آخر: من غرس الصبر اجتنى الظفر ومن غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الوقار اجتنى الهيبة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الحرص اجتنى الذلّ ومن غرس الحسد اجتنى الكمد، وقال حكيم ما مضت ساعة من دهرك إلا ببضعة من عمرك، الدنيا إن أقبلت فهي فتنة وغن أدبرت فهي محنة فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك. ضرب مثل حكي: أن ثعلباً كان يسمى ظالماً وكان له جحر يأوي إليه وكان مسروراً به لا يبتغي عنه بدلا فخرج منه يوماً يبتغي ما يأكل ثم رجع فوجد فيه حية فانتظر خروجها

стр. 186

فلم تخرج وعلم انها قد توطنت فيه وأنه لا سبيل إلى السكون معها فذهب يبتغي لنفسه جحراً غيره فانتهى به النظر إلى جحر حسن الظاهر حصين الموضع في مكان خصيب ذي أشجار ملتفة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فأخبر أنه لثعلب يسمى مفوضاً وأنه ورثه من أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله الجحر وسأله عما قصد له فقص عليه خبره وشكا إليه ما ناله فرق له مفوض ثم قال له إن من الهمة ان تقصر عن مطالبة عدوك وأن تستفرغ جهدك في ابتغاء دفعه فرب حيلة انفع من قبيلة والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي انتزع منك غصباً حتى أطلع عليه فلعلي أهتدي إلى وجه الحيلة فيرجع إليك مسكنك فإن أصوب الرأي ما أُسس على الروّية، فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وأدرك غرضه منه، ثم أقبل على ظالم فقال له قد شاهدت من مسكنك ما فتح لي باب الحيلة في خلاصه فقال له ظالم أطلعني على ما ظهر لك، فقال مفوض إن أضعف الرأي ما رسخ في البديهة ولكن انطلق معي لتبيت عندي ليلتي هذه لأنظر رأيي فيما ظهر لي ففعلا وبات مفوض مفكراً في ذلك وجعل ظالم يتألم مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب تربته وحصانته وكثرة مرافقه ما اشتد إعجابه به وحرصه عليه وشرع بتدبير الحيلة في غصبه وطرد مفوض منه، فلما أصبحا قال مفوض لظالم إني رأيت ذلك الجحر بموضع بعيد من الشجر والماء فاصرف نفسك عنه وهلم أعنك على حفر مسكن قريب من جحري هذا فإن هذه الأرض خصبة متيسرة المرافق فقال له ظالم إن ذلك لا يمكنني لأن نفسي تهلك لبعد الوطن حنيناً ولا تملك لفقد المسكن سكوناً. فلما سمع مفوض مقالة ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له إني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطباً ونربط منه حزمتين فإذا أقبل الليل انطلقت أنا إلى بعض هذه الخيام فأتيت بقبس نار واحتملنا الحطب والقبس وقصدنا مسكنك فجعلنا الحزمتين على بابه وأضرمناهما ناراً فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت الجحر أهلكها الدخان فقال ظالم نعم الرأي هذا فانطلقا فاحتطبا وربطا من الحطب حزمتين بقدر ما يطيقان حمله ولما جاء الليل وأقبل أوقد أهل الخيام النار انطلق مفوض ليأخذ قبساً فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه، ثم جر الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوض ودخله وجذبها إليه فأدخلها في الباب

стр. 187

فسده بها وقدر في نفسه أن مفوضاً إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته ولأن بابه مسدود بالحطب سداً محكماً وأكثر ما يقدر عليه أن يحاصره فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى آخر وقد كان ظالم رأى منزل مفوض أطعمة كثيرة ادخرها مفوض لنفسه فعول ظالم على الاقتيات منها في مدة الحصار وأذهله الشره والحرص على البغي عن فساد هذا الرأي وأنه متعرض لمثل ما عزم عليه أن يفعلاه بالحية، ثم إن مفوضاً جاء بالقبس فلم يجد ظالماً ولا وجد الحطب فظن أن ظالماً قد احتمل الحزمتين معاً تخفيفاً منه وأنه ذهب بهما إلى الجحر الذي فيه الحية فظهر له من الرأي أن يترك النار ويسرع في المشي ليدركه ويساعده في حمل الحطب فألقى النار من يده ثم خشي أن يطفئها الريح فيحتاج إلى نار أخرى فأدخلها في باب الجحر ليسترها من الريح فأصابت الحطب فأضرمته ناراً واحترق ظالم في الجحر وحاق به مكره، فلما اطلع مفوض على أمر ظالم قال ما رأيت كالبغي سلاحاً أكثر عمله في محتمله، ثم صبر حتى طفئت النار ودخل في جحره واستخرج جيفة ظالم فألقاها واستقرّ في مأواه وفوض أمره إلى مولاه. أوصى علي كرم الله وجهه ابنه محمد فكان من وصيته له يا ني بئس الزاد للمعاد ظلم العباد، ولله در القائل: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم وقال حكيم إذا كانت الإساءة طبعاً لم يملك لها إنسان دفعاً، يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، من كثر تعديه كثرت أعاديه، الظلم سالب للنعم والبغي جالب للنقم، شر الناس من ينصر الظالم ويخذل المظلوم، من طلب راحة نفسه اجتنب الآثام ومن طلب راحة بنيه رحم الأيتام، من سالم الناس ربح السلامة ومن تعدى عليهم اكتسب الندامة، قال بعض الفضلاء أربعة ترفع عنهم الرحمة إذا نزل بهم الكروه من كذب طبيبه فيما يصف له من دائه، ومن تعاطى ما لا يستقل بأعبائه، ومن أضاع ماله في لذاته، ومن قدم على ما حذر من آفاته، وقال آخر العالم يعرف الجاهل لأنه كان قبل علمه جاهلاً والجاهل لا يعرف العالم إذ لم يكن قبل جهله عالماً، وقال حكيم رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به، وقال الأحنف بن قيس السؤدد ترك الظلم والهبة قبل السؤال، وقال آخر اتخذ الناس أباً وأخاً

стр. 188

وابناً، ثم برّ اباك وصل اخاك وارحم ابنك، وسئل ذو القرنين أي شيء من مملكتك أنت فيه أكثر سروراً فقال شيئان أحدهما العدل والثاني أن أكافئ من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه. قال حكيم أحمق الناس من أنكر من غيره ما هو مقيم عليه، قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز ﵁ كيف ترى ما نحن فيه فقال عمر: سرور لولا أنه غرور وملك لولا أنه هلك ونعيم لولا انه عديم ومحمود لولا أنه مفقود، قال حكيم: الوضيع إذا ارتفع تكبر وإذا حكم تجبر، ليس العاقل من تخلص من مكروه وقع فيه بل العاقل من لا يوقع نفسه في أمر يحتاج إلى الخلاص منه، من قابل السيئة من عدوه بالحسنة فقد انتقم منه، قال أنوشروان ما استنجحت الأمور بمثل الصبر ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، العدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المؤدّة وسوء الخلق يوجب المباعدة، على الرعية الانقياد وعلى الأئكة الاجتها، قال حكيم من حكماء الهند العدل في الرعية خير من كثرة الجنود، تاج الملك عفافه وحصنه إنصافه، وقال حكيم لا يطمع سيء الأدب في الشرف ولا الملك الجائر في بقاء الملك، العدل في الأقوال أن لا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول ولا العالم بخطاب المجهول وأن تجعل لسانك في ميزان فتحفظه من رجحان ونقصان، وسئل حكيم عن المسيء فقال هو من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً وقال آخر الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره، من علامة الدولة قلة الغفلة، اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال زمانه، ولله درّ من قال: أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سروراً وأنعما كبان بنى بنيانه وأتمه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما المرء ابن يومه فليتنبه من نومه. قال حكيم: مخالطة الأشرار من أعظم الأخطار من لم يلزم نفسه حقك لا تلزم نفسك حقه بعيد ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره. كن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته إذا كانت الأشياء غير دائمة ففيم السرور بها من أشرف الأخلاق صيانة النفس عن النفاق باللطف تقتنص الأسود ويحصل كل مقصود، قال النبي ﷺ (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق)، وقال أيضاً (شيئان لا يجتمعان في بيت الغنى والزنا). قال العباس بن محمد للرشيد يا أمير المؤمنين إنما هو درهمك وسيفك فازرع بذلك من شكرك واحصد بهذا من

стр. 189

كفرك، فقال الرشيد لم أجد للملك غير هذين، وأنشد يقول: لم أر شيئاً صادقا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف يقضى له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف قال المنصور لبعض أولاده خذ عني اثنين لا تقل بغير فكر ولا تعمل بغير تدبير. قال ﷺ (ارحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما بين جهال)، قال المأمون الإخوان ثلاث طبقات، طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحياناً وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبداً، ومرض علي بن عبيدة فعاده الجاحظ فقال له ما تشتهي يا أبا الحسن؟ فقال ثلاثة أشياء عيون الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد، قال حكيم ثلاثة تسر العين المرأة الموافقة والولد الأديب والأخ الودود، وثلاثة تكدر العيش جار السوء والولد العاق والمرأة الخائنة، وثلاثة تمنع المرء عن طلب المعالي قصر الهمة وقلة الحيلة وضعف الرأي، وثلاثة تحصن الملك الرأفة والعدل والجود، وقال حكيم أربعة أشياء من أعظم البلاء كثرة العيال مع قلة المال، والجار السيئ الجوار، والمرأة التي ليس لها وقار، وصحبة الفجار، وقال أنوشروان أربعة أيام لأربعة أعمال يوم الغيم للصيد ويوم الريح للنوم ويوم المطر للمنادمة ويوم الصحو للكسب، وقال عبد الملك بن مروان أربع إذا ظفرت بها لا يضرك ما فاتك بعدها: حسن خلق وصدق حديث وعفاف نفس وحفظ أمانة، وقال آخر أربعة لا تشبع من أربع عين من نظر وأذن من خبر وأنثى من ذكر وأرض من مطر، وأربعة لا يثبت معها ملك غش الوزير وسوء التدبير وخبث النية وظلم الرعية، وأربعة لا تقدم عليها حتى تسأل الخبير بها، السوق لا تقدم عليه حتى تعلم النافق والكاسد والمرأة لا تخطبها حتى تسأل عن منصبها وخلقها والطريق لا تسلكها حتى تسأل عن أمنها وخوفها والبلدة لا تستوطنها حتى تسأل عن سيرة سلطانها وأخلاق أهلها وتجنب أربعة لتخلص من أربعة تجنب الحسد لتخلص من الحزن ولا تجالس خسيساً لتسلم من الملامة ولا ترتكب المعاصي لتسلم من النار ولا تهتم بجمع المال لتسلم من معاداة الناس. ضرب مثل حكي أن لبوة كانت ساكنة بغابة وبجوارها غزالة وقرد قد ألفت جوارهما واستحسنت عشرتهما، وكان لتلك اللبوة شبل صغير قد شغفت به حباً وقرت به عيناً وطابت به قلباً، وكان

стр. 190

لجارتها الغزالة أولاد صغار وكانت اللبوة تذهب كل يوم تبتغي قوتاً لشبلها من النبات وصغار الحيوان وكانت تمر في طريقها على أولاد الغزالة وهم يلعبون بباب مسكنهم فحدثت نفسها يوماً باقتناص واحد لتجعله قوت ذلك اليوم وتستريح فيه من الذهاب ثم أقلعت عن هذا العزم لحرمة الجوار ثم عادها الشره ثانياً مع ما تجد من القوة والعظم وأكد ذلك ضعف الغزالة واستسلامها لأمر اللبوة فأخذت طبياً منهم ومضت، فلما علمت الغزالة داخلها الحزن والقلق ولم تقدر على إظهار ذلك وشكت لجارها القرد فقال لها القرد اصبري فلعلها تقلع عن هذا ونحن لا نستطيع مكافأتها ولعلي أن أذكرها عاقبة العدوان وحرمة الجيران، فلما كان الغد أخذت طبياً ثانياً فليقها القرد في طريقها فسلم عليها وحيّاها، وقال لها لا آمن عليك عاقبة العدوان والبغي وإساءة الجوار فقالت له ما اقتناصي لأولاد الغزال إلا كاقتناصي من أطراف الجبال وما أنا تاركة قوتي وقد ساقه القدر إلى باب بيتي، فقال لها القرد هكذا اغتر الفيل بعظم جثته ووفور قوته فبحث عن حتفه بظلفه وأوقعه البغي رغم أنفه، فقالت اللبوة كيف كان ذلك. قال القرد ذكروا أن قنبرة كان لها عش فباضت وفرخت فيه وكان في نواحي تلك الأرض فيل وكان له مشرب يتردد إليه وكان يمر في بعض الأيام على عش القنبرة فمر ذات يوم يريد مشربه فعمد إلى ذلك العش ووطئه وهشم ركنه وأتلف بيضها وأهلك فراخها، فلما نظرت القنبرة إلى ما حل بعشها ساءها ذلك وعلمت أنه من الفيل فطارت حتى وقعت على رأسه باكية وقالت أيها الملك ما الذي حملك على أن وطئت عشي وهشمت بيضي وقتلت أفراخي وأنا في جوارك أفعلت ذلك استضعافاً بحالي وقلة مبالاة بأمري؟ قال الفيل هو ذلك فانصرفت القنبرة إلى جماعة من الطيور فشكت إليهم ما نالها من الفيل فقالت لها الطيور وما عسانا أن نبلغ من الفيل ونحن طيور فقالت للعقاعق والغربان إني أريد منكم أن تسيروا معي إليه فتفقئوا عينيه وأنا بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى فأجابوها إلى ذلك ومضوا إلى الفيل فحملوا عليه حملة واحدة ونقروا عينيه إلى أن فقئوهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ولا مشربه فلما علمت ذلك جاءت إلى نهر فيه ضفادع فشكت إليهن ما نالها من الفيل فقالت الضفادع ما حيلتنا مع الفيل ولسنا كفؤه وأين نبلغ منه؟ قالت القنبرة أحب

стр. 191

منكن أن تذهبوا معي إلى وهدة بالقرب منه فتقفوا وتصيحوا بها فإذا سمع أصواتكن لم يشك أن بها ماء فيكب نفسه فيها فأجابتها الضفادع إلى ذلك فلما سمع الفيل أصواتهن في قعر الحفرة توهم أن بها ماء وكان على جهد من العطش فجاء مكبا على طلب الماء فسقط في الوهدة ولم يجد ما يخرجه منها فجاءت القنبرة ترفرف على رأسه وقالت أيها المغرور بقوته الصائل على ضعفي كيف رأيت عظيم حيلتي مع صغر جثتي وبلادة فهمك مع كبر جسمك وكيف رأيت عاقبة البغي والعدوان ومسالمة الزمان؟ فلم يجد الفيل مسلكاً لجوابها ولا طريقاً لخطابها، فلما أنهى القرد غاية ما ضربه للبوة من المثل أوسعته انتهاراً وأعرضت عنه استكباراً، ثم إن الغزالة انتقلت بما بقي من أولادها تبتغي لها مسكناً آخر وإن اللبوة خرجت ذات يوم تطلب صيداً وتركت شبلها فمر به فارس فلما رآه حمل عليه فقتله وسلخ جلده وأخذه وترك لحمه وذهب، فلما رجعت اللبوة ورأته مقتولاً مسلوخاً رأت أمراً فظيعاً فامتلأت غيظاً وناحت نواحاً عالياً وداخلها هم شديد، فلما سمع القرد صوتها أقبل عليها مسرعاً فقال لها ما دهاك؟ فقالت اللبوة مر صياد بشبلي ففعل به ما ترى فقال لها لا تجزعي ولا تحزني وأنصفي من نفسك واصبري من غيرك كما صبر غيرك منك فكما يدين الفتى يدان وجزاء الدهر بميزان ومن بذر حباً في أرض فبقدر بذره يكون الثمر والجاهل لا يبصر من أين تأتيه سهام القدر فلا تجزعي من هذا الأمر وتذرعي له بالرضا والصبر، فقالت اللبوة كيف لا أجزع وهوقرة العين وواحد القلب وأي حياة تطيب لي بعده؟ فقال لها القرد أيتها اللبوة ما الذي كان يغديك ويعشيك قالت لحوم الوحوش؟ قال القرد فما لنا لا نسمع لتلك الآباء والأمهات صياحاً وصراخاً كما سمع منك ولقد أنزل بك هذا الأمر جهلك بالعواقب وعدم تفكرك فيها وقد نصحتك حين حقرت حق الجوار وألحقت بنفسك العار وجاوزت بقوتك حد الإنصاف وسطوت على الظبا الضعاف فكيف وجدت طعم مخالفة الصديق الناصح قالت اللبوة وجدته مرّ المذاق، ولما علمت اللبوة أن ذلك بما كسبت يدها من ظلم الوحوش رجعت عن صيدها وزمت نفسها وصارت تقنع بأكل النبات وحشيش الفلوات. قال بعض الحكماء أمور الدنيا تجري على خمسة عشر وجهاً فخمسة منها بالعادة وهو الأكل

стр. 192

والشرب والمشي والنكاح والصلاة، وخمسة منها بالتعليم الأدب والكتابة والرمي والسباحة والصناعة، وخمسة منها بالتقدير وهي الحسن والقبح والغنى والفقر والعمر، وقال حكيم في الأطفال خمس خصال لو كانت في الرجال بلغوا درجة الكمال لا يهتمون بالرزق ولا يشكون من المرض ولا يحقدون عند الخصام ويخافون إذا خوفوا بأدنى تخويف وتدمع أعينهم من ذكر الأهوال ضرب مثل حكي: أن عصفوراً مرّ بفخ فقال العصفور ما لي أراك متباعداً عن الطريق فقال الفخ أردت العزلة عن الناس لآمن منهم ويأمنوا مني، فقال العصفور فما لي أراك ناحل الجسم؟ فقال أنهكتني العبادة، فقال العصفور فما هذا الحبل الذي على عاتقك؟ قال هو ملبس النساك، فقال العصفور فما هذه العصا؟ قال أتوكأ عليها، فقال العصفور فما هذا القمح الذي هو عندك؟ قال هو فضل قوتي أعددته لفقير جائع أو ابن سبيل منقطع، فقال العصفور إني ابن سبيل وجائع فهل لك أن تطعمني؟ قال نعم دونك، فلما ألقى منقاره أمسك الفخ بعنقه، فقال العصفور بئس ما اخترت لنفسك من الغدر والخديعة والأخلاق الشنيعة ولم يشعر العصفور إلا وصاحب الفخ قد قبض عليه، فقال العصفور في نفسه بحق قالت الحكماء من تهور ندم ومن حذر سلم كيف لي بالخلاص ولات حين مناص ثم حدثته نفسه بالاحتيال فربما نفع في مضيق الأحوال فالتفت إلى الصياد وقال له أيها الرجل اسمع مني كلمات أرجو أن ينفعك الله بها ثم افعل بي ما تشاء فعجب الصياد من كلام العصفور، وقال له قل، فقال له العصفور لا يشك عاقل إني لا أسمن ولا أغني من جوع فإن كنت ترغب في الحكمة فاسمع مني ثلاث كلمات من الحكم أنفع لك مني وأطلقني واحدة وأنا في يدك، والثانية وأنا على أصل هذه الشجرة، والثالثة إذا صرت في أعلاها، فرغب الصياد في إطلاقه، وقال له قل الأولى فقال له ما حييت فلا تندم على فائت فأعجبه مقاله وأطلقه، فلما صار في أسفل الشجرة قال والثانية ما عشت فلا تصدق بشيء لا يكون أنه يكون، ثم طار إلى أعلى الشجرة فقال له الصياد هات الثالثة، فقال العصفور أيها الرجل لم أر أشقى منك ظفرت بغناك وغنى أهلك وولدك وذهب من يدك في أيسر وقت، فقال له الصياد وما ذاك؟ فقال العصفور لو أنك ذبحتني لوجدت في حوصلتي جوهرتين من الياقوت زنة كل واحدة منهما خمسون مثقالاً، فلما سمع الصياد مقالة العصفور اعتراه الأسف وعض على أصبعه وقال خدعتني أيها العصفور لكن هات الثالثة فقال العصفور كيف أقول الثالثة وأنت قد نسيت الاثنين قبلها في لحظة ألم أقل لك لا تندم على ما فات ولا تصدق بما يكون وكيف صدقت أن في حوصلتي جوهرتين زنة كل واحدة

стр. 193

منهما خمسون مثقالاً وأنت لو وزنتني بريش ولحمي وعظمي وجميع ما في جوفي ما وفى ذلك بعشرة مثاقيل وقد ندمت على إطلاق الفائت وتأسفت عليه، ثم طار وتركه وفارق بحيلته شركه. مثل آخر حكي: أن قطاة تنازعت مع غراب في حفرة يجتمع فيها الماء وادعى كل واحد منهما أنها ملكه فتحاكما إلى قاضي الطير فطلب بينة فلم يكن لأحدهما بينة يقيمها فحكم القاضي للقطاة بالحفرة، فلما رأته قضى لها بها من غير بينة والحال أن الحفرة كانت للغراب قالت أيها القاضي ما الذي دعاك لأن حكمت لي وليس لي بينة وما الذي آثرت به دعوتي على دعوة الغراب؟ فقال لها قد اشتهر عنك الصدق بين الناس حتى ضربوا بصدقك المثل فقالوا أصدق من قطاة، فقالت له إذا كان الأمر على ما ذكرت فوالله إن الحفرة للغراب وما أنا ممن يشتهر عنه خلة جميلة ويفعل خلافها فقال لها وما حملك على هذه الدعوى الباطلة؟ فقالت ثورة الغضب لكونه منعني من ورودها، ولكن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ولأن تبقى لي هذه الشهرة خير لي من ألف حفرة. سئل إسحاق الموصلي عن عدد الندماء فقال: واحد غمّ واثنان همّ وثلاثة نظام وأربعة تمام وخمسة زحام وستة حمام وسبعة موكب وثماني سوق وتسعة جيش وعشرة نعوذ بالله منهم. الحكمة من الشعر والأمثال قال أبو الفتح البستني ﵁ في ذم الزمان الخوان: ومعنى الزمان على الحقيقة كاسمه ... فعلام ترجو أنه لا يزمن ليس الأمان من الزمان بممكن ... ومن المحال وجود ما لا يمكن وله رحمه الله تعالى إذا أحسست من طبعي فتورا ... ولفظي والبراعة والبيان فلا ترتب بفهمي إن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان

стр. 194

الصفي الحلي رحمه الله تعالى لا غرو أن يصلى فؤادي بعدكم ... ناراً تؤججها يد التذكار قلبي إن غبتم يصوّر شخصكم ... فيه وكل مصور في النار ولبعضهم أخاك أخاك من أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح ولآخر تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع وأنى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع الإمام الشافعي ﵁ لوأن بالحيل الغني لوجدتني ... بنجوم أفلاك السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق وإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه فغاص فصدق أو أن محظوظاً غدا في كفه ... عود فأورق في يديه فحقق وله رحمه الله تعالى عليّ ثياب لو يقاس جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهن نفس لو يقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا وما ضر نصل السيف إخلاق جفنه ... إذا كان عضباً حيث وجهته برى دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله تعالى ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا أبو الأسود الدؤلي يخاطب زوجته خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في ثورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب محمد بن عبد الجبار رحمه الله تعالى إذا رمت من سيد حاجة ... فراع لديه الرضا والغضب فإن التهجم ليل المنى ... وإن الطلاقة صبح الأرب

стр. 195

ابن نباتة رحمه الله تعالى ما بال طعم العيش عند معاشر ... حلو وعند معاشر كالعلقم من لي بعيش الأغبياء فإنه ... لا عيش إلا عيش من لم يعلم ولبعضهم: إذا رأيت أخا في حال عسرته ... مواصلاً لك ما في ودّه دخل فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل ولآخر: ألم تعلمي أن الغنى يجعل الفتى ... سنيا وأن الفقر بالمرء قد يزري فما رفع النفس الوضيعة كالغنى ... ولا وضع النفس الرفيعة كالفقر ابن الرومي رحمه الله تعالى: إذا أعسرت بعد اليسر يوماً ... فلا تجزع وكن عبدا شكورا فإن المرء كالأشجار طبعا ... فطورا تكتسي ورقا وطورا له رحمه الله تعالى: إذا زاد فقر المرء قلّ محبه ... وعاداه من أضحى له في الملاء أهلا وإن زاد معه المال مال لحبه ... جميع أعاديه وقالوا له أهلا له رحمه الله تعالى: قالوا ترى الفقر نقصا قلت واعجبي ... الفقر فخري مقال المصطفى فيه إن يعتر النقص أرباب الكمال فلا ... كان الكمال ولا كانت أهاليه أبو الطيب المتنبي رحمه الله تعالى: وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا ولا موت بأبغض من حياة ... أرى لهم معي فيها نصيبا وما أحسن ما قال منها: عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نسيبا له رحمه الله تعالى: أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحا وأهوانا وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز حيثما كانا له رحمه الله تعالى: وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل

стр. 196

أنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهن أوائل للهو آونة تمر كأنها ... قُبَل يزوّدها حبيب راحل جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل وقال منها: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل له رحمه الله تعالى: إذا غامرت في شرم مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم ومنها: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والعلوم وله من قصيدة غراء: يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم قلت: لما أن ذكرت هذه الأبيات وددت أنأذكر القصيدة كلها لما اشتملت عليه من المعاني السنية وهي من غرر قصائده التي مدح بها سيف الدولة، قال رحمه الله تعالى: واحرّ قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم أنى أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعى حب سيف الدولة الأمم إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم فكان أحسن خلق الله كلهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيم فوت العدوّ الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم قد ذاب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهم ألزمت نفسك شيئاً ليس يلزمها ... أن لا تواريهم أرض ولا علم أكلما رمت جيشاً فانثنى جريا ... تصرفت بك في آثاره الهمم عليك هزمهم في كل معترك ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا

стр. 197

أما ترى ظفرا خلوا سوى ظفر ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم أنام ملئ جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم وإذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظننّ أن الليث يبتسم ومهجة مهجتي من همّ صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرم رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم ومرجف صرت بين الجحفلين به ... حتى ضربت وموج الموت ملتطم فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والضرب والطعن والقرطاس والقلم صحبت في الفلوات الوحش منفردا ... حتى تعجب منى القور والأكم يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم وبيننا لو علمتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم ما أبعد العيب والنقصان من شيمي ... أنى الثريا وذات الصيب والهرم ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوحادة الرسم لئنم تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعته ندم إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم وشر ما قنصته راحى قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم بأيّ لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم

стр. 198

هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدرّ إلا أنه كلم وقال يرثي جدته لأمه، وهذه القصيدة قد اشتملت على بدائع الأمثال: ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما ... فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكرى كما أرمى لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوق غير ملحقها وصما أحنّ إلى الكأس الذي شربت به ... وأهوى لمثواها التراب وما ضما بكيت عليها خيفة في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باق أجدت له صرما منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى ان تجوع وان تظما عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما أتاها كتابي بعد يأس وترحة ... فماتت سروراً بي فمت بها غما حرام على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما تعجب من خطى ولفظي كأنما ... ترى بحروف السطر أغربة عصما وتلثمه حتى صار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما رقى دمعها الجاري وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى ولم يسلها إلا المنايا وغنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما وأصبحت أستسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العمى هبيني أخذت الثأر فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى وما انسدت الدنيا عليّ لضيقها ... ولكن طرفا لا أراك به أعمى فوا أسفي أن لا أكب مقبلاً ... لرأسك والصدر الذي مليا حزما وأن لا ألاقي روحك الطيب الذي ... كأنّ ذكى المسك كان له جسما ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما لئن لذ يوم الشامتين بيومها ... لقد ولدت مني لآنافهم رغما تغرب لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلاً إلا لخالقه حكما

стр. 199

يقولون لي ما أنت في كل بلدة ... وما تبتغي ما أبتغي جلّ أن يسمى كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوب إليهم من معادنه اليتما وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أجمع الجدّ والفهما ولكنني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حال به الغشما وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما إذا قلّ عزمي عن مدى خوف بعده ... بأبعد شيء ممكن لم يجد عزما وإني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما كذا إذا نادينا إذ شئت فاذهب ... ويا نفس زيدي في كرائهها عزما فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما أبو إسحق إبراهيم العزي رحمه الله تعالى: قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ... باب السماحة والملاحة مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب انه لايشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويُسرق أحمد الأرجائي رحمه الله تعالى: تقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها الشيخ محمد المنوفي رحمه الله تعالى: عتبت على دهري بأفعاله التي ... أضاق بها صدري وأفنى بها جسمي فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... إذا أشكلت رُدّت لمن كان ذا علم الصفي الحلي رحمه الله تعالى: لما رأيت بني الزمان وما بهم ... خلّ وفيّ للشدائد أصطفي أيقنت أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ والوفي سيدي السيد الجليل الفاضل العلامة الحلاحل بن زين العابدين جمل الليل المدني رعاه الملك الغني: عناء هذا الدهر ما أكثره ... وهمه الوابل ما أغزره

стр. 200

إن سرّ يوماً ساء عشراوان ... أبدي ابتساما قط ما كرره شيمته الغدر وأبناؤه ... أغدر منه ويح ما أغدره فلا ترم خلا وفياً فتحصي ... ل الذي تهواه ما أعسره رب صديق خلته صادقا ... يبدي لك الخلة والكركره إن رمت منه ممسكا موثقا ... وجدته في شكله كالكره الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى: شربنا دخان التتن لا عن مودّة ... لها بل هو الممقوت عند اولى الحجى ولكن عفريت الهموم بصدرنا ... عصانا فدخنا عليه ليخرجا ولبعضهم في المعنى: لقد عنفوني في الدخان وشربه ... فقلت دعوا التعنيف فالأمر أحوجا ألا إن عفريت الهموم بصدرنا ... مقيم فدخّنّا عليه ليخرجا ومما نحن فيه قول الصاحب الأديب الفاضل الأريب محمد المدني الزللي المدني لا زال في عيش هني: يميل فؤادي للدخان وشربه ... وأصبو إليه صبوة الواله الصب لأخفى دخاناً قد أبانته زفرة ... تلهب من نيران وجد شوق قلبي وله دام مجده:

стр. 201

فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعد ذا عن كل شي أبو عبد الله الحميدي: لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال العباس بن الأحنف: تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... تفارق من تهوى وانفك راغم علي بن حزم الظاهري: لئن أصبحت مرتحلا بجسمي ... فقلبي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... لذا طلب المعاينة الكليم أبو منصور الديلمي الأعور: صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسدة فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائدة وما أحسن قول القائل: لست أدري ماذا أقول ولكن ... أشتهي من عريض جاهك نفعا والفتى إن أراد نفع أخيه ... فهو يدري في نفعه كيف يسعى وصدق القائل وأجاد: إن كنت منبسطاً سميت مسخرة ... أو كنت منقبظاً قالوا به ثقل وإن تواصلهم قالوا به طمع ... وإن تفارقهم قالوا به ملل ابن طباطبا رحمه الله تعالى: لله أيام اللقاء كأنما ... كانت لسرعة سيرها أحلاما

стр. 202

لو دام عيش مسرة لأخي الهوى ... لأقام لي ذاك السرور وداما يا عيشنا المفقود خذ من عيشنا ... عاما ورد من الصبا أياما وأجاد القائل: إذا ما روى الإنسان أخبار من مضى ... فتحسبه قد عاش من أول الدهر وتحسبه قد عاش آخر دهره ... إلى الحشر إن أبقى جميلاً من الذكر فقد عاش كل الدهر من عاش عالما ... كربما حليماً فاغتنم أطول العمر الشيخ حسن البوريني رحمه الله تعالى: الناس نحو معادهم ومعاشهم ... يسعون في الإصباح والإمساء وأنا الذي أسعى للذة نظرة ... من وجهك المذري ببدر سماء والناس يخشون الصدود وإنما ... أخشى سلمت شماتة الأعداء علي الباخرزي: قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادي وله أيضاً: فلا تحسبوا إبليس علمني الخنى ... فانى منه بالفضائح أبصر وكيف يرى إبليس معشار ما أرى ... وقد فتحت عينان لي وهو أعور الشيخ أحمد الخفاجي رحمه الله تعالى: يا رب قد جرعتني كأس النوى ... وشغلت قلبي بالغزال النافر وحجبته عن ناظري فامنن به ... يا ذا العلى أو فامحه من خاطري أولا فخذ روحي إليك تريحني ... الموت أهون من حبيب هاجر السيد عبد الرحيم العباسي رحمه الله تعالى: لست عن ود صديقي سائلاً ... غير قلبي فهو يدري وده فكما أعلم ما عندي له ... فكذا أعلم مالي عنده الشيخ إسماعيل المقري الزبيدي: ما قضاه الإله لا بد منه ... فعلام هذا العريض الطويل إن لله في الأنام مرادا ... وسوى ما أراده مستحيل رب أمر يضيق ذرعك منه ... لك فيه إلى النجاة سبيل

стр. 203

وله أيضاً: ونحن أناس نحفظ الوعد للوفا ... وينسى الفتى منا الجزيل إذا أعطى وطالبنا عنا بعيد وإن دنا ... ومطلوبنا منا قريب وإن شطا ولله رد القائل: إنما العيش خمسة فاغتنمها ... واسمعنها نصيحة من صديق من سلاف وعسجد وشباب ... وزمان الربيع والمعشوق السيد العلامة هاشم بن يحيى الشامي اليمني: ما قلت إلا الحق يا معنفي ... صدقت إن الحب لا يليق بي فهل ترى عندك لي من حيلة ... لآخذ قلبي من يدي معذبي صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى: ما ابصرت عيناي أحسن منظر ... فيما ترى من سائر الأشياء كالشامة الخضراء فوق الوجنة ال ... حمراء تحت المقلة السوداء الإمام الشبلي رحمه الله تعالى: عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصدّ والصد صعب زعموا حين أعتبوا الجرم ... فرطحبي لهم وما ذاك ذنب لا وحسن الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلا يحب لبعض الفضلاء: إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قومته الخشب قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع في ذي شيبة أدب ولبعضهم في المحلاف الكذوب: مواعيدك لي برق ... ومن ذا يلحظ البرقا فهبني صرت كمونا ... بلا ماء فكم أبقى ولله در القائل: أربعة مذهبة ... لكل هم وحزن الماء والقهوة وال ... خضرة والوجه الحسن وما أحسن قول ابن القواس رحمه الله تعالى رام الحسود فراقنا ... وسعى ينمّ بشينه بالله عنى قل له ... هذا الجنون بعينه ويعجبني قول بعضهم: وإني وإن أخرت عنكم زيارتي ... لعذر فإني في المحبة أول

стр. 204

فما الود تكرار الزيارة دائماً ... ولكن على ما في القلوب المعوّل وما ألطف قول الصنوبري: بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا والذي ألبس خديك ... من الورد نقابا والذي صير حظي ... منك هجرا واجتنابا ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا ابن تميم الشاعر رحمه الله تعالى: لك الخير كم صاحبت في الناس صاحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا وله أيضاً: من كان يرغب في حياة فؤاده ... وصفائه فيلينأ عن هذا الورى فالماء يصفو إن نأى فإذا دنا ... منهم تغير لونه وتكدرا ولله در القائل: كنا إذا جئنا لمن قبلكم ... أنصف الترحيب بعد القيام والآن صرنا حين نأتيكم ... نقنع منكم بلطيف الكلام لا غير الله بكم خشية ... من أن يجيء من لا يرد السلام وأجاد القاضي الأرجاني بقوله: زماننا هذا خرا ... وأهله كما ترى ومشيهم جميعهم ... إلى ورا إلى ورا أبو العلاء المعري رحمه الله تعالى: ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى قيل إني جاهل فواعجبا كم يبدي الفضل ناقص ... ووا أسفي كم يظهر النقص فاضل إذا وصف الطائي بالبخل ما در ... وعيّر قسا بالفهامة باقل وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصا والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدى إن دهرك هازل ابن العفيف التلمساني رحمه الله تعالى: أعلل بالمنى قلبي لعلي ... أفرج بالأماني الهم عني وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقلّ من التمني لبعضهم: ألا يا نفس أن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيه

стр. 205

دعي عنك المطامع والأماني ... فكم أمنية جلت منيه ابن صرد: سافر تنل رتب المفاخر والعلى ... كالدر سار فصار في التيجان وكذا هلال الأفق لو ترك السرى ... ما فارقته معرة النقصان ابن التعاويذي رحمه الله تعالى: وقد مدحتكم على جهل بكم ... وظننت فيكم للصنيعة موضعا ورجعت بعد الاختبار أذمكم ... فأضعت في الحالين عمري أجمعا ابراهيم الحصري رحمه الله تعالى: أرى أولاد آدم أبطرتهم ... حظوظهم من الدنيا الدنيه فلم بطروا وأولهم منى ... إذا افتخروا وآخرهم منيه لبعضهم وأجاد: لا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء كيف ترجو منه صفوا ... وهو من طين وماء ابن الساعاتي الأديب: لا يغرنك التودد من قوم ... فإن الوداد منهم نفاق والقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد منها إلا السيوف الرقاق شهاب الدين محمد الشاعر: أحبانا هل لي إليكم وقد نأت ... بي الدار من بعد البعاد رجوع وهل شمس هذا الأنس بعد فراقنا ... يكون لها بعد الغروب طلوع صلاح الدين الصفدي: ولما تراءينا الهلال بدا لنا ... محيا حبيب لم يغب قط عن فكري فقلت عجيب أن يرى البدر هكذا ... تماماً ونحن الآن في أول الشهر وما أحسن قول بعضهم: قالت لترب وهي معها منكره ... لوقفتي هذا الذي نراه من قالت فتى يشكو الهوى متيما ... قالت بمن قالت بمن قالت بمن وأجاد القائل: عرضت على الخباز نحو المبرد ... وكتبا حسانا للخليل بن أحمد

стр. 206

ورؤيا ابن سيرين وخط ابن مقلة ... وتوحيد جهمان وفقه محمد وناشدته شعر الكميت وجرول ... بغنة لحن للقريض بن معبد فلم يغن عني كل ما قد ذكرته ... سوى درهم ناولته كان في يدي وما أعظم قول القائل: ومالي حاجة التجريب إني ... عرفت الناس معرفة صحيحة رأيت ودادهم كذبا وزورا ... ودينهم مداهنة صريحة الخليل بن أحمد النحوي رحمه الله تعالى: بلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب عالم أن ما يكون وما كا ... ن قضاء من المهيمن واجب الشيخ عبد الله بن رشيد الدين السعيدي: نسب الناس للحمامة حزنا ... وأذاها في الشجو ليست هنالك خضبت كفها وطوقت الجيد ... وغنت وما الحزين كذلك وله عفا الله عنه: لقد قال لي إذ رحت من خمر رقه ... أحث كؤوسا من ألذ مقبل بلثم شفاها أو برشف رضابها ... تنقل فلذات الهوى في التنقل ويطربني قول ولادة بنت المستكفي الأموي عفا الله عنها: ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر ... وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر عفيف الدين التلمساني: لا تلم صبوتي فمن حب يصبو ... إنما يرحم المحب المحب كيف لا يوقد النسيم غرامي ... وله في خيام ليلى مهب الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى: خرجنا للتنزه ذات يوم ... وسرنا بالمراكب فوق ماء فنحن وفلكنا والماء نحكي ... نجوماً في بروج في سماء الأمير علي بن المقرب العيوني: أقول وقد فكرت في أمر خلتي ... وأمري وحال الأرذلين وحالي

стр. 207

ألا ليتني قد كنت خدنا مخادنا ... لخيط نعام بالفلا ورئال ولم أك عافرت اللئام ولم أنط ... حبال خسيس منهم بحبالي فلم أر منهم غير خب يمدّ لي ... لسان محب من طوية قالي إذا جئت فداني وأبدى بشاشة ... ولاحظني منه بعين جلالي وإن غبت أدنى ساعة من لحاظه ... تمحل في غيبتي بمحال السيد الأديب محسن بن الحسن بن القاسم بن أمير المؤمنين الصنعاني رضي الله تعالى عنه: من لي ومن لك في خل أخي ثقة ... يزداد قربا إذا زدناه تبعيدا إذا اشتدت له دار الجفاء بنا ... دار الوفاء وأشاد الودّ تشييدا وله رضوان الله عليه: يا مالك الملك جد بعفو ... يمحو جميع الذنوب محوا ولا تكلني إلى فعالي ... فلست للنار رب أقوى وارحمني الله حين لالي ... منك تعاليت رب مأوى وقل فلان أتى بذنب ... أثقل من يذبل ورضوى لكن أتى راجياً رضائي ... فقد تجاوزت عنه عفوا فالعفو والجود من صفاتي ... فأعطوه ما يرتجي ويهوى ويطربني قول السيد البليغ محسن بن المتوكل على الله الصنعاني ﵁: خليلي ما لليل يبعث أشجاني ... خليلي ضاق الليل بالدنف العاني خليلي لا والله ما أنا صادق ... إذا لم أمت وجدا على الرشأ الغاني خليلي ما للبرق من أيمن الحمى ... يذكرني عهدي القديم وأوطاني خليلي قد مل السمير توجعي ... فهل نحو هاتيك الديار تدلاني خليلي لي فيها فؤاد فقدته ... غداة سرى عني الحبيب وخلاني وله سلام الله عليه: إن كنت تسأل عن حالي وعن شاني ... فكل حين أروى الأرض من شانى وطائر البان لا يغررك سجعته ... ما طائر البان يحوي مثل أشجاني

стр. 208

لو كان مثل ما وشى الجناح ولا ... أضحى ولوعا بتغريد وألحان ولا حلى الجيد بالطوق العجيب ... حكت أنامله أغصان مرجان ولله در القائل: ولا تسأل الدهر إنصافاً فتظلمه ... ولا تلمه فلم يخلق لإنصاف خذ ما تشا وخلّ الهم ناحية ... لا بد من كدر فيه ومن صافى وما أعظم قول القائل: إن الصفا في شرب كل مودة ... لم يخل من كدر لمن هو وارد فإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد وأين ذاك الواحد ولله در من قال: رأيت الناس قد مالوا ... إلى من عند فضه ومن لا عنده فضه ... فعنه الناس منفضه ولآخر مثله: رأيت الناس قد ذهبوا ... إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب ... فعنه الناس قد ذهبوا الإمام الشافعي ﵁: قالوا سكت قد خوصمت قلت لهم ... عن الجاوب لباب الشر مفتاح والصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح أما ترى الأسد تُخشى وهي صامتة ... والكلب يَخشى لعمري وهو نباح ولله در من قال: وقيل محب المرد يدعى بلائط ... ويدعى بزان من يحب الغوانيا فأحببت أهل الذقن مني تعففا ... فلا أنا لوطي وأنا زانيا وأجاد القائل: بالله قل لي يا فتى انني ... أسأل منك الآن رد الجواب لو لم أشق هذا وهذا وذا ... بأي شيء كنت أملا الكتاب ولبعضهم وأجاد: أكرم طبيبك إن أردت دواءه ... وكذا المعلم إن أردت تعلما إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما

стр. 209

وقال آخر ولله دره: ليس في الكتب والدفاتر علم ... إنما العلم في صدور الرجال من يطلب العلوم فريدا ... دون شيخ فإنه في ضلال نشوان بن سعيد رحمه الله تعالى: قال الطبيب لقومي حين جس يدي ... هذا فتاكم ورب البيت مسحور فقلت قد قاربت في صفتي ... عين الصواب فهلا قلت مهجور وما أحسن قول القائل: إذا هممت بكتمان الهوى نطقت ... مدامعي بالذي أخفى من فإن أبح أفتضح من غير منفعة ... وغن كتمت فدمعي غير منكتم ولكن إلى الله أشكو ما اكابده ... من طول وجد ودمع غير منصرم ولبعضهم: النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء ما دام مشغوفاً بحبهما ... معذب القلب بين الهم والنار الشيخ نجيب الدين العاملي رحمه الله تعالى: مالي على هجرك من طاقة ... ولا إلى وصلك لي مقدرة لكنني ما بين هذا وذا ... فرطت في دنياي والآخرة وما ألطف قول بهاء الدين زهير رحمه الله تعالى: أما تقرر أنا ... فلم تأخرت عنا وما الذي كان حتى ... حللت ما قد عقدنا ولم يكن لك عذر ... ولو يكون علمنا ولا تلمنا فإنا ... قلنا وقلنا وقلنا وقد أتيناك زحفا ... فأين تهرب منا فانظر لنفسك فيما ... قد كان منك ودعنا وقال أيضاً: لا تلمني أو فلمني ... فيك ظلم وتجني لا تسابقني بعتب ... ما بذا تخلص مني لا تغالطني وحق ... الله لا يكذب ظني لا تقل إني وإني ... ليس هذا القول يغني أيها العاتب ظلما ... يا حبيبي لك أعني أنا لا أسأل عمن ... هو لا يسأل عني إن تردني فبهذا الشر ... ط أولا لا تردني واسترح بالله من هـ ... ذا التجني وأرحني

стр. 210

لا يخفاك أيها المتأمل في كتابي هذا أن أكثر أدباء هذا العصر استحسنوه وأجروه مجرى الأمثال في أقوالهم ومالت إليه أرباب الغرام حتى استشهد بما جاء فيه قوله عفا الله عنه: عمر الله خليلا ... جاءنا ﵇ وسقى عهد حبيب ... لا أسميه الغمام إن أنا مت لفرط ال ... حب فيه لا ألام ما يقول الناس عني ... أنا صب مستهام عاذلي إن حبيبي ... حسن فيه الغرام سمه لمتني فيه ... يطيب فيه الملام لا تسل في الحب غيري ... أنا في الحب إمام لي فيه مذهب ... يتبعني فيه الأنام أيها العاذل إن العش ... ق من بعدي حرام أغرام ما بقلبي ... أم حريق أم ضرام كل نار غير نار الش ... وق برد وسلام ويعجبني قوله: أن أمري لعجيب ... ما ترى أعجب منه كل أرض لي فيها ... غائب أسأل عنه أين من يشكو من البي ... ن كما أشكو منه ولله در القائل: ثلاث من الدنيا إذا ما تحصلت ... لشخص فلا يخشى من الضر والضير غنى عن بنيها والسلامة منهم ... وصحة جسم ثم خاتمة الخير

стр. 211

تم الكتاب بعون الملك الوهاب.