← Акыда

Акыда · id 36066

الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية]ـ المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠هـ) الناشر: مطبعة الحميدية، بغداد عام النشر: ١٣٠١ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

- بسم الله الرحمن الرحيم - اللهم يا مجيب السائلين وغياث المستغيثين وناصر السالكين مسالك الهدى وخاذل الهائمين في مهاوي الردى الناكبين عن الصراط السوي، نحمدك على أن هديتنا للاتباع وحفظتنا عن الزيغ والابتداع وأيدتنا بالدليل الجلي والبرهان القطعي. ونصلي ونسلم على من أنزلت عليه القرآن والزمن من الشدة قد فرغ وبعثته مؤيدا بالمعجزات الباهرات لينذر الحاضرين ومن بلغ، فصدع بالحكم الشرعي ونصرته بالرعب قبل المشرفي؛ وعلى صاحبه المخصوص بفضيلة ﴿ثاني اثنين﴾ ومن هو في القبر مضاجعه كهاتين، هذا وقد كانا رفيقين إذ الزمان جاهلي؛ وعلى عمر الذي كانت الشياطين تفر عن ظله وتتفرق هيبة من أجله إذا سمعوا خفق نعله هربوا من الأحوذي؛ وعلى عثمان مصابر البلاء من أيدي الأعداء الذي تستحي منه ملائكة السماء، سلام الله تعالى

стр. 3

على ذلك الحيي؛ وعلى علي الذي ملئ علما وخوفا وعاهد على ترك الدنيا فأوفى ونحن والله نحبه أوفى من حب الرافضي؛ وعلى آله وسائر أصحابه وأزواجه وأتباعه الدارجين على منهاجه ما أحرق الشهاب كل شيطان مارد غوي. أما بعد، فيقول أفقر العباد إليه عز شأنه أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود المفتي ببغداد عفى عنه: بينما علماء العراق الذين طار صيتهم إلى سائر الآفاق يجرون أذيال أفكارهم في رياض العلوم ويجرون جريال أنظارهم في حياض سرها المكتوم -زمن خلافة مجد ونظام الدين والدنيا ومجدد جهات العدالة العليا ستر الله تعالى في العالم الأكبر والمعير من بعض أنوار جلاله وجماله قرصي الشمس والقمر رب السطوات التي لا تبارى والغرمات التي غرت أن تجارى ظل الله تعالى المبسوط في بسيطته خليفته الأعظم في خليقته السلطان بن السلطان بن السلطان محمود خان العدلي ابن السلطان عبد الحميد خان، جعل الله تعالى حبات قلوب أعاديه منثورة بانتظام نظام مواليه ولا زالت رؤوس الملوك خاضعة لجلاله وأوابها الأيابي مقيدة بين يدي أقواله وأفعاله- إذ وفد عليهم من بلاد لاهور وافد وارتاد في محافل رياضهم رائد، فحط رحله حيث تحط الرجال رحالها وأنزل أصله حيث تبلغ النفوس آمالها، وذلك حضرة فرع الشجرة القادرية وعرف الغالية المحمدية

стр. 4

نقيب الأشراف وفخر آل عبد مناف واحد الأحدين وثالث القمرين السيد السند ومقيم الأود الطائر مجده بجناحي البازالي النسر الطائر المقتفي آثار أجداده نجوم الهدى والسادة الأكابر السيد محمود أفندي ابن الحاج زكريا لا زال ثرى مواطئ أقدامه كحلا لعين الثريا. ثم أبرز له ألوكة من علماء لاهور وفقهم الله تعالى لما فيه اغتنام الأجود مشتملة على الاستفتاء عن حكم مسئلة وقعت هنالك وتشعبت في تحقيقها على ما نقل المذاهب والمسالك وتلخيصها: ما قول علماء الدين وأئمة المسلمين ومرشدي الطريقة وجامعي الشريعة والحقيقة -من ساكني دار السلام ومجاوري حضرت علم الأعلام الغوث الرباني والهيكل الصمداني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وغمرنا وإياكم بره- في جماعة ظهروا في بلادنا يزعمون أنهم من أهل السنة ويسبون الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - خصوصا من خاض لجة الفتنة كمعاوية بن أبي سفيان ومن وافقه في ذلك الشأن، ألهذا أصل أصيل أم هو حديث خرافة من جملة الأباطيل انتهى. ومعها أيضا ورقة فيها أجوبة حقة قد حررها علماء أجلاء ومشايخ فضلاء ورقم كل منهم وراء أجوبة اسمه وختم تحته ليصدق ختمه رقمه، فعرض النقيب جميع ذلك لدى حضرت الوزير الخطير والبدر المنير الفائز بالرياستين الدينية والدنيوية

стр. 5

والحائز الحكمتين العلمية والعملية. ثبت الجنان من وثباته ... وثباته يوم الوغى أسد الشرى يقظ يكاد يقول عما في عنيد ... ببديهة أغنته أن يتفكرا بعفو عن الدين العظيم تكرما ... ويصدّ عن قول الخفي متكبرا بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريا والثرا جالب قلوب أهل العراق بأنواع الإحسان على محبة سلطانه والمتمثل لأوامره الخاقانية في سره وإعلانه المتفضل على العلماء بما يضيق عن نطاق الحصر والمحب للأولياء قدست أسرارهم في المسمى والجهر جابر كسرى والمنعم علي بما لا يؤدى معشار عشر حقه وإن كنت أبا الثناء شكري مولاي علي رضا باشا لا زال له الرضاء غطاء والعلى فراشا، فأرسلها أيده الله تعالى إلى بعض علماء عصره والفضلاء المعول عليهم في مصره ليرى ماذا يجيبون وبم يرجع المرسلون. فرجعوا بعد برهة لرد من ارتكب السبب فعصى برسالتين إحداهما لعمري سيف والأخرى عصا. ثم أمرني بالجواب وتحرير الكلام في ذلك الباب مع ما أنا فيه الاشتغال بالتفسير وضيق وقتي عن منادمة سمير، فلم أر بدا من الامتثال لأمر من أوجب طاعته الملك المتعال متذكرا ما ورد عن النبي المختار - صلى الله تعالى عليه وسلم -: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار» فشرعت في تأليف هذه العجالة وترصيف هذه الرسالة

стр. 6

معتمدا على فيض أكرم مسئول، مرتبا لها على مقدمة وخاتمة وثلاثة فصول. المقدمة في تعريف الصحابي فأقول أما المقدمة ففي تعريف الصحابي: اعلم أن الصحابي في اللغة كما قال شيخ الإسلام القاضي زكريا من صحب غيره ما يطلق عليه اسم الصحبة وإن قلت وهو نسبة إلى الصحابة وهي إحدى المصادر التي جاء فيها فتح التاء وكسرها وعد منها غير قليل أبو محمد بن قتيبة وتكون جمع صاحب وقيدها ابن الأثير بالفتح ثم قال: ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا، والذي يقتضيه كلام بعض أجلة اللغويين أن الصحابة مصدرا كان أو جمعا يجوز في فائه الفتح والكسرة ولعله المعول عليه والنسبة على تقدير المصدرية من نسبة الشخص إلى من هو منهم وذلك على ما قيل بعد تنزيل الصحابة منزلة أسماء القبائل كتميم وقيس أو الأحياء كقريش وثقيف وإلا فالقياس صاحبي فليفهم. واختلفوا في تعريفه اصطلاحا فذهب الأكثرون ومنهم المحدثون والإمام أحمد وبعض الأصوليين وبعض أصحاب الإمام الشافعي عليه الرحمة إلى أنه من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا ومات على الإيمان. وبعضهم قال من رأى النبي بدل من اجتمع بالنبي. ويدخل على الأول مثل ابن أم مكتوم ﵁ ولا يدخل على الثاني إلا بتمحل، لكن يخرج عنه من رآه من بعينه حيث لا يعد ذلك اجتماعا عرفا. وقد عد أئمة الحديث هذا الصنف في الصحابة، ويمكن أن يقال أن عدهم ذلك على سبيل

стр. 7

التوسع لشرف منزلة النبي ﷺ . فأعطوا كل من رآه حكم الصحبة كما صرح بذلك أبو المظفر بن السمعاني وأيده كما قال الشمني بما رواه شعبة عن موسى السيلاني قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب النبي ﷺ غيرك؟ قال: قد بقي ناس من الأعراب قد رأوه وأما من صحبه فلا. انتهى. ففرق - رضي الله تعالى عنه - بين من له صحبة ومن له رؤية. والظاهر أن المراد من قولهم من اجتمع بالنبي من اجتمع به حال نبوته. ويشهد له أنهم لم يترجموا في الصحابة من ولد له ﷺ قبل النبوة ومات قبلها كالقاسم وترجموا من ولد بعدها كإبراهيم. وعليه يخرج زيد بن عمرو بن نفيل جد سعيد أحد العشرة الذي قال فيه - صلى الله تعالى عليه وسلم - إنه يبعث أمة وحده، لأنه اجتمع معه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبل النبوة ومات قبل البعثة على الصحيح بخمس سنين على الدين الحنفي. لكن ذكره أبو عبد الله بن منده والبغوي وغيرهما في الصحابة، ولعله مبني على التوسع أيضا. وقد كان - رضي الله تعالى عنه - يعلم قرب بعثة نبي لكن لم يعلم أنه نبينا محمد ﵊ بخصوصه. فقد أخرج الفاكهي أنه قال من حديث: وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من ولد عبد المطلب وما أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي. ومن الغريب نقل الجلال الدواني القول بنبوته وأيده بعضهم بأنه كان يستند إلى الكعبة ثم يقول:

стр. 8

هلموا إلي فإنه لم يبق على دين الخليل غيري. وأنت تعلم أن هذا التأييد أضعف من دين ماني. ولم نر نحن هذا النقل عن أحد في الكتب المعول عليها في هذا الباب لغير الجلال والظن فيه حسن. وقولهم مؤمنا حال من فاعل اجتمع، فيخرج من اجتمع به ﵊ غير مؤمن. وقولهم ومات على الإيمان يخرج من اجتمع به ﷺ مؤمنا ومات -والعياذ بالله تعالى- كافرا كربيعة بن أمية وعبد الله بن جحش وعبد الله بن خطل. ثم ظاهر الكلام أن تخلل الردة لا يضر في إطلاق وصف الصحبة، وهو كذلك عند جمع سواء كان الرجوع إلى الإسلام في حياته - صلى الله تعالى عليه وسلم - أم بعد وفاته، لأن أشعث بن قيس ارتد بعد النبي ﵊ ثم رجع إلى الإسلام بين يدي الصديق الأكبر - رضي الله تعالى عنه - وزوّجه أخته. ولم يختلف أحد من المحدثين في عده في الصحابة ﵃ وقال بعض: يشترط عدم تخلل الردة. والمراد من قولهم من اجتمع به - صلى الله تعالى عليه وسلم - مؤمنا ومات على الإيمان الاستمرار على الإيمان لا اعتبار الطرفين فقط. وهذا الخلاف على ما قيل ناشئ من الخلاف في أنه هل الردة وحدها تحبط العمل أو هي بشرط الموت عليها. فمن قال بالأول لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ذهب إلى الثاني، ومن ذهب إلى الثاني لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت

стр. 9

أعمالهم﴾ الآية وهي مقيدة للآية المطلقة لا أنها على التوزيع قال بالأول. وقد حققنا ذلك في تفسيرنا روح المعاني. وهل يدخل من اجتمع به ﷺ ميتا قبل أن يدفن كما وقع لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر إن صح محل نظر، ورجح الحافظ العسقلاني عدم الدخول. واستشعر بعضهم من التعريف أنه لا بد أن يكون من يطلق عليه الصحابي مميزا عاقلا، فلا يدخل الأطفال الذين حنّكهم - صلى الله تعالى عليه وسلم - كعبد الله بن الحارث بن نوفل وغيره. ويمكن أن يقال بدخولهم بناء على أن الاجتماع أعم من أن يكون بالنفس والاختيار أو بالغير والاضطرار، وأن الإيمان أعم من أن يكون حقيقة أو حكما أو تبعا، كذا قيل. وأنت تعلم أنه لا ينبغي تعميم الإيمان بحيث يشمل إيمان المنافقين لأنهم ليسوا بصحابة قطعا ولا عبرة بإيمانهم وإن أجريت عليهم أحكام المؤمنين من الدفن في مقابرهم ونحو ذلك. وذهب جمهور الأصوليين إلى أن الصحابي من طالت صحبته مدة يثبت معها إطلاق الصاحب عليه عرفا بلا تحديد لمقدارها، وقيل: مقدار ستة أشهر، وقال ابن المسيب: مقدار سنة، وإلا فيشترط الغزو. وقيل: لا يعد صحابيا إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته أو حفظت روايته أو ضبط أنه غزى معه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أو استشهد بين يديه ﵊ وقيل غير ذلك. والأصح المختار عند المحققين هو الأول

стр. 10

فليحفظ. الفصل الأول ففي بيان أن الصحابة عدول وأما الفصل الأول ففي بيان أن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عدول اعلم أن أهل السنة -إلا من شذ- أجمعوا على أن جميع الصحابة عدول يجب على الأمة تعظيمهم. فقد أخلصوا الأعمال من الرياء نفلا وفرضا واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضى وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضا، فإذا أبصرتهم رأيت قلوبا صحيحة وأجساما مرضى وعيونا قد ألفت السهر فما تكاد تطعم غمضا؛ بادروا أعمارهم لعلمهم أنها ساعات تتقضى، ولله تعالى در من قال فيهم شعرا: لله در أناس أخلصوا عملا ... على اليقين ودانوا بالذي أمروا أولاهم نعما فازداد شكرهم ... ثم ابتلاهم فارضوه بما صبروا وفوا له ثم وافوه بما عملوا ... به سيوفهم يوما إذا نشروا ومن ارتكب منهم من يخالف بعض هذه الأوصاف لم يمت إلا وهو أنقى من ليلة الصدر غير مدنس بوصمة ولا مصر على سيئة. قال الخطيب في الكفاية: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم. وسرد في ذلك آيات كثيرة وأحاديث شهيرة وتخصيص عموماتها خلاف الأصل ولا دليل عليه وجعل السبب دليلا مما لا يلتفت إليه فقد قالوا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإلا لبقي كثير من الأحكام الشرعية بلا دليل وأشكل قوله سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ كما لا يخفى. ومن سبر الآيات والأخبار والسير والآثار وجد أن الله تعالى

стр. 11

قد عدّلهم وأعدّ لهم من الكرامة والزلفى ما أعد لهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى إلى تعديل أحد من الخلق. و"إذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معيقل". ولو لم يرد من الله سبحانه ورسوله ﷺ شيء من ذلك لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرتهم الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطعَ بتعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون إثرهم. وهذا مذهب كافة العلماء ممن يعتمد قوله. ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي عليه الرحمة أنه قال: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﵊ حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - والمنتقصون لهم يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى» انتهى. وقال المازري في شرح البرهان: في الصحابة عدول وغير عدول ولا نقطع إلا بعدالة الذين لازموه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأما عدالة كل من رآه ﵊ يوما أو زاره أو اجتمع به لغرض وانصرف فلا نقطع بها بل هي محتملة وجودا وعدما. وإلى نحو هذا ذهب ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب.

стр. 12

وتعقبه الشيخ صلاح الدين العلائي بأنه قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحوريث وعثمان ابن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ﵊ ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد ولم يدر مقدار إقامته من أعراب القبائل، وفي ذلك ما فيه. وذهبت الشيعة إلى أن أكثر الصحابة غير عدول؛ بل روى سليم بن قيس الهلالي منهم في كتاب وفات النبي ﷺ عن ابن عباس عن أمير المؤمنين وعن غير واحد عن الصادق: أن الصحابة ارتدوا بعد النبي ﷺ إلا أربعة، وفي رواية عن الصادق: إلا ستة. وسبب ارتدادهم بزعمهم تقديمهم أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - على علي كرم الله تعالى وجهه في الخلافة وعدم عملهم بحديث الغدير الذي هو نص عندهم في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد رسول الله ﷺ بلا فصل، وثبوته بزعمهم ضروري عند جميع الصحابة من حضر الغدير منهم ومن لم يحضر، والخلافة أخت النبوة ولا فرق بين نافي النبوة عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونافي الخلافة عن علي كرم الله تعالى وجهه في أن كلا منهما كافر، وكذا لا فرق بين الإخلال بشأن النبي ﵊ والإخلال بشأن الأمير كرم الله تعالى وجهه فإن كلا منهما كفر، وقد جحد الجميع وأخلوا إلا الأربعة أو الستة بشأنه - رضي الله تعالى عنه - فكفروا، والعياذ

стр. 13

بالله تعالى. ولا يخفى أن هذا المذهب في غاية البطلان ونهاية الفساد لأنه يلزم عليه عدم إمكان إثبات مطلب ما من المطالب الدينية، لأن الأدلة عندهم أربعة: كتاب وخبر وإجماع وعقل. وأما الكتاب فنقلته هم الصحابة المرتدون -وحاشاهم- بزعمهم وهم قد حرّفوه وأسقطوا كثيرا من آياته وسوره وغيروا ترتيبه وفعلوا فيه ما فعلوا، والقرآن الحق غير موجود في أيدي الناس وإنما الموجود في أيديهم المصحف المحرف الذي هو أشد تحريفا من التوراة والإنجيل ونقلته أسوء حالا من نقلتهما. فقد روى الكليني عن سالم بن مسيلمة قال: قرء رجل على أبي عبد الله وأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس ما يقرؤه الناس فقال أبو عبد الله: مه اكفف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم فاقرأ كتاب الله تعالى على حده. وفي كتاب الكافي للكليني وغيره أمثال هذه الرواية. وحينئذ يجوز أن تكون الأحكام المذكورة في هذا القرآن منسوخة أو مخصصة بما أسقط منه أو بعضها منسوخا وبعضها مخصصا ويجوز أن يكون كل منها مبدلا مغيرا بما يخالفه. وأما الخبر فحاله عندهم أشهر من نار على علم وهو أيضا لا بد له من ناقل، فهو إما من الشيعة أو من غيرهم، ولا اعتبار لغيرهم عندهم أصلا لأن منتهى وسائطهم في رواياتهم المرتدون المحرفون لكتاب الله تعالى المعادون المعاندون للأمير كرم الله تعالى وجهه وسائر أهل بيته. وأما الشيعة فيقال لهم:

стр. 14

كون الخبر حجة إما لأنه قول المعصوم أو وصل بواسطة المعصوم الآخر وعصمة أحد بعينه لا تثبت إلا بخبر لأن الكتاب ساكت عن ذلك وهذا لا يصح التمسك به والعقل عاجز، والمعجزة على تقدير الصدور أيضا موقوفة على الخبر لأن مشاهدة التحدي ورؤية المعجزة لم تتيسر للكل، والإجماع إنما يكون أيضا حجة بدخول المعصوم، مع أن في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره أو يخبر المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح. وأيضا كون الخبر حجة متوقف على نبوة نبي أو إمامة إمام وإذا لم يثبت بعد أصله كيف يثبت هو. والتواتر ساقط من حين الاعتبار عندهم لأن كتمان الحق والزور في الدين قد وقع من نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا. وخبر الآحاد غير معتبر في هذه المطالب بالإجماع. وأما الإجماع فبطلانه أظهر لأن ثبوته فرع ثبوت الشرع وإذا لم يثبت الأصل لا يثبت الفرع. وأيضا كون الإجماع حجة عندهم ليس بالأصالة بل لكون قول المعصوم في ضمنه. فالمدار على قول المعصوم، وثبوت المعصوم قد علم حاله. وأيضا دخول المعصوم في الإجماع لا يثبت إلا بخبر وقد مر آنفا ما فيه. وأما العقل فالتمسك به إما في الشرعيات أو في غيرها. أما في الشرعيات فيرجع الأمر إلى القياس وهم لا يقولون بحجيته. وأما في غيرها فيتوقف على تجريده من شوائب الوهم والألف والعادة والاحتراز عن الخطأ في الترتيب ونحوه، والعلم بخلوصه مما يخل يتوقف

стр. 15

على مرتبة معصوم كنبي وإمام يحكم بذلك، ولا يمكن أن يكون الحاكم العقل إذ يعود الكلام في خلوص حكمه عما ذكر ويلزم ما يلزم، على أن الكلام في الأمور الدينية لا غير والعقل الصرف عاجز عن معرفتها تفصيلا. نعم يمكن العقل ذلك إذا كان مستمدا من الشريعة كأن يكون أصل الحكم مأخوذا من الشارع فحينئذ يقاس عليه. ولما كان القياس باطل عند هذه الفرقة تعذرت تلك المعرفة وبطل حكم العقل. وقد يقال إنهم لو التزموا صحة القياس لا يجديهم نفعا لأنه يبقى الكلام في طريق ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه، وقد انسد عليهم كل طريق كما لا يخفى. والحاصل أن القول بارتداد كل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بعد وفاة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا أربعة أو ستة مع ما ورد فيهم وعنهم ولهم مما لا يقدم عليه أحد ممن يؤمن بالله تعالى ورسوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - واليوم الآخر. ولظهور شناعة هذا القول وبطلانه عدل عنه بعض الشيعة زاعما ارتداد كبار الصحابة وعلمائهم فقط كأبي بكر الصديق وعمر الفاروق - رضي الله تعالى عنهم - وأما العوام منهم فهم معذورون في اتباعهم باقون على إيمانهم، بل إن من العلماء من هو معذور أيضا لكونه مستضعفا في الأرض لا يقدر على شيء ولكن بشرط إنكاره في قلبه ما فعله القوم وكراهته لهم وموالاته للأمير كرم الله وجهه. ولا يخفى أنه من البطلان بمكان أيضا لما فيه من تكذيب الآيات

стр. 16

الدالة على أنهم أفضل المؤمنين وأنه سبحانه قد رضي عنهم وهم قد رضوا عنه، ومنزلة الرضا غاية قصد العابدين. وحديث الغدير كما أوضحناه في التفسير لا يدل على الخلافة على الوجه الذي يزعمه الشيعة أصلا، وإلا لزم الطعن بالأمير كرم الله وجهه بترك الانتهاض لطلب حقه كما انتهض له حين انتهت النوبة إليه عندنا بعد وفاة عثمان ﵁. والتقية التي يزعمونها مما لا وجه لارتكابها أولا وتركها أخيرا. ودعوى أنه أمر بالأمرين حسبما وقعا مما لا دليل عليها. والشيعة بيت الكذب. وقد أبطلنا القول بالتقية في روح المعاني وفي النفحات القدسية بما لا مزيد عليه. ومن الناس من قال: على فرض دلالة ذلك الخبر على الخلافة إنا لا نسلم كفر من ارتكب خلافه، غاية ما في الباب كونه مرتكب الكبيرة ومرتكب الكبيرة ليس بكافر إلا عند الخوارج. وأنت تعلم أن الشيعة بنوا القول بالكفر على أن الخلافة أخت النبوة فالإخلال بأمرها كالإخلال بأمر النبوة، فحيث كان الإخلال بأمر النبوة كفرا كان الإخلال بأمرها كذلك، وذلك غير مسلم ودون إثباتها خرط القتاد. والحق الحقيق بالقبول أن القوم ﵃ لم يرتكبوا في ذلك مكروها فضلا عن حرام فضلا عن كبيرة. ويشهد لذلك حسن معاملة الأمير كرم الله وجهه للخليفتين الأولين والامتثال لأمرهما والنصح لهما والأدب معهما في حياتهما وبعد موتهما. فقد روى الإمام المؤيد

стр. 17

بالله يحيى بن حمزة الشيعي في آخر كتاب طوق الحمامة في مباحث الإمامة عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - فأخبرت عليا كرم الله تعالى وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك، فقال: نعوذ بالله سبحانه من ذلك رحمهما الله تعالى، ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته فجعلت دموعه تتحدر عليها وجعل ينظر للبقاع حتى اجتمع الناس ثم خطب فقال: «ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين، وأنا برئ مما يذكرون وعليه معاقب، صحبا رسول الله ﷺ بالوفاء والجد في أمر الله تعالى، يأمران وينهيان ويعاقبان، لا يرى رسول الله ﷺ كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في الله ، فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأمره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهما الله تعالى، فوالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق وحبهما قرب وبغضهما مرد» إلى آخر الحديث وفي رواية: «لعن الله تعالى من أضمر لهما إلا الحسن الجميل» فانظر وفقك الله تعالى هذا المدح العظيم من الأمير كرم الله وجهه على منبر الكوفة ومقر

стр. 18

الخلافة الذي يجعل احتمال التقية كرماد اشتدت به الريح، هل يبقى معه القول بارتدادهما -والعياذ بالله تعالى- وارتداد أتباعهما. سبحانك هذا بهتان عظيم. وفي نهج البلاغة وهو من أصح الكتب عند الشيعة أن عليا كرم الله وجهه قال: «لله تعالى بلاء أبي بكر، لقد قوم الأود وداوى العلل وأقام السنة، ذهب نقي الثوب أصاب خيرها وأبقى شرها، أدى لله تعالى طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدى فيها الضال ولا يستيقن المهتدي» وقد حذف مؤلفه حفظا لمذهبه "أبا بكر" وأثبت بدله لفظ "فلان" وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر. ولهذا الإبهام اختلف الشراح فقال بعضهم: هو هو، وقال آخرون: هو عمر - رضي الله تعالى عنه -. وأيا ما كان فهو مما يُلقم الشيعة الحجر. وغاية ما أجابوا عنه أن ذلك كله لاستجلاب قلوب الناس فإنهم كانوا يميلون إلى الشيخين غاية الميل. ولا يخفى على المنصف أن فيه نسبته الكذب إلى المعصوم كرم الله تعالى وجهه لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه حاصلا وفيه تضييع غرض الدين بالمرة. وحاشا ثم حاشا الأمير من ذلك. وفي الصحيح أن «مدح الفاسق غضب الرب» فما ظنك بالكافر. وأيضا أية ضرورة تلجيه إلى هذه التأكيدات والمبالغات، والاستجلاب الذي زعمه الشيعة يحصل بدونها والعبارات شتى وهو ﵁ من أفصح الناس. وأيضا في هذا المدح تضليل الأمة وترويج الباطل وذلك محال من الإمام،

стр. 19

بل الواجب عليه بيان حقيقة الحال لمن بين يديه بموجب ما صح: «اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس» وأجاب بعض الإمامية بأن المراد من فلان رجل من الصحابة مات على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - واختار هذا الراوندي، وهو مما يقضى منه العجب فهل كان يمكن لغيره ﵊ في زمنه الشريف تقويم الأود ومداواة العلل وإقامة السنة، وهل يعقل أن رجلا مات على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وترك الناس فيما ترك ورسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قائم يصدع بالحق ويهدي إلى صراط مستقيم. هذا لعمري الخرق العظيم والخطب الجسيم. وأجاب بعض آخر منهم بأن الغرض من هذا الكلام مجرد التعريض بذم عثمان - رضي الله تعالى عنه - وهو أيضا مما يتعجب منه لأن التعريض كان ممكنا بدون ارتكاب هذا الأسلوب. وأيضا ما الداعي للتعريض دون التصريح وهو في الكوفة بين شيعته وأنصاره. وجاء أيضا في النهج عن الأمير كرم الله وجهه في وصف الصحابة مطلقا: «كانوا إذا ذكر الله تعالى همت أعينهم حتى تبل ثيابهم وماروا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب» والأخبار في ذلك من طرق الشيعة عن الأمير كرم الله تعالى وجهه كثيرة، ومن طريق الجماعة أكثر، ولو آمنوا بها من هذا الطريق لذكرناها. وجاء مدح أبي بكر ﵁ عن الأئمة - رضي الله تعالى عنهم - ففي كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة لعلي بن

стр. 20

عيسى الأردبيلي الإمامي أنه سئل الإمام جعفر الصادق ﵁ عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: «نعم قد حلّى أبو بكر الصديق ﵁ سيفه بالفضة» فقال السائل: أتقول هكذا؟ فوثب الإمام عن مكانه فقال: «نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق -ثلاثا- فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله تعالى قوله في الدنيا وفي الآخرة» وفي ذلك من المدح ما لا يخفى، فإن مرتبة الصديقية بعد مرتبة النبوة كما أشبعنا الكلام عليه في التفسير، ولا أقل من كونها صفة مدح فوق العدل. فكيف يتأتى احتمال الكفر مع ذلك. وغاية ما أجابوا عما ذكر ونحوه أنه تقية، وهي كعكازه الأعمى عندهم. وقد أبطلنا القول بها في غير موضع من كتبنا كما أشرنا إليه سابقا. على أن الظاهر كون السائل شيعيا فلا معنى للتقية منه، واحتمال حضور سني مما لا يلتفت إليه. وإذا ثبت بهذه الأخبار كون الصديق - رضي الله تعالى عنه - أهلا للمدح ومحلا للثناء وهو الخليفة الأول ثبت أن أمر الخلافة ليس كما يزعمه الشيعة وأن الذين بايعوه وعزروه لم يرتدوا بذلك، وإلا لكان هو الأحق بنسبة الارتداد إليه وحاشاه ولكان حريا بالذم الشنيع من المعصوم بدل ذلك المدح الجليل والثناء الجزيل. وزعم بعض الشيعة أن مما يوجب الكفر أيضا قتال الأمير كرم الله وجهه وإيجابه ذلك من فروع جعل الخلافة أخت النبوة وهو أظهر من إيجاب مجرد مبايعة غيره على الخلافة لكفر. فأهل وقعة

стр. 21

الجمل ووقعة صفين كلهم كفار عندهم الصحابة وغيرهم في ذلك سواء. وسيأتي استدلالهم على ذلك مع رده في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى. واستدل بعض علمائهم على ارتداد الصحابة بعد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بما روى عن أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان مرفوعا: «ليردن علي إناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» وفي رواية «فأقول سحقا سحقا» والجواب عنه أولا بأنا لا نسلم أن المراد بأصحابي الصحابة بالمعنى المتقدم في المقدمة بل المراد بهم مطلق المؤمنين به - صلى الله تعالى عليه وسلم - المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة ﵀ أصحاب أبي حنيفة ولمقلدي الشافعي وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكما يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا مع أن بينه وبينهم عدة من السنين، وعبارات الفقهاء ملئ من ذلك كما لا يخفى على المتتبع. وأيده بعضهم أنه وقع في بعض الروايات: «أمتي ولم أره» وعلى هذا فالمراد من هؤلاء الأناس عصاة من المؤمنين، ومعرفته ﷺ أنهم من أمته من إمارات تلوح عليهم. فقد جاء في الخبر أن طائعيهم يمتازون على طائعي غيرهم. وجذبهم وردهم عن الحوض كان تأديبا لهم وعقابا على معاصيهم، ويلحق

стр. 22

بذلك دعاؤه - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقوله: «سحقا سحقا» وسجله بعضهم من قبيل قوله ﵊ لصفية ﵂: «عقرى حلقى» وليس بشي. وثانيا فإذا سلمنا أن المراد بالأصحاب الصحابة بالمعنى السابق إلا أن المراد من أولئك الأناس الذين يختلجون ويؤخذون قهرا ويردون عن ورود الحوض الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق ﵁ وقوله ﷺ فيهم «أصحابي» لظن أنهم لم يرتدوا كما يؤذن عندما قيل في جوابه من أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وهذا الجواب أولى من الجواب المنفي كما لا يخفى. ولا يفيد ذلك الشيعة شيئا لأنا لا ننكر ارتداد أحد الصحابة وإنما ننكر ارتداد الخلفاء الثلاث ومن تابعهم وارتداد من حضر وقعتي الجمل وصفين منهم كما هو زعم الشيعة، والحديث لا يدل على ذلك أصلا. فإن قلت إن إناسا في الحديث كما لا يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد منه ما زعمته الشيعة فما الدليل على ما أردت؟ أجيب بأن ما جاء عن الله سبحانه والنبي ﷺ من مدحهم والثناء عليهم وكذا ما جاء عن الأئمة المعصومين عند الشيعة مما علمت ومما ستعلم إن شاء الله تعالى مانع من إرادة ما زعمته الشيعة، وحينئذ يتعين ما أردناه من ذلك حذرا من إلغاء الحديث، وزعم بعض منا أن المراد بأولئك الأناس المنافقون وفيه أنه ﷺ لم يمت حتى علم

стр. 23

حالهم وأنهم في الدرك الأسفل من النار فكيف يقول «أصحابي أصحابي» فتأمل. واستشكل القول بعدالة جميع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بأن الله تعالى حكم بفسق البعض في قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ الآية فإن جمهور المفسرين بل كلهم كما قال ابن عبد البر على أنها نزلت في الوليد بن عقبة أخي عثمان - رضي الله تعالى عنه - حين بعثه - صلى الله تعالى عليه وسلم - مصدقا إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة فلما سمعوا به استقبلوه فحسب أنهم مقاتلوه، فرجع وقال لرسول الله ﷺ إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهمّ ﵊ بقتالهم فجاؤا معتذرين ونزلت الآية، فسماه الله تعالى فاسقا وقد عده أئمة الحديث من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وجعله الحافظ العسقلاني ـ عليه الرحمة ـ في القسم الأول من الأقسام الأربعة. على أن قصة صلاته بعد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهودة وفي كتب الأخبار مذكورة، وقصة جلد عمر - رضي الله تعالى عنه - له بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مخرجة في الصحيحين وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وذلك ينافي العدالة قطعا. وأجيب بأنه ليس مرادنا من كون الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - جميعهم عدولا أنهم لم يصدر عن أحد منهم مفسق أصلا ولا ارتكب ذنبا قط فإن دون إثبات ذلك خرط القتاد، فقد كانت تصدر منهم

стр. 24

الهفوات ويرتكبون ما يُحدّون عليه، وإنكار ذلك مكابرة صرفة وعناد محض وجهل بموارد الآيات والأحاديث؛ بل مرادنا أنهم لم ينتقلوا من هذه العار إلى دار القرار إلا وهم طاهرون مطهرون تائبون آيبون ببركة صحبتهم للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونصرتهم إياه وبذل أنفسهم وأموالهم في محبته وتعظيمهم له أشد التعظيم سرا وعلانية، كما يدل على ذلك الكتاب وتشهد له الآثار. ومما يفصح عن تعظيمهم له ما رواه الموافق والمخالف أن عروة بن مسعود لما أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في قضية الحديبية وكلمه ثم رجع إلى الصحابة قال لهم: أي قوم والله هؤلاء ولقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ﷺ ، إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما. إلى آخر ما قال. ولا يرد على هذا المنافقون لأنهم بمعزل عن الاتصاف بذلك، ولا يعلم ارتداد متصف بما ذكره وموته على الردة ليقال هلا رجع إلى الإيمان ببركة ذلك. وإن سلمنا وجود مرتد كان متصفا بما ذكر وقد مات على الردة فهو أعز من بيض الأنوق. وقد يستشهد لما قلنا بقوله تعالى بعد تلك الآية: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو

стр. 25

يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾ فإن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أنه سبحانه حبب إلى هؤلاء المؤمنين الذين لو أطاعهم رسول الله ﷺ في كثير من الأمر لفشلوا ووقعوا في المشقة والإثم الإيمانَ وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. ومن أخبر سبحانه عنه بذلك لا يكاد يموت إلا طاهرا راشدا. ويدخل في هؤلاء المخاطبين الوليد - رضي الله تعالى عنه - بلا ريب لأن العنت كان ظاهرا على تقدير إطاعته والعمل بموجب ما أخبر به كما لا يخفى. وكذا بقوله : ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ وقوله سبحانه: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾ وقوله جل وعلى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ الآية فإن فيها التعبير بالمضارع المفيد للاستمرار التجددي كما قيل بمعونة المقام واستمرار الابتغاء الذي هو من أفعال القلب مما يقضي بعدم إصرارهم على الذنب إن صدر منهم. كذا قرره بعضهم وللنظر فيه مجال. واستشكل القول بالعدالة أيضا

стр. 26

بأن كثيرا من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين والفرار من الزحف من أكبر الكبائر. وبأن الكثير منهم انفض عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حين أقبلت العير من الشام يوم الجمعة كما قص الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ الآية. وقد أخرج هذا مخرج الذم فلا أقل من أن يكون مفسقا. وبأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - طلب في مرض موته دواة وقرطاسا ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده فأبوا أن يأتوه بذلك حتى قال عمر - رضي الله تعالى عنه - عنه ما قال وكثر اللغط فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: «اخرجوا عني» فقد خالفوا أمره ﵊ والله تعالى يقول: ﴿وأطيعوا الله والرسول﴾ الآية. وبأن مسلما روى في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم» فقال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : «كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض» فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة وذلك ينافي العدالة. وأجيب عن الأول بأن الفرار يوم أحد كان قبل

стр. 27

النهي، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه بدليل قوله تعالى: ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ وأما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فرارا في الحقيقة معاتبا عليه لم يصر عليه المخلصون بل انقلبوا وظفروا بدليل قوله سبحانه: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾ وعن الثاني بأن تلك القصة إنما كانت في أول زمان الهجرة قبل التأدب بآداب الشريعة، فما وقع حينئذ كانوا معذورين فيه، ولهذا لم يتوعد عليه ولم يعاتبهم رسول الله ﷺ والآية خارجة مخرج العتاب بطريق الوعظ والنصيحة. على أنه قد أعقب ذلك الفعل أنواع من الطاعات والاستغفار وأن الحسنات يذهبن السيئات. وعن الثالث بأن الأمر منه ﵊ لم يكن إلا من باب الاستحباب وهو أمر إرشاد وإصلاح ولم يكن لأمر ضروري وإلا لفعله ﷺ بعد مع خاصة أهل بيته كالأمير كرم الله وجهه فإنه بقي ﵊ حيا بعد ذلك خمسة أيام. ويؤيد ذلك كما قال غير واحد قوله سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وهو ظاهر. والتخلف عن الامتثال كان ناشئا عن محض المحبة والوداد دون الشقاق والعناد لما رأوا من شدة مرضه ﵊ ومثل هذه

стр. 28

المخالفة لا تعد فسقا وإلا لزم فسق جميع الحاضرين ومنهم علي كرم الله وجهه ولا قائل به بالإجماع. وقد وقع للأمير - رضي الله تعالى عنه - بخصوصه مثل هذه المخالفة عام الحديبية فإنه كتب في كتاب الصلح: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله تعالى، فلم يرض المشركون بهذا العنوان وقالوا: لو كنا نعلم أنه رسول الله ما حاربناه، فأمره ﵊ أن يمحو ذلك وبالغ فيه فلم يفعل، حتى محاه ﵊ بيده الشريفة. بل وقع منه كرم الله وجهه ما يرى أشد من ذلك؛ فقد صح من طرق متعددة: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذهب إلى بيت الأمير والبتول - رضي الله تعالى عنها - ليلة وأيقظهما لصلاة التهجد وأمرهما بها فقال الأمير: والله لا نصلي إلا ما كتب الله لنا وإنما أنفسنا بيد الله لو وفقنا لصلينا، فرجع ﵊ وهو يضرب فخذيه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» وقد رواه البخاري أيضا في صحيحه. وأمره ﷺ بالخروج لمن في الحجرة لم يكن إلا لما هو فيه من المرض. وكلام عمر - رضي الله تعالى عنه - لم يكن إلا لغلبة الحال عليه الناشئة من كلام المحبة. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا النفحات القدسية في رد الإمامية. وعن الرابع بأن الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم وهو لا يستدعي أن يكون منهم. ويدل على ذلك أن الصحابة إما

стр. 29

مهاجرون أو أنصار، والحديث صريح في أن أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين، والواقع ينفي كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب؛ فتعين أنهم من التابعين. وقد وقع ذلك منهم فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك بن الأشتر وإضرابه ولا كلام لنا فيهم. واستشكل أيضا بغير ذلك وأجيب بما أجيب. وأجاب بعضهم عن جميع ذلك بأنا لم ندع العصمة في الصحابة وإنما ادعينا العدالة فيهم، ومجرد وقوع ما يخل بها في وقت من أحدهم لا يستدعي سلبها عنه دائما. وكثرة الآيات والأخبار والآثار الواردة في مدحهم الناطقة بوفور ما أعد الله تعالى تقتضي أنهم لم يذهبوا إلى ربهم إلا وهم طاهرون مطهرون فلا ينبغي الخوض فيهم والطعن فيهم ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ وهو في معنى جواب الذي ذكرناه فيما تقدم عن الوليد - رضي الله تعالى عنه -. وزعم بعضهم -لاضطراب الأدلة عليه- أنه فيهم عدولا وغير عدول وفصّل ذلك بأنهم قسمان القسم الأول من مات قبل الفتنة والقسم الثاني من مات بعدها، فمن تحقق ارتكابه لمفسق من القسم الأول ولم تتحقق توبته عنه -وقليل ما هم- حكم بفسقه، ومن لم يتحقق منه ذلك بأن

стр. 30

تحقق منه الصلاح والمآثر الحسان أو كان مستور الحال حكم بعدالته، ومن خالط الفتنة ولم ينصر الإمام الحق فإن كان عن اجتهاد وكان من أهله فهو عدل وإن كان مخطئا في الواقع، وكذا حكم من اعتزل الفئتين كابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ومن خالط ولم ينصر الإمام ولم يكن ذلك عن اجتهاد بل لمحض اتباع الهوى وحب الرياسة فهو فاسق إلى أن تحقق توبته. وأما المقلدون فإن كانوا قد قلدوا الباغي مع العلم بما ورد في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه فهم فسقة أيضا. وإن كانوا قد قلدوا مع الجهل فيقرب بالقول بأنهم عدول معذورون انتهى. وأنت تعلم أن هذا القول خلاف المعول عليه عند أهل السنة فقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في الصحابة الذين أدركوا الفتنة إنه اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم وأنهم معذورون فيما صدر منهم وما صدر إلا عن اجتهاد. ويعلم من ذلك حكم من لم يدرك الفتنة كما لا يخفى وأنا لا أجزم بأن جميع ما صدر إنما صدر عن اجتهاد ولا اعتقد أن جميع الصحابة بالمعنى السابق الشامل لمن اجتمع معه ﷺ ساعة مجتهدون ومع هذا أقول: لا ينبغي الخوض في أحد منهم والقول بعدم

стр. 31

عدالته فإن الخطر في ذلك عظيم وقد قال الله سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ولا ينبغي لمن يعرف نفسه أن يكون دون نملة سليمان ﵇ في الأدب مع أصحاب نبيه ﷺ ، ألا تسمع قولها لأخواتها: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ فقيدت بقولها ﴿وهم لا يشعرون﴾ حذارا من توهم نسبته هذا الفعل إليهم عالمين، وذلك غاية الأدب. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. الفصل الثاني فيما شجر بين الصحابة وأما الفصل الثاني ففيما شجر بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وتلخيص الكلام فيه وبيان حكم الطائفتين وهو كالتتمة للفصل الذي قبله اعلم أن أعظم ما تداولته الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - ما وقع زمن خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه فنشأ منه وقعتان عظيمتان وقعة الجمل ووقعة صفين. والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان - رضي الله تعالى عنه -. وأنكر الهشامية تلك الوقعتين، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمعا لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه. وقعة الجمل وتلخيص الأولى أنه لما قتل عثمان - رضي الله تعالى عنه - صبرا توجع المسلمون فسار طلحة والزبير وعائشة -وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها- نحو البصرة

стр. 32

فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم واعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام ففاتوه وأرسل ابنه الحسن وعمار يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة، ولما قدموا البصرة استعانوا بأهلها وبيت مالها حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله وجهه حاول صلحهم واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك فثار الأشرار ومنهم قتلة عثمان - رضي الله تعالى عنه - بالتحريش ورموا بنار الفتنة، فحمي الوطيس وقامت الحرب على ساق وكان ما كان، وانتصر علي كرم الله وجهه وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة. ولما ظهر علي ﵁ جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فقال: غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح. ثم أنزلها دار عبد الله بن خليل وهي أعظم دار في البصرة على صفية بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر القعقاع بن عمر أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع، وأذن لمن نجا من الجيش أن يرجع إلا أن يحب المقام وأرسل معها أربعين

стр. 33

امرأة وسير معها أخاها محمدا. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي كرم الله وجهه فوقف على الباب وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: يا بني لا يغتب بعضكم بعضا إنه والله ما كان بيني وبين علي ﵁ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها وإنه لمن الأخيار. فقال علي كرم الله وجهه: أنت والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك وإنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة. وسار معهما مودعا أميالا وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم. وكانت - رضي الله تعالى عنها - بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع منها تبكي حتى تبل خمارها. ففي هذه المعاملة من الأمير كرم الله وجهه دليل على خلاف ما يزعمه الشيعة من كفرها، وحاشاها - رضي الله تعالى عنها - وفي ندمها وبكاها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار تلك المعركة. على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك. وقال غير واحد: إنها اجتهدت ففعلت لكنها أخطأت في اجتهادها، ولا أثم على المجتهد المخطئ بل له أجر على اجتهاده وكونها - رضي الله تعالى عنها - من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. وآية ﴿وقرن في بيوتكن﴾ إلخ خطابا لنساء النبي ﷺ لا تأبى ذلك إذ ليس المراد منها

стр. 34

إلا تأكيد أمر التستر والحجاب وإلا لما أخرجهن ﷺ بعد نزول الآية للحج والعمرة مثلا، ولما جاز خروجهن لذلك ولا لعيادة المرضى والأقارب. والسفر لا ينافي التستر والحجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب. نعم قالت الشيعة إنه يبطل اجتهادها أنه ﷺ قال يوما لأزواجه: «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحؤب فإياك أن تكوني يا حميراء» الحوءب -كجعفر- منزل بين البصرة ومكة، وقد نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث، وهو صريح في النهي ولم ترجع. والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما علمت ذلك وتحققته من محمد بن طلحة همّت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه، ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلا من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس بحؤب، على أن "إياك أن تكوني يا حميراء" ليس موجودا في الكتب المعول عليها فيما بين أهل السنة، فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد. على أنه لو كان لا يرد محذور أيضا لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، وحيث علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه، وليس في الحديث بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من أصلاح ذات

стр. 35

البين المأمورة به بلا شبهة. وقد شُبه حالها ﵂ في ذلك بحال شخص رأى من بعيد طفلا يريد أن يقع في بئر فسعى ليمنعه من ذلك فمر بلا شعور بين يدي مصل فإنه يذهب لما قصد لأنه لو رجع لم يحصل له تلافي ما وقع وفاتَه تخليص الطفل المأمور به. وأما طلحة والزبير - رضي الله تعالى عنهما - فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم الله تعالى وجهه أما طلحة فقد روى الحاكم عن ثور بن مجزأة أنه قال: «مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي ﵁ فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي فبايعني وقال: هذه بيعة علي، وفاضت نفسه. فأتيت عليا ﵁ فأخبرته فقال: الله أكبر، صدق الله تعالى ورسوله ﷺ ، أبى الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه» وأما الزبير - رضي الله تعالى عنه - فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي ﷺ له: «لتقاتلن عليا وأنت له ظالم» فقال: لقد أذكرتني شيئا أنسانيه الدهر لا جرم لا أقاتلك أبدا. فخرج من المعسكرين نادما وقُتل بوادي السباع مظلوما، قتله عمرو بن جرموز. وقد روى الموافق والمخالف أنه جاء بسيفه واستأذن على الأمير كرم الله وجهه فلم يأذن له فقال: أنا قاتل الزبير، فقال:

стр. 36

أبقتل ابن صفية تفتخر! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» والشيعة كما في أبكار الأفكار للآمدي يزعمون أن استحقاقه للنار ليس لقتل الزبير بل لما علمه منه في عاقبة أمره، وذلك أن ابن جرموز قدم بعد ذلك على الأمير كرم الله وجهه مع أهل النهروان وقتل هناك، وإلا لقتله الأمير ﵁. والجواب أنا نعلم ضرورة أن النبي ﷺ إنما ذكر ذلك الخبر في حق الزبير ﵁ من معرض التعظيم له والتفخيم من أمره، وذلك يأبى كون استحقاق قاتله النار لأمر آخر غير قتله. ولو كان المقصود ما ذكر لكان الكلام من باب الألغاز المنافي لحاله ﷺ الموجب لارتفاع الوثوق بأوامره ونواهيه ﵊ لاحتمال أن يريد بها معنى لم يظهر لنا، كما هو مذهب الملاحدة الباطنية. وأما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما قيل. ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن: «أن ناسا من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ذهبوا يتطرقون فقتل واحد منهم رجلا قد فر وهو يقول إني مسلم إني مسلم فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبا شديدا ولم يقتل القاتل» وكذا قتل أسامة ﵁ فيما أخرجه السدي رجلا يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فلامه رسول الله ﷺ -

стр. 37

جدا ولم يقبل عذره وقال له: «كيف أنت ولا إله إلا الله» ونزل قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ الآية. وأجاب آخرون بأن العلماء اختلفوا في أنه هل يجب القصاص على الحاكم إذا لم يطلب الولي أم لا، ولعل الأمير كرم الله وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع. وروي أيضا أن الأمير ﵁ قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه: مرحبا بابن أخي، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ وهذا ونحوه يدل على أنهما - رضي الله تعالى عنهم - لم يذهبا إلا طاهرين مطهرين. وقعة صفين وأما تلخيص الوقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية - رضي الله تعالى عنه - كان قد استنصره أبناء عثمان - رضي الله تعالى عنه - ووكلوه في طلب حقهما من قتلة أبيهما، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيره إلى الشام خرج من دمشق حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب من الفرات، فلما ورد الأمير ﵁ دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا وطلبوا منه قتلة عثمان وكانوا قد انحازوا إلى عسكره ولهم عشائر وقبائل، ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم، فمال ﵁ إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره، فأبى معاوية إلا تسليم من يزعمونه قاتلا، وكثر القيل والقال حتى اتهم بنو

стр. 38

أمية الأمير كرم الله وجهه بأنه الذي دلس على قتل عثمان ﵁ وكان كرم الله وجهه قد تصرف بسلاحه فقال لذلك قائلهم: ألا ما لليلي لا تغور كواكبه ... إذا غار نجم لاح نجم يراقبه بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم لا تعجلونا فإنه ... سواء علينا قاتلوه وسالبه وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه بني هاشم كيف التعاقد بيننا ... وعند عليٍ سيفه وحرائبه لعمرك ما أنسى ابن أروى وقتله ... وهل يَنسَيَن الماء ما عاش شاربه هُمُ قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يومًا بكسرى مرازبه وكان الأمير كرم الله وجهه يلعن القتلة ويقول: يا معاوية لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتني أبرأ الناس من قتلة عثمان. وتصرفه ﵁ بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال. وحكمه إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام. ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مرارا وبقي كرم الله وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة، وقيل تسعة؛ وجرى ما تشيب منه الرؤوس ويستهون له حرب البسوس، وليلة الهرير أمرها شهير. وآل الأمر إلى التحكيم. وحدث من ذلك ما أوجب ترك القتال مع معاوية والاشتغال بأمر الخوارج، وذلك تقدير

стр. 39

العزيز العليم. وأهل السنة إلا من شذ يقولون إن عليا كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر وإن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا كافرين -خلافا للشيعة- ولا فاسقين خلافا للعمرين أصحاب عمرو بن عبيد من المعتزلة ولمن شذ من أهل السنة، ولا أن أحد الفريقين، من علي كرم الله وجهه ومقاتليه، لا بعينه فاسق خلافا للواصلية أصحاب واصل بن عطاء المعتزلي. أما أن الحق مع علي كرم الله وجهه فغني عن البيان. وأما كون المقاتل باغيا فلأن الخروج على الإمام الحق بغي وقد صح أنه ﷺ قال: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» وقد قتله عسكر معاوية. وقوله حين أخبر بذلك: "قتله من أخرجه" مما لا يلتفت إليه، وإلا لصح أن يقال إن رسول الله ﷺ قاتلُ حمزة وأضرابه ممن قتل معه ﵊ وكذا قول من قال: "المراد من الفئة الباغية الفئة الطالبة أي لدم عثمان فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى المذموم". وأما كونه من ليس بكافر فلِما في نهج البلاغة أن عليا كرم الله وجهه خطب يوما فقال: «أصحبنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة» ولقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى

стр. 40

فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلتين مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهما. وأجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام والبغي عليه والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فيما بينهم وأن يقاتلوا إذا بغت إحداهما حتى تفيء. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب أصلا لأن الأمر الثاني يستدعي أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم. واستدل بعضهم على كفر المقاتلين للإمام كرم الله وجهه بقوله ﷺ له: «حربك حربي» ولأهل العباء: «أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم» وحرب آل بيته ﷺ كفر بلا ريب وبقوله ﵊: «حب علي إيمان وبغضه كفر ونفاق» ولا بغض أظهر من الحرب فبه يثبت الكفر والنفاق. وأجاب أهل السنة بأن الخبر الأول لم يروه منا إلا ابن جرير وفي روايته عندنا وهن شهير. نعم ذكره الطوسي المنجم وغيره من الشيعة وهم بيت الكذب وأكثر رواتهم زنادقة بشهادة الأئمة ﵃ كما يشهد بذلك الكافي وغيره. وعلى تقدير صحة الرواية لا حجة فيه لأنه خارج مخرج التهديد والتغليظ بدليل ما حكم به الأمير كرم
следующие страницы →