← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فتقول: هذا علم، وعلى المائة فتقول: هذا علم، وعلى الألف وغير ذلك، إذًا يصدق على القليل والكثير. فاسم جنس ما دل على معنى كلي ولو كان معرفًا بأل، فلا يشترط التنكير، تقول: جاء ذو العلم، وجاء ذو علم، وجاء ذو فضل، وجاء ذو الفضل، فلا يشترط فيه التنكير، بل جُعل من الفوارق بين ذو الطائية، وذو التي بمعنى صاحب أن ذو الطائية لا يوصف بها إلا المعرفة، تقول: جاء زيدٌ ذو قام أبوه، ولا يصح أن تقول: جاء رجل ذو قام أبوه، لأن ذو الطائية موصولة بمعنى الذي فهي معرفة، وشرط الصفة والموصوف الاتحاد في التعريف والتنكير. أما ذو التي بمعنى صاحب ففيها تفصيل: يجوز أن يوصف بها النكرة إذا أضيفت إلى نكرة، نحو: مررت برجل ذي علم، ولا يصح مررت برجل ذي العلم، لأنك وصفت النكرة بالمعرفة والشرط التطابق، كما لا يصح مررت بزيد ذي علم، لأن ذي نكرة وزيد معرفة، والشرط التطابق تعريفًا وتنكيرًا. إذًا من الفوارق بين ذو التي بمعنى صاحب، وذو الطائية= أن ذو الطائية لا يوصف بها إلا المعرفة؛ لأنها معرفة ولا تكون نكرة. وذو التي بمعنى صاحب قد يوصف بها المعرفة إذا أضيفت إلى معرفة، ويوصف بها النكرة إذا أضيفت إلى نكرة. وشرط اسم الجنس أن يكون ظاهرا احترازًا من المضمر، فالضمير لا تضاف إليه ذو، ولو سمع فهو شاذ. كقوله: إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الفَضْلِ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ

стр. 142

فهذا شاذ من وجهين: جمعه جمع تصحيح، ومن حيث إضافته إلى الضمير. فقوله: ذووه جمع تصحيح حكمي، يعني ملحق بجمع المذكر السالم، وكل الملحقات شاذة، فحينئذٍ نحكم أن ذووه شاذ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وكونه أضيف إلى ضمير فهذا شذوذ فوق الشذوذ السابق. وشرط اسم الجنس أيضًا أن يكون ظاهرًا غير صفة، فلا يصح أن يقال: مررت برجل ذي قائم، ولا مررت برجل ذي صائم؛ لأنه أضيف إلى صفة، والسر في ذلك= أن ذو يُتوصل بها إلى نعت ما قبلها بما بعدها، فالعرب نظرت في بعض الأسماء، فإذا بها لا يمكن أن يوصف بها مباشرة، فحينئذٍ جاءت بوصلة -وهي ذو- يتوصل بها إلى وصف ما قبلها بما بعدها، فحينئذٍ ما يمتنع النعت به مباشرة امتنع إضافته إلى ذو، وما جاز أن يوصف به مباشرة امتنع إضافته إلى ذو. فما يمتنع أن يوصف به مباشرة أمران: وهما الضمير والعلم، هذان يمتنع أن يوصف بهما مباشرة، وسمع: أنا الله ذو بكة، قالوا: هذا شاذ، وقيل: قليل فلا يقاس عليه، وما جاز أن يوصف به مباشرة امتنع إضافته إلى ذو، وهو أمران: المشتق والجملة، وهما يقعان نعتًا مباشرة، تقول: مررت بزيد القائم، فحينئذٍ لا يصح أن تقول مررت بزيد ذي القائم، لأنه حشوٌ، فيمتنع إضافة ذو إلى المشتق بل ينعت به مباشرة. وتقول: مررت برجل يضحك، لأن الجمل بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات، فلا يصح أن تقول: مررت برجل ذي يضحك. والحاصل أن ذو ملازمة للإضافة ولا تضاف إلا إلى

стр. 143

اسم جنس ظاهر غير صفة، ويمتنع أن تضاف إلى العلم، والضمير، والمشتق، والجملة. [وَارْفَعْ بِوَاوٍ خَمْسَةً] نقول: الصواب أنها ستة بزيادة الهن، والمراد بالهن قيل: اسم يكنى به عما يستقبح التصريح به، وقيل: كناية عن الفرج خاصة. [أَبُوْكَ أَخُوكَ ذُو مَالٍ حَمُوكِ فُوكَ] هنوك، ذكرها الناظم كما هي، فحينئذٍ يمكن أخذ الشروط من لفظها-كما هي عادة النحاة-[أَبُوْكَ أَخُوكَ ذُو مَالٍ حَمُوكِ فُوكَ] فذكرها مفردة، مكبَّرة، مضافة، لغير ياء المتكلم، و [ذُو مَالٍ] فمال اسم جنس ظاهر، بيَّن لك أن ذو إنما تكون إضافته لمثل هذا الذي ذكره، فلا تقس عليه وإنما تأتي بمثله. قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) (يوسف: من الآية٦٨)).و [فُوكَ] ذكرها منفصلة عن الميم كما هو شرطها. هذا هو الباب الأول من أبواب النيابة وهو باب الأسماء الستة المضافة المعتلة. ثم قال الناظم: وَهَكَذَا الجَمْعُ الصَّحِيحُ فَاعْرِفِ ...................... [وَهَكَذَا] أي ومثل ذا، والمشار إليه هنا الأسماء الستة، أي مثل ذا المذكور سابقًا، وهو الأسماء الستة في كونه يرفع بالواو نيابة عن الضمة [الجَمْعُ الصَّحِيحُ فَاعْرِفِ] أي فاعلم- أيها الطالب- تتميم للبيت. إذًا الجمع الصحيح مثل الأسماء الستة في كونه يرفع بالواو أيضًا وبمسمى الواو لا بالواو نفسها، ظاهرة أو مقدرة، فظاهرةً نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:١) ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ فاعل ورفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تصحيح. ومقدرةً نحو: جاء المؤدوا الزكاةِ، أصلها المؤدون، أضيف وحذفت النون للإضافة، ثم حذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين. جاء

стр. 144

المقيموا الصلاة، أصلها المقيمون الصلاة فأضيف المقيمون إلى الصلاة فحذفت النون للإضافة ثم التقى الساكنان الواو واللام فحذفت الواو. فتقول: جاء المقيموا الصلاة، فالمقيموا فاعل مرفوع ورفعه الواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين نيابة عن الضمة، فهي واو مقدرة. قال [الجَمْعُ الصَّحِيحُ] ويسمى جمع السلامة، والجمع على حد المثنى، وسمي جمعًا صحيحًا لصحة مفرده فيه، وهذا مقابل لجمع التكسير، وجمع التكسير كما سبق: ما تغير عن بناء مفرده، وهذا ما صحَّ فيه واحده، فلم يتغير عن بناء مفرده. وسمي جمع السلامة لسلامة مفرده فيه لأنه سلم فيه بناء واحده. وسمي الجمع على حدّ المثنى، أي على سبيل وطريقة المثنى، لأن المثنى يعرب بحرفين، والجمع الصحيح أيضًا يعرب بحرفين، فالمثنى يعرب بحرفين الألف والياء، والجمع الصحيح أيضًا يعرب بحرفين الواو والياء. وهذا من جهة التوسع والتجوز وإلا المثنى يعرب بثلاث، والجمع يعرب بثلاث، لأن ياءَ النصب غيرُ ياء الجرّ، وإن كانت في الصورة واللفظ واحدة، إلا أنهما في الحقيقة متغايرتان؛ لأن ياء النصب نائبة عن الفتحة، وياء الجر نائبة عن الكسرة، فحينئذٍ لا يسوَّى بينهما، وإن كانا في اللفظ شيئًا واحدًا وإلا في الحقيقة هما متغايران. ويسمى جمع المذكر السالم وهو المشهور. [الجَمْعُ الصَّحِيحُ] الجمع مصدر، والمعنى المصدري للجمع هو ضمُ شيء إلى شيء آخر، فحينئذٍ لابد من التقدير والتأويل؛ لأن

стр. 145

الذي يرفع بالواو هل هو المعنى المصدري أو ما وجد فيه المعنى المصدري؟ لا شك الثاني، فحينئذٍ نقول: [وَهَكَذَا الجَمْعُ] الجمع هنا مصدر أريد به اسم المفعول أي المجموع وهو اللفظ [الصَّحِيحُ] أي المصحح على وزن فعيل صفة مشبهة أي السليم ضد المريض، إذًا [الجَمْعُ الصَّحِيحُ] أي المجموع المصحح مفرده، فحينئذٍ يكون الصحيح نعت لمفرد مقدر، فجمع المذكر السالم: جمع أي مجموع، المذكر صفة لموصوف محذوف أي جمع المفرد المذكر، لأن التذكير معنىً، والمعاني لا تجمع إنما تجمع الألفاظ، السالم نعت للجمع، يتبعه في إعرابه تقول: هذا جمعُ المذكرِ السالمُ، وأَعربْ جمعَ المذكر السالمَ. وحُكي جواز جره بالمجاورة لمذكر، لكن الصواب أن الجرّ بالمجاورة ضعيف، ولا يعوَّل عليه وإن نصره بعض أهل العلم. وحقيقة جمع المذكر السالم: هوما دلّ على أكثر من اثنين بزيادة في آخره صالح للتجريد عن هذه الزيادة وعطف مثله عليه. فما جنس اسم موصول بمعنى الذي، دل على أكثر من اثنين خرج به الواحد، والجمع المسمى به فإن مدلوله واحد، فالزيدون علمًا مدلوله واحد، وخرج المثنى، وجمع المؤنث السالم؛ لأنه يدلّ على أكثر من اثنتين، ودخل جمع التكسير، بزيادة في آخره أخرج جمع التكسير، لأن جمع التكسير يدل على الجمع بذاته وبصيغته المستقلة ليس ثمَّ زيادة. كالزيدون والمسلمون، فالزيدون دلّ على الجمعية بالواو، ولذلك الواو التي يرفع بها جمع المذكر السالم لها جهتان: جهة باعتبار المعنى، وجهة باعتبار الإعراب. فهي حرفُ جمعٍ، يعني دلت

стр. 146

على الجمعية، فالذي دلّ على الجمعية في جمع المذكر السالم هو الواو. وهي أيضًا حرف إعراب. ولذلك المسلمون مثلا قبل إدخاله في جملة، نقول: جمع مذكر سالم، هل هو مرفوع؟ نقول: لا، لأن الكلمة قبل إدخالها في جملة لا حكم لها، فإذا قلت: المسلمون، والزيدان، وأبوك قبل تسليط عامل عليها لا حكم لها من جهة الإعراب والبناء. فإذا قلنا المسلمون قبل تسليط العامل فهذه الواو علامة جمع فقط، وليست بعلامة رفع، ثم لمَّا دخل عليها العامل وقلت: قام المسلمون، صارَ لها جهتان: فهي علامة تدل على الجمعية، وأيضًا هي في نفس الوقت علامة رفع. فحينئذٍ نقول: رجال دلّ بالصيغة وبوزنه على الجمعية، ومسلمون دلّ على الجمعية بزيادة الواو، وبينهما فرقٌ، فما دلّ بالصيغة مغايرٌ لما دلّ بالزيادة، ولذلك نقول: ما دل على أكثر من اثنين: دخل جمع التكسير، بزيادة: الباء للسببية أي بسبب زيادة في آخره، بهذه الزيادة فارق بها جمعُ التصحيح جمعَ التكسير. وقولنا: بزيادة في آخره: المراد بالزيادة هنا حقيقة عرفية عند النحاة، أي بواو ونون في حالة الرفع، وبياء ونون في حالتي النصب والجر، ولكن زيادة النون في هذا الموضع فيها نظر. فليس في الحدّ لفظ مبهم. صالح للتجريد عن هذه الزيادة، يعني يصلح أن ينفك عنها، فتحذف الواو، وعطفِ مثله عليه بمعنى أنك تحذف الواو وتعطف عليه مثله، فتحذف الواو من مسلمون وتقول: مسلمٌ ومسلمٌ ومسلمٌ عطفت عليه مثله، لكن عشرون هل هو صالح للتجريد وعطف مثله عليه؟ نقول: لا يصلح، ولو كان مرفوعا

стр. 147

بالواو نيابة عن الضمة، لأنه ملحق بجمع التصحيح، فهو من الشواذ، لأنه لا يصلح أن يقال عِشرٌ بحذف الواو والنون، فهو غير قابل للتجريد وعطف مثله عليه. هذا حدّ جمع المذكر السالم وقيل في حده اختصاراً: ما سلم فيه بناء المفرد. وهذا واضح وأخصر وهو مطرد فيه. إلا أنه يرد عليه الملحقات، ويمكن أن يجاب: بأنها لا مفرد لها، وقد يوجد في بعض الشواذ أن لها مفردًا، فيجاب أن الحدَّ هنا للجمع المذكر السالم الحقيقي ولا يشمل الشواذ. أما حكمه فهو أنه يرفع بالواو المضموم ما قبلها لفظًا كالزيدُون أو تقديرًا كالمصطفَون ظاهرة أو مقدرة. ما يجمع هذا الجمع قسمان: جامد وصفة، فالجامد عند النحاة: ما دل على ذات فقط كزيد، أو معنى فقط كعلم. والصفة: ما دلّ على ذات وصفة معًا كاسم الفاعل واسم المفعول وسائر المشتقات، كضارب فإنه يدل على ذات متصفة بصفة الضرب وهكذا. لكن ليس كل جامد يجمع بواو ونون، وليس كل صفة تجمع بواو ونون، بل يشترط في الجامد: أن يكون علمًا لمذكر عاقل خاليًا من تاء التأنيث ومن التركيب، فإن لم يكن علما لا يصح جمعه بواو ونون، كرجل اسم جامد يدل على ذات، فلا يقال: رجلون لتخلف شرط العلمية. لكن الجامد إذا صُغِّر جاز جمعه بواو ونون، فإذا قيل: رُجَيل، صحَّ أن تجمعه فتقول: رُجيلون، لأنه صار صفة فهو في قوة: رجل صغير. قال الشاعر: زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي

стр. 148

فابن اسم جامد وليس بعلم فلا يجمع بواو ونون، لكن لمّا صُغِّر على أُبين جُمع بواو ونون، فقيل: أبينوها. أن يكون علمًا لمذكر، فإذا كان علما لمؤنث لا يجمع بواو ونون فلا يقال في زينب: زينبون. ولو سميت رجلاً بزينب صحّ جمعه بواو ونون- وكانوا أكثر من اثنين- تقول: جاء الزينبون بواو ونون لأنه علم لمذكر. أن يكون علمًا لمذكر عاقل، فخرج ما كان علمًا لمذكر غير عاقل مثل لاحق: اسم فرس. وواشق اسم كلب، فلا يقال: واشقون ولا لاحقون. خاليًا من تاء التأنيث احترازًا من نحو طلحة، فهو علم لمذكر عاقل إلا أنه اتصلت به تاء التأنيث، فلا يجمع على مذهب البصريين بواو ونون، فلا يقال في طلحة: طلحون، ولا يقال في حمزة: حمزون. وجوَّز الكوفيون جمعه بواو ونون فيقال فيه طلحون وحمزون، وهذا أرجح -أن يجمع بواو ونون- وله أدلة، أولها: أن العبرة بالمعنى لا باللفظ، فمعناه مذكر فحينئذٍ ينظر إلى المعنى ولو خالف اللفظ من جهة التذكير والتأنيث، ولذلك انتُقد مذهب البصريين بأنهم راعوا اللفظ- طلحة ونحوه- في هذا الباب، وراعوا المعنى في باب العدد. قالوا: هناك ثلاثة طلحات باعتبار المعنى. الثاني: أن هذه التاء على نية الانفصال، فتسقط إذا جُمع بألف وتاء، فلا عبرة بها، لأنها ليست أصلية، فيقال: طلحات بدون تاء-وهذا متفق عليه- ويجوز أن يكون اللفظ له جمعان متغايران. الثالث: أنهم أجمعوا - أي البصريون والكوفيون- على صحة جمع ما سمي به من الألفاظ المؤنثة المختومة بألف ممدودة أو مقصورة، فلو سمي رجل بحبلى

стр. 149

اتفق البصريون والكوفيون على أنه يجمع بواو ونون فقيل: حُبْلَوْنَ -التقت الواو الساكنة مع الألف فحذفت الألف-مثل مصطفون، فحُبْلى علم لمذكر عاقل، ولم يخل من علامة التأنيث مثل طلحة، وأيهما أشد تمكنًا في باب التأنيث، الألف المقصورة أم تاء التأنيث؟ لا شك أنها الألف المقصورة، فإذا جاز جمع الأشد فمن باب أولى أن يجوز ما هو أدنى. كذلك لو سمي رجل بصحراء قيل في جمعه: صحراوون، جاز مع كونه مختومًا بألف ممدودة، وهي أشدّ في باب التأنيث من التاء، فإذا جاز الأعلى فمن باب أولى أن يجوز الأدنى، ولذلك هذا الشرط وهو أن يكون خاليًا من تاء التأنيث يجب إسقاطه. أن يكون خاليًا من التركيب فما كان مركبًا تركيبًا إضافيًا أو مزجيًا أو توصيفيًا لا يجمع بواو ونون، فلا يقال في سيبويه: سيبويهون وجوّزه بعضهم. وأما الصفة فيشترط فيها أن تكون صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث، ليست من باب أفعل فعلاء، ولا من باب فعلان فعلى، ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث. أن تكون صفة لمذكر، فلو كانت صفة لمؤنث لا تجمع بواو ونون فلا يقال في حائض: حائضون، أن يكون صفة لمذكر عاقل فلا يقال في سابق صفة فرس: سابقون، لكن لو كان سابق صفة لرجل جاز أن يقال سابقون. خالية من تاء التأنيث، فلا يقال في علاّمة: علاّمتون، قالوا: لا يجمع بواو ونون لئلا يجتمع فيه علامة تأنيث، وعلامة تذكير. ليست من باب أفعل فعلاء أي ليست من باب أفعل الذي مؤنثه فعلاء كأحمر فإن مؤنثه

стр. 150

حمراء، وأعور عوراء، فلا يقال: أحمرون ولا أعورون. ولا من باب فعلان فعلى يعني ليست مما وزنه فعلان كسكران الذي مؤنثه سكرى فلا يقال: سكرانون، ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، بعض الأوزان والألفاظ والمشتقات يستوي فيه المذكر والمؤنث بمعنى أنه لا يحتاج إلى علامة تميز المذكر عن المؤنث، فنحو: مسلمٌ ومسلمة، وقائم وقائمة، لابد من علامة تميز المؤنث عن المذكر، ولذلك نقول: التأنيث فرع التذكير، فمسلمٌ لا يحتاج إلى علامة لأن الأصل التذكير، ومسلمة زدناه علامة تأنيث وهي التاء لأنه فرع، وبعض المشتقات يستعمل في المذكر والمؤنث بلفظ واحد، فيقال: زيد قتيل، وهند قتيل، ولا نقول: قتيلة لأن فعيلا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، ومثله زيد جريح، وهند جريح، فإذا كان على هذه الزنة لا يجمع بواو ونون لأنه لا يميز بين المذكر والمؤنث، وهذا فيما إذا جرت الصفة على موصوفها بمعنى أنه إذا قيل: هذا زيد جريح، كانت الصفة متأخرة عن الموصوف أما إذا تقدمت فحينئذٍ تتصل بالتاء فتقول: هذه قتيلة زيد. وهذه الشروط والقيود في الجامد والصفة دليلها الاستقراء والتتبع، فحينئذٍ يجوز الإقدام على الجامد أو الصفة فيجمع بواو ونون، كزيد يجمع بواو ونون فيقال: الزيدون، ومذنب تجمع بواو ونون فيقال: مذنبون. [وَهَكَذَا الجَمْعُ الصَّحِيحُ فَاعْرِفِ] أي مثل الأسماء الستة في رفعها بالواو نيابة عن الضمة الجمع الصحيح الذي صح واحده فاعرف ذلك الحكم واتبعه.

стр. 151

ثم انتقل إلى بيان محل الفرع الثاني وهو الألف فقال: .............. ... وَرَفْعُ مَا ثَنَّيْتَهُ بِالأَلِفِ [وَرَفْعُ مَا ثَنَّيْتَهُ بِالأَلِفِ] [رَفْعُ مَا] أي ورفعك أيها النحوي [رَفْعُ] مبتدأ [مَا ثَنَّيْتَهُ] أي الذي ثنيته [بِالأَلِفِ] جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ورفعك ما ثنيته [مَا] اسم موصول بمعنى الذي، وجملة ثنيته صلة الموصول لا محلَّ لها من الإعراب، والموصول مع صلته عند البيانيين في قوة المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول، فحينئذٍ يصح أن تأتي بالمشتق في محل جملة الصلة، ورفع ما ثنيته بالألف في قوة قولك: ورفع المثنى بالألف، فحينئذٍ نقول الموصول الذي هو مَا مع صلته في قوة المشتق [وَرَفْعُ مَا] [مَا] بمعنى الذي في محل جرّ، إلا أنها أيضًا في موضع نصب لأن [رَفْعُ] مصدر يرفع فاعلاً وينصبُ مفعولاً، والتقدير ورفعك المثنى، فالمثنى في الأصل مفعول به، فحينئذٍ يكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، والمصدر قد يضاف لمفعوله-كما في النظم- وقد يضاف إلى فاعله نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ (البقرة:٢٥١) والتقدير ولولا أن يدفع اللهُ الناسَ. [وَرَفْعُ مَا ثَنَّيْتَهُ بِالأَلِفِ] أي بمسمى الألف ظاهرة أو مقدرة، قد تكون الألف ظاهرة كقولك: جاء الزيدان، فالزيدان فاعل مرفوع ورفعه الألف الظاهرة نيابة عن الضمة، وتقول: جاء عبدَا الله - بفتح الدال إذ لو كان مفردًا لقال: جاء عبدُ الله بالضمة، والأصل جاء عبدَا الله، فالتقى ساكنان: الألف -التي هي علامة التثنية وهي علامة الإعراب- واللام الساكنة فحذفت الألف- وإعرابه: عبدَا

стр. 152

الله فاعل مرفوع ورفعه الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنان نيابة عن الضمة لأنه مثنى. [مَا ثَنَّيْتَهُ] التثنية عند النحاة أمرٌ معنوي وحقيقتها: جعلُ الاسمِ الواحد دليلاً على اثنين بزيادة في آخره. جعل الاسم أي جعل الفاعل، إذًا هي فعل الفاعل وليست هي الملفوظ الذي يدخله الألف. أما المثنى الذي هو الملفوظ به فهو: ما دلَّ على اثنين أو اثنتين بزيادة في آخره صالحٍ للتجريد وعطف مثله عليه. ما اسم موصول بمعنى الذي وهو جنس، دلّ على اثنين أو اثنتين خرج به ما دلَّ على واحد كزيد وسكران ورمان، والمثنى المسمى به، لأن الزيدان علمًا مدلوله مفرد، وما دل على أكثر من اثنين كغلمان وصنوان، ودخل فيه كل لفظ من الأسماء الموضوعة للدلالة على اثنين كشفع وزوج، ودخل المثنى الحقيقي كالزيدان، والمثنى الحكمي كاثنين واثنتين وكلا وكلتا، فهذه ألفاظ كلها دالة على اثنين. بزيادة الباء سببية، فالدلالة على الاثنين حصلت لا بذات الكلمة كشفع وزوج وكلا وكلتا واثنين واثنتين، فهذه الألفاظ لم تدل على الاثنين بزيادة في آخرها، وإنما دلت على ذلك بأصل الوضع. إذًا ما دلّ على اثنين أو اثنتين بزيادة في آخره أخرج ما دلّ على اثنين لا بزيادة ومنه كلا وكلتا، وبقي بعض الملحق بالمثنى كاثنين واثنتين، صالحٍ للتجريد خرج نحو اثنين واثنتين، لأنه لا يقال: اثنٌ. وعطف مثله عليه أخرج الملحق بالمثنى الذي ثُنِّي من باب التغليب كالقمرين، فإنه يدل على اثنين فهو مثنى من جهة اللغة، إلا أنه ليس مثنى حقيقة، لأنه دال على اثنين بزيادة في آخره

стр. 153

وأيضًا صالح للتجريد، لكنه لا يعطف عليه مثله فتقول: قمر وشمس عطفت مغايرًا عليه، وشرط المثنى الحقيقي أنه إذا جُرِّد عن الزيادة تعطف مثله عليه، فتقول في نحو: الزيدان، زيد وزيد عطفت مثله عليه، كما هو الشأن في جمع السلامة. إذًا عرفنا حقيقة المثنى، وأما حكمه فيرفع في حالة الرفع بالألف أي بمسمى الألف، وهذا هو الباب الوحيد الذي تنوب فيه الألف عن الضمة ليس لها إلا موضع واحد. تقول: جاء الزيدان، فالزيدان فاعل مرفوع ورفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (المائدة:٢٣) والنون التي في المثنى والتي في الجمع زائدة، ولا تكون علامة للتثنية، ولا علامة للجمع، ولذلك إذا قيل: بزيادة في آخره يقال: بواو وياء، هذا هو الأولى، وإذا ذكرت النون فهو لبيان الواقع، لأن هذه النون لا تدل على التثنية ولا على الجمع، وإنما هي عوض عن التنوين تنوين التمكين الدال على تمكن الاسم في باب الاسمية والإعراب بحيث لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع من الصرف. فمدخوله الاسم الخالص من الشبهين إذًا هو أعلى الدرجات، فحينئذٍ إذا حذف منه التنوين نزلت درجته، فقالوا: إذًا لابد من تعويضه عن هذا النقص فعوِّض بهذه النون. فهذه النون عوض عن التنوين فقط عند الكثيرين. وبعضهم يرى أنها عوض عن التنوين والحركة معًا وهذا أجود من سابقه لأنه إذا كانت النون عوضًا عن التنوين، فالتنوين لا يجامع أل، تقول: مسلمٌ، ولا يصح أن تقول: المسلمٌ،

стр. 154

ولك أن تقول: المسلمان، والنون عوض عن التنوين وقد جامع أل، قالوا: لا، وإنما جامع التنوين أل بالنظر لكون النون عوضًا عن الحركة، فلمّا نظر إلى أن هذه النون عوض عن الحركة جاز دخول أل، والحركة تجامع أل، وأل لا تجامع التنوين، والنون عوض عنهما. وأعلى من ذلك أن يقال: إن النون زيدت لدفع توهم إضافة أو إفراد. زيدت لدفع توهم نحو: جاء خليلان موسى وعيسى، فلو حذفت النون ولم تذكر أصالة لقلت: جاء خليلا موسى وعيسى، فهل موسى بدل أو أن خليلا مضاف وموسى مضاف إليه؟ هذا محتمل لهما، لكن لما زيدت النون دفعت هذا التوهم، فقيل: خليلان. كذلك في باب الجمع نحو: مررت ببنين كرامٍ، لو لم تذكر النون لقلت: مررت ببني كرام، فهل المراد الإضافة أم الوصف؟ هذا محتمل لهما، فلما أريد الوصف أصالة زيدت النون لتدفع توهم الإضافة، أما في الإفراد فنحو: جاء المهتدين فلو قيل: المهتدي، ولم تزد النون، وقيل جاء المهتدي فهل هو مفرد أو جمع؟ هذا محتمل لهما، إذًا زيدت هذه النون في باب الجمع والتثنية دفعًا لتوهم الإضافة ودفعًا لتوهم الإفراد. وأما القول بأنها عوض عن التنوين في الاسم المفرد، فهو مع شهرته إلا أنه ينتقد بعدة أوجه قد ذكرتها في شرح الملحة فليرجع إليه. الباب الرابع قال: وَارْفَعْ بِنُونٍ يَفْعَلاَنِ يَفْعَلُونْ ... وَتَفْعَلاَنِ تَفْعَلِينَ تَفْعَلُونْ هذا هو الفرع الرابع وهو النون أي مسمى النون، وهذا هو الباب الأول من بابي الأفعال - لأن أبواب النيابة سبعة = خمسة في

стр. 155

الأسماء، واثنان في الأفعال- وهو ما يعنون له بالأمثلة الخمسة، وهذا أولى من أن يقال: الأفعال الخمسة؛ لأن الأفعال جمع فِعْلٍ وهو الحدث، فحينئذٍ إذا قيل: الأفعال الخمسة، أي المعدودة بالخمسة، قد يفهم انحصارها في أحداث خمسة، وأما الأمثلة بمعنى الأوزان فهي محصورة إلا أن الموزون لا ينحصر، [وَارْفَعْ] أيها النحوي رفعًا مصورًا [بِنُونٍ] أي بمسمى نون لا بالنون ذاتها وإنما بمسماها، ارفع [يَفْعَلاَنِ] فيفعلان مفعول به، كيف جاء مفعولا به وهو فعل؟ نقول: قصد لفظه فصار علمًا [يَفْعَلاَنِ يَفْعَلُونْ وَتَفْعَلاَنِ تَفْعَلِينَ تَفْعَلُونْ] وهذه كلها أمثلة أي أوزان، ضابطها أن الذي يرفع بثبوت النون هو كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، سواء كان ما اتصل به ألف الاثنين للمخاطب أو الغائب، وما اتصل به واو الجماعة للمخاطب أو للغائب، أما الياء فلا تكون إلا للمخاطبة. [وَارْفَعْ بِنُونٍ] يعني بثبوت مسمى نون [يَفْعَلاَنِ] فعل مضارع اتصل به ضمير تثنية مذكرًا كان أو مؤنثًا، غائبًا أو مخاطبًا، ومثاله للغائب: الزيدان يضربان، فالزيدان: مبتدأ، ويضربان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون نيابة عن الضمة لأنه أسند إلى ألف الاثنين، وألف الاثنين ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة خبر المبتدا [يَفْعَلُونْ] فعل مضارع اتصل به ضمير جمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، غائبًا أو مخاطبًا، ومثاله للغائب: الزيدون يضربون فيضربون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون نيابة عن الضمة

стр. 156

لاتصاله بواو الجماعة، والواو: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، [وَتَفْعَلاَنِ] بالتاء للمخاطب، نحو: أنتما تكتبان، فتكتبان: فعل مضارع مرفوع ورفعه ثبوت النون نيابة عن الضمة، والألف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، [تَفْعَلِينَ] فعل مضارع اتصل به ضمير المؤنثة المخاطبة، ولا يكون إلا للمخاطبة نحو: أنت يا هند تكتبين، فتكتبين: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأمثلة الخمسة لإسناده إلى ياء الفاعلة، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، [تَفْعَلُونْ] بالتاء للمخاطبين، نحو: أنتم أيها الزيدون تضربون، فتضربون: فعل مضارع مرفوع ورفعه ثبوت النون نيابة عن الضمة، لأنه من الأمثلة الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. إذًا ما ينوب عن الضمة ثلاثة أشياء: الواو وتكون علامة للرفع في الأسماء الستة وجمع المذكر السالم. والألف وتكون علامة للرفع في المثنى، والنون وتكون علامة للرفع في الأمثلة الخمسة.

стр. 157

بَابُ عَلاَمَاتِ النَّصْبِ لما تكلم عن علامات الرفع شرع في بيان علامات النصب؛ فقدم الرفع لكونه مختصا بالعُمَد، وثنى بالنصب لكونه مختصا بالفضلات. والعُمَد المراد بها: ما لا يُتَصوَّر خُلُوُّ الكلام منها، قلنا: الكلام لابد له من إسناد، والإسناد يقتضي: مسندًا ومسندًا إليه، والمسند إليه يكون مبتدأ أو فاعلاً أو نائب فاعل، والمسند يكون خبرًا أو فعلاً. وإذا قلنا: أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعل، فهل يتصور خلو جملة اسمية أو جملة فعلية عن مرفوع؟ هل يوجد كلام اصطلاحي ولا يوجد فيه لفظ مرفوع؟ الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن أقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل. فقولك: زيدٌ قائم، زيد: مبتدأ مرفوع. وقائم: خبر مرفوع. قام زيد، زيدٌ فاعل مرفوع. وقام: فعل. ضُرب زيدٌ، زيدٌ: نائب فاعل، إذًا لا يتصور أن يوجد كلام ولا مرفوع فيه أبدا، فحينئذٍ صار المرفوع عمدة، وإذا صار عمدة حينئذٍ هو أولى بالمراعاة والتقديم ورِفعة شأنه. أما المنصوب، فيمكن أن يخلو الكلام من منصوب بل هو فضلة يعني ليس بعمدة، ولا نقول الفضلة: ما يستغنى عنه كما اشتهر عند كثير من المتأخرين، بل الفضلة: ما ليس بعمدة، لأنه إذا قيل: ما يستغنى عنه يعني ما يصح حذفه ويصح التركيب بدونه، نحو: ضربت زيدًا. يصح أن تقول: ضربت، وتحذف المفعول به، ويصح الإخبار بإحداث الضرب ونسبته إليه، فتُغفِل جانب المفعول

стр. 158

به إذا عُلم ولذلك قال ابن مالك: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ... كَحَذْفِ مَا سِيْقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ لكن قوله جل وعلا ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ (الإسراء:٣٧) باتفاق النحاة أن الحال فضلة، وإذا قيل: إنه فضلة، فعلى هذا التعريف يجوز الاستغناء عنه، فحينئذٍ هل يصح التركيب أن يقال (ولا تمش في الأرض)؟ الجواب: لا، لأن ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ نهي عن مشي خاص، وإذا حذفت هذه الفضلة وقلت: (ولا تمش في الأرض) صار النهي عن عموم المشي. إذًا فسد المعنى فحينئذٍ لا يجوز الاستغناء عن هذه الحال. ومثله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ (النساء:٩٣) فمتعمدًا: حال. ولا يجوز الاستغناء عنها، إذًا الفضلة: ما ليس بعمدة، يعني: ما ليس بمبتدأ ولا خبر ولا فاعل ولا نائب فاعل. ولذلك يقدم باب المرفوعات على باب المنصوبات؛ لأن المرفوعات عُمَد، والرفع هو إعراب العُمَد وهي المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل، والمنصوبات وكذلك المخفوضات من الفضلات وضابطها: أنها ما ليست بعمدة ولا نقول: ما يستغنى عنه. ثم النصب قد يكون عامله فعلا بخلاف الخفض فعامله إما حرف وإما اسم، فحينئذٍ ما كان من عوامله ما هو أقوى كالفعل أولى بالتقديم على ما لا يعمل الفعل ذلك الأثر كالخفض والجزم. [بَابُ عَلاَمَاتِ النَّصْبِ] أي هذا باب بيان علامات النصب، وسبق معنى العلامة، والنصب لغة:

стр. 159

الاستواء والاستقامة. وفي الاصطلاح على مذهب البصريين أن الإعراب لفظي: الفتحة وما ناب عنها، فنفس الفتحة ونطقك بها وما ناب عنها هو النصب، وعلى مذهب الكوفيين أن الإعراب معنوي تقول: هو تغيير مخصوص علامته الفتحة وما ناب عنها. وتغيير هذا هو الإعراب، مخصوص هذا هو النصب، علامته الفتحة وما ناب عنها فحينئذٍ فرق بين أن يقال: نفس الفتحة هو النصب، أو بأن يقال: التغيير المخصوص هو النصب وله علامة تدل عليه. عوامل النصب ثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف، فإذا قيل: الاسم منصوب، أو الفعل منصوب؛ فحينئذٍ يرد السؤال: ما الذي عمل النصب في الاسم؟ وما الذي عمل النصب في الفعل؟ فنقول: عامل النصب قد يكون فعلاً نحو: ضربت زيدًا، فزيدًا مفعول به منصوب والعامل فيه: ضرب، فالذي أحدث النصب هو الفعل، فالفعل يَنصب. وقد يكون عامل النصب اسما نحو: أنا ضاربٌ زيدًا، فأنا: مبتدأ وضارب: خبر والفاعل ضمير مستتر، وزيدًا مفعول به، والعامل فيه: ضارب، ونوعه اسم فاعل وهو اسم، فالاسم يَنصب. وقد يكون عامل النصب حرفا، نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ (طه:٩١) فلن حرف نصب ونفي واستقبال، نبرح: فعل مضارع ناقص منصوب بلن ونصبه فتحة ظاهرة على آخره. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (الطلاق:٣) إن الله: نقول: إن: حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة منصوب بإن وهو اسمها. إذًا الحرف يعمل النصب في الفعل وفي الاسم، والاسم

стр. 160

لا ينصب الفعل. أما التبعية فالصواب أنها ليست من عوامل النصب. عَلاَمَةُ النَّصْبِ لَهَا كُنْ مُحْصِيَا ... الفَتْحُ وَالأَلِفُ وَالْكَسْرُ وَيَا وَحَذْفُ نُونٍ فَالَّذِي الفَتْحُ بِهِ ... عَلاَمَةٌ يَا ذَا النُّهَى لِنَصْبِهِ [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] [عَلاَمَةُ] مبتدأ، وخبره: [الفَتْحُ] وهذا أولى مع جواز العكس، لأنه إذا كان عندنا معرفتان وجاز أن يُجعل كلٌّ من المعرفتين مبتدأ والآخر خبر، جاز التقديم والتأخير مطلقًا هذا هو الصواب، فنحو: زيد أخوك، زيد: مبتدأ، وأخوك: خبر، ويصح أن يكون زيد: خبرًا مقدمًا. وأخوك: مبتدأً مؤخرًا، هذا هو الصحيح، وفيه مذاهب وابن مالك يرى وجوب تأخير الخبر على المبتدأ في مثل هذا الموضع، لكن مع جواز الوجهين يُراعى فيه المعنى، نقول: الأولى أن يجعل [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] هو المبتدأ؛ لأن المبتدأ محكوم عليه في المعنى، فزيد قائم: حكمت على زيد بثبوت القيام، ويرد السؤال هنا: هل يريد أن يحكم على علامة النصب بأنها الفتح؟ أو يحكم على الفتح بأنه علامة النصب؟ أيهما أولى؟ لا شك أن الأولى أن يحكم على علامة النصب بأنها الفتحة لأنه عَنْوَنَ لذلك فقال: [بَابُ عَلاَمَاتِ النَّصْبِ].كذلك لما بيَّن لك أن الإعراب أقسام: رفع وله علامات، ونصب وله علامات، فحينئذٍ إذا عرفت أن النصب له علامات يرد السؤال: ما هي علامة النصب؟ فيقول لك: علامة النصب التي صارت عندك في الذهن مألوفة ومعهودة: الفتحة وما عطف عليها، ولذلك قوله: [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] هو أولى أن يكون

стр. 161

مبتدأ و [الفَتْحُ] خبره، والمراد به: الفتحة، وإن كان الأشهر: أن الفتح لقب من ألقاب البناء، والفتحة علامة إعراب، وبعضهم يسوي بينهما ويجعل اللقبين بمعنى واحد، ولا مشاحة في الاصطلاح في مثل هذه المواضع. قوله: [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] مضاف ومضاف إليه، والنصب له علامات لا علامة واحدة، فحينئذٍ نقول: هذا التركيب يفيد العموم، لأن من صيغ العموم إضافة النكرة -اسم الجنس- إلى المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل:١٨) نعمة الله: أريد به العموم، وإن تعدوا نِعَمَ الله لا تحصوها، وعلامة النصب ليست شيئًا واحدًا وإنما هي أربع فحينئذٍ نقول: [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] أفاد العموم، وهو مبتدأ، والفتح وما عطف عليه خبر، لأنه لابد من أن يكون المبتدأ والخبر متطابقين إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، وهنا قال: [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] عرفنا أن المراد به علامات النصب [الفَتْحُ] هذا شيء واحد وليست بمتعدد، فكيف يكون التطابق هنا؟ فلابد أن نقدر أن الناظم قد راعى العطف قبل الحَمْل، يعني عطف أولاً، نوى أنه سيرتب أمورًا متعاطفة بعضها على بعض فجعل الأول (الذي هو الفتحة) مفتتَحًا للخبر، فقال: [عَلاَمَةُ النَّصْبِ] قبل أن يقول الفتحة نوى معها الألف والكسرة والياء وحذف النون، فحينئذٍ نقول: إنه راعى العطف قبل الحمل، والحمل هو الإخبار. فتقول: الفَتْحُ وما عطف عليه خبر مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره. ثم تعرب الباقي كما هو على أصله. [وَالأَلِفُ] الواو حرف عطف والألف معطوف على

стр. 162

[الفَتْحُ] والمعطوف على المرفوع مرفوع، لأن هذا التقدير مرادٌ به إصلاح المعنى فحينئذٍ مراعاة العطف قبل الحمل أمر معنوي لا لفظي، لأننا نقول: راعى، والمراعاة تكون في الذهن لا في اللفظ، والذي يُعرب هو الملفوظات؛ لا الأمور المعقولة التي تكون في الذهن، فالإعراب إنما يكون تابعًا للملفوظات لا للمرسومات ولا للمعقولات، قوله: [لَهَا كُنْ مُحْصِيَا] هذه جملة معترضة؛ يعني: كن عادًّا لها. وهذا أمرٌ يستوي فيه علامات الرفع، وعلامات الخفض، وعلامات الجزم، وقوله [لَهَا] جار ومجرور متعلق بقوله: [مُحْصِيَا] لأنه اسم فاعل من أحصى الشيء فهو محصٍ بمعنى: عَدَّه. [كُنْ] فعل أمر ناسخ يقتضي اسمًا وخبرًا [كُنْ] أنت أيها الطالب لعلم النحو، فاسمها ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، و [مُحْصِيَا] خبرها، أي كن أيها الطالب عادًّا لها بالخمس. [الفَتْحُ] أي الفتحة وهي الأصل، بمعنى أنها الأكثر والأغلب، لأنه لا يُعدَل عنها إلى غيرها إلا عند تعذر ظهور الفتحة أو تقديرها. [الفَتْحُ] أي مسمى الفتح، وليس هو عين الفتح، فالفتحة ليست هي المسمى. [وَالأَلِفُ] أي ومسمى الألف، إلا أن الألف ليست أصلاً كالفتحة، وإنما هي فرع؛ ولذلك نقول: علامات النصب نوعان: علامة أصلية، وعلامة فرعية. فالعلامة الأصلية: الفتحة وهي علامة واحدة. والعلامات الفرعية أربع وهي: الألف والكسرة والياء وحذف النون، فللنصب خمس علامات: علامة واحدة أصلية. وأربع علامات فروع. [وَالأَلِفُ] ثنّى بها لأنها تنشأ عن الفتحة، إذا مُدَّت الفتحة تنشأ عنها

стр. 163

الألف. [وَالْكَسْرُ] أي الكسرة، وثلّث بها لأنها تنوب عن الفتحة في جمع المؤنث السالم في حالة النصب، كما أن الفتحة تنوب عن الكسرة في الاسم الذي لا ينصرف في حالة الجر، فكلٌ منهما ينوب عن الآخر، [وَيَا] أي ومسمى [يَا] ربَّع بها؛ لأنها تنوب عن الكسرة في جمع المذكر السالم والمثنى في حالة الجر، وهنا الياء نابت عن الفتحة، كلٌّ منهما ينوب عن الآخر في موضعٍ قد ناب عنه ذاك في موضعٍ آخر، وبعضهم يرى أنه ربَّع بالياء هنا لأنها كسرة بإشباع، كأنها عبارة عن كسرتين، ولذلك يقال: إنها بنت الكسرة، [وَحَذْفُ نُونٍ] أي مسمى نون، وخمَّس بها لأنه لم يبق لها رتبة إلا التأخير، وإن شئت قل: لأن متعلق الحذف هو الفعل، فحذف النون لا يكون إلا في الفعل المضارع الذي هو الأمثلة الخمسة، والألف والكسرة والياء تكون في الأسماء، وما كان متعلّقًا بالأشرف -وهو الاسم- أولى بالتقديم مما تعلَّق بما هو دونه- وهو الفعل-. ثم لما ذكر لك هذا الترتيب على جهة الإجمال أراد أن يفصّل لك كل موضعٍ تكون فيه الفتحة أو الألف أو الكسرة أو الياء أو حذف النون، كأن سائلاً قال له: قد عرفنا أن علامات النصب خمسة، لكن ما هي مواضع كلٍّ منها؟ فقال: ...... فَالَّذِي الفَتْحُ بِهِ ... عَلاَمَةٌ يَا ذَا النُّهَى لِنَصْبِهِ مُكَسَّرُ الجُمُوعِ ثُمَّ المُفْرَدُ ... ثُمَّ المُضَارِعُ الَّذِي كَتَسْعَدُ [فَالَّذِي] الفاء فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، كأنه قال: إذا أردت معرفة كلٍّ من مواضع تلك العلامات

стр. 164

الأصلية والفرعية فأقول لك الذي [الَّذِي] مبتدأ أول، وخبره قوله: مكسر الجموع -في البيت الذي يليه-[الفَتْحُ] مبتدأ ثانٍ [عَلاَمَةٌ] خبر المبتدأ الثاني، [بِهِ] جار ومجرور متعلق بقوله: [الفَتْحُ] لأنه مصدر، وإن شئت قل متعلق بمحذوف حال من الفتح، أي الفتح حالة كونه فيه، والباء هنا بمعنى: في أي للظرفية، والضمير يعود على الذي، [لِنَصْبِهِ] جار ومجرور متعلق بعلامة [يَا ذَا النُّهَى] يا حرف نداء، [ذَا النُّهَى] منادى مضاف، و [ذَا] بمعنى صاحب، فهو من الأسماء الستة [يَا ذَا النُّهَى] أي يا أصحاب النهى، و [النُّهَى] جمع نُهية والمراد به العقل، يعني يا أصحاب العقول. [ذَا النُّهَى] [ذَا] منادى مضاف منصوب ونصبه الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين- الألف، والنون الأولى المدغمة في النون المتحركة - نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة. [ذَا] مضاف [النُّهَى] مضاف إليه مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب، أراد أن يتلطف مع الطالب فقال: [يَا ذَا النُّهَى] يعني: يا صاحب العقل، كأن فيه مِدْحة للقارئ، وهذا فيه تشجيع له، إذا قيل له: يا صاحب العقل، وصاحب العقل لابد أن يفهم ففيه تفاؤل. [مُكَسَّرُ الجُمُوعِ] هذا خبر الذي وجملة [الفَتْحُ بِهِ عَلاَمَةٌ لِنَصْبِهِ] لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. إذًا [الَّذِي] مبتدأ، والإعراب دائمًا يكون للاسم الموصول لا له مع الجملة، يعني ليست الجملة كلها: الموصول مع صلته يكون مبتدأً، لا، وإنما الموصول فقط [الَّذِي] هو الذي يكون

стр. 165

مبتدأً، والجملة التي تكون صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، كما هو معلوم في موضعه. والحاصل: أن الفتحة تكون علامة للنصب في ثلاثة مواضع باستقراء وتتبع كلام العرب: الموضع الأول: الاسم المفرد، والموضع الثاني: جمع التكسير، والموضع الثالث: الفعل المضارع إذا دخل عليه ناصب ولم يتصل بآخره شيء. هذه ثلاثة مواضع إذا نُصبت تكون علامتها الفتحة بالإجماع. [مُكَسَّرُ الجُمُوعِ] الأصل أن يقدم المفرد على مكسر الجموع، لأن الجمع فرع المفرد، والمفرد أولى بالتقديم، ولعله قدّم وأخّر لضيق النظم عليه، وهذا شأن أرباب المنظومات، قد يقدمون ما حقه التأخير، ويؤخرون ما حقه التقديم مراعاةً لضيق النظم، وهنا الأولى أن يقدم المفرد. [مُكَسَّرُ الجُمُوعِ] أي الجموع المكسرة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، لأن الجموع موصوف، والمكسر هذا صفة، وهنا قد بيّن لك ما ذكرناه سابقًا حيث قال: [وَارْفَعْ بِهِ الجَمْعَ] قلنا: الجمع: مصدر، وليس المراد أن الجمع- الذي هو معنىً - هو الذي يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، لأن المعنى لا يُرفع، وإنما يُرفع الملفوظ، فنقول: الجمع مصدر أريد به اسم المفعول، يؤكد هذا قوله هنا بالتصريح بقوله: الجُمُوعِ. [مُكَسَّرُ الجُمُوعِ] لأن الجموع هذا وصف للألفاظ، وليس وصفًا للمعاني، لأن المعنى شيء واحد، وهو ضم شيء إلى شيء آخر، وهذا لا يُجمع، وإنما وجود هذا المعنى في ضمن آحاده وأفراده كما هو وجود المعنى الكلي في ضمن أفراده، كرجال، ومساجد .... إلخ، تقول: هذه

стр. 166

الأفراد والآحاد هي المجموعة، وكونها دلت على جمع بضم شيء إلى شيء آخر، أو استفيد منه هذا المعنى فهو أمر ذهني في العقل ولا وجود له في الخارج، وهذا حكم عام لسائر الكليات، فوجودها وجود ذهني، ولا وجود لها في الخارج إلا في ضمن أفرادها، فحينئذٍ الذي يعرب بالفتحة هو المجموع لا الجمع، إذًا [مُكَسَّرُ الجُمُوعِ] هذا هو الموضع الأول الذي ذكره الناظم بأنه يعرب بالفتحة على الأصل، وقد سبق بيانه، وأنه يُرفع بالضمة على الأصل، وهنا ذكر أنه ينصب بالفتحة على الأصل، سواء كانت الفتحة ظاهرة أم مقدرة، تقول: رأيت الطلابَ والأُسارى، والجواري وغلماني. وإعرابه: رأيت: فعل وفاعل. والطلاب: مفعول به منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، ولِمَ نصب بالفتحة؟ تقول: لأنه جمع مكسر، وهل الفتحة ظاهرة أم مقدرة؟ تقول: ظاهرة، ولِمَ كانت ظاهرة؟ لأنه لا يمنع من النطق بها مانع، وليس من المواضع التي تقدر فيها الفتحة، والأسارى معطوف على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره لأنه جمع مكسر، منع من ظهورها التعذر، وضابط التعذر: هو ما لو تكلف المتكلم به لم يُظهره، وهو تعذر أصلي لا عرضي، لأن الحرف لا يقبل الحركة البتة، يمتنع تحريكه لذاته، لا لسبب خارج، والجواري معطوف على الطلاب والمعطوف على المنصوب منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، لأنه جمع تكسير، وكانت الفتحة ظاهرة لأن المنقوص تقدر عليه الضمة والكسرة للثقل، وأما الفتحة فتظهر

стр. 167

لخفتها، وغلماني معطوف على الطلاب، والمعطوف على المنصوب منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره. وقُدِّرت الفتحة هنا لاشتغال المحل بحركة المناسبة، وهي الكسرة، لمناسبة الياء، لأن الياء لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مكسورًا، وهذا التعذر يسمى تعذرًا عرضيًا بمعنى أن التقدير هنا عارض، لا لذات الحرف. [ثُمَّ المُفْرَدُ] ثُمَّ هنا للترتيب الذكري، أي الموضع الثاني الذي ينصب بالفتحة على الأصل: المفرد، وقد سبق بيانه، وأنه يُرفع بالضمة على الأصل، وهنا ذكر أنه ينصب بالفتحة على الأصل، سواءٌ كان مذكرًا أو مؤنثًا، منصرفًا أو لا، وسواء كانت الفتحة ظاهرة أو مقدرة. نحو: رأيت زيدًا والفتى والقاضيَ وغلامي، رأيت: فعل وفاعل. وزيدًا: مفعول به منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، لأنه مفرد، والاسم المفرد الذي ليس معتل الآخر ينصب بالفتحة الظاهرة، والفتى: معطوف على زيدًا، والمعطوف على المنصوب منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والقاضي: معطوف على زيدًا، والمعطوف على المنصوب منصوب، ونصبه فتحة ظاهرة على آخره مع كونه منقوصًا لأن المنقوص تظهر عليه الفتحة للخفة. وغلامي: معطوف على زيدًا والمعطوف على المنصوب منصوب، ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهو مضاف والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. [ثُمَّ المُضَارِعُ الَّذِي كَتَسْعَدُ] أي ثم الموضع الثالث الذي ينصب بالفتحة على الأصل:

стр. 168

الفعل المضارع [الَّذِي كَتَسْعَدُ] قيده لك بالمثال لتأخذ القيود منه [كَتَسْعَدُ] والكاف تمثيلية لا استقصائية [تَسْعَدُ] حيث لم يتقدمه ناصب ولا جازم، ولم يتصل به شيء، إذًا [تَسْعَدُ] لا يصح أن يكون مثالاً للمنصوب، لأنه مرفوع، إذًا لابد أن يقال: [كَتَسْعَدُ] مراده به الشرط الثاني وهو: أنه لم يتصل بآخره شيء مما يوجب بناءه أو ينقل إعرابه، ولابد حينئذٍ أن يتقدم عليه ناصب، أما [كَتَسْعَدُ] كمثل تسعد هذا لم يتقدمه ناصب، وإنما ينصب الفعل المضارع إذا تقدم عليه أداة من أدوات النصب، حينئذٍ يكون التمثيل هنا لأحد الشرطين فقط، وليس المراد به: الشرطين معًا. إذًا ثم الفعل المضارع ينصب بالفتحة بشرطين: الأول وقد ذكره الناظم: أن لا يتصل بآخره شيء والمراد بـ (شيء) هنا: نون الإناث، أو نوني التوكيد، أو ألف الاثنين أو واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة. الثاني ولم يذكره الناظم: أن يتقدم عليه ناصب، نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾ (طه:٩١) نبرح: فعل مضارع ناقص منصوب بلن، ولن هذه أداة نصب كما سيأتي ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ (الكهف:١٤) ندعو: فعل مضارع منصوب بلن ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، ونحو: لن يخشى زيد عمرًا، فيخشى: فعل مضارع منصوب بلن ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، لأنه فعل مضارع معتل الآخر، إذًا [ثُمَّ المُضَارِعُ] أي ثم الموضع الثالث الذي ينصب بالفتحة -مطلقًا- ظاهرة كانت أو مقدرة المضارع الذي كـ[تَسْعَدُ] بأن لم يتصل بآخره شيء ونقيده

стр. 169

بأن تقدم عليه ناصب، سواء كان المضارع صحيح الآخر أو معتلا، وتقدر الفتحة في الفعل المضارع المعتل الآخر فيما إذا كان مختومًا بالألف، وتظهر فيما إلى كان مختوماً بالواو أو بالياء، (لن يرميَ، لن ندعوَ، لن يخشى). إذًا هذه ثلاثة مواضع تكون للفتحة على الأصل. ثم قال: بِالأَلِفِ الخَمْسَةَ نَصْبَهَا التَزِمْ ... وَانْصِبْ بِكَسْرٍ جَمْعَ تَأْنِيثٍ سَلِمْ [بِالأَلِف] جار ومجرور متعلق بقوله: [نَصْبَهَا] لأنه مصدر، والمصدر من متعلَّقات الجار والمجرور، فيكون معمولاً له، وأصل التركيب: الخمسة التزم نصبها بالألف، فقدم ما حقه التأخير لإفادة الحصر أي بالألف لا بغيرها. [التَزِمْ] فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت [نَصْبَهَا] منصوب على أنه مفعول به مقدم لـ[التَزِمْ] [الخَمْسَةَ] مفعول به لفعل محذوف وجوبًا منصوب على الاشتغال، تقديره انصب [الخَمْسَةَ] التزم نصبها. [بِالأَلِفِ] وهي علامة للنصب في الأسماء الستة - خاصَّةً - لأن الناظم ترك (هنوك) كما سبق بيانه. قال الحريري: ثُمَّ هَنُوكَ سَادِسُ الأَسْمَاءِ ... فَاحْفَظْ مَقَالِي حِفْظَ ذِي الذَّكَاءِ إذًا تنصب الأسماء الستة بالألف، أي بمسمى الألف، نيابة عن الفتحة، نحو: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف:٨) إن: حرف توكيد ونصب. أبانا أبا: اسم إن منصوب بها ونصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة، إذًا [بِالأَلِفِ الخَمْسَةَ

стр. 170

نَصْبَهَا التَزِمْ] أي انصب الأسماء الستة بالألف لكن بشروطها السابقة. [وَانْصِبْ بِكَسْرٍ جَمْعَ تَأْنِيثٍ سَلِمْ] الكسرة تكون علامة نصب نائبةً عن الفتحة في موضع واحد فقط، وهو جمع المؤنث السالم، وسبق بيان حقيقة جمع المؤنث السالم وأنه يرفع بالضمة على الأصل، وهنا بين أنه ينصب بالكسرة، سواءٌ كانت الكسرة ظاهرة أو مقدرة، نحو: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ (العنكبوت:٤٤) خلق: فعل ماضٍ. الله: فاعل. السماوات: على رأي الجمهور مفعول به منصوب ونصبه كسرة ظاهرة على آخره نائبةً عن الفتحة، لأنه جمع مؤنث سالم، وذهب ابن الحاجب والزمخشري والجرجاني، وصححه ابن هشام أنه مفعول مطلق، ولهم تعليل ذكره في المغني. [وَانْصِبْ بِكَسْرٍ] أي بكسرة أي مسمى كسرة [جَمْعَ تَأْنِيثٍ سَلِمْ] بمعنى سالم، [جَمْعَ تَأْنِيثٍ سَلِمْ] أي سلم الجمع و [سَلِمْ] هنا في تأويل المفرد بمعنى سالم، فتُؤَوَّلُ الجملة بالمفرد. [وَانْصِبْ بِكَسْرٍ جَمْعَ تَأْنِيثٍ سَلِمْ] قالوا: حملاً للنصب على الجر، جمعُ المذكر السالم يجر بالياء، وينصب بالياء، والياء في الأصل أن تكون علامة للجر لأنها إشباع للكسرة، فحينئذٍ حُمِلَ النصب -نصب جمع المذكر السالم- على جره، فجُعِلَ الجر أصلاً بالياء وجعل النصب بالياء فرعًا فصار محمولاً على حالة الجر. وهنا: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ منصوب بالكسرة، حُملَ النصب على الجر، إذًا حصل التعادل والتسوية، لما حمل نصب جمع المذكر السالم على جره فنصب بالياء، كما جُرَّ بالياء، كذلك هنا جمع المؤنث السالم نصب بالكسرة كما جُرَّ بالكسرة، وهذا من باب التعادل. ثم قال:

стр. 171

وَاعْلَمْ بِأَنَّ الجَمْعَ وَالمُثَنَّى ... نَصْبُهُمَا بِاليَاءِ حَيْثُ عَنَّى [وَاعْلَمْ] هذه كلمة يؤتى بها للاهتمام بما بعدها، وأراد بها هنا تتميم النظم، [بِأَنَّ الجَمْعَ] والمراد بالجمع هنا: جمع المذكر السالم، لأن الضابط عندهم: إذا أطلق الجمع ولم يقيد بجمع مذكر سالم أو جمع مؤنث سالم أو جمع مكسر وكان في مقابلة التثنية فحينئذٍ يحمل على جمع المذكر السالم، لأن جمع المذكر السالم يسمى الجمع على حد المثنى، لأنه يعرب بحرفين كما أن المثنى يعرب بحرفين، فحينئذٍ يقيد الجمع بجمع المذكر السالم، [بِأَنَّ الجَمْعَ] [بِأَنَّ] حرف توكيد ونصب [الجَمْعَ] اسمها، [نَصْبُهُمَا بِاليَاءِ] مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر أن. [نَصْبُهُمَا] أي نصب الجمع والمثنى كائن وثابت بالياء أي بمسمى الياء، وضابط الفرق بين ياء الجمع وياء المثنى: أن ياء الجمع يكون ما قبلها مكسورًا وما بعدها مفتوحًا، وياء المثنى يكون ما قبلها مفتوحًا وما بعدها مكسورًا [حَيْثُ عَنَّى] يعني حيث عرض واعترض، عنَّ له كذا يَعِنُّ، ويَعُنُّ -بالضم والكسر- عَنَنًا أي عَرَضَ واعترض، مثال الجمع: إن المسلمين قادمون، فالمسلمين: اسم إن منصوب بها وعلامة نصبه الياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مذكر سالم. ومثال المثنى: قوله ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (يوسف:١٠٠) أبويه: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها نيابة عن الفتحة لأنه مثنى. ثم قال ﵀: وَالخَمْسَةُ الأَفْعَالُ نَصْبُهَا ثَبَتْ ... بِحَذْفِ نُونِهَا إِذَا مَا نُصِبَتْ

стр. 172

هذا هو الموضع الخامس وهو: حذف النون، وهو ثابت في الخمسة الأفعال، قال [وَالخَمْسَةُ الأَفْعَالُ] [وَالخَمْسَةُ] مبتدأ أول، و [الأَفْعَالُ] صفة له و [نَصْبُهَا] مبتدأ ثان وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه، و [ثَبَتْ] فعل ماض مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. [بِحَذْفِ نُونِهَا] [بِحَذْفِ] جار ومجرور متعلق بقوله: ثَبَتْ. قوله: [وَالخَمْسَةُ الأَفْعَالُ] قلنا: هذا علم بالغلبة، والأولى أن يعبر بالأمثلة الخمسة. [وَالخَمْسَةُ الأَفْعَالُ نَصْبُهَا ثَبَتْ] أي ثابت [بِحَذْفِ نُونِهَا] أي بحذف نونها التي تكون علامة للرفع، لأنه كما سبق أن الأمثلة الخمسة ترفع بثبوت النون، ونصبها يكون بإسقاط هذه النون، فصار الحذف علامة على كونها منصوبة إذا تقدم عليها ناصب. [وَالخَمْسَةُ الأَفْعَالُ نَصْبُهَا ثَبَتْ بِحَذْفِ نُونِهَا] قيده بقوله: [إِذَا مَا نُصِبَتْ] [إِذَا] ظرف زمان مضمن معنى الشرط، و [مَا] زائدة يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ... مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ ومنه ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى:٣٧) أي إذا نصبت هذه الخمسة الأفعال، وذلك إذا دخل عليها ناصب، فحينئذٍ تحذف النون ويجعل الحذف علامة على النصب نيابة عن

стр. 173

الفتحة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ (البقرة:٢٤) لن: حرف نفي ونصب واستقبال. تفعلوا: فعل مضارع منصوب بلن ونصبه حذف النون نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأمثلة الخمسة. والواو: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. وحاصل الباب: أن علامات النصب خمسة: الفتحة، والألف، والكسرة، والياء، وحذف النون، والعلامة الأصلية هي: الفتحة، ولها ثلاثة مواضع بالاستقراء: الاسم المفرد، وجمع التكسير، والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء، ودخل عليه ناصب. والألف تكون نائبة عن الفتحة في موضع واحد وهو الأسماء الستة. والكسرة تكون نائبة عن الفتحة في موضع واحد وهو: جمع المؤنث السالم. والياء تكون نائبة عن الفتحة في موضعين: جمع المذكر السالم، والمثنى. وحذف النون يكون علامة للنصب في موضع واحد وهو: الأمثلة الخمسة.

стр. 174

بَابُ عَلاَمَاتِ الخَفْضِ أي هذا باب بيان ومعرفة علامات الخفض، وثلَّث به لأنه مختص بالاسم، وهو أشرف من الجزم، يعني لِمَ ذكر الخفض ثالثًا ولم يقدم عليه الجزم؟ لأنه قد يرد أن الرفع قدمه لأنه مشترك بين الاسم والفعل، والنصب أيضًا ثنى به لأنه مشترك بينهما، وحَقُّ المشترك في الرفع والنصب مقدَّم على ما اختص بواحد منهما، والخفض مختص بالأسماء، والجزم مختص بالأفعال، إذًا كل منهما مختص، لم قدم ما اختص به الاسم على ما اختص به الفعل؟ نقول: قدمه لأنه مختص بالاسم، والاسم أشرف من الفعل، فقُدِّم ما يتعلق بالأشرف على غيره وهو الفعل، وحينئذٍ يرد السؤال: لماذا اختص الخفض بالاسم؟ قالوا: لأن الخفض بالكسرة ثقيل، والاسم خفيف، والجزم خفيف، والفعل ثقيل، فأعطي الخفيفُ الثقيلَ, والثقيلُ الخفيفَ، طردًا لقاعدة التعادل والتناسب، هكذا قيل: فالاسم خفيف لأنه بسيط يعني مدلوله شيء واحد إما ذات وإما معنى، والفعل مدلوله مركب من زمن وحدث، إذًا الفعل ثقيل، والكسر ثقيل لأنه حركة، والجزم خفيف لأنه عدم حركة، وأيهما أنسب: أن نعطي الخفيف الخفيف، الاسم الخفيف نعطيه الجزم فيزداد خفة؟ أو نعطي الخفيف الثقيل ليتعادل، ونعطي الثقيل -الذي هو الفعل- الخفيفَ ليتعادل؟ لا شك أن الثاني هو الأولى، فحينئذٍ أعطي الاسمُ الخفيفُ الثقيلَ وهو الكسرة أي الخفض، لأن الكسرة حركة وهي

стр. 175

ثقيلة، ليزداد الاسم ثقلا بالحركة فيتزن، وأعطي الفعلُ الثقيلُ الخفيفَ وهو الجزم ليصير خفيفًا فصار تعادلٌ بينهما طردًا لقاعدة التعادل والتناسب. إذًا قدم ما يختص بالاسم على ما يختص بالفعل لأن الاسم أشرف من الفعل. وشرفه في كونه يقع مسندًا إليه، بخلاف الفعل. [بَابُ عَلاَمَاتِ الخَفْضِ] أي هذا باب بيان علامات الخفض. والخفض لغة: الخضوع والتذلل. واصطلاحًا على مذهب البصريين: الكسرة وما ناب عنها. وعلى مذهب الكوفيين: تغيير مخصوص علامته الكسرة وما ناب عنها. وعامل الخفض اثنان لا ثالث لهما: إما حرف, وإما اسم. الحرف مثل قولك: مررت بزيدٍ، زيد: اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة على آخره، فالذي أحدث الكسرة في زيد هو الباء وهي حرف جر، لأنها تُحْدِثُ الكسرة فقُيِّد اللفظ بعمله فقيل: حرف الجر، لأنه يعمل الجر، كما قيل حرف نصب، لأنه يعمل النصب، وأداة جزم لأنها تعمل الجزم، وهذا من جهة العمل، وإما لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء. الثاني: الاسم. وهو المضاف على الصحيح، إذا قلت: جاء غلامُ زيدٍ، فغلام: فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وهو مضاف، وزيد مضاف إليه مجرور، وكل مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة أو المقدرة، أو ما ناب عنها. والعامل فيه قيل: الإضافة، وقيل: حرف الجر المقدر، وقيل: المضاف، ثلاثة أقوال: وأصحها أنه المضاف يعني نفس اللفظ غلام هو الذي عمل في المضاف إليه الجر، كما قيل: إن المبتدأ هو عينه عامل الرفع في الخبر على الصحيح، ولا مانع أن

стр. 176

يكون الاسم جامدًا ويعمل فيما بعده إذا كان مقتضيًا له اقتضاءً تامًّا، كذلك هنا غلام زيد، غلام: هذا مضاف ولا يُتمِّمُ معناه إلا المضاف إليه، فحينئذٍ لاقتضاء وافتقار المضاف إلى المضاف إليه عمل فيه، لأن علة العمل في الأفعال وفي الأسماء وفي الحروف هي: الافتقار، وهنا المضاف مفتقر للمضاف إليه، لا يتمم معناه إلا هو، فحينئذٍ نقول: غلام زيد، زيد: مضاف إليه مجرور بالمضاف، وجره كسرة ظاهرة على آخره. زاد بعضهم من عوامل الخفض: الجر بالتوهم، وقيل: الجر بالتبعية، وقيل: الجر بالمجاورة، وكلها ضعيفة وقد يأتي بيانها في باب المخفوضات. عَلاَمَةُ الخَفْضِ الَّتِي بِهَا يَفِي ... كَسْرٌ وَيَاءٌ ثُمَّ فَتْحٌ فَاقْتَفِ [عَلاَمَةُ الخَفْضِ] أي علامات الخفض، يقال فيها ما قيل في علامة النصب، وعلامة الرفع، [عَلاَمَةُ الخَفْضِ] مبتدأ، وكسرٌ وما عطف عليه خبر، [عَلاَمَةُ الخَفْضِ الَّتِي بِهَا يَفِي] يفي أي الخفض، الضمير هنا عائد على الخفض وهو فاعل، ويَفِي أي يتم ويكمل ما للاسم من أنواع الإعراب، فعل مضارع، و [بِهَا] جار ومجرور متعلق بيَفِي، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الَّتِي، [كَسْرٌ] أي الكسرة، لأن ثم فرقًا بينهما فالكسر لقب من ألقاب البناء ولذا تقول: مبني على الكسر. والكسرة من أنواع الإعراب تقول: مجرور وعلامة جره الكسرة، وهذا أحسن، [كَسْرٌ] أي مسمى الكسر، وقدمها لأصالتها، لأنها الأصل أي الكثير والغالب في المجرورات أنه يجر بالكسرة، ولذلك لا يعدل عنها إلا عند تعذرها، متى ما

стр. 177

أمكن أن يلفظ بها أو أن تقدر لا يُعدل إلى غيرها البتة، [وَيَاءٌ] أي مسمى الياء، عطف على [كَسْرٌ] وهو فرع عنه، لأن الكسرة إذا أشبعت تولدت عنها الياء, [ثُمَّ فَتْحٌ] ثُمَّ للترتيب الذكري. [فَتْحٌ] أي مسمى الفتحة، أي الفتحة تكون نائبة عن الكسرة، كما أن الياء تكون نائبة عن الكسرة، وثلَّث بالفتحة لأنها تنوب عن الكسرة في الاسم الذي لا ينصرف. [فَاقْتَفِ] يعني فاتَّبِع، أمر بالاقتفاء وهو الإتباع. إذًا للخفض ثلاث علامات: الأولى: الكسرة وهي الأصل، واثنتان فرعيتان: الياء، والفتحة، ثم قال: فَالخَفْضُ بِالكَسْرِ لِمُفْرَدٍ وَفَا ... وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ إِذَا مَا انْصَرَفَا وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى ... .......................... [فَالخَفْضُ] الفاء فاء الفصيحة، [بِالكَسْرِ] أي بالكسرة ظاهرة كانت أو مقدرة، [لِمُفْرَدٍ] منصرفٍ سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا [وَفَا] أي المفرد وفا بمعنى تَمَّ وكمَّله. [وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ إِذَا مَا انْصَرَفَا] [وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى] فهذه ثلاثة مواضع تكون للكسرة على الأصل، إذًا المواضع التي تكون الكسرة فيها علامة للخفض ثلاثة: الأول: الاسم المفرد، نحو: مررت بزيدٍ والفتى والقاضي وغلامِي. مررت: فعل وفاعل. بزيد: الباء حرف جر، زيدٍ: اسم مجرور بالباء وجره كسرة ظاهرة على آخره، لماذا جرَّ بالكسرة؟ لأنه اسم مفرد، والاسم المفرد يجر بالكسرة على الأصل، والفتى، الواو: حرف عطف، الفتى: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر، وإذا قلت

стр. 178

فتىً: حينئذٍ تكون الكسرة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وفتىً: بدون ألف، لأن الألف والتنوين لا يجتمعان، إذا قلت الفتى: بأل، فحينئذٍ لُفظ بالألف لأن علة حذف الألف هو التنوين، فإذا حذف التنوين حينئذٍ رجعت الألف، فتكون الكسرة مقدرة على الألف الملفوظ بها، وإذا حذفت أل رجع التنوين، فتقول مررت بزيد وفتىً، إذًا التقى ساكنان: الألف والتنوين، فتحذف الألف، وتقدر الكسرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، والقاضي: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره- الياء الملفوظ بها - منع من ظهورها الثقل لأنه اسم منقوص، لكن لو حذفت أل وجئت بالتنوين: التقى ساكنان: الياء والتنوين فتحذف الياء وجوبًا، فحينئذٍ محل تقدير الحركة صار محذوفًا فتقول: وقاضٍ، معطوف على زيد والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وغلامي: مضاف ومضاف إليه. غلامي: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره. غلامي: هو مكسور آخره في اللفظ، ولذلك اتفقوا في المضاف إلى ياء المتكلم أنه إذا رفع أو نصب كانت الضمة والفتحة مقدرة باتفاق، فنحو: جاء غلامي: الضمة مقدرة باتفاق - عند من قال بإعرابه وبعضهم يرى أنه مبنى وليس بصواب - ورأيت غلامي: الفتحة مقدرة باتفاق، عند من قال بإعرابه، أما نحو: مررت بغلامي، أو كما في

стр. 179

مثالنا معطوف على اسم مجرور، فهذا فيه خلاف هل هذه الكسرة كسرة المناسبة أو كسرة أحدثها العامل؟ الأصح أنها كسرة المناسبة، لأن تسليط العامل إنما يكون بعد التركيب الإضافي، فلم يسلط العامل أوَّلا ثم رُكِّب تركيبًا إضافيًا، وإنما أضمر المركب الإضافي فهو سابق على العامل فحينئذٍ وجدت الكسرة أولاً ثم سلط عليه عامل يقتضي الكسرة، فأين تظهر والمحل قد شُغِلْ؟ حينئذٍ يتعين أن نقول: هذه كسرةٌ مقدرةٌ. غلامي معطوف على زيد والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف، والياء: ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. هذا هو الموضع الأول التي تكون الكسرة فيه علامة للخفض. [وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ] أي المجموع المكسر، وهو نوعان: قد يكون مصروفًا، وقد يكون ممنوعًا من الصرف، [إِذَا مَا انْصَرَفَا] هذا قيد عامٌّ للمفرد وجمع التكسير، [فَالخَفْضُ بِالكَسْرِ لِمُفْرَدٍ] [إِذَا مَا انْصَرَفَا] يعني: إذا كان منصرفًا، إذًا نأخذ من هذا أن المفرد قسمان: مصروف، وممنوع من الصرف. والكسرة تكون علامة للخفض في الاسم المفرد المنصرف، والمنصرف مأخوذ من الصرف، والصرف هو التنوين كما قال ابن مالك: الصَّرْفُ تَنْوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا ... مَعْنىً بِهِ يَكُونُ الاسْمُ أَمْكَنَا أنواع التنوين التي تكون في الاسم أربعة، أولها وأشهرها وهو الذي إذا أطلق التنوين انصرف إليه: تنوين التمكين، وتنوين

стр. 180

التمكن، وتنوين الأمكنية، وتنوين الصرف، هذه أربعة أسماء لمسمى واحد. وهو اللاحق للأسماء المعربة دالاً على تمكنها في باب الاسمية، بحيث لم تشبه الحرف فتبنى ولا الفعل فتمنع من الصرف، هذا التنوين يسمى الصرف، فإذا أطلق انصرف إليه هنا قال: [لِمُفْرَدٍ] [إِذَا مَا انْصَرَفَا] أي لمفرد منصرف: يعني لمفرد دخله تنوين الصرف الدال على تمكنه في باب الاسمية، فحينئذٍ استوفى الأنواع الثلاثة: الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة، والخفض بالكسرة، أما الذي أشبه الحرف فقد سُلب عنه الرفع والنصب والخفض لأنه انتقل إلى البناء، وأما الذي أشبه الفعل، فقد سُلِبَ عنه نوعٌ واحدٌ وهو الجر بالكسرة، فحينئذٍ رُفع بالضمة، ونُصب بالفتحة، ولم يُكسر على الأصل وإنما أُعطي الفتحة نيابة على الكسرة - وهذا هو الاسم المفرد الممنوع من الصرف - فإذا قيل: اسم ممنوع من الصرف أي: ممنوع من التنوين، والمشهور أن الممنوع من الصرف هو الممنوع من التنوين والكسرة معًا- وسيأتي تفصيله في موضعه-[وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ] منصرف [إِذَا مَا انْصَرَفَا] الألف فاعل، لأنه يرجع إلى المفرد وجمع التكسير، ومَا زائدة. يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ... مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ [وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى] أي والثالث الذي يخفض بالكسرة على الأصل: جمع المؤنث السالم، و [سَلِيمِ المَبْنَى] أي سَلِمَ مبناه، أي سلم مبنى واحده، كمسلمة ومسلمات، وضخمة وضخمات، جُمع بألف وتاء وسلم فيه واحده، لكن هذا القيد لا للاحتراز، لأنه قد
следующие страницы →