← Медицина

Медицина · id 36083

تاريخ البيمارستانات في الإسلام

الدكتور أحمد عيسى

Полный текст (269 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابن هبة الله يتولى مداواة المرضى بالبيمارستان العضدي، فإنه كان يوما بالبيمارستان وقد أتى إلى قاعة الممرورين يتفقد أحوالهم ومعالجتهم، وإذا بامرأة قد أتت إليه واستفتته فيما تعالج به ولدا لها فقال: أن تلازميه بتناول الأشياء المبردة المرطبة فهزأ به بعض من كان مقيما في تلك القاعة من الممرورين وقال: هذه صفة يصلح أن تقولها لأحد تلامذتك ممن يكون قد اشتغل بالطب وعرف أشياء من قوانينه، وأما هذه المرأة فأي شيء تدري ما هو من الأشياء المبردة المرطبة، وإنما سبيله أن تصف لها شيئا معينا تعتمد عليه. فلم يتحرج الطبيب من هذا القول. وقد أوصلهم سمو الخلق وبسطة العلم إلى أعلى الدرجات. فإن القاضي ابن المرخم يحيى بن سعد صار أقضى القضاة في أيام المقتفي ببغداد، وقد كان طبيبا في المارستان المحمول وفصادا فيه. والإمام العالم علامة زمانه أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن نامادار الخونجي قد تميز في العلوم الحكمية وأتقن العلوم الشرعية وفي آخر أيامه تولى القضاء بمصر وصار قاضي القضاة بها وبأعمالها توفي سنة ٦٤٦هـ وصار سعيد بن البطريق بطريركا بالإسكندرية.

стр. 37

تدريس الطب بالبيمارستان وفي مدارس خاصة ذكرنا أن طلبة الطب كانوا يتلقون علومهم على أساتذتهم في البيمارستانات إذ كانت تهيأ لهم الإيوانات الخاصة المعدة والمجهزة بالآلات والكتب أحسن تجهيز، فيقعدون بين يدي معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم، كما كان يفعل أبو المجد ابن أبي الحكم في البيمارستان النوري الكبير. وإن بعضا من مشايخ الطب وكبار رؤسائهم كان يجعل له مجلسا عاما لتدريس صناعة الطب للمشتغلين عليه في منزله أو في المدارس الخاصة. وذكر ابن أبي أصيبعة أن الفيلسوف الإمام العالم أبا الفرج بن الطيب كان يقرئ صناعة الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه، وأن إبراهيم بن بكس كان يدرس صناعة الطب في البيمارستان العضدي لما بناه عضد الدولة وكان له منه ما يقوم بكفايته، وأن زاهد العلماء ألف

стр. 38

كتابه في الفصول والمسائل والجوابات التي أجاب عنها في مجلس العلم المقرر في البيمارستان الفارقي. وكان في بيمارستان أحمد بن طولون خزانة كتب كانت في أحد مجالس البيمارستان، وكان فيها ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم. وفي سنة ٦٢٢هـ ١٢٢٥م أوقف مهذب الدين عبد الرحيم بن علي بن حامد المعروف بالدخوار شيخ الأطباء ورئيسهم داره بدمشق المدرسة الدخوارية شرقي سوق المناخليين عند الصاغة العتيقة قبلي الجامع الأموي، ووقف لها ضياعا وعدة أماكن يستغل منها ويتصرف في مصالحها وفي جامكية المدرسين وجامكية المشتغلين بها. فكان إذا فرغ من البيمارستان وافتقد المرضى من أعيان الدولة وأكابرها وغيرهم، يأتي إلى داره ثم يشرع في القراءة والدرس والمطالعة، ولا بد له مع ذلك من نسخ، فإذا فرغ من أيضا أذن للجماعة فيدخلون عليه ويأتي قوم بعد قوم من الأطباء والمشتغلين وكان يقرئ كل واحد منهم درسه ويبحث معه فيه، ويفهمه إياه بقدر طاقته. ويبحث في ذلك مع المتميزين منهم إن كان الموضع يحتاج إلى فضل

стр. 39

بحث أو فيه إشكال يحتاج إلى تحرير. وكان إلى جانبه ما يحتاج إليه من الكتب الطبية ومن كتب اللغة: كتاب الصحاح للجوهري والمجمل لابن فارس وكتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري فكان إذا جاءت في الدرس كلمة لغة يحتاج إلى كشفها وتحقيقها نظرها في تلك الكتب. ثم مرض مهذب الدين عبد الرحيم بن علي وتوفي في يوم الاثنين الخامس عشر من شهر صفر سنة ٦٢٨هـ ٢٤ديسمبر سنة ١٢٣٠م ووصى أن يكون المدرس فيها الحكيم شرف الدين على بن الرحبي. افتتاح المدرسة الدخوارية لما كان في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة ٦٢٨هـ ١٨فبراير سنة ١٢٣٠م حضر الحكيم سعد الدين إبراهيم بن الحكيم موفق الدين عبد العزيز والقاضي شمس الدين الخواتيمي والقاضي جمال الدين الخرستاني والقاضي عز الدين السنجاري وجماعة من الفقهاء والحكماء، وشرع الحكيم شرف الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن حيدرة الرَّحبي

стр. 40

في التدريس بها في صناعة الطب، واستمر على ذلك وبقي سنين عدة ثم صار المدرس فيما بعد الحكيم بدر الدين المظفر بن قاضي بعلبك، وذلك أنه لما ملك دمشق الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين ممدود ابن الملك العادل، كتب للحكيم بدر الدين ابن قاضي بعلبك، منشورا برياستخ على سائر الحكماء في صناعة الطب، وأن يكون مدرسا للطب في مدرسة الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي المعروف بادخوار. وتولى ذلك في يوم الأربعاء رابع صفر سنة ٦٧٧هـ ثم درس بعده عماد الدين الدنيسري ومحمد بن عبد الرحيم بن مسلمة كمال الدين الطبيب المتوفى سنة ٦٩٧هـ ١٢٩٧م، والجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الأشقر وقد ولي مشيخة الدخوارية وتوفي سنة ٦٩٤هـ ١٢٩٤م وأمين الدين سليمان بن داود الدمشقي توفي سنة ٧٣٢هـ ثم شهاب الدين الكحال توفي سنة ٧٣٢هـ. إجازة الطب كان الأطباء في أول عهد الدول الإسلامية تكتفي لمعاناة التطبيب بقراءة الطب على أي طبيب من النابهين في عصره، حتى إذا آنس من نفسه القدرة على مزاولة الصنعة، باشرها بدون قيد أو شرط.

стр. 41

وإن أول من نظم صناعة التطبيب وقيدها بنظام خاص حرصا على مصلحة الجمهور، هو الخليفة العباسي المقتدر بالله جعفر بن المعتضد الذي تولى الخلافة سنة ٢٩٥هـ، ففرض على من يريد معاناة التطبيب تأدية امتحان للحصول على إجازة تحوله هذا الحق بين الناس. والسبب الذي دعا الخليفة المقتدر إلى هذا التقييد، هو ما نرويه عن لسان سنان بن ثابت رئيس الأطباء في عصره وطبيب الخليفة ومن النابهين بين الأطباء: قال سنان بن ثابت: لما كان في عام ٣١٩هـ ٩٣١م، اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل، فأمر الخليفة أبا إبراهيم بن محمد بن أبي بطيحة المحتسب بمنع سائر المتطببين من التصرف، إلا من امتحنه سنان بن ثابت بن قرّضة، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة. فصاروا إلى سنان وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه. وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيف وستين رجلا، سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته وسوى من كان في خدمة

стр. 42

السلطان. وصار النظام بعد ذلك: متى أتم الطالب دروسه يتقدم إلى رئيس الأطباء في القطر المصري، ووظيفته هي أكبر وظائف الأطباء، ويطلب إليه إجازته لمعاناة صنعه التطبيب. وكان الطالب يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناة وهذه الرسالة أشبه بما يسمى اليوم أطروحة تيز وتكون هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها من الفن فإذا أحسن الإجابة أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة. ومن محاسن الصدف أني عثرت في دشت قديم في خزانة كتب أستاذنا وصديقنا العلامة أحمد زكي باشا، على صورتين لإجازتين في الطب من القرن السادس عشر الميلادي، منحت إحداهما لفصَّاد ومنحت الأخرى لجراح، أنقلهما هنا لكي يعلم الباحث ما كان عليه الحال في تلك العصور:

стр. 43

الإجازة الأولى وهي من القرن الحادي عشر الهجري. وهذه صورة ما كتبه الشيخ الأجل عمدة الأطباء ومنهاج الألباء الشيخ شهاب الدين ابن الصايغ الحنفي رئيس الأطباء بالديار المصرية إجازة للشاب المحصل محمد عزام، أحد تلامذة الشيخ الأجل والكهف الأحول الشيخ زين الدين عبد المعطي رئيس الجراحين على حفظه لرسالة الفصد كما سنبينه: الحمد لله ومنه أستمد العناية. الحمد لله الذي وفق من عباده من اختاره لخدمة الفقراء والصالحين وهدى من شاء للطريق القويم والنهج المستقيم على ممر الأوقات والأزمان إلى يوم الدين. وبعد فقد حضر عندي الشاب المحصل شمس الدين محمد بن عزام

стр. 44

بن. . . بن. . . هنا كلمات مفقودة على المؤذن الجرواني المتشرف بخدمة الجراح والمتقيد بخدمة الشيخ الصالح بقية السلف الصالحين العارفين وشيخ طائفة الجراحين بالبيمارستان المنصوري هو الشيخ عبد المعطي المشهور بابن رسلان نفعنا الله ببركاته ورحم أسلافه العارفين الصالحين وعرض علي جميع الرسالة اللطيفة المشتملة على معرفة الفصد وأوقاته وكيفيته وشروطه وما يترتب عليه من المنافع المنسوبة والرسالة المذكورة للشيخ الإمام العلامة التمام شمس الدين محمد بن ساعد الأنصاري شكر الله سعيه ورحمه وأسكنه بحابيح جناته بمنه وكرمه، عرضا جيدا دل على حسن حفظه للرسالة المذكورة وقد أجزته أن يرويها عني بحق روايتها وغيرها من الكتب الطبية هذا آخر ما عثرت عليه وباقي الإجازة مفقود ضاع مع ما ضاع من نفائس الكتب العربية.

стр. 45

الإجازة الثانية وهي كذلك من القرن الحادي عشر الهجري، وصادرة من رئيس الجراحين بدار الشفا المنصوري قلاوون. صورة ما كتبه الفقير على ذلك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ممد الكون أستمد العون. الحمد لله الذي جعل لهذه الأمة بالطب المحمدي شفا، وداوى علل أفهامهم بصحيح حديثه بعد ما كانوا في سقم الباطل على شفا. أحمده حمدا يتقوى به الضعيف، وأشكره شكرا وافيا يكون لنا نعم العلاج عند الحكيم اللطيف. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي جعل الفصد والحجامة للأبدان من أنفع العلاج، إذ بهما. . . كلمة مفقودة قف الحرارة الردية والمزاج. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قطع الاشتراك، وعلى آله وأصحابه سادة النساك، الذين جمعوا بالعلم والفصاحة بين الحكمة وفصل الخطاب، وعالجوا زمان الجهل بحسن تدبيرهم فعوفي وحفظ لهم الصحة وطاب. وبعد فقد وقفت على هذه الرسالة العظيمة، والمقالة الكريمة، الموسومة ببرء الآلام في صناعة الفصد والحجام نظم لوذعي زمانه، وألمعي عصره وأوانه: الشمس شمس الدين محمد القيم شهرة، الجراح صنعه ومهره، التي أصلها للشيخ الفاضل حاوي الفضائل الشيخ شمس الدين محمد الشربيني الجراح. لا زالت شآبيب الرحمة والرضوان على قبره غادية رائحة، وشذا العبهري والريحان من مرقده فائحة، الموسومة بغاية المقاصد فيما يجب

стр. 46

على المفصود والفاصد إذ هي في هذا الفن أسمى المقاصد. وقد قرأها عليه قراءة إتقان وإمعان، وحل لمشكلات الألفاظ والمعان، فلم ير بدا من أن يبسطها ليتيسر حفظ تلك الفوائد، ولتسهل ضبط تلك القواعد فجاءت بجملة أبهى من نور الأنحار، وأضوأ من نور الأسمار، كالتبر المنسبك أو القطر المنسكب. فقد أجاد ناظمها في تحقيقها، وبذل الجهد في تحريرها وتدقيقها. وأتقن ألفاظ مبانيها. وغاص بحار معانيها، وأستخرج الدر الثمين من أصلها، وجمع بين فصلها ووصلها، وصارت تجلى كالعروس لمعانيها. ولقد صارت في هذه الصناعة العمدة والكفاية وأعترف لها الكامل أنها المنهاج والهداية. ونسيت بها التذكرة، ولم يبق لهذا العلم تذكرة حميدة. وأحجم عندها كل مهذب بالمكنون، وصرح تأريخ الأطباء أنها نص ما في القانون. فلما ظهرت نتيجة الانتخاب في المسألة والجواب وتغذى ناظم سلكها بالخاص من اللباب، وصارت الخناصر عليها تعقد، وإن كان لساعد الأنصاري رسالة، فشتان رسالته ورسالة محمد. وكانت عين المقصود، ورقمت فيما يجب على القاصد والمقصود، أستحق راقم وشيها وناسج بردها أن يتوج بتاج الإجازة فاستخرت الله تعالى وأجزت له أن يتعاطى على صناعة الجراح، ما أتقن معرفته ليحصل له النجاح والفلاح. وهو أن يعالج الجراحات التي تبرأ بالبط، ويقلع من السنان ما ظهر له من غير شرط. وأن يقصد من الأوردة ويبتر الشرايين وأن يقلع من الأسنان الفاسدة المسوسين كذا

стр. 47

وأن يلم ما بعد من تفرق الاتصال، بقطان وغير ذلك وطهارة الأطفال. هذا مع مراجعته وخدمته لرؤساء هذا الفن المتبحرين، والمهرة الأساتذة العارفين مع تقوى الله والنصح في الصناعة، ولا يخشى مع ذلك من كساد البضاعة. ونسأل الله أن يوفقنا وإياه لصالح الأعمال، في كل حال ومآل. اللهم إني أسألك من فضلك العظيم مغفرة لذنوبنا وعافية لأبداننا، لا إله غيرك، ولا مرجو إلا خيرك رب العالمين. رقمه بقلمه أحقر عباد الفتاح الفقير للحق علي بن محمد بن محمد بن علي الجراح خادم الفقراء الضعفاء بدار الشفا بمصر المحروسة ومصليا ومسلما ومحمدا ومحوقلا ومستغفرا بتاريخ صفر الخير من شهور سنة إحدى عشرة وألف ١٦٠٢م من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والحمد لله وحده.

стр. 48

امتحان الصيادلة وكذلك حدث في أيام الخليفة المعتصم بن الرشيد من ٢١٨ - ٢٢٧هـ أنه بينما كان الأفشين حيدر بن كاوس أحد قواد جند المعتصم في معسكره وهو في محاربة بابك سنة ٢٢١هـ وكان معه زكريا الطيفوري الطبيب، أمره بإحضار جميع من في عسكره من التجار وحوانيتهم وصناعة كل رجل منهم. فرفع ذلك إليه فلما بلغت القراءة بالقارئ إلى موضع الصيادلة قال الأفشين لزكريا الطيفوري: يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى مما تقدم فيه فامتحنهم حتى نعرف منهم الناصح من غيره. فقال زكريا: إن يوسف لقوة الكيميائي قال يوما للمأمون: إنما آفة الكيميا الصيادلة فإن الصيدلاني لا يطلب الإنسان منه شيئا من الأشياء كان عنده أم لم يكن، إلا أخبره بأنه عنده ودفع إليه شيئا من الأشياء التي عنده، وقال: هذا الذي طلبت. فإن رأى أمير المؤمنين أن يضع اسما لا يعرف ويوجه جماعة إلى الصيادلة في طلبه لتبتاعه فليفعل. فقال المأمون: قد وضعت الاسم وهو شقطيثا وهي ضيعة تقرب من مدينة السلام ووجه المأمون جماعة من الرسل يسألهم عن شقيثا فكلهم ذكر أنه عنده وأخذ الثمن من الرسل ودفع إليهم شيئا من حانوته، فصاروا إلى المأمون

стр. 49

بأشياء مختلفة فمنهم من أتى ببعض البذور ومنهم من أتى بقطعة من حجر ومنهم من أتى بوبر فاستحسن المأمون نصح يوسف لقوة. فدعا الأفشين بدفتر الأسروشنية فأخرج منها نحوا من عشرين اسما ووجه إلى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الأسماء، فبعضهم أنكرها وبعضهم ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئا من حانوته. فأمر الأفشين بإحضار جميع الصيادلة فلما حضروا كتب لمن أنكر معرفته تلك الأسماء منشورات أذن لهم فيها بالمقام في عسكره، ونفى الباقين عن العسكر، ولم يأذن لواحد منهم في المقام ونادى المنادي بنفيهم وبإباحة دم من وجد منهم في معسكره. وكتب إلى المعتصم يسأله البعثة إليه بصيادلة لهم أديان ومذهب جنيل ومتطببين كذلك فاستحسن المعتصم ذلك ووجه إليه بما سأل.

стр. 50

الحِسْبَة ذكرنا الحسبة لأنها في ذلك الزمن بمثابة التفتيش والرقابة في هذه الأيام على الأطباء والصيادلة. الحسبة وظيفة جليلة رفيعة الشأن وموضوعها التحدث في الأمر والنهي والتحدث على المعايش والصنائع والأخذ على يد الخارج عن طريق الصلاح في معيشته وصناعته. قال الماوردي في الأحكام السلطانية: وهو مشتق من قولك حسبك بمعنى اكفف لأنه يكفي الناس مؤونة من يبخسهم حقوقهم. قال النحاس: وحقيقة المحتسب في اللغة المجتهد في كفاية المسلمين ومنفعتهم، إذ حقيقة افتعل عند الخليل وسيبوية بمعنى اجتهد. الْمُحْتَسِب هو من أرباب الوظائف الدينية الست المشهورة. وكان عندهم من وجوه العدول وأعيانهم. وكان من شأنه أنه إذا خلع عليه قرئ سجله بمصر والقاهرة على المنبر. ويده مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة، ولا يحال بينه وبين مصلحة أرادها ويتقدم إلى الولاة بالشدّ منه، ويقيم النواب

стр. 51

عنه بالقاهرة ومصر وجميع الأعمال كنواب الحكم. ويجلس بجامعي القاهرة ومصر يوما بيوم، قال: ورأيت في بعض سجلاتهم إضافة الحسبة بمصر والقاهرة إلى صاحبي الشرطة بهما أحيانا. في الحسبة على الأطباء والكحالين والجرائحيين والمجبرين جاء في كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة خاصا بالأطباء وصناعتهم قال: وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء، ويحلفهم أن لا يعطوا أحدا دواء مرا، ولا يركبوا له سما، ويصنعوا السمائم عند أحد من العامة، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الدواء الذي يقطع النسل، وليغضوا من أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى، ولا يفشوا الأسرار ولا يهتكوا الأستار، وينبغي للطبيب أن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال مما يحتاج إليه في صناعة الطب، غير آلة

стр. 52

الكحالين والجرائحيين مما يأتي ذكره في موضعه، وللمحتسب أن يمتحن الأطباء بما ذكره حنين في كتابه المعروف بمنحة الطبيب فأما محنة الأطباء لجالينوس فلا يكاد واحد يقوم بما شرط عليهم. وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب بكتاب حنين بن إسحاق، أعني العشر المقالات في العين، فمن وجده فيما امتحنه به عارفا بتشريح العين وعدد طبقاتها السبع، وعدد رطوباتها الثلاث، وعدد أمراضها الثلاثة، وما يتفرع من ذلك من الأمراض، وكان خبيرا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس، وألا ينبغي أن يفرط في شيء من آلات صنعته مثل سنانير السبل والظفرة ومحك الجرب ومباضع الفصد ودرج المكاحل وغير ذلك. وأما كحالو الطرقات فلا يوثق بأكثرهم، إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالقطع والكحل بغير علم وخبرة بالأمراض والعلل الحادثة، فلا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينه ولا يثق بأكحالهم وشيافاتهم، فإن منهم من

стр. 53

يضع أشيافا أصلها من النشا والصمغ وبصبغها ألوانا مختلفة فيصبغ الأحمر بالاسريقون، والأخضر بالكركم، والنيل والأسود بالقاقيا، والأصفر بالزعفران، ومنهم من يجعل أشياف ماميتا أو يجعل أصله من ألبان المصري ويعجنه بالصمغ المحلول ومنهم من يعمل كحلا من نوى الإهليلج المحرق والفلفل وجميع غشوش أكحالهم لا يمكن حصر معرفتها، فيحلفهم المحتسب على ذلك إذ لا يمكن منعهم من الجلوس لمعالجة الناس. وأما المجبرون فلا يحل لأحد أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يحكم معرفة المقالة السادسة من كناش فولوس في الجبر وهو ترجمة حنين بن إسحاق وأن يعلم عدد عظام الآدمي وهو مئتا عظم وثمانية وأربعون عظما، وصورة كل عظم فيها وشكله وقدره حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع رده إلى موضعه على هيئته التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب في جميع ذلك. وأما الجرائحيون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بقطا جانوس في الجراحات والمراهم، وأن يعرفوا التشريح

стр. 54

وأعضاء الإنسان، وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب، ليتجنب ذلك في وقت فتح المواد وقطع البواسير، ويكون معه دست المباضع فيه مباضع مدورات الرأس والموربات وفأس الجبهة ومنشار القطع ومجرفة الأذن وورد السلع ومرهمدان المراهم، ودواء الكندر القاطع للدم الذي قدمنا صنعته. وقد يبهرجون على الناس بعظام تكون معهم فيدسونها في الجرح ثم يخرجونها منه بمحضر من الناس ويزعمون أن أدويتهم القاطعة أخرجتها. ومنهم من يضع مراهم من الكلس المغسول بالزيت ثم يصبغ لونه أحمر بالمغرة أو أخضر بالكركم والنيل أو أسود بالفحم المسحوق. فيعتبر عليهم العريف جميع ذلك. عهد أبقراط ذكرنا في كلامنا في الحسبة على الأطباء أن المحتسب يأخذ عليهم عهد أبقراط قال ابن أبي أصيبعة: إن أبقراط قد وضع عهدا استحلف فيه المتعلم لصناعة الطب على أن يكون لازما للطهارة والفضيلة وهذه نسخة العهد قال أبقراط: إني أقسم بالله رب الحياة والموت وواهب الصحة وخالق الشفا وكل علاج، وأقسم باسقليبيوس وأقسم بأولياء الله من

стр. 55

الرجال والنساء جميعا، وأشهدهم جميعا على أني أفي بهذه اليمين وهذا الشرط، وأرى أن المعلم لي هذه الصناعة بمنزلة آبائي وأواسيه في معاشي، وإذا أحتاج إلى مال واسيته وواصلته من مالي، وأما الجنس المتناسل منه فأرى أنه مساو لاخوتي وأعلمهم هذه الصناعة إن احتاجوا إلى تعلمها بغير أجرة ولا شرط، وأشرك أولادي وأولاد المعلم لي والتلاميذ الذين كتب عليهم الشرط وأحلفوا بالناموس الطبي في الوصايا والعلوم وسائر ما في الصناعة، وأما غير هؤلاء فلا أفعل به ذلك. وأقصد في جميع التدبير بقدر طاقتي منفعة المرضى. وأما الأشياء التي تضر بهم وتدني منهم بالجور عليهم فأمنع منها بحسب رأيي. ولا أعطي إذا طلب مني دواء قتالا ولا أشير أيضا بمثل هذه المشورة. وكذلك أيضا لا أرى أن أدني من النسوة فرزجة تسقط الجنين وأحفظ نفسي في تدبيري وصناعتي على الزكاة والطهارة ولا أشق أيضا عمن في مثانته حجارة لكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العمل. وكل المنازل التي أدخلها إنما أدخل إليها لمنفعة المرضى وأنا بحالة خارجة عن كل جور وظلم وفساد إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء وفي الجماع للنساء والرجال والأحرار منهم والعبيد. وأما الأشياء التي أعاينها في أوقات علاج المرضى أو أسمعها، أو

стр. 56

في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس من الأشياء التي لا ينطق بها خارجا فأمسك عنها وأرى أن مثالها لا ينطق به. فمن أكمل هذه اليمين ولم يفسد منا شيئا كان له أن يكمل تدبيره وصناعته على أفضل الأحوال وأجملها وأن يحمده جميع الناس فيما يأتي من الزمان دائما ومن تجاوز ذلك كان بضده اه. الحسبة على الصيادلة ذكرنا الحسبة على الأطباء، ونذكر كذلك الحسبة على الصيادلة لعلاقة ذلك بالطب قال الإمام عبد الرحمن بن نصر الدين عبد الله الشيرازي. تدليس هذا الباب كثير لا يمكن حصر معرفته على التمام فرحم الله من نظر فيه، وعرف استخراج غشوشه فكتبها في حواشيه، تقربا إلى الله تعالى، فهي أضر على الخلق من غيرها، لأن العقاقير والأشربة مختلفة الطبائع والأمزجة، والتداوي على قدر أمزجتها فمنها ما يصلح لمرضى ومزاج فإذا أضيف إليها غيرها أخرجها عن مزاجها فأضرت بالمرضى لا محالة. فالواجب عليهم أن

стр. 57

يراقبوا الله في ذلك فينبغي للمحتسب أن يخوفهم ويعظهم وينذرهم بالعقوبة والتعزيز ويعتبر عليهم عقاقيرهم في كل أسبوع. ثم ذكر المؤلف غشوشهم مما لا يتسع المقام هنا لذكرها فنجتزئ عنها بما ذكرنا.

стр. 58

الباب الثاني في بيمارستانات البلاد الإسلامية على التفصيل

стр. 59

١ - بيمارستان جُنديْسابور كان هذا البيمارستان من أكبر البيمارستانات في العصر السابق على الإسلام بثلاثة قرون. وإنما ابتدأنا بذكره لأنه كان نعم المعين للعرب على إنشاء البيمارستانات بعد ذلك، وتخرج الأطباء اللازمين لها وظل حافظا لكيانه وشهرته عهدا طويلا إلى ما بعد قيام الدولة العباسية، حيث أبتدأ المسلمون ينشئون البيمارستانات في بلاده وأمصارهم التي افتحوها. وجنديسابور مدينة بخوزستان ويقال لها الخوز، وقد اشتهرت هذه المدينة بمدرستها الطبية وبيمارستانهما اللذين أنشأهما

стр. 60

كسرى الأول وجلب إليهما المعلمين من يونان. وتلقى التعاليم اليونانية باللغة الآرامية، ولذلك كان للسريان نصيب كبير فيهما، وكانوا أول من ساعد الخلفاء على نشر الطب في بلادهم بما تخرج منهما من الأطباء والمترجمين الذين برزوا في الفضائل. قال ابن القفطي: إن أهل جنديسابور من الأطباء فيهم حذق بهذه الصناعة، وعلم من زمن الأكاسرة. وذلك سبب وصولهم إلى هذه المنزلة. ثم قال: ولم يزل أمرهم يقوى في العلم ويتزايدون فيه ويرقبون العلاج على مقتضى أمزجة بلادهم حتى برزوا في الفضائل وجماعة منهم يفضلون علاجهم وطريقهم على اليونان والهند، لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم ورتبوا لهم دساتير وقوانين وكتبا جمعوا فيها كل حسنة مما يستدل منها على فضلهم وغزارة علمهم ولم يزالوا كذلك حتى ولي المنصور الخلافة وبنى مدينة السلام فعرض له مرض فاستدعى منهم جورجيس بن بختيشوع. . . الخ. وكان الطلاب يؤمون معاهدها وبيمارستانها من كل حدب وصوب من البلاد المجاورة. وكان العرب قبل الإسلام يستمدون أطباءهم من خريجي جنديسابور. واستطب النبي ﷺ والخلفاء الراشدون

стр. 61

من بعده أطباء تخهرجوا من جنديسابور كالحارث بن كلدة وابنه النضر بن الحارث بن كلدة. واستطب خلفاء بني أمية ابن أثال الطبيب النصراني الجنديسابوري، أصفاه لنفسه معاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بني أمية، وأبا الحكم وحكما الدمشقي وتياذوق وغيرهم ومن الأطباء الذين عرفوا بالعمل في هذا البيمارستان: ١ - جورجيس بن بختيشوع كان رئيس الأطباء بالبيمارستان في صدر الدولة العباسية استطبه الخليفة أبو جعفر المنصور لضعف أصابه سنة ١٤٨هـ فبرى الخليفة فأكرم مثواه وجازاه أحسن الجزاء وفي سنة ١٥٢ مرض جورجيس وعاد إلى جنديسابور. - ٢ - بختيشوع بن جورجيس كان يلحق بأبيه في معرفة صناعة الطب وكان مقيما بالبيمارستان بجنديسابور، وعالج المنصور والمهدي، والرشيد في سنة ١٧١ فجعله الرشيد رئيسا على كافة الأطباء. ٣ - ابراهيم تلميذ جورجيس كان تلميذا لجورجيس بن بختيشوع وصحبه عند معالجته للخليفة المنصور.

стр. 62

٤ - سرجيس تلميذ جورجيس كان مديرا للبيمارستان في غيبة أستاذه. ٥ - عيسى بن شهلاتا تلميذ جورجيس بن بختيشوع صحبه في ذهابه إلى بغداد لمعالجة المنصور. ٦ - جبريل بن بختيشوع ابن جورجيس كان طبيبا حاذقا نبيلا خدم الخليفة الرشيد ثلاثا وعشرين سنة ثم خدم من بعده الأمين والمأمون مات سنة ٢١٣هـ ٨٢٨م. ٧ - بختيشوع بن جبريل ابن بختيشوع كان نبيل القدر وبلغ من عظم المنزلة والحال وكثرة المال ما لم يبلغه أحد من معاصريه من الأطباء خدم الخلفاء الواثق بالله، ثم المستعين بالله ابني المعتصم، ثم المهتدي بالله والمتوكل على الله، فصلحت حاله، وعلت منزلته، وكثر ماله، واتسعت نفقاته إلى درجة تفوق الوصف. مات يوم الأحد لثمان بقين من صفر سنة ٢٥٦هـ ٨٧٠م.

стр. 63

٨ - سابور بن سهل كان ملازما لبيمارستان جنديسابور عالما بقوى الأدوية خدم المتوكل وتوفى يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة سنة ٢٥٥هـ. ٩ - ماسويه أبو يوحنا أقام ببيمارستان جنديسابور أربعين سنة فعرف الأدواء وصار أعلم أهل زمانه بالأدوية واتصل بالفضل بن يحيى فأوصله بعد ذلك بالخليفة هارون الرشيد ولزم خدمته. ١٠ - دهشتك كان رئيسا للبيمارستان بجنديسابور فأمره الرشيد باتخاذ بيمارستان وقلده رياسته ثم أعفاه منه. ١١ - ميخائيل ابن أخي دهشتك كان مقيما بالبيمارستان مع دهشتك. ١٢ - عيسى بن طاهر بخت من أطباء البيمارستان بجنديسابور وهو تلميذ جورجيس ابن بختيشوع.

стр. 64

بيمارستانات مصر بيمارستان زقاق القناديل قيل إنه كان في الدولة الأموية مارستان في زقاق القناديل دار أبي زبيد. وزقاق القناديل - ويقال له زقاق القنديل - من أزقة الفسطاط. قال القضاعي إنما وسم زقاق القناديل أو القنديل لأنه كان برسم قنديل كان على باب عمرو بن العاص وفي هذا الزقاق ولد الإمام الحافظ ابن سيد الناس صاحب السيرة المتوفى سنة ٧٣٤هـ. بيمارستان المعافر هذا المارستان كان في خطة المعاقر التي موضعها ما بين

стр. 65

العامر من مدينة مصر الفسطاط وبين مصلى خولان التي بالقرافية، بناه الفتح بن خاقان في أيام الخليفة المتوكل على الله وقد باد أثره. البيمارستان العتيق ويعرف بالبيمارستان الأعلى أنشأه أحمد بن طولون في سنة ٢٥٩هـ ٨٧٢م وقيل ٢٦١هـ وذكر أن مبلغ ما أنفق عليه وعلى مستغله ستون ألف دينار. وحبس عليه سوق الرقيق وغيره ولم يكن قبل ذلك في مصر مارستان. وشرط ألا يعالج فيه جندي ولا مملوك، وكان يشارفه بنفسه ويركب إليه يوما في كل أسبوع. قال أبو العباس أحمد القلقشندي أول من اتخذ البيمارستان بمصر أحمد بن طولون بناه بالفسطاط وهو موجود إلى الآن وبلغت أجرة مقعد يكري عند البيمارستان الطولوني بالفسطاط في

стр. 66

كل يوم أثني عشر درهما. وهذا المارستان كان موضعه في أرض العسكر وهي الكيمان والصحراء التي تقع بين جامع ابن طولون وكوم الجارح وفيما بين قنطرة السد التي على الخليج ظاهر مدينة

стр. 67

مصر وبين السور الذي يفصل بين القرافة وبين مصر. وقد اندثر هذا المارستان في جملة ما اندثر من الآثار ولم يبق له الآن أثر. وقال أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب الأمراء: وأمر أحمد بن طولون ببنيان المارستان للمرضى فبني لهم في سنة ٢٥٩هـ ٨٧٢م. وقال محمد بن داود في ذم أحمد بن طولون وبيمارستانه: ألا أيها الأغفال إيها تأملوا ... وهل يوقظ الأذهان غير التأمل ألم تعلموا أن ابن طولون نقمة ... تسيَّر من سفل إليكم ومن عل ولولا جنايات الذنوب لما علت ... عليكم يدُ العلْج السخيف المُجَهَّلِ يعالج مرْضاكم ويرمي جريحكم ... حبيش. القلب أدهمَ أعزَلِ؟ فيا ليت مارستانة نيط بِاستِه ... وما فيه من علج عُتُلٍّ مُقَلًّلِ فكم ضجَّة للناس من خلفِ سِتْرِه ... تُضَجُّ لإبلا قَلْبٍ عن الله مغُفْلِ وقال جامع السيرة الطولونية وفي سنة ٢٦١هـ بنى أحمد بن طولون المارستان، ولم يكن قبل ذلك في مصر مارستان ولما فرغ منه حبس عليه دار الديوان ودوره في الأساكفة والقيسارية

стр. 68

وسوق الرقيق وشرط في المارستان ألا يعالج فيه جندي ولا مملوك وعمل حمامين للمارستان أحدهما للرجال والآخر للنساء، حبسهما على المارستان وغيره. وشرط أنه إذا جيء بعليل تنزع عنه ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمين المارستان ثم يلبس ثيابا ويفرش له ويغذي ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ فإذا أكل فرُّوجا ورغيفا أمر بالانصراف وأعطي ماله وثيابه. وفي سنة ٢٦٢هـ ٨٧٥م كان ما حبسه على المارستان والعين والمسجد في الجبل الذي يسمى تنور فرعون أعيانا كثيرة وكان بلغ ما أنفق على المارستان ومستغله ستين ألف دينار، فكان يركب بنفسه في كل يوم جمعة ويتفقد خزائن المارستان وما فيها والأطباء وينظر إلى المرضى وسائر المعلولين والمحبوسين من المجانين. دخل مرّة حتى وقف عند المجانين فناداه واحد منهم مغلول. أيها الأمير اسمع كلامي ما أنا بمجنون، وإنما عملت عليَّ حيلة، وفي نفسي شهوة رمانة عريشية أكبر ما يكون. فأمر له بها من ساعته ففرح بها وهزها في يده ورازها ثم غافل أحمد بن طولون ورمى بها في صدره فنضحت على ثيابه، ولو تمكنت منه لأتت على صدره فأمرهم أن يحتفظوا به، ثم لم يعاود بعد ذلك النظر في البيمارستان.

стр. 69

ودخل مصر في سنة ٥٧٨هـ ١١٨٢م ابن جبير الرحالة المغربي العظيم وشاهد البيمارستان الذي بالقاهرة وقال: إنه مفخرة من مفاخر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وأطنب في وصفه بما سيأتي ذكره بعد. ثم قال: وفي مصر الفسطاط مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه يريد مارستان أحمد بن طولون. وقال السخاوي إن أحمد بن طولون بنى إلى جانب جامعة البيمارستان وكان في أحد مجالس البيمارستان العتيق أي بيمارستان أحمد بن طولون خزانة كتب كان فيها ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم يطول الأمر في عدتها. ولما آلت الدولة الطولونية إلى الزوال بخروج شيبان بن أحمد ابن طولون آخر ملوكها من مصر في ليلة الخميس لليلة خلت من ربيع الأول ٢٩٢هـ ودخلها محمد بن سليمان الكاتب من قبل المكتفي بالله، أخذ الشعراء في رثائهم والتحسر عليهم فنظموا القصائد الطوال في ذلك. ومن هؤلاء الشعراء سعيد القاضي قال يرثي الدولة

стр. 70

الطولونية وما تركت من جلائل الآثار في قصيدة مطلعها: جرى دمعه ما بين سحرٍ إلى نَحرِ ... ولم يَجر حتى أسلمته يد الصّبرِ إلى أن قال يرثي المارستان: ولا تَنسَ مارستانه واتساعه ... وتوسعة الأرزاق للحول والشهر وما فيه من قوَّامه وكُفاتِه ... ورفقهم بالمعتفين ذوي الفقر فللمّيت المقبور حسنُ جهازه ... وللحي رفق في علاج وفي جبرِ وعمل أحمد بن طولون في موخرة جامعه ميضأة وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية وعليها خدم وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة.

стр. 71

من عرف من الأطباء بخدمة البيمارستان العتيق: ١ - محمد بن عبدون الجيلي العذري رحل إلى المشرق ودخل البصرة وإلى مدينة فسطاط مصر ودبَّر مارستانها ومهر في الطب ورجع إلى الأندلس سنة ٣٦٠ وخدم بالطب المستنصر بالله والمؤيد بالله وكان قبل مؤدبا في الحساب والهندسة قال القاضي صاعد الأندلسي وأخبرني أبو عثمان سعيد بن البغونش الطلطلي: أنه لم يلق في قرطبة أيام طلبه من يلحق بمحمد بن عبدون الجيلي في الطب. ٢ - سعيد بن نوفل طبيب نصراني كان في خدمة أحمد بن طولون. ٣ - شمس الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المصري مدرس الأطباء بجامع ابن طولون كان فاضلا له نظم. مات في شوال ١٧ سنة ٧٧٢هـ.

стр. 72

المارستان الأسفل بالفسطاط أو بيمارستان كافور الإخشيد، بناه الخازن الذي عمر المقياس بالأهراء، عمره وعمر. الميضأتين المرسومة إحداهما لتغسيل الموتى والسقاية، والحمامين المعروفين بحمامي بوران. . . . وذلك في سنة ٣٤٦هـ قال القضاعي: إن الإخشيد أمير مصر حبس جميع ما بناه من قيسارية ودور وحوانيت على المارستان الأسفل والميضأتين والسقايتين وأكفان الموتى وذكر شيوخ مصر المؤرخون أن هذا المارستان كان فيه من الأزيار الصيني الكبار والبراني والقدور النحاس والهواوين والطسوت وغير ذلك ما يساوي ثلاثة آلف دينار. ونقل إليه من المارستان الأعلى الذي بناه أحمد بن طولون أضعاف ذلك وليس به الآن شراب ولا دواء يلتمسه فقير وإنما يطبخ فيه في السنة. . . كلمة غير مفهومة يسير أكثر الضعفاء لا يصلون إليه ثم بطل ذلك وقال تقي الدين المقريزي هذا المارستان بناه كافور الإخشيد وهو قائم بتدبير دولة الأمير أبي القاسم أنوجور بن محمد الإخشيد بمدينة مصر في سنة ٣٤٦هـ ٩٥٧م.

стр. 73

بيمارستان القشاشين قال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر: بلغني أن البيمارستان كان أولا بالقشاشين يعني المكان المعروف الآن أي في زمن ابن عبد الظاهر بالخراطين على القرب من الجامع الأزهر، وهناك كانت دار الضرب بناها مأمون البطائحي وزير الآمر بأحكام الله قبالة البيمارستان. قال تقي الدين المقريزي في كلامه عن درب خربة صالح: هذا الدرب على يشرة من سلك من أول الخراطين إلى الجامع الأزهر كان موضعه في القديم مارستانا ثم صار مساكن، وعرف بخربة صالح، وفيه سوق الصنادقيين. وقال عن سوق الصنادقيين إنه تجاه المدرسة السيوقية كان موضعه القديم من جملة المارستان فيستفاد من ذلك أن ذلك المارستان قد عفا أثره قبل محي الدين بن عبد الظاهر.

стр. 74

بيمارستان السِّقطيين كان هذا البيمارستان في سوق السقطيين خارج باب زويلة بجوار دار التفاح. قال ابن أبي أصيبعة: كان أبو الحجاج يكحل في البيمارستان بالقاهرة غير الموضع الذي صار حينئذ بالقاهرة بيمارستانا وهو من جملة القصر، يريد أنه غير بيمارستان صلاح الدين أو البيمارستان الناصري. قال وكان البيمارستان في ذلك الوقت في السقطيين أسفل القاهرة. الأطباء الذين علموا في هذا البيمارستان: ١ - شهاب الدين أبو الحجاج يوسف الكحَّال كان يكحل في هذا البيمارستان. البيمارستان الناصري أو الصلاحي أو بيمارستان صلاح الدين لما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن يوسف بن أيوب الديار المصرية سنة ٥٦٧هـ ١١٧١م واستولى على القصر قصر الفاطميين كان في القصر قاعة بناها العزيز بالله في سنة ٣٨٤هـ

стр. 75

٩٩٤م فجعلها السلطان صلاح الدين بيمارستانا وهو البيمارستان العتيق داخل القصر. وهو باق على هيئته إلى الآن أي إلى زمن القلقشندي وكانت وفاته سنة ٨٢١هـ ١٤١٨م ويقال إن فيها أي القاعة طلَّسما لا يدخلها نمل، وإن ذلك هو السبب الموجب لجعلها بيمارستانا. وقال أبو السرور البكري في كلامه على البيمارستانات: قصر أولاد الشيخ من جملة القصر الكبير وكان قاعة فسكنها الوزير الصاحب معين الدين حسين ابن شيخ الشيوخ صدر الدين بن حموية، في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب فعرف به المارستان العتيق. قال القاضي الفاضل في متجددات سنة ٥٧٧هـ ١١٨١م: أمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بفتح مارستان للمرضى والضعفاء فاختير مكانا بالقصر، وأفرد برسم من جملة الرباع الديوانية، مشاهرة مبلغها مائتا دينار وغلات جهتها الفيوم واستخدم له أطباء وكحالين وجرائحيين وشارفا وعاملا وخداما ووجد الناس به رفقا وبه نفعا. وقال ابن عبد الظاهر:
следующие страницы →