← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 360

حاشية السيوطي على سنن النسائي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

[٢٠٣٣] وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ فُحْشًا يُقَالُ أَهْجَرَ فِي مَنْطِقِهِ يُهْجِرُ إِهْجَارًا إِذَا فَحُشَ وَكَذَلِكَ إِذَا أَكْثَرَ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَالِاسْمُ الْهُجْرُ بِالضَّمِّ وَهَجَرَ يَهْجُرُ هَجْرًا بِالْفَتْحِ إِذَا خَلَطَ فِي كَلَامِهِ وَإِذَا هذى

стр. 527

[٢٠٣٧] فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَيْ قَدَّرَ ذَلِكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا أَيْ بِرِفْقٍ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي قَالَ النَّوَوِيُّ كَذَا فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ بَاءٍ وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْتُ إِزَارِي فَلِذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ فَأَحْضَرَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عدا والاحضار والحضر بِالضَّمِّ الْعَدو مَالك يَا عَائِشَةُ حَشْيَا بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ مَالك قَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْوُ وَالنَّهَجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ وَالْمُحْتَدِّ فِي كَلَامِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ يُقَالُ رَجُلٌ حشى وَحَشْيَانٌ رَابِيَةً أَيْ مُرْتَفِعَةَ الْبَطْنِ قَالَتْ لَا فِي مُسلم لَا شَيْء وَفِي رِوَايَة لأبي شَيْءٌ وَأَنْتِ السَّوَادُ أَيِ الشَّخْصُ فَلَهَزَنِي بِالزَّايِ أَيْ دَفَعَنِي وَاللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ فِي الصَّدْرِ وَرُوِيَ فَلَهَدَنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ قَالَ وَيَقْرَبُ مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ

стр. 528

[٢٠٥١] لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ وَالصَّوَابُ وَلَا ائْتَلَيْتَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلْتَ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا أَلَوْتُ هَذَا الْأَمْرَ أَيْ مَا اسْتَطَعْتُهُ وَقَالَ مَعْنَاهُ وَلَا قَرَأْتَ أَيْ لَا تَلَوْتَ فَقَلَبُوا الْوَاوَ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ مَعَ دَرَيْتَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَيُرْوَى أُتْلَيْتَ يَدْعُو عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْلُوَ أَهْلَهُ أَيْ لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها [٢٠٥٢] مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيِ الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ بَطْنِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الَّذِي يُصِيبُهُ الذَّرَبُ وَهُوَ الْإِسْهَالُ وَالثَّانِي أَنَّهُ الِاسْتِسْقَاءُ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَنْسُبُ مَوْتَهُ إِلَى بَطْنِهِ يَقُولُ قَتَلَهُ بَطْنُهُ يَعْنُونَ الدَّاءَ الَّذِي أَصَابَهُ فِي جَوْفِهِ وَصَاحِبُ الِاسْتِسْقَاءِ قَلَّ أَنْ يَمُوتَ إِلَّا بِالذَّرَبِ فَكَأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ الْوَصْفَيْنِ وَالْوُجُودُ شَاهِدٌ للْمَيِّتِ بِالْبَطْنِ أَنَّ عَقْلَهُ لَا يَزَالُ حَاضِرًا وَذِهْنُهُ بَاقِيًا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَمُوتُ بِالسَّامِّ وَالْبِرْسَامِ وَالْحُمَّيَاتِ الْمُطْبِقَةِ أَوِ الْقُولَنْجِ أَوِ الْحَصَاةِ فَتَغِيبُ عُقُولُهُمْ لِشِدَّةِ الْآلَامِ وَلِوَرَمِ أَدْمِغَتِهِمْ وَلِفَسَادِ أَمْزِجَتِهَا فَإِذَا كَانَ الْحَالُ هَكَذَا فَالْمَيِّتُ يَمُوتُ وذهنه حَاضر وَهُوَ عَارِف بِاللَّه

стр. 529

[٢٠٥٣] أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا حَجَّاجِ عَنْ لَيْث بن سعد عَن مُعَاوِيَة بن صَالح أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدُ قَالَ كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الْمَقْتُولِينَ نِفَاقٌ كَانَ

стр. 530

إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ وَبَرَقَتِ السُّيُوفُ فَرَّ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُنَافِقِ الْفِرَارَ وَالرَّوَغَانَ عِنْدَ ذَلِكَ وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الْبَذْلُ وَالتَّسْلِيمُ لِلَّهِ نَفْسًا وَهَيَجَانُ حَمِيَّةِ اللَّهِ وَالتَّعَصُّبُ لَهُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ فَهَذَا قَدْ أَظْهَرَ صِدْقَ مَا فِي ضَمِيرِهِ حَيْثُ بَرَزَ لِلْحَرْبِ وَالْقَتْلِ فَلِمَاذَا يُعَادُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَإِذَا كَانَ الشَّهِيدُ لَا يُفْتَنُ فَالصِّدِّيقُ أَجَلُّ خَطَرًا أَوْ أَعْظَمُ أَجْرًا فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يُفْتَنَ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ فِي التَّنْزِيلِ عَلَى الشُّهَدَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ قَالَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُرَابِطِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ لَا يُفْتَنَ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْهُ وَمِنَ الشَّهِيدِ قُلْتُ قَدْ صَرَّحَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّ الصديقين لَا يسئلون وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء وَتَأْوِيلُهُ عِنْدنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مِنْ مَشِيئَتِهِ أَنْ يَرْفَعَ مَرْتَبَةَ أَقْوَامٍ مِنَ السُّؤَالِ وَهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَمَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْحَكِيمِ فِي تَوْجِيِهِ حَدِيثِ الشَّهِيدِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ أَحَادِيثِ الرِّبَاطِ التَّعْمِيمُ فِي كل شَهِيد وَقد جزم الْحَافِظ بن حَجَرٍ فِي كِتَابِ بَذْلِ الْمَاعُونِ فِي فَضْلِ الطَّاعُون بِأَن الْمَيِّت بالطعن لَا يسئل لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْمَقْتُولِ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِأَنَّ الصَّابِرَ بِالطَّاعُونِ مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِذَا مَاتَ فِيهِ بِغَيْرِ الطَّعْنِ لَا يُفْتَنُ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْمُرَابِطِ وَقَدْ قَالَ الْحَكِيمُ فِي تَوْجِيهِ حَدِيثِ الْمُرَابِطِ إِنَّهُ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ وَسَجَنَهَا وَصَيَّرَهَا جَيْشًا لِلَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمُحَارَبَةِ

стр. 531

أَعْدَائِهِ فَإِذَا مَاتَ عَلَى هَذَا فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ [٢٠٥٥] هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِجَ عَنْهُ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَزَادَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَالَ الْحَسَنُ تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ فَرَحًا بِرُوحِهِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ لَا يَنْجُو مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِيهَا دَوَامُ الضَّغْطِ لِلْكَافِرِ وَحُصُولُ هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُؤْمِنِ فِي أَوَّلِ نُزُولِهِ إِلَى قَبْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الِانْفِسَاحِ لَهُ قَالَ وَالْمُرَادُ بضغط الْقَبْر

стр. 532

الْتِقَاءُ جَانِبَيْهِ عَلَى جَسَدِ الْمَيِّتِ وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ سَبَبُ هَذَا الضَّغْطِ أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ أَلَمَّ بِذَنْبٍ مَا فَتُدْرِكُهُ هَذِهِ الضَّغْطَةُ جَزَاءً لَهَا ثُمَّ تُدْرِكُهُ الرَّحْمَةُ وَكَذَلِكَ ضَغْطَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي التَّقْصِيرِ مِنَ الْبَوْلِ قُلْتُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق بن إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَأَلَ بَعْضَ أَهْلِ سَعْدٍ مَا بَلَغَكُمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا فَقَالُوا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ يُقَصِّرُ فِي بَعْضِ الطَّهُورِ من الْبَوْل وَقَالَ بن سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ أَخْبَرَ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ الْقَبْرِيِّ قَالَ لَمَّا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدًا قَالَ لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدٌ وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلَاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَ دَفَنَ سَعْدَ بْنَ مَعَاذٍ إنَّهُ ضُمَّ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً حَتَّى صَارَ مِثْلَ الشَّعْرَةِ فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَهُ عَنْهُ وَذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ

стр. 533

مِنَ الْبَوْلِ ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُمْ فِي الْقُبُورِ ضَمَّةً وَلَا سُؤَالًا لِعِصْمَتِهِمْ وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ الْمُؤْمِنُ الْمُطِيعُ لَا يَكُونُ لَهُ عَذَابُ الْقَبْرِ وَيَكُونُ لَهُ ضَغْطَةُ الْقَبْرِ فَيَجِدُ هَوْلَ ذَلِكَ وَخَوْفَهُ لِمَا أَنَّهُ تَنَعَّمَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَلم يشْكر النِّعْمَة وروى بن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ قَالَ كَانَ يُقَالُ إِنَّ ضَمَّةَ الْقَبْرِ إِنَّمَا أَصْلُهَا أَنَّهَا أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهَا أَوْلَادُهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّةَ الْوَالدَةِ غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا فَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا ضَمَّتْهُ بِرَأْفَةٍ وَرِفْقٍ وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سَخَطًا مِنْهَا عَلَيْهِ لِرَبِّهَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ الَّتِي يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ

стр. 534

طَاوُسٍ قَالَ إِنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعِمُوا عَنْهُمْ تَلِكَ الْأَيَّام وروى بن جُرَيْجٍ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الْحَرْثِ بْنِ أَبِي الْحَرْثِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ يُفْتَنُ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُفْتَنُ سَبْعًا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُفْتَنُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُرِيدُ مَسْأَلَةَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ مِنَ الْفِتْنَةِ وَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْفِتْنَتَيْنِ الشِّدَّةُ والهول والعموم

стр. 535

[٢٠٧٠] إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قِيلَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْإِيمَانِ وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِنْجَاءَهُ مِنَ النَّارِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُخَلِّطِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَلَهُ مقعدان يراهما جَمِيعًا كَمَا أَنَّهُ يَرَى عَمَلَهُ شَخْصَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ قَبِيحًا وَحَسَنًا وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُهَا كَيْفَمَا كَانَ ثُمَّ قِيلَ هَذَا الْعَرْضُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرُّوحِ وَحْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فَتُرَدُّ إِلَيْهِ الرُّوحُ كَمَا تُرَدُّ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ حِينَ يُقْعِدَهُ الْمَلَكَانِ وَيُقالُ لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فَسَيُبَشَّرُ بِمَا لَا يَكْتَنِهِ كُنْهَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ طَلِيعَةٌ بِتَأْثِيرِ السَّعَادَةِ الْكُبْرَى لِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ عَلَى الْفَخَامَةِ كَقَوْلِهِمْ مَنْ أَدْرَكَ الضِّمَارَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْمُدَّعَى وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ تَقْدِيرُهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ [٢٠٧١] هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرَى بَعْدَ الْبَعْثِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَرَامَةً وَمَنْزِلَةً يَنْسَى

стр. 536

عِنْدَهُ هَذَا الْمَقْعَدَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّين أَيْ إِنَّكَ مَذْمُومٌ مَدْعُوٌّ عَلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ عُذِّبْتَ بِمَا تَنْسَى اللَّعْنَ عِنْدَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ قَالَ بن التِّينِ مَعْنَاهُ لَا تَصِلُ الْجَنَّةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ الشَّهِيدِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ

стр. 537

هَذَا الْعُمُومُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّهَدَاءِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَارَةً تَكُونُ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْجَنَّةِ وَتَارَةً تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ قَالَ وَلَا يُتَعَجَّلُ الْأَكْلُ وَالنَّعِيمُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلشَّهِيدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرُ الشُّهَدَاءِ بِخِلَافِ هَذَا الْوَصْفِ إِنَّمَا يُمْلَأُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهِ قُلْتُ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشُّهَدَاءِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَن بن شهَاب عَن بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ حَيْثُ شَاءَتْ وَقَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ عَرْضُ الْمَقْعَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي الْقَبْرِ وَلَا عَلَى فِنَائِهِ بَلْ عَلَى أَنَّ لَهَا اتِّصَالًا بِهِ يَصِحُّ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا مَقْعَدُهَا فَإِنَّ لِلرُّوحِ شَأْنًا آخَرَ فَتَكُونُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْبَدَنِ بِحَيْثُ إِذَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُ عَلَى صَاحِبِهِ رَدَّ ﵇ وَهِيَ فِي مَكَانِهَا هُنَاكَ وَهَذَا جِبْرِيلُ ﵇ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ مِنْهَا جَنَاحَانِ سَدَّا الْأُفُقَ وَكَانَ يَدْنُو مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَقُلُوبَ الْمُخْلِصِينَ تَتَّسِعُ لِلْإِيمَانِ بِأَنَّهُ من الْمُمكن

стр. 538

أَنَّهُ كَانَ هَذَا الدُّنُوُّ وَهُوَ فِي مُسْتَقَرِّهِ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَفِي الْحَدِيثِ فِي رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا جِبْرِيلُ صَافٌّ قَدَمَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ فَجَعَلْتُ لَا أَصْرِفُ بَصَرِي إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ وَهَذَا مَحْمَلُ تَنَزُّلِهِ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَدُنُوِّهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَنَحْوَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَإِنَّمَا يَأْتِي الْغَلَطُ هُنَا مِنْ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ فَيُعْتَقَدُ أَنَّ الرُّوحَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْهَدُ مِنَ الْأَجْسَامِ الَّتِي إِذَا شَغَلَتْ مَكَانًا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا غَلَطٌ مَحْضٌ وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ شَأْنَ الرُّوحِ غَيْرُ شَأْنِ الْأَبَدَانِ وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِالشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعِهَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَامِّ الْمُطَابَقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشُّعَاعَ إِنَّمَا هُوَ عَرَضٌ لِلشَّمْسِ وَأَمَّا الرُّوحُ فَهِيَ نَفْسُهَا تَنْزِلُ وَكَذَلِكَ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ الْأَنْبِيَاءَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ رَأَى فِيهَا الْأَرْوَاحَ فِي مِثَالِ الْأَجْسَادِ مَعَ وُرُودِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَكًا أَعْطَاهُ أَسْمَاعَ الْخَلَائِقِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَبْلَغَنِي بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ هَذَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ رُوحَهُ فِي

стр. 539

أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الرُّوحِ فِي عِلِّيِّينَ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ السَّمَاءِ وَأَنَّ لَهَا بِالْبَدَنِ اتِّصَالًا بِحَيْثُ تُدْرِكُ وَتَسْمَعُ وَتُصَلِّي وَتَقْرَأُ وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ هَذَا لِكَوْنِ الشَّاهِدِ الدُّنْيَوِيِّ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشَاهِدُ بِهِ هَذَا وَأُمُورُ الْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ عَلَى نَمَطِ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَنْ قَالَ وَلِلرُّوحِ مِنْ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ الَّذِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ مَا يَقْتَضِي عُرُوجَهَا مِنَ الْقَبْرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ وَشَاهِدُ ذَلِكَ رُوحُ النَّائِمِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رُوحَ النَّائِمِ تَصْعَدُ حَتَّى تَخْتَرِقَ السَّبْعَ الطِّبَاقَ وَتَسْجُدُ لِلَّهِ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ثُمَّ تُرَدَّ إِلَى جَسَدِهِ فِي أَيْسَرِ الزَّمَان [٢٠٧٦] وَهل بن عُمَرَ بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ غَلِطَ وَزْنًا وَمَعْنًى وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُمُ الْآنَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ ثُمَّ قَرَأْتُ قَوْلَهُ إِنَّكَ لَا تسمع الْمَوْتَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْعِلْمُ لَا يَمْنَعُ مِنَ السَّمَاعِ وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يُسْمِعُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَمَا قَالَ قَتَادَة وَلم ينْفَرد بن عُمَرَ بِحِكَايَةِ ذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُ وَالِدُهُ عُمَرُ وَأَبُو طَلْحَة وبن مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ بَلْ وَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تشهد الْقِصَّة

стр. 540

[٢٠٧٧] الا عجب الذَّنب زَاد بن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْبَعْثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ جُزْءٌ لَطِيفٌ فِي أَصْلِ الصُّلْبِ وَقِيلَ هُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصِ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ أَيْ أَوَّلُ مَا خُلِقَ مِنَ الْإِنْسَانِ هُوَ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْقِيهِ إِلَى أَنْ يُرَكَّبَ الْخَلْقُ مِنْهُ تَارَةً أُخْرَى

стр. 541

[٢٠٨٠] كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ إِذَا أَنا مت فاحرقوني الحَدِيث قَالَ بن الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ

стр. 542

فَإِنْ قِيلَ هَذَا الَّذِي مَا عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ كَافِرٌ فَكَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ فَالْجَوَابُ قَالَ بن عقيل هَذَا رجل لم تبلغه الدعْوَة غُرْلًا أَيْ غَيْرُ مَخْتُونِينَ فَأَوَّلُ الْخَلَائِقِ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ فِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ وَخُصُوصِيَّةٌ لَهُ كَمَا خُصَّ مُوسَى ﵇ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجِدُهُ مُتَعَلِّقًا بِسَاقِ الْعَرْشِ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَمْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُ قَالَ وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكَايَةِ تَقْدِيمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ

стр. 543

السَّلَامُ فِي الْكِسْوَةِ فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينِ لِلَّهِ عَبْدٌ أَخْوَفُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَتُعَجَّلَ لَهُ كِسْوَتَهُ أَمَانًا لَهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أُمِرَ بِلُبْسِ السَّرَاوِيلَ إِذَا صَلَّى مُبَالَغَةً فِي السَّتْرِ وَحِفْظًا لِفَرْجِهِ أَنْ يَمَسَّ مُصَلَّاهُ فَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَيُجْزَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُسْتَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أَلْقَوْهُ فِي النَّارِ جَرَّدُوهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ ثِيَابَهُ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُرَادُ قَتْلُهُ وَكَانَ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ شَرَّ النَّارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَجَزَاهُ بِذَلِكَ الْعُرْيِ أَنْ جَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ يُدْفَعُ عَنْهُ الْعُرِيُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على رُؤُوس الْأَشْهَادِ وَهَذَا أَحْسَنُهَا وَإِذَا بُدِئَ فِي الْكِسْوَةِ بإبراهيم ﵇ وثنى بِمُحَمد ﷺ أُتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِحُلَّةٍ لَا يَقُومُ بِهَا الْبَشَرُ لِيَجْبُرَ التَّأْخِيرُ بِنَفَاسَةِ الْكِسْوَةِ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ كُسِيَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ﵉ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنَ الْجَنَّةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يكسى حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ثُمَّ يُؤْتَى بِي فَأُكْسِيَ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ لَا يَقُومُ لَهُ الْبَشَرُ ثُمَّ أُوتِيَ بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ لِي عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ [٢٠٨٥] يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ الْحَدِيثَ قَالَ القَاضِي عِيَاض

стр. 544

هَذَا الْمَحْشَرُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَهُوَ آخِرُ أَشْرَاطِهَا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تُرَحِّلُ النَّاسَ وَفِي رِوَايَةٍ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ النَّارُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهَا فَاخْرُجُوا إِلَى الشَّامِ كَأَنَّهُ أَمَرَ بِسَبْقِهَا إِلَيْهِ قَبْلَ إِزْعَاجِهَا لَهُمْ وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَبْرَارِ وَالْمُخَلِّطِينِ وَالْكُفَّارِ فَالْأَبْرَارُ الرَّاغِبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَالرَّاهِبُونَ هُمُ الَّذِينَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَأَمَّا الْأَبْرَارُ فَإِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِالنَّجَائِبِ وَأَمَّا الْمُخَلِّطُونَ فَهُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ إِنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى الْأَبْعِرَةِ وَأَمَّا الْفُجَّارُ الَّذِينَ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ مَلَائِكَةً فَتُقَيِّضُ لَهُمْ نَارًا تَسُوقُهُمْ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا ذِكْرَ الْبَعِيرِ وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِبِلِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي تَحْيَا وَتُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذَا مَا لَمْ يَأْتِ بَيَانُهُ وَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ نَجَائِبِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ جَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَاقِبُهُ بِالنَّارِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْهَا وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَمْ يَلِقْ أَنْ يَرِدُوا مَوْقِفَ الْحِسَابِ عَلَى نَجَائِبِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ إِلَى النَّارِ لِأَنَّ مَنْ

стр. 545

أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ لَمْ يُهِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّارِ وَإلى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِيِ عِيَاضٌ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أَظْهَرُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ وَالْمَبِيتِ وَالْقَائِلَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ [٢٠٨٦] وَفَوْجٌ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونَ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِك فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ عِيَاض

стр. 546

[٢٠٨٩] أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ لَمْ يَرِدْ تَسْمِيَتُهُ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَوَرَدَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ اسْمَهُ عِزْرَائِيلُ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ إِلَى مُوسَى فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عينه قَالَ بن خُزَيْمَةَ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا إِنْ كَانَ مُوسَى

стр. 547

عَرَفَهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَيْفَ يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ فَقْءِ عَيْنِهِ وَالْجَوَابُ إنَّ مُوسَى ﵇ إِنَّمَا لَطَمَهُ لِأَنَّهُ رَأَى آدَمِيًّا دَخَلَ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَقَدْ أَبَاحَ الشَّارِعُ فَقْءَ عَيْنِ النَّاظِرِ فِي دَارِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَقَدْ جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإلى لُوطٍ ﵉ فِي صُورَةِ آدَمِيِّينَ فَلَمْ يَعْرِفَاهُمُ ابْتِدَاءً وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهُ فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا الْمُبْتَدِعِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنْ مُوسَى فَلم يقْتَصّ لَهُ ولخص الْخطابِيّ كَلَام بن خُزَيْمَةَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ مُوسَى دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الْحِدَّةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ لِيَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلِهَذَا استسلم حِينَئِذٍ وَقَالَ بن قُتَيْبَةَ إِنَّمَا فَقَأَ مُوسَى الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ تَخْيِيلٌ وَتَمْثِيلٌ وَلَيْسَتْ عَيْنًا حَقِيقَةً وَمَعْنَى رَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ أَعَادَهُ إِلَى خِلْقَتِهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَرَدَّ اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عَيْنَهُ الْبَشَرِيَّةَ لِيَرْجِعَ إِلَى مُوسَى عَلَى كَمَالِ الصُّورَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَقْوَى فِي اعْتِبَارِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا لَطَمَهُ لِأَنَّهُ جَاءَ لِقَبْضِ رُوحِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخَيِّرَهُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ فَلِهَذَا لَمَّا خَيَّرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيةِ أَذْعَنَ عَلَى متن ثَوْر بِفَتْح وَسُكُون الْمُثَنَّاة هوالظهر وَقِيلَ هُوَ مُكْتَنَفُ الصُّلْبُ بَيْنَ الْعَصَبِ وَاللَّحْمِ ثُمَّ مَهْ هِيَ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ حُذِفَتْ أَلِفُهَا وَأُلْحِقَ بِهَا هَاءُ السَّكْتِ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآخِرِهِ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنٍ عَظِيمٍ الرَّمْلُ الْمُجْتَمِعُ وَيُقَال

стр. 548

إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَاهُ بِتُفَّاحَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَشَمَّهَا فَمَاتَ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَوَلَّوْا دَفْنَهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة (كتاب الصَّوْم) الْمُرْتَفِقُ أَيِ الْمُتَّكِئُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ وَهِيَ الْوِسَادَةُ وَأَصْلُهُ مِنَ الْمِرْفَقِ كَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مِرْفَقَهُ وَاتَّكَأَ عَلَيْهِ

стр. 549

[٢٠٩٨] إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ شُدِّدَتْ وَأُوثِقَتْ بِالْأَغْلَالِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ مِنْهُمْ وَأَنَّ تَسَلُّطَهُمْ يَقَعُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ دُونَ أَيَّامِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنِعُوا فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ فَزِيدَ وَالتَّسَلْسُلُ مُبَالَغَةٌ فِي الْحِفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَخْلُصُونَ مِنْ إِفْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيره لَا شتغالهم بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْعُ الشَّهَوَاتِ وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالشَّيَاطِينِ بَعْضُهُمْ وَهُمُ الْمَرَدَةُ مِنْهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ هَذَا

стр. 550

[٢١٠٠] فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عِبَارَةً عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَذَلِكَ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَغَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ عِبَارَةً عَنْ صَرْفِ الْهِمَمِ عَنِ الْمَعَاصِي الْآيِلَةِ بِأَصْحَابِهَا إِلَى النَّارِ وتصفيد

стр. 551

الشَّيَاطِينِ عِبَارَةً عَنْ تَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِغْوَاءِ وَتَزْيِينِ الشَّهَوَاتِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ إِذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ فَمِنْ تَصَرُّفِ رُوَاتِهِ وَأَصْلُهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ بِدَلِيلِ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ غَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تُرَى الشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي وَاقِعَةً فِي رَمَضَانَ كَثِيرًا فَلَوْ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تُغَلُّ عَنِ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ أَوِ الْمُصَفَّدُ بَعْضُ الشَّيَاطِينِ وَهُمُ الْمَرَدَةُ لَا كُلُّهُمْ وَالْمَقْصُودُ تَقْلِيلُ الشُّرُورِ مِنْهُمْ فِيهِ وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ فَإِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيدِ

стр. 552

جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يَقَعَ شَرٌّ وَلَا مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْرَ الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ والعادات القبيحة وَالشَّيَاطِين الانسية [٢١٠٦] وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ وَقَالَ عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ لِدُخُولِ الشَّهْرِ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَكَمَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقِلُّ إِغْوَاؤُهُمْ فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ قَالَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ

стр. 553

[٢١١٦] فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي التَّنْقِيحِ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْهِلَالِ أَيْ سُتِرَ مِنْ غَمَّيْتَ الشَّيْءَ سَتَرْتَهُ وَلَيْسَ مِنَ الْغَيْمِ وَيُقالُ فِيهِ غَمَّى وَغَمَى مخففا ومشددا رباعيا وثلاثيا [٢١٢٠] فَاقْدُرُوا لَهُ بِالْوَصْلِ وَضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا يَعْنِي حَقِّقُوا مَقَادِيرَ أَيَّامِ شَعْبَانَ حَتَّى تُكْمِلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى غَيَايَةٌ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَحْتِيَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ هِيَ السحابة

стр. 554

[٢١٤٤] تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً قَالَ النَّوَوِيُّ رَوَوْهُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي لِأَنَّ الْمُرَادَ

стр. 555

بِالْبَرَكَةِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَيُنَاسِبُ الضَّمَّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَحُّرِ وَالْبَرَكَةُ كَوْنُهُ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَيُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ فِيهِ فَيُنَاسِبُ الْفَتْحَ لِأَنَّهُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَقِيلَ الْبَرَكَةُ مَا يَتَضَمَّنُ مِنْ الِاسْتِيقَاظِ وَالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السَّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ وَيَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ وَالسَّبَبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءُ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قبل أَن ينَام وَقَالَ

стр. 556

بن دَقِيقِ الْعِيدِ هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ تُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَةً وَيَحْتَمِلُ الْأُمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ قَالَ وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اسْتِحْبَابُ السَّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ وَهَذَا أَحَدُ الْأَجْوِبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السَّحُورِ كَلَامٌ من جِهَة

стр. 557

اعْتِبَارِ حِكْمَةِ الصَّوْمِ وَهِيَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالسَّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ قَالَ وَالصَّوَابُ

стр. 558

أَنْ يُقَالَ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى يَعْدَمَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ كَالَّذِي يَصْنَعُهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ [٢١٦٢] دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَلَا تَدَعُوهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي صَوْمِهَا

стр. 559

[٢١٦٦] عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ الْفَارِقُ وَالْمُمَيِّزُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِهِمُ السُّحُورُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَسَحَّرُونَ وَنَحْنُ نَتَسَحَّرُ فَيُسْتَحَبُّ لَنَا السُّحُورُ قَالَ وَأَكْلَةُ السَّحُورِ هِيَ السُّحُورُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْأَكْلِ وَإِنْ كَثُرَ الْمَأْكُولِ فِيهَا كَالْغَدْوَةِ وَالْعَشْوَةِ وَأَمَّا الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ فَهِيَ اللُّقْمَةُ الْوَاحِدَةُ وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ رِوَايَةَ أَهْلِ بِلَادِهِمْ قَالَ عِيَاضٌ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ هُنَا

стр. 560

[٢٢٠٣] مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فِي مَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ مُؤْمِنًا مُحْتَسِبًا وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ الِاعْتِقَادُ لِحَقِّ فَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ وَالِاحْتِسَابُ

стр. 561

طَلَبُ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ احْتِسَابًا أَيْ عَزِيمَةً وَهُوَ أَنْ يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى

стр. 562

الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ غَيْرَ مستثقل لصيامه وَلَا مستطيل لأيامه

стр. 563

[٢٢١١] الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا مَعَ أَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدِهَا أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقَعُ فِيهِ الرِّيَاءِ كَمَا يَقَعُ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ لَيْسَ فِي الصَّوْمِ رِيَاءٌ قَالَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْحَرَكَاتِ إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَنِ النَّاسِ

стр. 564

قَالَ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة بِسَنَد ضَعِيف قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَقَدِ ارتضى هَذَا الْجَواب الْمَازرِيّ وبن الْجَوْزِيِّ وَالْقُرْطُبِيُّ الثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ كُشِفَتْ مَقَادِيرُ ثَوَابِهَا لِلنَّاسِ وَإِنَّهَا تُضَعَّفُ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَيَشْهَدُ لَهُ مَسَاقُ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ حَيْثُ قَالَ كل عمل بن آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ أَيْ أُجَازِي عَلَيْهِ خَيْرًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمِقْدَارِهِ الثَّالِثُ مَعْنَى قَوْلِهِ الصَّوْمُ لِي أَنَّهُ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ إِلَيَّ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدِي قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ كَفَى بِقَوْلِهِ الصَّوْمُ لِي فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ الرَّابِعُ الْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ كَمَا يُقَالُ بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ الْخَامِسُ أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷻ فَلَمَّا تَقَرَّبَ الصَّائِمُ إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِقُ صِفَاتِهِ أَضَافَهُ إِلَيْهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ مُنَاسِبَةٌ لِأَحْوَالِهِمْ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الصَّائِمَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِأَمْرٍ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِي السَّادِسُ أَنَّ الْمَعْنَى كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ السَّابِعُ أَنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَظٌّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَظًّا لِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ الثَّامِنُ أَنَّ الصِّيَامَ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ التَّاسِعُ أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ تُوَفَّى مِنْهَا مَظَالِمُ الْعِبَادِ إِلَّا الصَّوْم روى الْبَيْهَقِيّ عَن بن عُيَيْنَةَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَيَتَحَمَّلُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ رَبُّكُمْ ﵎ كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ إِلَّا الصَّوْمَ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا الْعَاشِرُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ كَمَا لَا تَكْتُبُ سَائِرَ أَعْمَالِ الْقُلُوب

стр. 565

قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَأَقْرَبُ مِنْهُمَا الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ قَالَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ بَلَّغَهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَهُوَ الطلقاني فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ لَهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ قُلْتُ قَدْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ بَلَّغَهَا إِلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ قَوْلًا وَسَأَسُوقُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْلِيق الَّذِي على بن مَاجَهْ قَالَ الْحَافِظُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّيَامِ هُنَا صِيَامُ مَنْ سَلِمَ صِيَامُهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَوْلًا وَفِعْلًا وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الْحَدِيثُ يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ يَعْنِي أَنَّ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَالنِّصْفَ الثَّانِي دُعَاءٌ لِلْعَبْدِ فِي مَصَالِحِهِ فَقَدْ صَارَ لِلَّهِ غَيْرُ الصَّوْمِ قَالَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِضَافَةَ الثَّانِيةَ لَا تُنَاقِضُ الْأُولَى إِذِ الثَّانِيةُ لِأَجْلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْأولَى لِأَجْلِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الْجِهَةُ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالْفَاءِ قَالَ عِيَاضٌ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَبَعْضُ الشُّيُوخِ يقَوْلُهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ وَحُكِيَ عَنِ الْقَابِسِيِّ الْوَجْهَيْنِ وَبَالَغَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمَصَادِرَ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعُولٍ بِفَتْح اللَّام قَلِيلَةٌ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ إِذْ ذَاكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ وَمَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ هُوَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنَ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ مِنْ تقريب الْمسك اليكم والى ذَلِك أَشَارَ
следующие страницы →