← Акыда

Акыда · id 36091

مختصر التحفة الاثني عشرية

محمود شكري الألوسي

Полный текст (339 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[مختصر التحفة الاثني عشرية]ـ ألّف أصله باللغة الفارسية: علامة الهند شاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي نقله من الفارسية إلى العربية: (سنة ١٢٢٧ هـ) الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي اختصره وهذبه: (سنة ١٣٠١ هـ) علامة العراق محمود شكري الألوسي حققه وعلق حواشيه: محب الدين الخطيب الناشر: المطبعة السلفية، القاهرة عام النشر: ١٣٧٣ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

تقديم - بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لك اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد، وسلم تسليما كثيرا. وبعد فإن الإسلام امتاز على أنظمة الدين والدنيا جميعا بكماله، ووفائه بحاجة المجتمع الإنساني ليكون به سعيدا في كل زمان ومكان، كما أمتاز بحفظ الله له - في أصليه الأصيلين: القرآن الحكيم والحديث النبوي - بما لم يسبق له نظير في كل هداية عرفها البشر. والمسلمون الأولون - الذين تولى الهادي الأعظم ﷺ تربيتهم وتوجيههم وإعدادهم للاضطلاع بمهمة الإسلام العظمى - كانوا المثل الكامل للعمل بالإسلام: في إيمانهم، وطاعتهم لله، وأخلاقهم الكريمة، وسياستهم الحكيمة، وفتوحهم الرحيمة، وتكوينهم المجتمع الإسلامي الصالح، والدولة الإنسانية المثاليّة. وقد كافأهم الله على ذلك بانتشار رسالته على أيديهم، وذيوع دعوته بين الأمم اقتداء بهم، واتباعا لهم. ولما تخطت رسالة الإسلام حدود الجزيرة العربية المباركة - فدخلت العراق وإيران شرقا، والشام شمالا، ومصر وإفريقية غربا - كان ذلك سعادةً للخيار من أهل البلاد المفتوحة، وغذاء لعقولهم، وبهجةً وحبورا تطمئن بهما قلوبهم. وشجى للأشرار منهم، وغصةً في حلوقهم، ومبعث إحنةٍ وغلٍّ تسمّمت بهما دماؤهم وأرواحهم.

стр. 3

إن الأخيار من طبقات سالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، فالحسن البصري، وعبد الله بن المبارك، فمحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، وأندادهم وتلاميذهم، استقبلوا هداية الإسلام السليمة الأصلية بأرواحهم وعقولهم، وفتحوا لها أبوابهم وصدورهم، وأحلوا لغتها محلَّ لغاتهم، وعملوا بسننها بدلا من سننهم، ونسخوا بإيمانها كل ما كانوا - أو كان آباؤهم - عليه من قبل. فساهموا في حفظ كتاب الله وسنة رسوله الأعظم، وحرصوا على فهمها كما كان يفهمها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل ومن ائتم بهم وسار على منهاجهم، حتى صاروا بنعمة الله إخوانا للمسلمين كصالحي المسلمين، وأئمة المسلمين كسائر أئمة المسلمين. وإن الأشرار من طبقة الهُرمُزان، وعبد الله بن سَبَأ، وعبد الله بن يسار، وأبي بكر الكرُّوس، ورُشيد الهجريّ، ومحمد بن أبي زينب، والأحول الخبيث شيطان الطاق، وجهم بن صفوان، وتلميذه هشام بن الحكم الذي كان غلاما لأبي شاكر الديصاني، وهشام الآخر وهو ابن سالم الجواليقي وكان يقول إن الله جسم ذو أبعاد ثلاثة، والأحوص أحمد ابن إسحاق القمي الذي اخترع لشيعة عصره عيد بابا شجاع الدين، (١) وبنو أعين: زرارة وبكير وحمران وعيسى وعبد الجبار، والمفضل بن عمر الذي وصفه جعفر الصادق بأنه كافر ومشرك وعده قدماء الشيعة من الغلاة، ثم جاء شيعة عصرنا ينافحون عنه ويعتذرون له بأن ما كان يعده قدماؤهم غلوا أصبح اليوم من ضروريات التشيع في شكله الحاضر (انظر كتابهم تنقيح المقال للمامقاني ٣: ٢٤٠ - ٢٤١) وهذا اعتراف علمي في أهم كتبهم في الجرح والتعديل بأنهم الآن كلهم غلاة كما كان المفضل بن عمر الذي وصفه جعفر الصادق بالكفر والإشراك، وإعلان منهم بأن المذهب الشيعي استقر الآن على ذلك الغلو، وكل ما كان يعد في السابق غلوا فهو اليوم من ضروريات المذهب.

стр. 4

إن الأشرار ممن سمينا، وألوفا كثيرة من أمثالهم، قد أبغضوا من صميم قلوبهم أصحاب محمد ﷺ وأحبابه وأعوانه على الحق، لأنهم أطفأوا نار المجوسية إلى الأبد، وأدخلوا إيران في نطاق دولة الإسلام، وأقاموا المسجد الأقصى على أنقاض الهيكل. فهذا (الذنب) الذي ارتكبه نحو المجوسية واليهودية أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ويزيد ومعاوية ابنا أبي سفيان، وسائر إخوانهم من الفاتحين والصالحين، لن ينساه لهم مبغضوهم من اليهود والمجوس. وقد قاوم أسلافهم زحف الإسلام وامتداد رسالته بأسلحتهم ودسائسهم جيشا لجيش، وجهادا لجهاد، ومعركة بعد معركة، حتى هزمهم الله في كل موقف، وخذلهم في كل ملحمة. فباتوا ينتظرون الفرص السانحة، ويترقبون للمسلمين الأولين ما يترقبه المبطلون لأهل الحق في كل زمان ومكان. فلما لم ينالوا منهم شيئا، وطالت عليهم خلافة أمير المؤمنين عمر، واتسعت الفتوح في زمنه، وانتشرت كلمة الإسلام في آفاق مترامية الأطراف، تآمروا حينئذ على سفك دم عمر وهو حمو رسول الله أبو أم المؤمنين حفصة، وصهر علي بن أبي طالب زوج بنته أم كلثوم الكبرى التي ولدت له ابنه زيدا وبنته رقية، وأم كلثوم بنت علي هي التي كانت في بيت أمير المؤمنين عمر لما تآمر على قتله الهرمزان وأبو لؤلؤة وغيرهما. ولا يزال الشيعة إلى اليوم مسرورين بما ساء عليا وبنته أم كلثوم وسائر أهل البيت من سفك دم أعدل من حكم في الأرض بعد محمد ﷺ وصاحبه في الغار المجاور لهما في المدفن النبوي الطاهر جوارا لا ينقطع في الدنيا ولا الآخرة. وقد ظن المجوس الذين قتلوا عمر أنهم قد قتلوا الإسلام بقتله، ولكنهم ما لبثوا أن علموا أنهم باءوا من هذه بمثل الذي باءوا به من تلك، وحفظ الله رسالته، وحاط دعوة الحق بعين عنايته وجميل رعايته، وعادت جيوش الإسلام في خلافة ذي النورين توغل فيما وراء إيران، وتفتح لكلمة الله آفاقا أخرى متجاوزة الحد المنيع الذي كانوا يسمونه «باب الأبواب»، فلم تكن على وج الأرض يومئذ - ولا في العصر التالية إلى يوم القيامة - رايات تخفق بالنصر والعدل والرحمة كهذه الرايات النيرة الظافرة.

стр. 5

حينئذ أيقن المجوس واليهود أن الإسلام إذا كان إسلاما محمديا صحيحا لا يمكن أن يحارب وجها لوجه في معارك شريفة سافرة، ولا سبيل إلى سحقه باغتيال أئمته وعظمائه. فأزمعوا الرأي أن يظاهروا بالإسلام، وأن ينخرطوا في سلكه، وأن يكونوا (الطابور الخامس) في قلعته. ومن ذلك الحين رسموا خطتهم على أن يحتموا بحائط يقاتلون من ورائه الرسالة المحمدية وأهلها الأولين، فتخيروا اسم «علي» ليتخذوه ردءا لهم. وأول من اختار ذلك لهم يهوديٌّ ابن يهودي من أخبث من ولدتهم نساء اليهود منذ عبدوا العجل في زمن موسى إلى أن اخترعوا الفكرة الصهيونية في الزمن الأخير. نقل المامقاني في كتابهم تنقيح المقال (٢: ١٨٤) عن الكشي رأس علمائهم في الجرح والتعديل ما نصه: «وذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا، وكان يقول - وهو على يهوديته - في يوشع بن نون (وصي موسى)، فقال في إسلامه في علي مثل ذلك وكان (أي عبد الله بن سبأ) أول من شهر القول بإمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه (ومراد الكشي من أعداء علي إخوانه وأحبابه أصحاب رسول الله ﷺ )، وكاشف مخالفيه وكفرهم. فمن هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهود». انتهى كلام الكشى إمام الشيعة في الجرح والتعديل ومؤرخ الرواية والرواة في نحلتهم، وما ينبئك مثل خبير. وعبد الله بن سبأ كان ملعونا على لسان علي بن أبي طالب سلام الله عليه، ودعوته كانت مرذولة فيما كان يدين الله به كرم الله وجهه، وقد طارد هذا الملعون وحرق بالنار من وصلت إليهم يده من أصحابه ودعاته، وهذا هو المنتظر من إمام صالح راشد طالما خطب على منبر الكوفة فقال على رؤوس الأشهاد: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» روي ذلك عنه من ثمانين وجها ورواه البخاري وغيره، وكان كرم الله وجهه يقول «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري». ولما بلغت الجرأة والفجور باثنين من المتسممين بسموم عبد الله بن سبأ - ويقال لهما عجل وسعد ابنا عبد الله - فنالا

стр. 6

من أم المؤمنين عائشة سلام الله عليها، أمر علي القعقاع بن عمرو ﵄ بأن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. وكان ذلك بعد وقعة الجمل. هذا هو علي في صورته التاريخية الثابتة عنه بأوثق ما ثبتت حقائق الماضي، وهو غير علي في صورته الوهمية الكاذبة التي يصوره بها الشيعة على أنه مراءٍ جبان يمدح إخوانه الصحابة تقيةً ونفاقا ويضمر لهم البغضاء حسدا وأنانية. إن عليا أسمى من ذلك وأكرم عند الله. وصورته الصادقة هي التي ثبتت برواية الصادقين عن الصادقين من رواة أئمة السنة الأعلام الذين يخافون الله واليوم الآخر ويحبون عليا وآله حبا معقولا سليما من الآفات، ويحفظون لهم كل كرامة وفضيلة. والصورة التي يصوره بها كذبا مجوس هذه الأمة وتلاميذ اليهودي عبد الله بن سبأ صورة متناقضة جمعت بين تأليه علي ونعته بأحط النعوت وأسوإها. ولم يكن كل شيعة علي في زمن علي من هذا الطراز، بل كان فيهم كرام الصحابة وصالحو المؤمنون، والتحق بهم واندس في صفوفهم الكفرة والحمقى والغلاة وضعاف العقول والكاذبون في إسلامهم، ومنهم أُتي رضوان الله عليه، وهؤلاء هم الذين عاقوا هذا الإمام الأعظم عن أن يكون كما يحبه لنفسه وما يحبه الله له من نشر دعوة الله في آفاق أخرى لم تصل إليها دعوة الإسلام، وشغلوه بحمايتهم قتلة عثمان، وإن كان طالما أعلن لعنتهم على مسمع منهم وهم في كتائب جيشه، أو في صفوف المصلين تحت منبره في مسجد الكوفة. إن هذا الطراز الضال المريب من شيعة علي في زمن علي كثيرون وكثيرون، وهم الذين كان علي يشكوهم ويتبرأ منهم، وكتاب نهج البلاغة ملئ بذمهم والزراية عليهم. وإن موقفهم من ابنه الحسن معروف في التاريخ، حتى لقد تجرأوا على إسالة دمه من جسمه الشريف بغيا عليه ونذالة منهم وكفرا، وهم الذين أغروا أخاه الحسين ودعوه من بلده إلى بلدهم، ثم تولوا بأيديهم سفك دمه الطاهر، وبعد مقتله خرجوا يستقبلون آله بعيون باكية. نقل علامة الشيعة في هذا العصر الشيخ هبة الدين الشهرستاني ما رواه الجاحظ عن خزيمة السدي قال: دخلت الكوفة فصادفت منصرف علي بن الحسين بالذرية من

стр. 7

كربلاء إلى ابن زياد، ورأيت نساء الكوفة يومئذٍ قياما يندبن متهتكات الجيوب، وسمعت علي بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل - وقد نحل من شدة المرض -: «يا أهل الكوفة، إنكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم؟» ورأيت زينب بنت علي ﵇، فلم أرَ والله خفرة أنطق منها بيانا، قالت: «يا أهل الكوفة، يا أهل الختر والخذل! فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنة. إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. ألا وهل فيكم إلا الصلف والشنف، وملق الإماء وغمز الأعداء؟ وهل أنتم إلا كمرعي على دمنة، أو كغضة على ملحودة؟ ألا ساء ما قدمت أنفسكم. أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون؟ أي والله فابكوا، وإنكم والله أحرياء بالبكاء. فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا». ونقل عالمهم المامقاني في تنقيح المقال (١: ٣٨) عن إمامهم الكشي بسندٍ رجاله كلهم من الشيعة أن بريدا العجلي قال: كنت أنا وأبو الصباح الكناني عند أبي عبد الله (أي جعفر الصادق) فقال: «كان أصحاب أبي خيرا منكم، كان أصحاب أبي ورقا لا شوك فيه، وأنتم شوك لا ورق فيه». فقال أبو الصباح: جعلت فداك، فنحن أصحاب أبيك! قال: «كنتم يومئذ خيرا منكم اليوم». وبعده في الكتاب نفسه خبر آخر بأن أبا الصباح هذا الذي كان من كبار شيعة الصادق وأبيه الباقر قد عبث بثدي جارية ناهد خرجت له من منزل إمامه الباقر، فأنبّه على ذلك ونقل المامقاني (٢: ٨) في ترجمة سدير بن حكيم الصيرفي عن آخر كتاب الروضة من (الكافي) عن المعلى قال: ذهبت بكتاب عبد السليم بن نعيم وسدير وغير واحد (أي وغير واحد من شيعة جعفر الصادق) إلى أبي عبد الله (وهو جعفر الصادق) ... فضرب بالكتاب الأرض ثم قال: «أف، أف، ما أنا لهؤلاء بإمام».

стр. 8

وفي ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي (١٠: ٣٤٧) أن جعفر الصادق قال لابن السماك: «إن زرارة بن أعين من أهل النار». وزرارة بن أعين هذا ممن يروي عنهم الكليني في الكافي نصيبا كبيرا من الأحاديث التي يكذبونها على آل بيت رسول الله ﷺ ويعتبرونها دينا. ومن أعلامهم أبو بصير الذي كذب على جعفر الصادق فادعى أنه سمع منه قوله «وإن عندنا لمصحف فاطمة، مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم هذا حرف واحد». ومع أن طائفة كبيرة من دينهم وأحاديث بُخاريهم الذي يسمونه (الكافي) مروية عن أبي بصير هذا فإن علماءهم معترفون بأن أبا بصير مطعون في دينه، لكنهم قالوا: «إنه ثقة، والطعن في دينه لايوجب الطعن!» وعلماء الجرح والتعديل عند الشيعة إذا قالوا في رجل منهم «إنه ثقة» لا يريدون من هذا الوصف أنه صادق من أهل العدالة، بقدر ما يريدون منه أنه معتصب لاتجاهاتهم، مبغض للصحابة، مجتهد في النيل منهم، والافتراء عليهم. وإذا تتبعت تراجم أعلام الشيعة في زمن أئمتهم رأيتهم بين كذابين، وملاحدة، وشعوبيين، وفاسدي العقيدة، ومذمومين من أمتهم، أو عابثين بأثداء جواري أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص. وسبب ذلك أن دينهم من أصله فاسد، وهل يثمر الدين الفاسد إلا الفساد؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (١: ٣): «إن أصل هذا المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم في حياته علي بن أبي طالب ﵁، فحرق منهم طائفة بالنار وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه البتار، وتوعد بالجلد طائفة مغيرية فيما عرف عنه من الأخبار». وأخرج الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٥) أن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم قال لرجل من الرافضة: «والله لئن أمكننا منكم لنقطعن

стр. 9

أيديكم وأرجلكم، ثم لا نقبل منكم توبة». فقال له رجل: لم لا تقبل منهم توبة؟ قال: «نحن أعلم بهؤلاء منكم. إن هؤلاء إن شاءوا صدقوكم، وإن شاءوا كذبوكم وزعموا أن ذلك يستقيم لهم في (التقية). ويلك! إن التقية هي باب رخصة للمسلم، إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه يدرأ عن ذمة الله. وليست باب فضل، وإنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق. وأيم الله ما بلغ من التقية أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل عباد الله». بل إن جعفرا الصادق دمغهم بكلمته المشهورة التي رواها عنه محمد بن بابويه القمي في كتاب التوحيد، وهي قوله «القدرية مجوس هذه الأمة: أرادوا أن يصفوا الله بعدله، فأخرجوه عن سلطانه». وكم له ﵇ من كلمات فيهم كوى بها أجسادهم لو أن في أجسادهم حياة وشعورا. والإمام زيد بن علي زين العابدين ابن الحسين (عم جعفر الصادق) من كبار علماء آل البيت وصلحائهم، رُوي عنه في كتاب (الحور العين) لنشوان الحميري ص ١٨٥ أن الشيعة لما قالوا له في أبي بكر وعمر «إن برئت منهما وإلا رفضناك» فقال لهم ﵁: الله أكبر، حدثني أبي أن رسول الله (قال لعلي ﵇: «إنه سيكون قوم يدّعون حبنا، لهم نبز يعرفون به، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون». اذهبوا فأنتم (الرافضة)!. إن الشيعة كاذبون في مودة علي وأهل البيت، وقد تبرأ منهم علي وبنوه في مواقف لا تحصى. وإن الصالحين من أهل البيت الذين تبغضهم الشيعة وتذمهم أكثر عددا من الذين تتظاهر بحبهم وبالتشيع الكاذب لهم. ومن صالحي آل البيت الذين يبغضون الشيعة وتبغضهم الشيعة سيدنا الإمام زيد بن علي زين العابدين ابن الحسين السبط ﵁ وعن آبائه. أما أهل السنة فيرون من السنة أن يحبوا آل البيت جميعا إلا من انحرف منهم عن سنة جدهم ﷺ ، ويتحرون الأخبار الصادقة عنهم، ويعرفون لأصحاب النبي ﷺ -

стр. 10

أقدارهم، ويضعون الناس كلهم في المواضع التي أمر الله أن يكونوا فيها، فلا يرفعونهم فوق بشريتهم، ولا يزعمون لأطفال مولودين يتبولون في حجور أمهاتهم أنهم أعلم من علماء الصحابة وهم في سن الكمال. وهنالك ميزانان: يستعمل الشيعة أحدهما، ويستعمل أهل السنة المحمدية الميزان الآخر. فالشيعة أبغضوا أصحاب رسول الله الذين قام الإسلام على أكتافهم، لأن الإسلام قام على أكتافهم، واخترعوا عداوة كاذبة لا أصل لها بين علي وإخوانه في الله. وافتروا على الفريقين حكايات في ذلك سودوا بها صفحات السوء من أسفارهم. وبنوا دعوتهم على أن الحب والبغض في الإسلام ليس لرسالة الإسلام نفسها، بل لأشخاص اخترعوا لهم شخصيات وهمية لا يعرفها التاريخ. ورووا - بألسنة ناس معروفين بالكذب - أقوالا وضعوها على ألسنة أولئك النفر من آل البيت لا صحة لها، ولم تصدر عنهم، وإن العقل والمنطق يكذبانها. ونقضوا قول علي كرم الله وجهه «اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال» فسنوا قاعدة «اعرف الحق بما رواه الكذبة عن رجال مخصوصين، ولا تنقد ما نسب إليهم كذبا بعرضه على ميزان الحق وقواعد المنطق». ولما انتهوا من دعوى أنهم شيعة هذا النفر القليل من آل البيت المكذوب عليهم، اخترعوا عداوة جديدة بين آل البيت أنفسهم، فتجاهلوا رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله ﷺ لأنهما كانتا زوجتي أمير المؤمنين عثمان الذي بشره النبي ﷺ بالشهادة وشهد له بالجنة. وزعموا أن بعض آل البيت أعداء لبعض، إلى أن أسقطوا جميع آل البيت إلا ذلك النفر القليل الذي ثبت حتى في كتب الشيعة أنه كان يلعنهم ويتبرأ منهم. فميزان الشيعة ميزان (شخصيات وهمية) زعموا لها ما ليس للبشر من صفات، وتعصبوا لما اخترعوه هم من مبادئ وعقائد تخالف مبادئ الإسلام وعقائده، رغبة منهم في تبديله والقضاء على رسالة الإسلام. أما ميزان أهل السنة فهو قول الله ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. فاتباع الرسول فيما جاء به هو الميزان عندهم وعند الأئمة الصالحين من

стр. 11

أهل البيت أيضا، فيه يعرفون عدالة المسلم وصحة إيمانه، وكلما كان المسلم أصدق اتباعا لرسول الله فيما جاء به من الله كان أصح إيمانا وأصدق إسلاما. ومقياس الاتباع عندهم اتباع كتاب الله على ما فهمه الصحابة من رسول الله، واتباع سنته الصحيحة التي لم يمحص البشر أقوال رجلٍ في التاريخ وأعماله كما محص أهل السنة أحاديث هذا النبي الكريم وراقبوا أعماله. ولم يتناول التحقيق الإنساني صدق رواة الخبار أو كذبهم، وأهليتهم لحمل هذه الأمانة أو عدم أهليتهم لذلك، كما حقق ذلك أعلام السنة المحمدية. هذا ميزان أهل السنة، وذاك ميزان الشيعة. والتشيع معناه العصبية لأشخاص، وأقبح العصبيات العصبية لأشخاص موهومين مكذوبٍ عليهم ومخترعة لهم شخصياتٌ لا تلائم دينهم وأخلاقهم وتقواهم لله . وأصل هذا الكتاب (أعني التحفة الاثني عشرية) ألف لعرض هذين الميزانين وبيان حقيقتهما للشيعة وأهل السنة وللناس جميعا. وقد ألفه باللغة الفارسية عند انتهاء القرن الثاني عشر الهجري كبير علماء الهند في عصره شاه عبد العزيز الدهلوي (١١٥٩ - ١٢٣٩) أكبر أنجال الإمام الصالح الناصح شاه ولي الله الدهلوي (١١١٤ - ١١٧٦) وكان شاه عبد العزيز يُعد خليفة أبيه ووارث علومه. وكان ﵀ مطلعا على كتب الشيعة متبحرا فيها وقد اختار لهذا الكتاب مع اسمه لقبا هو (نصيحة المؤمنين، وفضيحة الشياطين)، وذكر غرضه من هذا التأليف فقال: «هذه رسالة في كشف حال الشيعة، وبيان أصول مذهبهم، ومآخذه، وطريق دعوتهم الآخرين إلى مذهبهم. وفي بيان أسلافهم، ورواة أخبارهم، وأحاديثهم، وبيان قليل من عقائدهم في الإلهيات، والنبوات، والإمامة، والمعاد». وقال: «إن البلاد التي نحن بها ساكنون راج فيها مذهب الاثنى عشرية حتى قل بيت من أمصارها لم يتمذهب بهذا المذهب. وأكثرهم جهلة في علم التاريخ، غافلون عن أصولهم وما كان عليه أسلافهم الكرام». ثم قال: «وقد التزمت في هذه الرسالة أن لا أنقل شيئا من حال مذهب الشيعة وبيان أصولهم والإلزامات الموجهة إليهم إلا من كتبهم

стр. 12

الشهيرة المعتبرة، أو الموافقة لما فيها، لأحملهم على أن تكون الإلزامات التي يوردونها يزعمهم على أهل السنة والجماعة مطابقة لما في الكتب المعتبرة عند أهل السنة وموافقة لرواياتهم الصحيحة، وبذلك تنتفي عنا وعنهم تهمة التعصب». وقال المترجم من الفارسية إلى العربية: «إن المؤلف حيثما أطلق الكلام جعله على طريقة الشيعة ومذهبهم. (١) وما أورده عن أهل السنة قيده بهم وعزاه إليهم. ومن هذا القبيل ما ذكره في باب الإمامة (ص ١٢٤) عن اجتهاد معاوية، فقد أورده بلسان الشيعة وطريقتهم تنزلا ليقيم عليهم الحجة فيما بعد. فأصل الكلام في هذه الرسالة على قواعد الشيعة وأصولهم ورواياتهم، لتقوم الحجة عليهم بذلك» وبعد نحو ربع قرن من تأليف الكتاب بالفارسية وانتشاره في أقطار الهند وغيرها، شعر مسلمو الهند بحاجتهم إلى ترجمته بالعربية، وأول من اقترح ذلك الحافظ محمد حيدر، وقد كاشف في ذلك عمدة الأعيان الأمير محمد عبد الغفار خان بهادر ثابت جنك ابن محمد علي خان، واختاروا لترجمته الحافظ الشيخ غلام محمد الأسلمي لتمكنه من مؤلفات الشيعة ومعرفته بموضوع الكتاب، فضلا عن إجادته اللغة الفارسية، غير أن بيانه العربي لا يزيد على ما ينتظر من مثله. وهو يقول في مقدمة ترجمته العربية: «كان البدء بها في عهد عظيم الدولة بهادر أمير الهند والا جاه». وقال في خاتمتها: «اختتمت (الترجمة العبقرية، والصولة الحيدرية) عشاء ليلة الجمعة الخامسة من شهر شعبان سنة ١٢٢٧ للهجرة في بندر مدراس). ثم شكا من الناسخ الذي عهد إليه تبييض الترجمة بأنه «لم يكن يميز السين من الشين، فمسخها، ثم ألزمني تصحيحها بواسطة من لا يسعني أن أخالف له أمرا، مستعجلا فيه غاية الاستعجال، فأديته كأنه وبال»

стр. 13

وبقي الأصل الفارسي وترجمته العربية مخطوطين يتناقلهما الناسخون بالقلم، ومع ذلك عم انتشارها في مختلف البلاد، وقد تفضل العالم السلفي الوجيه الكريم الشيخ محمد نصيف عين أعيان جدة فأرسل إلي بالطائرة نسخة مخطوطة من ترجمة الأسلمي، وهي في مجلد ضخم بلغ ١٠٥١ صفحة في كل صفحة ١٩ سطرا، ومع أنها كثيرة الأخطاء فضلا عن عجمة مترجمها فقد نفعتني كثيرا في تصحيح هذا المختصر الذي قام به - في ختام القرن الثالث عشر الهجري - علامة العراق السيد محمود شكري الآلوسي، وقد أرخ ذلك السيد شهاب الدين الموصلي بقوله: لله تحفة ذي فضل مؤلفها ... ما بين أبحاثها قد أثبت الإلفه واليوم شكري بحمد الله أوجزها ... ملخصا فضلها من غير ما كلفه إيجازها كان وعدا، ثم أرخه ... نقدا بإيجازه قد أتحف التحفه ثم في سنة ١٣١٥ طبع هذا المختصر طبعا سقيما على الحجر في المطبعة المجتبائية بمدينة بومباي بالهند، فجاء كثير الأخطاء. وقد اقترح علي تحقيق هذا المختصر والعناية به والتعليق عليه صديقي العلامة السلفي الشيخ محمد نصيف - بارك الله في حياته - فقمت من ذلك بما ساعدني عليه الوقت، مستعينا بالله، ومتقربا إليه بهذا العمل الذي أرجو الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم. ولما علم أخي مؤرخ العراق الأستاذ السيد عباس العزاوي المحامي في بغداد بقيامي على خدمة هذا المختصر للسيد محمود شكري الآلوسي ﵀ كتب إلي يقول: إن كثيرا من علمائنا الأفاضل «رحمهم الله تعالى» ألفوا في كشف حقيقة التشيع بعد شيخ الإسلام ابن تيمية، وأذكر منهم الآن القاضي فضل بن روز بهان فإنه ألف في الرد على (منهاج الكرامة) لابن مطهر الحلي الذي هدمه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابه الشهير (منهاج السنة النبوية).

стр. 14

ومنهم ميرزا مخدوم مؤلف (النواقض). واختصره السيد البرزنجي بكتاب (نواقض الروافض). والشيخ علي الهيتي بكتابه (السيف الباتر). ولأبي الثناء الشهاب الآلوسي الكبير كتاب (الأجوبة العراقية، على الأسئلة الإيرانية (١)) وهو يحتوي الأجوبة السديدة على ثلاثين مسألة مهمة في مختلف العلوم وردت من إيران فدمغها الشهاب الآلوسي بهذه الأجوبة، وقد وصف شاعر العراق السيد عبد البقي العمري الأسئلة والأجوبة بقوله: إن السؤال والجواب مثلما ... قد قيل في التمثيل: أنثى وذكر وللآلوسي الكبير أيضا كتاب (نهج السلامة إلى مباحث الإمامة (٢)). وله أيضا (الأجوبة العراقية، عن الأسئلة اللاهورية (٣)) ذب فيه عن أصحاب رسول الله ﷺ وأجازه عليه السلطان محمود العثماني بجائزة عظيمة. وللبندنيجي (الأجوبة على الأسئلة اللاهورية) أيضا، ومثلها للحيدري. ومن الكتب الجيدة في هذا الباب (الصارم الحديد في الرد على ابن أبي الحديد (٤)). ورد الشيخ علي السويدي العباسي على الشيعة. وللشيخ عثمان بن سند كتاب (الصارم القرضاب في نحر من سب أكابر الأصحاب) (٥)

стр. 15

ومن الكتب في هذا الباب (حديقة السرائر وشرحها) لعبد الله البيتوشي الملقب بسيبويه الثاني، وهو من كبار علماء الأكراد. أما السيد محمود شكري الآلوسي فله في الرد على الشيعة غير (مختصر التحفة الاثني عشرية) رسالة عنوانها (سعادة الدارين، في شرح حديث الثقلين). وهذه أيضا كان أصلها باللغة الفارسية وهي لمؤلف التحفة الاثني عشرية شاه عبد العزيز الدهلوي ﵀، وقد عربها السيد محمود شكرى وضم إليها فوائد متعلقة بحديث الثقلين، ورتبها على مقدمة ومقصد وخاتمة، فجاءت في ٤٠ صفحة. وله أيضا (السيوف المشرقة، مختصر الصواعق المحرقة)، وأصله للشيخ محمد خوجه نصر الله الحسيني الصديق الهندي ثم المكي، اختصره السيد محمود شكري الآلوسي سنة ١٣٠٣ بعد اختصار التحفة الاثنى عشرية، وهو أكبر منها حجما بنحو الثلث. وله أيضا كتاب (صب العذاب على من سب الأصحاب) ردًّ به على محمد الطباطبائي المتستر باسم أحمد الفاطمي في أرجوزة له تعرض فيها لأبي الثناء الشهاب الآلوسي الكبير في أجوبته على الأسئلة اللاهورية، فانتصر له حفيده السيد محمود شكري بهذا الكتاب وهو في ١١٥ صفحة. وبعد فإن الساهرين على حراسة التشيع لن يضروا الله شيئا، فقد تولى الله حفظ هذا الدين، وادخره لسعادة الإنسانية يوم تنشد الإنسانية سعادتها من أقرب الطرق وأسلمها، فلا تجد ذلك إلا فيما كان عليه تلاميذ رسول الله ﷺ ، وتابعوهم، وتابعو التابعين لهم بإحسان. أما نشاط القوم فيما يصدرونه من كتب بذيئة ككتاب السقيفة والرد على رد السقيفة فستكون له فائدة واحدة وهي تفرغ طبقة من شباب الإسلام في أنحاء الوطن الإسلامي الأكبر لدراسة أصل التشيع وتطوره ومقاصده وأهدافه، وبراءة أهل البيت منه ومن طواغيته، إلى أن تنجلي الأمور على حقيقتها، ويبوء الكذب والباطل وأهلهما بما هم أهل له. والله ولي الصالحين. وكتب في دار الفتح بجزيرة الروضة * تجاه الفسطاط في يوم الاثنين العاشر من صفر سنة ١٣٧٣ محب الدين الخطيب

стр. 16

مقدمة المختصر السيد محمود شكري الآلوسي الحمد لله الذي ثبّت أركان الدين بأئمة أهل السنة وأعلامهم، وجعل خلفاء نبيه أتباعه في الدنيا ويوم يدعى كل أناس بإمامهم. وسلك بهم مسلك السداد، ومهد لهم طرق الهدى والرشاد. وعصمهم باتباع سنن رسوله ﵊ من الزيغ والضلال والشبه والأوهام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الشريعة الغراء، الواضحة البيضاء. وعلى آله أئمة الدين، وصحابته الهادين المهديين. وبعد فيقول المفتقر إلى الله، الملتجئ إلى ركن فضله وعلاه. خادم العلوم الدينية، في مدينة دار السلام المحمية. محمود شكري ابن السيد عبد الله الحسيني الآلوسي البغدادي، كان الله تعالى له خير معين وأحسن هادي: إن علماء الشيعة لم يزالوا قائمين على ساق المناظرة، واقفين في ميادين المنافرة والمكابرة. مع كل قليل البضاعة، ممن ينتمى إلى مذاهب أهل السنة والجماعة. لا سيما في الديار العراقية، وما والاها من ممالك الدولة العلية العثمانية. حتى اغتر بشبههم من الجهلة الألوف، وانقاد لزمام دعواهم ممن لم يكن له على معرفة الحق وقوف. فلما رأيت الأمر اتسع خرقه، والشر تعددت طرقه. شمرت عن ساعد الجد والاجتهاد، في الذبّ عن مسلك ذوي الرشاد. ورأيت أن أؤلف في هذا الباب، كتابا مشتملا على فصل الخطاب، به يتميز القشر عن اللبان، ويتبين الخطأ من الصواب. وقد ألف العالم العلامة والنحرير الفهامة الشيخ غلام محمد أسلمي الهندي، تغمده الله تعالى بغفرانه الأبدى. ترجمة التحفة الاثني عشرية، في الرد على فرق الشيعة الإمامية.

стр. 17

(١) فوجدته كتابا انكشفت شبه المناظرين بأنوار دلائله، واندفعت شكوك المعاندين بمسلم براهينه وجلّي مسائله. قد انسد فيه دون الناقد البصير كل باب، وانهد به ركن الباطل والارتياب. فلا يستطيع الخصم أن يفوه ببنت شفة حيث أُلجم بلجام الإلزام. ولا يطيق العنود أن يفتح فمه لما حاك عليه من لثام العجز والإفحام. غير أن مؤلفه عليه الرحمة قد أطنب فيه وأطال، وكرر كثيرا من المسائل والأقوال. بعبارات ليس لها حظ من فصاحة الكلام، ولا نصيب من السلاسة والانسجام. حيث أنه ممن يتكلم بالهندية، ولم يمارس التحاطب باللغة العربية. فحداني التوفيق الإلهي إلى تلخيص ذلك الكتاب، وهداني التأييد الرباني إلى إبراز غواني معانيه بأبهى جلباب. مع ضم ما يؤدي إليه المقام، مما أفاده العلماء الأعلام. بعبارات سهلة موجزة مشتملة ينتفع بها الخاص والعام، ويتلقاها بالقبول ذوو الإنصاف من الأنام. ولما يسر الله تعالى ما طلبته، وأجابني فيما رجوته ودعوته. سميت الكتاب (المنحة الإلهية، تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية) وقدمته لأعتاب خليفة الله في أرضه، ونائب رسوله ﵊ في إحياء سنته وفرضه. الذي راعي رعاياه بجميل رعايته، ودبرهم بصائب تدبيره وواسع درايته. وسلك أحسن المسالك في استقامة أمورهم، وصيانة نفوسهم، وحراسة جمهورهم. وخص من بينهم علماء دولته وصلحاء ملته بحسن ملاحظته وفضل محافظته، تمييزا لهم بالعناية، وتخصيصا بما يجب من الرعاية. ووضعا للأمور في مواضعها، وغصابة مواقعها. ألا وهو أمير المؤمنين، الواجب طاعته على الخلق أجمعين. سلطان البرين وخاقان البحرين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان. اللهم أيده بنصرك وانصره لتأبيد ذكرك. واطمس شر سويداء قلوب أعدائه وأعدائك، ودق أعناقهم بسيوف قهرك وسطوتك. اللهم واجعل رايات أنعمه منشورة بأيدي جنوده، واحجبهم بحجب حولك وقوتك من لحظات لمعات أبصار عدوه وحسوده. وصب عليهم ميازيب التوفيق آناء ليلك وأطراف نهارك،

стр. 18

فإنهم حماة حرم دينك وحراس أبواب شريعتك وأعظم جنودك وأنصارك. وغرضي من عرض ذلك الكتاب إلى ساحته الرفيعة العتاب، أن يذر إكسير نظره عليه، ليحل محل القبول لديه. فهناك إن شاء الله تعالى يحصل الأمل، وأحظى بما رجوته من قبول العمل وقد رتبته على تسعة أبواب، وإلى الله الزلفى وحسن المآب. الباب الأول في ذكر فرق الشيعة وبيان أحوالهم وكيفية حدوثهم وتعداد مكائدهم اعلم أن الشيعة الذين يدعون مشايعة الأمير كرم الله نعالى وجهه ومتابعته، وحبه الذي افترضه الله تعالى على عباده، أربع فرق: (فرق الشيعة) (الشيعة المخلصون) الفرقة الأولى: الشيعة الأولى ويسمون «الشيعة المخلصين» أيضا، وهم عبارة عن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير كرم الله وجهه من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله ولم ينتقصوا أحدا من إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ فضلا عن إكفاره وسبّه. بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول الله ﷺ على تنزيله، فقد كان معه - رضي الله تعالى عنه - في حرب صفين (١) من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم تحت رايته هناك ثلاثمائة. ومنهم من تقاعد عن القتال تورعا واحتياطا لشبهة عرضت له، لكنه مع ذلك كان قائما بمحبته وتعظيمه ونشر فضائله، وذلك لا يقصر بكثير عن القتال معه. ومن مشهوري هذا الصنف عبد الله بن عمر ﵄. وقد زالت شبهته بعد ذلك فندم غاية الندم على قعوده وتخلفه عن الأمير كرم الله تعالى وجهه، لكن فات ذاك، وتعذر الاستدراك. وحالت المنية، دون الأمنية. وهذا يشبه من وجه ما كان من محمد بن الحنفية - رضي الله تعالى عنه - من التوقف يوم الجمل حتى قال له الأمير كرم الله تعالى وجهه: ويحك أتتوقف وأبوك سابقك؟ (٢) ومنهم من غلب عليه القضاء والقدر فوقع منه ما أدى إلى قتاله،

стр. 19

كطلحة والزبير وأم المؤمنين - رضي الله تعالى عنهم -، فهم - وإن وقع بينهم وبين الأمير ما وقع يوم الجمل - محبون له عارفون له فضله، كما أنه - رضي الله تعالى عنه - في حقهم كذلك، وليس بين ذلك وبين القتال الواقع في البين تنافٍ، لأن القتال لم يكن مقصودا، بل وقع عن غير قصد، لمكر من قتلة عثمان - رضي الله تعالى عنه - الذين كانوا بعشائرهم في عسكر الأمير، إذ غلب على ظنهم من خلوته بطلحة والزبير أنه سيسلمهم إلى أولياء عثمان، فأطاروا من نيران غدرهم شرارا، ومكروا مكرا كبارا، فأوقعوا القتال بين الفريقين، فوقع ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين فكل من الفريقين كان معذورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وسيأتي تفصيل ذلك كله في باب المطاعن إن شاء الله تعالى (١) قال الجد روَّحَ الله تعالى روحَه في كتاب (نهج السلامة (٢)) بعد ذلك الكلام على أن القتال لو فرض أنه كان قصدا فهو بشبهة قوية عند المقاتل أوجبت عليه أن يقاتل. فهو بزعمه من الدين ونصرة المسلمين، وليس من الغي والاستهانة بالأمير في شيء. ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة، ولا يدنس رداء الصحبة. وقد صرح بعض العلماء أن شكوى الولد على أبيه لدين له عليه قادر على أدائه ومماطل فيه ليس من العقوق، ولا يخل بما للوالد من واجب الحقوق. وإن أبى تعصبك هذا قلنا: إن القوم - رضي الله تعالى عنهم - كانوا من قبل ما وقع من الشيعة المخلصين الأبرار، لكن لعدم الإثم وقع منهم ما غسلوه ببرد التوبة وثلج الاستغفار، ويأبى الله تعالى أن يذهب صحابي إلى ربه، قبل أن يغسل بالتوبة والاستغفار دون ذنبه. وبنحو هذا يجاب عن أصحاب صفين، من رؤساء الفرقة الباغية على علي أمير المؤمنين. فالمتلوثة سيوفهم في تلك الفتنة من الصحابة أقل قليل، ولولا عريض

стр. 20

الصحبة وعميق المحبة لدلع أفعوان القلم لسانه الطويل. فقف عند مقدارك، فما أنت وإن بلغت الثريا إلا دون ثرى نعال أولئك. نعم يلزمك أن تقول: إن الحق فيما وقع كان مع زوج البتول. انتهى ما قال، عليه رحمة المتعال. وهو كلام موجز يغني عن المطولات، ويكفي عن كثير من العبارات. هذا واعلم أن ظهور هذا اللقب (١) كان عام سبع وثلاثين من الهجرة والله تعالى أعلم. (الشيعة التفضيلية) الفرقة الثانية الشيعة التفضيلية: وهم عبارة عن الذين يفضلون الأمير كرم الله وجهه على سائر الصحابة من غير إكفار واحد منهم ولا سب ولا بغض، كأبي الأسود الدؤلي الذي اشتهر - وهو الأصح بل الصحيح - أنه واضع النحو بأمر باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه، وكتلميذه أبي سعيد يحيى بن يعمر أحد قراء البصرة، وكسالم بن أبي حفصة راوي الحديث عن الإمامين الباقر وابنه الصادق - رضي الله تعالى عنهما -، وكعبد الرزاق صاحب المصنف في الحديث، وكأبي يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت صاحب (إصلاح المنطق) في اللغة وكخلق آخرين، ولبعض متأخري الصوفية قدست أسرارهم كالفاضل الجامي كلمات ترشح بالتفضيل، وانسلاكهم في هذا القبيل، وكثير من العلماء يصرفها عن ذلك صيانة لأولئك الأجلة عن أن ينسب إليهم الابتداع (٢) والانخزال عن «الشيعة المخلصين» من الأتباع. وقد ظهرت هذه الفرقة بعد الأولى بنحو عامين أو ثلاثة، وصح أن الأمير كرم الله تعالى وجهه أحس أيام خلافته بقوم يفضلونه على الشيخين، فكان ينهى عن ذلك حتى قال «لئن سمعت أحدا يفضلني على الشيخين - رضي

стр. 21

الله تعالى عنهما - لأحدنه حد الفرية» (١) وهو على ما في (التحفة) ثمانون جلدة وقيل عشر، والله تعالى أعلم. (الشيعة السبية) الفرقة الثالثة الشيعة السبّية: ويقال لها «التبرئية» وهم عبارة عن الذين يسبون الصحابة، إلا قليلا منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر - رضي الله تعالى عنهم -، وينسبونهم - وحاشاهم - إلى الكفر والنفاق، ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير خم (٢) يوم قال ﵊ «من كنت مولاه فعلي مولاه» الحديث، ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ﵊ بل بايع غيره. وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير - رضي الله تعالى عنه - بإغراء عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني (٣) كما سيأتي. وليس هو هيان بن بيان، (٤) وزعمُ ذلك مكابرة وإنكار للمتواتر. ولما ظهرت أظهر الأمير كرم الله تعالى وجهه البراءة منها، وخطب عدة خطب في قدحها وذمها. وقد روى الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الزيدي (٥) في آخر كتابه (طوق الحمامة في مباحث الإمامة) (٦) عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر ﵄، فأخبرت عليا كرم الله وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك، منهم عبد الله بن سبأ. فقال علي - رضي الله تعالى عنه - «نعوذ بالله، رحمهما الله» (٧) ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: «ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين، وأنا برئ مما يذكرون، وعليه معاقب. صحبا رسول الله ﷺ بالحب والوفاء والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان في أمر الله، فقبض وهو عنهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله،

стр. 22

فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق. وحبهما قربة، وبغضهما مروق» (١) الخ وفي رواية «لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل». (٢) ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيره إلى المدائن وقال: لا تساكني في بلدة أبدا. (٣) وهذا مما يفت بأعضاد هذه الفرقة أعني الشيعة السبية لا المخلصين. ولما ظهرت ما ارتضى الشيعة المخلصون بلقب «الشيعة» فتركوه تحرزا عن الالتباس، وكراهة للاشتراك الاسمي مع أولئك الأرجاس، ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة. فما وقع في بعض الكتب كتاريخ الواقدي (٤) والاستيعاب (٥) من أن فلانا كان من الشيعة مثلا لا ينافي ما وقع في غيرها من أنه من رؤساء أهل السنة والجماعة، حيث أن المراد بالشيعة هناك الشيعة الأولى، وكان أهل السنة منهم. وكيف لا وهم يرون فرضية حب أهل البيت، وعليّ كرم الله تعالى وجهه عمادهم، ويروون في ذلك عدة أحاديث منها ما رواه البيهقي وأبو الشيخ والديلمي أن رسول الله قال «لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من نفسه» (٦) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» (٧) إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى أو يحصر. وقد نسب للإمام الشافعي - وموضعه من أهل السنة موضع الواسطة من العقد - نظم كثير يشهد بما ذكرناه عن أهل السنة، ويرد به على من أنكر ذلك من جهلة الشيعة، كقوله - رضي الله تعالى عنه -: يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له (٨) وقوله: إن فتشوا قلبي رأوا وسطه ... سطرين قد خُطا بلا كاتب العلم والتوحيد في جانب ... وحب أهل البيت في جانب (٩) وقوله: إذا ذكروا عليا أو نبيه ... وجاءوا بالروايات العليه (١٠)

стр. 23

يقال تجاوزوا يا قوم عنه ... فهذا من حديث الرافضية برئت إلى المهيمن من أناس ... يرون الرفض حب الفاطمية (١) وقوله: يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كما علم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي (٢) وقوله: إلام أُلام وحتى متى ... أعاتب في حب هذا الفتى فهل زوجت غيرَه فاطم ... وفي غيره هل أتى «هل أتى» (٣) إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الشيعة، صحت نسبته إليه أم لا. وهذا أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وهو هو بين أهل السنة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يريد السنتين اللتين صحب فيهما لأخذ العلم الإمام جعفر الصادق - رضي الله تعالى عنه -. وقد قال غير واحد أنه أخذ العلم والطريقة من هذا ومن أبيه الإمام محمد الباقر ومن عمه زيد بن علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهم -. وللأعمش وهو أحد مجتهدي أهل السنة سفر كبير في مناقب الأمير كرم الله وجهه. ويكفي في هذا الباب أن معظم طرائق أهل السنة موصولة بأهل البيت، ولا يكاد ينكر هذا الأمر إلا من ينكر الفرق بين الحي والميت. ومن الشبه من يزعم أنه لا يعد محبا لعلي وسائر أهل البيت ﵃ من أحب الشيخين وأضرابهما من الصحابة الذين لم يبايعوا الأمير كرم الله تعالى وجهه يوم وفاته ﵊ حيث يزعمون أنهم أعداء الأمير، وينشدون في ذاك قول من قال: إذا صافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام

стр. 24

وقوله: صديق صديقي داخل في صداقتي ... عدو صديقي ليس لي بصديق ولا يخفى كذب مبناه، ويشير إلى كذبه الخبر الذي قدمناه عن يحيى بن حمزة المؤيد بالله وكذا غيره من الأخبار، التي ملئت منها بطون الأسفار. ورحم الله تعالى امرءا أنصف وعرف الحق فاعترف. (الشيعة الغلاة) الفرقة الرابعة الشيعة الغلاة: وهم عبارة عن القائلين بألوهية الأمير كرم الله تعالى وجهه، ونحو ذلك من الهذيان. قال الجد روَّح الله روحَه: وعندي أن ابن أبي الحديد (١) في بعض عباراته - وكان يتلون تلون الحرباء - كان من هذه الفرقة، وكم له في قصائد السبع الشهيرة من هذيان، كقوله يمدح الأمير كرم الله تعالى وجهه: ألا إنما الإسلام لولا حسامه ... كعفطة عنز أو قلامة ظافر (٢) وقوله: يجل عن الأعراض والأين والمتى ... ويكبر عن تشبيهه بالعناصر (٣) إلى غير ذلك. وأول حدوثهم قيل في عهد الأمير بإغواء ابن سبأ أيضا، وقد قتل كرم الله تعالى وجهه من صح عنده أنه يقول بألوهيته، فلم ينحسم بذلك عرق ضلالتهم ولم ينصرم حبل جهالتهم، بل استمر الفساد، وقوي العناد ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ وهذه الفرقة على قلتها بالنسبة إلى الفرق الأخرى انقسمت على ما في (التحفة) إلى أربع وعشرين فرقة:

стр. 25

(فرق الشيعة الغلاة) (السبئية) الأولى السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ الذين قالوا: إن عليا هو الإله ولما استشهد الأمير كرم الله تعالى وجهه زعم ابن سبأ أنه لم يمت وأن ابن ملجم (١) إنما قتل شيطانا تصور بصورة عليّ، وأنه مختف في السحاب وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد هذا ويملأها عدلا وينتقم من أعدائه. ولهذا أن هذه الفرقة إذا سمعت صوت الرعد قالوا «عليك السلام أيها الأمير». (٢) ولا يخفى أن الأمير لو كان كما زعموا لكان مقتدرا على إهلاك أعدائه بصوت شديد من الرعد وإلقاء الصواعق، فلأي شيء هذا الانتظار، مع وجود الاستطاعة والاقتدار؟ (٣) (المفضلية) الثانية المفضلية: أصحاب المفضل الصيرفي وقد زادوا على السبئية بقولهم إن نسبة الأمير لله تعالى كنسبة المسيح، فمثله كمثله، فقد وافقوا النصارى في قولهم باتحاد اللاهوت بالناسوت، (٤) وفي زعمهم أن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، فإن دعا الناس إلى الهدى فهو رسول. ولذا ترى أن كثيرا منهم ادعى النبوة والرسالة. (٥) (السريغية) الثالثة السريغية: أصحاب السريغ بفتح السين وكسر الراء المهملتين وفي آخره معجمة. ومذهبهم كمذهب المفضلية، إلا أنهم حصروا حلول اللاهوت في الناسوت في خمسة، وهم النبي والعباس وعلي وجعفر وعقيل. (البزيعية) الرابعة البزيعية: أصحاب بزيع بن يونس (٦) الذي قال بألوهية جعفر الصادق وأنه ظهر في شخص (٧) وإلا فهو في الحقيقة منزه عنه، وقالوا: إن الأئمة الآخرين لم يكونوا آلهة ولكن أوحي إليهم، وأثبتوا لهم المعراج. (٨) (السبئية) الخامسة الكاملية: أصحاب أبي كامل، وهم يقولون إن الأرواح تتناسخ وتنتقل من بدن إلى بدن بعد خراب البدن الأول، وأن روح الله تعالى كانت في آدم ثم في شيث ثم صارت إلى الأنبياء. وهؤلاء القوم يكفرون جميع الصحابة بتركهم البيعة لعلي، ويكفرون عليا أيضا بتركه طلب حقه. (٩) (المغيرية) السادسة المغيرية: أصحاب المغيرة بن سعد العجلي، (١٠) زعموا أن الله تعالى جسم،

стр. 26

وأن صورته صورة رجل من نور وعلى رأسه تاج من نور وله قلب تنبع منه الحكمة، وأنه لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم الأعظم فطار ووقع تاجا على رأسه، ثم إنه كتب على كتفه أعمال الدنيا، فغضب من المعاصي حتى عرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والثاني عذب نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر ظله فانتزع بعض ظله وخلق منه الشمس والقمر وأفنى باقي ظله وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري. ثم إنه خلق الخلق كله من البحرين: الكفر من البحر المظلم، والإيمان من البحر النير، ثم أرسل إلى الناس محمدا وهم ضلال، ثم عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال وهي أن يمنعن عليا من الإمامة فأبين ذلك، (١) ثم عرضها على الناس فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمل منعه من ذلك، وضمن له أن يعينه على الغدر به، بشرط أن يجعل الخلافة له من بعده فقبل منه، وأقدما على المنع متظاهرين عليه. وقوله تعالى ﴿فحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ يعني أبا بكر. (٢) وزعم هؤلاء أن قوله تعالى ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني برئ منك﴾ نزلت في حق عمر وأبي بكر، وهؤلاء يزعمون أن الإمام المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، (٣) وأنه حي لم يمت، وهو مقيم في جبال حاجر إلى أن يؤمر بخروجه. ومنهم من يقول إن الإمام المنتظر هو المغيرة، كذا في «أبكار الأفكار» لسيف الدين الآمدي. (٤) ولم يكن هذا التفصيل في الأصل. (٥) (الجناحية) السابعة الجناحية: أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، (٦) يزعمون أن الرواح تتناسخ، وأن روح الإله تعالى كانت في آدم ثم في شيث، ثم صارت إلى الأنبياء والأئمة، حتى انتهت إلى عليّ وأولاده الثلاثة من بعده ن ثم صارت إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر وأنه حي لم يمت وأنه يجبل من جبال أصبهان، وكفروا بالقيامة واستحلوا المحرمات من الخمر والميتة وغيرها. (٧) (البيانية) الثامنة البيانية: أصحاب بيان بن سمعان التميمي، (٨) زعموا أن الإله تعالى على صورة إنسان، وأنه يهلك كله إلا وجهه لقوله ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ وأن روح

стр. 27

الإله تعالى حلت في علي ثم بعده في ابنه محمد بن الحنفية ثم بعده في ابنه أبي هاشم ثم بعده في بيان. (١) (المنصورية) التاسعة المنصورية: أصحاب أبي منصور العجلي، وهؤلاء يقولون: إن الرسالة لاتنقطع أبدا، والعلم قديم، وأحكام الشريعة كلها مخترعات العلماء والفقهاء، ولا جنة ولا نار، وأن أبا منصور هو الإمام بعد الإمام الباقر - رضي الله تعالى عنه -. (٢) (الغمامية) العاشرة الغمامية: ويقال لها «الربيعية» أيضا، وهم يعتقدون أن صانع العالم ينزل إلى الأرض في فصل الربيع في حجاب السحاب، ويطوف حول الدنيا ثم يصعد إلى السماء، فالأزهار والرياحين والأثمار ونحو ذلك مما يظهر في الربيع بسبب ذلك النزول. (٣) (الأموية) الحادية عشرة الأموية: (٤) وهم يقولون: إن الأمير كان شريكا للنبي ﵊ في نبوته ورسالته. (٥) (التفويضية) الثانية عشر التفويضية: وهم يقولون: إن الله تعالى خلق محمدا وفوض غليه خلق الدنيا، وأنه الخلاق لها بما فيها. ومنهم من قال مثل هذه المقالة في علي كرم الله وجهه ومنهم من قال باشتركهما في ذلك. (٦) (الخطابية) الثالثة عشر الخطابية: أصحاب أبي الخطاب الأسدي، (٧) زعموا أن الأئمة أنبياء، وأن أبا الخطاب كان نبيا، وأن الأنبياء فرضوا على الناس طاعته. ثم زادوا وزعموا أن الأئمة آلهة، وأن أبناء الحسن والحسين أبناء الله وأحباؤه، وأن جعفرا إله، وأن أبا الخطاب أفضل منه ومن علي بن أبي طالب، ويستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم. ثم افترق هؤلاء بعد قتل أبي الخطاب، فمنهم من قال: الإمام بعد أبي الخطاب معمر، وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، وزعموا أن الجنة هي ما ينالهم من خير في الدنيا ونعيم فيها، وأن

стр. 28

النار ما يصيبهم فيها من المشاق والهدم، واستباحوا المحرمات وترك الفرائض. ومنهم من قال: الإمام بعد أبي الخطاب بزيع، وأن كل مؤمن يوحى إليه، تمسكا بقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ أي يوحى من الله. وزعموا أن فيهم خيرا من جبرائيل، وميكائيل، وأنهم لا يموتون، وأن الواحد منهم إذا بلغ النهاية ارتفع إلى الملكوت. ومنهم من قال: الإمام بعد أبي الخطاب عمر بن بيان العجلي، إلا أنهم يموتون. كذا في (أبكار الأفكار). (١) (المعمرية) الرابعة عشرة المعمرية: أصحاب المعمر، القائلون بنبوة الإمام جعفر الصادق، وأن أبا الخطاب بعده نبي، وأن أحكام الشرع مفوضة إلى المعمر، وأن المعمر آخر الأنبياء، وقد أسقط الأحكام ورفع التكاليف. وهم قسم من الخطابية. (٢) (الغرابية) الخامسة عشر الغرابية: وهم القائلون إن عليا كان أشبه بمحمد من الغراب بالغراب والذباب بالذباب، وأن الله تعالى بعث جبرائيل إلى علي فغلط وأدى الرسالة إلى محمد لمتشابهته به، (٣) ولذلك يعنون صاحب الريش أي جبرائيل، وقد قال شاعرهم «غلط الأمين فجازها عن حيدر». (٤) (الذبابية) السادسة عشرة الذبابية: وهم قسم من الغرابية إلا أنهم زادوا عليهم بقولهم بنبوة محمد وأنه أشبه بالإله من الذباب بالذباب. قاتلهم الله تعالى. (٥) (الذمية) السابعة عشر الذمية: وإنما لقبوا ذلك لأنهم يرون ذم محمد ﷺ ، ويزعمون أن عليا إله، وأنه بعث محمدا ليدعو إليه فادعى الأمر لنفسه. ومنهم من قال بإلهية محمد وعلي إلا أن منهم من يقدم عليا في أحكام الإلهية، ومنهم من يقدم محمدا، ومنهم من قال بإلهية خمسة أشخاص وهم أصحاب العبا (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين) وأن خمستهم شيء واحد، وأن الروح حالة فيهم بالسوية، ولا فضل لواحد على لآخر، ولم يسموا فاطمة بالتأنيث بل «فاطم» (٦) ولذلك قال شاعرهم: توليت بعد الله في الدين خمسة ... نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما (٧)

стр. 29

(الاثنينية) الثامنة عشرة الاثنينية: وهم فرقة من الذمية الذين يعتقدون إلهية محمد ﷺ بالتفصيل السابق. (١) (الخمسية) التاسعة عشر الخمسية: وهم أيضا فرقة من الذمية الذين يعتقدون إلهية خمسة أشخاص على ما سبق، وقد تبعنا في هذا العد صاحب الأصل، وإلا فغيره لم يذكر هاتين الفرقتين بالاستقلال. (٢) (النصيرية) العشرون النصيرية: (٣) القائلون بحلول الإله في عليّ وأولاده، ولكن يخصون الحلول بالأئمة، وقد يطلقون لفظ الإله على الأمير مجازا من باب إطلاق اسم الحال على المحل. (٤) (الإسحاقية) الحادية والعشرون الإسحاقية: وهم يقولون: لم تخل الأرض ولا تخلو عن نبي وأن الباري حل في عليّ. ووقع الاختلاف بينهم في من حل الإله بعد عليّ. (٥) (العلبائية) الثانية والعشرون العلبائية: أصحاب علباء بن اروع الأسدي، وقيل الأوسي، وهم قائلون بألوهية الأمير وأنه أفضل من محمد وأن محمد بايع عليا. (٦) (الرزامية) الثالثة والعشرون الرزامية: وهم الذين ساقوا الإمامة إلى محمد بن الحنفية، ثم إلى ابنه، (٧) ثم إلى علي بن عبد الله بن العباس، (٨) ثم ساقوها في ولده إلى (٩) المنصور، ثم ادعوا حلول الإله تعالى في أبي مسلم وأنه لم يقتل، واستحلوا المحارم، ومنهم من ادعى الإلهية في المقنع. (١٠) (المقنعية) الرابعة والعشرون المقنعية: أصحاب المقنع (١١) الذين يعتقدون أن المقنع إله بعد الإمام الحسين - رضي الله تعالى عنه -، (١٢) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

стр. 30

(فرق الشيعة الإمامية) ثم اعلم أن أكثر الفرق الأربع الشيعة السبية، فقد انتشرت في جميع الربع المعمور، فلا تكاد ترى بلدا إلا وهو بها مغمور، والإمامية فرقة منها، وهي أيضا فرقة كبيرة وطائفة كثيرة، وقد انقسمت إلى تسع وثلاثين فرقة. (الحسنية) الأولى الحسنية يقولون: إن الحسن المجتبى هو الإمام بعد أبيه علي المرتضى، والإمام من بعده الحسن المثنى بوصية له، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه محمد الملقب بالنفس الزكية، (١) ثم أخوه إبراهيم بن عبد الله، (٢) وهذان خرجا في عهد المنصور الدوانيقي (٣) ودعوا الناس إلى متابعتهما فتبعهما خلق كثير. واستشهدوا بعد حرب شديد على يد بعض أمراء الدوانقي رحمة الله عليهما. وقد ظهرت هذه الفرقة ستة مائة وخمس وتسعين. (النفسية) الثانية النفسية: وهي طائفة من الحسنية يقولون إن النفس الزكية لم يقتل بل غاب واختفى وسيظهر بعد. (٤) (الحكمية) الثالثة الحكمية: ويقال لها (الهشامية) أيضا، وهم أصحاب هشام بن الحكم (٥) يقولون بإمامة الحسين بعد أخيه الحسن، ثم بإمامة أولاده على الترتيب المشهور إلى الصادق، وقد ظهرت سنة مائة وتسع. (٦) (السالمية) الرابعة السالمية: ويقال لها أيضا «الجواليقية» وهم أصحاب هشام بن سالم الجواليقي (٧) وهم في الإمامية كالحكمية، وفي الاعتقاد مختلفون: فالحكمية يقولون: إن الله عزوجل جسم طويل عريض عميق متساوى الأبعاد غير مصور بالصور المتعارفة، وهم يقولون جسم مصور بصورة الانسان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وقد ظهرت سنة مائة وثلاث عشرة. (٨) (الشيطانية) الخامسة الشيطانية: ويقال لها «النعمانية» أيضا أصحاب محمد بن نعمان الصيرفي

стр. 31

الملقب بشيطان الطاق، (١) وهم يقولون بالإمامة على الترتيب المشهور إلى موسى الكاظم (٢) وبالتجسيم كالسالمية. وقد ظهرت سنة مائة وثلاث عشرة أيضا. (٣) (الزرارية) السادسة الزرارية: أصحاب زرارة بن أعين الكوفي. وهم في الإمامية كالحكمية وخالفوهم في زعمهم أن صفاته تعالى حادثة لم تكن في الأزل وقد ظهرت سنة مائة وخمس وأربعين. (البدائية، المفوضة، اليونسية) السابعة والثامنة والتاسعة البدائية، والمفوضة، واليونسية: أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي، (٤) وكلهم متفقون على إمامة الأئمة الستة بالترتيب المشهور وزعمت اليونسية منهم أن الله سبحانه على العرش بالمعنى المعروف تحمله الملائكة. (٥) والبدائية أن الله سبحانه قد يريد بعض الأشياء ثم يبدو له ويندم لكونه خلاف المصلحة، وحملت خلافة الثلاثة ومدحهم في الآيات على ذلك. (٦) والمفوضة منهم من يزعم أن الله تعالى فوّض خلق الدنيا إلى محمد ﵊، ومنهم من يقول: إلى علي كرم الله تعالى وجهه. ومنهم من يقول إلى كليهما. (٧) وقد ظهرت البدائية والمفوضة سنة ظهور الزرارية. (الباقرية) العاشر الباقرية: يقول إن الإمام محمد الباقر لم يمت وهو المنتظر. (٨) (الحاصرية) الحادية عشرة الحاصرية: (٩) يقولون: إن الإمام بعد محمد الباقر ابنه زكريا، وهو مختف في جبل الحاصر (١٠) لا يخرج حتى يؤذن له. (١١) (الناووسية) الثانية عشر الناووسية: أصحاب عبد الله بن ناووس البصري، يقولون: إن الإمام جعفر الصادق حي غائب وهو المهدي المنتظر. (١٢)

стр. 32

(العمارية) الثالثة عشر العمارية: أصحاب عمار يقولون: إن الصادق قد مات والإمام بعده ابنه محمد، وقد ظهرت سنة مائة وخمس وأربعين. (١) (المباركية) الرابعة عشر المباركية: من الإسماعيلية أصحاب المبارك، يعتقدون أن الإمام بن جعفر ابنه الأكبر إسماعيل ثم ابنه محمد وهو خاتم الأئمة والمهدي المنتظر. (٢) (الباطنية) الخامسة عشر الباطنية: من الإسماعيلية أيضا يرسلون الإمامة بعد إسماعيل من جعفر في أولاده بنص السابق على اللاحق، ويزعمون وجوب العمل بباطن الكتاب دون ظاهره. (٣) (القرامطة) السادسة عشرة القرامطة: من الإسماعيلية أيضا وهم أصحاب قرمط، وهو المبارك في قول، (٤) وقال بعض العلماء اسم رجل آخر من أهل سواد الكوفة اخترع ما عليه القرامطة، وقيل هو اسم أبيه، وأما المخترع نفسه فاسمه حمدان، وكان ظهوره سنة سبعين ومائتين. وقيل إن قرمط اسم لقرية من قرى واسط منها حمدان المخترع، وهو قرمطي وأتباعه قرامطة، وكان ظهوره فيها، وقيل غير ذلك. ومذهبهم أن إسماعيل بن جعفر خاتم الأئمة وهو حي لا يموت، ويقولون بإباحة المحرمات. (٥) (الشمطية) السابعة عشرة الشمطية: أصحاب يحيى بن أبي الشمط (٦) يزعمون أن الإمامة تعلقت بعد الصادق بكل من أبنائه الخمسة بهذا الترتيب: إسماعيل ثم محمد ثم موسى الكاظم ثم عبد الله الأفطح ثم إسحاق. (٧) (الميمونية) الثامنة عشرة الميمونية: أصحاب عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي، (٨) وهم قائلون بإمامة إسماعيل، ويزعمون أن العمل بظواهر الكتاب والسنة حرام، ويجحدون المعاد. (٩) (الخلفية) التاسعة عشرة الخلفية: أصحاب خلف، وهم قائلون بإمامة إسماعيل ونفى المعاد كالميمونية، إلا أنهم يقولون: كل ما في الكتاب والسنة من الصلاة والزكاة ونحوها محمول على المعنى اللغوي لا غير. (١٠) (البرقعية) العشرون البرقعية: أصحاب محمد بن علي البرقعي، (١١) وهم في الإمامة كمن سمعت

стр. 33

آنفا، وينكرون أيضا المعاد، ويؤولون النصوص بما تهوى أنفسهم، وينكرون نبوة بعض الأنبياء، ويوجبون لعنهم والعياذ بالله تعالى. (١) (الجنابية) الحادية والعشرون الجنابية: أتباع أبي طاهر الجنابي، وهم كالقرامطة في الإمامة، وينكرون المعاد والأحكام بأسرها، ويوجبون قتل من يعمل بها ولذا قتلوا الحجاج، وقلعوا الحجر الأسود، (٢) وعدهم غير واحد فرقة من القرامطة، كما أنهم عدوا القرامطة فرقة من الإسماعيلية. (٣) (السبعية) الثانية والعشرون السبعية: وهم أيضا من الإسماعيلية، يقولون: إن الأنبياء الناطقين بالشرائع سبعة: آدم وأولو العزم الخمسة والمهدي، وأن بين كل رسولين سبعة رجال آخرين يقيمون الشريعة السابقة إلى حدوث اللاحقة، وإسماعيل بن جعفر كان أحد هؤلاء السبعة، وهم المقيمون للشريعة بين محمد ﷺ والمهدي المنتظر وهو آخر الرسول بزعمهم. وزعموا أنه لا يخلو الزمان عن واحد من أولئك الرجال. (٤) (المهدوية) الثالثة والعشرون المهدوية: زعموا أن الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد الوصي، (٥) ثم لابنه أحمد الوفي، (٦) ثم لابنه محمد التقي، وفي بعض الكتب: قاسم التقي، (٧) ثم لابنه عبيد الله (٨) الرضي، (٩) ثم لابنه أبي القاسم عبد الله، (١٠) ثم لابنه محمد الذي لقب نفسه بالمهدي، (١١) وقد

стр. 34

صار واليا بالمغرب، واستولى على بلاد إفريقية، وملك بنوه مصر وما حولها. ثم لابنه أحمد (١) القائم بأمر الله، ثم لابنه إسماعيل المنصور بقوة الله، (٢) ثم لابنه معد المعز لدين الله، (٣) ثم لابنه المنصور نزار العزيز بالله، (٤) ثم لابنه أبي علي الحاكم بأمر الله، (٥) ثم لأبي الحسن الظاهر بدين الله، (٦) ثم لمعد المستنصر بالله، (٧) وذلك بنص الآباء بترتيب الولادة. وهذا الترتيب إلى هنا مجمع عليه عندهم. واختلفوا بعد المنتصر لما أنه نص أولا على إمامة ابنه (٨) نزار، وثانيا على إمامة ابنه أبي القاسم المستعلي بالله، (٩) فبعضهم تمسك بالنص الثاني وقال إنه ناسخ للأول، فقال بإمامة المستعلي فسموا المهدوية (المستعلية) (١٠) ثم بإمامة ابنه المنصور الآمر بأحكام الله، (١١) ثم بإمامة أخي المنصور هذا عبد المجيد الحافظ لدين الله، (١٢) ثم بإمامة ابنه أبي المنصور محمد الظافر بأمر الله، (١٣) ثم بإمامة ابنه أبي القاسم الفائز بنصر الله، (١٤) ثم بإمامة ابنه محمد العاضد لدين الله، (١٥) وقد خرج على هذا أمراء الشام واستولوا عليه فسجنوه حتى مات وما بقي بعده أحد من أولاد المهدي داعيا للإمامة. وبعضهم تمسك بالنص الأول وألغى الثاني فقال بإمامة نزار ويقال للقائلين بذلك «النزارية» وقد يقال لهم «الصباحية» و «الحميرية» نسبة للحسن ابن صباح الحميري (١٦) حيث قام بالدعوة لطفل سماه الهادي زاعما أنه ابن نزار، (١٧) فهو الإمام عندهم بعد أبيه، ثم ابنه الحسن، (١٨) وزعم هذا أنه يجوز للإمام أن يفعل ما شاء، وأن يسقط التكاليف الشرعية. وقد قال لأصحابه: إنه أوحي إلي أن أسقط عنكم التكاليف الشرعية، وأبيح لكم المحرمات، بشرط أن لا تنازعوا بينكم ولا تعصوا إمامكم. ثم ابنه محمد، (١٩) وكان متخلقا بأخلاق أبيه، وكذا ابنه علاء الدين محمد. (٢٠) وأما ابنه جلال الدين حسن ابن محمد بن الحسن (٢١) فقد كان متصلبا في الإسلام منكرا مذهب آبائه حسن الأخلاق آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. وأما ابنه علاء الدين (٢٢) فقد صار ملحدا بعد أبيه الحسن، وكذا ابنه ركن الدين. (٢٣) وقد ظهر في زمن هذا جنكيزخان (٢٤) فخرب مملكته وكان إذ ذاك بالري (٢٥) وتحصن في قلعة ألموت (٢٦) من قلاع طبرستان، (٢٧) ولم يتم له ذلك، بل كان آخر أمره من أتباع

стр. 35

جنكيزخان، وقد انطلق معه جين عاد إلى وطنه فمات في الطريق، ثم خرج ابنه الملقب نفسه بجديد الدولة، فلما سمع به ملوك التاتار فرقوا جمعه فاختفى في قرى طبرستان حتى مات، فلم يبق من أولاده أحد مدعيا الإمامة. (١) وهذه الفرقة هي الرابعة والعشرون وكان ظهور المهدوية الجامعة للفرقتين سنة مائتين وتسع وتسعين. (٢) (الأفطحية) الخامسة والعشرون الأفطحية: ويقال لها العمارية أيضا لأنهم كانوا أصحاب عبد الله بن عمار وهم قائلون بإمامة عبد الله الأفطح أي عريض الرجلين ابن جعفر الصادق شقيق إسماعيل معتقدين موته ورجعته إذ لم يترك ولدا حتى ترسل سلسلة الإمامة في نسله. (٣) (المفضلية) السادسة والعشرون المفضلية: أصحاب مفضل بن عمرو ويقال لهم القطعية أيضا لأنهم قاطعون بإمامة موسى الكاظم، قاطعون بموته. (٤) (الممطورية) السابعة والعشرون الممطورية: وهم قائلون بإمامة موسى معتقدون أنه حي وأنه المهدي الموعود، متمسكين يقول الأمير كرم الله نعالى وجهه: سابعهم قائمهم سَمِيُّ صاحب التوراة. وقيل لهم: «ممطورية» لقول يونس بن عبد الرحمن رئيس القطعية لهم اثناء مناظرة وقعت بينهما «أنتم أهون عندنا من الكلاب الممطورة» أي المبلولة بالمطر. (٥) (الموسوية) الثامنة والعشرون الموسوية: يقطعون بإمامة موسى، ويترددون في موته وحياته ولذا لا يرسلون سلسلة الإمامة بعده في أولاده. (٦) (الرجعية) التاسعة والعشرون الرجعية: وهم قائلون بإمامة موسى أيضا لكنهم يقولون بموته ورجعته. وهذه الفرق الثلاث يقال لها «الواقفية» أيضا لوقفهم الإمامة على موسى الكاظم وعدم إرسالها في أولاده. (الإسحاقية) الثلاثون الإسحاقية: يعتقدون بإمامة إسحاق بن جعفر، (٧) وكان في العلم والتقوى على جانب عظيم، وقد روى عنه ثقات المحدثين من أهل السنة ك سفيان بن عيينة وغيره. (٨)

стр. 36

(الأحمدية) الحادية والثلاثون الأحمدية: يقولون بإمامة أحمد بن موسى الكاظم (١) بعد وفاة أبيه. (٢) (الاثنا عشرية) الثانية والثلاثون الاثنا عشرية: وهذه في المتبادرة عند الإطلاق من لفظ الإمامية. وهم قائلون بإمامة علي الرضا (٣) بعد أبيه موسى الكاظم، ثم بإمامة ابنه محمد التقي المعروف بالجواد، (٤) ثم بإمامة ابنه علي النقي المعروف بالهادي، (٥) ثم بإمامة ابنه الحسن العسكري، (٦) ثم بإمامة ابنه محمد المهدي، (٧) معتقدين أنه المهدي المنتظر، ولم يختلفوا في ترتيب الإمامة على هذا الوجه. نعم اختلفوا في وقت غيبة المهدي وعامها وسنه يوم غاب، بل قال بعضهم بموته وأنه سيرجع إلى الدنيا إذ عم الجور وفشا، والعياذ بالله تعالى من الحور بعد الكور. (٨) وقد ظهرت هذه الفرقة سنة مائتين وخمس وخمسين، وهي قائلة بالبداء (٩) ولذا تراها تنادي بأعلى صوت عند زيارة روضة موسى الكاظم: (١٠) أنت الذي بدا الله فيه، يعنون ما كان بزعمهم من نصب أخيه إسماعيل إماما بعد أبيه وموته من قبل أن ينال الإمامة ونصب أبيه إياه إماما، وكأنهم تبعوا في ذلك البداية وأنهم قالوا بالبداء بمعنى، وقالت البدائية به بمعنى آخر. (الجعفرية) الثالثة والثلاثون الجعفرية: يرتبون الإمامة نحو ترتيب الاثني عشرية، بيد أنهم يقولون: إن الإمام بعد الحسن العسكري أخوه جعفر، هـ (١١) وقد اتفقوا على ذلك، واختلفوا في أنه هل ولد ولد للعسكري اسمه محمد أم لا، فقال بعضهم بأنه لم يولد له، وقال آخرون ولد وعاش بعد أبيه لكنه مات صغيرا أو قتله سرا من كان في زمانه من خلفاء بني العباس، وقد علم بذلك عمه جعفر فادعى إرثه فلقبه الاثنا عشرية بالكذاب. (١٢) هذا ولعل ما سمعت من اختلاف بعض الفرق يجعل كل طائفة من المختلفين فرقة، وبذلك تتم فرق الإمامية تسعا وثلاثين، فليراجع وليتأمل.

стр. 37

قال الجد (١) روَّح الله روحَه في كتابه (نهج السلامة) بعد عدِّه فرق الإمامية: ثم اعلم أن الاثني عشرية المعروفين اليوم على علاتهم في الاعتقادات أهون شرا بكثير من كثير من فرق الإمامية وسائر الشيعة، فهم في معظم الاعتقاديات متطفلون على المعتزلة (٢) وقول الخواجة نصير الدين الطوسي (٣) المتكلم - على ما نقله عنه تلميذه ابن المطهر الحلي (٤) - أنهم مخالفون لجميع الفرق في ذلك مما يتعجب منه المطلع على اعتقاداتهم، وأعجب من ذلك جعله تلك المخالفة دليلا على أنهم الفرقة الناجية. (الشيخية أو الأحمدية) ثم قال العلامة الجد عليه الرحمة: قد ظهرت في هذه الأعصار من الاثني عشرية طائفة يقال لهم الشيخية، وقد يقال لهم «الأحمدية»، وهم أصحاب الشيخ أحمد الأحسائي، ترشح كلماتهم بأنهم يعتقدون في الأمير كرم الله تعالى وجهه نحو ما يعتقد الفلاسفة في العقل الأول، بل أدهى وأمر. (٥) (الرشتية الكشفية) وطائفة أخرى يقال له الرشتية، وكثيرا ما يقال لها «الكشفية»، وهو لقب لقبهم به بعض وزراء الزوراء (٦) أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين، وهم أصحاب السيد كاظم الحسيني الرشتي، (٧) وهو تلميذ الأحسائي وخريجه، لكن خالفه في بعض المسائل، وكلماته ترشح بما هو أدهى وأمر مما ترشح به كلمات شيخه، حتى إن الاثنى عشرية يعدونه من الغلاة، وهو يبرأ مما تشعر به ظواهر كلماته. قال عليه الرحمة: وقد عاشرته كثيرا فلم أدرك فيه ما يقول فيه مكفروه من علماء الاثني عشرية. نعم عنده على التحقيق غير ما عندهم في الأئمة وغيرهم مما يتعلق بالمبدأ والمعاد. ولقد وجدت أكثر ما يقرره ويحرره مما لا برهان له سوى سراب شُبه يحسبه الظمآن ماء، ولا أظن أن مخالفاته لشيخه تجعله وأصحابه القائلين بقوله فرقة غير الشيخية.

стр. 38

(البابية) ثم قال عليه الرحمة: وقد ظهرت أيضا طائفة أخرى يقال لها البابية، (١) وهم أصحاب ميرزا علي محمد الملقب بالباب، والباب واحد الأبواب، وهم أحد الأقسام السبعة لمن لا بد منه في بناء المذهب: الأول (الإمام) الذي يصل إليه علم الغيب بلا واسطة، والثاني (الحجة) الذي يقرر علم الإمام على وفق مذاق المخاطبين وقدر عقولهم وفهومهم بالبرهان والخطابة، الثالث (ذو المصة) الذي يمتص العلم من ثدي الحجة، الرابع الأبواب ويقال لهم الدعاة ولهم مراتب، وأكبرهم من يرفع درجات المؤمنين عند الإمام والحجة، وهذا الأكبر هو رابع السبعة، الخامس (الداعي المأذون) الذي يأخذ العهود والمواثيق من الناس ويفتح للطالب باب العلم والمعرفة، السادس (المكلَّب) الذي شأنه البحث والاحتجاج والترغيب في صحبة الداعي وليس له الإذن بالدعوة، وسمي بذلك على التشبيه بالكلب المعلََّم. السابع (المؤمن المتبع) الذي يؤمن بالإمام بمساعي المكلَّب والداعي. ثم قال عليه الرحمة: وقد أظهر هذا الباب شنائع كثيرة، منها زعمه ارتفاع فرضية الصلوات الخمس، وأنه سترفع فرضية الحج، وأنه يوحى إليه. وألف كتابا زعم أنه تفسير سورة يوسف، مع أنه ليس فيه تفسير شيء من آياتها، وقد حشاه هذيانات، وحرّف فيه آيات، وزعم التحدي به، وذكر فيه أنه تحرم كتابته بالحبر الأسود المعروف، وأنه يحرم مسه لغير متظهر، إلى أمور أخرى شنيعة ينكرها عليه سائر الشيعة. وقد أرسل بعض دعاته بكتابه إلى قصبة كربلاء فزمر فيها بنغم شنائع تؤد أذن المؤمن من لو كانت عنها صماء، فرقص على زمره في المقام الحسيني جملة من جهلة شيعة العراق، وصبا إليه غير واحد من ذوي الشقاء والشقاق. فلما سمعت عرضت ذلك لوزير الزوراء، فانتهض لإطفاء تلك الثائرة بهمته الشمّاء، وعَقدَ لحل ما عُقِدَ من المحنة مجلسا عظيما فيه علماء الاثني عشرية وعلماء أهل السنة، فكنت أنا والحمد لله تعالى المباحث ذلك الداعي إلى مهاوي الحَيْن، فلم يتفرق ذلك الجمع حتى أجمع على كفر تلك الفرقة علماء الفرقتين، فكتبوا بذلك محضرا للدولة العلية العثمانية، فبعد أيام حضر الأمر بنفي ذلك الداعي إلى

стр. 39

الديار الرومية (١)، فنفي وأثبت محبوسا في تكرلي طاغ، وأرغم بموته هناك أنف كل طاغ. وأما الباب ففتح باب البغي والخروج على شاه إيران، وأمر بعض مردته بقتله غيلة ليتم له ما أضمره من الإضلال والعدوان، فلم يتيسر له ما أراد، وقتل في تبريز مع جملة من أتباعه ذوي الفساد، ولم يزل الشاه يتتبع قتل أتباع الباب بعد تعذيبهم بأنواع العذاب، والعجب أنهم يرون العذاب عذبا، فترى أحدهم يضحك والعذاب يصب على رأسه صبا. (القرتية) وقال عليه الرحمة أيضا: وطائفة أخرى يقال لها القرتية: أصحاب امرأة اسمها هند، وكنيتها أم سلمة، ولقبها قرة العين، لقبها بذلك السيد كاظم الرشتي في مراسلاته لها إذ كانت من أصحابه، وهي ممن قلدت الباب بعد موت الرشتي، ثم خالفته في عدة أشياء منها التكاليف، فقيل أنها كانت تقول بحل الفروج ورفع التكاليف بالكلية، وأنا لم أحس منها بشيء من ذلك مع أنها حبست في بيتي نحو شهرين، وكم بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين. والذي تحقق عندي أن البابية والقرتية طائفة واحدة، يعتقدون في الأئمة نحو اعتقاد الكشفية فيهم، ويزعمون انتهاء زمن التكليف بالصلوات الخمس، وأن الوحي غير منقطع فقد يوحى للكامل لكن لا وحي تشريع، بل وحي تعليم لما شرع قبل ولنحو ذلك، وهو رأي لبعض المتصوفة. وأخبرني بعض من خالطهم أنهم يوجبون على من نظر أجنبية من غير قصد التصدق بمثقال من الذهب، وعلى من نظرها بقصد التصدق بمثقالين منه، وأن منهم من يحيي الليل بكاءً وتضرعا، وأنهم يخالفون الاثني عشرية في كثير من الفروع، وأنا حققت أن الاثني عشرية يكفرونهم ويبرؤن منهم، ثم إني أرى أنهم شرارة من نيران الكشفية والأحسائية، وأعظم أسباب ضلالتهم النظر في كلام الرشتي وشيخه الأحسائي مع عدم فهم مقاصدهما منه، وحمله على ما هو بعيد عن الدين المحمدي بمراحل، ولذا أكفرهم أصحاب هذين الرجلين أيضا على ما سمعته بأذني من كبارهم. وقد قتلت هذه المرأة أيضا بعد أن بغت وخرجت على الشاه ناصر الدين في

стр. 40

طهران، (١) وتتبع أصحابها بالقتل، فقتلوا إلا قليلا منهم تحصن بالتقية، والانسلاك ظاهرا في سلك الاثني عشرية، وفي قرى العراق بقية يسيرة منهم، وكم من شنيعة تروى عنهم؟ ثم إنه لا يبعد أن تظهر فرق أخرى من الإمامية بعد، نسأل الله تعالى العافية في الدين والدنيا والآخرة. انتهى كلامه الشريف ولفظه الظريف، وهذا التفصيل مما لا تجده في كتاب، ولا تراه في باب من الأبواب، فتوجه بهمه إليه، وأقبل بجميع شراشرك (٢) عليه. مكائد الرافضة وإذ فرغنا من عد الفرق فقد آن أن نشرع في ذكر شيء من مكائدهم، التي توصلوا بها إلى ترويج مذهبهم الباطل وإضلال العباد، وهي كثيرة جدا لا تدري اليهود بعشرها، وهذا الكتاب يضيق عن حصرها: الأولى فمن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يخالفون القرآن المجيد، فإنهم يغسلون الأرجل بدل المسح، والكتاب يدل ظاهرا على المسح. (٣) والجواب أن آية الوضوء تواترت إلينا كسائر القرآن بالقراءات السبع المتواترة، تواتر القراءتين منها ثابت بإجماع الفريقين، بل بإجماع المسلمين وهما قراءتا النصب والجر في الأرجل، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين إذا تعارضتا في آية واحدة فهما في حكم الآيتين، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وههنا كذلك إذ يمكن الجمع بينهما حسب قواعدنا بوجهين: الأول: بحمل المسح على الغسل، قال أبو زيد الأنصاري وغيره من أئمة اللغة: إن المسح في كلام العرب قد يكون بمعنى الغسل، يقال للرجل إذا توضأ: تمسح، ومسح الله ما بك أي أزال عنك المرض، (٤) فإن قال الشيعة: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممتنع، (٥) قلنا لا يلزم ذلك، فإنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضا، وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بتعدد المعنى، فالمسح الذي يتعلق بالرؤوس حقيقي، والمتعلق بالأرجل مجازي. الثاني: إن الجر بالجوار، وهو في التنزيل كثير الوقوع، فتأول قراءة الجر إلى قراءة النصب، وجوز سيبويه والأخفش وأبو البقاء (٦) وسائر المحققين من النحاة جر الجوار في النعت والعطف، أما النعت فكقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم ٍ﴾ فقد جر (أليم) بمجاورة (يوم) مع أنه نعت
следующие страницы →